٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ: سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: "لا، إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي"».
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فِيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي».
قولها: «إنِّي أُسْتَحَاضُ» الحيض في اللغة السيلان يقال حاض الوادي إذا سال، والحيض سيلان الدم في أوقات معتادة، فإذا خرج في غير وقته المعتاد واستمر فهو استحاضة.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٣٤١):
«قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا وَمَحَاضًا فَهِيَ حَائِضٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤَنَّثِ خَاصَّةً فَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَلَامَةِ تَأْنِيثٍ بِخِلَافِ قَائِمَةٍ وَمُسْلِمَةٍ هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا حَائِضَةٌ وَأَنْشَدَ: كَحَائِضَةٍ يَزْنِي بِهَا غَيْرُ طَاهِرٍ: قَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ حَاضَتْ وَتَحَيَّضَتْ وَدَرَسَتْ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَعَرِكَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ
[ ١ / ٦٩٦ ]
الرَّاءِ وَطَمِثَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَزَادَ غَيْرُهُ وَنَفِسَتْ وَأَعْصَرَتْ وَأَكْبَرَتْ وَضَحِكَتْ كُلُّهُ بِمَعْنَى حَاضَتْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لِلْحَيْضِ سِتَّةُ أَسْمَاءٍ وَرَدَتْ اللُّغَةُ بِهَا أَشْهَرُهَا الْحَيْضُ وَالثَّانِي الطَّمْثُ وَالْمَرْأَةُ طَامِثٌ قَالَ الْفَرَّاءُ الطَّمْثُ الدَّمُ وَلِذَلِكَ قِيلَ إذَا افْتَضَّ الْبِكْرَ طَمَثَهَا أَيْ أَدْمَاهَا» اهـ.
وقال (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣):
«قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَصْلُ الحيض السيلان يقال حاض الوادي أي اسال يُسَمَّى حَيْضًا لِسِيلَانِهِ فِي أَوْقَاتِهِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْحَيْضُ دَمٌ يُرْخِيه رَحِمُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا فِي أَوْقَاتٍ مُعْتَادَةٍ وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ وَدَمُ الْحَيْضِ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ وَيَكُونُ أَسْوَدَ مُحْتَدِمًا أَيْ حَارًّا كَأَنَّهُ مُحْتَرِقٌ قَالَ وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ يَسِيلُ مِنْ الْعَاذِلِ وَهُوَ عِرْقُ فَمِهِ الَّذِي يَسِيلُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ قَالَ وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ وَالْعَاذِلُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ المعجمة قال الهروي في الغريين وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْحَيْضُ دَمٌ يَخْرُجُ فِي أَوْقَاتِهِ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ يَخْرُجُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ» اهـ.
إلى أن قال (٢/ ٣٤٣):
«قَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ وَاَلَّذِي يَحِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ أَرْبَعٌ الْمَرْأَةُ وَالْأَرْنَبُ وَالضَّبُعُ وَالْخُفَّاشُ وَحَيْضُ الْأَرْنَبِ وَالضَّبُعِ مَشْهُورٌ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ» اهـ.
قوله: «إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ» أي: انبثاق وانفجار عرق.
«ذَلِكِ» بكسر الكاف خطاب للمؤنث.
قال ابو العباس القسطلاني ﵀ في [إرشاد الساري] (٨/ ٣٠):
[ ١ / ٦٩٧ ]
«فقال النبي ﷺ: "إِنَّ ذَلِكِ" بكسر الكاف خطاب لمؤنث» اهـ.
قلت: وللحيض عدة صفات يتميز بها عن الاستحاضة وهي:
سواد اللون، ونتانة الريح، وثخانة الجرم، وأنَّه لا يتجمد بعد خروجه.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الحائض لا تصلي ولا تقضي الصلاة وهذا بإجماع العلماء. وخالف الخوارج في القضاء فأوجبوه على الحائض.
وقد بيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث بعض ما يمنعه الحيض وهو الصلاة، وهناك أشياء أخرى يمنعها الحيض منها:
فعل الصيام، واللبث في المسجد، ومس المصحف، وفي قراءة القرآن خلاف والأصح الجواز، والطواف، ويمنع الحيض من الاعتداد بالأشهر، ويمنع من سنية الطلاق، ويمنع من الوطء.
ويوجب الحيض الغسل والاعتداد به والبلوغ.
٢ - وفيه أنَّ المستحاضة المعتادة ترجع إلى عادتها.
وهذا إذا كان لها عادة معلومة، وإلَّا رجعت إلى التمييز، وإن لم تكن عندها عادة ولا تمييز فإنَّها ترجع إلى عادة أكثر النساء ستة أيام أو سبعة أيام، وترجح بين الستة والسبعة باعتبار النظر في قريباتها.
وإذا نست مبدأ حيضها أو كانت مبتدأة وجاءتها الاستحاضة فتجعل حيضها من أول كل شهر هلالي.
[ ١ / ٦٩٨ ]
واختلف العلماء بما تثبت به العادة فقيل بمرة واحدة وهو مذهب الشافعي، وقيل بمرتين وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقيل بثلاث وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
والصحيح ثبوتها بمرة واحدة، والقول بأنَّ العادة مشتقة من العود والعود يطلق على ما تكرر فقول ضعيف وذلك أنَّ تسمية الحيض عادة من كلام الفقهاء ولم يرد في أحاديث السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٨٧):
«وَقَوْلُهُمُ: "الْعَادَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَوْدِ" إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي عَلَّقَ الْحُكْمَ بِاسْمِ الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ مِنْ أَلْفَاظِ الْفُقَهَاءِ» اهـ.
قلت: وظاهر كلام الإمام أحمد أنَّ الحيض يثبت بالتمييز من غير اعتبار تكرار، وإنَّما يشترط التكرار في إثبات العادة.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٥٢):
«فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُمَيِّزَةَ إذَا عَرَفَتْ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَكْرَارٍ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فِي الصِّفَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
[ ١ / ٦٩٩ ]
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: إنَّمَا تَجْلِسُ الْمُمَيِّزَةُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ، وَصَلِّي".
أَمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ، ثُمَّ مَدَّهُ إلَى حِينِ إدْبَارِهِ؛ وَلِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَمَارَةٌ بِمُجَرَّدِهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ، كَالْعَادَةِ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: إنَّمَا تَجْلِسُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّكْرَارَ، وَمَتَى تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً» اهـ.
قلت: وإذا قلنا: إنَّ العادة لا تثبت إلَّا بالتكرار فإنَّ المرأة إذا كانت تحيض في كل شهر خمسة أيام ثم زاد حيضها إلى ستة أيام فلا تعتبره حيضًا حتى يتكرر ذلك منها، وإذا قلنا: لا يشترط في العادة التكرار فهو من جملة حيضها فتترك فيه الصلاة والصيام. وهذا هو الصحيح.
قال أبو الفضل صالح ﵀ في [مسائله لأبيه الإمام أحمد] (٣/ ٩٨):
«قلت الْحَائِض إِذا تغير حَيْضهَا فَكَانَت تحيض خمْسا أَوْ نَحْو هَذَا ثمَّ زَاد حَيْضهَا.
قَالَ: تصلي مَا زَاد حَتَّى تعلم أَنه حيض منتقل وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك إِذا عاودها ثَلَاث مرار فَإِذا علمت أَنه حيض منتقل فَإِنْ كَانَتْ صَامت فِي تِلْكَ الْأَيَّام صوما أعادته لِأَنَّهُ لَا يجزيها أَنْ تَصُوم وَهِي حَائِض» اهـ.
وقال عبد الله بن أحمد ﵀ في [مسائله لأبيه الإمام أحمد] (ص: ٤٥):
[ ١ / ٧٠٠ ]
«سَمِعت أبي يَقُول: واذا كَانَتْ الْمَرْأَة تجْلِس عشرَة أَيَّام ثمَّ زَاد حَيْضهَا ثَلَاثَة أَيَّام أخر.
فَقَالَ: لَا تلْتَفت الى ذَلِك تَصُوم وَتصلي حَتَّى تعلم أَنَّه حيض منتقل وَإِنَّمَا تعلم ذَلِك بِأَنْ يعاودها الدَّم فِي تِلْكَ الْأَيَّام مرّة وثنتين وَثَلَاثًا فَإِذا عاودها فقد انْتقل حَيْضهَا الى هَذَا فتعيد كل صَوْم صامتة فِي تِلْكَ الْأَيَّام لِأَنَّهَا كَانَتْ حائضة وَلَا يجزئها أَنْ تَصُوم وَهِي حَائِض وَالْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة وتقضي الصّيام على حَدِيث عَائِشَة كُنَّا نحيض على عهد رَسُول الله ﷺ فَلَا نؤمر بِقَضَاء» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٩/ ٢٣٩):
«وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ انْتِقَالٍ فَذَلِكَ حَيْضٌ. حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ» اهـ.
٣ - واحتج به من قدم العادة على التمييز، وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يستفسرها عن التمييز والقاعدة تقول: ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة عموم المقال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٦٢٨ - ٦٢٩): «وبهذا الحديث أخذ جمهور العلماء في المستحاضة المعتادة أنَّها ترجع إلى عادتها وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد، لكنهم متنازعون لو كانت مميزة تميز الدم الأسود من الأحمر: فهل تقدم التمييز على العادة؟ أم العادة على
[ ١ / ٧٠١ ]
التمييز؟ فمنهم من يقدم التمييز على العادة، وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. والثاني: في أنَّها تقدم العادة وهو ظاهر الحديث وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه؛ بل أبو حنيفة لم يعتبر التمييز كما أنَّ مالكًا لم يعتبر العادة. لكن الشافعي وأحمد يعتبران هذا وهذا والنزاع في التقديم» اهـ.
وقال ﵀ (٢١/ ٦٣٠ - ٦٣٥): «وفي المستحاضة عن النبي ﷺ ثلاث سنن: سنة في العادة كما تقدم وسنة في المميزة وهو قوله: "دم الحيض أسود يعرف" وسنة في غالب الحيض وهو قوله: " تحيضي ستًا أو سبعًا ثم اغتسلي وصلي ثلاثًا وعشرين أو أربعًا وعشرين كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن".
والعلماء لهم في الاستحاضة نزاع فإنَّ أمرها مشكل لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة فلا بد من فاصل يفصل هذا من هذا، والعلامات التي قيل بها ستة: إمَّا العادة فإن العادة أقوى العلامات؛ لأنَّ الأصل مقام الحيض دون غيره، وإمَّا التمييز؛ لأنَّه الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضًا من الأحمر، وإمَّا اعتبار غالب عادة النساء؛ لأنَّ الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار.
ومن الفقهاء من يجلسها ليلة وهو أقل الحيض ومنهم من يجلسها الأكثر؛ لأنَّه أصل دم الصحة، ومنهم من يلحقها بعادة نسائها، وهل هذا حكم الناسية، أو حكم المبتدأة والناسية جميعًا فيه نزاع؟ وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة وإلغاء ما سوى ذلك، وأمَّا المتميزة فتجلس غالب الحيض كما جاءت به السنة، ومن لم يجعل لها دمًا محكومًا بأنَّه حيض بل أمرها بالاحتياط
[ ١ / ٧٠٢ ]
مطلقًا فقد كلفها أمرًا عظيمًا لا تأتي الشريعة بمثله وفيه تبغيض عبادة الله إلى أهل دين الله وقد رفع الله الحرج عن المسلمين وهو من أضعف الأقوال جدًا، وأصل هذا أنَّ الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام:
دم مقطوع بأنَّه حيض كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه.
ودم مقطوع بأنَّه استحاضة كدم الصغيرة.
ودم يحتمل الأمرين لكن الأظهر أنَّه حيض، وهو دم المعتادة والمميزة ونحوهما من المستحاضات الذي يحكم بأنَّه حيض.
ودم يحتمل الأمرين والأظهر أنَّه دم فساد. وهو الدم الذي يحكم بأنَّه استحاضة من دماء هؤلاء.
ودم مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين فهذا يقول به طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما فيوجبون على من أصابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم.
والصواب أنَّ هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ فالله تعالى قد بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ما تتقيه من الصلاة والصيام في زمن الحيض فكيف يقال: إنَّ الشريعة فيها شك مستمر يحكم به الرسول وأمته، نعم: قد يكون شك خاص ببعض الناس، كالذي يشك هل أحدث أم لا؟ كالشبهات التي لا يعلمها كثير من الناس فأمَّا شك وشبهة تكون في نفس الشريعة فهذا باطل والذين يجعلون هذا دم شك يجعلون ذلك حكم الشرع؛ لا يقولون: نحن شككنا؛
[ ١ / ٧٠٣ ]
فإنَّ الشاك لا علم عنده فلا يجزم وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادته لشكهم.
الوجه الثاني: أنَّ الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين ولا الصيام مرتين إلَّا بتفريط من العبد. فأمَّا مع عدم تفريطه فلم يوجب الله صوم شهرين في السنة ولا صلاة ظهرين في يوم وهذا مما يعرف به ضعف قول من يوجب الصلاة ويوجب إعادتها، فإن هذا أصل ضعيف، كما بسط القول عليه في غير هذا الموضع، ويدخل في هذا من يأمر بالصلاة خلف الفاسق وإعادتها وبالصلاة مع الأعذار النادرة التي لا تتصل وإعادتها ومن يأمر المستحاضة بالصيام مرتين ونحو ذلك مما يوجد في مذهب الشافعي وأحمد في أحد القولين، فإنَّ الصواب ما عليه جمهور المسلمين أنَّ من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يعرف قط أنَّ رسول الله ﷺ أمر العبد أن يصلي الصلاة مرتين لكن يأمر بالإعادة من لم يفعل ما أمر به مع القدرة على ذلك كما قال للمسيء في صلاته: "ارجع فصل فإنَّك لم تصل" وكما أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة، فأمَّا المعذور كالذي يتيمم لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد وكالاستحاضة وأمثال هؤلاء؛ فإنَّ سنة رسول الله ﷺ في هؤلاء أن يفعلوا ما يقدرون عليه بحسب استطاعتهم ويسقط عنهم ما يعجزون عنه بل سنته فيمن كان لم يعلم الوجوب أنَّه لا قضاء عليه؛ لأنَّ التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل؛ ولهذا لم يأمر عمر وعمارًا بإعادة الصلاة لما كانا جنبين، فعمر لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة ظنًا أنَّ التراب يصل إلى حيث يصل الماء وكذلك الذين أكلوا من الصحابة
[ ١ / ٧٠٤ ]
حتى تبين لهم الحبال السود من البيض لم يأمرهم بالإعادة، وكذلك الذين صلوا إلى غير الكعبة قبل أن يبلغهم الخبر الناسخ لم يأمرهم بالإعادة وكان بعضهم بالحبشة وبعضهم بمكة وبعضهم بغيرها بل بعض من كان بالمدينة صلوا بعض الصلاة إلى الكعبة وبعضها إلى الصخرة ولم يأمرهم بالإعادة ونظائرها متعددة، فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أنَّ التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها، ولهذا عذر المجتهد المخطئ لعجزه عن معرفة الحق في تلك المسألة وهذا بخلاف المفرط المتمكن من فعل ما أمر به فهذا هو الذي يستحق العقاب؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب" وهذه قاعدة كبيرة تحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه.
ومقصود السائل ما يتعلق بالمستحاضة وقد بينا أنَّ الصواب أنَّه ليس عليها في صورة من الصور أن تصوم وتقضي الصوم، كما يقوله في بعض الصور من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وأنَّه ليس عليها أن تغتسل لكل صلاة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم والله أعلم» اهـ.
قلت: المستحاضة كما سبق تعرف طهرها من حيضها بانتهاء وقت عادتها، وإن لم تكن لها عادة فعند انتهاء الدم الأسود.
[ ١ / ٧٠٥ ]
وإذا لم تكن مستحاضة فتعرف طهرها بالقَصة البيضاء وهو سائر أبيض يقذفه الرحم بعد انتهاء الحيض شبه لبياضه بالقص، وهو الجص، وإن لم يخرج منها ذلك فتعرف طهرها بالجفاف وهو أن تدخل قطنة في فرجها فتخرج جافة.
قال الإمام البخاري ﵀ في [صحيحه] (١/ ٨٧ - مع الفتح)
«وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ».
قلت: وصله مالك في [الموطأ] (١٦٣) عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، مَوْلَاةِ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِا الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَ».
قلت: مولاة عائشة اسمها مرجانة مجهولة حال لم يوثقها معتبر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٩٢ - ٤٩٥):
«والقصة - بفتح القاف -: أصلها القطعة من الجص الأبيض، وأرادت عائشة بذلك أنَّ القطنة تخرج بيضاء، ليس فيها شيء من الصفرة، ولا الكدرة، فيكون ذَلكَ علامة نقائها وطهرها.
وقالت طائفة: بل القصة البيضاء عبارة عن ماء أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض، فلا تطهرن بدونه.
وقيل: إنَّه يشبه الخيط الأبيض، وهذا قول مالك وغيره.
[ ١ / ٧٠٦ ]
وروى الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن ذؤيب، عن عائشة، قالت: الطهر أن ترى المرأة بعد الدم ماء أبيض قطعًا.
خرجه حرب الكرماني.
وحكى الخطابي، عن ابن وهب، أنَّه قَالَ في تفسير القصة البيضاء: رأيت القطن الأبيض، كأنَّه هو.
وعن ابن أبي سلمة، قَالَ: إذا كان ذَلكَ نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون، فتطهر بذلك، فيما بلغنا.
وعن مالك، قَالَ: سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذاك أمر معروف عند النساء، يرينه عند الطهر.
وهذا المحكي عن مالك يوافق القول الثاني الذي ذكرناه، وأنَّ القصة البيضاء عبارة عن شيء أبيض يخرج في آخر دم الحيض وقال ابن عبد البر: اختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطهر، ففي "المدونة": قَالَ مالك: إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتّى تراها، وإن كانت ممن لاتراها فطهرها الجفوف، وذلك أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة، وبه قَالَ عيسى بن دينار، قَالَ: القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف.
وفي "المجموعة": قَالَ مالك: إذا رأت الجفوف وهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتَّى تراها، إلَّا أن يطول ذَلكَ بها.
وقال ابن حبيب: تطهر بالجفوف، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء.
قَالَ ابن حبيب: والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء.
[ ١ / ٧٠٧ ]
قَالَ: فمن كان طهرها القصة البيضاء ورأت الجفوف فقد طهرت.
قَالَ: ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء حتَّى ترى الجفوف.
قَالَ: وذلك أنَّ أول الحيض دم، ثُمَّ صفرة، ثُمَّ ترية، ثُمَّ كدرة، ثُمَّ يكون ريقًا كالفضة، ثُمَّ ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض. قَالَ: والجفوف أبرأ وأوعب، وليس بعد الجفوف انتظار. انتهى ما ذكره ابن عبد البر ﵀.
وفي "تهذيب المدونة": تغتسل إن رأت القصة البيضاء، فإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف.
قَالَ ابن القاسم: والجفوف أن تدخل الخرقة، فتخرجها جافة قَالَ أبو عبيد: الترية: الشيء الخفي اليسير، وهو أقل من الصفرة والكدرة، ولا تكون الترية إلَّا بعد اغتسال، فأمَّا ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترية. انتهى.
واختلف قول الإمام أحمد في تفسير القصة البيضاء:
فنقل الأكثرون عنه: أنَّه شيء أبيض يتبع الحيضة، ليس بصفرة ولا كدرة، فهو علامة الطهر، وحكاه أحمد عن الشافعي.
ونقل حنبل، عن أحمد: أنَّ القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم، وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض.
وأرسلت امرأة إلي عمرة بنت عبد الرحمن بدرجٍ فيهِ كرسفة قطن، فيها كالصفرة، تسألها: هل ترى إذا لَم تر المرأة مِنْ الحيضة إلَّا هَذا أن قَدْ طهرت؟ فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصًا.
[ ١ / ٧٠٨ ]
وروى الأثرم بإسناده، عَنْ ابن الزبير، أنَّهُ قالَ على المنبر: يا معشر النساء، إذا رأت إحداكن القصة البيضاء فَهوَ الطهر.
وقال مكحول: لا تغتسل المرأة مِنْ الحيض إذا طهرت حتى ترى طهرًا أبيض.
وقد حكى أبو عبيد القولين في تفسير القصة البيضاء» اهـ.
قلت: وأمَّا الكدرة والصفرة فليستا من علامات الطهر، وهما في زمن العادة من الحيض تقدمن على خروج الدم أو كنَّ بعده على الصحيح.
وأمَّا ما رواه البخاري (٣٢٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا».
فهذا محمول على ما بعد الطهر.
وقد رواه أبو داود (٣٠٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٢٥):
«قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقِيَاسُ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ قَبْلَ الْحَيْضِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ كَمَا أَنَّ الْحَيْضَ فِي كُلِّ زَمَانٍ سَوَاءٌ» اهـ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٩٥ - ٤٩٧):
«ودلَّ قول عائشة ﵂ هَذا على أنَّ الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وأن مِنْ لها أيام معتادة تحيض فيها فرأت فيها صفرة أو كدرة، فإن ذَلِكَ يكون حيضًا معتبرًا.
[ ١ / ٧٠٩ ]
وهذا قول جمهور العلماء، حتى إن مِنهُم مِنْ نقله إجماعًا، مِنهُم: عبد الرحمن بنِ مهدي وإسحاق بنِ راهويه، ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دونَ الكدرة.
ولكن ذهب طائفة قليلة، مِنهُم: الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية إلى أنَّه لا يكون ذَلِكَ حيضًا حتى يتقدمه في مدة العادة دم.
واشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض.
ومنهم مِنْ اشترط أن يلحقه دم - أيضًا.
ومنهم مِنْ اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض.
وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليسَ حيضًا، إلَّا أن يتقدمها دم.
وحكي عَنْ داود أنَّ الصفرة والكدرة لا تكون حيضًا بكل حال.
فأمَّا ما زاد على أيام العادة، واتصل بها، وكان صفرة أو كدرة، فهل يكون حيضًا، أم لا؟ فيهِ قولان:
أحدهما: أنَّهُ حيض، وَهوَ أشهر الروايتين عَنْ مالك، والمشهور عَنْ الشَافِعي
- أيضًا -، وعليه أكثر أصحابه، وقول الحكم وأبي حنيفة وإسحاق.
والثاني: أنَّه ليسَ بحيض، وَهوَ رواية عَنْ مالك، وقول الثوري والإصطخري وغيره مِنْ الشافعية.
وأمَّا الإمام أحمد، فإنَّه يرى أنَّ الزائد على العادة لا يلتفت إليه أول مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا على اختلاف عَنهُ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ.
فإن زاد على العادة بصفرة أو كدرة وتكرر ثلاثًا، فهل يكون حيضًا، أم لا؟ فيهِ عَنهُ روايتان.
[ ١ / ٧١٠ ]
وقد روي عَنْ عائشة، أنَّها لا تلتفت إلى الزائد على العادة مِنْ الصفرة والكدرة.
خرجه حرب والبيهقي مِنْ رواية سليمان بنِ موسى، عَنْ عطاء، عَنْ عائشة، قالت: إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عَنْ الصلاة حتى تراه أبيض كالفضة؛ فإذا رأت ذَلِكَ فلتغتسل ولتصل؛ فإذا رأت بعد ذَلِكَ صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت دمًا أحمر فلتغتسل ولتصل.
وروي عَنْ أسماء بنت أبي بكر ما يشعر بخلاف ذَلِكَ، فروى البيهقي وغيره مِنْ رواية ابن إسحاق، عَنْ فاطمة بنت المنذر، عَنْ أسماء، قالت: كنا في حجرها معَ بنات أخيها، فكانت إحدانا تطهر، ثُمَّ تصلي، ثُمَّ تنتكس بالصفرة اليسيرة، فنسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذَلِكَ، حتى ترين البياض خالصًا.
وقد حمله بعض أصحابنا على أنَّ الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد الطهر وانقطاع الدم فإنَّها لا تكون حيضًا ولو تكررت، على الصحيح عندهم، بخلاف ما إذا رأت ذَلِكَ متصلًا بالدم وتكرر.
فهذا كله في حق المعتادة.
فأمَّا المبتدأة، فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة، فقالت طائفة مِنْ أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعه، وأكثر أصحاب الشَافِعي: إنَّه يكون حيضًا؛ لأنَّ زمن الدم للمبتدأة كزمن العادة للمعتادة.
وقالت طائفة مِنْ أصحابنا: لا يكون حيضًا، وقالوا: إنَّه ظاهر كلام أحمد، وَهوَ قول طائفة مِنْ الشافعية - أيضًا -، وحكاه الخطابي عَنْ عائشة وعطاء وأكثر الفقهاء؛ لأنَّه اجتمع فيهِ فَقد العادة ولون الدم المعتاد، فقويت جهة فساده، وعلى
[ ١ / ٧١١ ]
هَذا فينبغي أنَّهُ إن تكرر ذَلِكَ ثلاثًا أن يكون حيضًا، إن قلنا: إنَّ المتكرر بعد العادة حيض، وقد يفرق بينهما بأنَّ المتكرر بعد العادة قَدْ سبقه دم بخلاف هَذا.
وقد ذهب طائفة مِنْ أصحابنا، مِنهُم: ابن حامد وابن عقيل إلى أنَّ المبتدأة إذا رأت أول مرةٍ دمًا أحمر فليس بدم حيض حتى يكون أسود، وَهوَ قول بعض الشافعية - أيضًا -؛ للحديث المروي عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ - في دم الحيض -: "إنَّه أسود يعرف".
وهذا ينتقض عليهم بالمعتادة؛ فإنَّها إذا كانت عادتها أسود ثُمَّ رأت في مدة العادة دمًا أحمر فإنَّه حيض بغير خلاف» اهـ.
٤ - قوله: «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». احتج به بعضهم على عدم وجوب الاغتسال من الحيض.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٢): «وقد تعلق بعض الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة: "اغسلي عنك الدم وصلي"، وقال: لا غُسل عليها، إنَّما عليها أن تغسل الدم وتصلي.
وقد حكى الأثرم هذا القول للإمام أحمد، ولم يسم من قاله. فأنكره الإمام أحمد، وقال: الغسل لا بد منه وفسر سفيان الثوري قوله: "اغسلي عنك الدم": أنَّها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنَّه حيضها، ثم رأت دمًا، فإنَّها تغسل الدم وتصلي؛ فإنَّه دم استحاضة لا يمنع الصلاة، وإنَّما تغسله وتتحفظ منه فقط» اهـ.
قلت: الرواية الأولى تدل على وجوب الاغتسال من الحيض.
[ ١ / ٧١٢ ]
٥ - واحتج بالحديث على نجاسة دم الاستحاضة، وهو مأخوذ من الأمر بغسله.
وهذا مبني على حمل الغسل في الحديث على غسل دم الاستحاضة، وأمَّا إذا حملناه على غسل دم الحيض فلا حجة في الحديث على ذلك، ويكفي في الحكم بنجاسته الآية الواردة بنجاسة الدم المسفوح.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨):
«وفسر سفيان الثوري قوله: "اغسلي عنك الدم": أنَّها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنَّه حيضها، ثم رأت دمًا، فإنَّها تغسل الدم وتصلي؛ فإنَّه دم استحاضة لا يمنع الصلاة، وإنَّما تغسله وتتحفظ منه فقط.
ففي حديث عائشة الأمر بغسل الدم، وفي حديث أم سلمة الأمر بالاستثفار بثوب. والمراد به: التلجم بالثوب والتحفظ به» اهـ.
وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ١٢٥):
«وَقَوْلُهُ "فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي" يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَسْلَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْغُسْلِ مِنْ الْمَحِيضِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِلْمُهُ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٩٢)
«وَيَجِبُ إِعَادَةُ غَسْلِ الدَّمِ وَالتَّعْصِيبِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ؛ كَالْوُضُوءِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، سَوَاءٌ ظَهَرَ الدَّمُ فِي ظَهْرِ الْعِصَابَةِ أَوْ كَانَ بِبَاطِنِهَا، وَالْآخَرُ: لَا يَجِبُ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فِي غَسْلِ الْعَصَائِبِ كُلَّ وَقْتٍ وَتَجْفِيفِهِ أَوْ إِبْدَالِهِ بِطَاهِرٍ - مَشَقَّةً
[ ١ / ٧١٣ ]
كَبِيرَةً؛ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ وَعَصْبَ الْفَرْجِ» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨):
«وكذلك اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، هما روايتان عن أحمد.
وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أنَّ الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور.
لكن الأصح هنا: أنَّه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإنَّ الأمر بالاغتسال، وغسل الدم إنَّما هوَ معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنَّه يقتضي التكرار لم يقتضه إلَّا عندَ إدبار كل حيضة فقط» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ المستحاضة لا يجب عليها فك التعصيب وغسل الفرج من الدم في وقت كل صلاة لعدم ورود الأمر بذلك صريحًا، وحديث الباب محمول على غسل دم الحيض، ولا سيما أنَّ الأمر بذلك فيه ما فيه من الحرج، والشرع جاء برفع الحرج كما هو معلوم، لكن إن حصل تفريط في الشد وخرج الدم وجب غسله. والله أعلم.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٤٧):
«فَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ الْمَحَلَّ، ثُمَّ تَحْشُوهُ بِقُطْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، لِيَرُدَّ الدَّمَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ: "أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ". فَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ الدَّمُ بِالْقُطْنِ، اسْتَثْفَرَتْ بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ
[ ١ / ٧١٤ ]
الطَّرَفَيْنِ، تَشُدُّهَا عَلَى جَنْبَيْهَا وَوَسَطُهَا عَلَى الْفَرْجِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ " لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ".
وَقَالَ لِحَمْنَةَ "تَلَجَّمِي". لَمَّا قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ لِرَخَاوَةِ الشَّدِّ، فَعَلَيْهَا إعَادَةُ الشَّدِّ وَالطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَ لِغَلَبَةِ الْخَارِجِ وَقُوَّتِهِ وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَتُصَلِّي وَلَوْ قَطَرَ الدَّمُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: "اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي حَدِيثٍ: "صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ". وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ كَثْرَةُ الْمَذْيِ، يَعْصِبُ رَأْسَ ذَكَرِهِ بِخِرْقَةٍ، وَيَحْتَرِسُ حَسَبَ مَا يُمْكِنُهُ، وَيَفْعَلُ مَا ذُكِرَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ جُرْحٌ يَفُورُ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ بِهِ رِيحٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْدَاثِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ، مِثْلُ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، أَوْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَصْبِهِ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ حِينَ طُعِنَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٨):
«قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الشَّدُّ وَالتَّلَجُّمُ وَاجِبٌ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنْ يُتَأَذَّى بِالشَّدِّ وَيَحْرِقَهَا اجْتِمَاعُ الدَّمِ فَلَا يَلْزَمُهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صَائِمَةً فَتَتْرُكُ الْحَشْوَ فِي النَّهَارِ وَتَقْتَصِرُ عَلَى الشَّدِّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الشَّدِّ وَالتَّلَجُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ وَتَتَوَضَّأُ عَقِيبَ الشَّدِّ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ فَإِنْ شَدَّتْ وَتَلَجَّمَتْ
[ ١ / ٧١٥ ]
وَأَخَّرَتِ الْوُضُوءَ وَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ فَفِي صحة وضوئها وجهان: الأصح أنَّه لايصح واذا استوثقت بالشد على الصفة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهَا وَلَا صَلَاتُهَا».
إلى أن قال ﵀: «أَمَّا إِذَا خَرَجَ الدَّمُ لِتَقْصِيرِهَا فِي الشد أوزالت الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا لِضَعْفِ الشَّدِّ فَزَادَ خُرُوجُ الدَّمِ بِسَبَبِهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ طُهْرُهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ بَطَلَتْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَرِيضَةٍ لَمْ تَسْتَبِحِ النَّافِلَةَ لِتَقْصِيرِهَا وَأَمَّا تَجْدِيدُ غَسْلِ الْفَرْجِ وَحَشْوِهِ وَشَدِّهِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ إِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعهَا زَوَالًا لَهُ تَأْثِيرٌ أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ وَجَبَ التَّجْدِيدُ وَإِنْ لَمْ تَزُلِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ التَّجْدِيدِ كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ» اهـ.
قلت: الأصح عدم وجوب غسل الدم إذا يخرج الدم من الفرج ويتجاوز العصابة من غير تفريط، وأمَّا إن خرج وتجاوز العصابة فلا بد من غسل الدم والفرج. والله أعلم.
والحكم بنقض طهارة الاستباحة بخروج الدم ومجاوزته للعصابة لا أعلم له دليلًا، وذلك أنَّ النقض للطهارة حاصل قبل ذلك بخروجه إلى ظاهر الفرج، ولهذا تؤمر بالوضوء لوقت كل صلاة، والذي يظهر لي أنَّ مجاوزة الدم للعصابة لا يحدث لها نقضًا جديدًا. والله أعلم.
٦ - وقوله: «وَصَلِّي» رد على من قال من أهل العلم أنَّ الأمر بعد الحظر للإباحة، والصحيح أنَّ الأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كانَ عليهِ قبل الحظر، وقد كانت الصلاة عليها واجبة قبل الحيض، فكذلك بعدها.
[ ١ / ٧١٦ ]
٧ - قوله: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ» احتج به لمالك والشافعي في أنَّ المستحاضة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة أنَّها تعتبر الدم وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت. وهذا مبني على أنَّ المراد بالإقبال إقبال الحيضة بصفتها، والصواب أنَّ المراد إقبال الحيضة بوقتها كما يدل عليه اللفظ الأول للحديث. فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة وإدبارها انقضاء أيام العادة. والله أعلم.
٨ - قوله: «إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ» احتج به من ذهب من أهل العلم إلى نقض الوضوء بخروج الدم الكثير من البدن إلحاقًا بدم الاستحاضة بجامع أنَّها دماء خارجة من عرق. والقول بالنقض هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وذهب مالك، والشافعي إلى القول بعدم النقض. والصحيح عدم النقض لاختلاف المخارج، ولأنَّ ذلك تعليل لوجوب الصلاة، وسقوط الغسل عليها، وليس بتعليل للوضوء. والمعنى تجب عليك الصلاة، ويسقط عليك الغسل لأنَّه دم عرق، فيؤخذ من ذلك أنَّ الدم الخارج من العرق لا يسقط الصلاة، ولا يوجب الغسل. ولو كان تعليلًا للوضوء لقال توضئي فإنَّه دم عرق. والله أعلم.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩): «وهذا قياس، والقياس باطل، ثم لو كان حقًا لكان هذا منه عين الباطل لأنَّه إذا لم يجز أن يقيسوا دم العرق الخارج من الفرج على دم الحيض الخارج من الفرج، وكلاهما دم خارج من الفرج، وكان الله تعالى قد فرق بين حكميهما فمن الباطل أن يقاس دم خارج من غير الفرج على دم خارج من الفرج» اهـ.
[ ١ / ٧١٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٠/ ٥٢٥ - ٥٢٦): «وقد تنازع العلماء في الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين؛ كالفصاد؛ والحجامة والجرح والقيء والوضوء من مس النساء لشهوة وغير شهوة والتوضؤ من مس الذكر والتوضؤ من القهقهة فبعض الصحابة كان يتوضأ من مس الذكر كسعد وابن عمر كثير منهم لم يكن يتوضأ منه والوضوء منه هل هو واجب أو مستحب؟ فيه عن مالك وأحمد روايتان وإيجابه قول الشافعي وعدم الإيجاب مذهب أبي حنيفة. وكذلك مس النساء لشهوة إذا قيل باستحبابه فهذا يتوجه وأمَّا وجوب ذلك فلا يقوم الدليل إلا على خلافه ولا يقدر أحد قط أن ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أصحابه بالوضوء من مس النساء ولا من النجاسات الخارجة؛ لعموم البلوى بذلك وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ المراد به الجماع كما فسره بذلك ابن عباس وغيره لوجوه متعددة.
وقوله ﷺ للمستحاضة: "إنَّما ذلك عرق وليس بالحيضة" تعليل لعدم وجوب الغسل لا لوجوب الوضوء فإنَّ وجوب الوضوء لا يختص بدم العروق بل كانت قد ظنت أنَّ ذلك الدم هو دم الحيض الذي يوجب الغسل فبين لها النبي ﷺ أنَّ هذا ليس هو دم الحيض الذي يوجب الغسل فإنَّ ذلك يرشح من الرحم كالعرق وإنَّما هذا دم عرق انفجر في الرحم ودماء العروق لا توجب الغسل» اهـ.
٩ - وقوله: «إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ» احتج به جمهور العلماء في تجويزهم لجماع المستحاضة، وقد كره ذلك الإمام أحمد إلَّا إذا طال به الوقت. والصحيح عدم الكراهة. والله أعلم.
[ ١ / ٧١٨ ]
١٠ - قوله: «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» يدل على عدم وجوب الجمع بين الوضوء والغسل للمحدث، بل يكفي المحدث الاغتسال لرفع الحدثين، وذلك أنَّ المرأة في أثناء حيضها لا تخلو من حدث أصغر.
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٤ - ١٠٥):
«وإنَّما المراد هنا: أحاديث الوضوء لكل صلاة، وقد رويت مِنْ وجوه متعددة، وهي مضطربة -أيضًا- ومعللة، تقدم بعضها.
ومن أشهرها: رواية الأعمش، عَنْ حبيب بنِ أبي ثابت، عَنْ عروة، عَنْ عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قالَ: " لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثُمَّ اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، ثُمَّ صلي، وإن قطر الدم على الحصير".
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وقال أبو داود: هوَ حديث ضعيف لا يصح، قالَ: ليسَ بصحيح، وَهوَ خطأ مِنْ الأعمش.
وقال الدارقطني: لا يصح.
وقد روي موقوفًا على عائشة، وَهوَ أصح عند الأكثرين.
وروى هشيم: نا أبو بشر، عَنْ عكرمة؛ أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فأرها النبي ﷺ أن تنظر أيام أقرائها، ثُمَّ تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئًا مِنْ ذَلِكَ توضأت وصلت.
خرجه أبو داود.
[ ١ / ٧١٩ ]
والظاهر: أنَّهُ مرسل، وقد يكون آخره موقوفًا على عكرمة، مِنْ قوله والله أعلم.
وقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عَنْ جماعة مِنْ الصحابة، مِنهُم: علي، ومعاذ، وابن عباس، وعائشة، وَهوَ قول سعيد بنِ المسيب، وعروة، وأبي جعفر، ومذهب أكثر العلماء، كالثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم.
لكن؛ مِنهُم مِنْ يوجب عليها الوضوء لكل فريضة كالشافعي.
ومنهم مِنْ يرى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي بها ما شاءت مِنْ فرائض ونوافل حتَّى يخرج الوقت، وَهوَ قول أبي حنيفة، والمشهور عَنْ أحمد، وَهوَ -أيضًا- قول الأوزاعي والليث وإسحاق، وقد سبق ذكر قول مِنْ لَم يوجب الوضوء بالكلية لأجل دم الاستحاضة، كمالك وغيره.
وهكذا الاختلاف في كل مِنْ بهِ حدث دائم لا ينقطع، كمن بهِ رعاف دائم، أو سلس البول، أو الريح، ونحو ذَلِكَ.
وعن مالك رواية بوجوب الوضوء، كقول الجمهور» اهـ.
فائدة: قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٣٨): «وأمَّا علماء السلف والخلف وأهل الفتوى بالأمصار فكلهم على أنَّ الحائض لا تصلي ولا تقضي الصلاة أيام حيضها إلَّا أنَّ من السلف من كان يرى للحائض ويأمرها أن تتوضأ عند وقت الصلاة وتذكر الله وتستقبل القبلة ذاكرة لله جالسة، وروى خالد عن عقبة بن عامر ومكحول قال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن.
[ ١ / ٧٢٠ ]
ذكر عبد الرزاق قال: قال معمر: بلغني أنَّ الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة.
وابن جريج عن عطاء قال: لم يبلغني ذلك وأنَّه لحسن.
قال أبو عمر: هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء بل يكرهونه.
ذكر دحيم قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن سليمان التيمي قال سئل أبو قلابة عن الحائض إذا حضرت الصلاة أتتوضأ وتذكر الله؟ فقال أبو قلابة: قد سألنا عنه فلم نجد له أصلًا.
قال دحيم وحدثنا الوليد بن مسلم قال سألت سعيد بن عبد العزيز عن الحائض أنَّها إذا كان وقت صلاة مكتوبة توضأت واستقبلت القبلة فذكرت الله في غير صلاة ولا ركوع ولا سجود. قال: ما نعرف هذا ولكنا نكرهه. وقال معمر: قلت لابن طاووس: أكان أبوك يأمر الحائض عند وقت كل صلاة بطهر وذكر؟ قال: لا. وعلى هذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء اليوم في الأمصار» اهـ.
١١ - وقوله ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فِيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». هل يدخل في ذلك الطهر المتخلل للحيضة أو لا.
الأظهر أنَّها إذا طهرت طهرًا صحيحًا رأت فيه القصة البيضاء إن كان يخرج منها ذلك، أو حصل لها الجفاف التام أنَّها تجعل ذلك طهرًا، ولا عبرة في الجفاف في أقل من يوم، وذلك أنَّ الرحم من شأنها أن تدفع الدم في فترة دون فترة.
[ ١ / ٧٢١ ]
وهذا المذهب يسمى مذهب التلفيق لأنَّ عدتها ملفقة من حيض متقطع وهذا المذهب هو قول أكثر العلماء وهو مذهب مالك وأحمد، والشافعي في رواية.
وذهب الشافعي في المشهور وأبو حنيفة إلى مذهب السحب وهو جعل الطهر المتخلل حيضًا، وسمي سحبًا لأنَّ حكم الحيض ينسحب إلى الطهر المتخلل.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قال المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (١/ ٣٧٧):
«وَعَنْهُ أَيَّامُ النَّقَاءِ وَالدَّمِ حَيْضٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ» اهـ.
قلت: ويشترط في ذلك عندهم أن لا يزيد الطهر المتخلل مدة أكثر الطهر وهي ثلاثة عشر يومًا على الصحيح أو خمسة عشر يومًا على الخلاف في ذلك، فإن زاد على ذلك فهي حيضة جديدة.
ويشترط أيضًا عندهم أن لا يكون بين طرفي الحيضتين أكثر من خمسة عشر يومًا حتى لا يتجاوز أكثر الحيض باعتبار الغالب.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [الكافي] (١/ ١٤٩):
«فَصْلٌ: وإذا رأت ثلاثة أيام دمًا، ثم طهرت اثني عشر يومًا، ثم رأته ثلاثة دمًا، فالأول حيض؛ لأنها رأته في زمان إمكانه، والثاني استحاضة؛ لأنه لا يمكن أن يكون ابتداء حيض، لكونه لم يتقدمه أقل الطهر، ولا من الحيض الأول؛ لأنه يخرج عن الخمسة عشر.
والحيضة الواحدة لا يكون بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يومًا. فإن كان بين الدمين ثلاثة عشر يومًا فأكثر وتكرر، فهما حيضتان؛ لأنه أمكن جعل كل واحد
[ ١ / ٧٢٢ ]
منهما حيضة منفردة، لفصل أقل الطهر بينهما، وإن أمكن جعلهما حيضة واحدة بأن لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يومًا مثل أن ترى يومين دمًا وتطهر عشرة، وترى ثلاثة دمًا وتكرر، فهما حيضة واحدة؛ لأنه لم يخرج زمنهما عن مدة أكثر الحيض» اهـ.
وقال ﵀ في [المغني] (١/ ٢٥٧ - ٢٥٩):
«فَصْلٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ، وَتَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، سَوَاءٌ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وَكَثِيرِهِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَتَى نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ، فَلَيْسَ بِطُهْرٍ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا فِي النِّفَاسِ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا دُونَ الْيَوْمِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَفِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا انْقِطَاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهَا حَيْضٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَهُوَ شَيْءٌ يَتْبَعُ الْحَيْضَ أَبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إمَامِنَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ هِيَ الْقُطْنَةُ الَّتِي تَحْشُوهَا الْمَرْأَةُ، إذَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ كَمَا دَخَلَتْ لَا تَغَيُّرَ عَلَيْهَا فَهِيَ الْقُصَّةُ الْبَيْضَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ إمَامِنَا أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ
[ ١ / ٧٢٣ ]
النَّقَاءُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا، بَلْ لَوْ صَامَتْ فِيهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ صَلَاةٌ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، فَيَكُونُ الدَّمَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَيْضًا.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَيْضِ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِهِ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ أَنْ يَزُولَ الْحَيْضُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ؛ وَلِأَنَّهَا صَامَتْ وَهِيَ طَاهِرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ الدَّمُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى. قُلْنَا؛ لَا عِبْرَةَ بِالِانْقِطَاعِ الْيَسِيرِ، وَإِنَّمَا إذَا وُجِدَ انْقِطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، وَتَتَأَدَّى الْعِبَادَةُ فِيهِ، وَجَبَتْ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وَجُوبِهَا.
فَصْلٌ: الْفَصْلُ الثَّانِي، إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَاوِدَهَا فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الْعَادَةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مِنْ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ
[ ١ / ٧٢٤ ]
اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، ﵀: إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا، فَقَعَدَتْ خَمْسًا، ثُمَّ رَأَتْ الطُّهْرَ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ أَوْ الثَّامِنُ، فَرَأَتْ الدَّمَ، صَلَّتْ وَصَامَتْ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ.
وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي هَذَا الدَّمِ، فَأَشْبَهَ دَمَ النُّفَسَاءِ الْعَائِدَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ. فَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، وَتَجَاوَزَ الْعَادَةَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْبُرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَوْ لَا يَعْبُرَ، فَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ، فَإِلْحَاقُهُ بِالِاسْتِحَاضَةِ أَقْرَبُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْحَيْضِ؛ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ مَا لَمْ يَعْبُرْ الْعَادَةَ لَيْسَ بِحَيْضٍ.
فَهَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا، وَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ. فَفِي هَذَا عَلَى قَوْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ جَمِيعَهُ حَيْضٌ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَيْضٌ، مَا لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَالثَّانِي، أَنَّ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ حَيْضٌ؛ لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْهَا. وَالثَّالِثُ، أَنَّ الْجَمِيعَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا لَيْسَ بِحَيْضٍ. فَإِنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا.
فَأَمَّا إنْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ لَا يُمْكِنَ كَوْنُهُ حَيْضًا.
وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَهَذَا اسْتِحَاضَةٌ كُلُّهُ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِهِ حَيْضًا، فَكَانَ جَمِيعُهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ. وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي حَالَيْنِ؛
[ ١ / ٧٢٥ ]
أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ جَعَلْنَاهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَيُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا طُهْرًا فِي خِلَالِ الْحَيْضِ.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، إمَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِهِ بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، فَهَذَا إذَا تَكَرَّرَ كَانَ الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ، وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْ خَمْسَةً مِنْهَا دَمًا، وَطَهُرَتْ خَمْسَةً، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ. فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ. وَإِنْ رَأَتْ الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ طَرَفَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ. وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتَكَرَّرَ هَذَا، كَانَا حَيْضَتَيْنِ، وَصَارَ شَهْرُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَكَذَلِكَ إنْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا، وَتَكَرَّرَ شَهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ بَيْنَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ وَتَكَرَّرَ، فَهُمَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً؛ لِزِيَادَتِهِمَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ،
[ ١ / ٧٢٦ ]
وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ. وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَتَفَرَّعُ مِنْ الْمَسَائِلِ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا رَأَتْهُ بَعْدَ الطُّهْرِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَكَرَّرَ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَكُلُّ مَوْضِعٍ رَأَتْ الدَّمَ وَلَمْ تَتْرُكْ الْعِبَادَةَ فِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيْضًا، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ فِيهِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ عَدَّتْهُ حَيْضًا وَتَرَكَتْ فِيهِ الْعِبَادَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طُهْرٌ، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ٢٦٠ - ٢٦١):
«فَصْلٌ: فِي التَّلْفِيقِ وَمَعْنَاهُ ضَمُّ الدَّمِ إلَى الدَّمِ الَّذِينَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فَإِذَا رَأَتْ يَوْمًا طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ النَّقَاءِ طُهْرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَمَنُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ الطُّهْرِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمَيْنِ دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا، أَوْ يَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا تَكَرَّرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ لِمُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ مِثْلُ أَنْ تَرَى نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا وَنِصْفَهُ طُهْرًا، أَوْ سَاعَةً وَسَاعَةً فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ كَالْأَيَّامِ يُضَمُّ الدَّمُ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، إذَا بَلَغَ الْمُجْتَمِعُ مِنْهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا يَكُونُ الدَّمُ حَيْضًا، إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ حَيْضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ.
[ ١ / ٧٢٧ ]
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ قَوْلٌ فِي النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا وَجْهًا لَنَا فِي أَنَّ النَّقَاءَ مَتَى كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ طُهْرًا. فَعَلَى هَذَا مَتَى نَقَصَ النَّقَاءُ عَنْ يَوْمٍ كَانَ الدَّمُ وَمَا بَيْنَهُ حَيْضًا كُلَّهُ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً، أَوْ مُمَيِّزَةً، أَوْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، أَوْ يُوجَدُ فِي حَقِّهَا الْأَمْرَانِ.
فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ أَوَّلَ يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الطُّهْرِ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ؛ هَلْ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ خَاصَّةً وَمَا بَعْدَهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، وَالثَّالِثُ وَالْخَامِسُ، فَيَحْصُلُ لَهَا مِنْ عَادَتِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ يُلَفَّقُ لَهَا الْخَمْسَةُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ جَمِيعِهَا، فَتَجْلِسُ السَّابِعَ وَالتَّاسِعَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لَيْسَا مِنْ عَادَتِهَا فَلَا تَجْلِسُهُمَا كَغَيْرِ الْمُلَفِّقَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمَانَ الدَّمِ الْأُسُودِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَكَانَ حَيْضَهَا وَبَاقِيهِ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً جَلَسَتْ الْيَقِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، مِنْ أَوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ، أَوْ فِي شَهْرَيْنِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ. وَهَلْ يُلَفَّقُ لَهَا السَّبْعَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مِنْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَادَتُهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا قُلْنَا تَجْلِسُ زَمَانَ الدَّمِ مِنْ سَبْعَةٍ، جَلَسَتْ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ وَالْخَامِسَ وَالسَّابِعَ.
[ ١ / ٧٢٨ ]
وَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ سَقَطَ السَّابِعُ. وَإِنْ قُلْنَا تُلَفِّقُ لَهَا، زَادَتْ التَّاسِعَ وَالْحَادِي عَشَرَ إنْ قُلْنَا تَجْلِسُ سِتَّةً، وَإِنْ جَلَسَتْ سَبْعَةً زَادَتْ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي النَّاسِيَةِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُلَفِّقُ لَهَا عَدَدَ أَيَّامِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي، فِي الْمُعْتَادَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَفِي غَيْرِهَا: مَا عَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ وَأَيَّامُ الدَّمِ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيْضٌ كُلُّهَا إذَا تَكَرَّرَ فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَيَوْمًا، فَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حَيْضٌ، وَسَبْعَةٌ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَتْ أَنْصَافًا فَلَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ حَيْضٌ وَمِثْلُهَا طُهْرٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهَا فِيمَا بَعْدَهُ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، نَأْمُرُهَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَلَنَا: أَنَّ الطُّهْرَ لَوْ مُيِّزَ بَعْدَ الْخَامِسَ عَشَرَ لَمُيِّزَ قَبْلَهُ، كَتَمَيُّزِ اللَّوْنِ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ أَنْصَافًا أَوْ مُخْتَلِفًا، يَوْمًا دَمًا وَأَيَّامًا طُهْرًا أَوْ أَيَّامًا طُهْرًا وَأَيَّامًا دَمًا، كَالْحُكْمِ فِي الْأَيَّامِ الصِّحَاحِ الْمُتَسَاوِيَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجُزْءُ الَّذِي تَرَى الدَّمَ فِيهِ أَوَّلًا أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ فَفِيهِ وَجْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى يَسْبِقَهُ دَمٌ مُتَّصِلٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا.
وَإِنْ قُلْنَا الطُّهْرُ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَوْنِهِ حَيْضًا قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَجَاءَ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ إلَى الْأَوَّلِ مَا تُكْمِلُ بِهِ أَقَلَّ الْحَيْضِ؛ فَإِذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ يَوْمًا وَيَوْمًا، ضَمَّتْ الثَّالِثَ إلَى الْأَوَّلِ.
فَكَانَ حَيْضًا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى مَا تَكَرَّرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا رَأَتْ أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، ثُمَّ طَهُرَتْ ثَلَاثَةَ
[ ١ / ٧٢٩ ]
عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضَةً وَاحِدَةً لِفَصْلِ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِنُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الْأَوَّلَ إلَى الثَّانِي، فَكَانَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، إذَا بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَهُمَا حَيْضَتَانِ، إنْ قُلْنَا: أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ فَكَانَا حَيْضًا وَاحِدًا، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَكُنْ جَعْلُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا فَيَجْعَلُ أَحَدَهُمَا حَيْضًا وَالْآخَرَ اسْتِحَاضَةً وَعَلَى هَذَا فَقِسْ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٥١٣ - ٥١٤):
«فَصْلٌ: وَالطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ إِذَا رَأَتِ النَّقَاءَ الْخَالِصَ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْقُطْنَةِ إِذَا احْتَشَتْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْهُ أَنَّ مَا دُونُ الْيَوْمِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ كَالْفَتَرَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَمَا لَمْ تَرَ فِيهِ "الْقُصَّةَ" الْبَيْضَاءَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ الطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ بِطُهْرٍ صَحِيحٍ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّمِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يَسْتَمْسِكُ مَرَّةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَلَيْسَ بِدَائِمِ الْجَرَيَانِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ الِانْقِطَاعِ طُهْرًا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهَا الصَّلَاةُ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طُهْرًا صَحِيحًا كَانَ مَا قَبْلُهُ وَمَا بَعْدَهُ حَيْضًا صَحِيحًا تَامًّا فَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِثَلَاثٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ.
[ ١ / ٧٣٠ ]
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: "إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي فَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النَّقَاءِ الْخَالِصِ حَيْضًا تَبَعًا لِمَا يَتَخَلَّلُهُ مِنَ الدَّمِ فِي الْعَادَةِ، فَأَمَّا الْلَحَظَاتُ الَّتِي يَسْتَمْسِكُ فِيهَا دَمُ الْحَيْضِ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا النَّقَاءُ الْخَالِصُ وَلَا تَرَى مَعَهُ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا وَلَمْ يُجَاوِزْ مَجْمُوعُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ اغْتَسَلَتْ أَيَّامَ النَّقَاءِ، وَصَلَّتْ وَصَامَتْ وَضَمَّتِ النَّقَاءَ إِلَى الدَّمِ، فَكَانَ مَجْمُوعُهَا حَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَأَمَّا إِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ سَوَاءٌ حَصَلَ النَّقَاءُ بَعْدَ أَكَثَرِ الْحَيْضِ أَوِ اتَّصَلَ الدَّمُ بِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً فَإِنَّ النَّقَاءَ فِي السَّادِسِ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ وَلَا خَالَفَ عَادَةً مُتَقَدِّمَةً فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الدَّمَ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ فَلَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ صَحِيحٍ فَعَارَضَ الْأَمْرَانِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا، وَلَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا كَانَ الْجَمِيعُ اسْتِحَاضَةً فَكَذَلِكَ إِذَا انْفَصَلَ عَنْهُمَا، وَهَذِهِ تُسَمَّى الْمُلَفَّقَةُ» اهـ.
قلت: أثر ابن عباس لم يصله أبو داود، وقد وصله ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٣٧٧)، والدارمي في [سننه] (٨٠٠، ٨٠١)
من طريق خَالِدٍ وهو الحذاء، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: «أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي».
قلت: هذا أثر صحيح.
[ ١ / ٧٣١ ]
وهذا محمول على من رأت القصة البيضاء فإنَّها علامة ظاهرة في الطهر، وأمَّا الجفاف في أثناء الحيض في اليوم الواحد فهو من الأمور المعتادة على ما سبق بيانه.
قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (١/ ٣٦٥):
«نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ هِيَ طَاهِرٌ إذَا رَأَتْ الْبَيَاضَ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا إنْ كَانَ الطُّهْرُ سَاعَةً.
وَعَنْهُ: أَقَلُّهُ سَاعَةٌ، وَعَنْهُ يَوْمٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ» اهـ.
ومراده بالشيخ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
١٢ - وقوله ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فِيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». فيه أنَّ المرأة تترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة، وهذا يعم قليلها وكثيرها، ولم يحد النبي ﷺ حدًا لأقل الحيض، والصحيح أنَّ ما سال من فرج المرأة مما يدفعه الرحم فهو حيض قل أو كثر ما لم يكن دم عرق.
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنَّ أقله يوم، أو يوم وليلة على اختلاف في الروايات، والرواية الأولى أشهر في مذهبيهما، وذهب مالك إلى أنَّه لا حد لأقله.
وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ أقله ثلاثة أيام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٩/ ٢٤٠ - ٢٤٢):
«وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا بَلْ قَدَّرَ أَقَلَّ الْحَيْضِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ النَّقْلَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بَاطِلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَالْوَاقِعُ لَا ضَابِطَ لَهُ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَيْضًا
[ ١ / ٧٣٢ ]
إلَّا ثَلَاثًا قَالَ غَيْرُهُ قَدْ عَلِمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، قَدْ عَلِمَ غَيْرُهُ يَوْمًا وَنَحْنُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَنْفِيَ مَا لَا نَعْلَمُ وَإِذَا جَعَلْنَا حَدَّ الشَّرْعِ مَا عَلِمْنَاهُ فَقُلْنَا: لَا حَيْضَ دُونَ ثَلَاثٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ إلَّا ذَلِكَ كَانَ هَذَا وَضْعَ شَرْعٍ مِنْ جِهَتِنَا بَعْدَ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ؛ وَلَوْ كَانَ هَذَا حَدًّا شَرْعِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ أَوْلَى بِمَعْرِفَتِهِ وَبَيَانِهِ مِنَّا كَمَا حَدَّ لِلْأَمَةِ مَا حَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَمِنْ أَمَاكِنِ الْحَجِّ؛ وَمِنْ نُصُبِ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضِهَا؛ وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. فَلَوْ كَانَ لِلْحَيْضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدٌّ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَلَمَّا لَمْ يَحُدَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ وَيُسَمَّى فِي اللُّغَةِ حَيْضًا؛ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ إذَا سُئِلُوا عَنْ الْحَيْضِ قَالُوا: سَلُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ أَعْلَمُ بِذَلِكَ يَعْنِي: هُنَّ يَعْلَمْنَ مَا يَقَعُ مِنْ الْحَيْضِ وَمَا لَا يَقَعُ. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ تَعَلَّقَ بِالِاسْمِ الدَّالِّ عَلَى الْوَاقِعِ فَمَا وَقَعَ مِنْ دَمٍ فَهُوَ حَيْضٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ أَوْ جُرْحٍ؛ فَإِنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ إمَّا أَنْ تُرْخِيَهُ الرَّحِمُ؛ أَوْ يَنْفَجِرَ مِنْ عِرْقٍ مِنْ الْعُرُوقِ؛ أَوْ مِنْ جِلْدِ الْمَرْأَةِ أَوْ لَحْمِهَا فَيَخْرُجُ مِنْهُ. وَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ عُرُوقٍ صِغَارٍ؛ لَكِنَّ دَمَ الْجُرْحِ الصَّغِيرِ لَا يَسِيلُ سَيْلًا مُسْتَمِرًّا كَدَمِ الْعِرْقِ الْكَبِيرِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "إنَّ هَذَا دَمُ عِرْقٍ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ". وَإِنَّمَا يَسِيلُ الْجُرْحُ إذَا انْفَجَرَ عِرْقٌ كَمَا ذَكَرْنَا فَصْدَ الْإِنْسَانِ؛ فَإِنَّ الدَّمَ فِي الْعُرُوقِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥):
[ ١ / ٧٣٣ ]
«وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ مَا جَمَعَتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُمَا - وَهُوَ الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ، فَجَعَلْتُمْ أَقَلَّ الْحَيْضِ مَحْدُودًا إمَّا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بِيَوْمٍ، وَلَمْ تَجِدُوا أَقَلَّ النِّفَاسِ، وَكِلَاهُمَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ يَمْنَعُ أَشْيَاءَ وَيُوجِبُ أَشْيَاءَ، وَلَيْسَا اسْمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ لَمْ يُعْرَفَا إلَّا بِالشَّرِيعَةِ، بَلْ هُمَا اسْمَانِ لُغَوِيَّانِ، رَدَّ الشَّارِعُ أُمَّتَهُ فِيهِمَا إلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النِّسَاءُ حَيْضًا وَنِفَاسًا، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا. وَقَدْ ذَكَرْتُمْ هَذَا بِعَيْنِهِ فِي النِّفَاسِ، فَمَا الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيْضِ؟ وَلَمْ يَأْتِ عَنْ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ تَحْدِيدُ أَقَلِّ الْحَيْضِ بِحَدٍّ أَبَدًا، وَلَا فِي الْقِيَاسِ مَا يَقْتَضِيهِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ حَيْثُ لَمْ يَحُدَّهُ الشَّارِعُ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ فَقُلْتُمْ: حَدُّ أَقَلِّهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ الثَّلَاثِ فَإِنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى حَدِيثٍ تَوَهَّمُوهُ صَحِيحًا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَهُمْ أَعْذَرُ مِنْ وَجْهٍ، قَالَ الْمُفَرِّقُونَ: بَلْ فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّ لِلْقِيَاسِ عَلَمًا ظَاهِرًا يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الرَّحِمِ وَهُوَ تَقَدُّمُ الْوَلَدِ عَلَيْهِ، فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، لِوُجُودِ عَلَمِهِ الدَّالِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَعَ الْحَيْضِ عَلَمٌ يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الرَّحِمِ، فَإِذَا امْتَدَّ زَمَنُهُ صَارَ امْتِدَادُهُ عَلَمًا وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ مُعْتَادٌ، وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَيْضٌ فَصَارَ كَدَمِ الرُّعَافِ.
ثُمَّ نَاقَضُوا فِي هَذَا الْفَرْقِ نَفْسَهُ أَبْيَنَ مُنَاقَضَةٍ، فَقَالَ أَصْحَابُ الثَّلَاثِ: لَوْ امْتَدَّ يَوْمَيْنِ وَنِصْفَ يَوْمٍ دَائِمًا لَمْ يَكُنْ حَيْضًا حَتَّى يَمْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الْيَوْمِ: لَوْ امْتَدَّ مِنْ غَدْوَةٍ إلَى الْعَصْرِ دَائِمًا لَمْ يَكُنْ حَيْضًا حَتَّى يَمْتَدَّ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَخَرَجُوا بِالْقِيَاسِ عَنْ مَحْضِ الْقِيَاسِ» اهـ.
[ ١ / ٧٣٤ ]
قلت: ولا حد لأكثره على الصحيح، وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنَّ أكثره خمسة عشر يومًا، وفي رواية لمالك وأحمد أكثره سبعة عشر يومًا.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٣٨٠):
«وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ إحْدَاهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَالثَّانِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَالثَّالِثَةُ غَيْرُ مَحْدُودٍ» اهـ.
قلت: وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ أكثره عشرة أيام.
ونازع العلامة ابن القيم ﵀ في كون السبعة عشرة مذهبًا لأحمد في أكثر الحيض فقال في [بدائع الفوائد] (٤/ ٩٤):
«قوله: في أكثر الحيض أكثر ما سمعنا سبعة عشر يومًا يحتمل أن يكون ذكره لأنَّه قوله، ويمكن أن يكون على طريق الحكاية والأشبه عندي أن يكون قوله لا يختلف أنَّه خمسة عشر يومًا، وإنَّما أخبر عن السبع عشرة أنَّه سمعه لا أنَّه يقلده» اهـ.
قلت: وإن كان الصحيح أنَّ الحيض لا حد لأكثره غير أنَّ المرأة إذا زاد الدم عن عادتها وتجاوز الخمسة عشر يومًا فعليها أن تغتسل وتصلي وتجعل ما زاد استحاضة لأنَّ الغالب في الحيض أن لا يتجاوز الخمسة عشر يومًا، لكن إن تجاوز واستقر فهو حيض فأما إذا لم يستقر واستمر بها فهو جميع الشهر أو جميعه إلَّا قليلًا منه فهو استحاضة.
واختلفوا في أقل الطهر بين الحيضتين فذهب أحمد إلى أنَّه ثلاثة عشر يومًا، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنَّه خمسة عشر يومًا، وحكي رواية عن أحمد.
[ ١ / ٧٣٥ ]
وفي رواية لأحمد ومالك أنَّه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الكافي] (١/ ١٨٦):
«واختلف أصحاب مالك في أقل الطهر الذي تعتد به المطلقة فقال بعضهم: سبعة أيام أو ثمانية وقال بعضهم: عشرة وقال بعضهم: أقله خمسة أيام وقال بعضهم: عشرة وقال بعضهم: أقله خمسة أيام وقال بعضهم: أقله خمسة عشر يوما وعلى هذا أكثر العلماء وليس لكثرة الطهر حد» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٣٨٢):
«وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّهُ عَشَرَةٌ» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٤٨)
«أَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ فَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ
فَرَوَى بن الْقَاسِمِ عَنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا أقل الطهر ثمانية أيام وهو قول سجنون.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ عِدَّةَ ذَاتِ الْأَقْرَاءِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَجَعَلَ عِدَّةَ مَنْ لَا تَحِيضُ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَكَانَ كُلُّ قُرْءٍ عِوَضًا مِنْ شَهْرٍ وَالشَّهْرُ يَجْمَعُ الطُّهْرَ وَالْحَيْضَ فَإِذَا قَلَّ الْحَيْضُ كَثُرَ الطُّهْرُ وَإِذَا كَثُرَ الْحَيْضُ قَلَّ الطُّهْرُ فَلَمَّا كَانَ
[ ١ / ٧٣٦ ]
أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِيَكْمُلَ فِي الشَّهْرِ الْوَاحِدِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كَثْرَةِ النِّسَاءِ وَجِبِلَّتِهِنَّ مَعَ دَلَائِلِ الْقُرْآنِ والسنة على ذلك كما ذكرنا» اهـ.
قلت: والمشهور عند المالكية في كتبهم أنَّ أقل الطهر خمسة عشر يومًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٧٩) - عند ذكره لمذهب الإمام أحمد -:
«وَعَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ وَهُوَ عَلَى مَا تَعْرِفُ الْمَرْأَةُ مِنْ عَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَتِ اثْنَي عَشَرَ يَوْمًا أَوْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَقَّتُ فِي ذَلِكَ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ كَأَكْثَرِ الطُّهْرِ» اهـ.
وقال العلامة الشنقيطي ﵀ في [أضواء البيان] (٢/ ٢٣٣):
«وَأَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ هُوَ أَكْثَرُهَا مُوَافَقَةً لِلْمُشَاهَدِ كَكَوْنِ الْحَيْضِ لَا يَقِلُّ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَكْثُرُ عَنْ نِصْفِ شَهْرٍ، وَكَوْنُ أَقَلِّ الطُّهْرِ نِصْفُ شَهْرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: واحتج بمن قال بأنَّ أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا بما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٩٢٩٦)، والدارمي في [سننه] (٨٨٣)
من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ وهو الشعبي، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَطَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَصَلَّتْ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: «قُلْ فِيهَا»، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ،
[ ١ / ٧٣٧ ]
وَطَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ، وَصَلَّتْ فَهِيَ صَادِقَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: «قَالُونُ، وَعَقَدَ ثَلَاثِينَ بِيَدِهِ، يَعْنِي بِالرُّومِيَّةِ».
قلت: هذا أثر صحيح. ومعنى "قالون" بالرومية أصبت، أو جيد.
وقد علقه البخاري في [صحيحه - مع الفتح] (١/ ٨٩) فقال:
«وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ» اهـ.
قالوا: فلا يمكن أنَّ تنتهي عدتها في شهر إذا كان أقل الطهر خمسة عشر يومًا، فصح أنَّ أقله ثلاثة عشر يومًا، وذلك أنَّها إذا حاضت يومًا وطهرت ثلاثة عشر يومًا، ثم حاضت يومًا، وطهرت ثلاثة عشر يومًا، ثم حاضت يومًا، وطهرت فهذه ثلاثين يومًا مع يوم طهرها آخر أقرائها.
قلت: وهذا مبني على أنَّ أقل الحيض يوم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٧٩):
«وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَيْهِ قَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ طَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَصَلَّتْ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: "إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بَاطِنَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ، شَهِدَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ "ثَلَاثًا" وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قَالُونَ: " مَعْنَاهُ بِالرُّومِيَّةِ جَيِّدٌ.
وَذَكَرَ إِسْحَاقُ عَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ كَذَلِكَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلَا يُمْكِنُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثُ حِيَضٍ إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا كَامِلًا، فَيَثْبُتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَمَا دُونُ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ
[ ١ / ٧٣٨ ]
فِيهِ تَوْقِيفٌ وَلَا عَادَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَجْعَلَ الدَّمَ الْمَوْجُودَ فِي طَرَفِهِ حَيْضَتَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَعَلْنَاهُ حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَالتَّغَايُرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وعلى قول من رأى أقل الطهر عشرة أيام يمكن أن تنقضي عدتها في شهر كأن تحيض ثلاثًا، وتطهر عشرًا.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٤٨):
«وقال حرب الكرماني: ثنا إسحاق: ثنا أبي، قالَ: سألت ابن المبارك فقالَ: أرأيت قول سفيان: تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر، كيف هَذا؟ وما معناه؟ فقالَ: جعل ثلاثًا حيضًا، وعشرًا طهرًا، وثلاثًا حيضًا، كذا قالَ» اهـ.
وقال أيضًا (٢/ ١٤٨): «وأمَّا إسحاق بنِ راهويه، فإنه حمل المروي عَنْ علي في ذَلِكَ على أنَّهُ جعل الطهر عشرة أيام، والحيض ثلاثة، لكن إسحاق لا يرى أن أقل الحيض ثلاث» اهـ.
قلت: وتترجح الثلاث عشر بثبوت هذا المقدار من الطهر في الواقع ولم يثبت أقل من ذلك، وذلك أنَّ أكثر ما نقل من الحيض سبعة عشر يومًا، ومن كان هذا حيضها فيكون طهرها ثلاثة عشر يومًا، ولم يأت في الواقع طهر أقل من ذلك.
وقال ابن رشد الحفيد المالكي الفيلسوف وقد شان نفسه بها في [بداية المجتهد] (١/ ٥٦) - عند كلامه ذكره لأكثر الحيض-:
«وقيل سبعة عشر يومًا وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب» اهـ.
وقال العلامة الماوردي الشافعي ﵀ في [الحاوي] (١/ ٤٣٥).
[ ١ / ٧٣٩ ]
«وَأَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَقَلُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ اعْتِبَارِ الْعَادَةِ قَوْلُهُ ﷺ: "تَقْعُدُ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي"، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ قَدِ اسْتَقَرَّ نَصًّا بِأَنَّ الشَّهْرَ فِي مُقَابَلَةِ قُرْءٍ جَامِعٍ لِحَيْضٍ وَطُهْرٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى الْمُؤَيَّسَةِ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ فِي الْعِدَّةِ، وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ إِمَّا لِأَنَّ الشَّهْرَ يَجْمَعُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَكْثَرَ الطُّهْرِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ أَوْ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ أَوْ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرَ الطُّهْرِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يكون جامعًا لأكثر الأمرين؛ لأن أكثر الطهر غير محدود ولم يجز أن يكون جامعًا، لأقل الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِ الطُّهْرِ، لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ الشَّهْرَ فَثَبَتَ أَنَّهُ جَامِعٌ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، فَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِمَا دَلَّلْنَا ثَبَتَ أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا» اهـ.
قلت: ما ذكره من الحديث فلا أصل له بهذا اللفظ.
قال الحافظ البيهقي الشافعي ﵀ في [المعرفة] (٢/ ١٤٥):
«وَأَمَّا الَّذِي يَذْكُرُهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ قُعُودِهَا شَطْرَ عُمْرِهَا، وَشَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي، فَقَدْ طَلَبْتُهُ كَثِيرًا فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُ إِسْنَادًا بِحَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وأمَّا ما ذكره من القياس والتعليل إن استقام فهو يدل لما ذكرناه من أنَّ أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا، وذلك لأنَّ أكثر ما نقله العلماء من حيض النساء سبعة عشر يومًا.
[ ١ / ٧٤٠ ]
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٩٤):
«قوله في الطهر أنَّه على قدر ما يكون فليس عنده أنَّ لأقله حدًا كما ليس لأكثره حد وكل شيء لأكثره حد ليس لأقله حد، فإن قيل: ينبغي إن كان ليس لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها في أربعة أيام تباح للأزواج قيل العدة ليس من هذا لأنَّ قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يريد الإقراء الكاملة وأقل الكاملة أن تكون في شهر لحديث علي مع شريح» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٤٧):
«وقد ينبني الذِي نقله ابن القاسم، عَنْ مالك، على قولُهُ: إنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين، بل هوَ على ما تعرف المرأة مِنْ عادتها.
وَهوَ رواية منصوصة عَنْ أحمد، اختارها أبو حفص البرمكي مِنْ أصحابنا، وأورد على نفسه: أنَّهُ يلزم على هَذا أنها إذا ادعت انقضاء العدة في أربعة أيام قبل منها: فأجاب: أنَّهُ لا بد مِنْ الأقراء الكاملة، وأقل ما يُمكن في شهر.
كذا قالَ» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّه لا بد من تحديد أقل الطهر بين الحيضتين حتى يُعرف الدم النازل بعد ذلك هل هو تبع للحيضة السابقة أو هو حيضة جديدة، وأحسن ما يحد ذلك بثلاثة عشر يومًا لحديث علي ﵁ مع شريح. والله أعلم.
قلت: وأمَّا أكثر الطهر بين الحيضتين فلا حد له باتفاق العلماء.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٥/ ٥٨٧):
[ ١ / ٧٤١ ]
«قَالَ شَيْخُنَا: وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَلْ فِيهِنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ وَإِنْ بَلَغَتْ وَفِيهِنَّ مَنْ تَحِيضُ حَيْضًا يَسِيرًا يَتَبَاعَدُ مَا بَيْنَ أَقْرَائِهَا حَتَّى تَحِيضَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ لَا حَدَّ لَهُ، وَغَالِبُ النِّسَاءِ يَحِضْنَ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً وَيَحِضْنَ رُبُعَ الشَّهْرِ وَيَكُونُ طُهْرُهُنَّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ» اهـ.
قلت: واختلف العلماء في التي يطول الفصل بين حيضتيها كالسنة والسنتين فمنهم من أرجعها إلى الاعتداد بالأشهر، ومنهم من ذهب إلى أنَّ عدتها بالحيض وهو الصحيح، وهو قول أكثر العلماء.
قال الإمام الشافعي ﵀ في [الأم] (٥/ ٢٢٦):
«وَعِدَّةُ الَّتِي تَحِيضُ الْحَيْضُ وَإِنْ تَبَاعَدَ كَأَنَّهَا كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فَعِدَّتُهَا الْحَيْضُ» اهـ.
وروى سعيد بن منصور في [سننه] (١٣٠٣) نا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَ دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَحُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: «إِذَا كَانَتْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ وَإِنْ حَاضَتْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً».
وروى سعيد بن منصور في [سننه] (١٣٠٤) نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً تَكْفِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ».
١٣ - وقوله: «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ، وَصَلِّي». فيه الأمر بغسل الدم وليس فيه الأمر بالتلجم أو الاستثفار، وقد جاء الأمر بذلك فيما رواه مالك في [الموطأ] (١٥٨)، ومن طريقه أحمد (٢٦٧١٦)، وأبو داود (٢٧٤)، والنسائي (٢٠٨، ٣٥٥) عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله
[ ١ / ٧٤٢ ]
عليه وسلم، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ:
«لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي».
قلت: وقد تابع مالكًا على ذلك جرير بن حازم عند الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٧٢٤)، وعبيد الله بن عمر العمري في أصح الروايتين عنه كما سيأتي بيان ذلك.
ويحيى بن سعيد الأنصاري فيما ذكره العلامة ابن الجارود ﵀ حيث قال في [المنتقى] (ص: ٣٨): «وَقَالَ مَالِكٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ» اهـ.
وروى الحديث أبو داود (٢٧٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالَ: «فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ». بِمَعْنَاهُ اهـ.
ورواه أبو داود (٢٧٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَار، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ قَالَ: «فَإِذَا خَلَّفَتْهُنَّ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ، …». وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ اهـ.
[ ١ / ٧٤٣ ]
قلت: اختلف فيه على عبيد الله بن عمر العمري فرواه أنس بن عياض عنه كما مضى، وخالفه عبد الله بن نمير فروى أحمد (٢٧٠٤٥) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي امْرَأَةٍ تُهَرَاقُ الدَّمَ، فَقَالَ:
«تَنْتَظِرُ قَدْرَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، فَتَدَعُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ، وَلْتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ تُصَلِّي».
وتابع ابن نمير أبو أسامة حماد بن أسامة عند ابن ماجه (٦٢٣)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٣٥٥)، والدارقطني (٨٤٣).
وعَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٩٠٧٩).
وَمُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٩٣٥٤) وحديثهم أصح من حديث أنس بن عياض.
قلت: وتابع الليث أيضًا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٦٤٠).
وصَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٦٤١).
وجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٦٤٢)، وأبي يعلى في [مسنده] (٦٨٩٤).
وموسى بن عقبة فيما رواه
قلت: موسى بن عقبة خالف جميع من سبق فجعله من رواية سليمان عن مرجانة عن أم سلمة.
[ ١ / ٧٤٤ ]
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١٥٨٢) أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَبَّانَ الْأَصْفَهَانِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ ثنا خَالِدُ بْنُ نِزَارِ الْأَيْلِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً ثنا إِبْرَاهِيَمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَهُوَ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ وَكَانَ مَالِكٌ يُمْلِي عَلَيْهِ، ثنا نَافِعٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مَرْجَانَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهَا الَّذِي كَانَ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتَسْتَدْفِرْ بِثَوْبِهَا وَتُصَلِّي».
ورواه الطبراني في [الكبير] (١٩١٣٩) من طريق ابن طهمان به.
وخالف ابن طهمان عبد العزيز بن أبي حازم
فروى الطبراني في [الكبير] (١٩٣٥٧) حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، ثنا أَبِي، ثنا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِتَنْظُرْ عِدَّةَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِيَ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بِهَا الَّذِي كَانَ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، فَتَتْرُكُ الصَّلاةَ لِذَلِكَ، فَإِذَا حَلَفَتْ لِذَلِكَ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ» اهـ.
قلت: حديث إبراهيم بن طهمان أصح من حديث عبد العزيز بن أبي حازم.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١٦٤٤):
[ ١ / ٧٤٥ ]
«وَرَوَاهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إِلاَّ أَنَّهُ سَمَّى الْمُسْتَحَاضَةَ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ: عَلِىُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ بِبَغْدَادَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ اسْتُحِيضَتْ فَكَانَتْ تَغْتَسِلَ مِنْ مِرْكَنٍ لَهَا، فَتَخْرُجُ وَهِىَ عَالِيَةُ الصُّفْرَةِ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لِتَنْظُرْ أَيَّامَ قُرْئِهَا وَأَيَّامَ حَيْضِهَا، فَتَدَعْ فِيهَا الصَّلَاةَ وَتَغْتَسِلْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَتَسْتَذْفِرْ بِثَوْبٍ وَتُصَلِّى". وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ. وَحَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِى شَأْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِى حُبَيْشٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٦/ ٥٦):
«هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عن نافع سواء ورواه الليث بن سعد وصَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَّةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَدْخَلُوا بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ رَجُلًا وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّتِي كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ» اهـ.
[ ١ / ٧٤٦ ]
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٩) - بعد ذكره لروايتي أبي داود -:
«فتبين بهذا أنَّ سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة» اهـ.
قلت: وعلى كل حال فقد رواه أحمد (٢٧١٢٨) حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ: "لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَيْضِ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، لِتَقْعُدْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، وَلْتُصَلِّ"».
قلت: فيه عبد الله العمري وهو ضعيف الحديث لكن يقويه ما سبق.
وجاء الأمر بالاستثفار في حق النفساء فيما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي"».
ومعنى الاستثفار ما قاله العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (١/ ٢١٤):
«هُوَ أَنْ تَشُدّ فَرْجَهَا بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ بَعْدَ أَنْ تَحْتَشي قُطْنا، وتُوثِقَ طرَفَيْها فِي شَيْءٍ تَشُدّه عَلَى وسَطها، فَتَمْنَعُ بِذَلِكَ سَيْل الدَّم، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَفَر الدَّابة الَّذِي يُجْعل تَحْتَ ذَنَبها» اهـ.
وجاء الأمر بالتلجم في أمر النبي ﷺ لحمنة بنت جحش فيما رواه أحمد (٢٧٥١٤)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨) واللفظ له، وابن
[ ١ / ٧٤٧ ]
ماجه (٦٢٢) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: «كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا، فَقَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ؟ قَالَ: "أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَتَلَجَّمِي" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاتَّخِذِي ثَوْبًا". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ" فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ" فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ"».
وليس في رواية أبي داود وابن ماجه ذكر الأمر بالتلجم، وفي رواية ابن ماجه عن أم حبيبة بنت جحش وهو وهم.
[ ١ / ٧٤٨ ]
قلت: هذا حديث ضعيف لأنَّه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل والراجح فيه الضعف.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٦١ - ١٦٢):
«خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: حسن صحيح.
وحكى عَنْ البخاري أنَّه حسنه، وعن الإمام أحمد أنَّه قالَ: هوَ حسن صحيح.
وقد اختلف قول الإمام أحمد فيهِ، فقيل عَنهُ أكثر أصحابه أنَّهُ ضعفه، وقيل: إنَّه رجع إلى تقويته والأخذ بهِ -: قاله أبو بكر الخلال.
وقد رواه جماعة عَنْ ابن عقيل كَما ذكرناه، وخالفهم ابن جريجٍ، فرواه عَنهُ، وقال فيهِ: عَنْ حبيبة بنت جحش.
ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وقال: خالف الناس - يشير إلى أنَّها حمنة، ليست حبيبة.
وقد خرجه ابن ماجه مِنْ طريق ابن جريج، عَنْ ابن عقيل، إلَّا أنَّ في روايته:
"عَنْ أم حبيبة بنت جحش"» اهـ.
وقال في [تحفة الأحوذي] (١/ ١٥٣):
«"قَالَ: فَتَلَجَّمِي" أَيْ شُدِّي اللِّجَامَ يَعْنِي خِرْقَةً عَلَى هَيْئَةِ اللِّجَامِ كَالِاسْتِثْفَارِ
"قَالَ: فَاِتَّخِذِي ثَوْبًا" أَيْ تَحْتَ اللِّجَامِ، وَقَالَ الْقَارِي: أَيْ مُطْبِقًا» اهـ.
قلت: وإيضاح معنى التلجم أَنْ تَشُدَّ خِرْقَةً كَالتِّكَّةِ بِوَسَطِهَا، وَتُلْجَمُ بِأُخْرَى مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ تَجْعَلُ أَحَدَهُمَا قُدَّامَهَا وَالْآخَرَ وَرَاءَهَا وَتَشُدُّهُمَا بِتِلْكَ الْخِرْقَةِ ويكون شد كل طرف في الخاصرة، وهذا أحسن في الشد، وقال بعض العلماء يكون الربط عند سرتها كما ذكر ذلك المرداوي والنووي وغيرهما.
[ ١ / ٧٤٩ ]
وقد بيَّن معنى التلجم بيانًا حسنًا العلامة يحيى بن أبي الخير العمراني ﵀ في [البيان] (١/ ٤١٠):
«وهو أن تأخذ قطنةً أو خرقةً وتسدَ بها فرجها، وتأخذ خرقةً مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخذيها، وتشدها على تلك القطنة، وتخرج أحد طرفيها إلى بطنها، والآخر إلى صلبها، ثم تشدَ أحد الطرفين بالآخر إلى خاصرتها اليمنى، وأحد الطرفين المشقوقين بالآخر إلى خاصرتها اليسرى» اهـ.
وهذا هو الاستثفار المذكور في الخبر، مأخوذ من: ثفر الدابة تحت ذنبها. وهكذا يفعل بالميت إذا غُسل
* * *
[ ١ / ٧٥٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٤١ - ١٤٤):
«واختلف -أيضًا- في اسم المستحاضة: فقال الأكثرون في روايتهم: أم حبيبة، ومنهم من قال: أم حبيبة بنت جحش.
وقد خرجه مسلم من طرق، عن الزهري كذلك.
وفي رواية له: عن عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة، أنَّ أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ، وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين - وذكر الحديث.
ولمسلم - أيضًا - من حديث عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، أنَّ أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى النبي ﷺ الدم، فقال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي"، فكانت تغتسل عند كل صلاة.
ورواه أبو داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، وقال في حديثه: إنَّ زينب بنت جحش استحيضت.
ووهم في قوله: "زينب": ذكر ذلك الدارقطني في "علله".
[ ١ / ٧٥١ ]
وذكر أبو داود في "سننه" أنَّ أبا الوليد الطيالسي رواه، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: استحيضت زينب بنت جحش - فذكره.
وكذلك خرجه مسلم من رواية ابن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، أنَّ زينب بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين - فذكره.
وقد رواه مالك في "الموطأ" عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، أنَّها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت تستحاض، وكانت تغتسل وتصلي.
ولم يرفع هشام شيئًا من الحديث.
وذكر ابن عبد البر: أنَّ مالكًا وهم في قوله: "زينب"، وإنَّما هي: أم حبيبة.
وقد رواه الليث بن سعد، عن هشام، فقال فيه: إنَّ أم حبيبة بنت جحش.
وكذلك رواه يحيى بن سعيد، عن عروة وعمرة، عن زينب بنت أبي سلمة، أنَّ أم حبيبة - وذكر الحديث.
وروى ابن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، أنَّ حبيبة بنت جحش استحيضت -فذكره.
وقال: كذا حفظت أنا في الحديث: والناس يقولون: أم حبيبة.
خرجه حرب الكرماني في "مسائله" عن الحميدي، عنه.
وقد روي عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمة حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه، فوجدته في بيت أخي زينب -وذكرت حديثًا طويلًا.
[ ١ / ٧٥٢ ]
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي. وقال: حسن صحيح، وحكى عن البخاري أنَّه حسنه، وعن الإمام أحمد أنَّه قال: هو حسن صحيح.
وقد اختلف قول الإمام أحمد فيه، فقيل عنه أكثر أصحابه أنَّه ضعفه، وقيل: إنَّه رجع إلى تقويته والأخذ به -: قاله أبو بكر الخلال.
وقد رواه جماعة عن ابن عقيل كما ذكرناه، وخالفهم ابن جريج، فرواه عنه، وقال فيه: عن حبيبة بنت جحش.
ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وقال: خالف الناس - يشير إلى أنَّها حمنة، ليست حبيبة.
وقد خرجه ابن ماجه من طريق ابن جريج، عن ابن عقيل، إلَّا أنَّ في روايته: "عن أم حبيبة بنت جحش".
وحاصل الأمر: أنَّ بنات جحش ثلاث:
زينب بنت جحش أم المؤمنين، كانت زوج زيد بن حارثة، فطلقها فتزوجها النبي ﷺ، وهي التي ذكرها الله سبحانه في سورة الأحزاب.
وحمنة بنت جحش، هي التي خاضت في الإفك، وكانت تحت طلحة بن عبيد الله.
وأم حبيبة، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، ويقال فيها - أيضًا -: أم حبيب -: قاله الإمام أحمد في رواية ابنه صالح، وأكثر الناس يسميها: أم حبيبة.
[ ١ / ٧٥٣ ]
وقال طائفة من المحققين: إنَّما هي أم حبيب، واسمها حبيبة، ففي "تاريخ" المفضل الغلابي - والظاهر أنَّه عن يحيى بن معين؛ لأنَّه في سياق كلام حكاه عنه، قال: المستحاضة حبيبة بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وهي أخت حمنة.
وكذا ذكر الزبير بن بكار في كتاب "الأنساب"، إلَّا أنَّه لم يكنها، وكذا قال أبو بكر بن أبي داود.
وحكى الدارقطني في "علله" عن إبراهيم الحربي، أنَّه قال: الصحيح أنَّ المستحاضة أم حبيب، واسمها حبيبة بنت جحش، وهي أخت حمنة، ومن قال فيه: أم حبيبة أو زينب فقد وهم.
قال الدارقطني: وقول إبراهيم صحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن.
وقال ابن سعد في "طبقاته": هي أم حبيب بنت جحش، واسمها: حبيبة. قال: وبعض أهل الحديث يقلب اسمها، فيقول: أم حبيبة.
وحكى عن الواقدي، أنَّه قال: بعضهم يغلط، فيروي أنَّ المستحاضة حمنة بنت جحش، ويظن أن كنيتها أم حبيبة، والأمر على ما ذكرنا، هي أم حبيب حبيبة بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، ولم تلد له شيئًا.
وحكى البيهقي في "كتاب المعرفة"، عن ابن المديني، أنَّه قال: أم حبيبة هي حمنة. وعن يحيى بن معين، أنَّها غيرها.
ثم قال البيهقي: حديث ابن عقيل يدل على أنَّها غيرها، كما قال يحيى.
قلت: رواية ابن عقيل، عن ابن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة صريح في أنَّها حمنة لا تحتمل غير ذلك؛ لأنَّ حمنة هي زوج
[ ١ / ٧٥٤ ]
طلحة بن عبيد الله، وولدت له عمران، وهو رواي هذا الحديث عن أمه، وأمَّا أختها حبيبة فلم يكن لها ولد بالكلية -: قاله الزبير بن بكار وغيره، وحينئذ فيحتمل أن تكون حمنة استحيضت، وأختها حبيبة استحيضت أيضًا.
وقد حكى ابن عبد البر هذا قولًا، قال: وقيل: إنَّهن كلهن استحضن يعني: زينب، وأم حبيب، وحمنة.
وعلى ما ذكره الأولون، فالمستحاضة هي أم حبيب حبيبة خاصة دون أختيها.
وذكر أبو الوليد بن الصفار الأندلسي - وكان من أعيان علماء الأندلس - في شرح "الموطأ" له: أنَّ كلًا من الأخوات الثلاث تسمى زينب، وأنَّ حمنة لقب.
قال القرطبي: وإذا صح هذا فقد صح قول من سمى المستحاضة زينب.
قلت: وفي هذا بعد، وهو مخالف لقول الأئمة المعتبرين، كما سبق. والله أعلم.
ووقع في متن حديث عائشة اختلاف ثالث، وهو أهم مما قلبه، وذلك أنَّه اختلف في غسلها لكل صلاة، فمن الرواة: من ذكر أنَّها كانت تغتسل لكل صلاة، وأنَّ النبي ﷺ لم يأمرها بذلك. ومنهم: من ذكر أنَّ النبي ﷺ أمرها بذلك.
فأمَّا الذين لم يرفعوه: فهم الثقات الحفاظ.
وقد خرجه البخاري ها هنا من حديث ابن أبي ذئب، من الزهري، وفي حديثه: "فكانت تغتسل لكل صلاة".
[ ١ / ٧٥٥ ]
وخرجه مسلم من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وفي حديثه: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أنَّ رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
وخرجه - أيضًا - من رواية عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، وفي حديثه: "فكانت تغتسل عند كل صلاة".
وأمَّا الذين رفعوه: فرواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنَّ أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله ﷺ، فأمرها بالغسل لكل صلاة.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
قال: ورواه أبو الوليد الطيالسي، ولم أسمعه منه، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبي ﷺ: "اغتسلي لكل صلاة ".
وابن إسحاق وسليمان بن كثير في روايتهما عن الزهري اضطراب كثير، فلا يحكم بروايتهما عنه مع مخالفة حفاظ أصحابه.
وروى يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر - هو: ابن حزم -، عن عمرة، عن عائشة، أنَّ أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأنَّها استحيضت فلا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله ﷺ فقال: "ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض له، فلتترك الصلاة، ثم لتنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة، ولتصل".
خرجه الإمام أحمد والنسائي.
[ ١ / ٧٥٦ ]
وهو مخالف لرواية الزهري، عن عمرة، كما سبق، ورواية الزهري أصح.
وقال الإمام أحمد: كل من روى عن عائشة: الأقراء الحيض، فقد أخطأ. قال: وعائشة تقول: الأقراء الأطهار.
وكذا قال الشافعي في رواية الربيع، وأشار إلى أنَّ رواية الزهري أصح من هذه الرواية.
وحكى الحاكم عن بعض مشايخه: أنَّ حديث ابن الهاد غير محفوظ.
وقد روى أنَّ النبي ﷺ أمر أم حبيبة بالغسل لكل صلاة -: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة.
خرجه أبو داود.
وقد اختلف في إسناده على يحيى، والصحيح: عنه، عن أبي سلمة -مرسلًا -: قاله أبو حاتم، مع أنَّ رواية زينب بنت أبي سلمة مرسلة -أيضًا -، وقيل: عنه، عن أبي سلمة، عن أم حبيبة، ولا يصح.
ورواه الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة مرسلًا، وجعل المستحاضة زينب بنت أبي سلمة، وهو وهم فاحش؛ فإنَّ زينب حينئذ كانت صغيرة.
وقد روي عن طائفة من الصحابة والتابعين أنَّ المستحاضة تغتسل لكل صلاة، ومنهم من حمل ذلك على الوجوب.
وقد روي عن ابن عباس أنَّه قال: لا أجد لها إلَّا ذلك.
ومنهم من حمله على الاستحباب، وقد حكي الوجوب رواية عن أحمد، والمشهور عنه الاستحباب كقول الأكثرين.
[ ١ / ٧٥٧ ]
وقد تعلق بعضهم للوجوب بأنَّ النبي ﷺ أمرها أن تغتسل وتصلي، وهذا يعم كل صلاة؛ فإنَّه كالنهي أن تصلي حتى تغتسل، وقد فهمت المأمورة ذلك، فكانت تغتسل لكل صلاة، وهي أفهم لما أمرت به.
ويجاب عن ذلك، بأنَّه ﷺ إنَّما أمرها أن تغتسل إذا ذهبت أيام حيضتها، فلا يدخل في ذلك غير الغسل عند فراغ حيضتها، وأمَّا ما فعلته فقد تكون فعلته احتياطًا وتبرعًا بذلك -: كذلك قاله الليث بن سعد وابن عيينة والشافعي وغيرهم من الأئمة.
ويدل على أنَّ أمرها بالغسل لم يعم كل صلاة: أنَّ عائشة روت أنَّ النبي ﷺ أمرها أن تغتسل، وقالت عائشة: "فكانت تغتسل لكل صلاة"، فدل على أنَّ عائشة فهمت من أمر النبي ﷺ غير ما فعلته المستحاضة، وعائشة راوية الحديث، وهي أفقه وأفهم من غيرها من النساء.
وقد ذهب مالك والشافعي -في أشهر قوليه - في المتحيرة - وهي: المستحاضة التي نسيت وقتها وعددها ولا تمييز لها - أنَّها تغتسل لكل صلاة وتصلي أبدًا.
واختلف أصحاب الشافعي: هل تقضي أم لا؟ على وجهين لهم، واختار ابن سريج منهم: أنَّها تصلي كل يوم وليلة عشر صلوات بست اغتسالات وأربعة وضوآت، ليسقط الفرض عنها بيقين.
وفي هذا حرج عظيم، وعسر شديد، والكتاب ناطق بانتفائه عن هذه الأمة، فكيف تكلف به امرأة ضعيفة مبتلاة، مع أنَّ دين الله يسر - وليس بعسر.
وذهبت طائفة: إلى أنَّ المستحاضة تغتسل كل يوم غسلًا واحد، وروي عن أحمد ما يدل على وجوبه. وعند أحمد وإسحاق: لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل
[ ١ / ٧٥٨ ]
واحد، وفي ذلك أحاديث مرفوعة عن النبي ﷺ مخرجة في "السنن "» اهـ.
قلت: قوله ﵀: «وكذلك خرجه مسلم من رواية ابن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، أنَّ زينب بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين - فذكره» اهـ.
هكذا ذكر ﵀ والذي في مسلم (٣٣٤) هو قوله: وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ اهـ ولم يسمها بزينب فلعل ذلك في بعض نسخ صحيح مسلم ﵀. والله أعلم.
وما ذكره ﵀ من قوله: «وقد روي عَنْ ابن عباس أنَّه قالَ: لا أجد لها إلَّا ذَلِكَ» اهـ. إنَّما هذا من كلام عبد الله بن الزبير، وقد رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١١٧٩) قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ غُلَامًا لَهَا - أَوْ مَوْلًى لَهَا - أَنِّي مُبْتَلَاةٌ لَمْ أُصَلِّ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مُنْذُ سَنَتَيْنِ - وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا بَيَّنْتَ لِي فِي دِينِي قَالَ: وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ، أَنِّي أُفْتِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ "، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «لَا أَجِدُ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ».
قلت: إسناده حسن.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٢٧):
«قَوْلُهُ: "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ" هِيَ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا وَقَدْ قِيلَ اسْمُهَا حَبِيبَةُ وَكُنْيَتُهَا أُمُّ حَبِيبٍ بِغَيْرِ هَاءٍ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَتَبِعَهُ
[ ١ / ٧٥٩ ]
الْحَرْبِيُّ وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أُمُّ حَبِيبَةَ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ وَكَانَتْ زَوْجَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ الْحَدِيثَ فَقِيلَ هُوَ وَهْمٌ وَقِيلَ بَلْ صَوَابٌ وَأَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ وَكُنْيَتَهَا أُمُّ حَبِيبَةَ وَأَمَّا كَوْنُ اسْمِ أُخْتِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْمَهَا الْأَصْلِيَّ وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ تَغْيِيرَ اسْمِهَا كَانَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَعَلَّهُ ﷺ سَمَّاهَا بِاسْمِ أُخْتِهَا لِكَوْنِ أُخْتِهَا غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْكُنْيَةُ فَأُمِنَ اللَّبْسُ وَلَهُمَا أُخْتٌ أُخْرَى اسْمُهَا حَمْنَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ وَهِيَ إِحْدَى الْمُسْتَحَاضَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَعَسَّفَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْ بَنَاتِ جَحْشٍ زَيْنَبُ قَالَ فَأَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَاشْتُهِرَتْ بِاسْمِهَا وَأَمَّا أُمُّ حَبِيبَةَ فَاشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا وَأَمَّا حَمْنَةُ فَاشْتُهِرَتْ بِلَقَبِهَا وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنَّ حَمْنَةَ لَقَبٌ وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْمُوَطَّأُ بِتَسْمِيَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَيْنَبَ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ بن أَبِي ذِئْبٍ حَدِيثَ الْبَابِ فَقَالَ إِنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ من ترك الصلاة جاهلًا حتى خرج وقتها لا يلزمه قضاء الصلاة، ولهذا لم يلزمها النبي ﷺ قضاء الصلاة خلال تلك السنين التي تركت فيها الصلاة.
[ ١ / ٧٦٠ ]
وليس في الحديث الذي في الصحيح أنَّها تركت الصلاة، لكنه هو الظاهر لأنَّها ظنت ذلك حيضًا، وقد ورد التصريح بذلك فيما رواه أحمد (٢٧٥١٤)، وأبو داود (٢٨٧)، الترمذي (١٢٨) من طريق زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: «كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ فَوَجَدْتُهُ فِى بَيْتِ أُخْتِى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَأْمُرُنِى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِى الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ …».
ورواه ابن ماجه (٦٢٢) من طريق ابن جريج عن ابن عقيل به، وسماها أم حبيبة بنت جحش.
قلت: هذا حديث ضعيف كما سبق لضعف ابن عقيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٧ - ٣٨): «وأمَّا من لم يعلم الوجوب فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها ولا إعادة عليه. كما ثبت في الصحيحين أنَّ النبي ﷺ قال للأعرابي المسيء في صلاته: "ارجع فصل فإنَّك لم تصل" قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني ما يجزيني في صلاتي فعلمه ﷺ.
وقد أمره بإعادة صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة مع قوله: "لا أحسن غير هذا". وكذلك لم يأمر عمر وعمارًا بقضاء الصلاة وعمر لما أجنب لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة.
[ ١ / ٧٦١ ]
ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت مع قولها: إنِّي أستحاض حيضة شديدة منعتني الصوم والصلاة. ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض من السود بالإعادة والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ثم لما هاجر زيد في صلاة الحضر ففرضت أربعًا وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من المسلمين لم يعلموا بذلك إلاَّ بعد مدة وكانوا يصلون ركعتين فلم يأمرهم بإعادة ما صلوا. كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مدة صلاتهم إليها قبل أن يبلغهم الناسخ فعلم أنه لا فرق بين الخطاب المبتدأ والخطاب الناسخ» اهـ.
٢ - أنَّ المستحاضة لا يجب عليها الاغتسال إلَّا مرة واحدة، فإنَّ النبي ﷺ لم يأمر المستحاضة أن تغتسل إلَّا مرة واحدة بعد انقضاء حيضها. وإنَّما فعلت ذلك أم حبيبة من عند نفسها.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٤): «وأحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة كلها معلولة» اهـ.
٣ - احتج بهذا الحديث وبالذي قبله على عدم وجوب وضوء المستحاضة لكل صلاة لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر به المستحاضة وتأخير البيان عند وقت الحاجة لا يجوز.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٣ - ١٠٥): «وقد زاد قوم من الرواة في حديث عائشة: الأمر بالوضوء، منهم: حماد بن زيد، عن هشام. خرجه النسائي من طريقه، وقال فيهِ: "فاغسلي عنك الدم، وتوضئي؛ إنَّما ذَلِكَ عرق".
[ ١ / ٧٦٢ ]
قالَ النسائي: لا نعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث: "وتوضئي" غير حماد بن زيد.
وقد خرج مسلم حديثه هذا، وقال: في حديث حماد بن زيد زيادة حرفٍ، تركنا ذكره - يعني: قوله:
"توضئي".
قالَ البيهقي: هذه الرواية غير محفوظة.
وفي رواية أخرى عن حماد بن زيد في هذا الحديث: "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم، وتوضئي".
فقيل لحماد: فالغسل؟ قالَ: ومن يشك أن في ذَلِكَ غسلًا واحدًا بعد الحيضة.
وقال حماد: قالَ أيوب: أرأيت لو خرج من جيبها دمٌ، أتغتسل؟!. يشير أيوب إلى إنَّها: لا تغتسل لكل صلاة.
قالَ ابن عبد البر: جود حماد بن زيد لفظه.
يعني: بذكر الوضوء، وهذا يدل على أنَّه رآه محفوظًا، وليس كَما قالَ، وقد رويت لفظة: "الوضوء" مِنْ طريق حماد بنِ سلمة، عَنْ هشام.
خرجه الطحاوي مِنْ طريق حجاج بنِ منهال، عَنْ حماد.
ورواه عفان، عَنْ حماد، ولفظة: "فاغسلي عنك الدم، ثُمَّ تطهري وصلي".
قالَ هشام: كانَ عروة يقول: "الغسل" الأول، ثُمَّ قالَ بعد: "والطهر" وكذلك رويت مِنْ طريق أبي معاوية، عَنْ هشام. خرجه الترمذي عَنْ هناد، عَنهُ.
وقال: قالَ أبو معاوية في حديثه: وقال: "توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذَلِكَ الوقت".
[ ١ / ٧٦٣ ]
والصواب: أنَّ هَذا مِنْ قول عروة، كذلك خرجه البخاري في "كِتابِ: الوضوء" عَنْ محمد بنِ سلام، عَنْ أبي معاوية، عَنْ هشام فذكر الحديث، وقال في آخره: قالَ: وقال أبي: "ثُمَّ توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت".
وكذلك رواه يعقوب الدورقي، عَنْ أبي معاوية، وفي حديثه: "فإذا أدبرت فاغسلي الدم، ثُمَّ اغتسلي". قالَ هشام: قالَ أبي: "ثُمَّ توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت".
وخرجه إسحاق بن راهويه، عن أبي معاوية، وقال في حديثه: قالَ هشام: قالَ أبي: "وتوضئي لكل صلاة حتَّى يجيء ذَلِكَ الوقت".
وكذلك روى الحديث عيسى بنِ يونس، عَنْ هشام، -وقال في آخر الحديث: وقال هشام: "تتوضأ لكل صلاة".
وذكر الدارقطني في "العلل": أنَّ لفظة: "توضئي لكل صلاة" رواها-أيضًا - عَنْ هشام: أبو حنيفة وأبو حمزة السكري ومحمد بنِ عجلان ويحيى بن سليم.
قلت: وكذلك رواه أبو عوانة، عَنْ هشام، ولفظ حديثه: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، وتغتسل غسلًا واحدًا، وتتوضأ لكل صلاة".
قلت: والصواب: أنَّ لفظة "الوضوء" مدرجة في الحديث مِنْ قول عروة.
وكذلك روى مالك، عَنْ هشام، عَنْ أبيه، أنَّه قالَ: "ليسَ على المستحاضة إلَّا أن تغتسل غسلًا واحدًا، ثُمَّ تتوضأ بعد ذَلِكَ لكل صلاة".
قالَ مالك: والأمر عندنا على حديث هشام، عَنْ أبيه، وَهوَ أحب ما سمعت إلي.
[ ١ / ٧٦٤ ]
قالَ ابن عبد البر: والوضوء عليها عند مالك على الاستحباب دونَ الوجوب. قالَ وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله ﷺ: "فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي"، ولم يذكر وضوءًا.
قالَ: وممن قالَ بأنَّ الوضوء على المستحاضة غير واجب: ربيعة، وعكرمة، ومالك، وأيوب، وطائفة.
قالَ: وأمَّا الأحاديث المرفوعة في الغسل لكل صلاة، فكلها مضطربة، لا تجب بمثلها حجة. انتهى.
وأحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة كلها معلولة، وربما تأتي الإشارة إليها في موضع آخر - إن شاء الله تعالى.
وإنَّما المراد هنا: أحاديث الوضوء لكل صلاة، وقد رويت مِنْ وجوه متعددة، وهي مضطربة -أيضًا- ومعللة، تقدم بعضها.
ومن أشهرها: رواية الأعمش، عَنْ حبيب بنِ أبي ثابت، عَنْ عروة، عَنْ عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قالَ: "لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثُمَّ اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، ثُمَّ صلي، وإن قطر الدم على الحصير".
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وقال أبو داود: هوَ حديث ضعيف لا يصح، قالَ: ليسَ بصحيح، وَهوَ خطأ مِنْ الأعمش.
وقال الدارقطني: لا يصح.
[ ١ / ٧٦٥ ]
وقد روي موقوفًا على عائشة، وَهوَ أصح عند الأكثرين.
ورى هشيم: نا أبو بشر، عَنْ عكرمة؛ أن أم حبيبة بنت حجش استحيضت، فأرها النبي ﷺ أن تنظر أيام أقرائها، ثُمَّ تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئًا مِنْ ذَلِكَ توضأت وصلت.
خرجه أبو داود.
والظاهر: أنَّهُ مرسل، وقد يكون آخره موقوفًا على عكرمة، مِنْ قولُهُ والله أعلم.
وقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عَنْ جماعة مِنْ الصحابة، مِنهُم: علي، ومعاذ، وابن عباس، وعائشة، وَهوَ قول سعيد بنِ المسيب، وعروة، وأبي جعفر، ومذهب أكثر العلماء، كالثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم.
لكن؛ مِنهُم مِنْ يوجب عليها الوضوء لكل فريضة كالشافعي.
ومنهم مِنْ يرى أنَّها تتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي بها ما شاءت مِنْ فرائض ونوافل حتَّى يخرج الوقت، وَهوَ قول أبي حنيفة، والمشهور عَنْ أحمد، وَهوَ -أيضًا- قول الأوزاعي والليث وإسحاق.
وقد سبق ذكر قول مِنْ لَم يوجب الوضوء بالكلية لأجل دم الاستحاضة، كمالك وغيره.
وهكذا الاختلاف في كل مِنْ بهِ حدث دائم لا ينقطع، كمن بهِ رعاف دائم أو سلس البول، أو الريح، ونحو ذَلِكَ.
وعن مالك رواية بوجوب الوضوء، كقول الجمهور» اهـ.
[ ١ / ٧٦٦ ]
قلت: الأحاديث المرفوعة وإن لم تصح في إيجاب الوضوء لكل صلاة فيكفي في ذلك فتاوى الصحابة ﵃ أجمعين.
* * *
[ ١ / ٧٦٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلانا جُنُبٌ.
وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ.
وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلَيَّ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ».
قلت: الحديث بهذا السياق عند البخاري (٢٩٩)، ورواه مسلم مفرقًا بمعناه.
وقولها: «فَأَتَّزِرُ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤):
«كَذَا فِي رِوَايَتِنَا وَغَيْرِهَا بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَأَصْلُهُ فأتزره بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ بِوَزْنِ أَفْتَعِلُ، وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ الْإِدْغَامَ حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْمُفَصَّلِ: إِنَّهُ خَطَأٌ. لَكِنْ نَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَحَكَاهُ الصَّغَانِيُّ فِي "مجمع الْبَحْرين". وَقَالَ بن مَالِكٍ: إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ بن محيص "فليؤد الَّذِي أؤتمن" بِالتَّشْدِيدِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَشُدُّ إِزَارَهَا عَلَى وَسَطِهَا» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد وهما جنبان.
٢ - مشروعية مباشرة الحائض إذا كان عليها إزار.
وقد جاء في كيفية الاتزار ما رواه ابن ماجه (٦٣٨) حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ
[ ١ / ٧٦٨ ]
قَيْسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: سَأَلْتُهَا: كَيْفَ كُنْتِ تَصْنَعِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَيْضِ؟ قَالَتْ: «كَانَتْ إِحْدَانَا فِي فَوْرِهَا، أَوَّلَ مَا تَحِيضُ، تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَارًا إِلَى أَنْصَافِ فَخِذَيْهَا، ثُمَّ تَضْطَجِعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
قلت: في إسناده عنعنة ابن إسحاق.
وروى أحمد (٢٦٨٩٣)، وأبو داود (٢٦٧)، والنسائي (٢٨٧) من طريق ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَبِيبٍ، مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ نُدْبَةَ، مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ، إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ يَبْلُغُ أَنْصَافَ الْفَخِذَيْنِ، أَوِ الرُّكْبَتَيْنِ مُحْتَجِزَةً بِهِ».
قلت: حبيب لم يوثقه معتبر بل قال ابن حبان فيه: يخطئ، وقال الحافظ في "التقريب": «مقبول»، وندبة ذكرها ابن حبان في "الثقات" وذكرها ابن مندة وأبو نعيم في "الصحابة". وقال الحافظ في "التقريب": «مقبولة».
قلت: الحديث في الصحيحين من طريق عبد الله بن شداد عن ميمونة من غير تعيين منتهى الإزار.
وهذا هو الصحيح في الحديث. والله أعلم.
وقد اختلف العلماء هل يجب وضع الإزار لمن أراد مباشرة الحائض أو لا؟ فأوجبه الإمام الشافعي ﵀ وهو المشهور عَنْ مالك، وأبي حنيفة، ولم يوجبه أكثر من مضى، وهو الصحيح لما رواه مسلم (٦٩٢) عن أنس: «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا
[ ١ / ٧٦٩ ]
إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ". فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٣ - ٣٨):
«وقد اختلف العلماء فيما يجوز الاستمتاع بهِ مِنْ الحائض في حال حيضها:
فقالت طائفة: لا يحرم منها سوى الإيلاج في فرجها، ويجوز ما عدا ذَلِكَ، وحكي ذَلِكَ عَنْ جمهور العلماء، وروي عَنْ ابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وَهوَ قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وَهوَ أحد قولي الشَافِعي، ومحمد بنِ الحسن وأبي ثور، وابن المنذر، وداود، وطائفة مِنْ أصحاب مالك والشافعي.
واحتج أحمد بأنَّ عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج مِنْ الحائض، وهي أعلم الناس بهذه المسألة، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها، كَما رجع إليها في الغسل مِنْ إلتقاء الختانين على ما سبق، وكذا في المباشرة للصائم، وقد حكى البخاري عنها في "الصوم" أنَّها قالت: يحرم عليهِ - تعني: الصائم - فرجها.
وقالت طائفة: يحرم الاستمتاع مِنْ الحائض بما بين السرة والركبة، إلَّا مِنْ فوق الإزار، وَهوَ المشهور عَنْ مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.
وحكي رواية عَنْ أحمد، ولم يثبتها الخلال وأكثر الأصحاب، وقالوا: إنَّما أراد أحمد أنَّ الأفضل مباشرتها مِنْ فوق الإزار.
[ ١ / ٧٧٠ ]
وقالت طائفة: إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عَنْ الفرج؛ لضعف شهوة أو شدة ورع جاز، وإلَّا فلا، وَهوَ قول طائفة مِنْ الشَافِعية.
وَهوَ حسن، وفي كلام عائشة ﵂ ما يشهد لَهُ؛ فإنَّها قالت: وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله ﷺ يملك إربه؟.
ويشهد لهذا: مباشرة المرأة في حال الصيام؛ فإنَّه يفرق فيها بين مِنْ يخاف على نفسه ومن يأمن، وقد قالت عائشة - أيضًا -: كانَ النبي ﷺ يقبل ويباشر وَهوَ صائم، وكان أملككم لإربه.
وقد رويت هَذهِ اللفظة بكسر الهمزة وسكون الراء، ورويت بفتح الهمزة والراء.
وأنكر الخطابي الرواية الأولى، وجوزها غيره.
والإرب - بالسكون -: العضو، وَهوَ كناية هنا عَنْ الفرج، والإرب - بالفتح - الحاجة، والمراد بالحاجة: شهوة النكاح، وقيل: بل الإرب - بالسكون - يراد بهِ
العضو، ويراد بهِ الحاجة - أيضًا -، وكذلك هوَ في "الصحاح".
قالَ أبو عبيد: يروى هَذا الحديث: لإربه - يعني: بالسكون - قالَ: وَهوَ في كلام العرب لأربه - يعني: بالتحريك -، قالَ: والإرب: الحاجة، قالَ: وفيه ثلاث لغات: أرب، وإربة، وإرب، في غير هَذا: العضو. انتهى.
وعلى قول مِنْ جوز الاستمتاع بما دونَ الفرج، ويجوز عندهم الوطء دونَ الفرج، والاستمتاع بالفرج نفسه مِنْ غير إيلاج فيهِ، ولو كانَ على بعض الجسد
[ ١ / ٧٧١ ]
شيء مِنْ دم الحيض لَم يحرم الاستمتاع بهِ، وليس فيهِ خلاف إلَّا وجه شاذ للشافعية.
لكن صرَّح ابن أبي موسى مِنْ أصحابنا في "شرح الخرقي" بكراهة الوطء فيما هوَ متلوث بدم الحيض مِنْ غير تحريم.
وأمَّا ما فوق السرة وتحت الركبة فيجوز الاستمتاع بهِ، وكثير مِنْ العلماء حكى الإجماع على ذَلِكَ.
ومنهم مِنْ حكى عَنْ عبيدة السلماني خلافه، ولا يصح عَنهُ.
إنَّما الصحيح عَنْ عبيدة: ما رواه وكيع في "كتابه"، عن ابن عون، عَنْ ابن سيرين، قالَ: سألت عبيدة: ما للرجل مِنْ امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالَ: الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لَم يجد بدًا رد عليها مِنْ طرف ثوبه.
وهذا إنَّما يدل على أنَّ الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد حتَّى يسترها بشيء مِنْ ثيابه، وهذا لا خلاف فيهِ.
وقد روي عَنْ ابن عباس، أنَّهُ كانَ يعتزل فراشه امرأته في حال الحيض، وأنكرت عليهِ ذَلِكَ خالته ميمونة ﵄، فرجع عَنْ ذَلِكَ:
ففي "مسند الإمام أحمد" مِنْ حديث ابن إسحاق، عَنْ الزهري، عَنْ عروة، عَنْ ندبة، قالت: أرسلتني ميمونة بنت الحارث إلى امرأة عبد الله ابن عباس - وكانت بينهما قرابة -، فرأيت فراشها معتزلًا عَنْ فراشه، فظننت أن ذَلِكَ لهجران، فسألتها، فقالت: لا، ولكني حائض، فإذا حضت لم يقرب فراشي، فأتيت ميمونة، فذكرت ذَلِكَ لها، فردتني إلى ابن عباس، فقالت: أرغبة عَنْ سنة رسول الله
[ ١ / ٧٧٢ ]
ﷺ؟! لقد كانَ رسول الله ﷺ ينام معَ المرأة مِنْ نسائه الحائض، ما بينهما إلَّا ثوب، ما يجاوز الركبتين.
ثُمَّ خرجه مِنْ طريق ليث: حدثني ابن شهاب، عَنْ حبيب مولى عروة، عَنْ ندبة - فذكر الحديث.
وهذا هوَ الصحيح، وقول ابن إسحاق: عَنْ عروة خطأ، إنَّما هوَ:
حبيب مولى عروة، وَهوَ ثقة، خرج لَهُ مسلم.
وقد روي أنَّ النبي ﷺ إنما كانَ ينام معَ الحائض حيث لَم يكن لَهُمْ سوى فراش واحد، فلما وسع عليهم اعتزل نساءه في حال الحيض.
خرجه الإمام أحمد مِنْ رواية ابن لهيعة، عَنْ يزيد بنِ أبي حبيب، عَنْ سويد بنِ قيس، عَنْ ابن قريط الصدفي، قالَ: قل لعائشة: أكان النبي ﷺ يضاجعك وأنت حائض؟ قالت: نعم، إذا شددت عليّ إزاري، ولم يكن لنا إذ ذاك إلَّا فراش واحد، فلما رزقني الله فراشًا آخر اعتزلت رسول الله ﷺ.
وابن لهيعة، لا يقبل تفرده بما يخالف الثقات.
ولكن تابعه غيره:
فرواه ابن وهب، عَنْ عمرو بنِ الحارث، عَنْ ابنِ أبي حبيب، عَنْ سويد ابن قيس، عَنْ ابن قرظ - أو قرط - الصدفي، أنَّهُ سأل عائشة - فذكره بمعناه.
خرجه بقي بنِ مخلد في "مسنده".
[ ١ / ٧٧٣ ]
وابن قرظ - أو قرط - الصدفي، ليسَ بالمشهور، فلا تعارض روايته عَنْ عائشة رواية الأسود بنِ يزيد النخعي.
وقد تابع الأسود على روايته كذلك عَنْ عائشة: عمرو بنِ شرحبيل - أو عمرو بنِ ميمون - على اختلاف فيهِ -، وأبو سلمة وعبد الله بنِ أبي قيس، وشريح بنِ المقدام، وجميع بنِ عمير، وخلاس وغيرهم.
وروايات هؤلاء عَنْ عائشة أولى مِنْ روايات ابن قرط.
وتعارض رواية ابن قرط برواية أخرى تشبهها، خرجها أبو داود مِنْ حديث
عبد الرحمن بنِ زياد، عَنْ عمارة بنِ غراب، أن عمة لَهُ حدثته: أنها سألت عائشة، قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلَّا فراش واحد؟ قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ، دخل فمضى إلى مسجده - تعني: مسجد بيته -، فلم ينصرف حتى غلبتني عيني، وأوجعه البرد، فقالَ: "ادني"، فقلت: إني حائض، قالَ: "وإن، اكشفي عَنْ فخذيك"، فكشفت فخذي فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليهِ حتى دفئ ونام.
وفي "سنن أبي داود" عَنْ أبي اليمان كثير بنِ يمان، عَنْ أم ذرة، عَنْ عائشة، قالت: كنت إذا حضت نزلت عَنْ المثال إلى الحصير، فلن نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منهُ حتى نطهر.
أبو اليمان وأم ذرة، ليسا بمشهورين، فلا يقبل تفردهما بما يخالف رواية الثقات الحفاظ الأثبات.
[ ١ / ٧٧٤ ]
وخرجه بقي بنِ مخلد، عَنْ الحماني: ثنا عبد العزيز، عَنْ أبي اليمان الرحال، عَنْ أم ذرة، عَنْ عائشة، قالت: كنت إذا حضت لَم أدن مِنْ فراش رسول الله ﷺ حتى أطهر.
الحماني، متكلم فيهِ.
وقد روى جعفر بنِ الزبير، عَنْ القاسم، عَنْ أبي أمامة، قالَ: قالَ عمر: كنا نضاجع النساء في المحيض، وفي الفرش واللحف قلة، فأمَّا إذ وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كَما أمر الله ﷿.
خرجه القاضي إسماعيل.
وهذا لا يثبت، وجعفر بنِ الزبير متروك الحديث.
وروى أبو نعيم الفضل بنِ دكين: نا أبو هلال: حدثني شيبة الراسبي، قالَ: سألت سالمًا عَنْ الرجل يضاجع امرأته وهي حائض؟ قالَ: أمَّا نحن آل عمر، فنهجرهن إذا كن حيضًا.
إسناد ضعيف.
والاعتزال الذِي أمر الله بهِ: هوَ اجتناب جماعهن، كَما فسره بذلك رسول الله ﷺ.
وقال عكرمة: كانَ أهل الجاهلية يصنعون في الحيض نحوًا مِنْ صنيع المجوس، فذكروا ذَلِكَ لرسول الله ﷺ، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، فلم يزد الأمر فيهنَّ إلَّا شدة،
[ ١ / ٧٧٥ ]
فنزلت: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: أن تعتزلوا.
أخرجه القاضي إسماعيل، بإسناد صحيح.
وَهوَ يدل على أنَّ أول الأمر باعتزالهن فهم كثير مِنْ الناس منهُ الاعتزال في البيوت والفرش كَما كانوا يصنعون أولًا، حتى نزل آخر الآية: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾، ففهم مِنْ ذَلِكَ أنَّ الله أمر باعتزالهن في الوطء خاصة.
وفسر النبي ﷺ ذَلِكَ بقولِهِ: "اصنعوا كل شيء غير النكاح"، وبفعله معَ أزواجه؛ حيث كانَ يباشرهن في المحيض» اهـ.
قلت: وإنَّما كان النبي ﷺ يأمر الحائض بالإتزار في أول الحيض حتى لا يقع على بدنه منه شيء.
فروى البخاري (٣٠٢)، ومسلم (٢٩٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣١ - ٣٢):
«وفي هَذا الحديث - معَ حديث عائشة الثاني الذِي خرجه البخاري هاهنا -:
دلالة على أنَّ النبي ﷺ إنَّما كانَ يامر الحائض بالاتزار في أول حيضتها، وَهوَ فور الحيضة وفوحها، فإنَّ الدم حينئذ يفور لكثرته، فكلما طالت مدته قلَّ، وهذا مما يستدل بهِ على أنَّ الأمر بشد الإزار لَم يكن لتحريم
[ ١ / ٧٧٦ ]
الاستمتاع بما تحت الإزار، بل خشية مِنْ إصابة الدم والتلوث بهِ، ومبالغة في التحرز مِنْ إصابته.
وقد روى محمد بنِ بكار بنِ بلال: نا سعيد بنِ بشير، عَنْ قتادة، عَنْ الحسن، عَنْ أمه، عَنْ أم سلمة، قالت: كانَ رسول الله ﷺ يتقي سورة الدم ثلاثًا، ثُمَّ يباشر بعد ذَلِكَ.
وهذا الإسناد وإن كانَ فيهِ لين، إلَّا أنَّ الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد لَهُ.
وفي "سنن أبي داود" مِنْ حديث عكرمة، عَنْ بعض أزواج النبي ﷺ، قالَ: كانَ النبي ﷺ إذا أراد مِنْ الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا.
وإسناده جيد.
وَهوَ محمول على ما بعد الثلاث إذا ذهبت سورة الدم وحدته وفوره، فكان حينئذ يكتفي بستر الفرج وحده بثوب، ثُمَّ يباشر» اهـ.
قلت: حديث ألقاء النبي ﷺ للثوب على فرج الحائض رواه أبو داود (٢٧٢) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا».
قلت: إسناده صحيح إن كانت المرأة التي روى عنها عكرمة هي عائشة ﵂ فإنَّه لم يثبت له سماع من غيرها، وروايته عن عائشة في صحيح البخاري.
[ ١ / ٧٧٧ ]
٣ - أنَّ المعتكف إذا أخرج بعض بدنه من المسجد لا يبطل اعتكافه بذلك مالم يخرج جميع بدنه أو أكثره.
٤ - جواز مباشرة الحائض للأشياء فإنَّ بدنها ليس بنجس.
٥ - جواز مباشرة المرأة لمن هو معتكف إذا كانت بغير شهوة.
٦ - جواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل واقتضته العادة. وأنَّ هذا لا يدخل في السؤال المكروه إذ لا منة فيه، ومثله سؤال الولد والعبد.
٧ - واستدل به على أنَّ الحائض لا تمكث في المسجد ولهذا أخرج النبي ﷺ رأسه من المسجد ولم يأمرها بالخروج إليه.
٨ - واستدل به على جواز الاغتسال من فضل طهور المرأة.
وهو مذهب أكثر العلماء.
ومنع من ذلك أحمد في المشهور عنه، وله رواية بالجواز.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٢٩٨)
«فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ مِنْ نَقْلِ الْحُفَّاظِ ذِكْرُ الْجَنَابَةِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَهُوَ قَوْلُ الْحِجَازِيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ» اهـ.
وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح صحيح البخاري] (١/ ٢٩٦):
«ففى هذه الآثار يتطهر كل واحد من الرجل والمرأة بسؤر صاحبه، فضادّ ذلك أحاديث النهى، فوجب النظر لنخرج به من المعنيين المتضادين معنى صحيحًا، فوجدنا الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهم الماء معًا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت فى الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضؤ منه أن حكم ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك،
[ ١ / ٧٧٨ ]
وكان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء، كان وضوءه بعده من سؤره فى النظر أيضًا كذلك» اهـ.
قلت: روى مسلم (٣٢٣) عن ابْنَ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ».
قلت: وأعل بتردد عمرو بن دينار فيمن حدثه.
فقد قال مسلم: حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَكْبَرُ عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ به.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٠):
«وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ لَكِنْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ حَيْثُ قَالَ: عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي فَذَكَرَ الحَدِيث وَقد ورد من طَرِيقٌ أُخْرَى بِلَا تَرَدُّدٍ لَكِنَّ رَاوِيَهَا غَيْرُ ضَابِطٍ وَقَدْ خُولِفَ وَالْمَحْفُوظُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ».
قلت: الحديث المتفق عليه هو من طريق عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء من غير تردد.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٧):
«وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُتَابَعَةً لاانه قَصَدَ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ١ / ٧٧٩ ]
قلت: الذي يظهر لي أنَّ المحفوظ في الحديث الرواية المتفق عليها. والله أعلم.
وروى أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠) من طريق أَبِي الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ، فَقَالَتْ: لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ».
قلت: وهو في المسند، والنسائي بلفظ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
قلت: رواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٦٠) تحت حديث برقم (١٩٣): «وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة لأنَّه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلَّا صحيح حديثهم» اهـ.
قلت: وهنالك من رواه مرسلًا.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٨٣):
«وأعله الإمام أحمد، بأنَّه روي عنى عكرمة - مرسلًا».
لكن قال العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (١/ ٣٩٦):
«قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته": قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج البُخَارِيّ بِأَحَادِيث عِكْرِمَة، وَاحْتج مُسلم بِأَحَادِيث سماك بن حَرْب، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح فِي الطَّهَارَة، وَلَا تحفظ لَهُ عِلّة.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ورُوي مُرْسَلًا. قَالَ: وَمن أسْندهُ أحفظ» اهـ.
قلت: ويشهد لمعناه ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١١٥٠)
[ ١ / ٧٨٠ ]
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ النَّهْرَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، فَقَالَ: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ».
قلت: هذا أثر حسن.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١١٤٤) عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ حَوْضِ الْحَمَّامِ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْجُنُبُ وَغَيْرُ الْجُنُبُ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ».
قلت: قوله: "عن ابن عمر" لم أعرفه وأخشى من خطأ في النسخة وأنَّ الصواب "عن ابن عبيد" كما في رواية ابن أبي شيبة.
قلت: وأمَّا ما رواه أحمد (٢٣١٨١)، وأبو داود (٨١)، والنسائي (٢٣٨) من طريق دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا».
قلت: هذا حديث صحيح. وهو محمول على الكراهة جمعًا بين الأدلة.
وهذا الحديث فيه النهي أيضًا من اغتسال المرأة بفضل الرجل، وقد قال بذلك بعض الحنابلة.
قال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [التحقيق] (١/ ٤٨):
[ ١ / ٧٨١ ]
«وأمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَقَدْ حَكَى شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمَنْعَ وَإِنْ سَلَّمْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ قُلْنَا هَذَا عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِدَلِيلٍ» اهـ.
قلت: وقد روى الدارقطني في [سننه] (٤١٨)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٩٢١) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: «تَتَوَضَّأُ الْمَرْأَةُ وَتَغْتَسِلُ مِنْ فَضْلِ غُسْلِ الرَّجُلِ وَطَهُورِهِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ وَلَا طُهُورِهَا». وَهَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ اهـ.
قلت: أي أنَّ من رفعه فقد وهم.
وقال الحافظ الترمذي رحمه في [العلل الكبير] (ص: ٤٠) رقم (٣٢): «وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَوْقُوفٌ وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأٌ» اهـ.
قلت: وفي الأثر كما ترى مشروعية تطهر المرأة بفضل طهور الرجل.
ورواه أبو عبيد في [الطهور] (١٩٤) ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى نَبِيَّكُمْ ﷺ وَأَكَلَ مَعَهُ، قَالَ عَاصِمٌ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ».
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أَنَّهُ كَرِهَ سُؤْرَهَا، وَلَمْ يَكْرَهْ مُخَالَطَتَهَا فِي الِاغْتِسَالِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَيْنِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْأَثَرِ يَرَوْنَ الْكَرَاهَةَ لِسُؤْرِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَائِضًا وَلَا جُنُبًا، وَفِيهِ قَوْلٌ سِوَاهُ اهـ.
[ ١ / ٧٨٢ ]
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَرْجَسَ قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ».
قلت: إسناده صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ عَامِرٍ: «أَنَّ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، تَوَضَّأَتْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ بِفَضْلِ وَضُوئِهَا فَنَهَتْنِي».
قلت: إسناده صحيح. ورواية وكيع عن المسعودي قبل اختلاطه.
ورواه أبو عبيد في [الطهور] (١٩١) من طريق حجاج عن المسعودي به.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٥٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ عِنْدَهُ، فَقَالَ: «لَا تَوَضَّأْ بِهِ فَإِنَّهُ فَضْلُ امْرَأَةٍ».
قلت: إسناده صحيح.
وخالفهم ابن عباس ﵄.
فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٧٩) عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، أَوْ غَيْرَهِ يُحَدِّثُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِفَضْلِ شَرَابِ الْمَرْأَةِ وَلَا بِفَضْلِ وَضُوئِهَا وَيَقُولُ: «هِيَ أَنْظَفُ ثِيَابًا وَأَطْيَبُ رِيحًا».
قلت: شك معمر فيمن حدثه فلا يثبت الأثر مع هذا الشك.
[ ١ / ٧٨٣ ]
ورواه (٣٨٠) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ اهـ.
ورواه (٣٨٢، ٣٩٥) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ حَائِضًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَائِضٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدَيْهَا بَأْسٌ».
قلت: إبراهيم بن محمد هو الأسلمي متروك.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٨)، وأبو عبيد في [الطهور] (١٩٦) من طريق ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: «هِيَ أَلْطَفُ بْنَانًا وَأَطْيَبُ رِيحًا».
قلت: هذا أثر صحيح.
وممن خالف في ذلك أبو هريرة ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٦، ٣٧٧) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ سُؤْرِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ يُتَطَهَّرُ مِنْهُ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَنْقُرُ حَوْلَ قَصْعَتِنَا نَغْتَسِلُ مِنْهَا كِلَانَا».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى مالك في [الموطأ] (١٦٣)، ومن طريقه الشافعي في [الأم] (٧/ ٢٦٢)
وعبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٣)، والبيهقي في [المعرفة] (١٤٩٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: «لَا بَأْسَ بِأَنْ يُغْتَسَلَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا، أَوْ جُنُبًا».
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٩) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا».
[ ١ / ٧٨٤ ]
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٧) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِسُؤْرِ الْمَرْأَةِ بَأْسًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ فَضْلِ شَرَابِ الْمَرْأَةِ، وَفَضْلِ وَضُوئِهَا مَا لَمْ تَكُنْ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ».
قلت: هذا أثر صحيح، وفيه أنَّ النهي مختص بالحدث الأكبر دون الأصغر.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٥٧ - ١٥٩):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَلَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ" اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، ﵀، فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَالْحَسَنِ وَغُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ كَرِهَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا إذَا كَانَ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ.
وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ مَيْمُونَةَ". وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: اغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ، فَقُلْت: إنِّي قَدْ اغْتَسَلْت مِنْهُ،
[ ١ / ٧٨٥ ]
فَقَالَ: "الْمَاءُ لَيْسَ عَلَى جَنَابَةٍ"، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ طَهُورٌ، جَازَ لِلْمَرْأَةِ الْوُضُوءُ بِهِ، فَجَازَ لِلرَّجُلِ كَفَضْلِ الرَّجُلِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ، أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: خَبَرُ الْأَقْرَعِ لَا يَصِحُّ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا خَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ. قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى التَّضْعِيفِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ خَفِيٍّ عَلَى مَنْ ضَعَّفَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ فَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ. فَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: أَنْفِيهِ؛ لِحَالِ سِمَاكٍ، لَيْسَ أَحَدٌ يَرْوِيهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ: هَذَا فِيهِ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، بَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَرْفَعُهُ.
وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ، فَيُجْعَلُ عَلَيْهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ.
فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ الْخَلْوَةِ بِهِ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ قَوْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ هِيَ أَنْ لَا يَحْضُرَهَا مَنْ لَا تَحْصُلُ الْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ بِحُضُورِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الْخَلْوَتَيْنِ، فَنَافَاهَا حُضُورُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ كَالْأُخْرَى. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَإِنْ شَاهَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ كَافِرٌ، لَمْ تَخْرُجْ بِحُضُورِهِمْ عَنْ الْخَلْوَةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ اسْتِعْمَالُهَا لِلْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ الرَّجُلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَغْتَسِلَ هُوَ بِهِ.
[ ١ / ٧٨٦ ]
وَإِذَا شَرَعَا فِيهِ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ: اغْتَسِلَا جَمِيعًا؛ هُوَ هَكَذَا، وَأَنْتِ هَكَذَا - قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي إشَارَتِهِ: كَانَ الْإِنَاءُ بَيْنَهُمَا - وَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَغْتَسِلُ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، يَغْتَرِفَانِ مِنْهُ جَمِيعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَيُخَصُّ بِهَذَا عُمُومُ النَّهْيِ وَبَقِينَا فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْعُمُومِ.
فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهَا، أَوْ فِي تَجْدِيدِ طَهَارَةٍ، أَوْ اسْتِنْجَاءٍ، أَوْ غَسْلِ نَجَاسَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَالثَّانِي لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْكَامِلَةِ.
وَإِنْ خَلَتْ بِهِ ذِمِّيَّةٌ فِي اغْتِسَالِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا. هُوَ كَخَلْوَةِ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمُسْلِمَةِ وَأَبْعَدُ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُسْلِهَا حُكْمٌ، شَرْعِيٌّ، وَهُوَ حِلُّ وَطْئِهَا إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَأَمْرُهَا بِهِ إذَا كَانَ مِنْ جَنَابَةٍ؛ وَالثَّانِي لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَصِحُّ، فَهِيَ كَتَبَرُّدِهَا.
وَإِنْ خَلَتْ الْمَرْأَةُ بِالْمَاءِ فِي تَبَرُّدِهَا، أَوْ تَنْظِيفِهَا، أَوْ غَسْلِ ثَوْبِهَا مِنْ الْوَسَخِ، لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ.
فَصْلٌ: وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ، وَمَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ لَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ، فَوَهْمُ ذَلِكَ أَوْلَى.
فَصْلٌ: وَمَنْعُ الرَّجُلِ مِنْ اسْتِعْمَالِ فَضْلَةِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلِذَلِكَ يُبَاحُ لِامْرَأَةٍ سِوَاهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ اخْتَصَّ الرَّجُلَ وَلَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى
[ ١ / ٧٨٧ ]
مَحَلِّ النَّهْيِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ لَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ، فَلَمْ يُزِلْ النَّجَسَ، كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ. وَالثَّانِي يَجُوزُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يُطَهِّرُ الْمَرْأَةَ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، وَيُزِيلُهَا مِنْ الْمَحَالِّ كُلِّهَا إذَا فَعَلَتْهُ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ كَسَائِرِ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِمُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ، وَالْحَدِيثُ لَا نَعْقِلُ عِلَّتَهُ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ لَفْظُهُ، وَنَحْوُ هَذَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ الكراهة تكون إذا انفردت المرأة بالتطهر بالماء ولو شاهدها زوجها أو غيره، وتزول الكراهة باغترافهما جميعًا لقوله في حديث الرجل الذي صحب النبي ﷺ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا».
قلت: والأظهر أنَّ النهي وارد في الحدث الأكبر لأنَّ الحديث وارد في الاغتسال، وقد مضى قول ابن عمر ﵄: «لَا بَأْسَ بِأَنْ يُغْتَسَلَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا، أَوْ جُنُبًا».
وأمَّا حديث الحكم بن عمرو الذي رواه أبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي (٣٤٣) من طريق أَبِي دَاوُدَ يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي حَاجِبٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْأَقْرَعُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ».
فهو حديث معل لا يثبت.
قال الحافظ الترمذي ﵀ في [العلل الكبير] (ص: ٤٠):
[ ١ / ٧٨٨ ]
«سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَوْقُوفٌ وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأٌ» اهـ.
وقال الإمام البخاري ﵀ في [التاريخ الكبير] (٤/ ١٨٤ - ١٨٥):
«سوادة بْن عاصم أبو حاجب العنزي، بصري، كناه أَحْمَد وغيره، ويقَالَ: الغفاري، ولا أراه يصح، عن الحكم ابن عَمْرٍو» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [سننه] (١/ ٨٢)
«أَبُو حَاجِبٍ اسْمُهُ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِمٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْهُ فَرَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ وَغَزْوَانُ بْنُ حُجَيْرٍ السَّدُوسِيُّ عَنْهُ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ الْحَكَمِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
٩ - وفيه أنَّ غمس الجنب يده في الماء لا يصيره مستعملًا، وإيجاب نية الاغتراف عند إدخال اليد في الإناء مما لا دليل عليه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣):
«أمَّا إن أدخل الجنب يده في الماء، بعد أن نوى الغسل، فاعترف منه، وكان الماء قليلًا، فإن نوى الاغتراف من الماء لم يضره، وإن نوى غسل يده من الجنابة في الماء صار الماء مستعملًا.
وإن أطلق النية، ففيه قولان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء، أشهرهما - عندهم -: أنَّه يصير مستعملًا، وهو قول الشافعية.
والصحيح: أنَّه لا يصير بذلك مستعملًا.
[ ١ / ٧٨٩ ]
وعليه يدل حديث عائشة وميمونة، واغتسال النبي ﷺ وأزواجه من إناء واحد، فإنه لو كانَ يصير الماء مستعملًا بغمس اليد في الماء، بدون نية الاغتراف، لوجب بيانه للأمة بيانًا عامًا، فإن هذا مما تدعو الضرورة إليه، فإن عامة الناس لا يستحضرون نية الاغتراف، وأكثرهم لا يعلمون حكم ذَلِكَ، بل قد روي عن النبي واصحابه ما يدل على خلاف ذَلِكَ، وأن الماء لا يجنب باغتراف الجنب منه.
وروى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قالَ: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ من جفنة، فأراد النبي ﷺ أن يتوضأ، فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنبًا، قالَ: "إنَّ الماء لا يجنب".
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي - وقال: حسن صحيح -، وابن خزيمة في "صحيحه" والحاكم وصححه.
وأعله الإمام أحمد، بأنَّه روي عن عكرمة - مرسلًا.
وقد صح عن ابن عباس، أنَّه سئل عن الجنب يغتسل من ماء الحمام فقالَ: الماء لا يجنب.
وصح عنه، أنه قالَ: الماء لا يجنب.
وكذلك صح عن عائشة من رواية شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة، قالت: سألت عائشة عن الغسل من الجنابة؟ فقالت: إن الماء لا ينجسه شيء؛ كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد.
[ ١ / ٧٩٠ ]
وخرجه ابن خزيمة في "صحيحة"، ولفظه: إنَّ عائشة قالت: الماء طهور، لا يجنب الماء شيء؛ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في الإناء الواحد. قالت: أبدؤه فأفرغ على يديه، من قبل أن يغمسهما في الإناء» اهـ.
* * *
[ ١ / ٧٩١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا حَائِضٌ».
لفظ الحديث في البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١): «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ».
وسياق المؤلف للحديث بتأخير جملة: "وَأَنَا حَائِضٌ" لا أصل له في أحد الصحيحين ولا في غير ذلك من كتب الحديث فيما أعلم، لكن جاء تأخير هذه الجملة في رواية للبخاري سيأتي ذكرها قريبًا لكن بغير هذا اللفظ.
في الحديث مسائل منها:
١ - جواز قراءة القرآن حال الاضطجاع، وإنَّما ورد النهي عن قراءة القرآن في حال الركوع والسجود. والمراد بالاتكاء هاهنا الاضطجاع ووضع الرأس لما رواه البخاري (٧٥٤٩) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ».
٢ - جواز قراءة القرآن بقرب موطن النجاسة.
ومن احتج بذلك على قراءة القرآن في الخلاء فقد أبعد النجعة، فالقرق ظاهر بين قراءة القرآن بالقرب من موطن النجاسة كمن يصلي في غرفة بال في طرف منها صبي، وبين قراءة القرآن في موضع النجاسات.
[ ١ / ٧٩٢ ]
٣ - جواز ملابسة الحائض بذاتها وثيابها.
٤ - قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٤٤٩): «غرض البخاري في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، وقراءتها للقرآن، لأنَّ المؤمن الحافظ له أكبر أوعيته وها هو ذا ﷺ أفضل المؤمنين بنبوته وحرمة ما أودعه الله من طيب كلامه في حجر حائض تاليًا للقرآن» اهـ.
قلت: في هذا الاستدلال نظر فالقارئ ليس له أحكام المصحف ولا يسمى مصحفًا؛ لكن يمكن الاستدلال به على جواز حمل المحدث للمسجل ونحوه كالجوالات والذواكر التي فيها صوت قارئ للقرآن.
على أنَّه ليس في الحديث ما يدل على حصول المباشرة من غير حائل. والله أعلم.
قال العلامة القسطلاني ﵀ في [إرشاد الساري] (١/ ٣٤٤):
«تعقب بأنَّه ليس في الحديث إشارة إلى الحمل، وإنَّما فيه الاتكاء وهو غير الحمل، وكون الرجل في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل، وإنَّما مراده الدلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة لا على جواز حمل الحائض المصحف» اهـ.
٥ - قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح عمدة الأحكام] ص (٩٠): «وفيه إشارة إلى أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن لأنَّ قولها: "فيقرأ القرآن" إنَّما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة
[ ١ / ٧٩٣ ]
لكان هذا الوهم منتفيًا أعني توهم امتناع قراءة القرآن في حجر الحائض ومذهب الشافعي الصحيح امتناع قراءة الحائض للقرآن ومشهور مذهب أصحاب مالك: جوازه» اهـ.
قلت: وليس هذا الاستدلال بظاهر فلعلها أراد بيان أنَّ النبي ﷺ لم يكن يعتزل الحائض حتى في أثناء العبادة.
وهذه مسألة - أعني قراءة الحائض للقرآن- وقع النزاع فيها بين العلماء.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ٢٢ - ٢٣): «وهذا يبين سر المسألة وفقهها وهو أنَّ الشارع قسم العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين قسم يمكنها التعوض عنه في زمن الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض بل أسقطه إمَّا مطلقًا كالصلاة وإمَّا إلى بدله زمن الطهر كالصوم، وقسم لا يمكنها التعوض عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر فشرعه لها مع الحيض أيضًا كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض إذ لا يمكنها التعوض عنها زمن الطهر لأنَّ الحيض قد يمتد بها غالبه أو أكثره فلو منعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها وربما نسيت ما حفظته زمن طهرها وهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي والنبي ﷺ لم يمنع الحائض من قراءة القرآن وحديث: "لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن" لم يصح فإنَّه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث فإنَّه من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إنَّ إسماعيل بن عياش يروى عن أهل الحجاز
[ ١ / ٧٩٤ ]
وأهل العراق أحاديث مناكير كأنَّه يضعف روايته عنهم فيما ينفرد به. وقال: إنَّما هو حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام انتهى.
وقال البخاري أيضًا: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر. وقال علي بن المديني: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عياش لو ثبت في حديث أهل الشام ولكنه خلط في حديث أهل العراق، وحدثنا عنه عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه فإسماعيل عندي ضعيف.
وقال عبد الله بن أحمد: عرضت على أبي حديثًا حدثناه الفضل بن زياد الضبي حدثنا ابن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" فقال أبي: هذا باطل يعنى: أنَّ إسماعيل وهم» اهـ.
قلت: الحديث رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٦) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ».
قال الترمذي بعد روايته للحديث: «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقْرَأِ الجُنُبُ وَلَا الحَائِضُ" وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَا تَقْرَأِ
[ ١ / ٧٩٥ ]
الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا، إِلَّا طَرَفَ الآيَةِ وَالحَرْفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالحَائِضِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ.
وسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، يَقُولُ: إِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ يَرْوِي عَنْ أَهْلِ الحِجَازِ، وَأَهْلِ العِرَاقِ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ، كَأَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ فِيمَا يَتَفَرَّدُ بِهِ» اهـ.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله في [العلل ومعرفة الرجال] (٣/ ٣٨١): «سألت أبي عن حديث حدثناه الفضل بن زياد الذي يقال له الطسي قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر عن النبي ﷺ: "لا يقرأ الجنب والحائض شيئًا من القرآن" فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش يعني: أنَّه وهم من إسماعيل بن عياش» اهـ.
وقال ابن أبي حاتم ﵀ في [علل الحديث] (١/ ٤٩): «وسمعت أبي، وذكر حديث: إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ، قال: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن".
فقال أبي: هذا خطأ، إنَّما هو عن ابن عمر قوله» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٦/ ١٩١ - ١٩٢): «وإنَّما تنازعوا في قراءة القرآن وليس في منعها من القرآن سنة أصلًا فإنَّ قوله: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث رواه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. وأحاديثه عن أهل الحجاز يغلط فيها كثيرًا وليس لهذا أصل عن النبي صلى
[ ١ / ٧٩٦ ]
الله عليه وسلم ولا حدث به عن ابن عمر ولا عن نافع ولا عن موسى بن عقبة أصحابهم المعروفون بنقل السنن عنهم. وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله ﷺ فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي ﷺ لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ في ذلك نهيًا لم يجز أن تجعل حرامًا مع العلم أنَّه لم ينه عن ذلك وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنَّه ليس بمحرم. وهذا كما استدللنا على أنَّ المني لو كان نجسًا لكان يأمر الصحابة بإزالته من أبدانهم وثيابهم؛ لأنَّه لا بد أن يصيب أبدان الناس وثيابهم في الاحتلام فلما لم ينقل أحد عنه أنَّه أمر بإزالة ذلك لا بغسل ولا فرك مع كثرة إصابة ذلك الأبدان والثياب على عهده وإلى يوم القيامة علم أنَّه لم يأمر بذلك ويمتنع أن تكون إزالته واجبة ولا يأمر به مع عموم البلوى بذلك. كما أمر بالاستنجاء من الغائط والبول والحائض بإزالة دم الحيض من ثوبها. وكذلك الوضوء من لمس النساء ومن النجاسات الخارجة من غير السبيلين: لم يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك مع كثرة ابتلائهم به ولو كان واجبًا لكان يجب الأمر به وكان إذا أمر به فلا بد أن ينقله المسلمون؛ لأنَّه مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله» اهـ.
وقال العلامة الذهبي ﵀ في [سير أعلام النبلاء] (٦/ ١١٨): «هذا حديث لين الإسناد من قبل إسماعيل، إذ روايته عن الحجازيين مضعفة» اهـ.
[ ١ / ٧٩٧ ]
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٨٢): «وأمَّا حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" فضعيف من جميع طرقه» اهـ.
وروى الدارقطني (٤١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَمَّادٍ الآمُلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ».
قلت: هذا إسناد شديد الضعف عبد الملك بن مسلمة منكر الحديث كما قاله أبو زرعة وغيره.
وروى ﵀ (٤١٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَّانِيُّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ لَا يَقْرَآنِ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا».
قلت: فيه رجل مبهم وآخر ضعيف وهو أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن.
ورواه الدارقطني أيضًا (٤٢٠) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ عن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ.
قَالَ أَبُو مَالِكٍ: وَأَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَأَخْبَرَنِي مُوسَى الأَنْصَارِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى كِلَاهُمَا قَالَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَلِيُّ إِنِّي أَرْضَى
[ ١ / ٧٩٨ ]
لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي لَا تَقْرَأ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، وَلَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ، وَلَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ، وَلَا تُصَلِّ وَأَنْتَ عَاقِصٌ شَعْرَكَ، وَلَا تُدَبِّحْ تَدْبِيحَ الْحِمَارِ».
قلت: هذا إسناد شديد الضعف أبو مالك النخعي متروك الحديث، والحارث الأعور كذبه غير واحد من العلماء.
وروى الدارقطني (٤٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَيُّوبَ الْمُعَدَّلُ بِالرَّمْلَةِ وَالْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ الْمُعَدَّلُ بِمَكَّةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
قلت: هذا إسناد ضعيف من أجل ابن عياش.
ورواه من غير ذكر ابن عباس (٤٢٥) فقال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
قلت: وهذا إسناد منقطع بين عكرمة وابن رواحة، وزمعة ضعيف.
ورواه أيضًا الدارقطني (٤٢٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دُيَيْسِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ
[ ١ / ٧٩٩ ]
عِكْرِمَةَ قَالَ: «كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ فَقَامَ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَفَزِعَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَضْجَعِهِ فَقَامَتْ فَخَرَجَتْ فَرَأَتْهُ عَلَى جَارِيَتِهِ فَرَجَعَتْ إِلَى الْبَيْتِ فَأَخَذَتِ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ خَرَجَتْ وَفَرَغَ فَقَامَ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُ الشَّفْرَةَ فَقَالَ: مَهْيَمْ. فَقَالَتْ: مَهْيَمْ. قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ حَيْثُ رَأَيْتُكَ لَوَجَأْتُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ بِهَذِهِ الشَّفْرَةِ. قَالَ: وَأَيْنَ رَأَيْتِنِي. قَالَتْ: رَأَيْتُكَ عَلَى الْجَارِيَةِ. فَقَالَ: مَا رَأَيْتِنِي. قَالَ: وقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ. قَالَتْ: فَاقْرَأْ فَقَالَ:
أَتَانَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … كَمَا لَاحَ مَشْهُورٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَتَى بِالهُدَى بَعْد الْعَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ
فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذَهُ».
قلت: وهذا إسناد منقطع أيضًا بين عكرمة وابن رواحة، وزمعة ضعيف.
ورواه الدارقطني (٤٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ زُرَيْقٍ عَنْ زَمْعَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
ورواه أيضًا (١٨٦٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
[ ١ / ٨٠٠ ]
طَاوُوسٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ، وَلَا النُّفَسَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا».
قلت: هذا إسناد شديد الضعف محمد بن الفضل كذبه يحيى بن معين.
وقال أحمد: ليس بشيء حديثه حديث أهل الكذب.
وقال النسائي متروك الحديث.
وجاء موقوفًا رواه الدارقطني (٤٣٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ أَبو سَهل، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَبَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّعْثَاءِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو خَالِدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْحَائِضُ، وَلَا الْجُنُبُ، وَلَا النُّفَسَاءُ الْقُرْآنَ».
قلت: هذا إسناد حسن لولا عنعنة أبي الزبير.
وفي الباب من الآثار ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ في [مسند الفاروق] (١/ ١٢٨) فقال:
«قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتاب "فضائل القرآن" حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سفيان بن سلمة عن عبيدة السلمانى عن عمر أنَّه كره للجنب أن يقرأ شيئًا من القرآن. هذا إسناد صحيح» اهـ.
قلت: ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٨٠) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ».
قلت: هذا إسناد صحيح.
ورواه البيهقي في [المعرفة] (٧٨٤) من طريق الأعمش به.
[ ١ / ٨٠١ ]
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٣٠٧)، والبيهقي في [المعرفة] (٧٨٤) من طريق الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ،
«يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٨١) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَمْشِي نَحْوَ الْفُرَاتِ وَهُوَ يُقْرِئُ رَجُلًا، فَبَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَفَّ الرَّجُلُ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: إِنَّكَ بُلْتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «إِنِّي لَسْتُ بِجُنُبٍ».
قلت: هذا إسناد حسن. ومرسلات إبراهيم النخعي عن ابن مسعود صحاح، وحماد هو ابن أبي سليمان.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٨٦، ١٠٩١) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ أَبِي الْغَرِيفِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ وَلَا حَرْفًا» يَعْنِي: الْجُنُبَ.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٤١٧) من طريق عامر به.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٤٢٣) من طريق عَامِرِ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ أَبِي الْغَرِيفِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَمَّا وَأَنْتَ جُنُبٌ فَلَا، وَلَا حَرْفًا».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٣٠٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَرِيفِ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَالَ، ثُمَّ قَالَ:
«اقْرَءُوَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُكُمْ جُنُبًا، فَإِذَا كَانَ جُنُبًا فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا».
قلت: الحديث معروف عن عامر السمط، وأخشى أن يكون ذكر الشعبي من قبيل الوهم.
[ ١ / ٨٠٢ ]
ورواه الدارقطني في [سننه] (٤٢٥) من طريق عَامِرِ بْنِ السِّمْطِ، نا أَبُو الْغَرِيفِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فِي الرَّحَبَةِ، فَخَرَجَ إِلَى أَقْصَى الرَّحَبَةِ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَبَوْلًا أَحْدَثَ أَوْ غَائِطًا، ثُمَّ جَاءَ فَدَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ قَبَضَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ صَدْرًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا». هُوَ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ اهـ.
قلت: فيه أبو الغريف عبيد الله بن خليفة وثقة الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه أبو حاتم كما في [الجرح والتعديل] لابنه (٥/ ٣١٣):
«تكلموا فيه، وهو شيخ من نظراء أصبغ بن نباتة» اهـ.
قلت: أصبغ هذا متروك الحديث.
والذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الأثر عن علي ﵁.
والذي يظهر لي أنَّ الجنب لا يقرأ القرآن لثبوت الأثر عن عمر وابن مسعود ﵄، ولا أعلم لهما مخالف من الصحابة ﵃، وما روي عن ابن عباس من أنَّ الجنب يقرأ ورده من القرآن فرواه ابن المنذر في [الأوسط] (٦٢٤) فقال: وَحَدَّثُونَا عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، ثنا الْحُسَيْنُ يَعْنِي ابْنَ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ» اهـ.
قلت: محمود بن آدم مجهول تفرد ابن حبان بذكره في "الثقات".
وقد ذهب إلى منع الجنب من قراءة القرآن أكثر العلماء ومنهم الشافعي وأحمد، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة للتعوذ، وأجاز أبو حنيفة قراءة بعض آية.
[ ١ / ٨٠٣ ]
٦ - ويمكن أن يحتج به على جواز تشغيل القرآن في السماعات التي توضع أسفل الجالس في مقاعد السيارات خلافًا لمن منع من ذلك. والله أعلم.
قلت: وممن منع من ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀ فقد جاء في [لقاء الباب المفتوح] (٣/ ٤٥): «سماحة الشيخ: في بعض السيارات تكون سماعات المسجل محاذية للأقدام، وقد توضع الأقدام والحذاء على السماعة.
والسؤال هو: عندما يشغل القرآن فهل يكون في هذا امتهان لكتاب الله تعالى؟ وهل يقاس هذا الفعل على فتواكم على من يمد أقدامه أمام كتاب الله تعالى، نرجو التوجيه والله يحفظكم؟.
الجواب: إذا كانت السماعات كما ذكر تحت الأقدام أو عند حذاء الأقدام، فإنَّه لا يفتحه على القرآن الكريم؛ لأنَّ كون القرآن الكريم يسمع من تحت قدم الإنسان لا شك أنَّ فيه إهانة للقرآن، وإذا كان الإنسان لا بد أن يستمع إلى القرآن فليرفع السماعة عن محاذاة الأقدام».
٧ - واستدل به على جواز استناد المصلي إلى المرأة الحائض، وهو الصحيح ولا أعلم حجة صحيحة في المنع من ذلك.
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ١٢١):
«وَأَمَّا اسْتِنَادُ الْمُصَلِّي إلَى الْحَائِضِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَرِيضِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا إلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُسْتَنِدًا وَلَا يَسْتَنِدُ إلَى حَائِضٍ وَلَا إلَى جُنُبٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْتَنِدُ إنْ شَاءَ إلَى حَائِضٍ وَإِلَى جُنُبٍ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ لَمَّا مَنَعَ الْحَائِضَ الصَّلَاةَ مَنَعَ غَيْرَهَا أَنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهَا كَالنَّجَاسَةِ.
[ ١ / ٨٠٤ ]
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ مَا رَوَى مَنْصُورُ بْنُ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ". وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا حَدَثٌ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ اسْتَنَدَ إلَيْهِ كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ مِنْ قَوْلِهِمَا وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ لِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ أَوْ الْجَسَدِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ثَوْبَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لَا يَسْلَمُ مِنْ نَجَاسَةٍ وَأَنَّ أَشْهَبَ إنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَ سَلَامَةَ ثِيَابِهِمَا مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ» اهـ.
قلت: والاستدلال بهذا الحديث مبني على أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن فيقال: قد قرأ النبي ﷺ القرآن وهو مستند على من لا تشرع لها القراءة فكذلك يشرع للمصلي أن يستند على من لا تشرع له الصلاة.
٨ - وفيه إحياء البيوت بقراءة القرآن.
* * *
[ ١ / ٨٠٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٤ - عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ».
لفظ البخاري (٣٢١) عن مُعَاذَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ، أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ».
ولفظ مسلم (٣٣٥) عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ». وهذا اللفظ هو الموافق لما أورده المصنف ﵀.
قولها: «أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟» الحرورية: هم الخوارج وسموا بذلك لأنَّهم خرجوا من جيش علي ﵁ وانحازوا إلى مكان بقرب الكوفة يقال له حروراء وهي قرية على ميلين من الكوفة كان أول اجتماع الخوارج بها فنسبوا إليها. وفرق الحرورية ستة: الأزارقة، والصُّفْرِيَّة، والنجدات، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة والباقون فروع لها.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٣٢):
[ ١ / ٨٠٦ ]
«تعني: أنت مِنْ أهل حروراء، وهم الخوارج؛ فإنه قَدْ قيل: إن بعضهم كانَ يأمر بذلك، وقيل: إنَّها أرادت أنَّ هَذا مِنْ جنس تنطع الحرورية، وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منهُ» اهـ.
وقال العلامة مغلطاي ﵀ في [شرح ابن ماجه] (ص: ٨٧٤):
«وقيل: إنَّ عائشة إنما قالت لها ذلك لمخالفتهم السنة وخروجهم عن الجماعة، فخافت عليها عائشة فقالت لها ذلك؛ لأنَّ السنَّة بخلاف ما سألت» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الحائض تقضي الصوم دون الصلاة خلافًا لما عليه بعض الخوارج من إيجابهم على الحائض قضاء الصلاة، ومنهم من أوجب على الحائض أداء الصوم والصلاة حال الحيض.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٣٣ - ١٣٤):
«وقد حكى غير واحد مِنْ الأئمة إجماع العلماء على أنَّ الحائض لا تقضي الصلاة، وأنَّهم لَم يختلفوا في ذَلِكَ، مِنهُم: الزهري، والإمام أحمد، وإسحاق بنِ راهويه، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر وغيرهم.
وقال عطاء وعكرمة: قضاء الحائض الصلاة بدعة.
وقال الزهري: أجمع الناس على أنَّ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وقال: وليس في كل شيء نجد الإسناد.
وقد حكي عَنْ بعض الخوارج: أنَّ الحائض تقضي الصلاة، وعن بعضهم: أنَّها تصلي في حال حيضها.
[ ١ / ٨٠٧ ]
ولكن في "سنن أبي داود" بإسناد فيهِ لين، أنَّ سمرة بنِ جندب كانَ يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض» اهـ.
قلت: روى ذلك أبو داود (٣١٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ يَعْنِي حُبِّي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي الأَزْدِيَّةُ يَعْنِي مُسَّةَ قَالَتْ: «حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ يَأْمُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلَاةَ الْمَحِيضِ فَقَالَتْ: لَا يَقْضِينَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ». قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ حَاتِم: وَاسْمُهَا مُسَّةُ تُكْنَى أُمَّ بُسَّةَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ كُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ اهـ.
قلت: يونس بن نافع فيه لين، ومسة مجهولة جهالة حال.
قلت: وإنَّما يسقط عن الحائض قضاء الصلاة التي استغرق حيضها وقتها، ولم تكن مجموعة إلى ما قبلها أو بعدها، فإن لم يستغرق حيضها وقت الصلاة، بل طهرت في آخر الوقت، أو حاضت بعد مضي أوله، ففي لزوم قضائها نزاع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٣/ ص ٢٠٨):
«وإن كان الإدراك في وقت الثانية من المجموعتين وجبت الأولى أيضًا لما ذكره الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس ﵄ قالا: إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلت الظهر والعصر وإذا رأت الطهر قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء. وروى حرب عن أبي هريرة قال: إذا طهرت قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء. وهذا لأنَّ
[ ١ / ٨٠٨ ]
مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار وثلاثة في حال العذر والضرورة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾، وإنَّ السنة مضت بذلك في حال العذر حتى جاز أن يصلي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس ويصلي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر وهو الجمع بين الصلاتين إذا آخر الأولى بنية الجمع ثم حدث له عذر أخرهما بسببه إلى وقت الضرورة وهذا وقت الضرورة فلذلك كان مدركًا للأولى بما أدرك به الثانية.
وإن كان الإدراك في وقت الأولى بأن تحيض المرأة في وقت الظهر أو المغرب أو يجن الرجل فهل يجب عليهما قضاء العصر والعشاء على روايتين إحداهما يجب القضاء لأنَّ وقتهما واحد، والثانية لا يجب وهي المنصورة عند أصحابنا لأنَّ وقت الأولى إنَّما يكون وقتًا للثانية إذا فعل الأولى فتكون الثانية تابعة لها بخلاف وقت الثانية فإنَّه يكون وقتًا للأولى فعلها أو لم يفعلها» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٣٤ - ٤٣٥): «ولهذا كان عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في آخر النهار صلت الظهر والعصر جميعًا وإذا طهرت في آخر الليل صلت المغرب والعشاء جميعًا كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس؛ لأنَّ الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر باق فتصليها قبل العصر. وإذا طهرت في آخر الليل فوقت. المغرب باق في حال العذر؛ فتصليها قبل العشاء. ولهذا ذكر الله المواقيت تارة خمسًا ويذكرها ثلاثًا تارة
[ ١ / ٨٠٩ ]
كقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية. وهو وقت المغرب والعشاء. وكذلك قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. والدلوك هو الزوال وغسق الليل هو اجتماع ظلمة الليل وهذا يكون بعد مغيب الشفق. فأمر الله بالصلاة من الدلوك إلى الغسق فرض في ذلك الظهر والعصر والمغرب والعشاء ودل ذلك على أنَّ هذا كله وقت الصلاة فمن الدلوك إلى المغرب وقت الصلاة ومن المغرب إلى غسق الليل وقت الصلاة. وقال: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ لأنَّ الفجر خصت بطول القراءة فيها ولهذا جعلت ركعتين في الحضر والسفر فلا تقصر ولا تجمع إلى غيرها فإنهَّ عوض بطول القراءة فيها عن كثرة العدد» اهـ.
قلت: أثر عبد الرحمن بن عوف رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٠٥)، ومن طريقه ابن المنذر في [الأوسط] (٨٢٤).
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ مَوْلًى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعَتْهُ يَقُولُ: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ».
ورواه البيهقي في [المعرفة] (٢٤٥٦)، و[الكبرى] (١٨١٥) من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَوْلًى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ صَلَّتِ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا».
[ ١ / ٨١٠ ]
قلت: في إسناده من لا يعرف لإبهامه.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حُدِّثْتُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتْ صَلَاةَ النَّهَارِ كُلَّهَا، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ صَلَّتْ صَلَاةَ اللَّيْلِ كُلَّهَا».
قلت: لم يسنده ابن جريج ويخشى أن يرجع إلى الأول.
وأثر ابن عباس ﵁ رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٠٧) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به.
قلت: هذا إسناد ضعيف فيه عنعنة هشيم، ويزيد هو ابن أبي زياد ضعيف الحديث، ومقسم هو ابن بجرة.
ورواه ابن المنذر في [الأوسط] (٨٢٥) من طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به.
ورواه الدارمي في [سننه] (٩٢٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ به.
ورواه البيهقي في [المعرفة] (٢٤٥٧)، و[الكبرى] (١٨١٦) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
«إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَلْتَبْدَأْ بِالظُّهْرِ فَلْتُصَلِّهَا، ثُمَّ لِتُصَلِّي الْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَلْتَبْدَأْ فَلْتُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ».
[ ١ / ٨١١ ]
قلت: فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث كما سبق.
لكنه قال ﵀ (٢٤٥٨) تَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ.
وأسند ذلك في [الكبرى] (١٨١٧) فقال: وَهُوَ فِيمَا أَجَازَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ رِوَايَتَهُ عَنْهُ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ، ثنا الشَّامَاتِيُّ، ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، ثنا حَفْصٌ، عَنْ لَيْثٍ، فَذَكَرَهُ وَقِيلَ عَنْهُ، عَنْهُمَا مِنْ قَوْلِهِمَا اهـ.
قلت: والمعنى أنَّ الاختلاف حصل على ليث بن أبي سليم هل الأثر من قول ابن عباس أو من قول طاوس وعطاء.
فرواه حفص بن غياث عن ليث عن طاوس وعطاء عن ابن عباس.
وخالفه محمد بن فضيل.
قال ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٠٩) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ».
قلت: وقد تابع ابن فضيل سفيان الثوري فروى الدارمي في [سننه] (٩٢٦)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٢) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ به.
ولم يذكر عطاءً.
قلت: فالمحفوظ في الرواية عن ليث ما رواه الثوري وابن فضيل عنه، لا سيما وأنَّ حفصًا كان يخطئ قليلًا بأخرة، وبهذا يتبين عدم ثبوت الأثر عن ابن عباس ﵄.
وأمَّا أثر أبي هريرة ﵁ فلم أقف عليه مسندًا.
[ ١ / ٨١٢ ]
وقد خالف هؤلاء أنس بن مالك ﵁.
فروى الدارمي في [سننه] (٩٢٩) أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يُونُسَ، وَحُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ، صَلَّتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَلَا تُصَلِّي غَيْرَهَا».
قلت: هذا أثر صحيح.
ويقوى ما قاله أنس بأمور منها:
- أنَّه المأثور عن الصحابة وخلافه لا يصح، والحق لا يخرج عن المأثور عن الصحابة.
- ومنها: أنَّ القضاء لو وجب لأثر ذلك عن رسول الله ﷺ فإنَّ هذا الأمر مما تعم به البلوى وليس من الأمور النادرة، وما كان من الأمور مما تعم به البلوى فلا يقبل فيها إلَّا الأدلة الصحيحة الصريحة.
- ومنها: أنَّ هنالك فرقًا بين صلاة أهل الأعذار كالمسافر والمريض وبين الحائض، وذلك أنَّ صاحب العذر كالمسافر والمريض وجبت عليهما صلاة الظهر والعصر بدخول وقتهما فإذا أخرا ذلك إلى وقت العصر والعشاء فقد أخرا ما وجب عليهما، وأمَّا الحائض فلم تكن عليها صلاة الظهر والمغرب واجبة.
وهذا مذهب أبي حنيفة من الأئمة الأربعة.
وهو مذهب قتادة فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ صَلَّتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا لَمْ تَطْهُرْ فِي وَقْتِهَا لَمْ تُصَلِّ تِلْكَ الصَّلَاةَ».
[ ١ / ٨١٣ ]
قلت: إسناده صحيح.
ومذهب الحسن البصري فقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢١٣) والدارمي في [سننه] (٩٢٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي «الْحَائِضِ تُصَلِّي الصَّلَاةَ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا».
قلت: إسناده صحيح.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٢٨٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَّتِ الْعَصْرَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ».
قلت: إسناده صحيح.
وقال العلامة ابن المنذر ﵀ في [الأوسط] (٢/ ٢٤٥):
«وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا صَلَاةَ عَلَى الْحَائِضِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِذَا طَهُرَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهَا بِاخْتِلَافٍ صَلَاةً لَا حُجَّةَ مَعَ مُوجِبِ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ". دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْعَصْرِ لَا لِلظُّهْرِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَّتِ الْعَصْرَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ، هَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنْ شَاءَتْ إِنْ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا الْعَصْرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلَيْسَ الْمَغْرِبُ عَلَيْهَا بِوَاجِبٍ إِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَحُكِيَ عَنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا» اهـ.
[ ١ / ٨١٤ ]
قلت: وأمَّا إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فذهب الجمهور إلى وجوب قضاء تلك الصلاة التي دخل وقتها، وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وابن حزم إلى عدم وجوب القضاء، وهذا الأظهر؛ وذلك لأنَّ الإلزام بالقضاء يحتاج إلى دليل وحيض المرأة في أثناء وقت الصلاة من الأمور التي تعم بها البلوى فلو كان واجبًا عليهن القضاء لأمر بذلك النبي ﷺ وهذا مما لا وجود له فيما أعلم. والله أعلم.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا لِأَنَّهَا فِي وَقْتٍ».
قلت: هذا إسناد صحيح، ومغيرة هو ابن مقسم، وحماد هو ابن أبي سليمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥):
«ثم اختلف هؤلاء فيما تلزم به الصلاة الأولى على قولين: أحدهما: تجب بما تجب به الثانية وهل هو ركعة؟ أو تكبيرة؟ على قولين: والثاني: لا تجب إلَّا بأن تدرك زمنًا يتسع لفعلها وهو أصح. وقريب من هذا اختلافهم فيما إذا دخل عليها الوقت وهي طاهرة ثم حاضت هل يلزمها قضاء الصلاة أم لا؟ على قولين: أحدهما لا يلزمها كما يقوله مالك وأبو حنيفة. والثاني: يلزمها كما يقوله الشافعي وأحمد ثم اختلف الموجبون عليها الصلاة فيما يستقر به الوجوب على قولين: أحدهما قدر تكبيرة وهو المشهور في مذهب أحمد.
[ ١ / ٨١٥ ]
والثاني: أن يمضي عليها زمن تتمكن فيه من الطهارة وفعل الصلاة وهو القول الثاني في مذهب أحمد والشافعي. ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يلزمها فعل الثانية من المجموعتين مع الأولى؟ على قولين وهما روايتان عن الإمام أحمد. والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك أنَّها لا يلزمها شيء؛ لأنَّ القضاء إنَّما يجب بأمر جديد ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء ولأنَّها أخرت تأخيرًا جائزًا فهي غير مفرطة. وأمَّا النائم أو الناسي وإن كان غير مفرط أيضًا فإنَّ ما يفعله ليس قضاء بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر. كما قال النبي ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" وليس عن النبي ﷺ حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها وإنَّما وردت السنة بالإعادة في الوقت لمن ترك واجبًا من واجبات الصلاة» اهـ.
قلت: واستثنى علماء الشافعية من الصلاة التي لا تقضى ركعتي الطواف.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٢/ ٤٦):
«قَالَ أَصْحَابنَا: كُلّ صَلَاة تَفُوت فِي زَمَن الْحَيْض لَا تُقْضَى إِلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَاف» اهـ.
٢ - أنَّ الواجب على العبد امتثال الأمر وإن لم يعلم الحكمة فيه، مع وجوب اعتقاد أنَّ الله لا يفعل الفعل إلاَّ لحكمة، ولا يأمر بشيء إلاَّ لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلَّا لحكمة.
وقد حاول العلماء معرفة بعض الحكم في ذلك فقال بعضهم: إنَّ الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا يخلو منه كل شهر - غالبًا -، فلو أمرت
[ ١ / ٨١٦ ]
الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذلك عليها، بخلاف الصيام؛ فإنَّه إنَّما يجيء مرة واحدة في السنة، فلا يشق قضاؤه.
ومنهم من قال: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر، فيغني ذلك عن قضاء ما تركته منها في الحيض، بخلاف صيام رمضان؛ فإنَّه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها.
٣ - الحديث يدل على ما قاله الأصوليون من أنَّ قول الصحابي كنا نؤمر وننهى في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وإلَّا لم تقم الحجة به.
* * *
[ ١ / ٨١٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: