١٣٠ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدي ﵁: «أنَّ رِجَالًا تَمارُوا فِي مِنْبرٍ رَسُول الله ﷺ مِنْ أيِّ عُودٍ هُوَ؟
فقال سَهْلٌ: مِنْ طَرْفاءِ الْغَابَةِ، وَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عليهِ فَكبَّرَ وَكبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهو عَلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ ركَع فنزل القَهْقَري حَتَّى سَجَدَ في أصلِ الْمِنبرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ ثم أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَقَالَ: "يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هذَا لِتَأتمُّوا بي وَلِتَعلَّمُوا صَلَاتي"».
وَفِي لَفْظٍ: «فَصَلَّى وَهُوَ عَليْها ثَم كَبَّر عَلَيْهَا، ثُمَّ رَفَعَ وَهُوَ عَليْهَا ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرى».
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ١١٩):
«إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْجُمُعَةُ جُمُعَةً؛ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَمْعِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً بِالْمَعَابِدِ الْكِبَارِ وَفِيهِ كَمُل جَمِيعُ الْخَلَائِقِ، فَإِنَّهُ الْيَوْمُ السَّادِسُ من الستة التي خلق الله فيها السموات وَالْأَرْضَ. وَفِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا. وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ. وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ كَمَا ثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ» اهـ.
قُلْتُ: وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٧٣٢)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٩١)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٠٢٨) من طريق جَرِيرٍ، عَنْ
[ ٤ / ٤٧٥ ]
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ الْقَرْثَعِ الضَّبِّيِّ قَالَ: وَكَانَ الْقَرْثَعُ مِنْ قُرَّاءِ الْأَوَّلِينَ، عَنْ سَلْمَانَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا سَلْمَانُ، مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا سَلْمَانُ مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا سَلْمَانُ مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا سَلْمَانُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِهِ جُمِعَ أَبُوكَ أَوْ أَبُوكُمْ، أَنَا أُحَدِّثُكَ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا أُمِرْتُمْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَيَقْعُدَ، فَيُنْصِتَ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيُّ، ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، ثنا حَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْقَرْثَعِ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا سَلْمَانُ: أَتَدْرِي مَا الْجُمُعَةُ؟ فِيهَا جُمِعَ أَبُوكَ آدَمُ» وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ غُفِرَ لَهُ أَوْ كُفِّرَ عَنْهُ».
قُلْتُ: إبراهيم النخعي روى هذا الحديث عن علقمة، ولعل هذه الرواية من أوهام قيس وهو ابن الربيع.
ومن فضائله ما رواه الْبُخَارِيّ (٨٧٦)، ومُسْلِم (٨٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ
[ ٤ / ٤٧٦ ]
يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».
قال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٥٧):
«إنْ قُلْت مَا مَعْنَى قَوْلِهِ "فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ"؟ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ إنَّا أَوَّلُ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْجُمُعَةِ وَأَقَامَ أَمْرَهَا وَعَظَّمَ حُرْمَتَهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ تَبَعٌ لَنَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ فَلِذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ" وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ "الْمَغْفُورِ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ" وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ وَلَا أَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٥٤):
«وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ هُنَا إِحْرَازُ فَضِيلَةِ الْيَوْمِ السَّابِقِ بِالْفَضْلِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِسَبْتٍ قَبْلَهُ أَوْ أَحَدٍ لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مُتَوَالِيَةً إِلَّا وَيَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَابِقًا وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ أَيْ إِلَى الْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ الَّتِي حُرِمَهَا أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى» اهـ.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
وقال ﵀ (٢/ ٣٥٦):
«وَفِيهِ أَنَّ الْهِدَايَةَ وَالْإِضْلَالَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ سَلَامَةَ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْخَطَأِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّ اسْتِنْبَاطَ مَعْنًى مِنَ الْأَصْلِ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَاطِلٌ وَأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدٌ وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ جَائِزٌ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ شَرْعًا» اهـ.
وروى مُسْلِم (٨٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا».
وروى مُسْلِم (٢٨٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ، وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا».
وللجمعة فضائل كثيرة وخصائص متعددة جمعها العلامة ابن القيم ﵀ في "الزاد".
قُلْتُ: المنبر في اللغة: مرقاة يرتقيها الخطيب؛ مشتق من النبر وهو الارتفاع؛ وسمي منبرًا لارتفاعه وعلوه.
[ ٤ / ٤٧٨ ]
وَقَوْلُهُ: «مِنْ طَرْفاءِ الْغَابَةِ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٩٩): «في رواية سفيان عن أبي حازم "من أثلة الغابة" كما تقدم في أوائل الصلاة ولا مغايرة بينهما فإنَّ الأثل هو الطرفاء وقيل يشبه الطرفاء وهو أعظم منه.
"والغابة" بالْمُعْجَمِة وتخفيف الموحدة موضع من عوالي المدينة جهة الشام وهي اسم قرية بالبحرين أيضًا وأصلها كل شجر ملتف» اهـ.
قوله: «ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى». وهو الرجوع إلى خلف؛ وذلك حتى لا ينحرف عن القبلة.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب اتخاذ المنبر للخطيب.
٢ - أنَّ منبر النبي ﷺ كان من خشب.
قُلْتُ: ويجوز اتخاذ المنبر من غير الخشب لأنَّ الغرض منه ارتفاع الخطيب حتى يسمع صوته ويشاهده الناس وهذا يحصل في كل منبر وإن كان من غير الخشب، وليس هناك ما يدل من السنة أنَّه لا بد في المنبر أن يكون من خشب.
وقد روى الْبُخَارِيّ (٧٣٠٠) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ ﵁، عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فَنَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا
[ ٤ / ٤٧٩ ]
أَسْنَانُ الإِبِلِ، وَإِذَا فِيهَا: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، وَإِذَا فِيهِ: «ذِمَّةُ المُسْلِمينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِما فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»، وَإِذَا فِيهَا: «مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ٢٧٨):
«قوله: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر من آجر بالمد وضم الجيم هو الطوب المشوي» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان منبر النبي ﷺ ثلاث درجات.
فقد روى مُسْلِم (٥٤٤) عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ، وَمَنْ عَمِلَهُ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، فَحَدِّثْنَا، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ - قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّيَهَا يَوْمَئِذٍ - «انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا» فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى
[ ٤ / ٤٨٠ ]
الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي».
قُلْتُ: ولم يتابع عبد العزيز في ذكره لدرجات المنبر في حديث سهل إلَّا المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة وهو ضعيف الحديث وحديثه عند الدارمي (٤٠).
وقد جاء في درجات المنبر عدة أحاديث منها
حديث أنس بن مالك ﵁.
رواه الدارمي (٤١)، وابن خزيمة (١٧٧٧) مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ مَنْصُوبٍ فِي الْمَسْجِدِ فَيَخْطُبُ، فَجَاءَ رُومِيٌّ فَقَالَ: أَلَا نَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ؟ فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا لَهُ دَرَجَتَانِ، وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ خَارَ الْجِذْعُ خُوَارَ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِخُوَارِهِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ يَخُورُ، فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
[ ٤ / ٤٨١ ]
لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ مَا زَالَ هَكَذَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُفِنَ - يَعْنِي الْجِذْعَ -.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وهو عند الترمذي (٣٦٢٧) مختصرًا من غير ذكر الدرج.
ومنها حديث عبد الله بن عمر ﵄.
رواه أبو داود (١٠٨٣) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَدَّنَ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: أَلَا أَتَّخِذُ لَكَ مِنْبَرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَجْمَعُ - أَوْ يَحْمِلُ - عِظَامَكَ؟ قَالَ: «بَلَى»، فَاتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا مِرْقَاتَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
ومنها حديث أبي بن كعب ﵁.
ورواه أحمد (٢١٢٨٥، ٢١٢٨٩، ٢١٢٩٥)، وابن ماجه (١٤١٤) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جِذْعٍ إِذْ كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا، وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ الْجِذْعِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ أَنْ أَجْعَلَ لَكَ مِنْبَرًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى يَرَى النَّاسُ خُطْبَتَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَصَنَعَ لَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ هِيَ الَّتِي عَلَى الْمِنْبَرِ. فَلَمَّا قُضِيَ الْمِنْبَرُ، وَوُضِعَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
[ ٤ / ٤٨٢ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ، فَمَرَّ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَنْ جَاوَزَ الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَيْهِ وَيَقُومُ إِلَيْهِ، خَارَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْجِذْعُ حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سَمِعَ صَوْتَ الْجِذْعِ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى مَعَ ذَلِكَ مَالَ إِلَى الْجِذْعِ يَقُولُ الطُّفَيْلُ: «فَلَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ وَغُيِّرَ أَخَذَ أَبُوهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ذَلِكَ الْجِذْعَ، فَكَانَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى بَلِيَ وَأَكَلَتْهُ الْأَرَضُ، وَعَادَ رُفَاتًا».
قُلْتُ: ابن عقيل الراجح فيه الضعف ولا بأس بهذا الحديث في الشواهد.
ومنها حديث عبد الله بن عباس ﵄.
رواه أحمد (٢٤١٩) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوَاجِبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَمَنْ شَاءَ اغْتَسَلَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ بَدْءِ الْغُسْلِ: كَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَكَانُوا يَسْقُونَ النَّخْلَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ ضَيِّقًا مُتَقَارِبَ السَّقْفِ، فَرَاحَ النَّاسُ فِي الصُّوفِ فَعَرِقُوا، وَكَانَ مِنْبَرُ النَّبِيِّ ﷺ قَصِيرًا، إِنَّمَا هُوَ ثَلاثُ دَرَجَاتٍ، فَعَرِقَ النَّاسُ فِي الصُّوفِ، فَثَارَتْ أَرْوَاحُهُمْ، أَرْوَاحُ الصُّوفِ، فَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْوَاحُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى
[ ٤ / ٤٨٣ ]
الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا جِئْتُمُ الْجُمُعَةَ، فَاغْتَسِلُوا، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ مِنْ أَطْيَبِ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ الإسناد رواية عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة مضطربة.
قُلْتُ: وهو عند أبي داود (٣٥٣) من غير ذكر الدرج.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرْحِ عِلَلِ الْتِرْمِذي] ص (٣٤٧):
«ومنهم عمرو بن أبي عمرو المدني مولى المطلب بن حنطب وهو ثقة متفق على تخريج حديثه، مع أنه تكلم فيه ابن معين، وقَالَ: "روى عنه مالك، وكان يستضعفه".
وقَالَ الْبُخَارِيّ: "هو صدوق، لكن روى عن عكرمة مناكير ولم يذكر في شيء منها أنَّه سمع من عكرمة" نقله عنه الترمذي في كتاب العلل، ولم يخرج له في الصحيح شيء عن عكرمة، وقد روي عنه حديث: "من وقع على بهيمة فاقتلوه".
وقَالَ أحمد: "كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة، لكنه نسب الاضطراب إلى عكرمة لا إلى عمرو"» اهـ.
قُلْتُ: ولا بأس بهذا الحديث في الشواهد.
وقد اختلف العلماء في تطويل المنبر والذي يظهر لي جواز ذلك إذا دعت إليه الحاجة كأن يتسع المسجد جدًا بحيث لا يشاهد الإمام إلاَّ إذا صعد على منبر أكثر
[ ٤ / ٤٨٤ ]
من ثلاث درجات، وإن لم تدعوا الحاجة إلى ذلك فلا يطال فيه لما فيه من الإسراف ومخالفة السنة.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٧١):
«وقد عد طائفة من العلماء: تطويل المنابر من البدع المحدثة، منهم: ابن بطة من أصحابنا وغيره.
وقد روي في حديث مرفوع: أنَّ ذلك من أشراط الساعة، ولا يثبت إسناده.
وكره بعض الشافعية المنبر الْكَبِيْر جدًا، إذا كان يضيق به المسجد» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان ارتفاع منبر النبي ﷺ بمقدار القامة حال الجلوس عليه.
ويدل على ذلك ما رواه الدارمي (٤١)، وابن خزيمة (١٧٧٧) مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ فِي الْمَسْجِدِ فَيَخْطُبُ النَّاسَ، فَجَاءَهُ رُومِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا أَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ؟ فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا لَهُ دَرَجَتَانِ، وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ، خَارَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ يَخُورُ، فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،
[ ٤ / ٤٨٥ ]
سَكَنَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ، لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُفِنَ.
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وقد مرَّ قريبًا.
ولم يكن منبر النبي ﷺ واسعًا.
ويدل على ذلك هذا الحديث فإنَّه لو كان واسعًا لسجد عليه، ويدل عليه أيضًا ما رواه مُسْلِم (٢٧٨٨) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَأْخُذُ اللهُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ» حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟.
قُلْتُ: والشاهد من هذا أنَّه لو كان واسعًا لما تحرك بحركته. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وكان منبر النبي ﷺ غير ملاصق لجدار القبلة بل بينه وبين الجدار ممر شاة.
فقد روى الْبُخَارِيّ (٧٣٣٤) عَنْ سَهْلٍ: «أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ جِدَارِ المَسْجِدِ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ وَبَيْنَ المِنْبَرِ مَمَرُّ الشَّاةِ».
وأمَّا مُسْلِم فرواه (٥٠٨) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ». ولم يذكر المنبر.
[ ٤ / ٤٨٦ ]
وروى الْبُخَارِيّ (٤٩٧) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا».
ورواه مُسْلِم (٥٠٩) بلفظ: «وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ».
قُلْتُ: وقد كان منبر النبي ﷺ عن يمين القبلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٣٠):
«ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنَّما وضع في جانبه الغربي قريبًا من الحائط، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة» اهـ.
قُلْتُ: إن قصد بالحائط حائط القبلة فالكلام صحيح، وإن قصد بالحائط حائط الجدار الغربي فليس بصحيح. والحائط الغربي عن يمين القبلة.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٢/ ١٥٥):
«قوله: "كان منبر النبي ﷺ على يمين القبلة" لم أجده حديثًا ولكنه كما قَالَ فالمستند فيه إلى المشاهدة ويؤيده حديث سهل بن سعد في الْبُخَارِيّ في قصة عمل المرأة المنبر قَالَ: "فاحتمله النبي ﷺ فوضعه حيث ترون"» اهـ.
قُلْتُ: وكان لمنبر النبي ﷺ رمانة فقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٦١٢٩) قَالَ: نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَوْدُودَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُسَيْطٍ قَالَ: «رَأَيْتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى
[ ٤ / ٤٨٧ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَلَا لَهُمُ الْمَسْجِدُ قَامُوا إِلَى رُمَّانَةِ الْمِنْبَرِ الْقَرْعَاءَ فَمَسَحُوهَا وَدَعَوْا»، قَالَ: «وَرَأَيْتُ يَزِيدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وزيد الحباب أكثر العلماء على توثيقه وعابوا عليه كثرة خطأه في حديث الثوري وليس هذا منها وأبو مودود هو عبد العزيز بن أبي سليمان.
وقد أجاز التبرك برمانة منبر رسول الله ﷺ بعض السلف منهم الإمام أحمد ﵀. فقد قَالَ عبد الله بن الإمام أحمد كَمَا فِي [العلل ومعرفة الرجال] (٢/ ٤٩٢/ ٣٢٤٣):
«سألته عن الرجل يمس منبر النبي ﷺ ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقَالَ لا بأس بذلك» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ] (٢١/ ٢٥٣):
«قُلْتُ: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أنَّ عبد الله سأل أباه عمَّن يلمس رمانة منبر النبي ﷺ ويمس الحجرة النبوية، فقَالَ: لا أرى بذلك بأسًا.
أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا القبر والحجرة ففي ذلك نظر، ولم أقف عن أحد من الصحابة أنَّه كان يفعل ذلك.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
وكان لمنبر النبي ﷺ قوائم.
ويدل عليه ما رواه أحمد (٢٦٤٧٦)، والنسائي (٦٩٦) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ يَعْنِي الدُّهْنِيَّ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُخْبِرُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قَوَائِمُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ
قال الحافظ ابن الأثير ﵀ في [جَامِعِ الأُصُولِ] (٩/ ٣٣٠):
«"رواتب": جمع راتب، وهي الشيء الثابت المقيم، رتب في المكان: إذا قام فيه وثبت» اهـ.
ومنبر النبي ﷺ على حوضه.
روى الْبُخَارِيّ (١١٩٦)، ومُسْلِم (١٣٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٠٠):
«وأمَّا قوله: "ومنبري على حوضي" أي ينقل يوم القيامة فينصب على الحوض وقَالَ الأكثر المراد منبره بعينه الذي قَالَ هذه المقَالَة وهو فوقه وقيل المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة والأول أظهر ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدم وقد رواه الطبراني في الْكَبِيْر مِنْ حَدِيْثِ أبي واقد الليثي رفعه: "أن قوائم منبري رواتب
[ ٤ / ٤٨٩ ]
في الجنة" وقيل معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضى شربه منه وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد استحب بعض أهل العلم كالإمام أحمد تحري الصلاة في الروضة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الْرَّدِ عَلَى الْإِخْنَائِي] (ص: ١٢٠):
«قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي، وأمَّا مالك فنقل عنه أنَّه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي ﷺ، وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد» اهـ.
وقد جاء في ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (٥٠٢)، ومُسْلِم (٥٠٩) مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِم، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: «فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥):
«والأسطوانة: السارية. وهذه الأسطوانة الظاهر أنَّها من أسطوان المسجد القديم الذي يسمى الروضة، وفي الروضة أسطوانتان، كل منهما يقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي إليها:
الأسطوانة المخلقة، وتعرف بأسطوانة المهاجرين؛ لأنَّ أكابرهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها، وتسمى: أسطوان عائشة.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
ويقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضع عشرة يومًا، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم. وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر، والثالثة من القبلة، والثالثة من القبر الشريف، وهي متوسطة في الروضة. وأسطوانة التوبة، وهي التي ربط فيها أبو لبابة نفسه حتى تاب الله عليه.
وقد قيل: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا اعتكف في رمضان طرح له فراشه، ووضع سريره وراءها. وقد روي عن عمر مولى غفرة ومحمد بن كعب، أنَّ أكثر نوافل النبي ﷺ كانت عندها. وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف، والثالثة من القبلة، والرابعة من المنبر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٧٧):
«حقق لنا بعض مشايخنا أنَّها المتوسطة في الروضة المكرمة وأنَّها تعرف بأسطوانة المهاجرين» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكروا أنَّ أول من زاد في درجات المنبر معاوية ﵁ ولا يثبت ذلك.
قَالَ الإمام الطبري ﵀ فِي [تَارِيْخِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ] (٣/ ٢٠٩):
«قَالَ محمد بن عمر حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قَالَ، قَالَ معاوية: إنِّي رأيت أنَّ منبر رسول الله ﷺ وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ فجاءه
[ ٤ / ٤٩١ ]
أبو هريرة وجابر بن عبد الله فقَالَا: يا أمير المؤمنين نذكرك الله ﷿ أن تفعل هذا فإن هذا لا يصلح تخرج منبر رسول الله ﷺ من موضع وضعه وتخرج عصاه إلى الشام فانقل المسجد فأقصر وزاد فيه ست درجات فهو اليوم ثماني درجات واعتذر إلى الناس مما صنع» اهـ.
قُلْتُ: محمد بن عمر هو الواقدي متروك، ويحيى بن سعيد بن دينار، وأبوه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٤٤) عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ أَنَّ بَاقُولَ، مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ «صَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْبَرَهُ مِنْ طَرْفَاءَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ» فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ زَادَ فِيهِ فَكُسِفَتِ الشَّمْسُ حِينَئِذٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ للإبهام الذي فيه، وصالح مختلط وقد أرسل الحديث.
وقَالَ الحافظ ابن رجب في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٠٠) - في الرجل المبهم -:
«وهو إبراهيم بن أبي يحيى» اهـ.
قُلْتُ: وإبراهيم هذا متروك الحديث.
قُلْتُ: وعزا ذلك الحافظ ابن حجر للزبير بن بكار في "تاريخ المدينة" ولم يسق إسناده كما سيأتي.
ولم يبق لمنبر النبي ﷺ أثر بعد أن احترق مسجد رسول الله ﵊.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٩٩):
«ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في "أخبار المدينة" بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: بعث معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يحمل إليه المنبر فأمر به فقلع فأظلمت المدينة فخرج مروان فخطب وقَالَ: إنَّما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه فدعا نجارًا وكان ثلاث درجات فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم.
ورواه من وجه آخر: قَالَ فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم. وقَالَ: فزاد فيه ست درجات. وقَالَ: إنَّما زدت فيه حين كثر الناس. قَالَ ابن النجار وغيره استمر على ذلك إلَّا ما أصلح منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرًا ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا فأزيل منبر المظفر فلم يزل ذلك إلى هذا العصر فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمانمائة منبرًا جديدًا وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرًا جديدًا إلى مكة أيضًا شكر الله له صالح عمله آمين» اهـ.
٣ - جواز الصلاة على ما ارتفع من الأرض، وإن لم يكن من جنس الأرض.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٢٥):
[ ٤ / ٤٩٣ ]
«الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء.
قَالَ أبو طالب: سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع؟ قَالَ: نعم، إذا كان يمكنه مثل السطح.
وقَالَ حرب: سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب؟ قَالَ: لا بأس به.
وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، أنَّه لم ير بأسًا بالصلاة على الأسرة وأشباهها.
وليس في هذا اختلاف بين العلماء، إلَّا خلاف شاذ قديم» اهـ.
٤ - جواز ارتفاع الإمام على المأمومين.
قُلْتُ: وقد كره ذلك الإمامان أحمد، وأبو حنيفة، وذهب الإمام مالك إلى بطلان صلاة بذلك.
وقد روى أبو داود (٥٩٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ، حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٤٩٤ ]
وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ» أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟، قَالَ عَمَّارٌ: «لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة أبي خالد، ولإبهام الرجل الراوي عن حذيفة.
قَالَ الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ فِي [تنقيح التحقيق] (٢/ ٤٩٦):
«في إسناد هذا الحديث رجل مبهم، وأبو خالد ليس بمعروف، ويحتمل أن يكون الدالاني، وفيه كلام» اهـ.
ورواه أبو داود (٥٩٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ، أَمَّ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ، بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟» قَالَ: «بَلَى، قَدْ ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروه الدارقطني (١٨٨٢)، والْحَاكِمُ (٧٦١) مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ». يَعْنِي أَسْفَلَ مِنْهُ.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
قُلْتُ: التصريح بالرفع في هذا الحديث شاذ أو منكر. زياد بن عبد الله بن الطفيل مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب ولا تحتمل منه مثل هذه المخالفة.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٩):
«وأمَّا مذهب الشافعي، فإنَّه قَالَ: أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، ليراه من وراءه، فيقتدوا بركوعه وسجوده. قَالَ: وإذا كان الإمام علم الناس مرة أحببت أن يصلي مستويًا مع المأمومين؛ لأنَّه لم يرد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صلى على المنبر إلَّا مرة.
وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازه إذا أراد تعليمهم، واختاره ابن المنذر، وقَالَ: إذا لم يرد التعليم فهو مكروه؛ لحديث ابن مسعود.
ومن أصحابنا من حكى رواية عن أحمد كذلك.
والذين كرهوا ذلك مطلقًا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبي ﷺ على المنبر: فمنهم من قَالَ: قد يفعل النبي ﷺ ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه، ولا يكون ذلك مكروهًا في حقه في تلك الحال، ويكره لغيره بكل حال. وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه.
ومنهم من قَالَ: المكروه أن يقوم الإمام على مكان مرتفع على المأمومين ارتفاعًا كذراع ونحوه، فإنَّه يحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به
[ ٤ / ٤٩٦ ]
وهو مكروه، فأمَّا الارتفاع اليسير فغير مكروه، ويحتمل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان وقوفه على درجة المنبر الأولى، فلا يكون ذلك ارتفاعًا كثيرًا.
وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا. وقياس المذهب: أنَّه يرجع فيه إلى العرف.
وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنَّه مقدر بما زاد على قامة الإنسان. واستغرب ذلك أبو بكر الرازي.
واختلف القائلون بكراهة ذلك: هل تبطل به الصلاة، أم لا؟
فقَالَ أكثرهم: تكره الصلاة، ولا تبطل.
وقد تقدم أنَّ الصحابة بنوا على الصلاة خلف من أمهم مرتفعًا عليهم، ولم يستأنفوا الصلاة.
وقَالَت طائفة: تبطل الصلاة بذلك، وهو قول مالك وابن حامد من أصحابنا، وحكي عن الأوزاعي نحوه.
واختلف أصحابنا: هل النهي متوجه إلى الإمام، أن يعلو على من خلفه، أم النهي متوجه إلى المأموم، أن يقوم أسفل من إمامه؟ على وجهين:
أحدهما: أنَّ النهي للإمام.
فإن قلنا: أنَّ هذا النهي يبطل الصلاة، بطلت صلاة الإمام. وهل تبطل صلاة من خلفه أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى بإمام، صلاته فاسدة.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
والثاني: أنَّ النهي متوجه إلى المأمومين خاصة. فعلى هذا؛ إن كان الإمام في العلو وحده، وقلنا: هذا النهي يبطل الصلاة، بطلت صلاة المأمومين وصلاة الإمام؛ لأنَّه صار منفردًا، وقد نوى الإمامة، وهذا مبطل عند أصحابنا.
وإن كان معه في العلو أحد صحت صلاته وصلاة من معه، وفي صلاة من أسفل منهم الخلاف السابق.
وأعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٥٢):
«مسألة: قَالَ: "ولا يكون الإمام أعلى من المأموم".
المشهور في المذهب أنَّه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي» اهـ.
وقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٣/ ٢٣٧):
«والحاصل من الأدلة منع ارتفاع الإمام على المؤتمين من غير فرق بين المسجد وغيره وبين القامة ودونها وفوقها لقول أبي سعيد أنَّهم كانوا ينهون عن ذلك، وقول ابن مسعود: نهى رسول الله ﷺ. الحديث.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
وأمَّا صلاته ﵌ على المنبر فقيل إنَّه إنَّما فعل ذلك لغرض التعليم كما يدل عليه قوله: "ولتعلموا صلاتي". وغاية ما فيه جواز وقوف الإمام على محل أرفع من المؤتمين إذا أراد تعليمهم» اهـ.
وقَالَ العلامة الشنقيطي ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ٣٧٧):
«قَالَ مقيده عفا الله عنه: والذي يظهر والله تعالى أعلم وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة، وأنَّ علو الإمام مكروه لما تقدم، ويجمع بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه للتعليم دون غيره، ويدل لهذا إخباره ﷺ أنَّه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره إلَّا من يليه، وجمع بعضهم بأنَّ ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء فيما إذا كان مع الإمام في المكان المرتفع بعض المأمومين هل يكره ذلك أم تزول الكراهة في ذلك، فكره ذلك الإمام مالك، قَالَ صاحب [الْتَاجِ وَالْإِكْلِيْلِ] (٢/ ١٦٣): «من المدونة قَالَ مالك: إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد، والناس خلفه أسفل من ذلك فلا يعجبني» اهـ.
وقد أجاز ذلك بعض علماء الحنفية فقد جاء في [تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ شَرْحُ كَنْزِ الْدَقَائِقِ] (٢/ ٢٨١):
[ ٤ / ٤٩٩ ]
«وإن كان مع الإمام بعض القوم لا يكره في الصحيح لزوال المعنى الموجب للكراهة وهو انفراد الإمام بالمكان» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٢/ ٩٤):
«من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم م. ع. س. سلمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ٦٨٢ وتاريخ ١٧\ ٢ \ ١٤٥٧ هـ الذي تسأل فيه عن حكم ارتفاع الإمام عن المأمومين أو عن بعضهم في الصلاة، وأفيدك بأنَّه لا حرج في ارتفاع الإمام على بعض المأمومين إذا كان معه في المحل المرتفع بعض الصفوف، وهكذا لو كان وحده وكان الارتفاع يسيرًا فإنَّه يعفى عنه؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى ذات يوم على المنبر وقَالَ: "إنَّما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" متفق على صحته.
وكان ﷺ يقرأ على المنبر ويركع على المنبر ثم ينزل يسجد في الأرض. وفق الله الجميع لما فيه رضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِيْنَ] (١٥/ ١٠٣):
[ ٤ / ٥٠٠ ]
«وأمَّا ارتفاع الإمام على المأموم فإنَّ هذا لا ينبغي إلَّا بمثل ما ورد عن رسول الله ﷺ ذراع أو نحوه فإنَّه ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ على المنبر فصار يصلي فوق المنبر قائمًا وراكعًا، فإذا أراد السجود نزل وسجد في أصل المنبر وقَالَ: "إنَّما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي".
وقد قيده بعض العلماء بما إذا لم يكن مع الإمام في موضعه أحد من المأمومين فإن كان معه أحد كما لو كان الإمام وبعض المأمومين في السطح في الأسفل فلا بأس».
وقَالَ العلامة عبد المحسن العباد في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاودَ] (٤/ ٦٠):
«وإذا كان الإمام ومعه بعض المأمومين في مكان متساوٍ ثم كان بعض المأمومين في مكان منخفض كأن يكونوا في بدروم أو في مسجد عدة طوابق وصلى الإمام ومن معه في الدور الأعلى وغيرهم صلى في الأدوار التي تحت فلا بأس بذلك؛ لأنَّ هذا تدعو الحاجة إليه، فكون الإمام ومعه بعض المأمومين يكونون في مكان عالٍ وبعضهم في مكان منخفض لا بأس بذلك، وإنَّما المحذور أن يكون الإمام له مكان مرتفع خاص به يصعد عليه ويصلي بالناس وهم تحته، هذا هو الذي يدل عليه هذا الحديث، أمَّا أن يكون الإمام ومعه مأمومون في مكان مستوٍ ثم يأتي
[ ٤ / ٥٠١ ]
مأمومون آخرون بعدما يمتلئ المسجد فيصلون في السطح أو في الدور الأسفل فلا بأس بذلك ولا مانع منه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول له قوته، وهو الذي يظهر لي صحته. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل.
٦ - وفيه أنَّ الجمع بين نية الفرض، والتعليم لا يضر.
٧ - وفيه جواز الحركة اليسيرة في الصلاة.
٩ - وفيه الرد على من أبطل الصلاة بالثلاث الحركات المتواليات، فإنَّ النزول من على المنبر والرجوع إلى الوراء حتى يتسع المكان للسجود يستدعي أكثر من ذلك.
الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٢٢):
«وفيه دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة لكن فيه إشكال على من حدد الكثير من العمل بثلاث خطوات فإنَّ منبر النبي ﷺ كان ثلاث درجات والصلاة كانت على العليا ومن ضرورة ذلك أن يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعد ثلاث خطوات فأكثر وأقله ثلاث خطوات …» اهـ.
* * *
[ ٤ / ٥٠٢ ]
١٣١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من أوجب غسل الجمعة.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في غسل الجمعة فذهب إلى وجوبه جمع من العلماء منهم عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وعمرو بن سليم الأنصاري، وإسحاق بن راهوية، وأحمد في رواية، وهو مذهب داود الظاهري، وابن حزم، وابن دقيق العيد، واختاره الشوكاني في [الْنَّيْلِ] (١/ ٢٧٧) وتراجع عنه في [الْسَّيْلِ] (١/ ١١٦) فذهب إلى الاستحباب.
قُلْتُ: وقد صح هذا أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فروى مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٢٨)، ومِنْ طَرِيقِه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٣٠٥)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٠/ ١٧٢٣) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ».
[ ٤ / ٥٠٣ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. لكنه مع ذلك يحتمل التأويل كحديث الباب.
وذهب أكثر العلماء إلى استحباب غسل الجمعة.
وقد روى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٨/ ١٧٣١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ الْمَلَاحِقِيُّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْخَلَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَوُضِعَ لَهُ مَاءٌ، فَلَمَّا خَرَجَ تَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: أَلَا تَغْتَسِلُ؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ الْجُمُعَةُ؟ فَقَالَ: «عَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ الْجُمُعَةُ، وَلَيْسَ الْغُسْلُ بِمَحْتُومٍ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. يحيى بن محمد هو ابن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي ثقة حافظ، وعلي بن عثمان هو ابن عبد الحميد بن لاحق الرقاشي بصري اللاحقي ثقة وثقه أبو حاتم، وداود هو ابن أبي الفرات ثقة، ومحمد بن زيد هو ابن علي الكندي قَالَ فيه أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وعكرمة ثقة ثبت.
قَالَ الإمام الترمذي ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٢/ ٣٦٩):
«والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة ورأوا أن يجزئ الوضوء من الغسل يوم الجمعة» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٨):
«وممن كان لا يرى الغسل فرضًا لازمًا الأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والنعمان وأصحابه» اهـ. واختاره ابن المنذر.
[ ٤ / ٥٠٤ ]
قُلْتُ: وهناك من فصلَّ في هذه المسألة وذهب إلى وجوب الغسل لمن به عرق وريح يتأذى به الناس.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] ص (٣٩٣):
«ويجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره وهو بعض من مذهب من يوجبه مطلقًا بطريق الأولى» اهـ.
قُلْتُ: واحتج من أوجب الغسل للجمعة بعدة حجج منها:
حديث ابن عمر وهو حديث الباب.
ومنها ما رواه الْبُخَارِيّ (٨٥٨)، ومُسْلِم (٨٤٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».
قُلْتُ: وقد جاء الحديث في الْبُخَارِيّ (٨٨٠) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ».
قُلْتُ: وذكر الاستنان في الحديث والطيب يدل على أنَّ المراد بالوجوب تأكيد الاستحباب كما يقَالَ حقك عليَّ واجب.
قَالَ الإمام الشافعي ﵀ فِي [الْأُمِ] (١/ ٢٤٢):
[ ٤ / ٥٠٥ ]
«فاحتمل واجب لا يجزئ غيره وواجب في الأخلاق وواجب في الاختيار والنظافة وهي تغير الريح عند اجتماع الناس كما يقول الرجل للرجل وجب حقك على إذ رأيتني موضعًا لحاجتك وما أشبه هذا فكان هذا أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث وخصوص الغسل من الجنابة …» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن خزيمة ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٣/ ١٢٤/ ١٧٤٧):
«ففي هذا الخبر قد قرن النبي ﷺ السواك وإمساس الطيب إلى الغسل يوم الجمعة فأخبر ﷺ أنهنَّ على كل محتلم والسواك تطهير للفم والطيب مطيب للبدن وإذهابًا للريح المكروهة عن البدن ولم نسمع مُسْلِمًا زعم أنَّ السواك يوم الجمعة ولا إمساس الطيب فرض والغسل أيضًا مثلهما ويستدل في الأبواب الأخر بدلائل غير مشكلة إن شاء الله أنَّ غسل يوم الجمعة ليس بفرض لا يجزئ غيره» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٦٣):
«لما قرن النبي ﷺ الغسل يوم الجمعة إلى إمساس الطيب، وكان إمساس الطيب ليس بفرض لا يختلف فيه أهل العلم؛ دل على أنَّ الغسل المقرون إليه مثله» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٠/ ٨٧):
«ومعلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين فكذلك الغسل» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٧٣):
[ ٤ / ٥٠٦ ]
«وهذا مما استدل به جمهور العلماء على أنَّ المراد بالوجوب هاهنا: تأكد الاستحباب؛ لأنَّه قرنه بما ليس بواجب إجماعًا وهو الطيب والسواك» اهـ.
قُلْتُ: واحتج المستحبون للغسل بهذا الحديث وبما رواه مُسْلِم (٨٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسوُلُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا».
قَالَ العلامة القرطبي ﵀ فِي [الْمُفْهِمِ] (٧/ ١١١):
«فذكر فيه الوضوء، واقتصر عليه دون الغسل، ورتب الصحة والثواب عليه. فدل على أن الوضوء كاف من غير غسل، وأنَّ الغسل ليس بواجب» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٤٢):
«وهذا يدل على أنَّ الوضوء كاف، وأنَّ المقتصر عليه غير أثم ولا عاص، وأمَّا الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه الْبُخَارِيّ (٨٧٨)، ومُسْلِم (٨٤٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ
[ ٤ / ٥٠٧ ]
تَوَضَّأْتُ، فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ».
قَالَ الإمام الشافعي ﵀ فِي [اخْتِلافِ الْحَدِيْثِ] ص (٥١٦):
«فلما علمنا أنَّ عمر وعثمان علما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كان يأمر بالغسل يوم الجمعة، فذكر عمر علمه، وعلم عثمان، فذهب عنَّا أن نتوهم أن يكونا نسيا علمهما عن رسول الله في غسل يوم الجمعة، إذ ذكر عمر علمهما في المقام الذي توضأ فيه عثمان يوم الجمعة ولم يغتسل، ولم يخرج عثمان فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك، ولا أجد ممن حضرهما من أصحاب رسول الله من علم أمر رسول الله بالغسل معهما، أو بإخبار عمر عنه، دل هذا على أن عمر وعثمان قد علما أمر النبي بالغسل، على الأحب لا على الإيجاب للغسل الذي لا يجزئ غيره، وكذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ دل على أن علم من سمع مخاطبة عمر وعثمان في مثل علم عمر وعثمان، إمَّا أن يكون علموه علمًا، وإما أن يكون علموه بخبر عمر كالدلالة عن عمر وعثمان …» اهـ.
قُلْتُ: ومنهم من احتج به على وجوب الغسل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٧٩):
«واحتج إسحاق بهذا الحديث في تأكيد إيجاب الغسل يوم الجمعة، قَالَ: قول عمر إلى الإيجاب أقرب منه إلى الرخصة؛ لأنه لا يدع الخطبة ويشتغل بمعاتبة مثل عثمان وتوبيخه على رءوس الناس بالشيء الذي تركه مباح، لا إثم على تاركه، وقد
[ ٤ / ٥٠٨ ]
كان ضاق الوقت فلم يمكنه الرجوع؛ لأنه لو فعل ذلك لفاتته الجمعة، وليس لأحد أن يحتج بقول عمر في الرخصة بترك الغسل من غير علة» اهـ.
قُلْتُ: ويحتج لمن أوجب الغسل على من به عرق ويح يُتأذى به بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٢)، ومُسْلِم (٨٤٧) عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا».
قُلْتُ: فهذا الحديث يبين السبب الذي من أجله أمر النبي ﷺ بالاغتسال للجمعة وهو انبعاث الريح الكريهة فمن كانت حالته كذلك فيؤمر بالاغتسال وحكمه كحكم من أكل الثوم والكراث والبصل فإنَّ المصلي مأمور أن يجنب كل ما يؤذي إخوانه المصلين وهذا القول هو الأرجح عندي وبه يتم الجمع بين الأدلة في هذه المسألة.
وقد احتج بهذا الحديث بعض العلماء على استحباب غسل الجمعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٠٨):
«وهذا اللفظ يقتضي أنَّه ليس بواجب؛ لأنَّ تقديره لكان أفضل وأكمل ونحو هذا من العبارات» اهـ.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
٢ - الحديث يدل على أنَّ غسل الجمعة من أجل صلاة الجمعة لا من أجل اليوم.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (٣٤٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاحٌ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ لكن سئل عنه الدارقطني في [الْعِلَلِ] (١٥/ ١٩٥) فقَالَ: «يرويه بكير بن الأشج، واختلف عنه؛ فرواه عياش بن عباس القتباني، عن بكير، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن حفصة؛ وخالفه مخرمة بن بكير، فرواه عن أبيه، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو المحفوظ» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٤٠ - ٣٤١):
«وقد أعل، بأنَّ مخرمة بن بكير رواه عن أبيه، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من غير ذكر حفصة -. وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما، ولكن هل حديث مخرمة موافق لحديث عياش في لفظه، أم لا؟» اهـ.
قُلْتُ: إن كان حديث ابن عمر موافق في اللفظ لحديث حفصة فلا يضر كون الحديث عن حفصة أو عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
[ ٤ / ٥١٠ ]
وقد أفتى بما دل عليه الحديث عامة أهل العلم، وشذ ابن حزم فأوجب الغسل لليوم لا للصلاة فأجاز الغسل بعد صلاة الجمعة، وأوجبه على الحائض والنفساء كَمَا فِي [الْمُحَلَّى] (٢/ ١٩ - ٢٢).
قُلْتُ: وحجة من قَالَ ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (٨٥٨)، ومُسْلِم (٨٤٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».
قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٢٣):
«ولقد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد يكون مجزومًا ببطلانه حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة حتى اغتسل قبل الغروب كفى عنده تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم في بعض الروايات وقد تبين من بعض الأحاديث: أنَّ الغسل لإزالة الروائح الكريهة ويفهم منه: أنَّ المقصود عدم تأذي الحاضرين وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة وكذلك أَقُولُ: لو قدمه بحيث لا يحصل هذا المقصود لم يعتد به والمعنى إذا كان معلومًا كالنص قطعًا أو ظنًا مقاربًا للقطع: فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ» اهـ.
٣ - الحديث يدل على الاغتسال عند المجيء للجمعة، وقد استحب العلماء الاغتسال عند الرواح للجمعة وتنازعوا هل يصح الغسل قبل الرواح أولا،
[ ٤ / ٥١١ ]
فذهب الجمهور إلى صحته وقَالَوا يصدق على من اغتسل قبل الرواح ثم جاء للجمعة أنَّه جاء الجمعة مغتسلًا.
وذهب الإمام مالك ﵀ إلى أنَّ الاغتسال لا يكون إلَّا عند الرواح، واحتج بما رواه الْبُخَارِيّ (٨٨١)، ومُسْلِم (٨٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
ووجه الشاهد من الحديث تعليق الغسل بالروح، وأجاب الجمهور بأنَّ ثم تفيد التراخي فمن اغتسل في أول النهار وراح في منتصفه صدق عليه هذا الحديث.
ومذهب الجمهور في هذه المسألة هو الصحيح لكن ينبغي أن لا يباشر الإنسان من الأوساخ والأدران ثم يتجه إلى المسجد لأنَّه بهذا الفعل يكون قد أبطل الحكمة المقصودة من الغسل فإذا باشر ذلك أعاد الغسل مرةً أخرى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - ويدل الحديث أنَّ الغسل يكون لمن جاء الجمعة وفي حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ الذي رواه الْبُخَارِيّ (٨٥٨)، ومُسْلِم (٨٤٦) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».
[ ٤ / ٥١٢ ]
ففيه إضافة الغسل ليوم الجمعة ويوم الجمعة يبدأ من طلوع الفجر، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ غسل الجمعة لا يكون إلَّا بعد طلوع الفجر لإضافة الغسل إلى اليوم واليوم يبدأ من طلوع الفجر، وذهب الإمام الأوزاعي ﵀ إلى أنَّ من اغتسل قبل طلوع الفجر ثم راح إلى الجمعة أجزأه ذلك.
قُلْتُ: مذهب الجمهور هو الصحيح. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - الحديث حجة لجمهور أهل العلم في استحبابهم للغسل لكل من جاء الجمعة ولو كان ممن لا تلزمه الجمعة.
قُلْتُ: واستثنى الإمام أحمد ﵀ المرأة لقوله ﵊: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ». رواه أحمد (٩٦٤٣، ١٠١٤٩، ١٠٨٤٧)، وأبو داود (٥٦٥) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ به.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، والحديث صحيح لغيره.
والذي يظهر لي عدم استثناء المرأة من ذلك والمراد بتفلات أي غير متطيبات.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٩٣):
«قوله: "وليخرجن تفلات" التفل بفتح الفاء الرائحة الكريهة والمراد أن لا يتطيبن يقَالَ هو تفل أي غير متطيب» اهـ.
[ ٤ / ٥١٣ ]
قُلْتُ: إنَّما منعت المرأة من الطيب عند خروجها لما في استعماله من الفتنة، وهذا لا وجود له في اغتسال المرأة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *
١٣٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: "صَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ"». وَفِي رِوَايَةٍ «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
روى مسلم (٨٧٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
وفي الحديث مسائل منها:
[ ٤ / ٥١٤ ]
١ - أنَّ الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٥٦):
«هذه الأحاديث كلَّها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين أنَّه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب استحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنَّه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدهما الخطبة، وحكى هذا المذهب أيضًا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين. قَالَ القاضي: وقَالَ مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃ وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام، وتأولوا هذه الأحاديث أنَّه كان عريانًا فأمره النبي ﷺ بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه، وهذا تأويل باطل يرده صريح قوله ﷺ: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحًا فيخالفه» اهـ.
٢ - توكيد شأن تحية المسجد حيث أمر بها مع خطبة الخطيب.
٣ - واحتج به من قَالَ بوجوب تحية المسجد وقد سبق القول في ذلك عند شرح حديث أبي قتادة ﵁.
٤ - ويدل الحديث على أنَّ تحية المسجد تصلى في أوقات الكراهة.
[ ٤ / ٥١٥ ]
فائدة: اختلف العلماء هل وقت الزوال من أوقات الكراهة في يوم الجمعة.
فذهب أحمد في المشهور وأبو حنيفة إلى أنَّه من أوقات الكراهة.
وذهب الشافعي إلى استثناء الزوال من أوقات الكراهة في يوم الجمعة.
وجاء في ذلك حديث لا يثبت وهو ما رواه أبو داود (١٠٨٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: «إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هُوَ مُرْسَلٌ، مُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي الْخَلِيلِ، وَأَبُو الْخَلِيلِ، لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٦٦ - ٣٦٨):
«الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ وَقْتَ الزَّوَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا أبي العباس ابن تيمية، وَلَمْ يَكُنِ اعْتِمَادُهُ عَلَى حَدِيثِ ليث عَنْ مجاهد عَنْ أبي الخليل عَنْ أبي قتادة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ: "إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ". وَإِنَّمَا كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَنَدَبَهُ إِلَى الصَّلَاةِ مَا كُتِبَ لَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ عَنْهَا إِلَّا
[ ٤ / ٥١٦ ]
فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْإِمَامِ، وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: خُرُوجُ الْإِمَامِ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَخُطْبَتُهُ تَمْنَعُ الْكَلَامَ، فَجَعَلُوا الْمَانِعَ مِنَ الصَّلَاةِ خُرُوجَ الْإِمَامِ لَا انْتِصَافَ النَّهَارِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ فِي الْمَسْجِدِ تَحْتَ السُّقُوفِ، وَلَا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ الزَّوَالِ، وَالرَّجُلُ يَكُونُ مُتَشَاغِلًا بِالصَّلَاةِ لَا يَدْرِي بِوَقْتِ الزَّوَالِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَيَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَيَنْظُرَ إِلَى الشَّمْسِ وَيَرْجِعَ، وَلَا يُشْرَعُ لَهُ ذَلِكَ.
وَحَدِيثُ أبي قتادة هَذَا، قَالَ أبو داود: هُوَ مُرْسَلٌ لِأَنَّ أبا الخليل لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أبي قتادة، وَالْمُرْسَلُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ عَمِلَ، وَعَضَّدَهُ قِيَاسٌ، أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ كَانَ مُرْسِلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشُّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عُمِلَ بِهِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ عَضَّدَهُ شَوَاهِدُ أُخَرُ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: رُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ". هَكَذَا رَوَاهُ ﵀ فِي كِتَابِ " اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ " وَرَوَاهُ فِي " كِتَابِ الْجُمُعَةِ ": حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد عَنْ إسحاق، وَرَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: عبد الله بن سعيد المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ رَوَاهُ البيهقي فِي " الْمَعْرِفَةِ " مِنْ حَدِيثِ عطاء بن عجلان عَنْ أَبِي
[ ٤ / ٥١٧ ]
نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيد وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ". وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ فِيهِ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، قَالَهُ البيهقي قَالَ: وَلَكِنْ إِذَا انْضَمَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ إِلَى حَدِيثِ أبي قتادة أَحْدَثَتْ بَعْضَ الْقُوَّةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ شَأْنِ النَّاسِ التَّهْجِيرُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةُ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ، قَالَ البيهقي: الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَغَّبَ فِي التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَفِي الصَّلَاةِ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَذَلِكَ يُوَافِقُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي أُبِيحَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرُوِّينَا الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَالْحَسَنِ وَمَكْحُولٍ.
قُلْتُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ كَرَاهَةٍ بِحَالٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ وَقْتُ كَرَاهَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أحمد.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَقْتُ كَرَاهَةٍ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَيْسَ بِوَقْتِ كَرَاهَةٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي هريرة شديد الضعف.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ١٠٨):
[ ٤ / ٥١٨ ]
«إبراهيم بن محمد هذا هو بن أبي يحيى وإسحاق هذا هو بن أَبِي فَرْوَةَ وَهُمَا مَتْرُوكَانِ لَيْسَ فِيمَا يَنْقِلَانِهِ وَيَرْوِيَانِهِ حُجَّةٌ» اهـ.
قُلْتُ: وما رواه البخاري (٨٨٣) عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى». ليس صريحًا على النافلة وقت الزوال فإنَّه لم يقل: ثم يصلي حتى يخطب الإمام.
لكن روى الشافعي في [مُسْنَدِهِ] الشافعي (ص: ٦٣)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٦٨٤) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ، كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، حَتَّى إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وثعلبة مختلف في صحبته، وقد أخرج له البخاري.
وهذا يقوي مذهب الإمام الشافعي ﵀.
٥ - ويدل أيضًا على أنَّ تحية المسجد لا تفوت بالجلوس.
٦ - وفيه أنَّ للخطيب أن يأمر وينهى الحاضرين إذا وجد ما يوجب ذلك.
٧ - قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٨٣):
[ ٤ / ٥١٩ ]
«وفيه أنَّها لا تحصل بأقل من ركعتين وبه قَالَ الجمهور من أصحابنا وغيرهم وقَالَ بعض أصحابنا تحصل بركعة واحدة وبالصلاة على الجنازة وبسجود التلاوة والشكر لأنَّ المقصود إكرام المسجد وهو حاصل بذلك وهذا ضعيف مخالف لظاهر الحديث» اهـ.
٨ - وفيه استفسار من وقع في خطإ إذا غلب في الظن وقوعه فيه من غير تيقن لذلك.
* * *
١٣٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، ويَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ».
قُلْتُ: الحديث بهذا اللفظ عند الدارمي (١٥٥٨)، إلاَّ أنَّ الدارمي زاد «وَكَانَ يَفْصِلُ». ورواه النسائي (١٤١٦): «كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ».
ورواه الدارقطني (١٦٣٠) بلفظ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ».
ولفظ الحديث في الْبُخَارِيّ (٩٢٨): «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا».
[ ٤ / ٥٢٠ ]
ولفظ مُسْلِم (٨٦١): «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ». قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب خطبتي الجمعة لمواظبة النبي ﵊ عليهما وكل ما واظب عليه النبي ﷺ في الجمعة وكان من قبيل الذكر فهو من الواجبات؛ لأنَّه بيان لقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، ولأنَّ الجمعة أسقطت صلاة الظهر، ولم تسقطها إلَّا بهذه الهيئة التي بينها رسول الله ﷺ وهي خطبتان وركعتان.
وقد ذهب إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة الإمام الشافعي وأحمد. وهذا هو الصحيح. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١١٩):
«وجملته أنَّه يشترط للجمعة خطبتان. وهذا مذهب الشافعي.
وقَالَ مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: يجزيه خطبة واحدة.
وقد روي عن أحمد ما يدل عليه، فإنَّه قَالَ: لا تكون الخطبة إلَّا كما خطب النبي ﷺ أو خطبة تامة.
[ ٤ / ٥٢١ ]
ووجه الأول: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يخطب خطبتين، كما روينا في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة، وقد قَالَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولأنَّ الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين. فكل خطبة مكان ركعة، فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين» اهـ.
قُلْتُ: المشهور عن الإمام مالك أنَّه لا بد من الخطبتين، وله رواية أخرى أنَّ الخطبة الواحدة تجزئ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِي الْمَالِكي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ الْطَالِبِ الْرَّبَانِي] (١/ ٣٧٣): «قَوْلُهُ: "اثْنَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ" مُقَابِلُهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ، قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ نَسِيَ الثَّانِيَةَ أَوْ تَرَكَهَا أَجْزَأَهُمْ قَالَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٥٩):
«وقَالَت طائفة: إذا لم يخطب الإمام صلى أربعًا، كذلك قَالَ عطاء، والنخعي، وقتادة، وبه قَالَ سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد. وروينا عن سعيد بن جبير أنه قَالَ: كانت الجمعة أربعًا، فجعلت الخطبة مكان الركعتين» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢/ ١٦٥ - ١٦٦):
«واختلفوا أيضًا في الخطبة هل هي من فروض صلاة الجمعة أم لا وقد جاء فيها أيضًا عن أصحابنا أقاويل مضطربة والخطبة عندنا في الجمعة فرض وهو مذهب
[ ٤ / ٥٢٢ ]
ابن القاسم والحجة في ذلك أنَّها من بيان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لمجمل الخطاب في صلاة يوم الجمعة قَالَ الله ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فأبان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلاة الجمعة بفعله كيف هي وأي وقت هي وبيانه لذلك فرض كسائر بيانه لمجملات الكتاب في الصلوات وركوعها وسجودها وأوقاتها وفي الزكوات ومقاديرها وغير ذلك مما يطول ذكره وقد استدل بعض أصحابنا على وجوب الخطبة بقول الله ﷿ ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ لأنَّه عاتب بذلك الذين تركوا النبي ﷺ قائمًا يخطب يوم الجمعة وانفضوا إلى التجارة التي قدمت العيس بها في تلك الساعة وعابهم لذلك ولا يعاب إلَّا على ترك الواجب وما قدمناه من قول في وجوبها لازم أيضًا قاطع وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في أقل ما يقع فيه اسم خطبة على أقوال:
فذهب أبو حنيفة: إلى أن الشرط أن يذكر الله تعالى على قصد الخطبة، قل الذكر أم كثر حتى لو سبح أو هلل أو حمد الله تعالى على قصد الخطبة أجزأه.
وعند الإمام مالك: لا يجزئ إلَّا ما يقع عليه اسم خطبة.
وله رواية قريبة مما قاله أبو حنيفة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٢/ ٦٠)
«وذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ» اهـ.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ٢٠٤):
«وَكَمْ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُجْزِئُ مِنْ الْخُطْبَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا مَا لَهُ بَالٌ وَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إنْ سَبَّحَ وَهَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَا لَمْ يُصَلِّ فَإِنْ صَلَّى أَجْزَأَهُ وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَتَكَلَّمَ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَجُمُعَتُهُمْ جُمُعَةٌ» اهـ.
وقَالَ الإمام الشافعي: وأقل ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد الله تعالى ويصلى على النبي ﷺ ويقرأ شيئًا من القرآن في الأولى ويحمد الله عز ذكره ويصلى على النبي ﷺ ويوصى بتقوى الله ويدعو في الآخرة لأنَّ معقولًا أنَّ الخطبة جمع بعض الكلام من وجوه إلى بعض هذا أوجز ما يجمع من الكلام.
وعند الإمام أحمد: أنَّ فروض الخطبة أربعة أشياء: حمد الله تعالى.
والثاني: الصلاة على رسول الله ﷺ.
الثالث: الموعظة لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يعظ وهو القصد من الخطبة فلا يجوز الإخلال بها.
الرابع: قراءة آية.
قُلْتُ: وأبعد هذه المذاهب مذهب أبي حنيفة فإنَّ التسبيح والتحميد لا يسمى خطبة في لغة العرب.
قَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٦٢):
[ ٤ / ٥٢٤ ]
«والقول الآخر قول النعمان: هو أنَّ الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه. قَالَ أبو بكر: فأمَّا ما قَالَ النعمان فلا معنى له، ولا أعلم أحدًا سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يقَالَ لمن قَالَ سبحان الله قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به» اهـ.
قُلْتُ: وأحسن ما نعرفه به الخطبة المجزئة للجمعة أن ننظر فيما واظب عليه النبي ﷺ في خطبه فيعد من واجبات الخطبة التي لا تصح بدونه وإليك تفصيل ذلك بمشيئة الله تعالى.
فأمَّا الحمد في الخطبة.
فقد دل عليه ما رواه مُسْلِم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ …».
قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٤٨):
«فيه: دليل للشافعي ﷺ أنَّه يجب حمد الله تعالى في الخطبة ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو وجوب الحمد في الخطبة لمواظبة النبي ﷺ عليه.
وأمَّا الموعظة.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
فروى مُسْلِم (٨٦٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٣/ ٢٣٨):
«فيه دليل للشافعي في أنَّه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن» اهـ.
وأمَّا قراءة شيء من القرآن.
فروى مُسْلِم (٨٦٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ».
أمَّا الصلاة على النبي ﷺ.
فروى أحمد (٩٩٦٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ اللَّهَ ﷿، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَابِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أحمد (٩٨٤٢، ١٠٢٨٢)، والترمذي (٣٣٨٠) مِنْ طَرِيْقِ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ لغيره والإسناد حسن. وصالح وإن كان اختلط فإنَّ من
[ ٤ / ٥٢٦ ]
الرواة عنه ابن أبي ذئب، وقد قَالَ ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج.
قُلْتُ: وقد جاءت في ذلك آثار عن أصحاب النبي ﷺ منها:
ما رواه عبد الله بن أحمد في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٨٣٧) حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: «كَانَ أَبِي مِنْ شُرَطِ عَلِيٍّ، وَكَانَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ، فَحَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ - يَعْنِي عَلِيًّا - فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ: "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالثَّانِي عُمَرُ، وَقَالَ: يَجْعَلُ اللهُ تَعَالَى الْخَيْرَ حَيْثُ أَحَبَّ"».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ.
وروى البزار في [مُسْنَدِهِ] (١٩٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَا: نا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيْهِ: «… فَلَمَّا صَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ …».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ، وأصل الحديث رواه الْبُخَارِيّ (٦٨٣٠)، ومُسْلِم (١٦٩١).
[ ٤ / ٥٢٧ ]
قُلْتُ: وليس هناك ما يدل على وجوبها في الخطبة فضلًا عن ركنيتها فالصحيح أنَّها تستحب ولا تجب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٧١) - بعد ذكره لبعض الآثار عن الصحابة في الصلاة على النبي ﷺ في الخطب -: «فهذا دليل على أنَّ الصلاة على النبي في الخطب كان أمرًا مشهورًا معروفًا عند الصحابة ﵃ أجمعين، وأمَّا وجوبها فيعتمد دليلًا يجب المصير إليه وإلى مثله» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٩١ - ٤٩٢):
«فالصلاة والسلام عليه في الخطبة يوم الجمعة حسن متأكد الاستحباب، لكن لا يظهر أنَّه تبطل الخطبة بتركه، بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة.
وأمَّا القراءة، فالأكثرون على وجوبها في الخطبة، وهو المشهور عن أحمد. وحكي عنه رواية، أنَّها مستحبة غير واجبة.
وأكثر أصحابنا على إيجاب الصلاة على النبي ﷺ، ومنهم من قَالَ: الواجب الشهادة له بالرسالة والعبودية» اهـ.
وأمَّا الْدُعَاء.
فروى مُسْلِم (٨٧٤) عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: «قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ».
[ ٤ / ٥٢٨ ]
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في الإشارة بالسبابة متى كَان النَّبِيُّ ﷺ يشير بها.
فقَالَ بعض العلماء: كان ذلك في الْدُعَاء.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح فقد روى الحديث أبو داود (١١٠٦) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: رَأَى عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَهُوَ يَدْعُو فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ حُصَيْنٌ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ». يَعْنِي السَّبَّابَةَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ.
قُلْتُ: وهو عند الطيالسي (١٣٦٦) مِنْ طَرِيقِ شعبة وزائدة به. وعند البيهقي قي [الْكُبْرَى] (٥٥٦٦) مِنْ طَرِيقِ شعبة به.
ولفظ أحمد (١٧٢٦٣) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ بْنِ مُعَاوِيَّةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: «كُنْتُ إِلَى جَنْبِ عِمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ وَبِشْرٌ يَخْطُبُنَا، فَلَمَّا دَعَا، رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عِمَارَةُ - يَعْنِي -: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ أَوْهَاتَيْنِ الْيُدِيَّتَيْنِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، إِذَا دَعَا يَقُولُ هَكَذَا، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ وَحْدَهَا».
قُلْتُ: وفي هذا التصريح بدعاء النبي ﷺ في خطبته. لكن لم يتابع زهير على ذلك.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
ورواه الدارمي (١٦٠٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فَسَبَّهُ وَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَمَا يَقُولُ بِأُصْبُعِهِ إِلَّا هَكَذَا، - وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ عِنْدَ الْخَاصِرَةِ -».
قُلْتُ: واختلف فيه على سفيان فرواه عبد الرزاق (٥٢٧٩)، ومِنْ طَرِيقِه أحمد (١٧٢٥٨) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَا يَقُولُ إِلَّا هَكَذَا» وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ.
قُلْتُ: وليس في حديث عبد الرزاق ذكر الْدُعَاء وحديث محمد بن يوسف أصح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «ثقة فاضل، يقَالَ أخطأ في شيء مِنْ حَدِيْثِ سفيان، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق» اهـ.
لكن رواه أحمد (١٧٢٦٠)، والنسائي (١٤١٢) مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، أَنَّ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، رَفَعَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَسَبَّهُ عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيُّ، وَقَالَ: «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا»، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ.
قُلْتُ: وقد تابع وكيع عبد الرزاق في عدم ذكر الْدُعَاء وخالفهما حيث لم يسند الحديث عن حصين.
[ ٤ / ٥٣٠ ]
ورواه الترمذي (٥١٥)، وبن خزيمة (١٧٩٣) مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيَّ قَالَ: «خَطَبَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَمَا يَقُولُ إِلَّا هَكَذَا - يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ -».
ورواه أحمد (١٨٣٢٥) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ يُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيُدَيَّتَيْنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَدْعُو وَهُوَ يُشِيرُ بِإِصْبَعٍ».
ورواه ابن خزيمة (١٧٩٣) نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، ح، وَثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيَّ قَالَ: «خَطَبَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَمَا يَقُولُ إِلَّا هَكَذَا - يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ -». هَذَا حَدِيثُ جَرِيرٍ، وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ: شَهِدْتُ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيَّ فِي يَوْمِ عِيدٍ، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَخْطُبُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، وَزَادَ: وَأَشَارَ هُشَيْمٌ بِالسَّبَّابَةِ اهـ.
قُلْتُ: ذكر إشارة بشر بأصبعيه لم يتابع عليها محمد بن فضيل.
[ ٤ / ٥٣١ ]
فهؤلاء: سفيان الثوري على اختلاف عنه، وزائدة بن قُدَامَةَ، وشعبة، وزهير بن معاوية، وهشيم بن بشير، ومحمد بن فضيل، وجرير بن حازم ذكروا في حديثهم عن حصين رفع بشر بن مروان يديه في الْدُعَاء في الخطبة.
وخالفهم آخرون عن حصين فلم يذكروا ذلك منهم:
عبد الله بن إدريس وحديثه عند مُسْلِم (٨٧٤).
وعبثر بن القاسم أبو زبيد وحديثه عند الدارمي (١٦٠١).
وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري وحديثه عند مُسْلِم (٨٧٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٧١٤).
قُلْتُ: ذكر رفع مروان ليديه في الْدُعَاء في الخطبة زيادة من ثقات محفوظة.
وقَالَ بعض العلماء: كان ذلك في تشهده.
قَالَ العلامة القرطبي ﵀ فِي [المفهم] (٧/ ١٣٦):
«وَقَوْلُهُ: "وأشار بإصبعه المسبحة": كان ذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ من رسول الله ﷺ عند التشهد في الخطبة؛ كما كان يفعل في الصلاة» اهـ.
قُلْتُ: وليس هناك ما يدل على ذلك، ولا ما يدل على الإشارة عند التشهد في الصلاة. والصحيح الأول.
قُلْتُ: وهذا الحديث أصح ما ورد في الْدُعَاء في الخطبة.
وفي الباب حديث سهل بن سعد رواه أبو داود (١١٠٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
[ ٤ / ٥٣٢ ]
مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ، يَقُولُ: هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَعَقَدَ الْوُسْطَى بِالْإِبْهَامِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن معاوية الأكثر على تضعيفه. وقد اضطرب في متن الحديث اضطرابًا شديدًا.
فرواه أبو داود كما سبق، ورواه أحمد (٢٢٩٠٦) حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرٍ وَلَا غَيْرِهِ، مَا كَانَ يَدْعُو إِلَّا يَضَعُ يَدَهُ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُشِيرُ بِإِصْبُعِهِ إِشَارَةً».
ورواه ابن خزيمة (١٤٥٠) نا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ، نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا: وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يُحَرِّكُهَا».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٥٣٢) والْحَاكِمُ (١٩٦٤) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ ذُبَابٍ،
[ ٤ / ٥٣٣ ]
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ، يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ وَلَا غَيْرُهُ، كَانَ يَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ بِحِذَاءِ مَنْكِبَيْهِ وَيَدْعُو».
ورواه الروياني في [مُسْنَدِهِ] (١١٣٢) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ وَلَفْظُهُ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ».
ورواه أبو يعلى (٧٥٥١) حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرٍ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ، يَقُولُ - هَكَذَا -» وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّاحَةِ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى فَقَوَّسَهَا.
قُلْتُ: وفي الباب ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٣٨٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيُؤَمِّنُ النَّاسُ» قَالَ: وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ حَدَثٌ، وَهُوَ حَسَنٌ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ ابن جريج مدلس وقد عنعن ثم الحديث مع ذلك مرسل.
وقول عطاء: «هُوَ حَدَثٌ، وَهُوَ حَسَنٌ». حمله غير واحد على الْدُعَاء للسلطان.
قَالَ العلامة ابن قُدَامَةَ ﵀ فِي [المغني] (٤/ ١٣١):
[ ٤ / ٥٣٤ ]
«فصل: ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولنفسه، والحاضرين، وإن دعا لسلطان المُسْلِمين بالصلاح فحسن.
وقد روى ضبة بن محصن، أن أبا موسى كان إذا خطب، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ يدعو لعمر، وأبي بكر.
وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الْدُعَاء لأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقَالَ لضبة: أنت أوثق منه وأرشد.
وقَالَ القاضي: لا يستحب ذلك؛ لأنَّ عطاء قَالَ: هو محدث.
وقد ذكرنا فعل الصحابة له، وهو مقدم على قول عطاء؛ ولأنَّ سلطان المُسْلِمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الْدُعَاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه» اهـ.
قُلْتُ: أثر أبي موسى رواه ابن مندة في [فَوَائِدِهِ] (٥٣) حَدَّثَنِي فُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: «كَانَ عَلَيْنَا أَبُو مُوسَى أَمِيرًا بِالْبَصْرَةِ، فَكَانَ إِذَا خَطَبَنَا حَمِدَ اللَّهَ ﷿ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو لِعُمَرَ، ﵁، قَالَ: فَأَغَاظَنِي ذَلِكَ مِنْهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ صَاحِبِهِ تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَصَنَعَ ذَلِكَ ثَلاثَ جُمَعٍ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ، ﵁، يَشْكُونِي، وَيَقُولُ: إِنَّ ضَبَّةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْغَنَوِيَّ يَتَعَرَّضُ لِي فِي خُطْبَتِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ أَشْخِصْهُ إِلَيَّ، قَالَ: فَأَشْخَصَنِي
[ ٤ / ٥٣٥ ]
إِلَيْهِ، فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ فَضَرَبْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْغَنَوِيُّ، قَالَ: فَلا مَرْحَبًا وَلا أَهْلا، قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا الْمَرْحَبُ فَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الأَهْلُ فَلا أَهْلَ لِي وَلا مَالَ فِيمَ اسْتَحْلَلْتَ يَا عُمَرُ إِشْخَاصِي مِنْ مِصْرِيٍّ بِلا ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ.
قَالَ: وَمَا الَّذِي شَجَرَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَامِلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: الآنَ أُخْبِرُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ إِذَا خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَدَأَ يَدْعُو لَكَ، فَأَغَاظَنِي ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ صَاحِبِهِ تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ، فَصَنَعَ ذَلِكَ ثَلاثَ جُمَعٍ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْكَ يَشْكُونِي، قَالَ: فَانْدَفَعَ عُمَرُ ﵁، مَاكِثًا فَجَعَلْتُ أَرْثِي لَهُ ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَرْشَدُ …». الحديث.
قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ لَا يَثْبُتُ بل هو شديد الضعف وآفته فرات بن السائب قَالَ فيه الْبُخَارِيّ ﵀ فِي [الْتَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٧/ ١٣٠): «فرات بن السائب أبو سليمان عن ميمون بن مهران تركوه منكر الحديث» اهـ.
وقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٧/ ٨٠):
«فرات بن السائب أبو سليمان روى عن ميمون بن مهران روى عنه شبابة بن سوار سمعت أبى يقول ذلك وسألته عنه فقَالَ ضعيف الحديث منكر الحديث قَالَ: سألت أبا زرعة عن فرات بن السائب فقَالَ: ضعيف الحديث» اهـ.
وقَالَ النسائي ﵀ فِي [الضُعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِيْنَ] ص (١٩٧):
[ ٤ / ٥٣٦ ]
«فرات بن السائب متروك الحديث» اهـ.
وقَالَ ابن عدي ﵀ فِي [الْكَامِلِ] (٦/ ٢٢ - ٢٣):
«حدثنا بن حماد ثنا عباس عن يحيى قَالَ فرات بن السائب ليس حديثه بشيء وهو جزري، وسمعت بن حماد يقول قَالَ الْبُخَارِيّ فرات بن السائب أبو سليمان عن ميمون بن مهران منكر الحديث سمعت بن حماد يقول قَالَ السعدي: فرات بن السائب أبو المعلى الجزري ضعيف الحديث» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [مِيْزَانِ الْاعْتِدالِ] (٣/ ٣٤١):
«وقَالَ الدارقطني وغيره: متروك.
وقَالَ أحمد بن حنبل: قريب من محمد بن زياد الطحان، في ميمون، يتهم بما يتهم به ذاك» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [تَهْذِيْبِ الْأَسْمَاءِ وَالْلُّغَاتِ] ص (٨٩٤):
«السائل الذي سأل عطاء عن الْدُعَاء للسلطان، فقَالَ: إنَّه محدث، وإنَّما كانت الخطبة تذكيرًا ذكره في صلاة الجمعة من المهذب. هو عبد الملك بن جريج، وعطاء هو ابن أبي رباح. قَالَ الشافعي، ﵁، في "الأم": أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، قَالَ: قُلْتُ لعطاء: الذي أرى الناس يدعون به في الخطبة يومئذ أبلغك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أو عن مَنْ بعد النبي ﷺ؟ قَالَ: لا، إنَّما أحدث إنَّما كانت الخطبة تذكيرًا هذا نصه» اهـ.
[ ٤ / ٥٣٧ ]
قُلْتُ: ونص كلام الشيرازي ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ - مَعَ الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥١٧): «وأمَّا الْدُعَاء للسلطان فلا يستحب لما روى أنَّه سئل عطاء عن ذلك فقَالَ: إنَّه محدث وإنَّما كانت الخطبة تذكيرًا» اهـ.
وفي الباب ما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٤٦٥٧) حَدَّثنا خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثني أبي، قَال: حَدَّثنا جَعْفَرُ بْنُ سَعْد بْنِ سَمُرة، قَالَ: حَدَّثني خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرة، عَنْ أَبيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرة عَنْ سَمُرة بْنِ جُنْدُبٍ، ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ واهٍ آفته يوسف بن خالد بن عمير السمتي، أبو خالد البصري قَالَ فيه الحافظ ابن معين "كذاب".
وولده خالد ضعيف، وسائر السند بين من هو مجهول جهالة عين، وبين من لا يعرف حاله.
ورواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٦٩٣٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا مَرْوَانُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَلِلْمُسْلِمَاتِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ».
[ ٤ / ٥٣٨ ]
قُلْتُ: هذا الإسناد أحسن حالًا عمَّا قبله، موسى بن هارون هو الحمال الثقة الحافظ، ومروان بن جعفر هو السمري قَالَ فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [مِيْزَانِ الْاعْتِدالِ] (٤/ ٨٩/ ٨٤٢٣):
«سمع منه أبو حاتم، ومطين، وقَالَ ابن أبى حاتم: صدوق. وقَالَ أبو الفتح الأزدي. يتكلمون فيه.
قُلْتُ: له نسخة عن قراءة محمد بن إبراهيم فيها ما ينكر» اهـ.
ومحمد بن إبراهيم قَالَ فيه ابن حبان في [الْثِّقَاتِ] (١٥١٧٢): «يروى عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن سمرة الكتاب الطويل روى عنه مروان بن جعفر لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد» اهـ.
وجعفر بن سعد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في ترجمته من "التهذيب": «وقَالَ ابن حزم: مجهول.
وقَالَ عبد الحق في "الأحكام": ليس ممن يعتمد عليه. وقَالَ ابن عبد البر: ليس بالقوى.
وقَالَ ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله - يعنى جعفر وشيخه وشيخ شيخه -
وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث، قد ذكر البزار منها نحو المائة» اهـ.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
قُلْتُ: وخبيب مجهول، وأبوه لا يعرف حاله.
ومما يضاف إلى أركان الخطبة التشهد فيها.
لما رواه أحمد (٨٠٠٥، ٨٤٩٩)، وأبو داود (٤٨٤٣)، والترمذي (١١٠٦) مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
واليد الجذماء أي المقطوعة.
وإلى هذا ذهب غير واحد من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ففي [الْاخْتِيَارَاتِ] (٤٣٩) للبعلي: «ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين» اهـ.
وقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٩١):
«والصواب: أن ذكره بالتشهد هو الواجب لدلالة هذا الحديث» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ الْسُّنَّةِ الْنَبَوِيَّةِ] (٥/ ٢٨٢):
«فلا بد في الخطب من الحمد لله ومن توحيده ولهذا كانت الخطب في الجمع والأعياد وغير ذلك مشتملة على هذين الأصلين وكذلك التشهد في آخر الصلاة أوله ثناء على الله وآخره الشهادتان» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٣٦٨ - ٣٦٩):
«فصل الموطن الخامس من مواطن الصلاة عليه في الخطبة.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطبة:
فقَالَ الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما لا تصح الخطبة إلَّا بالصلاة عليه.
وقَالَ أبو حنيفة ومالك تصح بدونها وهو وجه في مذهب أحمد.
واحتج لوجوبها في الخطبة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
قَالَ ابن عباس ﵄ رفع الله له ذكره فلا يذكر إلَّا ذكر معه.
وفي هذا الدليل نظر لأنَّ ذكره مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية وهذا هو الواجب في الخطبة قطعًا بل هو ركنها الأعظم وقد روى أبو داود وأحمد وغيرهما مِنْ حَدِيْثِ أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ أنه قَالَ: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" واليد الجذماء المقطوعة.
فمن اوجب الصلاة على النبي في الخطبة دون التشهد فقوله في غاية الضعف» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٩١):
«بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة» اهـ.
قُلْتُ: ويستحب في الخطبة قول: «أَمَّا بَعْدُ».
والأحاديث في ذلك كثيرة منها ما رواه مُسْلِم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ
[ ٤ / ٥٤١ ]
أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ».
قُلْتُ: ويستحب قراءة سورة "ق" في كثير من الخطب.
وذلك لما رواه مُسْلِم (٨٧٣) عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: «لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ».
وروى مسلم (٨٧٢) عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ، قَالَتْ: «أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٦١)
«قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ اخْتِيَارِ ق أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَعْثِ وَالْمَوْتِ وَالْمَوَاعِظِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّوَاجِرِ الْأَكِيدَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ ق أَوْ بَعْضِهَا فِي كُلِّ خُطْبَةٍ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامُةُ الْصَنْعَانِي ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَلَامِ] (٢/ ٥٠):
[ ٤ / ٥٤٢ ]
«وقد قام الإجماع على عدم وجوب قراءة السورة المذكورة ولا بعضها في الخطبة، وكانت محافظته على هذه السورة اختيارًا منه لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير» اهـ.
قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُوْ شَامَةَ ﵀ فِي [الْبَاعِثِ عَلَى إِنْكَارِ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ] (ص: ٥٤): «وَالْعجب من مواظبة أَكثر أَئِمَّة الْمَسَاجِد على قِرَاءَة السَّجْدَة فِي صبح كل يَوْم جمعه وَلَا تكَاد ترى أحدا من الخطباء فِي هَذِه الْبِلَاد يقْرَأ سُورَة ق فِي خطْبَة يَوْم الْجُمُعَة مَعَ أَنْ فِي صَحِيح مُسلم عَنْ أَنْ هِشَام بنت حارثه قَالَتْ مَا أخذت ق وَالْقُرْآن الْمجِيد إِلَّا عَنْ لِسَان رَسُول الله ﷺ يقْرؤهَا كل جُمُعَة على الْمِنْبَر إِذا خطب النَّاس» اهـ.
قُلْتُ: وأبو شامة توفي سنة ٦٦٥ هـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَلِي الْقَارِي ﵀ في [مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيْحِ] (٣/ ١٠٤٤):
«قَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ السُّورَةِ لَا جَمِيعُهَا; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْرَأْ جَمِيعَهَا فِي الْخُطْبَةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ أَوَّلَهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَإِلَّا لَكَانَتْ قِرَاءَتُهَا وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَعْضَهَا; فَحَفِظَتِ الْكُلَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: قَوْلُهُ: يَقْرَؤُهَا أَيْ: كُلَّهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى أَوَّلِ السُّورَةِ صَرْفٌ لِلنَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَ الطِّيبِيِّ، لَكِنْ نَحْنُ نَصْرِفُهُ عَنْ
[ ٤ / ٥٤٣ ]
ظَاهِرِهِ بِحَمْلِ كُلِّهَا عَلَى الْخُطَبِ الْمُتَعَدِّدَةِ; إِذِ الْحَمْلُ عَلَى كُلِّ السُّورَةِ فِي كُلِّ خُطْبَةِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا» اهـ.
وقال العلامة محمد العظيم أبادي ﵀ في [عَوْنِ الْمَعْبُوْدِ] (٣/ ٣١٦)
«قلت: القول ما قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ» اهـ.
قُلْتُ: واحتج ابن الحزم بهذا الحديث على مشروعية الخطبة بسورة فقال في [الْمُحَلَّى] (٣/ ٢٦٦):
«وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ خَطَبَ بِسُورَةٍ يَقْرَؤُهَا: فَحَسَنٌ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنَةٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْت (ق) إلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا» اهـ.
قُلْتُ: هذا تأويل بعيد بل الظاهر أنَّه لم يكن يقتصر عليها فإنَّه يبعد كل البعد أنَّ النبي ﷺ كان يخطب بها في كل جمعة ويقتصر عليها ولا يذكر غيرها.
قُلْتُ: ذهب بعض العلماء إلى استحباب قول الخطيب: «وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ». بعد الانتهاء من خطبته الثانية، كما صرَّح بذلك علماء المالكية والشافعية.
وقد روى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٨٢٨) أَخْبَرَنَا مَكْحُولٌ بِبَيْرُوتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
[ ٤ / ٥٤٤ ]
مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، وَمَا وَجَدَ لَهَا مُنَاخًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْرِجَتْ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي، فَأُنِيخَتْ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَا بَعْدَ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى رَبِّهِ"، ثُمَّ تَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] حَتَّى قَرَأَ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: "أَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ"».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل عبد الله بن رجاء، ومكحول اسمه محمد بن عبد السلام البيروتي قَالَ فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ] (٢٩/ ٣٠): «مكحول محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي الحافظ، الإمام، المحدث، الرحال، أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عبد السلام بن أبي أيوب البيروتي، ولقبه مكحول» اهـ.
قُلْتُ: ورواه عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٧٩٥)، والفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَةَ] (١٧٩٣)، والبغوي في [شَرْحِ الْسُّنَّةِ] (٣٥٤٤) مِنْ طَرِيقِ أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ به.
[ ٤ / ٥٤٥ ]
قُلْتُ: هكذا رواه أبو عاصم النبيل وسمى من حدثه عن عبد الله بن دينار موسى بن عبيدة وهو ضعيف الحديث لا سيما في روايته عن ابن دينار.
وقد تابع أبا عاصم في ذلك عبيد الله بن موسى رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٨٠٧٤) حدثنا عبيد الله بن موسى، قَالَ: أخبرنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. به.
قُلْتُ: والذي يظهر لي ثبوت حديث عبد الله بن رجاء وليس هناك ما يدل على توهيمه في اسم شيخه. وليس هذا من قبيل الشاذ فإنَّ الشاذ مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه أو أكثر عددًا، وهنا عبد الله بن رجاء ما خالف أحدًا وإنَّما روى الحديث عن شيخ له آخر غير شيخ أبي عاصم، وعبيد الله بن موسى. نعم لو كانوا اتفقوا في شيخ معين ثم اختلفوا فيما فوق ذلك من رجال الإسناد لاستقام مثل هذا التعليل. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [السلسلة الصحيحة] (٦/ ٣٠٢/ ٢٨٠٣):
«قُلْتُ: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مُسْلِم غير مكحول وشيخه محمد بن عبد الله بن يزيد وهما ثقتان معروفان» اهـ.
ورواه الترمذي (٣٢٧٠) حدثنا علي بن حجر أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبد الله بن دينار عن بن عمر به. ولم يذكر الاستغفار.
قُلْتُ: عبد الله بن جعفر هو ابن نجيح ضعيف الحديث.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
وقد جاء في ذلك أثر عن الصديق رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (٨) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، وَلَكِنَّهُ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَسَنَّ النَّبِيُّ ﷺ، وَعَلَّمَنَا فَعَمِلْنَا، وَاعْلَمُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ الْهُدَى» أَوْ قَالَ: «التُّقَى»، شَكَّ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ: التُّقَى - «وَأَنَّ أَعْجَزَ الْعَجْزِ الْفُجُورُ، وَأَنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَأَنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي الْقَوِيُّ حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَنَا أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَنَا زُغْتُ فَقَوِّمُونِي أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ».
ورواه الدارقطني [الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ] (١/ ٤١٠) مِنْ طَرِيقِ مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر الصديق. فذكره.
قُلْتُ: وهو من مراسيل عروة بن الزبير.
ورواه أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي في [المجالسة وجواهر العلم] (١٢٩٠) نَا الْحَرْبِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، نَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ؛ قَالَ: «لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَنَزَلَ مِرْقَاةً مِنْ مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَحَمَدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى، وأن أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ، وَإِنَّ أَقْوَاكُمْ
[ ٤ / ٥٤٧ ]
عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي الْقَوِيُّ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ؛ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زِغْتُ؛ فَقَوِّمُونِي، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَلا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللهُ بِالْفَقْرِ، وَلا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ؛ إِلَّا عَمَّهُمُ اللهُ ﷿ بِالْبَلاءِ؛ فَأَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ».
قُلْتُ: مؤلف "المجالسة" اتهمه الحافظ الدارقطني فيما نقله الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ في عدد من مصنفاته ومشاه غيره من أهل العلم، وأحمد هو ابن إسحاق الصبغي وهو حافظ من الحفاظ، وسائر الإسناد كلهم ثقات وأبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهلال هو الوزان.
ورواه ابن عساكر ﵀ فِي [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٠/ ٣٠٢) أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم أنا رشأ بن نظيف أنا الحسن بن إسماعيل أنبأ أحمد بن مروان نا الحربي إبراهيم بن إسحاق نا خلف بن هشام عن أبي عوانة عن هلال عن عبد الله بن عليم قَالَ وأنا أحمد بن مروان نا محمد بن عبد الرحمن مولى بني هاشم نا أبي عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي قَالَ: «لما بويع أبو بكر صعد المنبر فنزل مرقاة من مقعد النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قَالَ: اعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه إنما أنا متبع
[ ٤ / ٥٤٨ ]
ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ولا يدع قومًا الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلَّا عمَّهم الله بالبلاء فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم أَقُولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم».
قُلْتُ: الهيثم هو ابن عدي بن عبد الرحمن أحد الكذابين، وهو مع ذلك منقطع بين الشعبي والصديق.
فائدة: قال العلامة الخرشي المالكي ﵀ في [شرح مختصر خليل] (٢/ ٨٣)
«وَمِنْهَا خَتْمُ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَأَجْزَأَ أَنْ يَأْتِيَ مَكَانَ ذَلِكَ قَوْلُهُ اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ لَكِنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْفَضْلِ وَتَعْبِيرُ الْمُؤَلِّفِ بِالْإِجْزَاءِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ابْتِدَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَأَجْزَأَ فِي الِاسْتِحْبَابِ اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْآيَةَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي خَتْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الْآيَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَ فِي الْخُطْبَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْمَهْدِيُّ الْعَبَّاسِيُّ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ الْسُّنَّةِ الْنَبَوِيَّةِ] (٤/ ١٦٣ - ١٦٤) - بعد كلام طويل حول ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة-:
[ ٤ / ٥٤٩ ]
«الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ الَّذِينَ اخْتَارُوا ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا فَعَلُوهُ تَعْوِيضًا عَمَّنْ يَسُبُّهُمْ وَيَقْدَحُ فِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ الْفَاسِدِ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَا يَخْفَى، فَأَعْلَنُوا بِذِكْرِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ حِفْظًا لِلْإِسْلَامِ بِإِظْهَارِ مُوَالَاتِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَمَنْعًا مِمَّنْ يُرِيدُ عَوْرَاتِهِمْ وَالطَّعْنَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
وَالْأَحَادِيثُ فِي ذِكْرِ خِلَافَتِهِمْ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ مَنْ يَسُبُّ عَلِيًّا ﵁ وَيَذُمُّهُ وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَتَوَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ أُولَئِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ذَكَرَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَأَظْهَرَ ذِكْرَ عَلِيٍّ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَذِكْرَ فَضَائِلِهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا لَا تَخْتَارُ ذَلِكَ. وَالْخَوَارِجُ تُبْغِضُ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَتُكَفِّرُهُمَا، فَكَانَ فِي ذِكْرِهِمَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵃ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِهِمْ» اهـ.
٢ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٦):
«واستدل به الشافعي في إيجاب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته ﷺ على ذلك مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلى" قَالَ ابن دقيق العيد يتوقف ذلك على ثبوت أنَّ إقامة الخطبتين داخل تحت كيفية الصلاة وإلَّا فهو استدلال
[ ٤ / ٥٥٠ ]
بمجرد الفعل وزعم الطحاوي أنَّ الشافعي تفرد بذلك وتعقب بأنَّه محكي عن مالك أيضًا في رواية، وهو المشهور عن أحمد نقله شيخنا في "شرح الترمذي" وحكى ابن المنذر أنَّ بعض العلماء عارض الشافعي بأنَّه ﷺ واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى فإن كانت مواظبته دليلًا على شرطية الجلسة الوسطى فلتكن دليلًا على شرطية الجلسة الأولى وهذا متعقب بأنَّ جل الروايات عَنِ ابْنِ عُمَرَ ليست فيها هذه الجلسة الأولى وهي من رواية عبد الله العمري المضعف فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين وقَالَ صاحب "المغني" لم يوجبها أكثر أهل العلم لأنَّها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تجب وقدرها من قَالَ بوجوبها بقدر جلسة الاستراحة وبقدر ما يقرأ سورة الإخلاص واختلف في حكمتها فقيل للفصل بين الخطبتين وقيل للراحة وعلى الأول وهو الأظهر يكفي السكوت بقدرها ويظهر أثر الخلاف أيضًا فيمن خطب قاعدًا لعجزه عن القيام وقد ألزم الطحاوي من قَالَ بوجوب الجلوس بين الخطبتين أن يوجب القيام في الخطبتين لأنَّ كلًا منهما اقتصر على فعل شيء واحد وتعقبه الزين بن المنير وبالله التوفيق» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٦٢ - ٦٣):
«وقد عارض الشافعي غيره من أصحابنا فقَالَ: يقَالَ لمن قَالَ بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضًا؟ أبطلت الجمعة بتركها وقد أتى بالجمعة
[ ٤ / ٥٥١ ]
والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة؛ لأنَّ الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في حديث عمر، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها؛ لأنَّها غير هذا، فإن اعتل بجلوس النبي ﷺ بين الخطبتين، فالفعل عنده وعند غيره لا يوجب فرضًا، ولو ثبت أنَّه فرض لم يدل على إبطال الجمعة، ويقَالَ له: وما الفرق بين الجلسة الأولى والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتل بأنَّ الجلسة بين الخطبتين من فعل النبي ﷺ، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبي ﷺ، وذكر كلامًا تركت ذكره هاهنا كراهية التطويل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٢٣):
«فصل: يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك كما روينا في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم.
وقَالَ الشافعي: هي واجبة؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجلسها. ولنا، أنَّها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة كالأولى، وقد سرد الخطبة جماعة، منهم المغيرة بن شعبة، وأبي بن كعب.
قَالَه أحمد.
وروي عن أبي إسحاق، قَالَ: رأيت عليًا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ.
[ ٤ / ٥٥٢ ]
وجلوس النبي ﷺ كان للاستراحة، فلم تكن واجبة، كالأولى، ولكن يستحب، فإن خطب جالسًا لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة، وكذلك إن خطب قائمًا فلم يجلس.
قَالَ: ابن عبد البر: ذهب مالك، والعراقيون، وسائر فقهاء الأمصار إلاَّ الشافعي، أنَّ الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه» اهـ.
قُلْتُ: أثر على رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢٢٤) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا، يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، والحسن هو ابن صالح بن حي، وإسحاق صوابه أبو إسحاق وهو السبيعي.
والذي يظهر لي عدم وجوب القيام والجلوس بين الخطبتين لأنَّها مجرد أفعال لم يأت الأمر بها، وليست من قبيل الذكر حتى يقَالَ إنَّها بيان لمجمل القران.
٣ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يخطب عن قيام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥١٥):
«ذكرنا أن مذهبنا وجوب القيام في الخطبتين والجلوس بينهما ولا تصح إلَّا بهما.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
وقَالَ مالك وأبو حنيفة وأحمد تصح قاعدًا مع القدرة قَالَوا والقيام سنة وكذا الجلوس بينهما سنة عندهم، وبه قَالَ جمهور العلماء حتى أنَّ الطحاوي قَالَ: لم يقل أحد غير الشافعي باشتراط الجلوس بينهما.
قَالَ القاضي عياض: وعن مالك رواية أنَّ الجلوس بينهما شرط وكذا القيام. دليلنا أنَّه ﷺ قَالَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" مع الأحاديث الصحيحة المشهورة أنَّه ﷺ "كان يخطب خطبتين قائمًا يجلس بينهما"» اهـ.
قلت: وللخطبة شروط:
الأول: النية لحديث عمر المشهور.
والنية شرط عند الحنابلة، وفي مذهب الشافعية نزاع.
الشرط الثاني: الجماعة.
والجماعة شرط في الخطبة والصلاة عند أكثر العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة في الخطبة.
وذهب أبو حنيفة في رواية إلى عدم اشتراط العدد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِي ﵀ فِي [زَادِ الْمَسِيْرِ] (٤/ ٢٨٣):
«والعدد شرط في الخطبة. وقال أبو حنيفة في إِحدى الروايتين: يصح أن يخطب منفردًا» اهـ.
قُلْتُ: واختلفوا في العدد المشترط من ذلك على أقوال منها:
[ ٤ / ٥٥٤ ]
الأول: اثنان: وهو مذهب الحسن بن صالح وأبي ثور في رواية عنه، وداود، وحكي عن مكحول.
الثاني: ثلاثة: وهو مذهب ابن المبارك، والثوري، الليث، والأوزاعي، وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة في رواية عنهما، وأحمد في رواية، والأوزاعي ومالك والثوري في رواية عنهما، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
الثالث: أربعة وهو مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة، وصاحبيه في المشهور عنهما.
الرابع: اثنا عشر، وهو مذهب ربيعة.
الخامس: أربعون، وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه ورواية عن مالك.
السادس: عدم تقييد ذلك بعدد، وهو مذهب مالك، فعنده المعتبر هو عدد تتقرى بهم قرية، ويمكنهم المقام فيها، والبيع والشراء، فإذا كانت قرية، وفيها سوق ومسجد انعقدت بهم الجمعة.
السابع: خمسون وهو مذهب عمر بن عبد العزيز ورواية عن أحمد.
الثامن: أربعون في الأمصار وثلاثة في القرى، وهي رواية عن أحمد.
التاسع: سبعة حكي عن عكرمة ورواية عن أحمد.
قلت: الأظهر أنَّ الجمعة شأنَّها كشأن سائر الصلوات وأنَّها تنعقد باثنين، من جعل لها حكمًا تخالف سائر الصلوات فعليه الدليل الدال على ذلك.
[ ٤ / ٥٥٥ ]
الشرط الثالث: الوقت.
ووقت الخطبة بعد الزوال في مذهب الجمهور.
والمشهور في مذهب أحمد أنَّ وقت الجمعة من ارتفاع الشمس قيد رمح وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه.
والأظهر مشروعية تقدم الخطبة على الزوال كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد في رواية عنهما، لما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ».
قلت: ولازم ذلك وقوع الخطبة قبل الزوال.
قال العلامة ابن أبي الخير ﵀ في [البيان] (٢/ ٥٦٧):
«وقال أحمد: يجوز فعلها قبل الزوال. واختلف أصحابه في وقتها: فمنهم من قال: أول وقتها وقت صلاة العيد.
ومنهم من قال: يجوز فعلها في الساعة السادسة.
وقال مالك: "يجوز فعل الخطبة قبل الزوال، وأمَّا صلاة الجمعة: فلا تجوز له قبل الزوال"» اهـ.
وسيأتي الكلام على ذلك في شرح حديث سلمة بن الأكوع.
الشرط الرابع: تقديمها على الصلاة.
وهذا الشرط متفق عليه بين الأئمة الأربعة.
الشرط الخامس: الجهر بالخطبة. بحيث يسمعها من تنعقد بهم الجمعة.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
وهو شرط في مذهب الجمهور وخالفت الحنفية وبعض الشافعية فأجازوا الخطبة سرًا.
والصحيح اشتراط ذلك لأنَّ المقصود بالخطبة موعظة الناس ولا يحصل ذلك بغير الجهر.
الشرط السادس: أن تكون بالعربية.
وهذا إذا خطب بقوم يعرفون العربية وأمَّا إذا لم يكونوا يعرفونها فإنَّه يخطب بهم بلغتهم ما عدى القرآن كما ذهب إليه الشافعية في المصحح عندهم، وبعض الحنابلة. واختارت ذلك اللجنة الدائمة، والعلامة ابن باز غير أنَّهم استحسنوا الخطبة بالعربية ثم ترجمتها بغير العربية، وذهب العلامة ابن عثيمين إلى مشروعية الخطبة بغير العربية إذا خطب قومًا لا يفهمون العربية.
ومذهب المالكية، والمشهور عند الحنابلة أنَّ الخطبة تكون بالعربية مطلقًا.
واستحبت الحنفية الخطبة بالعربية ولم يوجبوها.
الشرط السابع: الموالاة.
الأكثر على اشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة كأركانها.
وذهب بعض الحنابلة والشافعية إلى عدم اشتراط ذلك.
والأظهر الاشتراط لأننا إذا لم نقل ذلك فإنَّ الخطبة الواحدة تصير عدة خطب بسبب الفصل.
[ ٤ / ٥٥٧ ]
والأكثر على اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة.
وذهب الشافعي في القديم وجماعة من الحنابلة إلى عدم اشتراط ذلك.
والأظهر عدم الاشتراط إذ لا دليل عليه.
وذهب الشافعي وأحمد إلى اشتراط الموالاة بين الخطبتين، ولا أعلم دليلًا على الشرطية.
الشرط الثامن: طهارة الخطيب من الحدث، وطهارة بدنه وثوبه وما يحمله من النجس.
فإذا كان الحدث أكبر فقد اشترط الطهارة منه الإمام الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية وهو المشهور عند الحنابلة.
ولم يشترط ذلك أبو حنيفة ومالك. وهو الأصح.
وإذا كان الحدث من قبيل الأصغر فالأكثر على عدم اشتراط ذلك.
واشترط ذلك الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية.
وأمَّا الطهارة من النجس فاشترط ذلك الإمام الشافعي، وأحمد في رواية.
والأكثر لا يشترطون ذلك وهو الصحيح.
الشرط التاسع: ستر العورة.
وقد اشترط ذلك الشافعي وأحمد في رواية. والأكثر لا يشترطون ذلك وهو الصحيح.
وللجمعة شروط منها شروط وجوب، ومنها شروط صحة ووجوب.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
الشرط الأول: الإسلام. وهو شرط وجوب وصحة فإنَّ الكافر لا تصح منه الجمعة ولا غيرها من العبادات، ولا يؤمر بها حال كفره، وهذا معنى شرط الوجوب وليس المراد أنَّه لا يعاقب على ترك الجمعة في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
والإسلام شرط وجوب بمعنى أنَّ الكافر لا يطالب بفعلها حال كفره لا أنَّه لا يعاقب على تركها في الآخرة.
الشرط الثاني: البلوغ. فلا تجب الجمعة على من لم يبلغ.
ما رواه أحمد (٢٣٥٥٣)، وأبو داود (٣٨٢٢)، والنسائي (٣٣٧٨)، وابن ماجة (٢٠٣١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ».
وروى أحمد (٨٩٦) وأبو داود (٣٨٢٣، ٣٨٢٤، ٣٨٢٥)، والترمذي (١٣٤٣).
عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بطرقه وشواهده.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
الشرط الثالث: العقل. وهو شرط صحة ووجوب معًا، ويدل عليه ما سبق من حديث عائشة وعلي ﵄.
الشرط الرابع: الذكورية، وهذا شرط وجوب فلا تجب الجمعة على المرأة بالاتفاق.
الشرط الخامس: الحرية.
ويدل على هذين الشرطين ما رواه أبو داود (١٠٦٧) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُرَيْمٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ، قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، من أجل إسحاق بن منصور وهو السلولي حسن الحديث.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فَي [الْإِصَابَةِ] (٣/ ٥١٠) في طارق بن شهاب:
«إذا ثبت أنَّه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح وإذا ثبت أنَّه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح وقد أخرج له النسائي عدة أحاديث وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته» اهـ.
[ ٤ / ٥٦٠ ]
وصحح الحديث العلامة الوادعي ﵀ في [الْصَّحِيْحِ الْمُسْنَدِ] برقم (٥١٧) وقال: «هذا حديث صحيح، مرسل صحابي مقبول؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول» اهـ.
الشرط السادس: الاستيطان أو الإقامة.
فلا تجب على مسافر، ولهذا لم يقم النبي ﷺ الجمعة في السفر قط.
وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٢٠):
«وَمِمَّنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُسَافِرِ جُمُعَةٌ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ فَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ، وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ لِمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ عُذْرٌ، إِلَّا خَائِفٌ أَوْ مَرِيضٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّةِ مَنْ يَقُولُ: عَلَى الْمُسَافِرِ الْجُمُعَةُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] الْآيَةَ، فَيَقُولُ: عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ الْجُمُعَةُ، إِلَّا حُرًّا أَزَالَ عَنْهُ الْجُمُعَةَ كِتَابٌ، أَوْ سُنَّةٌ، أَوْ إِجْمَاعٌ، وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فِي إِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ عَنِ الْمُسَافِرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَرَّ بِهِ فِي أَسْفَارِهِ جُمَعٌ لَا مَحَالَةَ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ جَمَعَ وَهُوَ مُسَافِرٌ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِعَرَفَةَ وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى أَنَّ لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيَّنُ عَنِ اللهِ ﷿ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِكِتَابِهِ، فَسَقَطَتِ الْجُمُعَةُ عَنِ
[ ٤ / ٥٦١ ]
الْمُسَافِرِ اسْتِدْلَالًا بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَحَكَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَإِنْ سَمِعَ الْمُسَافِرُ أَذَانَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ فِي بَلَدِ جُمُعَةٍ فَلْيَحْضِرْ مَعَهُمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَوْلُهُ: فَلْيَحْضِرْ مَعَهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اسْتِحْبَابًا، وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ قَوْلًا شَاذًّا خِلَافَ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَخِلَافَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ» اهـ.
قُلْتُ: وشذَّ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٣/ ٢٥٢)
«مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا - مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ - الْمُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، وَالْمُقِيمُ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا يَكُونُ إمَامًا فِيهَا، رَاتِبًا وَغَيْرَ رَاتِبٍ، وَيُصَلِّيهَا الْمَسْجُونُونَ، وَالْمُخْتَفُونَ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ بِخُطْبَةٍ كَسَائِرِ النَّاسِ، وَتُصَلَّى فِي كُلِّ قَرْيَةٍ صَغُرَتْ أَمْ كَبُرَتْ، كَانَ هُنَالِكَ سُلْطَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ صُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ فِي مَسْجِدَيْنِ فِي الْقَرْيَةِ فَصَاعِدًا: جَازَ ذَلِكَ؟ وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى عَبْدٍ، وَلَا مُسَافِرٍ» اهـ.
قُلْتُ: وهل تكفي الإقامة عن الاستيطان أم لا؟ هذا مما اختلف فيه العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٥٢):
«فَصْلٌ: إذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يُرِدْ اسْتِيطَانَ الْبَلَدِ كَطَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ الرِّبَاطِ، أَوْ التَّاجِرِ الَّذِي يُقِيمُ لِبَيْعِ مَتَاعِهِ، أَوْ مُشْتَرِي شَيْءٍ لَا يُنْجَزُ إلَّا فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي
[ ٤ / ٥٦٢ ]
رَوَيْنَاهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْجَبَهَا إلَّا عَلَى الْخَمْسَةِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَوْطِنٍ، وَالِاسْتِيطَانُ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي هَذَا الْبَلَدِ عَلَى الدَّوَامِ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَهَا صَيْفًا وَيَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ لَا يُجَمِّعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ، أَيْ لَا يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَلَا عِيدًا. فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ شَرْطِ الِانْعِقَادِ» اهـ.
قُلْتُ: وعند علماء الشافعية أنَّ الإقامة كافية في وجوب الجمعة، وإن كانت لا تنعقد إلَّا بمستوطن.
قال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [الإقناع] (١/ ١٧٨):
«(و) السَّابِع (الاستيطان) وَالْأولَى أَنْ يعبر بِالْإِقَامَةِ فَلَا جُمُعَة على مُسَافر سفرًا مُبَاحا وَلَو قَصِيرًا لاشتغاله» اهـ.
وقال البجيرمي الشافعي ﵀ في [تحفة الحبيب على شرح الخطيب] (٢/ ١٨٥):
«قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْإِقَامَةِ) لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِلِانْعِقَادِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ بَلْ الْكَلَامُ فِي الْوُجُوبِ وَالْمَشْرُوطُ لِلْوُجُوبِ الْإِقَامَةُ وَلَوْ بِدُونِ اسْتِيطَانٍ كَمُجَاوِرِي الْأَزْهَرِ» اهـ.
[ ٤ / ٥٦٣ ]
قُلْتُ: وشبيه بذلك أيضًا مذهب المالكية.
فقد قال العلامة علي العدوي المالكي ﵀ في [حاشيته على كفاية الطالب الرباني] (١/ ٣٧٢):
«قَوْلُهُ: "وَالِاسْتِيطَانُ" لَا يُقَالُ: اشْتِرَاطُ الْإِقَامَةِ يُغْنِي عَنْ الِاسْتِيطَانِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُقِيمِ وَجَبَتْ عَلَى الْمُسْتَوْطِنِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا أَصَالَةً، وَالْإِقَامَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا تَبَعًا قَالَهُ عَجَّ. وَأَيْضًا الِاسْتِيطَانُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةُ أَيْ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ لَا عَلَى التَّأْيِيدِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ خِلَافًا لِشَارِحِنَا فِي جَعْلِهِ الِاسْتِيطَانَ شَرْطَ وُجُوبٍ فَقَطْ إلَّا حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ فَتَقُولُ: تَعْرِيفُ شَرْطِ الصِّحَّةِ بِمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ تَعْرِيفٌ لِشَرْطِ الصِّحَّةِ فَقَطْ لَا لِشَرْطِ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي الْحَنَفِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَنَائِعِ] (١/ ٢٥٨):
«فَلِلْجُمُعَةِ شَرَائِطُ، بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ.
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي فَسِتَّةٌ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ، وَالْإِقَامَةُ، وَصِحَّةُ الْبَدَنِ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ الشخص إمَّا أن يكون مسافرًا لا تجب عليه الجمعة أو يكون مقيمًا تجب عليه الجمعة وتنعقد به، وأمَّا تقسيم الشخص إلى مقيم غير مستوطن تجب عليه
[ ٤ / ٥٦٤ ]
الجمعة تبعًا للمستوطنين ولا تنعقد به الجمعة، وإلى مستوطن تجب عليه الجمعة وتنعقد به مما لا دليل عليه، والصحيح أنَّ من وجبت عليه الجمعة انعقدت به.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٣٧ - ١٣٨): «فَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ تَقْسِيمَ النَّاسِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إلَى مُسَافِرٍ وَإِلَى مُقِيمٍ مُسْتَوْطِنٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْوِي الْمُقَامَ فِي الْمَكَانِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَتَجِبُ عَلَيْهِ وَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِلَا نِزَاعٍ فَإِنَّهُ الْمُقِيمُ الْمُقَابِلُ لِلْمُسَافِرِ، وَالثَّالِثُ مُقِيمٌ غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ وَقَالُوا: لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَقَالُوا: إنَّمَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِمُسْتَوْطِنِ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ - وَهُوَ تَقْسِيمُ الْمُقِيمِ إلَى مُسْتَوْطِنٍ وَغَيْرِ مُسْتَوْطِنٍ - تَقْسِيمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ؛ بَلْ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ بِهِ وَهَذَا إنَّمَا قَالُوهُ لَمَّا أَثْبَتُوا مُقِيمًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ وَالصِّيَامُ وَوَجَدُوهُ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَقُولُوا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ. فَإِنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِالْمُسْتَوْطِنِ؛ لَكِنَّ إيجَابَ الْجُمُعَةِ عَلَى هَذَا وَإِيجَابَ الصِّيَامِ وَالْإِتْمَامِ عَلَى هَذَا هُوَ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ فَإِنَّ هَذِهِ حَالُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَحَالُهُ بِتَبُوكَ؛ بَلْ وَهَذِهِ حَالُ جَمِيعِ الْحَجِيجِ الَّذِينَ يَقْدُمُونَ مَكَّةَ لِيَقْضُوا مَنَاسِكَهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُوا وَقَدْ يَقْدُمُ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ
[ ٤ / ٥٦٥ ]
وَقَدْ يَقْدُمُ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ وَقَدْ يَقْدُمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُمْ كُلُّهُمْ مُسَافِرُونَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ جُمُعَةٌ وَلَا إتْمَامٌ» اهـ.
الشرط السابع: أن يكون في موضع يمكن منه أن يسمع النداء. وهذا شرط وجوب.
لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
وقدروا ذلك بفرسخ وهو ثلاثة أميال إذا كانت الأصوات هادئة، والموانع منتفية، والريح ساكنة، والمؤذن صيِّتًا، على موضع عالٍ، والمستمع غير ساه. وهذا لمن كان خارج البلد، وأمَّا من كان داخل البلد فقالوا يجب عليه الحضور ولو كانت المسافة أبعد من ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ فَرْسَخٌ) هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ أَهْلِ الْمِصْرِ، أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ فَيَلْزَمُهُمْ كُلَّهُمْ الْجُمُعَةُ، بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا. قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ شُهُودِهَا، سَمِعُوا النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَلَدَ الْوَاحِدَ بُنِيَ لِلْجُمُعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلِأَنَّ الْمِصْرَ لَا يَكَادُ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ فَرْسَخٍ، فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ الْقُرْبِ، فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
[ ٤ / ٥٦٦ ]
فَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْمِصْرِ، فَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ فَرْسَخٌ فَمَا دُونَ، فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْأَعْمَى الَّذِي قَالَ: لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي: "أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ"؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ". وَلِأَنَّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَنَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَكَمِ وَعَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أَهْلِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أَهْلِهِ". وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا جُمُعَةَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ صَلَّى الْعِيدَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ.
وَلِأَنَّهُمْ خَارِجُ الْمِصْرِ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْحِلَلِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ أَهْلِ الْمِصْرِ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْمِصْرِ
[ ٤ / ٥٦٧ ]
يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ، فَلَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا، كَأَهْلِ الْمِصْرِ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ، يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ: ذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ. وَإِنَّمَا فَعَلَ أَحْمَدُ هَذَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْحَدِيثَ شَيْئًا لِحَالِ إسْنَادِهِ. قَالَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ. وَأَمَّا تَرْخِيصُ عُثْمَانَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي فَلِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عِيدَانِ اُجْتُزِئَ بِالْعِيدِ، وَسَقَطَتْ الْجُمُعَةُ عَمَّنْ حَضَرَهُ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ أَهْلِ الْقُرَى بِأَهْلِ الْحِلَلِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِلَلِ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ، وَلَا هُمْ سَاكِنُونَ بِقَرْيَةٍ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ جُعِلَ لِلِاسْتِيطَانِ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ النِّدَاءِ فَلَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّاسِ الْأَصَمُّ وَثَقِيلُ السَّمْعِ، وَقَدْ يَكُونُ النِّدَاءُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ، فَلَا يَسْمَعُهُ إلَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُؤَذِّنُ خَفِيَّ الصَّوْتِ، أَوْ فِي يَوْمٍ ذِي رِيحٍ، وَيَكُونُ الْمُسْتَمِعُ نَائِمًا أَوْ مَشْغُولًا بِمَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ، فَلَا يَسْمَعُ، وَيَسْمَعُ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، فَيُفْضِي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ النِّدَاءُ فِي الْغَالِبِ - إذَا كَانَ الْمُنَادِي صَيِّتًا، فِي مَوْضِعٍ عَالٍ، وَالرِّيحُ سَاكِنَةٌ، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، وَالْمُسْتَمِعُ سَمِيعٌ غَيْرُ سَاهٍ وَلَا لَاهٍ - فَرْسَخٌ، أَوْ مَا قَارَبَهُ، فَحُدَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٤٨٨):
[ ٤ / ٥٦٨ ]
«فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إذَا كَانَ خَارِجَ الْبَلَدِ وَنَقَصَ عَدَدُهُمْ عَنْ أَرْبَعِينَ.
* قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ بَلَغَهُ نِدَاءُ الْبَلَدِ دُونَ غَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَمْرِو بْنُ الْعَاصِ وسعيد بن المسيب وأحمد وإسحق. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةُ وَالْحَسَنُ وَنَافِعٌ مولي بن عُمَرَ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ تَجِبُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُهُ إذَا فَعَلَهَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ فَيَبِيتَ فِيهِمْ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ تَجِبُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَرَبِيعَةُ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ أَهْلِ الرَّأْيِ: لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ خَارِجُ الْبَلَدِ سَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَمْ لَا وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ» اهـ.
الشرط الثامن: انتفاء الأعذار. وهذا شرط وجوب.
ومن هذه الأعذار: المرض، والخوف على النفس أو المال أو العرض، والمطر، والدحض، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، وحضور الطعام والنفس تتوق إليه، ومدافعة أحد الأخبثين وغير ذلك.
التاسع: الإمام.
[ ٤ / ٥٦٩ ]
والأظهر عدم اشتراطه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ١٩٧)
«وَأَمَّا الْإِمَامُ فَهُوَ أَيْضًا شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ إمَامٍ فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً لَا وَالِيَ لَهَا قَدَّمُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ وَصَحَّتْ الْجُمُعَةُ» اهـ.
قُلْتُ: وذهبت الحنفية إلى أنَّ الإمام أو نائبة شرط في صحة الجمعة ووجوبها، فالإمام هو الذي يقيم الجمعة أو نائبه.
وأمَّا شروط صحة الجمعة فهي:
الشرط الأول: الإسلام.
والشرط الثاني: العقل.
والشرط الثالث: الخطبتان. وقد سبق ذكر النزاع في الخطبتين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥١٤):
«فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْخُطْبَةِ.
* قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ تَقَدُّمَ خُطْبَتَيْنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَبِهَذِهِ الْجُمْلَةِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ.
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْخُطْبَةُ شَرْطٌ وَلَكِنْ تُجْزِئُ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ ولا يشترط العدد لسماعها كالأذان وحكى ابن الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ بِلَا
[ ٤ / ٥٧٠ ]
خُطْبَةٍ، وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَعَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ» اهـ.
قُلْتُ: ولمالك رواية في إجزاء الخطبة الواحدة كما مضى في أول شرحنا لحديث الباب.
والشرط الرابع: الوقت.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ١٧٩ - ١٨٠):
«وأمَّا آخر وقت الجمعة: فهو آخر وقت الظهر، هذا هو قول جمهور العلماء، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، ومالك - في رواية -، والشافعي، وأحمد، وعبد العزيز بن الماجشون.
واتفقوا: على أنَّه متى خَرج وقت الظهر، ولم يصل الجمعة فقد فاتت ويصلي الظهر.
وأمَّا إن صلى الجمعة، ثمَّ خرج الوقت وهم في الصلاة، فقال أبو حنيفة والشافعي: تبطل الصلاة، إلَّا أن يخرج قبل السلام -على رأي أبي حنيفة وحده.
والمنصوص عن أحمد: أنَّه إن خَرج الوقت وهم في التشهد أتموا الجمعة.
واعتبر الخرقي من أصحابنا أن يكون قد أدرك في الوقت ركعة فصاعدًا، فإن خرج الوقت قبل إدراك ركعةٍ صلوا ظهرًا.
وحكي رواية عن مالكٍ كذلك.
[ ٤ / ٥٧١ ]
ومن أصحابنا من قال: تلحق الجمعة بتكبيرة الإحرام في الوقت كسائر
الصلوات.
ونقل ابن القاسم، عن مالكٍ، أنَّ آخر وقتها: غروب الشمس.
قال ابن القاسم: من صلى من الجمعة ركعةً، ثم غربت الشمس صلى الركعة الثانية بعد غروب الشمس، وكانت جمعةً.
والعجب ممن ينصر هذا القول، ويحتج له، مع أنَّه لا يعرف العمل به إلَّا عن ظلمة بني أمية وأعوانهم، وهو مما ابتدعوه في الإسلام، ثم ينكر على من قدم الجمعة على الزوال متابعة لأصحاب النبي ﷺ، ولكثيرٍ من التابعين لهم بإحسان!
فإن قيل: فقد كان الصحابة يصلون مع من يؤخر الجمعة إلى بعد العصر، وإلى قريب من غروب الشمس؟
قيل: كانوا يصلون الظهر والعصر في بيوتهم قبل مجيئهم، ثم يجيئون إتقاء شر الظلمة، كما أمرهم النبي ﷺ بذلك، ومنهم من كان يومئ بالصلاة، وهو جالسٌ في المسجد إذا خاف فوت الوقت» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّ وقت الجمعة يخرج بدخول وقت العصر، وأنَّ من أدرك من الجمعة ركعة قبل خروج وقتها فقد أدركها، لعموم ما رواه البخاري (٥٨٠)، مسلم (٦٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
[ ٤ / ٥٧٢ ]
والشرط الخامس: الجماعة. وقد سبق النزاع في مقدار الجماعة في شروط الخطبة.
وعند المالكية والشافعية أنَّه يشترط في الحاضرين شروط وهي:
أ- أن يكونوا ممن تجب عليهم الجمعة، فلايصح أن يكون منهم صبي أو عبد أو امرأة.
وأخذ بهذا الشرط الحنابلة أيضًا فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِي ﵀ فِي [زَادِ الْمَسِيْرِ] (٤/ ٢٨٣):
«ولا تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين، خلافًا لأبي حنيفة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٥٣):
«فَصْلٌ: وَلَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِيهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ إمَامًا فِيهَا، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ بِالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ رِجَالٌ تَصِحُّ مِنْهُمْ الْجُمُعَةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْجُمُعَةُ بِهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمُّوا فِيهَا، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ تَبَعًا لِمَنْ انْعَقَدَتْ بِهِ، فَلَوْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ أَوْ كَانُوا أَئِمَّةً فِيهَا صَارَ التَّبَعُ مَتْبُوعًا، وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ الْحُرُّ الْمُقِيمُ، وَلِأَنَّ
[ ٤ / ٥٧٣ ]
الْجُمُعَةَ لَوْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ لَانْعَقَدَتْ بِهِمْ مُنْفَرِدِينَ، كَالْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» اهـ.
قُلْتُ: ما ذكره عن مالك قد تكون رواية، والمشهور عن المالكية أنَّ المسافر لا يؤم المقيمين إلَّا إذا نوى الإقامة أو كان هو السلطان.
قال الحطاب الرعيني المالكي ﵀ في [مواهب الجليل] (٢/ ١٩٠):
«لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَؤُمَّ الْعَبْدُ وَلَا الْمُسَافِرُ فِي الْجُمُعَةِ وَلَا فِي الْعِيدِ وَلَا أَنْ يَسْتَخْلِفَهُمَا الْإِمَامُ فِيهِمَا بَعْدَ إحْرَامِهِمَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا الْجُمُعَةُ انْتَهَى» اهـ.
وقال الخرشي المالكي ﵀ في [شرح مختصر خليل] (٢/ ٧٧):
«إِمَامٍ مُقِيمٍ (ش) هَذَا حَالٌ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَالْمُرَادُ بِالْإِقَامَةِ الْمُقَابِلَةُ لِلسَّفَرِ فَيَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ مِمَّنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ إذْ كُلُّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَصِحُّ إمَامَتُهُ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى بِإِمَامٍ مُقِيمٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَطِّنًا فَتَصِحُّ إمَامَةُ الْمُسَافِرِ فِي الْجُمُعَةِ بِمَحَلٍّ نَوَى بِهِ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَكَذَا الْخَارِجِ مِنْ قَرْيَةِ الْجُمُعَةِ عَلَى فَرْسَخٍ، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ فَرْسَخٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسَافِرِ عَلَى مَا عَلَيْهِ ابْنُ عَلَاقٍ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَفِي حَاشِيَةِ الطَّرَابُلُسِيِّ لَا تَصِحُّ إمَامَةُ غَيْرِ الْمُتَوَطِّنِ بِقَرْيَةِ الْجُمُعَةِ فِي الْجُمُعَةِ (ص) إلَّا الْخَلِيفَةَ يَمُرُّ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَبِغَيْرِهَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ (ش) هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ مَفْهُومِ الْوَصْفِ أَيْ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمُسَافِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسَافِرُ خَلِيفَةً وَهُوَ مُسَاوٍ
[ ٤ / ٥٧٤ ]
لِقَوْلِ غَيْرِهِ إلَّا الْإِمَامَ وَعِبَارَةُ الْأُمِّ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ ذَلِكَ فِي كُلِّ أَمِيرٍ يَمُرُّ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ مِنْ قُرَى عَمَلِهِ تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ فِي أَهْلِهَا فَلْيَجْمَعْ بِهِمْ أَمَّا لَوْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى عَمَلِهِ لَمْ تَتَوَفَّرْ الشُّرُوطُ فِي أَهْلِهَا فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ جَهْلًا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَالْمُرَادُ بِالْخَلِيفَةِ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالصَّلَاةُ وَأَمَّا الْقُضَاةُ الْآنَ فَلَيْسَ لَهُمْ نِيَابَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَيُخْطَبُ بِحَضْرَتِهِمْ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر مشروعية أن يكون العبد والمسافر إمامًا في الجمعة ولا أعلم حجة قوية على منعهما من ذلك.
والأظهر أنَّ من لا تجب عليه الجمعة فإنَّ الجمعة لا تنعقد به، وذلك أنَّ الجمعة لو انعقدت بهم لصحت منهم منفردين عن غيرهم كأن تصلي جماعة النساء الجمعة بمفردهن أو جماعة المسافرين أو جماعة العبيد، وذلك كسائر الجماعات فإنَّها تنعقد بهم، وتصح منهم منفردين، ولما كانت الجمعة لا تصح من جماعة النساء والمسافرين دلَّ ذلك على أنَّها لا تنعقد بهم.
ولو كانت الجمعة تنعقد بالمسافرين لأداها النبي ﷺ في أسفاره، وقد صادف يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة فصلى النبي ﷺ الظهر والعصر قصرًا وجمعًا ثم خطب بعدهما فلو كانت الجمعة تنعقد بالمسافرين لصلى بهم في عرفة صلاة الجمعة ولجعل خطبته في عرفة هي خطبة الجمعة.
[ ٤ / ٥٧٥ ]
ب- أن يكونوا مستوطنين في هذه البلد لا مقيمين.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٥٢):
«فَصْلٌ: إذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يُرِدْ اسْتِيطَانَ الْبَلَدِ كَطَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ الرِّبَاطِ، أَوْ التَّاجِرِ الَّذِي يُقِيمُ لِبَيْعِ مَتَاعِهِ، أَوْ مُشْتَرِي شَيْءٍ لَا يُنْجَزُ إلَّا فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْجَبَهَا إلَّا عَلَى الْخَمْسَةِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَوْطِنٍ، وَالِاسْتِيطَانُ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي هَذَا الْبَلَدِ عَلَى الدَّوَامِ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَهَا صَيْفًا وَيَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ لَا يُجَمِّعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ، أَيْ لَا يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَلَا عِيدًا. فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ شَرْطِ الِانْعِقَادِ» اهـ.
وقال ﵀ (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥):
«فَصْلٌ: فَأَمَّا الِاسْتِيطَانُ، فَهُوَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي قَرْيَةٍ، عَلَى الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً، وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَلَى مُقِيمٍ فِي قَرْيَةٍ يَظْعَنُ أَهْلُهَا عَنْهَا فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ، أَوْ فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَإِنْ خَرِبَتْ الْقَرْيَةُ أَوْ بَعْضُهَا، وَأَهْلُهَا مُقِيمُونَ بِهَا،
[ ٤ / ٥٧٦ ]
عَازِمُونَ عَلَى إصْلَاحِهَا، فَحُكْمُهَا بَاقٍ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِهَا. وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى النُّقْلَةِ عَنْهَا، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ؛ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ من وجبت عليه الجمعة فإنَّها تنعقد به كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد سبق الكلام على ذلك في شروط وجوب الجمعة؟.
جـ- أن يكونوا باقين مع الإمام من أول الخطبتين حتى السلام من الصلاة مع الإمام، فلو فسدت صلاة واحد منهم ولو بعد سلام الإمام وقبل سلامه، فسدت الجمعة على الجميع.
ويشترط في إمام الصلاة عند المالكية شروط وهي:
أ- أن يكون مقيمًا ولو لم يكن من أهل البلد، أي يصح أن يكون مسافرًا ونوى نية الإقامة التي تقطع السفر، وهذا على المشهور عندهم، واستثنوا من هذا الشرط السلطان المسافر كما سبق.
ب- أن يكون الإمام هو نفسه الخطيب، فلو صلى بهم غير الخطيب لم تصح الجمعة، إلَّا لعذر ألمَّ به يبيح الاستخلاف في الصلاة كرعاف أو نقض وضوء مع بعد الماء، فيصلي بهم غيره ولا يعيد الخطبة.
ولم يشترط ذلك الجمهور وهو الصحيح، لكن السنة أن يكون الإمام هو الخطيب.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٢٨):
«فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ. وَإِنْ خَطَبَ رَجُلٌ، وَصَلَّى آخَرُ لِعُذْرٍ، جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَوْ خَطَبَ أَمِيرٌ، فَعُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْعُذْرِ، فَفِي الْخُطْبَةِ مَعَ الصَّلَاةِ أَوْلَى. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ ﵀: لَا يُعْجِبُنِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا، وَقَدْ قَالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي". وَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ. وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَتَا صَلَاتَيْنِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي الْجُمُعَةِ، فَاشْتُرِطَ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يُشْتَرَطُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، فَجَازَ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. كَمَا لَوْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ لِعُذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ. قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي الْإِمَامِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ مَا خَطَبَ، فَقَدَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ: لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ إلَّا أَرْبَعًا، إلَّا أَنْ يُعِيدَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ. وَذَلِكَ
[ ٤ / ٥٧٨ ]
لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ» اهـ.
والشرط السادس: أن تقام في بلد مستوطن.
وهذا الشرط مختلف فيه فعند المالكية انَّ الجمعة تقام في بلدة مستوطنة أي الإقامة فيها على التأبيد، فلو نزلت جماعة كثيرة في قرية خالية ونووا الإقامة فيه شهرًا مثلًا وأرادوا أن يقيموا جمعة فيها فلا تصح منهم ولا تجب عليهم، وفي رواية عن مالك: تصح من مقيمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ١٩٦):
«فَأَمَّا مَوْضِعُ الِاسْتِيطَانِ فَإِنَّمَا يُعْنَى بِهِ الْمِصْرُ وَالْقَرْيَةُ وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ فِي الِاسْتِيطَانِ وَالْإِقَامَةِ فَهِيَ اعْتِقَادُ الْمَقَامُ بِمَوْضِعٍ مُدَّةً يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِهَا فَكُلُّ اسْتِيطَانٍ إقَامَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ إقَامَةٍ اسْتِيطَانًا فَإِنْ عَلَّلْنَا بِالِاسْتِيطَانِ فَلَا يَجُوزُ لِجَمَاعَةٍ مَرَّتْ بِقَرْيَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَعَقَدُوا فِيهَا إقَامَةَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَنْ يَجْمَعُوا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانٍ وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْإِقَامَةِ جَازَ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يشترط عندهم في بلد الجمعة أن تكون مِصْرًا فتصح في القرية وفي الأخصاص وهي البيوت من قصب وأعواد، ولا تصح في الخيام سواء كانت من قماش أو شعر لأنَّ الغالب على أهلها الارتحال.
ومذهب الشافعية شبيه بذلك.
[ ٤ / ٥٧٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٠١):
«قَالَ أَصْحَابُنَا: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تقام في أبينة مجتمعة يستوطنها شتاءًا وصيفًا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: سَوَاءٌ كَانَ الْبِنَاءُ مِنْ أَحْجَارٍ أَوْ أَخْشَابٍ أَوْ طِينٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ سَعَفٍ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ فِيهِ الْبِلَادُ الْكِبَارُ ذَوَاتُ الْأَسْوَاقِ وَالْقُرَى الصِّغَارُ وَالْأَسْرَابُ الْمُتَّخَذَةُ وَطَنًا فَإِنْ كَانَتْ الْأَبْنِيَةُ مُتَفَرِّقَةً لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ قَرْيَةً وَيُرْجَعُ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالتَّفَرُّقِ إلَى الْعُرْفِ وَقَدْ أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا مُجْتَمِعَةً مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ فَإِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ شِتَاءً أَوْ صَيْفًا لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانُوا دَائِمِينَ فِيهَا شِتَاءً وَصَيْفًا وَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ: أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ
وَالثَّانِي: تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَتَصِحُّ مِنْهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٤٢):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عُقَلَاءُ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِسَبْعَةِ شَرَائِطَ: إحْدَاهَا، أَنْ تَكُونَ فِي قَرْيَةٍ. وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ. وَالثَّالِثُ، الذُّكُورِيَّةُ. وَالرَّابِعُ، الْبُلُوغُ. وَالْخَامِسُ، الْعَقْلُ. وَالسَّادِسُ، الْإِسْلَامُ. وَالسَّابِعُ، الِاسْتِيطَانُ.
[ ٤ / ٥٨٠ ]
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَمَّا الْقَرْيَةُ فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبِنَائِهَا بِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ وَبُيُوتِ الشَّعْرِ وَالْحَرَكَاتِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْصَبُ لِلِاسْتِيطَانِ غَالِبًا، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يُقِيمُوا جُمُعَةً، وَلَا أَمَرَهُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ، وَلَمْ يُتْرَكْ نَقْلُهُ، مَعَ كَثْرَتِهِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ» اهـ.
قُلْتُ: واشترط الحنفية أن تكون الجمعة في مصر من الأمصار، والمراد بالمصر هو ما لو اجتمع أهله في أكبر مساجده لم يسعهم، وقيل هو أن يعيش كل صانع بحرفته. وقال الكرخي: ما أقيمت فيه الحدود، ونفذت فيه الأحكام. وزاد بعضهم: ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم. وعن محمد كل موضع مصره الإمام فهو مصر، فلو بعث إلى قرية نائبًا لإقامة الحدود والقصاص صار مصرًا، فلو عزله ودعاه التحق بالقرى.
واحتج الجمهور على عدم اشتراط المصر بما رواه البخاري (٨٩٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ».
[ ٤ / ٥٨١ ]
وفي رواية عنده (٤٣٧١) «أَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ، بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى، يَعْنِي قَرْيَةً مِنَ البَحْرَيْنِ».
وبما رواه أبو داود (١٠٦٩) عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: «لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ»، قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: «أَرْبَعُونَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قال العلامة الشوكاني ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٣/ ٢٧٤)
«قَوْلُهُ: (هَزْم النَّبِيتِ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَسُكُون الزَّاي: الْمُطْمَئِنّ مِنْ الْأَرْض، وَالنَّبِيتَ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْيَاءِ التَّحْتِيَّة وَبَعْدهَا تَاءٌ فَوْقِيَّة. قَالَ فِي الْقَامُوس: هُوَ أَبُو حَيٍّ بِالْيَمَنِ اسْمه عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ اهـ. وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا مَوْضِع مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، وَهِيَ قَرْيَة عَلَى مِيل مِنْ الْمَدِينَةِ. وَبَنُو بَيَاضَةَ بَطْن مِنْ الْأَنْصَار.
قَوْلُهُ: (فِي نَقِيع) هُوَ بِالنُّونِ ثُمَّ الْقَاف ثُمَّ الْيَاءُ التَّحْتِيَّة بَعْدهَا عَيْن مُهْمَلَة. قَوْلُهُ: (الْخَضِمَاتِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة مَوْضِع مَعْرُوف» اهـ.
وقال العلامة محمد العظيم أبادي ﵀ في [عَوْنِ الْمَعْبُوْدِ] (٣/ ٢٨١):
«(فِي هَزْمٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وسكون الزاء المطمئن من الأرض.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
قال بن الْأَثِيرِ هَزْمُ بَنِي بَيَاضَةَ هُوَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ (النَّبِيتِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَهَا تَاءٌ فَوْقِيَّةٌ هُوَ أَبُو حَيٍّ بِالْيَمَنِ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (مِنْ حَرَّةٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هِيَ الْأَرْضُ ذَاتُ الْحِجَارَةِ السُّودِ.
الْعَيْنِيُّ: هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (بَنِي بَيَاضَةَ) هِيَ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (فِي نَقِيعٍ) بِالنُّونِ ثُمَّ الْقَافِ ثُمَّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ بعدها عين مهملة.
قال بن الْأَثِيرِ: هُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ أَيْ يَجْتَمِعُ» اهـ.
الشرط السابع: المسجد الجامع المبني بما بنيت به البلد.
واشترطت هذا المالكية.
ولم يشترط الجمهور كون الخطبة في مسجد.
فأجازوا صلاتها في الفضاء لكن اختلفوا في صحتها في الفضاء خارج البنيان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٤٦):
«فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ إقَامَتُهَا فِي الْبُنْيَانِ، وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِيمَا قَارَبَهُ مِنْ الصَّحْرَاءِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمِصْرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْبَعِيدَ.
وَلَنَا، أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ جَمَّعَ بِالْأَنْصَارِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ، وَالنَّقِيعُ: بَطْنٌ مِنْ الْأَرْضِ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ مُدَّةً، فَإِذَا نَضَبَ الْمَاءُ نَبَتَ الْكَلَأُ.
[ ٤ / ٥٨٣ ]
وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، فَجَازَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ، كَالْجَامِعِ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةُ عِيدٍ، فَجَازَتْ فِي الْمُصَلَّى كَصَلَاةِ الْأَضْحَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَلَا نَصَّ فِي اشْتِرَاطِهِ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، فَلَا يُشْتَرَطُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ١٩٦)
«فَأَمَّا الْجَامِعُ فَإِنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ» اهـ. يريد عند المالكية.
وقال ﵀ (١/ ١٩٧):
«وَالْجَامِعُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مَسْجِدًا فَكُلُّ جَامِعٍ مَسْجِدٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَسْجِدٍ جَامِعًا وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ جَامِعٌ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِمَّا لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهَذَا الْحُكْمِ حَتَّى يُحْكَمَ لَهُ بِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ دُونَ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ وَلَوْ أَصَابَ النَّاسُ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْجَامِعِ فِي يَوْمٍ مَا لَمْ تَصِحَّ لَهُمْ جُمُعَةٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَّا بِأَنْ يَحْكُمَ لَهُ الْإِمَامُ بِحُكْمِ الْجَامِعِ وَيَنْقُلَ الْحُكْمَ إلَيْهِ عَنْ الْجَامِعِ الْمَمْنُوعِ فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فَمَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ يَخْرُجُ فَيَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ وَيَرْجِعُ إلَى الْجَامِعِ فَيُتِمُّ فِيهِ تَشَهُّدَهُ وَيُسَلِّمُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ بَعْدَهُ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ وَلَوْ كَانَتْ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ
[ ٤ / ٥٨٤ ]
تَنُوبُ عَنْ الْجَامِعِ لَقَالَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ لِأَنَّ إتْمَامَهَا فِيهِ يُجْزِئُ عَنْهُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٠١ - ٥٠٢):
«قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُشْتَرَطُ إقَامَتُهَا فِي مَسْجِدٍ وَلَكِنْ تَجُوزُ فِي سَاحَةٍ مَكْشُوفَةٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ مَعْدُودَةً مِنْ خُطَّتِهَا فَلَوْ صَلَّوْهَا خَارِجَ الْبَلَدِ لَمْ تَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ سواء كان بقرب البلدة أو بعيدًا منه وسواء صَلَّوْهَا فِي كِنٍّ أَمْ سَاحَةٍ وَدَلِيلُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" وَلَمْ يُصَلِّ هَكَذَا وَلَوْ انْهَدَمَتْ أَبْنِيَةُ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ فَأَقَامَ أَهْلُهَا عَلَى عِمَارَتِهَا لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ فِيهَا سَوَاءٌ كَانُوا فِي سَقَائِفَ وَمَظَالَّ أَمْ لَا لِأَنَّهُ محل الاستيطان نص عليه الشافعي والأصحاب وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَلَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي غير بناء إلَّا في هذه المسألة» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّ الجمعة تصح في غير المسجد كما يدل عليه حديث كعب بن مالك السابق إقامة سعد بن زرارة الجمعة في هَزْم النَّبِيتِ.
قُلْتُ: وسواء في ذلك صلاتها في ساحة داخل البلد أو خارجها كغيرها من الصلوات ومن اشترط أن تكون في مسجد أو في ساحة داخل البلد احتاج إلى دليل ظاهر على الشرطية، لكن إن وجد مسجد فالواجب أن تؤدى فيه كغيرها من الصلوات وذلك أنَّ الأدلة قد دلَّت على وجوب الصلاة المكتوبة في المسجد.
[ ٤ / ٥٨٥ ]
ولا تقام الجمعة في السجن.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٦٧):
«ولهذا لا تقام الجمعة في السجن، وإن كان فيه أربعون، ولا يعلم في ذلك خلافٌ بين العلماء، وممن قاله: الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق وغيرهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْسُبُكِيُّ ﵀ فِي [فَتَاوِيْهِ] (١/ ١٦٩)
«لَا يَجُوزُ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي السِّجْنِ بَلْ يُصَلُّونَ ظُهْرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّجُونِ أَقْوَامٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَوَرِّعِينَ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ أَرْبَعُونَ وَأَكْثَرُ مَوْصُوفُونَ بِصِفَاتِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَفَعَلُوهُ وَالسِّرُّ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْجُمُعَةِ إقَامَةُ الشِّعَارِ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ إذَا وَسِعَ النَّاسُ اتِّفَاقًا وَكَأَنَّهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ تُشْبِهُ فُرُوضَ الْكِفَايَاتِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِهَا إتْيَانُهَا فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ» اهـ.
واعترض الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيّ ﵀ في رده على السبكي فقد جاء في [الُفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةُ الْكُبْرَى] (١/ ٢٥٩)
«(وَسُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - هَلْ يَلْزَمُ الْمَحْبُوسِينَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْحَبْسِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَشُرُوطُ صِحَّتِهَا وَلَمْ يُخْشَ مِنْ إقَامَتِهَا فِي الْحَبْسِ فِتْنَةٌ لَكِنْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهَا لَا
[ ٤ / ٥٨٦ ]
تَلْزَمُهُمْ مُطْلَقًا وَقَدْ بَالَغَ السُّبْكِيّ فَقَالَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إقَامَتُهَا وَإِنْ جَازَ تَعَدُّدُهَا وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَإِنْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ فِي فَتَاوِيهِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّ الْحُبُوسَ لَمْ تَزَلْ مَشْحُونَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَقَامَهَا فِي الْحَبْسِ يُمْكِنُ الْخَدْشُ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَبْسٍ أَرْبَعُونَ شَافِعِيًّا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِفِعْلِهِمْ وَلَمْ يُقِيمُوهَا مَعَ تَوَفُّرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشُّرُوطِ وَعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَمَنْ أَثْبَتَ هَذَا اتَّضَحَ لَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ يَلْزَمْهُ أَنْ يَقُولَ بِالْوُجُوبِ. فَإِنَّهُ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا.
وَلَقَدْ كَانَ الْبُوَيْطِيُّ وَهُوَ فِي قُيُودِهِ فِي الْحَبْسِ يَغْتَسِلُ وَيَلْبَسُ نَظِيفَ ثِيَابِهِ وَيَأْتِي إلَى بَابِ السِّجْنِ فَيُشَاوِرُ السَّجَّانَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيَمْنَعُهُ فَيَرْجِعُ وَيَقُولُ الْآنَ سَقَطَتْ الْجُمُعَةُ عَنِّي فَتَأَمَّلْ مُحَافَظَةَ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلِذَا اسْتَخْلَفَهُ فِي حَلَقَتِهِ وَأَخْبَرَهُ بِهَذِهِ الْمِحْنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ بِقَوْلِهِ لَهُ: سَتَمُوتُ فِي قُيُودِك عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ تَجِدُهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ إقَامَتُهَا فِي الْحَبْسِ لَفَعَلَهَا فِيهِ فَإِنْ قُلْت إنْ أَقَامُوهَا قَبْلَ جُمُعَةِ الْبَلَدِ أَفْسَدُوهَا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ بَعْدَهَا لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُمْ. قُلْت مَمْنُوعٌ فِيهِمَا بَلْ عُذْرُ الْحَبْسِ لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ فَيَفْعَلُونَهَا مَتَى شَاءُوا قَبْلُ أَوْ بَعْدُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ» اهـ.
[ ٤ / ٥٨٧ ]
قُلْتُ: وهذا اعتراض في غير موضعه، فإنَّ الجمعة لو وجبت على أهل السجون لنص العلماء على وجوبها، ولبينوا سقوطها عنهم إذا منعوا منها، وكل هذا لم يوجد فيما أعلم.
وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد ﵀ في [مَسَائِلِهِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ] (ص: ١٢٢):
«سَأَلت أبي عَنْ أهل السجون كَيفَ يصلونَ الْجُمُعَة؟
قَالَ: أربعا» اهـ.
قُلْتُ: ولم يقل: إذا منعوا من إقامتها أو إذا لم تتفر فيهم شروط إقامتها.
وأمَّا ما جاء عن ابن سيرين فلا يثبت، وقد روى أثره ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٥٧٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: نَا رَجُلٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فِي أَهْلِ السُّجُونِ قَالَ: «يُجَمِّعُوا الصَّلَاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ».
وفيه كما ترى رجل مبهم، على أنَّه يمكن أن يحمل كلامه على إقامة الجماعة أي يصلوا الظهر جماعة يوم الجمعة، وقد منع من ذلك علماء الحنفية فذهبوا إلى أنَّهم يصلون الظهر فرادى.
وشبيه بذلك ما جاء في [الْمُدَّوَنَةِ] (١/ ٢٣٨):
«وَقَالَ مَالِكٌ: يُجَمِّعُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَهْلُ السُّجُونِ وَالْمُسَافِرُونَ وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ يُصَلِّي بِهِمْ إمَامُهُمْ ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ لَا يُجَمِّعُونَهَا
[ ٤ / ٥٨٨ ]
ظُهْرًا أَرْبَعًا إذَا فَاتَتْهُمْ. وَكِيعٌ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْمٍ تَفُوتُهُمْ الْجُمُعَةُ فِي الْمِصْرِ، قَالَ: لَا يُجَمِّعُونَ الصَّلَاةَ» اهـ.
قُلْتُ: وممن رأى إقامة الجمعة في السجن العلامة زكريا الأنصاري الشافعي ﵀ في [أَسْنَى الْمَطَالِبِ] (١/ ٢٦٢):
«وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْحَبْسِ أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا كَغَالِبِ الْأَوْقَاتِ فِي حُبُوسِ الْقَاهِرَةِ بِمِصْرَ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهَا فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَالتَّعَدُّدُ يَجُوزُ عِنْدَ عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ فَعِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَيُتَّجَهُ وُجُوبُ النَّصْبِ عَلَى الْإِمَامِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ فَهَلْ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي لَا يَعْسُرُ فِيهَا الِاجْتِمَاعُ إقَامَةً لِلْجُمُعَةِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهَا جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ لَهُمْ وَمَشْرُوعَةٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا جَوَّزْنَاهَا لَهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ» اهـ.
وممن منع إقامتها العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ فقد جاء في [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آَلِ الْشَّيْخِ] (٣/ ١٣)
«من محمد بن إبراهيم إلى صاحب الفضيلة رئيس المحكمة الكبرى بأبها … سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
بالإشارة إلى خطابكم رقم ٣٢٠٩ وتاريخ ١٤/ ٦/ ١٣٨٨ هـ بخصوص طلب سجناء المشرف إقامة صلاة الجمعة بالسجن وتسألون عن حكم ذلك.
[ ٤ / ٥٨٩ ]
والجواب: لم يبلغنا أن أحدًا من السلف فعل ذلك. مع أنَّه كان في السجون أقوام من العلماء المتورعين. والغالب أنَّه يجتمع معهم أربعون وأكثر موصوفون بصفات من تنعقد بهم الجمعة، فلو كان ذلك جائزًا لفعلوه. ووجه عدم جواز إقامتها في السجن أنَّ المقصود من الجمعة إقامة الشعار. ولذلك اختصت بمكان من البلد ما لم يوجد مسوغ شرعي يوجب تعددها من ضيق المسجد وحصول العداوة وغير ذلك من الأسباب. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية
(ص - ف ٣١٥٨ - ١ في ١١/ ١٠/ ١٣٨٨ هـ)» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٢/ ١٥٥ - ١٥٦):
«من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى فضيلة الأخ المكرم مدير إدارة الشئون الدينية بالأمن العام .. وفقه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أمَّا بعد:
فأشير إلى كتابكم رقم ٢٧٥ \ د وتاريخ ١\ ٥ \ ١٤٠٥ هـ ومشفوعه الذي تستفسرون فيه عن حكم صلاة السجناء جمعة وجماعة خلف إمام واحد يتقدمهم وهم في عنابرهم بواسطة مكبر الصوت؟ ونظرًا إلى أنَّ المسألة عامة ومهمة رأيت عرضها على مجلس هيئة كبار العلماء وقد اطلع عليها المجلس في دورته السادسة والعشرين المنعقدة في الطائف في ٢٥\ ١٠ \ ١٤٠٥ هـ إلى ٧\ ١١ \ ١٤٠٥ هـ، وبعد دراسة المسألة واطلاعه على أقوال أهل العلم في الموضوع أفتى بعدم الموافقة على جمع السجناء على إمام واحد في صلاة الجمعة والجماعة وهم داخل
[ ٤ / ٥٩٠ ]
عنابر السجن يقتدون به بواسطة مكبر الصوت لعدم وجوب صلاة الجمعة عليهم حيث لا يمكنهم السعي إليها، واتفاقًا مع فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رقم ٧٦٢ وتاريخ ١١\ ١٠ \ ١٣٨٨ هـ بعدم وجوب إقامتها في السجن، ولأسباب أخرى. ومن أمكنه الحضور لأداء صلاة الجمعة في مسجد السجن إذا كان فيه مسجد تقام فيه صلاة الجمعة صلاها مع الجماعة، وإلَّا فإنَّها تسقط عنه ويصليها ظهرًا، وكل مجموعة تصلي الصلوات الخمس جماعة داخل عنبرهم إذا لم يمكن جمعهم في مسجد أو مكان واحد.
فآمل الاطلاع والإحاطة وإليكم برفقه كتابكم المشار إليه آنفا ومرفقاته، وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد» اهـ.
قُلْتُ: جعل مسجد للسجناء يقيمون فيه الجمعة فيه نظر باعتبار أنَّ الجمعة شرع فيها الاجتماع العام وتكون في المساجد العامة، وهذا المسجد مختص بالمسجونين ويمنع غيرهم منهم، وشبيه بذلك مساجد المصانع والمعسكرات.
وجاء في [فتاوى نور على الدرب لابن باز] (١٣/ ١٨٧ - ١٨٨):
«يقول الأخ: يوجد في إحدى القرى مدرسة داخلية للطلبة وبها مسجد تقام به الصلوات الخمس في فترات المدرسة، هل يجوز إقامة الجمعة في مثل هذا المسجد مع العلم بأن الدراسة سوف تتعطل في فترات الإجازات؟
[ ٤ / ٥٩١ ]
ج: هذا فيه تفصيل، إذا كان المسجد حوله مساجد أخرى تقام فيها الجمعة لا يجوز أن تقام فيه، بل على الطلبة وغيرهم أن يصلوا الجمعة مع الناس في الجوامع الموجودة، أمَّا إذا كانت القرية ما فيها جامع قريب، الجوامع عنها بعيدة في القرى الأخرى فلهم أن يقيموها في هذا المسجد إذا كان حول المسجد أناس يقيمون، ولو أنَّهم ثلاثة فأكثر يكونون مقيمين مستوطنين فلهم أن يصلوا الجمعة، ومن حضر معهم من الناس من طلبة وغيرهم، إلا إذا كان هناك مسجد قريب يسمعون النداء لا يشق عليهم الذهاب إليه وجب عليهم أن يذهبوا إلى المسجد القريب ويكفي، لكن متى كانت المساجد بعيدة التي تقام فيها الجمعة ويشق عليهم الذهاب إليها ولا يسمعون النداء - يعني النداء بغير المكبرات - النداء العادي عند خلو الأصوات وعدم وجود ما يمنع السماع فإنهم في هذه الحالة لهم أن يصلوا الجمعة في مسجدهم إذا كان المسجد حوله ناس مستوطنون، ثلاثة أو أكثر في أصح قولي العلماء، ولا يشترط أن يكونوا أربعين ولا اثني عشر، ليس على هذا دليل، بل متى وجد ثلاثة أو أربعة أو خمسة مستقيمون مستوطنون في البلد فإنهم يصلون الجمعة إذا كان ما حولهم جوامع بعيدة عنهم» اهـ.
الشرط الثامن: الترتيب بين الخطبة والصلاة فيبدأ في الخطبة ثم يأتي بالصلاة.
الشرط التاسع: أن لا تسبق الجمعة بأخرى.
وأخذ بذلك الجمهور، والأظهر عدم اشتراطه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٤٨ - ٢٥٠):
[ ٤ / ٥٩٢ ]
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا يَحْتَاجُ إلَى جَوَامِعَ، فَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي جَمِيعِهَا جَائِزَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْبَلَدَ مَتَى كَانَ كَبِيرًا، يَشُقُّ عَلَى أَهْلِهِ الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لِتَبَاعُدِ أَقْطَارِهِ، أَوْ ضِيقِ مَسْجِدِهِ عَنْ أَهْلِهِ، كَبَغْدَادَ وَأَصْبَهَانَ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ، جَازَتْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ جَوَامِعِهَا، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي بَغْدَادَ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ فِيهَا فِي مَوْضِعَيْنِ، وَالْجُمُعَةُ حَيْثُ تُقَامُ الْحُدُودُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: إنَّهُ لَوْ وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ فِي مَوْضِعَيْنِ، جَازَتْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ حَيْثُ تُقَامُ الْحُدُودُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلَوْ جَازَ لَمْ يُعَطِّلُوا الْمَسَاجِدَ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تُقَامُ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ، الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْإِمَامُ.
وَلَنَا، أَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ، فَجَازَتْ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا، ﵁ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى، وَيَسْتَخْلِفُ عَلَى ضَعَفَةِ النَّاسِ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ، فَيُصَلِّي بِهِمْ. فَأَمَّا تَرْكُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٥٩٣ ]
وَسَلَّمَ - إقَامَةَ جُمُعَتَيْنِ، فَلِغِنَاهُمْ عَنْ إحْدَاهُمَا، وَلِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا يَرَوْنَ سَمَاعَ خُطْبَتِهِ، وَشُهُودَ جُمُعَتِهِ، وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ، لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَارِعُ الْأَحْكَامِ، وَلَمَّا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ صُلِّيَتْ فِي أَمَاكِنَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَصَارَ إجْمَاعًا.
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، يَعْنِي أَنَّهَا لَا تُقَامُ فِي الْمَسَاجِدِ الصِّغَارِ وَيُتْرَكُ الْكَبِيرُ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، فَلَا وَجْهَ لَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: أَيُّ حَدٍّ كَانَ يُقَامُ بِالْمَدِينَةِ، قَدِمَهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُمْ مُخْتَبِئُونَ فِي دَارٍ، فَجَمَّعَ بِهِمْ وَهُمْ أَرْبَعُونَ.
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَإِنْ حَصَلَ الْغِنَى بِاثْنَتَيْنِ لَمْ تَجُزْ الثَّالِثَةُ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ عَطَاءً قِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ الْأَكْبَرُ.
قَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فِيهِ، وَيُجْزِئُ ذَلِكَ مِنْ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ. وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ أَنَّهُمْ جَمَّعُوا أَكْثَرَ مِنْ جُمُعَةٍ، إذْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِالتَّحَكُّمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَإِنْ صَلَّوْا جُمُعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِحْدَاهُمَا جُمُعَةُ الْإِمَامِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ، وَالْأُخْرَى بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِبُطْلَانِ جُمُعَةِ الْإِمَامِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لَهُ الْجُمُعَةَ وَلِمَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، وَيُفْضِي إلَى أَنَّهُ
[ ٤ / ٥٩٤ ]
مَتَى شَاءَ أَرْبَعُونَ أَنْ يُفْسِدُوا صَلَاةَ أَهْلِ الْبَلَدِ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ، بِأَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَوْضِعٍ، وَيَسْبِقُوا أَهْلَ الْبَلَدِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
وَقِيلَ: السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ، لِأَنَّهَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُفْسِدُهَا، وَلَا تَفْسُدُ بَعْدَ صِحَّتِهَا بِمَا بَعْدَهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَالْأُخْرَى فِي مَكَان صَغِيرٍ لَا يَسَعُ الْمُصَلِّينً، أَوْ لَا يُمْكِنُهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ وَجُنْدِهِ بِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي قَصَبَةِ الْبَلَدِ، وَالْآخَرُ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، كَانَ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الْمَعَانِي صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ دُونَ الْأُخْرَى.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى الْجُمُعَةَ إلَّا لِأَهْلِ الْقَصَبَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي مَزِيَّةً تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ، فَقُدِّمَ بِهَا، كَجُمُعَةِ الْإِمَامِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ آكَدُ، وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِإِحْدَاهُمَا مَزِيَّةٌ، لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا مَأْذُونًا فِيهِمَا، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَتَسَاوَى الْمَكَانَانِ فِي إمْكَانِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالسَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بِشُرُوطِهَا، وَلَمْ يُزَاحِمْهَا مَا يُبْطِلُهَا، وَلَا سَبَقَهَا مَا يُغْنِي عَنْهَا، وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي مِصْرٍ أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، تُغْنِي عَمَّا سِوَاهَا.
[ ٤ / ٥٩٥ ]
وَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ بِالْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَحْرَمَ بِإِحْدَاهُمَا حَرُمَ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِهَا؛ لِلْغِنَى عَنْهَا، فَإِنْ وَقَعَ الْإِحْرَامُ بِهِمَا مَعًا فَهُمَا بَاطِلَتَانِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صِحَّتُهُمَا مَعًا، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِالْفَسَادِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَبَطَلَتَا كَالْمُتَزَوِّجِ أُخْتَيْنِ، أَوْ إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ رَجُلَيْنِ. وَإِنْ لَمْ تُعْلَم الْأَوْلَى مِنْهُمَا، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهِمَا، بَطَلَتَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا بَاطِلَةٌ، وَلَمْ تُعْلَمْ بِعَيْنِهَا، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِالْإِبْطَالِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَبَطَلَتَا كَالْمَسْأَلَتَيْنِ.
ثُمَّ إنْ عَلِمْنَا فَسَادَ الْجُمُعَتَيْنِ لِوُقُوعِهِمَا مَعًا، وَجَبَ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، لِبَقَاءِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ مِصْرٌ مَا أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ لِإِقَامَتِهَا فَلَزِمَتْهُمْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُصَلُّوا شَيْئًا.
وَإِنْ تَيَقَّنَّا صِحَّةَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا ظُهْرًا، لِأَنَّهُ مِصْرٌ تَيَقَّنَّا سُقُوطَ فَرْضِ الْجُمُعَةِ فِيهِ بِالْأَوْلَى مِنْهُمَا، فَلَمْ تَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ، كَمَا لَوْ عَلِمْنَاهَا وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ إقَامَةَ جُمُعَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِفَسَادِهِمَا مَعًا، فَكَأَنَّ الْمِصْرَ مَا صُلِّيَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَةَ لَمْ تَفْسُدْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لَهَا بِعَيْنِهَا؛ لِجَهْلِهَا، فَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَجَهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الصِّحَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَثَبَتَ حُكْمُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، بِحَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ
[ ٤ / ٥٩٦ ]
فَأَمَّا إنْ جَهِلْنَا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمَا، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ إحْدَاهُمَا، لِأَنَّ وُقُوعَهُمَا مَعًا - بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُ إحْرَامُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى - بَعِيدٌ جِدًّا، وَمَا كَانَ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ، وَلِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي شَرْطِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ إقَامَتُهَا مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ إقَامَتَهَا؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَتَيَقَّنْ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّتِهَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ١٩٧):
«وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْجَامِعِ وَبَيْنَ جَامِعٍ أَقْدَمَ مِنْهُ مَسَافَةٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ مِنْهَا إلَى الْجَامِعِ الْأَقْدَمِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْحَضْرَةِ أَوْ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي يُجَمَّعُ فِيهَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ بَرِيدٍ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُتَّخَذُ بِهَا جَامِعٌ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةٍ بَرِيدٍ فَأَكْثَرَ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ لَا يُجَمِّعُوا حَتَّى يَكُونُوا مِنْهَا عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ بَشِيرٍ يَتَّخِذُوا جَامِعًا إنْ كَانُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ فَرْسَخٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ لَا يَلْزَمُ أَهْلَهُ النُّزُولُ إلَى الْجُمُعَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ وَكَمُلَتْ فِيهِمْ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ إقَامَتُهَا فِي مَوْضِعِهِمْ كَأَهْلِ الْمِصْرِ.
وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْأَمْصَارِ الْعِظَامِ كَبَغْدَادَ وَمِصْرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٥٩٧ ]
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ لَا يُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَسْجِدَيْنِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَالصَّلَاةُ صَلَاةُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ يَعْنِي الْقَدِيمَ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٩١):
«فرع: في مذاهب العلماء فِي إقَامَةِ جُمُعَتَيْنِ أَوْ جُمَعٍ فِي بَلَدٍ.
* مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جُمُعَتَانِ فِي بَلَدٍ لَا يَعْسُرُ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ فِي مَكَان كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ قَالَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي بَغْدَادَ دُونَ غَيْرِهَا وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ لِلْبَلَدِ جَانِبَانِ جَازَ فِي كُلِّ جَانِبٍ جُمُعَةٌ وَإِلَّا فَلَا وَلَمْ يَخُصَّهُ بِبَغْدَادَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ الْحَسَنِ يَجُوزُ جُمُعَتَانِ سَوَاءٌ كَانَ جَانِبَانِ أَمْ لَا وَقَالَ عَطَاءٌ وَدَاوُد يَجُوزُ فِي الْبَلَدِ جُمَعٌ وَقَالَ أَحْمَدُ إذَا عَظُمَ الْبَلَدُ كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ جَازَ جُمُعَتَانِ فَأَكْثَرَ إنْ احْتَاجُوا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ لَا يَصِحُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ شئ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ حَكَى عَامَّةُ أَهْلِ الْخِلَافِ كَابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَذْهَبِنَا وَحَكَى عَنْهُ السَّاجِيُّ كَمَذْهَبِ مُحَمَّدٍ دَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يُقِيمُوهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مَعَ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْعِيدَ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبَلَدِ الصَّغِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
الشرط العاشر: إذن الإمام.
وقد اشترط ذلك الإمام أبو حنيفة وخالفه الجمهور، والصحيح عدم الاشتراط.
* * *
[ ٤ / ٥٩٨ ]
١٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ».
[ ٤ / ٥٩٩ ]
قُلْتُ: اللغو ما لا يحسن من الكلام.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب الإنصات للخطبة.
٢ - تحريم الكلام حال خطبة الخطيب ولو كان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد اختلف العلماء في الكلام في الخطبة فذهب أكثر العلماء إلى تحريمه وهو الصواب.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤٩٩):
«واختلفوا: هل إنصات من سمع الخطبة واجب، وكلامه في تلك الحال محرم، أو هو مكروه فقط، فلا يأثم به؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه محرم، وهو قول الأكثرين، منهم: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في المشهور عنه. والمنقول عن أكثر السلف يشهد له».
إلى أن قَالَ (٥/ ٥٠٠ - ٥٠١):
«والقول الثاني: أنَّه مكروه غير محرم، وهو قول الشافعي - الجديد - وحكي رواية عن أحمد.
واختلف من قَالَ بتحريمه: هل تبطل به الجمعة؟ فحكي عن طائفة أنَّه تبطل به الجمعة.
[ ٤ / ٦٠٠ ]
قَالَ عطاء الخراساني وعكرمة: من لغا فلا جمعة له.
وقَالَ الأوزاعي: من تكلم عمدًا صارت جمعته ظهرًا، ومن تكلم ساهيًا لم يتره (^١) الله فضلها، إن شاء الله تعالى.
وزعم بعضهم أنَّ قول الأوزاعي هذا يخالف الإجماع، وليس كذلك، ولم يرد الأوزاعي أنَّه يصلي ظهرًا، إنَّما أراد أن ثواب جمعته يفوته، ويبقى له فضل صلاة الظهر، وتبرأ ذمته منها. وكذلك قَالَ فيمن قرأ كتابًا والإمام يخطب، قَالَ: ذاك حظه من جمعته، ولم يأمره بإعادة الصلاة. وكذلك قَالَ فيمن شرب الماء والإمام يخطب.
وقد روي في أحاديث متعددة مرسلة، وبعضها متصلة الأسانيد، وفيها ضعف، أنَّ من لغا لا جمعة له، وأنَّ ذلك حظه منها. والمراد: أنَّه يفوته ثواب الجمعة، وبذلك فسره عطاء وابن وهب - صاحب مالك.
وقَالَ إسحاق: يخشى عليه فوات الأجر.
قَالَ عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: يقَالَ: من تكلم فكلامه حظه من الجمعة - يقول: من أجر الجمعة، فأمَّا أن يوفي أربعًا، فلا.
وقَالَ - أيضًا -: قُلْتُ لعطاء: هل تعلم شيئًا يقطع جمعة الإنسان، حتى يجب أن يصلي أربعًا، من كلام أو تخطي رقاب الناس، أو شيء غير ذلك؟ قَالَ: لا. وكذا
_________________
(١) - أي لم ينقصه.
[ ٤ / ٦٠١ ]
قَالَ الحسن والزهري، فيمن تكلم والإمام يخطب: يصلي ركعتين. وقَالَ الثوري: يستغفر الله، ويصلي.
ولا يصح عن أحد خلاف ذلك. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: والتكلم في الخطبة مع غير الخطيب مبطل لأجر الجمعة وقد دلت على ذلك عدة أحاديث.
منها: ما رواه أبو داود (٣٤٧) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا».
قُلْتُ: أسامة بن زيد وهو الليثي ضعيف الحديث على الراجح لكن نسخة ابن وهب عنه عن عمرو بن شعيب صالحة كما ذكر ذلك عنه الحافظ ابن عدي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ويشهد له ما رواه أحمد (٧١٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ مَوْلَى امْرَأَتِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، خَرَجَ الشَّيَاطِينُ يُرَبِّثُونَ النَّاسَ إِلَى أَسْوَاقِهِمْ، وَمَعَهُمُ الرَّايَاتُ، وَتَقْعُدُ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ
[ ٤ / ٦٠٢ ]
مَنَازِلِهِمْ: السَّابِقَ، وَالْمُصَلِّيَ، وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَمَنْ دَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَأَنْصَتَ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ كِفْلانِ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ نَأَى عَنْهُ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ دَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَلَغَا وَلَمْ يُنْصِتْ وَلَمْ يَسْتَمِعْ، كَانَ عَلَيْهِ كِفْلانِ مِنَ الْوِزْرِ، وَمَنْ نَأَى عَنْهُ فَلَغَا وَلَمْ يُنْصِتْ وَلَمْ يَسْتَمِعْ، كَانَ عَلَيْهِ كِفْلٌ مِنَ الْوِزْرِ، وَمَنْ قَالَ: صَهٍ، فَقَدْ تَكَلَّمَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلا جُمُعَةَ لَهُ - ثُمَّ قَالَ-: هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ لَا يَصِحُ إِسْنَادُهُ فحجاج ابن أرطأة ضعيف الحديث مع تدليسه وقد عنعن، وفي الإسناد أيضًا مولى امرأة عطاء.
ويشهد له ما رواه أحمد (٢٠٣٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٣٤٨)، والبزار (٤٧٢٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٩٩) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ».
قُلْتُ: مجالد هو ابن سعيد ضعيف الحديث لكنه حسن بما سبق وما سيأتي.
ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٦٢٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ،
[ ٤ / ٦٠٣ ]
قَالَ لِرَجُلٍ كَلَّمَ صَاحِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: «أَمَّا أَنْتَ فَحِمَارٌ، وَأَمَّا صَاحِبُكَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤١٤):
«قَالَ العلماء معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه» اهـ.
٣ - أنَّ النهي عن الكلام إنَّما هو حال تكلم الخطيب، وأمَّا قبل خطبته عند جلوسه على المنبر، أو عند جلوسه بين الخطبتين، أو بعد انتهائه من الخطبتين وقبل شروعه في الصلاة فلا يحرم الكلام لكن يستحب الإنصات لما رواه أحمد (١١٧٨٥) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَاكَ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا». قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ زِيَادَةٌ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠١ - ٥٠٢):
[ ٤ / ٦٠٤ ]
«واختلفوا: متى يجب الإنصات يوم الجمعة؟
فقَالَ الجمهور: بشروع الإمام في الخطبة، وهو المروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وكانوا يفعلونه في زمانه، وروي عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس.
وقَالَت طائفة: ينقطع بخروج الإمام، وإن لم يتكلم، كما تنقطع الصلاة بخروجه، وهو قول طائفة من الكوفيين، منهم: الحكم، وحكي عن أبي حنيفة، وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابن عباس.
وقد خرج الْبُخَارِيّ حديث سلمان الفارسي في الإنصات بلفظين: في أحدهما: ذكر خروج الإمام، وفي الآخر: ذكر كلامه.
فمن الناس من قَالَ: رواية الخروج مطلقة، تحتمل حالة الكلام وغيرها، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة.
ومنهم من قَالَ: إنَّ الرواية المطلقة إنَّما دلت على إثبات فضل ترك الكلام بالخروج، لا على منعه وتحريمه.
واستحب عطاء: أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام.
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: قَالَ: إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب. قُلْتُ: سَلَّمَ الإمامُ، فرددت عليه أيكون ذلك فصلًا؟ قَالَ: إنِّي أحب أن تزيد - أيضًا - بكلام، السلام في القرآن.
[ ٤ / ٦٠٥ ]
يعني: أنَّ السلام لا يكفي في الفصل؛ لأنَّه مما في القرآن، والمقصود: الفصل بكلام من كلام الآدميين.
وهذا قول غريب.
واختلفوا: إلى أي وقت ينتهي النهي عن الكلام؟.
فقَالَ الجمهور: ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوز الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة.
وقَالَت طائفة: ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة» اهـ.
قُلْتُ: حديث سلمان رواه البخاري (٩١٠) عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى».
واللفظ الآخر رواه البخاري (٨٨٣) عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى».
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٥):
«التقييد بقوله: "والإمام يخطب" يخرج ما قبل ابتداء الإمام من الخطبة وما بعد فراغه منها فلا منع من الكلام حينئذ وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي
[ ٤ / ٦٠٦ ]
يوسف وأبي محمد بن حزم والأكثرين وذهب أبو حنيفة إلى منع الكلام بمجرد خروج الإمام وإن لم يشرع في الخطبة وقَالَ ابن عبد البر: ابن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام انتهى وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ الترخيص في ذلك حكاه عنه ابن قُدَامَةَ مطلقًا وحكاه عنه ابن المنذر فيما بعد الفراغ من الخطبة وروى ابن أبي شيبة الترخيص في الكلام بين الخطبة والصلاة عن عروة بن الزبير وطاووس والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء وحماد بن أبي سليمان؛ وعن الحكم أنَّه سئل عن الكلام إذا خرج الإمام حتى يتكلم وإذا نزل قبل أن يصلي فكرهه وحكى ابن المنذر عنه الكراهة في الحالة الثانية وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن قتادة قَالَ يتكلم ما لم يجلس وهذا مذهب متوسط بين مذهب أبي حنيفة والجمهور وروى ابن أبي شيبة عن طاووس قَالَ: لا كلام بعد أن ينزل الإمام من المنبر حتى يقضي الصلاة وعن إبراهيم النخعي أنَّه كرهه» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠٤):
«وفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية، ومنعه أصحاب مالكٍ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٥٩):
«فصل: فأمَّا الكلام في الجلسة بين الخطبتين، فيحتمل أن يكون جائزًا؛ لأنَّ الإمام غير خاطب ولا متكلم، فأشبه ما قبلها وبعدها. وهذا قول الحسن.
[ ٤ / ٦٠٧ ]
ويحتمل أن يمنع منه، وهو قول مالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنَّه سكوت يسير في أثناء الخطبتين، أشبه السكوت للتنفس» اهـ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٥ - ١٠٦):
«ويخرج أيضًا ما بين الخطبتين لأنَّ الإمام لا يخطب في تلك الحالة وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي من الشافعية وأجرى فيه ابن الصباغ والمحاملي وآخرون قولي الشافعي المتقدم ذكرهما وقَالَ ابن المنذر ذكره مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن سيرين وكان الحسن البصري يقول لا بأس به وممن ذهب إلى جوازه ابن حزم الظاهري وذكر فيه ابن قُدَامَةَ الحنبلي احتمالين وجه الأول بأنَّه غير خاطب ولا متكلم فأشبه ما قبلها وما بعدها ووجه الثاني بأنَّه سكوت يسير في أثناء الخطبتين أشبه سكوت النفس وأبو حنيفة على المنع من ذلك مطلقًا ولم أر الحنفية استثنوا عن صاحبيه إلَّا ما قبل الخطبة وما بعدها فاقتضى كلامهم موافقة صاحبيه له على منع الكلام بين الخطبتين وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: واختلفوا فيمن كان بعيدًا لا يسمع خطبة الخطيب هل يجوز له الكلام أم لا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٩/ ٣٣):
«واختلف العلماء في وجوب الإنصات على من شهد الخطبة إذا لم يسمعها لبعده عن الإمام فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي إلى
[ ٤ / ٦٠٨ ]
أنَّ الكلام لا يجوز لكل من شهد الخطبة سمع أو لم يسمع وكان عثمان بن عفان يقول في خطبته: استمعوا وأنصتوا فإنَّ للمستمع الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمستمع السامع.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابن عباس أنَّهما كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام ولا مخالف لهؤلاء من الصحابة فسقط قول الشافعي ومن قَالَ بقوله في هذا الباب وكان عروة بن الزبير لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة يوم الجمعة.
وقَالَ أحمد بن حنبل: لا بأس أن يقرأ ويذكر الله من لا يسمع الخطبة. وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن حماد عن إبراهيم قَالَ: إني لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة.
قَالَ أبو عمر: هذا يدل على أنَّه لو سمع الخطبة لم يقرأ وهذا أصح عنه من الذي تقدم وإذا لم يقرأ فأحرى أن لا يتكلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٥٢ - ١٥٣):
«فصل: ولا فرق بين القريب والبعيد؛ لعموم ما ذكرناه، وقد روي عن عثمان ﵁ أنَّه قَالَ: من كان قريبًا يسمع وينصت ومن كان بعيدًا ينصت؛ فإنَّ للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع، وقد روى عبد الله بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن
[ ٤ / ٦٠٩ ]
شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مُسْلِم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ " رواه أبو داود.
فصل: وللبعيد أن يذكر الله تعالى، ويقرأ القرآن، ويصلي على النبي ﷺ ولا يرفع صوته، قَالَ أحمد: لا بأس أن يصلي على النبي ﷺ فيما بينه وبين نفسه.
ورخص له في القراءة والذكر عطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي والشافعي وليس له أن يرفع صوته، ولا يذاكر في الفقه، ولا يصلي، ولا يجلس في حلقة.
وذكر ابن عقيل أنَّ له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة.
ولنا، عموم ما رويناه، وأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة. رواه أبو داود.
ولأنَّه إذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع، فيكون مؤذيًا له، فيكون عليه إثم من آذى المُسْلِمين، وصد عن ذكر الله تعالى.
وإذا ذكر الله فيما بينه وبين نفسه، من غير أن يسمع أحدًا، فلا بأس.
وهل ذلك أفضل أو الإنصات؟ يحتمل وجهين: أحدهما، الإنصات أفضل؛ لحديث عبد الله بن عمرو، وقول عثمان.
[ ٤ / ٦١٠ ]
والثاني، الذكر أفضل؛ لأنَّه يحصل له ثوابه من غير ضرر، فكان أفضل، كما قبل الخطبة» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢٤):
«فأمَّا من لا يسمعها لبعده من الإمام ففيه طريقان للخراسانيين. أحدهما: القطع بجواز الكلام وأصحهما وهو المنصوص وبه قطع جمهور العراقيين وغيرهم أنَّ فيه القولين فإن قلنا لا يحرم الكلام استحب له الاشتغال بالتلاوة والذكر وإن قلنا يحرم حرم عليه كلام الآدميين وهو بالخيار بين السكوت والتلاوة والذكر هذا هو المشهور وبه قطع الجمهور وفيه وجه أنَّه لا يقرأ ولا يذكر إذا قلنا بتحريم الكلام لأنَّه يؤدى إلى هينمة وتهويش حكاه الفوراني والمتولي وصاحب البيان وغيرهم قَالَوا: وهو نظير الخلاف السابق في أنَّ المأموم هل يقرأ السورة في السرية والجهرية إذا لم يسمع الإمام والصحيح هناك أنَّه يقرأ وكذا هنا ولا خلاف أنَّ الذي يسمع الخطبة لا يقرأ ولا يذكر وإن جوزنا له الكلام لأنَّ الإنصات آكد للاختلاف في وجوبه. قَالَ الشافعي والأصحاب وحيث حرمنا الكلام فتكلم أثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف والحديث الوارد فلا جمعة له أي لا جمعة كاملة» اهـ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٤):
«ظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها فكلاهما مأمور بالإنصات وبه قَالَ المالكية والحنابلة والظاهرية وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر
[ ٤ / ٦١١ ]
العلماء وحكاه ابن عبد البر عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وهو الأصح عند الشافعية تفريعًا على القديم في وجوب الإنصات أمَّا على الجديد فالإنصات مستحب في حق السامع فكيف بمن لا يسمع واختلف الحنفية في هذه المسألة وروى ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير أنَّه كان لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة والمختلف فيه هو كلام الآدميين أمَّا الذكر والتلاوة سرًا فليس ممنوعًا منهما قطعًا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ من كان لا يسمع الخطبة لبعده عن الخطيب استحب له أن يقرأ القرآن أو يدعو الله ﷿ أو يذكر ربه ﷿ فهذا خير له من السكوت الذي لا ينتفع منه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وأمَّا من كان في أذنه صمم بحيث لا يسمع فله أن يذكر ربه سرًا، أو يدعو، أو يقرأ القرآن سرًا بحيث لا يشغل من بجواره.
٤ - واستنبط من هذا الحديث النهي عن رد السلام، وتشميت العاطس، والصلاة على النبي ﷺ؛ وذلك لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى في هذا الحديث عن قول الرجل لأخيه "أَنْصِتْ" مع أنَّه أمر بمعروف ونهي عن منكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الشرعية فما سواه من الواجبات القولية يلحق به بلحن الخطاب، وما دون ذلك من المستحبات فيلحق به بفحوى الخطاب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤٤٣)
[ ٤ / ٦١٢ ]
«اختلف أهل العلم في تشميت العاطس ورد السلام والإمام يخطب، فرخصت طائفة في تشميت العاطس ورد السلام والإمام يخطب، وممن رخص في ذلك الحسن البصري، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: يرد السلام ويسمعه. وروي ذلك عن القاسم بن محمد واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فكان إذ هو بالعراق يقول: ولا يشمتون عاطسًا، ولا يردون سلامًا إلَّا بإيماء. وكان يقول بعد بمصر: وإن سلم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك، ورأيت أن يرد عليهم بعضهم؛ لأنَّ رد السلام فرض، ولو عطس رجل فشمته رجل رجوت أن يسعه؛ لأنَّ التشميت سنة. وكان سعيد بن المسيب يقول: لا يشمته. وكذلك قَالَ قتادة، وهذا خلاف قوله في رد السلام، ولعل الفرق يمنعه بينهما أنَّ رد السلام فرض، وليس كذلك تشميت العاطس.
وقَالَ أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يستمعوا وينصتوا. وفرق عطاء بين الحالين، فقَالَ: إذا كنت تسمع الخطبة فاردد عليه¬ السلام في نفسك، وإذا كنت لا تسمعها فاردد عليه وأسمعه. وقَالَ أحمد: إذا لم يسمع الخطبة شمت ورد.
قَالَ أبو بكر: ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذا قُلْتُ لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت". فالإنصات يجب على ظاهر السنة، وإباحة
[ ٤ / ٦١٣ ]
رد السلام وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يرد السلام إشارة، ويشمت العاطس إذا فرغ الإمام من خطبته» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٩/ ٣٧ - ٣٨):
«واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس في الخطبة فقَالَ مالك وأصحابه لا يشمت العاطس ولا يرد السلام إلَّا إن رده إشارة كما يرد في الصلاة.
وقَالَ أبو حنيفة وأصحابه لا يرد السلام ولا يشمت العاطس.
وقَالَ الثوري والأوزاعي لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب وهو قول الحسن البصري والنخعي والشعبي والحكم وحماد والزهري وبه قَالَ إسحاق واختلف قول الشافعي في ذلك فقَالَ في الكتاب القديم بالعراق يستقبلون الإمام بوجوههم وينصتون ولا يشمتوا عاطسًا ولا يردوا سلامًا إلَّا بالإشارة وقَالَ في الجديد بمصر ولو سلم رجل كرهته له ورأيت أن يرد عليه بعضهم لأنَّ رد السلام فرض. قَالَ: ولو عطس رجل والإمام يخطب في الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأنَّ التشميت سنة واختاره المزني وحكى البويطي عنه أنَّه لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب في الجمعة وغيرها وكذلك حكا إسحاق بن منصور عن أحمد وإسحاق وروي عن أحمد أيضًا إذا لم يسمع الخطبة شمت ورد.
وروي مثل ذلك عن عطاء وقَالَ الأثرم قُلْتُ لأحمد بن حنبل: هل يرد السلام يوم الجمعة والإمام يخطب؟ قَالَ: نعم قيل. له: ويشمت العاطس. قَالَ: نعم.
[ ٤ / ٦١٤ ]
وقَالَ أبو جعفر الطحاوي: لما كان مأمورًا بالإنصات كالصلاة لم يشمت كما لا يشمت في الصلاة فإن قيل رد السلام فرض والصمت سنة. قَالَ أبو جعفر: الصمت فرض لأنَّ الخطبة فرض وإنما تصح بالخاطب والمخطوب عليهم فكما يفعلها الخاطب فرضًا كذلك المستمع فرض عليه ذلك.
قَالَ أبو عمر: في هذا نظر والصمت واجب بسنة رسول الله ﷺ وبالله تعالى التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٥٦ - ١٥٧):
«فصل: فأمَّا الكلام الواجب، كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف عليه نارًا، أو حية أو حريقًا، ونحو ذلك، فله فعله، لأنَّ هذا يجوز في نفس الصلاة مع إفسادها، فهاهنا أولى فأمَّا تشميت العاطس، ورد السلام ففيه روايتان قَالَ الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل: يرد الرجل السلام يوم الجمعة؟ فقَالَ: نعم. ويشمت العاطس؟ فقَالَ: نعم، والإمام يخطب. وقَالَ أبو عبد الله: قد فعله غير واحد قَالَ ذلك غير مرة.
وممن رخص في ذلك الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وذلك لأنَّ هذا واجب، فوجب، الإتيان به في الخطبة، كتحذير الضرير.
[ ٤ / ٦١٥ ]
والرواية الثانية: إن كان لا يسمع رد السلام وشمت العاطس، وإن كان يسمع لم يفعل.
قَالَ أبو طالب، قَالَ أحمد: إذا سمعت الخطبة فاستمع وأنصت، ولا تقرأ، ولا تشمت، وإذا لم تسمع الخطبة فاقرأ وشمت ورد السلام.
وقَالَ أبو داود، قُلْتُ لأحمد: يرد السلام والإمام يخطب، ويشمت العاطس؟ فقَالَ: إذا كان ليس يسمع الخطبة فيرد، وإذا كان يسمع فلا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وقيل لأحمد: الرجل يسمع نغمة الإمام بالخطبة، ولا يدري ما يقول، يرد السلام؟ قَالَ: لا، إذا سمع شيئًا. وروي نحو ذلك عن عطاء؛ وذلك لأنَّ الإنصات واجب، فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة، كالأمر بالإنصات، بخلاف من لم يسمع وقَالَ القاضي: لا يرد ولا يشمت.
وروي نحو ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهو قول مالك، والأوزاعي وأصحاب الرأي واختلف فيه قول الشافعي، فيحتمل أن يكون هذا القول مختصًا بمن يسمع دون من لم يسمع، فيكون مثل الرواية الثانية.
ويحتمل أن يكون عامًا في كل حاضر يسمع أو لم يسمع، لأن وجوب الإنصات شامل لهم، فيكون المنع من رد السلام وتشميت العاطس ثابتًا في حقهم، كالسامعين» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٦٠٦):
[ ٤ / ٦١٦ ]
«قَالَ ابن دقيق العيد: يستثنى أيضًا من عطس والإمام يخطب فإنَّه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب والراجح الإنصات لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ الخطيب ولا سيما إن قيل بتحريم الكلام والإمام يخطب وعلى هذا فهل يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب أو يشرع له التشميت بالإشارة فلو كان العاطس الخطيب فحمد واستمر في خطبته فالحكم كذلك وإن حمد فوقف قليلًا ليشمت فلا يمتنع أن يشرع تشميته» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم جواز ذلك وأنَّ الواجب هو الإنصات لخطبة الخطيب كما يدل عليه حديث الباب.
وتنازع العلماء أيضًا في الصلاة على النبي ﷺ عند ذكر الخطيب للنبي الله عليه وسلم، وهكذا التأمين على دعاء الخطيب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] ص (٤٤٠):
«والسُّنة في الصلاة على النبي ﷺ أن يصلي عليه سرًا كالْدُعَاء أمَّا رفع الصوت بها قدام بعض الخطباء فمكروه أو محرم اتفاقًا لكن منهم مَنْ يقول: يُصلي عليه سرًا ومنهم مَنْ يقول: يسكت» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٢٩٣):
«الرابعة: تجوز الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها نص عليه.
[ ٤ / ٦١٧ ]
وقَالَ القاضي في كتاب "التخريج": يكون ذلك في نفسه.
الخامسة: يجوز تأمينه على الْدُعَاء وحمده خفية إذا عطس نص عليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (١/ ١٨٨):
«وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا دَعَا الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَمَّنَ النَّاسُ وَجَهَرُوا جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي قَالَ وَذَلِكَ فِيمَا يَنُوبُ النَّاسَ مِنْ قَحْطٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بِدُعَائِهِ مُسْتَدْعٍ تَأْمِينَهُمْ وَآذِنٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ مُسْتَدْعٍ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ﷺ تَسْلِيمًا فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي صِفَةِ النُّطْقِ بِهِ مِنْ سِرٍّ وَجَهْر» اهٍ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٢٧٧ - ٢٧٨):
«واختلفوا: في الإمام إذا صلى على النبي ﷺ يوم الجمعة: هل يوافقه المأموم؟
فقالت طائفةٌ: يصلي المأموم على النبي ﷺ في نفسه، وهو قولُ مالكٍ وأبي يوسف وأحمد وإسحاق.
واستدلوا: بأنَّ الصلاة على النبي ﷺ خصوصًا يوم الجمعة متأكدة الاستحباب، ومختلف في وجوبها كلَّما ذكر، فيشرع الاتيان بها في حال الخطبة عند ذكره، لأنَّ سببها موجود، فهو كالتأمين على دعاء الإمام، وأولى.
[ ٤ / ٦١٨ ]
وقال بعض الشافعية: إذا قرأ الإمام: ﴿إِنَّ اللَّهَ؟ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]-الآية، جاز للمأموم أن يصلي على النبي ﷺ، ويرفع بها صوته.
وقالت طائفةٌ: بل ينصت، وهو قولُ سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعدٍ ومالك -في روايةٍ - والشافعي.
وقال الأوزاعي: ينبغي للإمام إذا صلى على النبي ﷺ يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس، فإن لم يسكت فأنصت، وأمَّن على دعائه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي الْحَنَفِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَنَائِعِ] (١/ ٢٦٤):
«قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَمِعَ وَلَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدِ سَمَاعِ اسْمِهِ فِي الْخُطْبَةِ لِمَا أَنَّ إحْرَازَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا يُمْكِنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَإِحْرَازُ ثَوَابِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فَكَانَ السَّمَاعُ أَفْضَلَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ فَكَانَ إحْرَازُ الْفَضِيلَتَيْنِ أَحَقَّ» اهـ.
[ ٤ / ٦١٩ ]
قُلْتُ: وقد أفتى بجواز التأمين سرًا جمع من أهل العلم المعاصرين منهم الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، والفوزان.
وهذا القول له حظ من النظر فإنَّ التأمين قد شرع خلف الإمام في الصلاة مع وجوب الإنصات للإمام وليست الخطبة بأعظم من الصلاة، ولأنَّ الخطيب طالب لتأمين الناس ومن أجل هذا جهر بالْدُعَاء.
هذا باعتبار الْدُعَاء، وأمَّا الصلاة على النبي ﷺ فالأسلم اجتناب ذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: هذا ما يتعلق بالأقوال، وأمَّا الأفعال حال خطبة الخطيب إن كانت عبثًا فتحرم وهي من اللغو لما رواه مُسْلِم (٨٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٦١):
«فصل: ويكره العبث والإمام يخطب؛ لقول النبي ﷺ: "ومن مس الحصى فقد لغا" رواه مُسْلِم.
قَالَ الترمذي: هذا حديث صحيح.
واللغو: الإثم، قَالَ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ولأنَّ العبث يمنع الخشوع والفهم» اهـ.
[ ٤ / ٦٢٠ ]
وأمَّا ما كان من الأفعال لحاجة من الحاجات كشرب الماء، وتسكيت المتكلم، واستعمال السواك لإذهاب النعاس، أو التحول من مكان إلى آخر من أجل ذلك فقد أجازه كثير من العلماء.
قَالَ العلامة ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤٤٤):
«واختلفوا في الشرب والإمام يخطب، فرخص فيه طاووس، ومجاهد، والشافعي، ونهى عنه مالك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وقَالَ الأوزاعي: إن شرب فسدت جمعته.
قَالَ أبو بكر: لا بأس به؛ لأنَّ الأشياء على الإباحة، ولا حجة تمنع منه، والوقوف عنه أحسن في الأدب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ١٦١):
«ويكره أن يشرب والإمام يخطب، إن كان ممن يسمع، وبه قَالَ مالك، والأوزاعي.
ورخص فيه مجاهد، وطاووس، والشافعي؛ لأنَّه لا يشغل عن السماع.
ولنا، أنَّه فعل يشتغل به، أشبه مس الحصى.
فأمَّا إن كان لا يسمع، فلا يكره، نص عليه؛ لأنَّه لا يستمع، فلا يشتغل به» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في انتقَالَ الناعس من مكانه ما رواه أحمد (٤٨٧٥، ٦١٨٧)، وأبو داود (١١٢١)، والترمذي (٥٢٦) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ
[ ٤ / ٦٢١ ]
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ».
قُلْتُ: ابن إسحاق مدلس وقد صرح بالتحديث في رواية لأحمد (٦١٨٧).
لكن استنكره الحافظ علي بن المديني على ابن إسحاق فقَالَ الفسوي ﵀ فِي [المعرفة والتاريخ] (٢/ ١٣٩ - ١٤٠):
«قَالَ علي: لم أجد لابن إسحاق إلَّا حديثين منكرين: نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة"، والزهري عن عروة عن زيد بن خالد: "إذا مس أحدكم فرجه"، هذين لم يروهما عن أحد والباقين يقول: ذكر فلان ولكن هذا فيه حدثنا» اهـ.
قُلْتُ: وأسنده أيضًا عن علي بن المديني العقيلي في [الضعفاء الْكَبِيْر] (٧/ ٣٥٥).
ورجح الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ وقفه فقَالَ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨): «ولا يثبت رفع هذا الحديث والمشهور عَنِ ابْنِ عُمَرَ من قوله أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وغيره قَالَوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار كان بن عمر: يقول للرجل إذا نعس يوم الجمعة والإمام يخطب أن يتحول منه» اهـ.
[ ٤ / ٦٢٢ ]
ورواه عبد الرزاق [مُصَنَّفِهِ] (٥٥٤٦) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي سَهْمٍ، أَنَّهُ نَعَسَ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ قَالَ: «فَإِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ، وَإِمَّا أَوْمَأَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَيُؤَخِّرَ مِنْهُ».
قُلْتُ: وابن إسحاق متابع في ذلك تابعه يحيى بن سعيد الأنصاري مع اختلاف في لفظه كما روى ذلك البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٧١٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَى غَيْرِهِ». لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي زَكَرِيَّا، وَحَدِيثُ أَبِي عَبْدِ اللهِ بِمَعْنَاهُ، وَكِلَاهُمَا ذَكَرَ الصَّلَاةَ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ اهـ.
قُلْتُ: والمحاربي مدلس وقد عنعن.
لكن قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ فِي [العلل] (١٢/ ٣٤٥):
«يرويه أحمد بن عمر الوكيعي، عن المحاربي، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ولم يتابع عليه، والمحفوظ عن المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وكذلك رواه الثوري وغيره، عن محمد بن إسحاق، وروي عن أبي شهاب الحناط، عن أبي إسحاق الشيباني، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهو وهم.
والصحيح: عن أبي شهاب، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ومدار الحديث، على محمد بن إسحاق» اهـ.
[ ٤ / ٦٢٣ ]
قُلْتُ: وللحديث شاهد لا يتقوى به وهو ما رواه البزار (٤٦٠١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٧٢١)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٨١٤) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرة، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى مَكَانِ صَاحِبِهِ وَيَتَحَوَّلْ صَاحِبُهُ إِلَى مَكَانِهِ».
قُلْتُ: إسماعيل بن مُسْلِم هو المكي شديد الضعف والحسن لم يسمع من سمرة سوى حديث العقيقة.
وهناك شاهد ثالث رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٥٥٠) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا نَعَسَ الْإِنْسَانُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَقْعَدِهِ ذَلِكَ».
قُلْتُ: وقد جمع هذا الإسناد بين الانقطاع، والإرسال.
قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (١/ ٢٢٨):
«وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا نَعَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَجَدَ مَجْلِسًا غَيْرَهُ وَلَا يَتَخَطَّى فِيهِ أَحَدًا أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ لِيَحْدُثَ لَهُ الْقِيَامُ وَاعْتِسَافُ الْمَجْلِسِ مَا يَذْعَرُ عَنْهُ النَّوْمَ وَإِنْ ثَبَتَ وَتَحَفَّظَ مِنْ النُّعَاسِ بِوَجْهٍ يَرَاهُ يَنْفِي النُّعَاسَ عَنْهُ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا أُحِبُّ إنْ رَأَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ النُّعَاسِ إذَا تَحَفَّظَ أَنْ يَتَحَوَّلَ وَأَحْسِبُ مِنْ أَمَرَهُ بِالتَّحَوُّلِ إنَّمَا أَمَرَهُ حِينَ غَلَبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ إلَّا
[ ٤ / ٦٢٤ ]
بِإِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ وَإِنْ ثَبَتَ فِي مَجْلِسِهِ نَاعِسًا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرْقُدْ زَائِلًا عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ» اهـ.
٥ - واحتجت به الحنفية على قولهم بمنع تحية المسجد حال خطبة الخطيب وقَالَوا: فإذا أمتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى.
قُلْتُ: هذا قياس في مقابل نص فهو فاسد الاعتبار.
٦ - قُلْتُ: والمراد بالخطبة التي ينصت لها هي الخطبة الشرعية فأمَّا إذا تكلم الخطيب بما لا يجوز فلا يجب الإنصات له.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠٣):
«فأمَّا أن تكلم بكلام محرم، كبدعة أو كسب السلف، كما كان يفعله بنو أمية، سوى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه -، فقَالَت طائفة: يلحق بالخطب وينصت له، روي عن عمرو بن مرة وقتادة.
والأكثرون على خلاف ذلك، منهم: الشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة وعطاء والنخعي والزهري وعروة والليث ابن سعد. وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الآية، وما كان محرمًا حرم استماعه والإنصات إليه، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء والآت اللهو، ونحو ذلك.
[ ٤ / ٦٢٥ ]
ولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلامٍ مباحٍ لا في محرمٍ» اهـ.
٧ - ويدل الحديث على تحريم الكلام لكل من حضر الخطبة سواء كان جالسًا في المسجد أو سائرًا فيه واستثناء الماشي حتى يأخذ مجلسه غير صحيح.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٠٤)
«وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام، فأمَّا من دخل المسجد في حال الخطبة، فقَالَ طائفةٌ: إنَّما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه، وهذا قولُ الزهري وقتادة والثوري والشافعي.
وعموم قوله: "إذا قُلْتُ لصاحبك: أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت"، ويشمل القائم والقاعد والماشي» اهـ.
٨ - قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٢):
«لفظ الحديث لا يتناول الخطيب لأنَّ شأنه أن يأمر الناس بالإنصات وغيره من المواعظ ولأنَّه لا يمكن أن يتكلم والإمام يخطب وبهذا قطع أكثر الشافعية وهو مذهب المالكية والحنابلة وحكى بعض الشافعية في ذلك وجهين ونقل ابن الجوزي في التحقيق التسوية بين الخطيب والمستمع عن الأكثرين وفيه نظر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٦٢)
«فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَعَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ» اهـ.
٩ - وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ١٠٣):
[ ٤ / ٦٢٦ ]
«استثنى المالكية والحنابلة والظاهرية من سأله الخطيب فأخرجوه عن موضع الخلاف وأباحوا له الكلام جوابًا للخطيب وهو واضح لأنَّ كلامه في هذه الحالة لا يخرجه عن الإنصات والاستماع ويدل له قضية سليك وعثمان وغيرهما ولذلك استثنوا من ابتداء الإمام بالكلام لحاجة أو سؤال عن مسألة لحديث الاستسقاء وغيره وقد تقدم أن الشافعي ﵀ استدل بهذه الأحاديث على أنَّ الأمر بالإنصات على سبيل الاستحباب دون الوجوب» اهـ.
١٠ - ويدل الحديث على أنَّ الأمر بالإنصات مخصوص بخطبة الجمعة دون سائر الخطب.
قُلْتُ: لكنه لا يجوز التشويش على المستمعين لما فيه من الأذية لهم.
* * *
١٣٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُوْلَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ».
[ ٤ / ٦٢٧ ]
قُلْتُ: لفظة: «ثُمَّ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُوْلَى» رواها مالك في [الْمُوَطَّأ] (٣٣٤) ولا أصل لها في الصحيحين.
والحديث في الصحيحين بلفظ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ». ففيه تقييد الغسل بغسل الجنابة.
وقوله: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً». البدنة تطلق على الإبل، والبقر مأخوذة من البدانة وهي الضخامة وأكثر ما تطلق على الإبل لأنَّها أولى بهذا الوصف وهي المرادة بهذا الحديث.
قَالَ العلامة ابن منظور ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (١٣/ ٤٧):
«البَدَنةُ بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير الذَّكر مما يجوز في الهدْي والأَضاحي وهي بالبُدْن أَشْبَه ولا تقع على الشاة سمِّيت بَدَنةً لِعِظَمِها وسِمَنِها وجمع البَدَنةِ البُدْن» اهـ.
قَالَ أبو زرعة ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٦٥):
«واعلم أنَّ البدنة والبقرة يقعان على الذكر والأنثى باتفاق أهل اللغة والهاء فيهما واحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس وليست للتأنيث وأما الكبش؟ في المحكم هو فحل الضأن في أي سن كان وقيل هو كبش إذا أثنى وقيل إذا أربع والجمع أكبش وكباش والدجاجة بفتح الدال وكسرها لغتان مشهورتان والفتح أفصح ويقع على الذكر والأنثى لأنَّ الهاء فيها للوحدة لا للتأنيث والجمع دجاج بفتح الدال وكسرها ودجائج قَالَ في المحكم سميت بذلك لإقبالها وإدبارها» اهـ.
[ ٤ / ٦٢٨ ]
وقوله: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً».
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٦٤٥):
«هُوَ اسْمُ جِنْسٍ مثلث الدَّال ذكره الْمُنْذِرِيّ فِي الْحَاشِيَة وبن مَالِكٍ وَغَيْرُهُمَا وَلَمْ يَحْكِ النَّوَوِيُّ الضَّمَّ وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ مُثَلَّثٌ أَيْضًا وَقِيلَ إِنَّ الضَّمَّ فِيهِ ضَعِيفٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ دَخَلَتْهَا الْهَاءُ لِلْوَحْدَةِ مِثْلَ الْحَمَامَةِ وَأَفَادَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ الدِّجَاجَ بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْوَاحِدُ مِنْهَا دِيكٌ وَبِالْفَتْحِ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكْرَانِ وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا قَالَ وَسُمِّيَ لِإِسْرَاعِهِ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ مِنْ دَجَّ يَدُجُّ إِذَا أَسْرَعَ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قوله: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ». احتج به من قَالَ: إنَّ الغسل معلق باليوم لا بالصلاة. وقد سبق بيان بطلان هذا القول.
٢ - واحتج بقوله: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ». من قَالَ: إنَّ الاغتسال يكون عند إرادة الرواح، ولا حجة فيه فإنَّ ثم تفيد التراخي فمن اغتسل في أول النهار وراح في منتصفه صدق عليه هذا الحديث. وقد سبق الكلام في ذلك.
٣ - أنَّ الاغتسال يكون بعد طلوع الفجر فإنَّه مبدأ اليوم خلافًا للأوزاعي فإنَّه أجاز الاغتسال قبل طلوع الفجر. وقد مضى القول في ذلك.
[ ٤ / ٦٢٩ ]
٤ - وفيه استحباب المبادرة لحضور الجمعة في الساعة الأولى. وقد تنازع العلماء في الساعة الأولى متى تبدأ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٩٩ - ٤٠٧):
«وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين:
أحدهما: أنَّها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
والثاني: أنَّها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية، واحتجوا عليه بحجتين:
إحداهما: أنَّ الرواح لا يكون إلَّا بعد الزوال، وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلَّا قبل الزوال، قَالَ تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
قَالَ الجوهري: ولا يكون إلَّا بعد الزوال.
الحجة الثانية: أنَّ السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقَالَ: لم ندرك عليه أهل المدينة.
واحتج أصحاب القول الأول، بحديث جابر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة". قَالَوا: والساعات المعهودة، هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات
[ ٤ / ٦٣٠ ]
زمانية، قَالَوا: ويدل على هذا القول، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما بلغ بالساعات إلى ست، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغارًا مثل الساعة التي تفعل فيها الجمعة، لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإنَّ الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإمام، وطويت الصحف، ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرحًا به في "سنن أبي داود" مِنْ حَدِيْثِ علي ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إذا كان يوم الجمعة، غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة، تجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام".
قَالَ أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقَالَت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأكثر العلماء، بل كلهم يستحب البكور إليها.
قَالَ الشافعي ﵀: ولو بكر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، كان حسنًا.
وذكر الأثرم، قَالَ: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرًا، فقَالَ: هذا خلاف حديث النبي ﷺ.
[ ٤ / ٦٣١ ]
وقَالَ: سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا، والنبي ﷺ يقول: "كالمهدي جزورًا". قَالَ: وأمَّا مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة، أنَّه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدو من أول ساعات النهار، أو إنَّما أراد بهذا القول ساعات الرواح؟ فقَالَ ابن وهب: سألت مالكًا عن هذا، فقَالَ: أمَّا الذي يقع بقلبي، فإنَّه إنَّما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات، من راح من أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة. ولو لم يكن كذلك، ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر، أو قريبًا من ذلك. وكان ابن حبيب، ينكر مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقَالَ: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه. وقَالَ: يدلك أنَّه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة: أنَّ الشمس إنَّما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروج الإمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أنَّ الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقَالَ: من راح في الساعة الأولى، فكأنَّما قرب بدنة، ثم قَالَ: في الساعة الخامسة بيضة، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرح الحديث بين في لفظه، ولكنه حرف عن موضعه، وشرح بالخلف من القول، وما لا يكون، وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله ﷺ من التهجير من أول النهار، وزعم أنَّ ذلك كله إنَّما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس،
[ ٤ / ٦٣٢ ]
قَالَ: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية.
هذا كله قول عبد الملك بن حبيب، ثم رد عليه أبو عمر، وقَالَ: هذا تحامل منه على مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فهو الذي قَالَ القول الذي أنكره وجعله خلفًا وتحريفًا من التأويل، والذي قَالَه مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضًا العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل، لأنَّه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء. فمن الآثار التي يحتج بها مالك ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا كان يوم الجمعة، قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الناس، الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا، حتى ذكر الدجاجة والبيضة، فإذا جلس الإمام، طويت الصحف، واستمعوا الخطبة ". قَالَ: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنَّه قَالَ: يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه فجعل الأول مهجرًا، وهذه اللفظة إنَّما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقت طلوع الشمس، لأنَّ ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: "ثم الذي يليه، ثم الذي يليه". ولم يذكر الساعة. قَالَ: والطرق بهذا اللفظ كثيرة، مذكورة في "الْتَمْهِيْدِ"، وفي بعضها
[ ٤ / ٦٣٣ ]
"المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة". وفي أكثرها: "المهجر كالمهدي جزورًا" الحديث. وفي بعضها، ما يدل على أنَّه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة، وفي آخرها كذلك. وقَالَ بعض أصحاب الشافعي: لم يرد ﷺ بقوله: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة"، الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنَّما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة، كالمهدي بدنة، وذلك مأخوذ من الهجرة وهو ترك الوطن، والنهوض إلى غيره، ومنه سمي المهاجرون. وقَالَ الشافعي ﵀: أحب التبكير إلى الجمعة، ولا تؤتى إلَّا مشيًا. هذا كله كلام أبي عمر.
قُلْتُ: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وإنَّها لا تكون إلَّا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير، وهي إنَّما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة، فإنَّهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.
فأمَّا لفظة الرواح، فلا ريب أنَّها تطلق على المضي بعد الزوال، وهذا إنَّما يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، وَقَوْلُهُ ﷺ: "من غدا إلى المسجد وراح، أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح ". وقول الشاعر:
[ ٤ / ٦٣٤ ]
نروح ونغدو لحاجاتنا … وحاجة من عاش لا تنقضي.
وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي، وهذا إنَّما يجيء، إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو.
وقَالَ الأزهري في "التهذيب": سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت، يقَالَ: راح القوم: إذا ساروا، وغدوا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروح، ويخاطب أصحابه، فيقول: روحوا أي: سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحون؟ ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخفة إليها، لا بمعنى الرواح بالعشي.
وأمَّا لفظ التهجير والمهجر، فمن الهجير، والهاجرة، قَالَ الجوهري: هي نصف النهار عند اشتداد الحر، تقول منه: هجر النهار، قَالَ امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنها بجسرة … إذا صام النهار وهجرا
ويقَالَ: أتينا أهلنا مهجرين، أي: في وقت الهاجرة، والتهجير والتهجر: السير في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة.
قَالَ الآخرون: الكلام في لفظ التهجير، كالكلام في لفظ الرواح، فإنَّه يطلق ويراد به التبكير.
[ ٤ / ٦٣٥ ]
قَالَ الأزهري في "التهذيب": روى مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لو يعلم الناس ما في التهجير، لاستبقوا إليه".
وفي حديث آخر مرفوع: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة". قَالَ: ويذهب كثير من الناس إلى أنَّ التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي، عن النضر بن شميل، أنَّه قَالَ: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير والمبادرة إلى كل شيء قَالَ: سمعت الخليل يقول ذلك، قَالَه في تفسير هذا الحديث.
قَالَ الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس، قَالَ لبيد:
راح القطين بهجر بعدما ابتكروا … فما تواصله سلمى وما تذر.
فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم: الذهاب والمضي، يقَالَ: راح القوم: إذا خفوا ومروا أي وقت كان. وَقَوْلُهُ ﷺ: "لو يعلم الناس ما في التهجير، لاستبقوا إليه" أراد به التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضي إليها في أول أوقاتها، قَالَ الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجر الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجر الرجل: إذا خرج بالهاجرة. قَالَ: وهي نصف النهار. ثم قَالَ الأزهري: أنشدني المنذري فيما روى ثعلب، عن ابن الأعرابي في "نوادره"، قَالَ: قَالَ جعثنة بن جواس الربعي في ناقته:
[ ٤ / ٦٣٦ ]
هل تذكرين قسمي ونذري … أزمان أنت بعروض الجفر
إذ أنت مضرار جواد الحضر … علي إن لم تنهضي بوقري
بأربعين قدرت بقدر … بالخالدي لا بصاع حجر
وتصحبي أيانقًا في سفر … يهجرون بهجير الفجر
ثمت تمشي ليلهم فتسري … يطوون أغراض الفجاج الغبر
طي أخي التجر برود التجر
قَالَ الأزهري: يهجرون بهجير الفجر، أي: يبكرون بوقت السحر.
وأمَّا كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار، فهذا غاية عملهم في زمان مالك ﵀، وهذا ليس بحجة، ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإن هذا ليس فيه إلَّا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار، ولا ريب أنَّ انتظار الصلاة بعد الصلاة، وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى، أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية، كما قَالَ ﷺ: "والذي ينتظر الصلاة، ثم يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي، ثم يروح إلى أهله" وأخبر: "أنَّ الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه" وأخبر: أنَّ انتظار الصلاة بعد الصلاة، مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، وأنَّه
[ ٤ / ٦٣٧ ]
الرباط، وأخبر: أنَّ الله يباهي ملائكته بمن قضى فريضة وجلس ينتظر أخرى. وهذا يدل على أنَّ من صلى الصبح، ثم جلس ينتظر الجمعة، فهو أفضل ممن يذهب، ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك، لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥):
«ثم اختلفوا: هل أولها من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس؟
فقَالَت طائفةٌ: أولها من طلوع الفجر، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد.
واستدلوا بقوله: "إذا كان الجمعة، كان على أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الناس الأول فالأول" الحديث، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى. وظاهره: أنَّ ذلك يكون بعد طلوع الفجر.
وقَالَت طائفة: أولها من طلوع الشمس، وحكي عن الثوري، وأبي حنيفة، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ورجحه الخطابي وغيره، لأنَّ ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر. ورجح هذا القول عبد الملك بن حبيب المالكي.
وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم.
وأمَّا ذكر الرواح، فعنه جوابان:
[ ٤ / ٦٣٨ ]
أحدهما: أنَّه لما كان آخر الساعات بعد الزوال، وهو رواحٌ حقيقيٌ، سميت كلها رواحًا، كما يسمى الخارج للحج والجهاد حاجًا وغازيًا قبل تلبسه بالحج والغزو؛ لأنَّ أمره ينتهي إلى ذلك.
والثاني: أنَّ الرواح هنا أريد به القصد والذهاب، مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده.
قَالَ الأزهري وغيره: الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير، أي وقتٍ كان من ليلٍ أو نهارٍ، يقَالَ: راح في أول النهار وآخره، وغدا بمعناه.
وأمَّا التهجير، فيجاب عنه، بأنَّه استعمل في هذا المعنى بمعنى التبكير - أيضًا - لا بمعنى الخروج في الهاجرة.
وقيل: إنَّه ليس من الهاجرة، بل من الهجرة، والمراد بها: هجر الأعمال الدنيوية للسعي إلى الجمعة.
وقد دل على استحباب التبكير من أول النهار حديث أوس بن أوسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
"من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكرٍ وابتكر، ودنا واستمع كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها".
[ ٤ / ٦٣٩ ]
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صَحِيْحِهِ". وحسنه الترمذي. وله طرقٌ متعددةٌ، قد ذكرناها في "شرح الترمذي". وفي رواية للنسائي: "وغدا وابتكر".
وفي بعض رواياته: "ومشى ولم يركب".
وظاهر الحديث: يدل على تقسيم يوم الجمعة إلى اثني عشر ساعة، وأنَّ الخطبة والصلاة يقعان في السادسة منها. ومتى خرج الخطيب طوت الملائكة صحفها، ولم يكتب لأحدٍ فضل التبكير، وهذا يدل على أنَّه بعد الزوال لا يكتب لأحد شيءٌ من فضل التبكير إلى الجمعة بالكلية.
وظاهر الحديث: يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثني عشر ساعةً مع طول النهار وقصره، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة؛ فإن ذَلِكَ يختلف باختلاف طول النهار وقصره.
ويدل على هذا: حديث جابر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مُسْلِم يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعةٍ بعد العصر".
خرَّجه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقاتٌ.
وظاهره: يدل على أنَّ ساعة الإجابة جزء من هذه الأجزاء الاثني عشر المتساوية في جميع فصول السنة.
[ ٤ / ٦٤٠ ]
وزعم بعض الشافعية: أنَّه ليس المراد بالساعات في التبكير الأربع والعشرون، بل ترتيب الدرجات، وفضل السابق على الذي يليه، لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة.
ورد ذلك آخرون منهم، وقَالَوا: من جاء في أول ساعةٍ من هذه الساعات وآخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش مثلًا، ولكن بدنة الأول أو بقرته أكمل مما للذي جاء في آخرها، وبدنة المتوسط متوسطةٌ» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء من كون الساعات المذكورات في الحديث يبدأن من أول النهار.
وهل تبدأ الساعات من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس الأمر في ذلك محتمل، ويترجح الأول أنَّ طلوع الفجر هو أول ساعات اليوم مطلقًا.
ويترجح الآخر بأنَّ حديث أبي هريرة يدل على أنَّ فضل المبادرة تنتهي في الساعة الخامسة، وذلك أنَّ السادسة هي ساعة خروج الإمام -ويكون خروجه بعد استكمالها فيما يظهر- فإذا كان الإمام يخرج بعد استكمال الساعة السادسة فلا يكون ذلك مستقيمًا إلَّا إذا كانت الساعة الأولى من طلوع الشمس، وذلك أننا إذا حسبنا الساعة الأولى من طلوع الفجر فإنَّ الساعات من طلوع الفجر إلى نصف النهار الذي هو وقت الجمعة تزيد على سبع ساعات.
فإن قيل يمكن أن تجعل ستًا ويزاد في قدرها.
[ ٤ / ٦٤١ ]
فالجواب: أنَّ لازم ذلك أن تكون الست الساعات قبل الزوال أكبر من الست الساعات بعد الزوال، وهذا خلاف الظاهر مِنْ حَدِيْثِ جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً». فإنَّ الظاهر منه أنَّها ساعات متساوية.
ويترجح هذا القول أنَّ وقت الجمعة والظهر هو نصف النهار كما جاء فيما رواه مُسْلِم (٦١٤) عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ، حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ …».
قُلْتُ: ولا يكون وقت الظهر في منتصف النهار إلَّا إذا كان النهار يبتدئ من طلوع الشمس.
وهذا القول هو الذي يترجح عندي، ويزيده قوة أنَّ طلوع الفجر وقت لصلاة الفجر والعبد في ذلك الوقت منشغل بالتطهر والتجهز لصلاة سنة الفجر وفريضة الفجر فإذا انتهى من صلاة الفجر، فإنَّه يستعد للفريضة الأخرى وهي صلاة الجمعة فيأتي بأذكار الصباح ثم يغتسل ويتطيب ويدرك الساعة الأولى عند طلوع الشمس. والله تعالى أعلم.
٥ - وفيه استحباب التقرب إلى الله ﷿ بالبدنة، ثم بالبقرة، ثم بالكباش.
[ ٤ / ٦٤٢ ]
٦ - وفيه حجة للجمهور في تقديمهم البدنة على الكباش في الأضاحي خلافًا للإمام مالك ﵀.
٧ - وفيه بيان أنَّ ذكور الضأن أفضل من إناثها.
٨ - وفيه استحباب التقرب بالكبش الأقرن وأنَّه أفضل من الأجم الذي لا قرن له.
٩ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩):
«أنَّه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان، وقائمًا مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة، والقربان، كَمَا فِي "الصحيحين" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنه قَالَ: "من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن"» اهـ.
١٠ - وَقَوْلُهُ: «فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». مما يدل على عدم استحباب التبكير للخطيب.
١١ - وفيه أنَّ هذا الفضل المذكور في الحديث مشروط بمن اغتسل للجمعة دون من اكتفى بمجرد الوضوء.
[ ٤ / ٦٤٣ ]
١٢ - جاء لفظ الحديث في الْبُخَارِيّ (٨٨١)، ومُسْلِم (٨٥٠): «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ …». وقد أخذ من هذا عبد الرحمن بن الأسود، وهلال بن يساف، وأحمد بن حنبل استحباب جماع الرجل أهله في يوم الجمعة.
وقد خالفهم في ذلك أكثر العلماء وحملوا الحديث على غسل الجنابة من حيث الصفة أي أنَّه لا بد في غسل الجمعة من استيعاب البدن بالغسل كغسل الجنابة.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٠ - ٣٥١):
«وَقَوْلُهُ: "غسل الجنابة" في تأويله قولان:
أحدهما: أنَّ المراد به: تعميم بدنه بالغسل، كما يعمه بغسل الجنابة.
ويشهد لذلك: الحديث الآخر الذي فيه: "فيغسل رأسه وجسده".
فيكون المعنى: اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة، في المبالغة وتعميم البدن بالماء، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم.
والثاني: أنَّ المراد به: غسل الجنابة حقيقةً، وأنَّه يستحب لمن له زوجة أو أمة أن يطأها يوم الجمعة، ثم يغتسل، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وحكاه عن غير واحد من التابعين، منهم: هلال بن يَسَاف، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما.
وروي عن عبد الرحمن بن الأسود، قَالَ: كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة؛ لأنَّهم قد أمروا أن يغتسلوا، وأن يغسلوا. وقول طائفةٍ من الشافعية، وحملوا عليه - أيضًا - حديث أوس بن أوسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "من غسل يوم الجمعة واغتسل"- الحديث.
[ ٤ / ٦٤٤ ]
وقَالَوا: المراد: من اغتسل بنفسه وغسل من يطؤه من زوجة أو أمةٍ.
فعلى هذا: يستدل بالحديث على أنَّ من عليه غسل الجنابة، فاغتسل للجنابة يوم الجمعة، فإنَّه يجزئه عن غسل الجمعة، وسواء نوى به الجمعة، أو لم ينو.
أمَّا إن نواهما بالغسل، فإنَّه يحصل له رفع حدث الجنابة وسنة غسل الجمعة بغير خلافٍ بين العلماء، روي ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وتبعه جمهور العلماء.
وللشافعية وجهٌ ضعيفٌ: لا يجزئه عنهما، وقَالَه بعض الظاهرية. وحكي عن مالكٍ، وقيل: إنَّه لا يصح عنه، إنَّما قَالَه بعض المتأخرين من أصحابه، وقد ذكر ذلك للإمام أحمد عن مالكٍ فأنكره.
وأمَّا إن نوى بغسله الجنابة خاصةً، فإنَّه يرتفع حدثه من الجنابة. وهل يحصل له سنة الاغتسال للجمعة؟ على قولين: أشهرهما: لا يحصل له، وروي عن أبي قتادة الأنصاري صاحب النبي ﷺ، لقوله ﷺ: "الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى"، وهو المشهور عن مالكٍ، وروي نحوه عن الأوزاعي، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وأحمد، ونص عليه أحمد في رواية الشالنجي.
والثاني: يحصل له غسل الجمعة بذلك، وهو أحد قولي الشافعي، وقول أشهب المالكي، وهو نص الشافعي، وقول أبي حنيفة وإسحاق، مع كون أبي حنيفة يعتبر
[ ٤ / ٦٤٥ ]
النية لنقل الطهارة، وحكاه ابن عبد البر عن عبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والشافعي والليث بن سعد والطبري، وهو أحد الوجهين لأصحابنا.
وأمَّا إن نوى الجنب غسل الجمعة، ولم ينو غسل الجنابة، فهل يرتفع حدث الجنابة بذلك؟ فيه قولان للشافعي، وروايتان عن أحمد.
ومن أصحابنا من رجح: أنَّه لا يرتفع، لأنَّ غسل الجنابة ليس سببه الحدث؛ ولهذا يشرع للطاهر.
وعلى هذا: فهل يحصل له به سنة غسل الجمعة مع بقاء غسل الجنابة عليه؟ فيه وجهان لأصحابنا والشافعية، أصحهما: أنَّه يحصل له ذلك.
وأختلف أصحاب مالكٍ: هل يرتفع حدثه بنية غسل الجمعة؟ فقَالَ: ابن القاسم: لا يجزئه، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالكٍ. وقَالَ أشهب وابن وهب والأكثرون منهم: يجزئه: وهو قول المزني» اهـ.
قُلْتُ: حديث أوس بن أوس الثقفي رواه أحمد (١٦٢١٨، ١٦٢٢٣، ١٧٠٠٢، ١٧٠٠٣)، وأبو داود (٣٤٥)، والنسائي (١٣٨١، ١٣٨٤، ١٣٩٨)، والترمذي (٤٩٦)، وابن ماجه (١٠٨٧) مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنِي أَوْسُ بْنُ
أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا».
[ ٤ / ٦٤٦ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وأبو الأشعث هو شراحيل بن آده وثقه ابن حبان والعجلي وروى له مُسْلِم في صَحِيْحِهِ فمثله يصحح حديثه. ثم هو متابع تابعه سعيد بن أبي هلال كما سيأتي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: والمراد بقوله: «غَسَّلَ»، و«وَاغْتَسَلَ». أي غسل رأسه وسائر بدنه كما جاء ذلك صريحًا في بعض طرق الحديث.
فروى أبو داود (٣٤٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ». ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى الْبُخَارِيّ (٨٩٧)، ومُسْلِم (٨٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ».
١٣ - واحتج به من قَالَ بمشروعية أداء الجمعة قبل الزوال باعتبار أنَّ خروج الإمام أول الساعة السادسة وهو قبل الزوال وهو مذهب أحمد وإسحاق.
قُلْتُ: ولا حجة فيه إذ ليس في الحديث أنَّ الإمام يخرج في أوائل الساعة السادسة. وسوف يأتي لهذه المسألة مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الحديث الآتي بعد هذا.
[ ٤ / ٦٤٧ ]
وقد ذهب ابن قُدَامَةَ إلى أنَّ الجمعة تصح في الساعة السادسة لا قبل ذلك. فقَالَ ﵀ فِي [المغني] (٤/ ٢٠٧): «مسألة: قَالَ: "وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة، أجزأتهم" وفي بعض النسخ، في الساعة الخامسة. والصحيح في الساعة السادسة».
إلى أن قَالَ ﵀ (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩):
«ولنا، على جوازها في السادسة السنة والإجماع؛ أمَّا السنة فما روى جابر بن عبد الله، قَالَ: " كان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي - يعني الجمعة - ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس". أخرجه مُسْلِم.
وعن سهل بن سعد، قَالَ: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلَّا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ. متفق عليه.
قَالَ ابن قتيبة: لا يسمى غداء، ولا قائلة بعد الزوال. وعن سلمة، قَالَ: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء". رواه أبو داود.
وأمَّا الإجماع، فروى الإمام أحمد عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان، قَالَ: شهدت الخطبة مع أبي بكر، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أَقُولُ قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أَقُولُ قد زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره.
[ ٤ / ٦٤٨ ]
قَالَ: وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية، أنَّهم صلوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنَّه الأفضل والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، ولا تنافي بينهما.
وأمَّا في أول النهار، فالصحيح أنَّها لا تجوز، لما ذكره أكثر أهل العلم، ولأنَّ التوقيت لا يثبت إلَّا بدليل، من نص، أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا عن خلفائه، أنَّهم صلوها في أول النهار، ولأنَّ مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنَّما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة، فلم يجز تقديمها عليها، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ولأنَّها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين، فإنَّ العادة اجتماعهم لها عند الزوال، وإنَّما يأتيها ضحى آحاد من الناس، وعدد يسير، كما روي عن ابن مسعود أنه أتى الجمعة، فوجد أربعة قد سبقوه، فقَالَ: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد.
إذا ثبت هذا، فالأولى أن لا تصلى إلَّا بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٥/ ٣٣):
«فيكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة ﵁ في الساعة السادسة، ولهذا رجح الموفق ﵀ في المغني - وهو من أكابر أصحاب الإمام أحمد - أنَّها لا تصح قبل السادسة، ولا في أول النهار كما ذهب إليه كثير من
[ ٤ / ٦٤٩ ]
الأصحاب، ومنهم الخرقي، وهذا القول هو الراجح أنَّها لا تصح في أول النهار، إنَّما تصح في السادسة، والأفضل على القول بأنَّها تصح في السادسة، أن تكون بعد الزوال وفاقًا لأكثر العلماء» اهـ.
قُلْتُ: أثر عبد الله بن سيدان رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢١٠)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٤) مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ قَالَ: «شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ عُمَرَ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ».
قُلْتُ: هذا الأثر لا يصح فيه عبد الله بن سيدان قَالَ فيه الإمام الْبُخَارِيّ ﵀ فِي [التاريخ الْكَبِيْر] (٥/ ١١٠):
«لا يتابع في حديثه» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن عدي ﵀ فِي [الْكَامِلِ] (٥/ ٣٦٩):
«عبد الله بن سيدان المطرودي.
سمعت ابن حماد يقول: قَالَ الْبُخَارِيّ عبد الله بن سيدان المطرودي لا يتابع في حديثه وهذا الذي أشار إليه الْبُخَارِيّ هو حديث واحد، وهو شبه المجهول» اهـ.
وقَالَ الحافظ العقيلي ﵀ فِي [الْضُعَفَاءِ] (٢/ ٢٦٥):
«عبد الله بن سيدان المطرودي.
[ ٤ / ٦٥٠ ]
حدثني آدم بن موسى، قَالَ: سمعت الْبُخَارِيّ، قَالَ: عبد الله بن سيدان المطرودي قَالَ الْبُخَارِيّ.
لا يتابع على حديثه.
وهذا الحديث حدثناه محمد بن إسماعيل، قَالَ: حدثنا محمد بن كناسة، قَالَ: حدثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله بن سيدان السلمي قَالَ: "صليت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ثم صليتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن يقول انتصف النهار ثم صليت مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن يقول زال النهار فلم أسمع أحدًا عاب ذلك عليه"» اهـ.
وقَالَ العلامة بن الجوزي ﵀ فِي [الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوْكِيْنَ] (٢/ ١٢٦):
«عبد الله بن سيدان السلمي من أهل الربذة يروي عن أبي بكر الصديق وأبي ذر وحذيفة قَالَ الْبُخَارِيّ لا يتابع حديثه وقَالَ هبة الله الطبراني مجهول لا تقوم بروايته حجة» اهـ.
وأمَّا قول ابن حبان ﵀ فِي [الْثِقَاتِ] (٣/ ٢٤٧):
«عبد الله بن سيدان السلمي نزل الربذة يقَالَ إنَّ له صحبة» اهـ. فلم يأت بحجة على صحبته.
١٤ - ويدل الحديث على جواز الطهارة من الحدث قبل دخول وقت الصلاة.
[ ٤ / ٦٥١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (١/ ٤٦٦ - ٤٦٧):
«أجمع العلماء على جواز الوضوء قبل دخول وقت الصلاة نقل الإجماع فيه ابن المنذر في كتابه "الإجماع" وآخرون وهذا في غير المستحاضة ومن في معناها فإنَّه لا يصح وضوؤها إلَّا بعد دخول الوقت وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
فائدة: جاء في بعض ألفاظ الحديث ذكر العصفور بين الدجاجة والبيضة فيما رواه النسائي (١٣٨٧) أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «تَقْعُدُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَالنَّاسُ فِيهِ كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَقَرَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ دَجَاجَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصْفُورًا، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيْضَةً».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ رجاله كلهم ثقات غير محمد بن عجلان قَالَ فيه الحافظ ابن حجر ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «صدوق إلاَّ أنَّه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة» اهـ. وقد شذ بذكر العصفور والمحفوظ ما رواه الإمام مالك بن أنس عن سمي وهو حديث الباب.
وجاء ذكر العصفور أيضًا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله وهو ما رواه أحمد (١١٧٨٦) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٦٥٢ ]
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ النَّاسَ مَنْ جَاءَ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَرَجُلٌ قَدَّمَ جَزُورًا، وَرَجُلٌ قَدَّمَ بَقَرَةً، وَرَجُلٌ قَدَّمَ شَاةً، وَرَجُلٌ قَدَّمَ دَجَاجَةً، وَرَجُلٌ قَدَّمَ عُصْفُورًا، وَرَجُلٌ قَدَّمَ بَيْضَةً»، قَالَ: «فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَجَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ لكن لا تطمئن النفس لذكر العصفور في هذا الحديث والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان حسن الحديث لكن ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها.
قُلْتُ: وجاء ذكر البطة بين الشاة والدجاجة فيما رواه أحمد (٧٥١١)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٣٨٥)، و[الْكُبْرَى] (١٦٩٣)، والدارمي (١٥٤٤) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ الْأَغَرِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَتِ الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ».
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي شَاةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَطَّةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً».
[ ٤ / ٦٥٣ ]
قُلْتُ: هذا حديث إسناده ثقات، وشذ معمر بذكر البطة وقد رواه الْبُخَارِيّ (٩٢٩) حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
ورواه مُسْلِم (٨٥٠) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَغَرُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فذكره كرواية الْبُخَارِيّ.
ورواه النسائي (٨٦٤) مِنْ طَرِيقِ شعيب عن الزهري به.
وأحمد (٧٢٥٨) مِنْ طَرِيقِ سفيان بن عيينة عن الزهري به.
قُلْتُ: حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ويونس بن يزيد الأيلي، وشعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة هو المحفوظ.
وقد رواه عبد الرزاق عن معمر ولم يذكر في حديثه البطة كَمَا فِي الْمُسْنَدِ لأحمد (٧٧٥٣).
[ ٤ / ٦٥٤ ]
١٥ - وفي الحديث أنَّ الملائكة تترك كتابة الداخلين عند خروج الإمام أي من منزله إلى المسجد، وكان منزل النبي ﷺ متصلًا بالمسجد وبابه في المسجد، وكان إذا خرج من منزله دخل في المسجد.
وجاء في بعض ألفاظ الحديث أنَّ الملائكة تطوي الصحف عند جلوس الخطيب.
فروى البخاري (٣٢١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ المَلَائِكَةُ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
وروى مسلم (٨٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ».
وفي حديث أبي سعيد الماضي في الفقرة السابقة: «فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَجَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
رواه أحمد (١١٧٨٦).
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٤٦):
[ ٤ / ٦٥٥ ]
«وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ يَحْضُرُونَ وَلَا يَطْوُونَ الصُّحُفَ فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ طَوَوْهَا» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٦٧):
«وَكَأَنَّ ابْتِدَاءَ طَيِّ الصُّحُفِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ خُرُوج الإِمَام وانتهاءه بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ أَوَّلُ سَمَاعِهِمْ لِلذِّكْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا فِي الْخُطْبَةِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَغَيْرِهَا» اهـ.
* * *
[ ٤ / ٦٥٦ ]
١٣٦ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ. وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ».
وَفِي لَفْظٍ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - المبادرة بالتبكير بصلاة الجمعة.
٢ - احتج بالحديث الإمام أحمد وإسحاق على مشروعية إقامة صلاة الجمعة قبل الزوال.
ولا حجة فيه فإنَّه لم ينف الظل مطلقًا وإنَّما نفى ظلًا يستظل به فإذا ما أقيمت الصلاة بعد الزوال فإنَّهم ينتهون من صلاتهم وليس للحيطان ظل يستظل به لا سيما وأنَّ حيطانهم لم تكن مرتفعة فلا يحصل فيها الظل الذي يستظل به إلَّا بعد مرور زمن طويل.
وقد أورد المصنف حديث سلمة بن الأكوع (٨٦٠) بلفظ:
«كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ». وهو عند مُسْلِم (٨٦٠) لكن عنده: «نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ». بحذف الفاء.
[ ٤ / ٦٥٧ ]
وهذا اللفظ صريح الدلالة في أنَّ صلاة النبي ﷺ للجمعة كانت بعد الزوال ويدل على صحة التأويل الذي ذكرناه للفظ الأول. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ في [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥١٢):
«والجواب عن حديث سلمة أنَّه حجة لنا في كونها بعد الزوال لأنَّه ليس معناه أنَّه ليس للحيطان شيء من الفيء وإنَّما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار وهذا معنى قوله: "وليس للحيطان ظل يستظل" به فلم ينف أصل الظل وإنَّما نفى كثيره الذي يستظل به وأوضح منه الرواية الأخرى "نتتبع الفيء" فهذا فيه صريح بوجود الفيء لكنه قليل ومعلوم أنَّ حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس ولا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلَّا بعد الزوال بزمان طويل» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه مُسْلِم (٨٥٨) مِنْ طَرِيقِ حَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ حَسَنٌ: فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَالَ: «زَوَالَ الشَّمْسِ».
قُلْتُ: ولا حجة في ذلك فإنَّ قوله: «زَوَالَ الشَّمْسِ». من كلام جعفر وهو من قبيل المرسل.
وقد رواه الحافظ أحمد المروزي في [الْجُمْعَةِ وَفَضْلِهَا] (٥٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٦٥٨ ]
وَسَلَّمَ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ ذَاكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ، قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ: مَنِ الْقَائِلُ: زَوَالُ الشَّمْسِ؟ قَالَ: هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ لَا نَدْرِي مِمَّنْ هُوَ.
قُلْتُ: رواية مُسْلِم صريحة في أنَّها من كلام جعفر.
وهكذا جاء ذلك في رواية الثقات عن يحيى بن آدم عند أحمد في [مُسْنَدِهِ] (١٤٥٧٩)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (١٣٩٠)، وفي [الْكُبْرَى] (١٦٩٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (١٥١٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٩) وأبي يعلى في [مُسْنَدِهِ] (١٩٢٤) عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، أَخُو أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ حَسَنٌ: قُلْتُ لِجَعْفَرٍ: وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: «زَوَالَ الشَّمْسِ».
قُلْتُ: إذا تبيَّن هذا فقول يحيى بن آدم في رواية إسحاق بن أبي إسرائيل عنه: «هكذا في الحديث لا ندري ممن هو». محمول أنَّه نسي ما حدث به، أو أنَّ إسحاق بن أبي إسرائيل وهم فيما حدث به عن شيخه لمخالفته للحفاظ الكبار في روايتهم عن يحيى بن آدم كالإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والحسن بن علي الحلواني، وهارون بن عبد الله بن مروان الحمال وغيرهم.
[ ٤ / ٦٥٩ ]
وقد تابع حسن بن عيَّاش في ذلك محمد بن ميمون أبو النضر وهو صدوق مع لين فيه وحديثه عند أحمد (١٤٥٨٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو النَّضْرِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا، مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ فَقَالَ: «كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا»، قَالَ جَعْفَرٌ: «وَإِرَاحَةُ النَّوَاضِحِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ».
وروى مُسْلِم (٨٥٨) وحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ح وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: «كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا». زَادَ عَبْدُ اللهِ فِي حَدِيثِهِ: «حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْنِي النَّوَاضِحَ».
قُلْتُ: قد بيَّن حسن بن عيَّاش، ومحمد بن ميمون أبو النضر الزعفراني أنَّ هذه الجملة من كلام جعفر فلا حجة فيها.
واحتجوا أيضًا بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٤١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ».
وروى الْبُخَارِيّ (٩٣٩)، ومُسْلِم (٨٥٩) عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ».
وفي رواية لمُسْلِم: «فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
[ ٤ / ٦٦٠ ]
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥٤٨):
«وقد تعلق بذلك من يقول: إنَّ الجمعة كانت تقام قبل زوال الشمس؛ لأنَّها لا تسمى قائلة إلَّا قبل الزوال، وكذا الغداء. وقد مضى في الباب الذي قبله، عن سهل بن سعد، قَالَ: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلَّا بعد الجمعة. وربما أشار الإمام أحمد إلى ذلك.
وأمَّا الجمهور، فقَالَوا: سمي نومهم وأكلهم بعد الزوال في الجمعة "قائلة" و"غداء" باعتبار أنَّه قضاء لما يعتادونه في غير الجمعة من النوم والأكل قبل الزوال، فلما أخروه يوم الجمعة إلى بعد ذلك سمي ذلك باعتبار محله الأصلي الذي أخر عنه.
ويشبهه: تسمية السحور غداء؛ لأنَّه يقوم مقام الغداء، وإن تقدم عليه في وقته» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٢٨):
«وتعقب بأنَّه لا دلالة فيه على أنَّهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال بل فيه أنَّهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة ثم ينصرفون فيتداركون ذلك، بل ادعى الزين بن المنير أنَّه يؤخذ منه أنَّ الجمعة تكون بعد الزوال لأنَّ العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال فأخبر الصحابي أنَّهم كانوا
[ ٤ / ٦٦١ ]
يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه الْبُخَارِيُّ (٩٠٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤١٤):
«هذا ما يستدل به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال، لأنَّ التبكير والقائلة لا يكون إلَّا قبل الزوال. وقد تقدم إنَّهم كانوا في عهد عمر يصلون معه الجمعة، ثم يرجعون فيقيلون قائلة الضحى، وهذا يدل على أنَّ وقت الضحى كان باقيًا.
وكل ما استدل به من قَالَ: تمنع إقامة الجمعة قبل الزوال ليس نصًا صريحًا في قوله، وإنَّما يدل على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال أو على استحبابه، أمَّا منع إقامتها قبله فلا، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة، ويجمع بينها كلها، ولا يرد منها شيئًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد وجَّه الحديث الحافظ ابن حجر ﵀ بتوجيه سديد فقَالَ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٨٨):
«وأمَّا رواية حميد التي بعد هذا عَنْ أَنَسٍ: "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة" فظاهره أنَّهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض وقد تقرر فيما تقدم أنَّ التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا والمعنى أنَّهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة
[ ٤ / ٦٦٢ ]
بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر فإنَّهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد» اهـ.
قُلْتُ: قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٤/ ٧٦):
«وكل من بادر إلى شيء فقد أَبكر عليه وبَكَّرَ أَيَّ وَقْتٍ كانَ يقَالَ بَكِّرُوا بصلاة المغرب أَي صَلُّوها عند سقوط القُرْص» اهـ.
قُلْتُ: ومنه ما رواه الْبُخَارِيّ (٥٥٣) عَنْ أَبِي المَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ».
واحتجوا أيضًا بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ».
قُلْتُ: وغاية ما فيه إقامة الخطبة قبل الزوال، وقد ذهب إلى ذلك الإمام مالك ﵀ في رواية، وهو مؤيد بظاهر هذا الحديث.
قَالَ الأمير الصنعاني ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَلَامِ] (٢/ ٤٥): «وأجاز مالك الخطبة قبل الزوال دون الصلاة» اهـ.
قُلْتُ: وهو رواية عن أحمد.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤١٧ - ٤١٨):
[ ٤ / ٦٦٣ ]
«وقد روى حنبل، عن أحمد، قَالَ: صلاة الجمعة تعجل، يؤذن المؤذن قبل أن تزول الشمس، وإلى أن يخطب الإمام، وتقام الصلاة، قد قام قائم الظهيرة، ووجبت الصلاة» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه أحمد في [مُسْنَدِهِ] (١٤١١)، والدارمي في [سَنَنِهِ] (١٥٤٥)، وأبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٦٨٠)، وابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٨٤٠)، والشاشي في [مُسْنَدِهِ] (٥٢)، والْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٠٧٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٤٦٧) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُبَادِرُ الظِّلَّ فِي أُطُمِ بَنِي غَنْمٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا مَوَاضِعُ أَقْدَامِنَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ مُنْقَطِعٌ فمُسْلِمُ بن جندب يبعد سماعه من الزبير بن العوام وذلك أنَّ الزبير مات سنة ٣٦ هـ ومات مُسْلِم بن جندب سنة ١٠٦ هـ فبين موت الزبير وموت مُسْلِم بن جندب سبعين سنة فلا يمكن لمُسْلِم أن يسمع من الزبير بن العوام إلَّا إذا عمر أكثر من سبعين سنة وقد قَالَ النبي ﷺ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ».
رواه الترمذي (٢٣٣١، ٣٥٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ومما يدل على أنّ مُسْلِمًا لم يسمع من الزبير أنَّ الأمام أحمد روى الحديث (١٤٣٦) فقَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ، الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ يَقُولُ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
[ ٤ / ٦٦٤ ]
الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نُبَادِرُ فَمَا نَجِدُ مِنَ الظِّلِّ إِلا مَوْضِعَ أَقْدَامِنَا - أَوْ قَالَ: فَما نَجِدُ مِنَ الظِّلِّ مَوْضِعَ أَقْدَامِنَا».
وهذه الرواية صريحة في عدم سماع مُسْلِمٍ من الزبير.
واحتجوا أيضًا بحديث أبي هريرة وهو الحديث السابق قبل هذا وقد مضى الكلام فيه.
واحتجوا أيضًا بأثر عبد الله بن سيدان وقد مضى الكلام فيه في شرح حديث أبي هريرة الذي قبل هذا.
واحتجوا أيضًا بما رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (١٤) عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عنِ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ «صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ»، قَالَ مَالِكٌ: «وَذَلِكَ لِلتَّهْجِيرِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٤١٦):
«وبين المدينة ومللٍ اثنان وعشرون ميلًا، وقيل: ثمانية عشر ميلًا، ويبعد أن يلحق هذا السائر بعد زوال الشمس» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ لَا يَصِحُ فيه ابن أبي سليط اسمه عبد الله وهو مجهول.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ٣٩):
[ ٤ / ٦٦٥ ]
«وليس في هذا ما يدل على أنَّ عثمان صلى الجمعة قبل الزوال كما زعم من ظن ذلك واحتج بحديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن بن أبي سليط قَالَ: "كنا نصلي مع عثمان بن عفان الجمعة فننصرف وما للجدر ظل"
وهذا الخبر الثاني عن عثمان ليس عند القعنبي ولا عند يحيى بن يحيى صاحبنا وهما من آخر من عرض على مالك "الْمُوَطَأ" وهذا وإن احتمل ما قَالَ فيحتمل أن يكون عثمان صلى الجمعة في أول الزوال ومعلوم أنَّ الحجاز ليس للقائم فيها كبير ظل عند الزوال وقد ذكر أهل العلم بالتعديل أنَّ الشمس بمكة تزول في حزيران على دون عشر أقدام وهذا أقل ما تزول الشمس عليه في سائر السنة بمكة والمدينة فإذا كان هذا أو فوقه قليلًا فأي ظل يكون للجدر حينئذ بالمدينة أو مكة فإذا احتمل الوجهين لم يجز أن يضاف إلى عثمان أنَّه صلى الجمعة قبل الزوال إلَّا بيقين ولا يقين مع احتمال التأويل والمعروف عن عثمان في مثل هذا أنَّه كان متبعًا لعمر لا يخالفه وقد ذكرنا عن علي أنَّه كان يصليها بعد الزوال وهو الذي يصح عن سائر الخلفاء وعليه جماعة العلماء والحمد لله» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٦)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٦٠٧)، والطحاوي في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٢٠٦)، وابن عبد البر في [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ٥٥)، والشافعي في [الْأُمِ] (٧/ ١٩٥) مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا عَبْدُ اللَّهِ الْجُمُعَةَ ضُحًى، وَقَالَ: «خَشِيتُ عَلَيْكُمُ الْحَرَّ».
[ ٤ / ٦٦٦ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُ هَذَا الْأَثَرِ حَسَنٌ. وعبد الله هو ابن مسعود ﵁.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٨٧): «وعبد الله صدوق إلَّا أنَّه ممن تغير لما كبر قَالَه شعبة وغيره» اهـ.
قُلْتُ: وقد تعقب الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ الحافظ ابن حجر فقَالَ في [الْأَجْوِبِةِ الْنَّافِعَةِ] ص (٢٤):
«قُلْتُ: ومثله إنَّما يخشى منه الخطأ في رفع الحديث أو في روايته عن غيره مما يشاهد وهو هنا يروي حادثة شاهدها بنفسه وهي في الواقع غريبة لمخالفتها للمعهود من الصلاة بعد الزوال فاجتماع هذه الأمور مما يرجح حفظه لما شاهد فالأرجح أن هذا الأثر صحيح ولعله من أجل ما ذكرنا احتج به الإمام أحمد فقَالَ ابنه عبد الله في مسائله عنه (ص ١١٢): "سئل عن وقت صلاة الجمعة؟ قَالَ: إن صلى قبل الزوال فلا بأس حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة: أنَّ عبد الله صلى بهم الجمعة ضحى وحديث سهل بن سعد: كنا نصلي ونتغدى بعد الجمعة كأنَّه يدل على أنَّه قبل الزوال"» اهـ.
قُلْتُ: رواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٦٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَمَةَ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ وَنُنْكِرُ قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللهِ يَنْصَرِفُ مِنَ الْجُمُعَةِ ضُحًى وَيَقُولُ: إِنَّمَا عَجَّلْتُ بِكُمْ خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ».
[ ٤ / ٦٦٧ ]
وهذا يدل على أنَّ شعبة لم تطمئن نفسه لروايته هذه.
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٧٧، ٥٥٤٣، ٣١١٩٧)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٩٦٢)، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْجُمُعَةَ ضُحًى».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [الْتَارِيْخِ الْكَبِيْر] (٣/ ٤٧٧):
«سعيد بن سويد، قَالَ إسماعيل بن خليل أخبرنا على بن مسهر سمع الأعمش عن عمر بن مرة عن سعيد رجل منهم: "صلى بنا معاوية الجمعة بضحى"، ولا يتابع عليه» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٨٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ بِلَالٍ الْعَبْسِيِّ: «أَنَّ عَمَّارًا، صَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَالنَّاسُ فَرِيقَانِ، بَعْضُهُمْ يَقُولُ: زَالَتِ الشَّمْسُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَمْ تَزُلْ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ المحاربي مدلس وقد عنعن، وبلال العبسي مجهول، وليس هو بلال بن يحيى العبسي فهذا لم يرو عن عمار.
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٨٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ، فَأَحْيَانًا نَجِدُ فَيْئًا، وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُهُ».
[ ٤ / ٦٦٨ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. ولعل المقصود بالفيء الذي يستظل به كما في حديث الباب.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٢١٦) عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ فَيَكُونُ الْفَيْءُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا لَا يَكُونُ لَا نَرَاهُ يَقُولُ: نَرَاهُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا لَا نَرَاهُ».
قُلْتُ: والذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما دلت عليه أدلة السنة الصريحة من إقامة النبي ﷺ للجمعة بعد الزوال ولم يأت من قَالَ بإقامة الجمعة قبل ذلك بحجة قوية كما سبق بيان ذلك، نعم من أجاز إقامة الخطبة قبل الزوال والصلاة بعد الزوال فله متمسك قوي من السنة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - وقد يحتج بالحديث على تخفيف الخطبة إذ لو أطاله كما يفعله كثير من الخطباء لوجد الظل الذي يستظل به. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يبرد بصلاة الجمعة لما في ذلك من المشقة على الناس الذين هم في انتظار الصلاة.
قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٢/ ٢٠٧): «والوجه الثاني، وهو الأصح أنَّه لا يبرد بها وبه قَالَ سفيان الثوري ومالك وأحمد.
والجواب عن قوله: فأبردوا بالصلاة أنَّ المراد بها الظهر كما تقدم وعن وجود العلة المقتضية للإبراد، وهي شدة الحر أنَّه ليس النظر لمجرد شدة الحر بل لوجود المشقة
[ ٤ / ٦٦٩ ]
في شدة الحر، والمشقة في الجمعة ليست في التعجيل بل في التأخير، فإنَّ الناس ندبوا للتبكير لها، وإذا حضروا كانت راحتهم في إيقاع الصلاة لينصرف كل واحد منهم إلى منزله فيستريح من شدة الحر لا في التأخير، فإنَّهم يتضررون بطول الاجتماع في شدة الحر فانعكس الحكم» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق أن تكلمنا على هذه المسألة في شرحنا لحديث أبي هريرة وابن عمر في الإبراد ونقلنا كلام جمع من العلماء في ذلك منهم:
العلامة ابن قُدَامَةَ ﵀ فقد قَالَ في [الْمُغْنِي] (٢/ ١٧٩):
«فأمَّا الجمعة فيسن تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد؛ لأنَّ سلمة بن الأكوع، قَالَ: "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس". متفق عليه، ولم يبلغنا أنَّه أخرها، بل كان يعجلها، حتى قَالَ سهل بن سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلَّا بعد الجمعة. أخرجه الْبُخَارِيّ؛ ولأنَّ السنة التبكير بالسعي إليها، ويجتمع الناس لها، فلو أخرها لتأذى الناس بتأخير الجمعة» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (١٩٤):
«الثالث: اختلف أصحاب الشافعي في الإبراد بالجمعة على وجهين وقد يؤخذ من الحديث الإبراد بها من وجهين:
أحدهما: لفظة الصلاة فإنَّها تطلق على الظهر والجمعة.
[ ٤ / ٦٧٠ ]
والثاني: التعليل فإنَّه مستمر فيها وقد وجه القول بأنَّه لا يبرد بها لأنَّ التبكير سنة فيها وجواب هذا ما تقدم وبأنَّه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٢٠١):
«وأمَّا الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصليها في أول الوقت شتاء وصيفًا ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال وذاك لأن الناس يجتمعون لها إذ السنة التبكير إليها ففي تأخيرها إضرار بهم» اهـ.
* * *
[ ٤ / ٦٧١ ]
١٣٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ "آلَم تَنْزِيلُ" السَّجْدَةِ، وفي الثانية، - "هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ"».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الحديث يدل على استحباب قرآءة هاتين السورتين في فجر الجمعة.
وفيه رد على المالكية الذين لم يستحبوا ذلك.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٨٣ - ٣٨٤):
«وممن استحب قراءة سورة "آلم سورة السجدة" و"هلْ أَتَى" في صلاة الفجر يوم الجمعة: الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وسليمان بن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث. وهذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عليٌ وابن عباسٍ وأبو هريرة.
ثم اختلفوا: هل يستحب المداومة على ذلك في كل جمعةٍ؟
فقَالَ بعضهم: لا يستحب ذلك، بل يستحب فعله أحيانًا، وهو قول الثوري وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق.
[ ٤ / ٦٧٢ ]
وعللا بأنَّه يخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه، وأنَّ صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة، أو أنَّها ثلاث ركعات، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض من هو مفرطٌ في الجهل.
وقَالَ الأكثرون: بل يستحب المداومة عليه، وهو قول الشافعي، وسائر من سمينا قوله. وهو ظاهر ما نقله إسماعيل بن سعيدٍ الشالنجي عن أحمد؛ فإنَّه قَالَ: سألته عن القراءة في الفجر يوم الجمعة؟ فقَالَ: نراه حسنًا، أن تقرأ "آلم تنزيل السجدة"، و"هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ".
ورجحه بعض أصحابنا، وهو الأظهر. وكان السلف يداومون:
قَالَ الأعرج: كان مروان وأبو هريرة يقرءان في صلاة الصبح بـ "آلم تنزيل" سورة السجدة و"هلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ".
وقَالَ الشعبي: ما شهدت ابن عباسٍ قرأ يوم الجمعة إلاَّ "تنزيل" و"هلْ أَتَى". خرَّجه ابن أبي شيبة.
واعتقاد فرضية ذلك بعيدٌ جدًا، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة، واتباع عمل الصحابة» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٧٨):
[ ٤ / ٦٧٣ ]
«وقد اختلف تعليل المالكية بكراهة قراءة السجدة في الصلاة فقيل لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قَالَ القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث وقيل لخشية التخليط على المصلين».
إلى أن قَالَ ﵀ (٢/ ٣٧٩):
«ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنَّها فرض قَالَ ابن دقيق العيد: أمَّا القول بالكراهة مطلقًا فيأباه الحديث لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تترك أحيانًا لتندفع فإنَّ المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات اهـ. وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: ينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة ويقطع أحيانًا لئلا تظنه العامة سنة اهـ. وهذا على قاعدتهم في التفرقة بين السنة والمستحب. وقَالَ صاحب المحيط من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا لئلا يظن الجاهل أنَّه لا يجزئ غيره، وأمَّا صاحب الهداية منهم فذكر أنَّ علة الكراهة هجران الباقي وإيهام التفضيل وقول الطحاوي يناسب قول صاحب المحيط فإنَّه خص الكراهة بمن يراه حتمًا لا يجزئ غيره أو يرى القراءة بغيره مكروهة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي صحة ما ذكره الحافظ ابن رجب من استحباب المداومة على ذلك، وما ذكر من المفاسد في المداومة فإنَّها نادرة الوجود لا تصدر إلَّا من أجهل الناس فلا تترك من أجل ذلك السنة الصحيحة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٦٧٤ ]
٢ - يدل الحديث على كثرة قراءة النبي ﷺ لهاتين السورتين.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٨٣):
«وَقَوْلُهُ: "كان يقرأ" يدل على تكرر ذلك منه، ومداومته عليه. وقد روي، أنَّه كان يديم ذلك: خرَّجه الطبراني مِنْ طَرِيقِ عمروٍ بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "آلم تنزيل السجدة" و"هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ". يديم ذلك.
ورواته كلهم ثقاتٌ، إلَّا أنَّه روي عن أبي الأحوص مرسلًا. وإرساله أصح عند الْبُخَارِيّ وأبي حاتم والدارقطني.
وقد خرَّجه ابن ماجه من وجه أخر عن أبي الأحوص، عن عبد الله، موصولًا - أيضًا -، بدون ذكر المداومة» اهـ.
٣ - ذكر العلامة ابن القيم ﵀ الحكمة من قراءة النبي ﷺ لهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة فقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٢١٠):
«وإنَّما كان ﷺ يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار، وذلك مما كان ويكون في يوم الجمعة، فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيرًا للأمة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة "ق" و"واقتربت" و"سبح" و"الغاشية"» اهـ.
[ ٤ / ٦٧٥ ]
٤ - ظاهر الحديث أنَّه كان يقرأ في كل ركعة سورة كاملة فتجزئة السورة الواحدة في الركعتين خلاف السنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٢٠٩):
«وكان يصليها يوم الجمعة بـ "ألم تنزيلا السجدة" وسورة "هل أتى على الإنسان" كاملتين، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين، وقراءة السجدة وحدها في الركعتين، وهو خلاف السنة» اهـ.
٥ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٢٠٩ - ٢١٠):
«وأمَّا ما يظنه كثير من الجهال أنَّ صبح يوم الجمعة فضل بسجدة، فجهل عظيم، ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة السجدة لأجل هذا الظن» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٧٩):
«قيل الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السجدة قصد السجود الزائد حتى أنَّه يستحب لمن لم يقرأ هذه السورة بعينها أن يقرأ سورة غيرها فيها سجدة وقد عاب ذلك على فاعله غير واحد من العلماء ونسبهم صاحب "الهدي" إلى قلة العلم ونقص المعرفة لكن عند ابن أبي شيبة بإسناد قوي عن إبراهيم النخعي أنَّه قَالَ: "يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة" وعنده مِنْ طَرِيقِه أيضًا أنَّه فعل ذلك فقرأ سورة مريم ومِنْ طَرِيقِ ابن عون قَالَ: "كانوا يقرؤون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة" وعنده مِنْ طَرِيقِه أيضًا قَالَ وسألت محمدًا يعني بن سيرين عنه فقَالَ: "لا أعلم به بأسًا" اهـ.
[ ٤ / ٦٧٦ ]
فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة فلا ينبغي القطع بتزييفه وقد ذكر النووي في "زيادات الروضة" هذه المسألة وقَالَ: لم أر فيها كلامًا لأصحابنا ثم قَالَ وقياس مذهبنا أنَّه يكره في الصلاة إذا قصده اهـ. وقد أفتى بن عبد السلام قبله بالمنع وببطلان الصلاة بقصد ذلك قَالَ صاحب "المهمات" مقتضى كلام القاضي حسين الجواز. وقَالَ الفارقي في "فوائد المهذب": "لا تستحب قراءة سجدة غير تنزيل فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها ولو بآية السجدة منها" ووافقه بن أبي عصرون في كتاب "الانتصار" وفيه نظر» اهـ.
قُلْتُ: وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥٤٨٧) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْغَدَاةَ، إِلَّا قَرَأَ بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ».
قُلْتُ: شريك هو ابن عبد الله بن أبي نمر وهو حسن الحديث، وأبو إسحاق هو السبيعي ذكر الفسوي عن بعض أهل العلم ولم يسمهم أنَّه اختلط ودافع عنه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فقَالَ في [مِيْزَانِ الْاعْتِدالِ] (٣/ ٢٧٠):
«من أئمة التابعين بالكوفة وأثباتهم إلَّا أنَّه شاخ ونسى ولم يختلط. وقد سمع منه سفيان بن عيينة، وقد تغير قليلًا» اهـ.
[ ٤ / ٦٧٧ ]
وأمَّا عنعنة أبي إسحاق فهي مقبولة على الصحيح لكثرة روايته وإمامته ولم يوصف ﵀ بكثرة التدليس، وقد قبل عنعنته أصحاب الصحيح. فالأثر حسن فيما يظهر لي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٨٥ - ٣٨٦):
«وكان كثيرٌ من السلف يرى أنَّ السجدة مقصودةٌ قراءتها في فجر يوم الجمعة: قَالَ سعيد بن جبير: ما صليت خلف ابن عباسٍ يوم الجمعة الغداة إلا قرأ سورة فيها سجدة.
وعن ابن عون، قَالَ: كانوا يقرءون يوم الجمعة سورة فيها سجدةٌ، قَالَ: فسألت محمدًا - يعني: ابن سيرين -، فقَالَ: لا أعلم به بأسًا.
وعن النخعي، أنَّه صلى بهم يوم جمعة الفجر، فقرأ بـ "كهيعص". خرج ذلك ابن أبي شيبة في "كتابه".
ونقل حربٌ، عن إسحاق، قَالَ: لا بأس أن يقرأ الإمام في المكتوبة سورة فيها سجدةٌ، وأحب السور إلينا "آلم تزيل" السجدة، "هلْ أَتَى"، ويقرأ بهما في الجمعة، ولابد منهما في كل جمعة، وإن أدمنهما جاز.
وهذا يدل على أنَّه يستحب قراءةٌ فيها سجدةٌ، وأفضلها "آلم تنزيل".
وروى أبو بكرٍ بن أبي داود بإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: غدوت على رسول الله ﷺ يوم جمعة في صلاة الفجر، فقرأ في الركعة الأخيرة سورةً من المئين فيها سجدةٌ، فسجد فيها.
[ ٤ / ٦٧٨ ]
وقد روي عن أحمد ما يشهد لهذا - أيضًا -، وأنَّ السجدة مقصودة في صلاة الفجر يوم الجمعة؛ فإنَّ أبا جعفر الوراق روى، أنَّ أحمد صلى بهم الفجر بوم الجمعة، فنسي قراءة آية السجدة، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو.
قَالَ القاضي أبو يعلى: إنَّما سجد للسهو، لأنَّ هذه السجدة من سنن الصلاة، بخلاف بقية السجدات في الصلاة؛ فإنَّها من سنن القراءة.
وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا والشافعية: أنَّ تعمد قراءة سورة سجدة غير "آلم تنزيل" في فجر الجمعة بدعةٌ، وقد تبين أنَّ الأمر بخلاف ذلك» اهـ.
قُلْتُ: السنة في ذلك أحب إليَّ.
وأمَّا ما يتعلق بسجود النبي ﷺ عند قراءته لهذه السورة في صلاة الفجر فقد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٧٩):
«لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنَّه ﷺ سجد لما قرأ سورة تنزيل السجدة في هذا المحل إلَّا في كتاب "الشريعة" لابن أبي داود مِنْ طَرِيقِ أخرى عن سعيد بن جبير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "غدوت على النبي ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد" الحديث وفي إسناده من ينظر في حاله وللطبراني في "الْصَّغِيْرِ" مِنْ حَدِيْثِ علي: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سجد في صلاة الصبح في تنزيل السجدة" لكن في إسناده ضعف» اهـ.
[ ٤ / ٦٧٩ ]
قُلْتُ: حديث علي رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٣٦٢٣)، وفي [الْصَّغِيْرِ] (٤٧٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ الذَّرَّاعُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ: نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِـ تَنْزِيلِ السَّجْدَةِ».
قُلْتُ: ليث هو ابن أبي سليم، والحارث هو الأعور كذبه غير واحد.
وقد رجح الدارقطني ﵀ فيه الوقف فقَالَ في [الْعِلَلِ] (٣/ ١٧٧ - ١٧٨):
«أسنده عمرو بن علي وحده، عن معتمر. وغيره يرويه موقوفًا.
ورواه شعبة، ويحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي مرفوعًا أيضًا.
ويحيى بن عقبة ضعيف. والصواب موقوف. والراوي له عن شعبة إبراهيم بن زكريا، وهو ضعيف أيضًا.
يروي عنه محمد بن سنجر» اهـ.
قُلْتُ: والموقوف أيضًا لا يصح.
لكن وإن لم يصح هذا الحديث فيستحب لمن قرأ آية سجدة في صلاته أن يسجد، وقد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ السجود في الصلاة للتلاوة فيما رواه الْبُخَارِيّ (٧٦٦)، ومُسْلِم (٥٧٨) عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ
[ ٤ / ٦٨٠ ]
العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: «سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ ﷺ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٤٢):
«والظاهر: أنَّه كان يسجد فيها، ولو لم يكن يسجد فيها لنقل إخلاله بالسجود فيها، فإنَّه يكون مخالفًا لسنته المعروفة في السجود فيها، ولم يكن يهمل نقل ذلك، فإنَّ هذه السورة تسمى سورة السجدة، وهذا يدل على أنَّ السجود فيها مما استقر عليه العمل به عند الأمة» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أبو داود (٨٠٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَهُشَيْمٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ».
فلا يصح لجهالة أمية.
ورواه أحمد (٥٥٥٦) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ»، فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَدْ قَرَأَ تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، قَالَ: «وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي مِجْلَزٍ» اهـ.
قُلْتُ: وقد صرح هاهنا التيمي أنَّه لم يسمعه من أبي مجلز. والواسطة أمية كما سبق.
[ ٤ / ٦٨١ ]
وقَالَ العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِيّ] (٣/ ٥٤) - عند شرحه لحديث الباب -: «والفقهاء مجمعون على السجود في سورة تنزيل» اهـ.
لكنه لم يصرح بأنَّ إجماعهم على السجود بها في صلاة الفجر يوم الجمعة.
* * *
[ ٤ / ٦٨٢ ]