١٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
قُلْتُ: لفظ الحديث في الْبُخَارِيّ (١١٠٧) معلقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ».
[ ٤ / ٣٧٦ ]
وقد وصله البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٥٣٢) وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرِهِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
قُلْتُ: ولم يرو مُسْلِم حديث ابن عباس هذا، وإنَّما روى في ذلك حديث ابن عمر (٧٠٣) بنحوه وقد شاركه بإخراجه الْبُخَارِيّ، وله عده ألفاظ متقاربة المعنى، ولفظ الْبُخَارِيّ (١١٠٦) عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ». فكان الأولى بالمؤلف أن يذكر هذا الحديث فإنَّه أنسب لشرطه في هذا الكتاب.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر. وعلى هذا جماهير العلماء ومنع من ذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ وحمل الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري - وهو تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الأخرى في أول وقتها - وهو محجوج بالسنة الواردة في جمع التقديم فإنَّه لا يمكن حملها على الجمع الصوري ثم الجمع شرع لرفع الحرج والجمع الصوري فيه غاية الحرج فإنَّ انتظار الوقت حتى لا يبقى منه إلَّا مقدار فعل الصلاة بحيث يخرج
[ ٤ / ٣٧٧ ]
وقت الأولى إثر السلام ثم الشروع في الصلاة الأخرى في أول وقتها في غاية من التعسر وفعل الصلاة حينئذ في وقتها أيسر من هذا الجمع المدعى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وأجاز أبو حنيفة وغيره الجمع بين الظهر والعصر في عرفة وبين المغرب والعشاء في المزدلفة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٥٤ - ٥٥):
«ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها؛ فإنَّه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب ويريد مع ذلك ألَّا يطيلها وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك وإذا دخل في الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحدًا ليحصل الركوع والجماعة لم يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت ومعلوم أنَّ مراعاة هذا من أصعب الأشياء علمًا وعملًا وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ودفعًا للحرج عن الأمة فكيف لا يشرع إلَّا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة. فعلم أنَّه كان ﷺ إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنَّه لا يسلم من الأولى إلَّا قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنَّما يعرف على سبيل التحديد بالظل والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت ولا موقت يعرف ذلك بالآلات
[ ٤ / ٣٧٨ ]
الحسابية والمغرب إنَّما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك. وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب؛ بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنَّه معه يسلم قبل خروج الوقت. ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كان يراعيه؛ بل ولا أصحابه» اهـ.
٢ - أنَّ السنة في الجمع في السفر إذا كان المسافر على ظهر سير.
قُلْتُ: ولهذا لم يجمع النبي ﷺ يوم فتح مكة عند نزوله فيها، ولا جمع بين الصلاتين في مكة في حجة الوداع عند مكثه فيها قبل اليوم الثامن من ذي الحجة، وهكذا لما انتقل في يوم الثامن إلى منى وصلى فيها خمس صلوات صلاها قصرًا من غير جمع وإنَّما جمع في عرفة من أجل النسك، وأمَّا في مزدلفة فكان على ظهر سير.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٩٢):
«ولم يرد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه جمع في السفر وهو نازل إلَّا في حديث واحد ولهذا تنازع المجوزون للجمع. كمالك والشافعي وأحمد: هل يجوز الجمع
[ ٤ / ٣٧٩ ]
للمسافر النازل؟. فمنع منه مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وجوزه الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى ومنع أبو حنيفة الجمع إلَّا بعرفة ومزدلفة» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من أجاز للمسافر أن يجمع بين الصلاتين حال نزوله ما رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٣٢٨)، ومِنْ طَرِيقِه، أحمد (٢٢١٢٣)، ومُسْلِم (٧٠٦)، وأبو داود (١٢٠٨)، والنسائي (٥٨٧) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا …». الحديث.
قُلْتُ: قوله في الحديث: «ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ». يدل على أنَّه كان نازلًا ولم يكن على وجه السير.
قَالَ الإمام الشافعي ﵀ فِي [الْأُمِ] (١/ ٧٧):
«وهذا وهو نازل غير سائر لأنَّ قوله: "دخل ثم خرج" لا يكون إلاَّ وهو نازل فللمسافر أن يجمع نازلًا وسائرًا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٣/ ٤٦٣):
«وَقَوْلُهُ في حديث مالك عن أبي الزبير: "فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا" يدل على أنَّه جمع بين الصلاتين وهو نازل غير سائر» اهـ.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٢/ ١٩٦):
«وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قَالَ لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلاَّ إذا جد به السير» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٦٣ - ٦٥): «قُلْتُ: الجمع على ثلاث درجات: أمَّا إذا كان سائرًا في وقت الأولى فإنَّما ينزل في وقت الثانية. فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين مِنْ حَدِيْثِ أنس وابن عمر وهو نظير جمع مزدلفة. وأمَّا إذا كان وقت الثانية سائرًا أو راكبًا فجمع في وقت الأولى فهذا نظير الجمع بعرفة وقد روي ذلك في السنن كما سنذكره إن شاء الله وأمَّا إذا كان نازلًا في وقتهما جميعًا نزولًا مستمرًا: فهذا ما علمت روي ما يستدل به عليه إلَّا حديث معاذ هذا فإنَّ ظاهره أنَّه كان نازلًا في خيمة في السفر وأنَّه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا فإنَّ الدخول والخروج إنَّما يكون في المنزل وأمَّا السائر فلا يقَالَ دخل وخرج بل نزل وركب وتبوك هي آخر غزوات النبي ﷺ ولم يسافر بعدها إلَّا حجة الوداع وما نقل أنَّه جمع فيها إلَّا بعرفة ومزدلفة وأمَّا بمنى فلم ينقل أحد أنَّه جمع هناك بل نقلوا أنَّه كان يقصر الصلاة هناك ولا نقلوا أنَّه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ولا يقدم الثانية إلى أول وقتها
[ ٤ / ٣٨١ ]
وهذا دليل على أنَّه كان يجمع أحيانًا في السفر وأحيانًا لا يجمع وهو الأغلب على أسفاره أنَّه لم يكن يجمع بينهما.
وهذا يبين أنَّ الجمع ليس من سنة السفر كالقصر بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو الحضر فإنَّه قد جمع أيضًا في الحضر لئلا يحرج أمته فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع سواء كان ذلك لسيره وقت الثانية أو وقت الأولى وشق النزول عليه أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر ووقت العشاء فينزل وقت الظهر وهو تعبان سهران جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره فهذا ونحوه يباح له الجمع.
وأمَّا النازل أيامًا في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان يقصر لأنَّه مسافر فلا يجمع كما أنَّه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم ولا يأكل الميتة: فهذه الأمور أبيحت للحاجة ولا حاجة به إلى ذلك؛ بخلاف القصر فإنَّه سنة صلاة السفر» اهـ.
قُلْتُ: وجمع النبي ﷺ في تبوك لا يظهر أنَّه كان من أجل السفر، فإنَّه لو كان من أجل السفر لجمع في سائر أسفاره لكن لحاجة طرأت عليه، ولعله فعل ذلك من أجل التفرغ للقاء العدو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٢٤ - ١٢٩):
«وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
[ ٤ / ٣٨٢ ]
أَحَدُهَا: جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِعُذْرِ السَّفَرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا وَجَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالْجُمْهُورُ إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ اخْتِصَاصُ الْجَمْعِ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّيْرِ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ لِإِدْرَاكِ مُهِمٍّ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ إنَّ الْجَدَّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ السَّفَرِ مُبِيحٌ لِلْجَمْعِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ الْجَمْعُ بَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ - مَعَ الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمونَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَرَبِيعَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ جَمَاعَةِ السَّلَفِ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
الْقَوْلُ الثَّانِي: اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ لِإِدْرَاكِ مُهِمٍّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَجَوَابُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ زِيَادَةً يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَهِيَ الْجَمْعُ مِنْ غَيْرِ جَدٍّ فِي السَّفَرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ مُعَاذٍ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ: فِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ وَأَقْوَى الْحُجَجِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلِالْتِبَاسِ قَالَ وَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
مَا يُعَارِضُهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ الْجَمْعُ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ فَاَلَّذِي يَجِدُّ بِهِ السَّيْرُ أَحْرَى بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَتَعَارَضَانِ لَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُ قَالَ لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ وَفِي الْآخَرِ أَنَّهُ جَمَعَ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ فَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَقَدْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيَجْمَعَ وَهُوَ نَازِلٌ لَمْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ فَلَيْسَ هَذَا بِمُتَعَارِضٍ عِنْدَ أَحَدٍ لَهُ فَهْمٌ قَالَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمونَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَكُلُّ مَا اخْتَلَفْت فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ فَمَرْدُودٌ إلَيْهِ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَلَمْ تَرَ إلَى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ؟ فَهَذَا سَالِمٌ قَدْ نَزَعَ بِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَصْلٌ صَحِيحٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ الْعَصَبِيَّةُ إلَى الْمُعَانَدَةِ انْتَهَى.
وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْجَدِّ خَوْفَ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ إدْرَاكِ مُهِمٍّ بَلْ كَانَ الْجَدُّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَوْله تَعَالَى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَعَجَّلَنِي سَيْرٌ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ إلَّا مَنْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ السَّفَرَ نَفْسَهُ إنَّمَا هُوَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ انْتَهَى وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَاكِثَ فِي الْمَنْزِلَةِ لَيْسَ قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ سَائِرٌ إلَّا أَنَّهُ لَا اسْتِعْجَالَ بِهِ بَلْ هُوَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ فَهُوَ أَنْ يُجَوِّزَ الشَّافِعِيُّ لَهُمَا الْجَمْعَ وَلَا يُجَوِّزُهُ لَهُمَا ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ أَسْعَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ اعْتِبَارُ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَخْصُوصٍ لِذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّمَا يَكُونُ الْجَدُّ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ إدْرَاكِ مُهِمٍّ فَقَدْ يَكُونُ الْجَدُّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ مِنْ مَتَاعِبِ السَّفَرِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ" لَكِنْ زَادَ حَدِيثُ مُعَاذٍ عَلَى ذَلِكَ بِبَيَانِ الْجَمْعِ فِي زَمَنِ الْإِقَامَةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ اسْمَ السَّفَرِ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ، قَالَ وَعَنْ الثَّوْرِيِّ نَحْوُ هَذَا وَعَنْهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَإِنْ لَمْ يَجِدَّ السَّيْرُ انْتَهَى وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مَا أَرَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا مِنْ أَمْرٍ فَجَعَلَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ الْجَدَّ فِي السَّيْرِ مِثَالًا لِلْعُذْرِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْعُذْرِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَيَقُولُ الْجُمْهُورُ السَّفَرُ نَفْسُهُ عُذْرٌ وَمَظِنَّةٌ لِلرُّخْصَةِ فَنِيطَ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: مَنْعُ الْجَمْعِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلنُّسُكِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهَذَا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بَلْ زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى صَاحِبِيهِ وَقَالَ لَا يَجْمَعُ لِلنُّسُكِ إلَّا إذَا صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ فَإِنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْمُنْفَرِدُ فِي ذَلِكَ كَالْمُصَلِّي جَمَاعَةً وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي هَذَا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتِيَارِهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ كَانَ الْأَسْوَدُ وَأَصْحَابُهُ يَنْزِلُونَ عِنْدَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي السَّفَرِ فَيُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ يَتَعَشَّوْنَ ثُمَّ يَمْكُثُونَ سَاعَةً ثُمَّ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا مَا نَعْلَمُ مِنْ السُّنَّةِ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ إلَّا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَعَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا قَالَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
[ ٤ / ٣٨٦ ]
عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهَذَا مَرْدُودٌ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَرَدَتْ الرِّوَايَاتُ مُصَرِّحَةً بِالْجَمْعِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَحَدِيثُ مُعَاذٍ صَرِيحٌ فِي جَمْعَيْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَشَدَّ ضِيقًا وَأَعْظَمَ حَرَجًا مِنْ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا أَوْسَعُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيْ الْوَقْتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِهَا وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَجَدَهُ وَاضِحًا كَمَا وَصَفْنَا ثُمَّ لَوْ كَانَ الْجَمْعُ هَكَذَا لَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَالْعَمَلُ بِالْأَحَادِيثِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ إلَى الْفَهْمِ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ هَذَا التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا إلَّا الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى جَمَعَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَصَلَّى الصُّبْحَ قَبْلَ الْفَجْرِ»
[ ٤ / ٣٨٧ ]
وَقَالُوا إنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ تَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ بِلَا شَكٍّ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَصْرُ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِظَاهِرِهِ فِي إيقَاعِ الصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ بَالَغَ فِي التَّعْجِيلِ حَتَّى قَارَبَ ذَلِكَ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ إنَّ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ حَفِظَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَلَمْ يَشْهَدْ وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ".
وَالْجَوَابُ: عَنْ قَوْلِهِمْ لَا يُتْرَكُ الْمُتَوَاتِرُ بِالْآحَادِ بِأَنَّا لَمْ نَتْرُكْهَا وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهَا وَتَخْصِيصُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إجْمَاعًا فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ عُمَرَ جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَالَ الْعُذْرُ يَكُونُ بِالسَّفَرِ وَالْمَطَرِ وَلَيْسَ هَذَا ثَابِتًا عَنْ عُمَرَ وَهُوَ مُرْسَلٌ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ: جَوَازُ التَّأْخِيرِ وَمَنْعُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعِكْرِمَةَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ بِشَرْطِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ وَاعْتِمَادُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ
[ ٤ / ٣٨٨ ]
جَمْعَ التَّقْدِيمِ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثَيْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهِمَا جَمْعُ التَّأْخِيرِ وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: "فَإِنْ زَاغَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ" وَلَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا أَنْ لَا يَكُونَ صَلَّاهَا مَعَ الظُّهْرِ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ قَالَ لِأَنَّهُ ﵇ إنَّمَا كَانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ إذَا لَمْ تَزُغْ الشَّمْسُ فَكَذَلِكَ يُقَدِّمُ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ إنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ وَلَفْظُهُ "إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَإِنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ". وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ اللُّؤْلُؤِيَّ حَكَى عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْوَقْتِ حَدِيثٌ قَائِمٌ اهـ
وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِنَا لِسُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَضَعَّفَ ابْنُ حَزْمٍ حَدِيثَ مُعَاذٍ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَقَدْ بَسَطْت الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي كُرَّاسَةٍ كَتَبْتهَا قَدِيمًا سَمَّيْتهَا الدَّلِيلُ الْقَوِيمُ عَلَى صِحَّةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ» اهـ.
وقَالَ الْعَلاَّمَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (١/ ٢٦٣):
[ ٤ / ٣٨٩ ]
«فقال قوم لا يجمع بين صلاتين ويصلي كل واحدة منهما في وقتها يروى ذلك عن إبراهيم النخعي وحكاه عن أصحاب عبد الله، وكان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين» اهـ.
٣ - أنَّ العشاء لا تجمع مع الفجر، والفجر لا يجمع مع الظهر، والعصر لا يجمع مع المغرب لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ.
قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٢٠):
«ولا خلاف أن الجمع ممتنع بين الصبح وغيرها وبين العصر والمغرب كما لا خلاف في جواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمزدلفة» اهـ.
قُلْتُ: تنازع العلماء في الجمع بين الجمعة والعصر فأجازه جمع من علماء الشافعية، ومنعه آخرون من علماء الحنابلة والشافعية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٣٨٣):
«يجوز الجمع بين الجمعة والعصر في المطر ذكره ابن كج وصاحب البيان وآخرون» اهـ.
وقال العلامة الزركشي ﵀ في [الْبَحْرِ الْمُحِيطِ] (٧/ ٧٨)
«قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعَصْرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ تَأْخِيرًا، وَكَذَا تَقْدِيمًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ رُخْصَةٌ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ» اهـ.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
قَالَ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آَلِ الْشَّيْخِ]
(٢/ ٢٥٧): «إذا عزموا على الإقامة عشرة أيام لم يجمعوا، لا تجمع العصر إلى الجمعة» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٢/ ٣٠٠):
«ليس هناك دليل فيما نعلم يدل على جواز جمع العصر مع الجمعة، ولم ينقل ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ﵃، فالواجب ترك ذلك، وعلى من فعل ذلك أن يعيد صلاة العصر إذا دخل وقتها. وفق الله الجميع» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٤):
«وفيه شرط خامس: أن لا تكون صلاة الجمعة، فإنَّه لا يصح أن يجمع إليها العصر، وذلك لأنَّ الجمعة صلاة منفردة مستقلة في شروطها وهيئتها وأركانها وثوابها أيضًا، ولأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، ولم يرد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه جمع العصر إلى الجمعة أبدًا، فلا يصح أن تقاس الجمعة على الظهر لما سبق من المخالفة بين الصلاتين، بل حتى في الوقت على المشهور من مذهب الحنابلة فوقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى العصر،
[ ٤ / ٣٩١ ]
والظهر من الزوال إلى العصر وأيضًا الجمعة لا تصح إلَّا في وقتها، فلو خرج الوقت تصلى ظهرًا، والظهر تصح في الوقت وتصح بعده للعذر.
وهذا الشرط يؤخذ من قول المؤلف ﵀: يجوز الجمع بين الظهرين، فإنَّ المراد بهما الظهر والعصر فلا يدخل في ذلك الجمعة والعصر.
ولكن لو قَالَ قائل: أنا أريد أن أنوي الجمعة ظهرًا؛ لأنِّي مسافر وصلاة الظهر في حقي ركعتان يعني على قدر الجمعة؟
فنقول: هذه النية لا تصح على قول من يقول: إنَّه يشترط اتفاق نية الإمام والمأموم، لأنَّهم لم يستثنوا من هذه المسألة إلَّا من أدرك من الجمعة أقل من ركعة فإنَّه يدخل مع الإمام بنية الظهر لتعذر الجمعة في حقه، أمَّا هذه فهي ممكنة فلا يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة، وهذا القول واضح أنَّه لا يصح أن ينويها ظهرًا.
أمَّا على القول الراجح: أنَّ نية الإمام والمأموم لا يضر الاختلاف بينهما فإنَّه يصح، ولكننا نقول: لا تنوها ظهرًا؛ لأنَّك إذا نويتها ظهرًا حرمت نفسك أجر الجمعة وأجر الجمعة أكبر بكثير من أجر الظهر، فكيف تحرم نفسك أجر الجمعة، من أجل الجمع؟ والأمر يسير: اترك العصر حتى يدخل وقتها ثم صلها.
ولأنَّ في نية صلاة الظهر قبل فوات الجمعة ممن تلزمه الجمعة إذا حضرها نظرًا، لأنَّ صلاة الظهر قبل فوات الجمعة ممن تلزمه غير صحيحة» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَائِمَةِ]- ٢ (٧/ ٢٥):
[ ٤ / ٣٩٢ ]
«أيضًا لا يجوز الجمع بين الجمعة والعصر؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃؛ ولأن الجمعة ليست من جنس العصر، فمن جمع بين الجمعة والعصر فعليه أن يعيد صلاة العصر؛ لكونه صلاها قبل وقتها لغير مسوغ شرعي.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … الرئيس
عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي في ذلك لوجهين:
الوجه الأول: عدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فإن قيل صلاة الجمعة هي صلاة ظهر مقصورة. قلنا لم يأت من قَالَ ذلك بحجة إلَّا مجرد الدعوى وصلاة الجمعة تخالف صلاة الظهر في أحكام كثيرة فالصحيح أنَّها صلاة مستقلة ولم يأت ما يدل على أنها تجمع مع العصر، كما لم يأت ما يدل على جمع العصر مع المغرب، ولا العشاء مع الفجر، ولا الفجر مع الظهر.
فإن قيل المعنى الذي هو من أجله شرع الجمع بين الظهر والعصر موجود في الجمع بين الجمعة والعصر وهو رفع الحرج.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
قيل: صلاة الظهر متكررة في كل يوم فيكثر الحرج فيها وأمَّا صلاة الجمعة فليست كذلك فلذا يندر فيها الحرج فلا يصح إلحاقها بصلاة الظهر وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الوجه الثاني: أنَّه لم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة فيما أعلم.
٤ - ولم يبين عبد الله بن عباس جمع النبي ﷺ هل هو جمع تقديم أم تأخير فيشمل الأمرين.
قُلْتُ: واختلف العلماء في جمع التقديم فأجازه الجمهور ومنعه الإمام مالك، وأحمد في رواية.
وقد جاء فيه عدة أحاديث منها:
حديث معاذ بن جبل ﵁.
رواه أبو داود (١٢١٠) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ:
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ، حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلُ ذَلِكَ، إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ لضعف هشام بن سعد، أبو الزبير مدلس وقد عنعن.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
ورواه أحمد (٢٢٠٨٩) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لَا يَرُوحُ حَتَّى يُبْرِدَ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٨٣):
«وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل وهشام مختلف فيه وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم» اهـ.
قُلْتُ: حديث سفيان رواه أحمد (٢٢٠٦٥)، وابن ماجه (١٠٧٠) ابن ماجه (١٠٧٠) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي السَّفَرِ».
وروى أحمد (٢٢١٤٧)، وأبو داود (١٢٢٢)، والترمذي (٥٥٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ، فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ
[ ٤ / ٣٩٥ ]
الْمَغْرِبَ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا قُتَيْبَةُ وَحْدَهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
لكن قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٩١/ ٢٤٥):
«وسمعت أبي يقول: كتبت عن قتيبة حديثًا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنه كان في سفر فجمع بين الصلاتين.
قَالَ أبي: لا أعرفه مِنْ حَدِيْثِ يزيد، والذي عندي أنَّه دخل له حديث في حديث حدثنا أبو صالح، قَالَ: حدثنا الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بهذا الحديث» اهـ.
وقَالَ الإمام الترمذي ﵀:
«وحديث الليث عن زيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب. والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ مِنْ حَدِيْثِ أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء"
رواه قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد عن أبي الزبير المكي» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٦/ ٤٢):
[ ٤ / ٣٩٦ ]
«وحدث به قتيبة ابن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا" … الحديث.
كذلك حدث به جماعة من الرفعاء، عن قتيبة.
ورواه المفضل بن فضالة، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بهذه القصة بعينها، وهو أشبه بالصواب، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْحَاكِمُ ﵀ فِي [مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيْثِ] (١/ ١٨٣ - ١٨٥) - عند كلامه على الحديث الشاذ -: «ومثاله ما حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه قَالَ: ثنا موسى بن هارون قَالَ: قتيبة بن سعيد قَالَ: ثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: "كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب".
قَالَ أبو عبد الله: هذا حديث رواته أئمة ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها، ولو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عند يزيد أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به، فلما لم نجد له
[ ٤ / ٣٩٧ ]
العلتين خرج عن أن يكون معلولًا، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل فقلنا الحديث شاذ.
وقد حدثونا عن أبي العباس الثقفي قَالَ: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة حتى عد قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وقد أخبرناه أحمد بن جعفر القطيعي قَالَ: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قَالَ: حدثني أبي قَالَ: ثنا قتيبة فذكره.
قَالَ أبو عبد الله: فأئمة الحديث إنَّما سمعوه من قتيبة تعجبًا من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب وحدثنا به عن أبي عبد الرحمن النسائي وهو إمام عصره عن قتيبة بن سعيد ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي للحديث علة، فنظرنا فإذا الحديث موضوع وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون.
حدثني أبو الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه قَالَ: ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قَالَ: سمعت صالح بن حفصويه النيسابوري قَالَ: أبو بكر وهو صاحب حديث يقول: سمعت محمد بن إسماعيل الْبُخَارِيّ يقول: قُلْتُ لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي معرفة
[ ٤ / ٣٩٨ ]
الطفيل؟ فقَالَ: كتبته مع خالد المدايني، قَالَ الْبُخَارِيّ: وكان خالد المدايني يُدخل الأحاديث على الشيوخ» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ١٦٣/ ٥٣١٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الْفَقِيهَ الصَّيْدَلَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ حَفْصَوَيْهِ، نَيْسَابُورِيٌّ صَاحِبُ حَدِيثٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيّ يَقُولُ: قُلْتُ لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ: مَعَ مَنْ كَتَبْتَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ،؟ فَقَالَ: كَتَبْتُهُ مَعَ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: وَكَانَ خَالِدٌ الْمَدَائِنِيُّ هَذَا يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا مِنْ هَذَا رِوَايَةَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ فَهِيَ مَحْفُوظَةٌ صَحِيحَةٌ اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ] (١١/ ٢٢ - ٢٤):
«ما رواه أحد عن الليث سوى قتيبة.
وقد أخرجه عنه أبو داود، والترمذي، وأمَّا النسائي فامتنع من إخراجه لنكارته.
وأخبرنا المُسْلِم بن محمد في كتابه، أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا محمد بن نعيم الضبي، حدثني محمد بن محمد بن يحيى الإسفراييني الفقيه، حدثنا محمد بن عبدك بن مهدي
[ ٤ / ٣٩٩ ]
الإسفراييني، حدثنا إسحاق بن أبي عمران الشافعي، حدثنا أبو محمد المروزي، وراق محمود بن غيلان، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، حدثنا علي بن المديني، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ: "أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ، خرج في غزوة تبوك، فكان يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر، فيجمع بينهما" مختصر.
أخرجه أحمد في "مُسْنَدِهِ"، فوقع لنا موافقة نازلة بست درج.
ومن أعجب الأمور أنَّ أبا عيسى الترمذي، حدث به عن قتيبة، ورواه نازلًا، كما هو موجود في نسخ عدة فقَالَ: حدثنا عبد الصمد بن سليمان البلخي، عن زكريا بن يحيى اللؤلؤي عن أبي بكر الأعين، عن علي بن المديني، عن أحمد، عن قتيبة، فهذا من طرق النوازل.
قَالَ أبو عبد الله الْحَاكِمُ: رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن،
ثم لا نعرف له علة نعلله بها، فلو كان الحديث عند الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، لعللنا به الحديث، ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الزبير، لعللنا به، فلما لم نجد له علة، خرج عن أن يكون معلولًا.
ثم نظرنا فلم نجد ليزيد عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن يرويه عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا: هو شاذ، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
ولم يبلغنا عن أحد منهم أنَّه ذكر له علة.
قُلْتُ: بل رووه في كتبهم واستغربه بعضهم.
قَالَ الْحَاكِمُ: وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا، وحدثنا به عن النسائي، وهو إمام عصره، عن قتيبة.
ولم يذكر أبو عبد الرحمن، ولا أبو علي للحديث علة، فنظرنا، فإذا هو موضوع.
وقتيبة ثقة مأمون.
فحدثني علي بن محمد بن عمران الفقيه، حدثنا ابن خزيمة، سمعت صالح بن حفصويه - نيسابوري صاحب حديث - يقول: سمعت محمد بن إسماعيل الْبُخَارِيّ يقول: قُلْتُ لقتيبة: مع من كتبت عن الليث حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ قَالَ: مع خالد المدائني.
قَالَ الْبُخَارِيّ: وكان خالد هذا يدخل على الشيوخ الأحاديث.
وقد قَالَ أبو داود عقيبه: لا يرويه إلا قتيبة وحده.
وقَالَ الترمذي: حسن غريب، تفرد به قتيبة، والمعروف
حديث مالك وسفيان، يعني: عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ: "أنهم خرجوا مع رسول الله، ﷺ، في غزوة تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء "، يعني: وليس فيه جمع التقديم.
[ ٤ / ٤٠١ ]
قَالَ أبو سعيد: لم يحدث به إلا قتيبة، ويقَالَ: إنه غلط، وإن موضع يزيد بن أبي حبيب أبو الزبير.
قُلْتُ: فيكون قد غلط في الإسناد، وأتى بلفظ منكر جدًا.
يرون أن خالدًا المدائني، أدخله على الليث. وسمعه قتيبة معه، فالله أعلم.
قُلْتُ: هذا التقرير يؤدي إلى أن الليث كان يقبل التلقين، ويروي ما لم يسمع، وما كان كذلك.
بل كان حجة متثبتًا، وإنَّما الغفلة وقعت فيه من قتيبة، وكان شيخ صدق، قد روى نحوا من مئة ألف، فيغتفر له الخطأ في حديث واحد» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرْحِ عِلَلِ الْتِرْمِذي] ص (٤٢٠):
«وقد روى قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد حديث الجمع بين الصلاتين في السفر، وهو غريب جدًا، فاستنكره الحفاظ. ويقَالَ: إنه سمعه مع خالد بن الهيثم فأدخله على الليث، وهو لا يشعر، كذا ذكره الْحَاكِمُ في علوم الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٨٣):
«والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان مِنْ طَرِيقِ الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث وأشار الْبُخَارِيّ إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة حكاه الْحَاكِمُ في "علوم الحديث"» اهـ.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
قُلْتُ: وقد روى الحديث بعض أصحاب الليث بن سعد ولم يذكروا في حديثهم ما ذكره قتيبة، وإنَّما رووه عن الليث عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل منهم:
١ - يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني أخرج حديثه أبو داود (١٢١٠).
وفي حديثه جمع التقديم كما سبق.
٢ - عبد الله بن صالح الجهني وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦٥٢٥).
وقد تابع الليث في ذلك مفضل بن فضالة وحديثه عند أبي داود (١٢١٠).
وأبو نعيم الفضل بن دكين وحديثه عند عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (١٢٢)، والبزار (٢٦٣٩).
وحماد بن خالد الخياط أخرج حديثه أحمد (٢٢٠٨٩)
وقد تابع هشام بن سعد في ذلك جمع من الرواة منهم:
١ - سفيان الثوري وحديثه عند أحمد (٢٢٠٦٥)، وابن ماجه (١٠٧٠).
٢ - وزهير بن معاوية وحديثه في مُسْلِم (٧٠٦).
٣ - ومالك بن أنس وحديثه في [الْمُوَطَأ] (٣٢٨)، ومِنْ طَرِيقِه الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٥٣٣)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٣٩٩)، وأحمد (٢٢١٢٣)، ومُسْلِم (٧٠٦)، وأبو داود (١٢٠٨)، والنسائي (٥٨٧)، والدارمي (١٥١٥).
[ ٤ / ٤٠٣ ]
٤ - وعمرو بن الحارث عند الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (١٦٥٢٦)، و[الْأَوْسَطِ] (٦٣٧٨).
٥ - وزيد بن أبي أنيسة عند الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (١٦٥٢٩).
٦ - وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي عند الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٦٩٠١)، وفي [مُسْنَدِ الْشَّامِيِيْنَ] (٩٤).
قُلْتُ: إلَّا أنَّ في حديثه الجمع الصوري ولا يثبت في الحديث.
قَالَ الطبراني ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْبَيْرُوتِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، نَا غُصْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَجَعَلَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ يَسِيرُ وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، ثُمَّ قَالَ حِينَ دَنَا: «إِنَّا نَازِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَبُوكَ، فَلَا يَسْبِقُنَا أَحَدٌ إِلَى الْمَاءِ» قَالَ مُعَاذٌ: فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إِلَى الْمَاءِ، فَإِذَا رَجُلَانِ قَدْ سَبَقَا إِلَى الْمَاءِ فاسْتَقَيَا فِي قِرْبَتَيْنِ مَعَهُمَا، وكَدَّرَا الْمَاءَ، فَقُلْتُ: أَبَعْدَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَقْتُمَا واسْتَقَيْتُما؟ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ لَا يَسْبِقَنَا إِلَى الْمَاءِ أَحَدٌ»، فَدَعَا بِالْقِرْبَتَيْنِ فَصُبَّتَا فِي الْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ، وَتَمَضْمَضَ فِي الْمَاءِ، وَدَعَا اللَّهَ، ففاضَ الْمَاءُ، فَقَالَ: «كَأَنَّكَ يَا مُعَاذُ
[ ٤ / ٤٠٤ ]
إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا» لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ إِلَّا غُصْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، تَفَرَّدَ بِهِ: مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ اهـ.
قُلْتُ: غصن بن إسماعيل قَالَ فيه ابن حبان ﵀ فِي [الْثِّقَاتِ] (٩/ ٤/ ١٤٨٦٠): «غصن بن إسماعيل من أهل أنطاكية يروى عن ثوبان عن نافع والزهري روى عنه محمد بن غالب الأنطاكي ربما خالف» اهـ.
٧ - وهشام الدستوائي عند الشاشي في [مُسْنَدِهِ] (١٣٢٧)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣/ ٤٦٣/ ١٠٩٩).
٨ - وبسام بن عبد الله الصيرفي لكن في حديثه أنَّ ذلك كان في المدينة ولا يصح.
رواه ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٩١) حَدَّثَنَا نا ابْنُ عُتْبَةَ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُرِّيُّ، نا بَسَّامٌ الصَّيْرَفِيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ».
قُلْتُ: عثمان بن سعيد المري لم يوثقه معتبر وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب" «مقبول» اهـ.
٩ - وأشعث بن سوار وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦٥٢٨)، وابن حيان في [أَحَادِيْثِ أَبِي الْزُّبَيْرِ] (٤٧).
١٠ - وقرة بن خالد السدوسي وحديثه عند الطيالسي في [الْمُسْنَدِ] (٥٧٠)، ومُسْلِم (٧٠٦)، وأحمد (٢٢٠٥٠)، والبزار (٢٦٣٧)، والطبراني في [الْكَبِيْر]
[ ٤ / ٤٠٥ ]
(١٦٥٣٠)، وأبو نعيم في [مُسْتَخْرَجِهِ] (١٥٨٨)، والخطيب في [الْجَامِعِ] (١٤٨٩).
وتابع أبا الزبير عمرو بن دينار فروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٨٥)، وأبو نعيم في [حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ] (٧/ ٨٩):
مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْفَسَوِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ،، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
قَالَ أبو نعيم: «تَفَرَّدَ بِهِ عُثْمَانُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَلِلثَّوْرِيِّ فِيهِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى مُخْتَلِفَةٌ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ، وَالْعِرَاقِيِّينَ تَكْثُرُ وَتَطُولُ، اقْتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀: «وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ» اهـ.
قُلْتُ: وأعلَّ ذلك الحافظ الدارقطني في [الْعِلَلِ] (٦/ ٤٠) فقَالَ:
«وخالفه أصحاب الثوري، منهم: وكيع، وابن مهدي، وعبد الرزاق، وعبيد الله بن موسى، فرووه عن الثوري، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، وهو الصحيح» اهـ.
حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤٤٠٥)، ومِنْ طَرِيقِه أحمد (٣٤٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «كَانَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ فِي مَنْزِلِهِ، جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ، وَإِذَا لَمْ تَزِغْ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ، سَارَ حَتَّى إِذَا حَانَتِ الْعَصْرُ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِذَا حَانَتِ الْمَغْرِبُ فِي مَنْزِلِهِ، جَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، وَإِذَا لَمْ تَحِنْ فِي مَنْزِلِهِ رَكِبَ، حَتَّى إِذَا حَانَتِ الْعِشَاءُ، نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: هذا إسناد واهٍ فيه حسين بن عبد الله قَالَ فيه الإمام النسائي ﵀ "متروك" واتهم بالزندقة.
قُلْتُ: ووقع في الحديث اختلاف قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٢/ ٢٣٤/ ١٤٥٠):
«روى هذا الحديث حجاج عن ابن جريج قَالَ أخبرني حسين عن كريب وحده عن ابن عباس. ورواه عثمان بن عمر عن ابن جريج عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس.
ورواه عبد المجيد عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن حسين عن كريب عن ابن عباس. وكلهم ثقات فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه أولًا من هشام بن
[ ٤ / ٤٠٧ ]
عروة عن حسين كقول عبد المجيد عنه ثم لقى ابن جريج حسينًا فسمعه منه كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج حدثني حسين واحتمل أن يكون حسين سمعه من عكرمة ومن كريب جميعًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فكان يحدث به مرة عنهما جميعًا كرواية عبد الرزاق عنه ومرة عن كريب وحده كقول حجاج وابن أبى رواد ومرة عن عكرمة وحده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كقول عثمان بن عمر وتصح الأقاويل كلها وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ولحديث ابن عباس إسناد آخر مشكوك برفعه ووقفه.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٥٧٤٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أنبأ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا مَرْفُوعًا وَإِلَّا فَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا فِي السَّفَرِ فَأَعْجَبَهُ الْمَنْزِلُ أَقَامَ فِيهِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ يَرْتَحِلَ فَإِذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ الْمَنْزِلُ مَدَّ فِي السَّفَرِ فَسَارَ فَأَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَنْزِلَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وقد رواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١١٠٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٣٢٣) مجزومًا بوقفه مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا كُنْتُمْ سَائِرِينَ فَنَابَكُمُ الْمَنْزِلُ فَسِيرُوا
[ ٤ / ٤٠٨ ]
حَتَّى تُصِيبُوا مَنْزِلًا تَجْمَعُونَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كُنْتُمْ نُزُولًا فَعَجِلَ بِكُمْ أَمْرٌ فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا ثُمَّ ارْتَحِلُوا».
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [إِرْوَاءِ الْغَلِيْلِ] (٣/ ٣٢/ ٥٧٨):
«لكن له طريق أخرى؟ أخرجها. يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مُسْنَدِهِ" عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. وروى إسماعيل القاضي في "الأحكام" عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نحوه.
قُلْتُ: فالحديث صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بهذه المتابعات والطرق» اهـ.
قُلْتُ: الطريق الأولى فيها يحيى الحماني ضعيف بل قد اتهم بسرقة الحديث، وحجاج بن أرطأة ضعيف الحديث مع تدليسه.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [مُقَدَمَةِ الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (١/ ٨٩):
«نا أبي أخبرني سحيم بن القاسم الحراني نا عيسى بن يونس عن شعبة قَالَ: لم يسمع الحكم من مقسم إلا ستة أحاديث» اهـ.
وقَالَ الإمام الترمذي ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٢/ ٤٠٥/ ٥٢٧):
«قَالَ علي بن الميدني قَالَ يحيى بن سعيد وقَالَ شعبة لم يسمع الحكم من مقسم إلَّا ثلاثة أحاديث وعدها شعبة» اهـ.
وقَالَ أيضًا (٣/ ٢٢٧/ ٨٨٠):
[ ٤ / ٤٠٩ ]
«قَالَ علي بن المديني قَالَ يحيى قَالَ شعبة لم يسمع الحكم من مقسم إلَّا خمسة أشياء وعدها» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْعَلَّائِي ﵀ فِي [جَامِعِ الْتَحْصِيْلِ] ص (١٦٧):
«وقَالَ شعبة لم يسمع الحكم من مقسم إلَّا خمسة أحاديث وعدها يحيى القطان: حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزمه الطلاق، وجزاء ما قتل من النعم، والرجل يأتي امرأته وهي حائض قَالَا: وما عدا ذلك كتاب. وفي رواية عد حديث الحجامة للصائم منها وإن حديث الرجل يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار ليس بصحيح وشعبة يقول لم يسمع الحكم من مقسم حديث الحجامة في الصيام» اهـ.
والطريق الأخرى فيها إسماعيل بن أبي أويس وهو ضعيف الحديث ونمهم من بالغ في الطعن فيه.
قُلْتُ: فحديث ابن عباس يُحَسَن بمثل هذه الطرق. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حديث أنس بن مالك ﵁.
روى الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ] (٧٥٥٢): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرِ بْنِ شَبِيبٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، نَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، نَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ
[ ٤ / ٤١٠ ]
صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ إِلَّا ابْنُ عَجْلَانَ، وَلَا عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، تَفَرَّدَ بِهِ: يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ اهـ.
قُلْتُ: محمد بن إبراهيم بن نصر شيخ الطبراني لم أقف له على ترجمة وسائر رجال الإسناد كلهم ثقات غير ابن عجلان فإنَّه حسن الحديث.
قُلْتُ: حديث أنس رواه الْبُخَارِيّ (١١١١)، ومُسْلِم (٧٠٤) مِنْ طَرِيقِ المُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ».
ورواه مُسْلِم (٧٠٤) وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْمَدَايِنِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا».
وروى أبو نعيم الأصبهاني في [مُسْتَخْرَجِهِ] (١٥٨٢)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٣١٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَمَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالا ثَنَا جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ثَنَا شَبَابَةُ ثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
[ ٤ / ٤١١ ]
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ وشبابة هو ابن سوار، والليث هو ابن سعد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٨٣):
«وأعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق وليس ذلك بقادح فإنَّهما إمامان حافظان، وقد وقع نظيره في الأربعين للحاكم قَالَ حدثنا محمد بن يعقوب هو الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني هو أحد شيوخ مُسْلِم قَالَ حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي فذكر الحديث وفيه فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب قَالَ الحافظ صلاح الدين العلائي هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من الأربعين بزيادة العصر وسند هذه الزيادة جيد انتهى قُلْتُ وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت ثابتة لكن في ثبوتها نظر لأن البيهقي أخرج هذا الحديث عن الْحَاكِمُ بهذا الإسناد مقرونا برواية أبي داود عن قتيبة وقَالَ إن لفظهما سواء إلا أن في رواية قتيبة كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي رواية حسان أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٢/ ١٢٣):
«وإسناده صحيح قَالَه النووي.
[ ٤ / ٤١٢ ]
وفي ذهني أنَّ أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع رواه الْحَاكِمُ في الأربعين له عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغاني عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن بن شهاب عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب" وهو في الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق وليس فيهما والعصر وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي» اهـ.
لكن قَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ في [سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ] (٢١/ ٤٤٧):
«نعم، وحديث تفرد به جعفر بن محمد الفريابي، قَالَ:
حدثنا: إسحاق، حدثنا شبابة، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
"كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل".
فهذا منكر، والخطأ فيه من جعفر، فقد رواه مُسْلِم في "صَحِيْحِهِ"، عن عمرو الناقد، عن شبابة.
[ ٤ / ٤١٣ ]
ولفظه: "إذا كان في سفر وأراد الجمع، أخر الظهر، حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما".
تابعه: الحسن بن محمد الزعفراني، عن شبابة، وقد اتفقا عليه في "الصحيحين" مِنْ حَدِيْثِ عقيل، عن ابن شهاب، عَنْ أَنَسٍ.
ولفظه: "إذا عجل به السير، أخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما".
ومع حال إسحاق وبراعته في الحفظ، يمكن أنه - لكونه كان لا يحدث إلا من حفظه - جرى عليه الوهم في حديثين من سبعين ألف حديث، فلو أخطأ منها في ثلاثين حديثا، لما حط ذلك رتبته عن الاحتجاج به أبدًا، بل كون إسحاق تتبع حديثه، فلم يوجد خطأ قط سوى حديثين، يدل على أنه أحفظ أهل زمانه» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [مِيْزَانِ الْاعْتِدالِ] (١/ ١٨٣):
«وذكر لشيخنا أبي الحجاج حديث فقَالَ: قيل إسحاق اختلط في آخر عمره.
قُلْتُ: الحديث ما رواه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ميمونة في الفارة، فزاد فيه إسحاق من دون أصحاب سفيان: "وإن كان ذائبًا فلا تقربوه".
فيجوز أن يكون الخطأ ممن بعد إسحاق، وكذا حديث رواه جعفر الفريابي حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا شبابة، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب عَنْ أَنَسٍ: " كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل".
[ ٤ / ٤١٤ ]
فهذا على نبل رواته منكر، فقد رواه مُسْلِم عن الناقد، عن شبابة، ولفظه: إذا كان في سفر.
وأراد الجمع أخر الظهر حتى يدخل وقت العصر، ثم يجمع بينهما.
تابعه الزعفراني، عن شبابة، وأخرجه مُسْلِم مِنْ حَدِيْثِ عقيل، عن ابن شهاب، عَنْ أَنَسٍ، ولفظه: إذا عجل به السير أخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما.
ولا ريب أنَّ إسحاق كان يحدث الناس من حفظه، فلعله اشتبه عليه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
حديث علي بن أبي طالب ﵁.
روى الدارقطني في [سُنَنِهِ] (١٤٥٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، ثنا الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثنا أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إِذَا ارْتَحَلَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ جَمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا مَدَّ لَهُ السَّيْرُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: هذا الحديث لا يثبت في سنده أحمد بن محمد بن سعيد هو ابن عقدة حافظ كبير لكنه ضعيف في الحديث مع تشيع فيه.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (١١/ ٢٠٢):
[ ٤ / ٤١٥ ]
«ولا يصح إسناده شيخ الدارقطني هو أبو العباس بن عقدة أحد الحفاظ لكنه شيعي وقد تكلم فيه الدارقطني وحمزة السهمي وغيرهما وشيخه المنذر بن محمد بن المنذر ليس بالقوي أيضًا قَالَه الدارقطني أيضًا، وأبوه وجده يحتاج إلى معرفتهما» اهـ.
قُلْتُ: ومحمد بن الحسين، وأبوه لم أعرفهما - وفي بعض النسخ الحسن -، وعلي بن الحسين روايته عن علي مرسله.
حديث أبي جحيفة ﵁.
رواه الْبُخَارِيّ (٤٩٩) حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا».
ورواه مُسْلِم (٥٠٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ».
حديث جابر بن عبد الله ﵁ في جمع النبي ﷺ في عرفه.
روى مُسْلِم (٣٠٠٩) عن جابر في حديثه الطويل في حجة الوداع وفيه: «… ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا …».
[ ٤ / ٤١٦ ]
قُلْتُ: وخلاصة القول في جمع التقديم أنَّه صح فيه ثلاثة أحاديث وهي:
حديث أبي جحيفة المتفق عليه، وحديث جابر الذي في مُسْلِم، وحديث ابن عباس الذي ثبت بطرقه.
٥ - ذكر علماء الشافعية لجمع التقديم شروطًا.
الشرط الأول: الترتيب فيبدأ بفرض الوقت ثم يصلي الأخرى بعدها.
الشرط الثاني: أن ينوي الجمع بينهما في الأولى منهما.
الشرط الثالث: عدم الفصل بينهما.
وإذا كان الجمع جمع تأخير فاشترطوا شرطًا واحدًا، وهو نية الجمع قبل خروج الأولى عن وقتها فقط.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَّوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٣٧٦):
«هَذَا كُلُّهُ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَإِنْ أَرَادَهُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْأَصْحَابُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَتُشْتَرَطُ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي وَقْتِ الْأُولَى بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا قَدْرٌ يَسَعُهَا أَوْ أَكْثَرُ فَإِنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ ضَاقَ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْفَرْضَ عَصَى وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً يَمْتَنِعُ قَصْرُهَا إذَا مَنَعْنَا قَصْرَ الْمَقْضِيَّةِ فِي السَّفَرِ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ وَنِيَّةُ الْجَمْعِ حال الصلاة والموالاة ففيهما طَرِيقَانِ: الصَّحِيحُ: مِنْهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَلَوْ تَرَكَهَا كُلَّهَا صَحَّ الْجَمْعُ.
[ ٤ / ٤١٧ ]
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: قَالَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا وَاجِبَاتٌ حَتَّى لَوْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا صَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً لَا يَجُوزُ قَصْرُهَا إذَا لَمْ نُجَوِّزْ قَصْرَ مَقْضِيَّةِ السَّفَرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيثِ أُسَامَةَ ابن زَيْدٍ ﵄ قَالَ " دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ عَرَفَةَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وأمَّا المالكية والحنفية: فلم يشترط الإمام مالك وأبو حنيفة نية الجمع كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام.
وأمَّا الحنابلة فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧):
«فَصْلٌ: قَالَ وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْجَمْعِ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ. وَالتَّفْرِيعُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ. وَمَوْضِعُ النِّيَّةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجَمْعِ، فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَمَوْضِعُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهَا نِيَّةٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهَا، فَاعْتُبِرَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَنِيَّةِ الْقَصْرِ.
وَالثَّانِي مَوْضِعُهَا مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ الْأُولَى إلَى سَلَامِهَا، أَيَّ ذَلِكَ نَوَى فِيهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْعِ حِينَ الْفَرَاغِ مِنْ آخِرِ الْأُولَى إلَى الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِذَا لَمْ تَتَأَخَّرْ النِّيَّةُ عَنْهُ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
[ ٤ / ٤١٨ ]
وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَمَوْضِعُ النِّيَّةِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُصَلِّيهَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَخَّرَهَا عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ صَارَتْ قَضَاءً لَا جَمْعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ النِّيَّةِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُدْرِكُهَا بِهِ، وَهُوَ رَكْعَةٌ، أَوْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَوْلَى، فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَضِيقُ عَنْ فِعْلِهَا حَرَامٌ.
فَصْلٌ: فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاصَلَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا. فَإِنْ أَطَالَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بَطَلَ الْجَمْعُ.
لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابَعَةُ أَوْ الْمُقَارَنَةُ، وَلَمْ تَكُنْ الْمُتَابَعَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُقَارَنَةُ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا كَثِيرًا، بَطَلَ الْجَمْعُ، سَوَاءٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَمْنَعْ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، لَا حَدَّ لَهُ سِوَى ذَلِكَ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، لِأَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْإِحْرَازِ وَالْقَبْضِ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَهُ إذَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ، لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ، وَإِنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا السُّنَّةَ، بَطَلَ الْجَمْعُ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ فَبَطَلَ الْجَمْعُ، كَمَا لَوْ صَلَّى بَيْنَهُمَا غَيْرَهَا. وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَضَّأَ.
[ ٤ / ٤١٩ ]
وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَازَ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى صَلَّى الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا، لَا تَخْرُجُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مُؤَدَّاةً. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُتَابَعَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ حَقِيقَتُهُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بَعْدَ وُقُوعِهَا صَحِيحَةً لَا تَبْطُلُ بِشَيْءٍ يُوجَدُ بَعْدَهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا تَقَعُ إلَّا فِي وَقْتِهَا.
فَصْلٌ: وَمَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ حَالَ افْتِتَاحِ الْأُولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ، فَمَتَى زَالَ الْعُذْرُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ.
وَإِنْ زَالَ الْمَطَرُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، أَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، جَازَ الْجَمْعُ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ انْقِطَاعُهُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ وُجِدَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى، وَفِي وَقْتِ الْجَمْعِ، وَهُوَ آخِرُ الْأُولَى وَأَوَّلُ الثَّانِيَةِ، فَلَمْ يَضُرَّ عَدَمُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُسَافِرُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْأُولَى، انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ، وَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. وَلَوْ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّرَخُّصُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، أَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ بَلَدَهُ فِي أَثْنَائِهَا، احْتَمَلَ أَنْ يُتِمَّهَا، وَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى انْقِطَاعِ الْمَطَرِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَلِبَ نَفْلًا، وَيَبْطُلَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ، وَلِأَنَّهُ زَالَ شَرْطُهَا فِي أَثْنَائِهَا، أَشْبَهَ بِسَائِرِ شُرُوطِهَا. وَيُفَارِقُ انْقِطَاعَ الْمَطَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ
[ ٤ / ٤٢٠ ]
انْقِطَاعُهُ؛ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْلُفَهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ، وَهُوَ الْوَحْلُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَرِيضِ يَبْرَأُ وَيَزُولُ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ. فَأَمَّا إنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اُعْتُبِرَ بَقَاءُ الْعُذْرِ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِنْ زَالَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ، لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ؛ لِزَوَالِ سَبَبِهِ. وَإِنْ اسْتَمَرَّ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَمَعَ، وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِمَا.
فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِيَةً عَنْ مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا، فَلَمْ تَشْتَغِلْ الذِّمَّةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ حَالَ الْعُذْرِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ» اهـ.
قُلْتُ: ولا تشترط النية في الجمع، وذلك أنَّ النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين ولا يخبر أصحابه بما يريد أن يفعل كجمعه في عرفة بين الظهر والعصر، وجمعه في المدينة ثمانيًا وسبعًا، ولو كانت نية الجمع واجبة لأخبرهم بما يريد حتى ينووا ذلك.
[ ٤ / ٤٢١ ]
وهكذا لا تشترط المقارنة في جمع التقديم ولا التأخير وإنَّما ذلك من السنن، وذلك أنَّ الجمع شرع لرفع الحرج، وقد يرفع الحرج بعدم المقارنة كمن صلى الأولى في أول وقتها ثم طرأ له أمر مبيح للجمع في أثناء الوقت كإجراء عملية يطول وقتها ويخشى من خروج وقت العصر أو طروء سفر يخشى منه فوات الثانية كأن يكون سائق المركوب لا يقف في أثناء الثانية أو غير ذلك من الأعذار.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٤٥٦):
«وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ وَلَا لِلْجَمْعِ نِيَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ إحْدَى الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد؛ بَلْ عَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ» اهـ.
وقَالَ ﵀ (٢٤/ ٥١ - ٥٧):
«وَقَالُوا: لَا يُشْتَرَطُ لِلْجَمْعِ وَلَا لِلْقَصْرِ نِيَّةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ: كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا؛ بَلْ قَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ قَبْل مَغِيبِ الشَّفَقِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ والمروذي وَذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَمْعِ نِيَّةٌ.
وَلَا تُشْتَرَطُ أَيْضًا " الْمُقَارَنَةُ " فَإِنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ أَنْ تُصَلَّى الْعِشَاءُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الشَّفَقُ الْأَبْيَضُ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ الْمُتَوَاتِرَ عَنْهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِهَا عِنْدَهُ وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ عِنْدَهُ فَلَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا لَهَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ بَلْ فِي وَقْتِهَا
[ ٤ / ٤٢٢ ]
الْخَاصِّ. وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَاسْتَحَبَّ تَأْخِيرَهَا إلَى أَنْ يَغِيبَ الْأَبْيَضُ قَالَ: لِأَنَّ الْحُمْرَةَ قَدْ تَسْتُرُهَا الْحِيطَانُ فَيَظُنُّ أَنَّ الْأَحْمَرَ قَدْ غَابَ وَلَمْ يَغِبْ فَإِذَا غَابَ الْبَيَاضُ تَيَقَّنَ مَغِيبَ الْحُمْرَةِ. فَالشَّفَقُ عِنْدَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْحُمْرَةُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الشَّكُّ فِي الْحَضَرِ لِاسْتِتَارِ الشَّفَقِ بِالْحِيطَانِ احْتَاطَ بِدُخُولِ الْأَبْيَضِ. فَهَذَا مَذْهَبُهُ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ نُصُوصِهِ الْكَثِيرَةِ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ رِوَايَةً عَنْهُ أَنَّ الشَّفَقَ فِي الْحَضَرِ الْأَبْيَضِ وَفِي السَّفَرِ الْأَحْمَرِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ حَقِيقَتُهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَلَمْ يَقُلْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمينَ: أَنَّ الشَّفَقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ. وَأَحْمَد قَدْ عَلَّلَ الْفَرْقَ. فَلَوْ حُكِيَ عَنْهُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ كَانَ الْمُفَسَّرُ مِنْ كَلَامِهِ يُبَيِّنُهُ. وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ رِوَايَةً عَنْهُ أَنَّ الشَّفَقَ مُطْلَقُ الْبَيَاضِ. وَمَا أَظُنُّ هَذَا إلَّا غَلَطًا عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ أَوَّلَ الشَّفَقِ إذَا غَابَ فِي السَّفَرِ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ - وَهُوَ يُجَوِّزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ - عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ مَغِيبِهَا لَا بَعْدَ مَغِيبِ الْأَحْمَرِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِجَوَازِ الْجَمْعِ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَهُ هُوَ الْجَمْعُ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى كَالْجَمْعِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَالْعِشَاءَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ - حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ - جَازَ ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ أَيْضًا عَلَى نَظِيرِ هَذَا فَقَالَ: إذَا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ فِي بَيْتِهِ وَالْأُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ. وَهَذَا نَصٌّ
[ ٤ / ٤٢٣ ]
مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ هُوَ جَمْعٌ فِي الْوَقْتِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُوَاصَلَةُ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى قُرْبِ الْفَصْلِ وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَلَّى بِهِمْ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ ابْتِدَاءً بِالنِّيَّةِ وَلَا السَّلَفُ بَعْدَهُ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ فِي الْقَصْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى فَرْضِ الْمُسَافِرِ. فَصَارَتْ الْأَقْوَالُ لِلْعُلَمَاءِ فِي اقْتِرَانِ الْفِعْلِ ثَلَاثَةً.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاقْتِرَانُ لَا فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَا الثَّانِيَةِ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي السَّفَرِ وَجَمْعِ الْمَطَرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ الِاقْتِرَانُ فِي وَقْتِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُشْتُرِطَ الْجَمْعُ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْأُولَى فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ لَهَا وَإِنْ أَخَّرَهَا وَلَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ. وَعَلَى هَذَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِي وَقْتِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ.
وَالثَّالِثُ: تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ وَهَذَا وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا صَلَّى الْأُولَى وَأَخَّرَ الثَّانِيَةَ أَثِمَ وَإِنْ كَانَتْ وَقَعَتْ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إذَا أَخَّرَ الْأُولَى إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ الثَّانِيَةَ مَعَهَا فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَخَّرَهَا إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَيَكُونُ قَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا مَعَ الْإِثْمِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بِحَالٍ لَا فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ وَلِأَنَّ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ يُسْقِطُ مَقْصُودَ الرُّخْصَةِ وَهُوَ شَبِيهٌ
[ ٤ / ٤٢٤ ]
بِقَوْلِ مَنْ حَمَلَ الْجَمْعَ عَلَى الْجَمْعِ بِالْفِعْلِ وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَيُحْرِمَ بِالثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا كَمَا تَأَوَّلَ جَمْعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ وَمُرَاعَاةُ هَذَا مِنْ أَصْعَبِ الْأَشْيَاءِ وَأَشَقِّهَا».
إلى أن قال: «فَهَؤُلَاءِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ لِغَالِبِ النَّاسِ إلَّا مَعَ تَفْرِيقِ الْفِعْلِ وَأُولَئِكَ لَا يَكُونُ الْجَمْعُ عِنْدَهُمْ إلَّا مَعَ اقْتِرَانِ الْفِعْلِ وَهَؤُلَاءِ فَهِمُوا مِنْ الْجَمْعِ اقْتِرَانَ الْفِعْلَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ وَقْتَيْنِ وَأُولَئِكَ قَالُوا لَا يَكُونُ
الْجَمْعُ إلَّا فِي وَقْتَيْنِ وَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيقِ الْفِعْلِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ. وَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِأَوْسَعَ مِنْ هَذَا وَهَذَا وَلَمْ تُكَلِّفْ النَّاسَ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَالْجَمْعُ جَائِزٌ فِي الْوَقْتِ الْمُشْتَرِكِ فَتَارَةً يَجْمَعُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَمَا جَمَعَ بِعَرَفَةَ. وَتَارَةً يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَمَا جَمَعَ بمزدلفة وَفِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. وَتَارَةً يَجْمَعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي وَسَطِ الْوَقْتَيْنِ وَقَدْ يَقَعَانِ مَعًا فِي آخِرِ وَقْتِ الْأُولَى وَقَدْ يَقَعَانِ مَعًا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ تَقَعُ هَذِهِ فِي هَذَا وَهَذِهِ فِي هَذَا؛ وَكُلُّ هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَقْتَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مُشْتَرَكٌ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّوَسُّطُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فَفِي عَرَفَةَ وَنَحْوِهَا يَكُونُ التَّقْدِيمُ هُوَ السُّنَّةَ.
وَكَذَلِكَ جَمْعُ الْمَطَرِ: السُّنَّةُ أَنْ يَجْمَعَ لِلْمَطَرِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ حَتَّى اخْتَلَفَ مَذْهَبُ أَحْمَد هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ لِلْمَطَرِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقِيلَ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّأْخِيرُ وَهُوَ غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
[ ٤ / ٤٢٥ ]
الْقَدِيمِ وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ ظَنَّ أَنَّ التَّأْخِيرَ فِي الْجَمْعِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ يَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ بِحَالِ بَلْ لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ بمزدلفة إنَّمَا الْمَشْرُوعُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمينَ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ سَوَّغَ لَهُ هُنَاكَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي طَرِيقِهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَغْرِبِ هَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي طَرِيقِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَأَمَّا التَّأْخِيرُ فَهُوَ كَالتَّقْدِيمِ بَلْ صَاحِبُهُ أَحَقُّ بِالذَّمِّ وَمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَإِنَّ وَقْتَهَا فِي حَقِّهِ حِينَ يَسْتَيْقِظُ وَيَذْكُرُهَا وَحِينَئِذٍ هُوَ مَأْمُورٌ بِهَا لَا وَقْتَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ فَلَمْ يُصَلِّهَا إلَّا فِي وَقْتِهَا» اهـ.
(فرع) قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٠٧):
«فَصْلٌ: وَإِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، وَيُوتِرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ سُنَّتَهَا تَابِعَةٌ لَهَا، فَيَتْبَعُهَا فِي فِعْلِهَا وَوَقْتِهَا، وَالْوِتْرُ وَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَدَخَلَ وَقْتُهُ» اهـ.
قُلْتُ: وخالف جماعة من علماء المالكية في الوتر.
قال العلامة ابن الحاجب المالكي ﵀ في [جامع الأمهات] (ص: ١٢١):
«وَقَالَ ابْن حبيب لَهُ أَنْ يتَنَفَّل وَلَا يُوتر إِلَّا بعد الشَّفق» اهـ.
وقال أبو الحسن المالكي ﵀ في [كفاية الطالب الرباني] (١/ ٣٣٥)
«وَلَا يُوتِرُ بِإِثْرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَإِنَّمَا يُوتِرُ بَعْدَ الشَّفَقِ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [روضة الطالبين] (١/ ٤٠٢):
[ ٤ / ٤٢٦ ]
«إِذَا جَمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ صَلَّى سُنَّةَ الظُّهْرِ ثُمَّ سُنَّةَ الْعَصْرِ ثُمَّ يَأْتِي بِالْفَرِيضَتَيْنِ. وَفِي جَمْعِ الْعِشَاءِ وَالْمَغْرِبِ يُصَلِّي الْفَرِيضَتَيْنِ ثُمَّ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ سُنَّةَ الْعِشَاءِ ثُمَّ الْوِتْرَ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ صَحِيحٌ، وَأَمَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَشَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ: أَنَّهُ يُصَلِّي سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ، ثُمَّ الْعَصْرَ، ثُمَّ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي بَعْدَهَا، ثُمَّ سُنَّةَ الْعَصْرِ. وَكَيْفَ يَصِحُّ سُنَّةُ الظُّهْرِ الَّتِي بَعْدَهَا، قَبْلَ فِعْلِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ بِفِعْلِ الظُّهْرِ؟! وَكَذَا سُنَّةُ الْعَصْرِ لَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا إِلَّا بِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ الْمَجْمُوعَةِ إِلَى الظُّهْرِ إِلَّا بِفِعْلِ الظُّهْرِ الصَّحِيحَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح هو مشروعية صلاة الوتر بعد صلاة العشاء إذا جمعت مع المغرب جمع تقديم، وذلك أنَّ وقت الوتر يدخل بفعل صلاة العشاء، وإن لم يدخل وقت العشاء وذلك لما رواه أحمد (٢٣٨٥١) عَنْ أَبِي بَصْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ». قَالَ أَبُو تَمِيمٍ: فَأَخَذَ بِيَدِي أَبُو ذَرٍّ فَسَارَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَبِي بَصْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
(فرع) وفي مشروعية الجمع للمنفرد في غير السفر كالمطر ونحوه نزاع.
[ ٤ / ٤٢٧ ]