١٢٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ».
وَفِي لَفْظٍ «مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ» متفق عليه.
قُلْتُ: وقد أنكر أبو معبد أنَّه حدث عمرو بن دينار بهذا الحديث فروى مُسْلِم في [صَحِيْحِهِ] (٥٨٣) فقال حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُخْبِرُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَا
[ ٤ / ٣٠٧ ]
كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ» قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي مَعْبَدٍ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا، قَالَ عَمْرٌو: وَقَدِ اَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ.
قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُ ﵀ فِي [فَتْحِ الْمُغِيْثِ] (٢/ ٨٢ - ٨٤):
«(وَ) إِذَا تَسَاقَطَا فِي مَسْأَلَتِنَا (فَارْدُدْ) أَيُّهَا الْوَاقِفُ عَلَيْهِ (مَا جَحَدْ) الشَّيْخُ مِنَ الْمَرْوِيِّ خَاصَّةً; لِكَذِبِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ لَوْ حَدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ نَفْسُهُ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ عَنْهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَقْبُولٌ، كُلُّ هَذَا إِذَا صَرَّحَ بِالتَّكْذِيبِ، فَإِنْ جَزَمَ بِالرَّدِّ بِدُونِ تَصْرِيحٍ كَقَوْلِهِ: مَا رَوَيْتُ هَذَا، أَوْ مَا حَدَّثْتُ بِهِ قَطُّ، أَوْ أَنَا عَالِمٌ أَنَّنِي مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أُحَدِّثْكَ، فَقَدْ سَوَّى ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي "تَوْضِيحِ النُّخْبَةِ"، لَكِنَّهُ قَالَ فِي "الْفَتْحِ": إِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَهُمْ; أَيِ: الْمُحَدِّثِينَ، الْقَبُولُ.
وَتَمَسَّكَ بِصَنِيعِ مُسْلِم; حَيْثُ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ"، مَعَ قَوْلِ أَبِي مَعْبَدٍ لِعَمْرٍو: لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ; فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُسْلِما كَانَ يَرَى صِحَّةَ الْحَدِيثِ، وَلَوْ أَنْكَرَهُ رَاوِيهِ إِذَا كَانَ النَّاقِلُ عَنْهُ عَدْلًا.
وَكَذَا صَحَّحَ الْحَدِيثَ الْبُخَارِيّ وَغَيْرُهُ، وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا الشَّيْخَ فِي ذَلِكَ عَلَى النِّسْيَانِ كَالصِّيَغِ الَّتِي بَعْدَهَا.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ: كَأَنَّهُ نَسِيَ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ، بَلْ قَالَ قَتَادَةُ حِينَ حَدَّثَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ كَثِيرٌ: مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا قَطُّ، إِنَّهُ نَسِيَ، لَكِنَّ إِلْحَاقَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِالصُّورَةِ الْأُولَى أَظْهَرُ.
وَلَعَلَّ تَصْحِيحَ هَذَا الْحَدِيثِ بِخُصُوصِهِ لِمُرَجَّحٍ اقْتَضَاهُ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالشَّيْخَيْنِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قِيلَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: إِنَّ الرَّدَّ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ التَّسَاوِي، فَلَوْ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا عُمِلَ بِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَمْثِلَتِهِ.
هَذَا مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ حَكَى عَنِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْقَبُولَ، وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ الرَّدَّ قِياسًا عَلَى الشَّاهِدِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَظَاهِرُ صَنِيعِ شَيْخِنَا اتِّفَاقُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى الرَّدِّ فِي صُورَةِ التَّصْرِيحِ بِالْكَذِبِ، وَقَصْرُ الْخِلَافِ عَلَى هَذِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ، فَمِنْ مُتَوَقِّفٍ، وَمِنْ قَائِلٍ بِالْقَبُولِ مُطْلَقًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ السُّبْكِيِّ، تَبَعًا لِأَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَقَالَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَإِنْ كَانَ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ حَكَيَا الِاتِّفَاقَ عَلَى الرَّدِّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ مِمَّا يُسَاعِدُ ظَاهِرَ صَنِيعِ شَيْخِنَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَيُنَازِعُ فِي الثَّانِيَةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الْأُولَى وَالْخِلَافَ فِي الثَّانِيَةِ بِالنَّظَرِ لِلْمُحَدِّثِينَ خَاصَّةً» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
[ ٤ / ٣٠٩ ]
١ - استحباب رفع الصوت بالذكر بعد انقضاء الصلاة. وتدل على ذلك بعض النصوص عن الإمام أحمد ﵀، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما ذكر ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوعِ] (٢/ ١٨٤). وهو ظاهر اختيار الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ ﵀ فقد قَالَ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٣٨٩):
«ومنه تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد السلام بحيث كان من هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك ولا ينكره عليهم» اهـ.
٢ - استحباب رفع الصوت بالتكبير بعد انقضاء الصلاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٢٦):
«قوله: "بالتكبير" هو أخص من رواية ابن جريج التي قبلها لأنَّ الذكر أعم من التكبير ويحتمل أن تكون هذه مفسرة لذلك، فكان المراد أنَّ رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنَّهم كانوا يبدءون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد» اهـ.
قُلْتُ: روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٢١)، والبيهقي في [معرفة السنن] (٩٩٢) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: ذَكَرْتُ لِلْقَاسِمِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ذَكَرَ لِي: «أَنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرُوا ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، أَوْ تَهْلِيلَاتٍ». فَقَالَ الْقَاسِمُ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، لِيَصْنَع ذَلِكَ.
[ ٤ / ٣١٠ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. ويحيى هو الأنصاري، والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، وابن الزبير هو عبد الله بن الزبير ﵁.
وهذا الأثر يدل على أنَّ التكبيرات التي تقَالَ بعد الصلاة تكبيرات مستقلة وليست التكبيرات التي تقَالَ مع التسبيح والتحميد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لكن قد يقَالَ إنَّ الأثر فيه شك من الراوي هل هي ثلاث تكبيرات أو تهليلات والثابت عن ابن الزبير الثلاث التهليلات كما سيأتي فيما رواه مُسْلِم.
وقَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦):
«وقد دل حديث ابن عباس على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة، وقد ذهب إلى ظاهره أهل الظاهر، وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك، وأنَّ الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى:
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، ولقول النبي ﷺ لمن جهر بالذكر من أصحابه: "إنَّكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا".
وحمل الشافعي حديث ابن عباسٍ هذا على أنَّه جهر به وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر؛ لا أنَّهم جهروا دائمًا. قَالَ: فأختار للإمام والمأموم أن يذكروا الله بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك، إلَّا أن يكون إمامًا يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يعلم، أنَّه قد تعلم منه، ثم يسر. وكذلك ذكر أصحابه.
[ ٤ / ٣١١ ]
وذكر بعض أصحابنا مثل ذلك - أيضًا. ولهم وجهٌ آخر: أنَّه يكره الجهر به مطلقًا.
وقَالَ القاضي أبو يعلى في "الجامع الْكَبِيْر": ظاهر كلام أحمد: أنَّه يسن للإمام الجهر بالذكر والْدُعَاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم، ولا يزيد على ذلك.
وذكر عن أحمد نصوصًا تدل على أنَّه كان يجهر ببعص الذكر، ويسر الْدُعَاء، وهذا هو الأظهر، وأنَّه لا يختص ذلك بالإمام؛ فإنَّ حديث ابن عباس هذا ظاهره يدل على جهر المأمومين - أيضًا.
ويدل عليه - أيضًا -: ما خَّرجه مُسْلِم في "صَحِيْحِهِ" مِنْ حَدِيْثِ ابن الزبير، أنَّه كان يقول في دبر كل صلاةٍ حين يسلم: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا حول ولا قوة إلَّا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلَّا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون"، وقَالَ: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يهل بهن في دبر كل صلاةٍ.
ومعنى: "يهل". يرفع صوته، ومنه: الإهلال في الحج، وهو رفع الصوت بالتلبية، واستهلال الصبي إذا ولد» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن الزبير رواه مُسْلِم (٥٩٤) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
[ ٤ / ٣١٢ ]
الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». وَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ».
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٥/ ٨٤):
«هَذَا دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ عَقِبَ الْمَكْتُوبَةِ وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّهُ مِنَ المتأخرين بن حزم الظاهري ونقل بن بَطَّالٍ وَآخَرُونَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ وَغَيْرَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى يُعْلِمَهُمْ صِفَةَ الذِّكْرِ لَا أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا قال فاختار للإمام والمأموم أن يذكر اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُرِيدُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ثُمَّ يُسِرُّ وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا» اهـ.
قُلْتُ: نَصُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَّى] (٣/ ١٨٠):
«مَسْأَلَةٌ: وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ إثْرَ كُلِّ صَلَاةٍ: حَسَنٌ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِم بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرٍو - قَالَ سَمِعْته يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ".
[ ٤ / ٣١٣ ]
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ نَسِيَ أَبُو مَعْبَدٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَنْكَرَهُ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ عَمْرٌو أَوْثَقُ الثِّقَاتِ، وَالنِّسْيَانُ لَا يَعْرَى مِنْهُ آدَمِيٌّ. وَالْحُجَّةُ قَدْ قَامَتْ بِرِوَايَةِ الثِّقَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الحَسَنِ عُبَيْدُ اللهِ الْمُبَارْكَفُورِيُّ ﵀ فِي [مِرعَاةِ الْمَفَاتِيْحِ] (٣/ ٣١٤ - ٣١٥):
«واختلفوا في بيان المراد بالتكبير، فقيل: المراد به قوله "الله أكبر" مرة أو ثلاثًا بعد السلام فكان ﷺ يقول "الله أكبر" مرة أو مكررًا إذا فرغ من الصلاة، والمعنى: كنت أعرف بسماع "الله أكبر" انصرافه وفراغه من الصلاة. وقيل: المراد التكبير الذي ورد مع التسبيح والتحميد عشرًا أو أكثر فيحتمل أنَّه كان بدءه بالتكبير قبل التسبيح والتحميد لما ورد: لا يضرك بأيهن بدأت. وقيل: المراد التكبيرات التي في الصلاة عند كل خفض ورفع، والمعنى كنت أعرف انقضاء كل هيئة من الصلاة إلى أخرى بتكبيره أسمعها من رسول الله ﷺ. وقيل: المراد كنت أعرف انقضاء الصلاة بانقضاء التكبيرات، وهذان التأويلان يخالفان الباب، ويخالفان أيضًا رواية الشيخين لحديث ابن عباس هذا ومن وجه آخر بلفظ: إنَّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. قال العيني: أي كنت أعلم انصرافهم بسماع الذكر-انتهى. وهذه الرواية تؤيد بل تعين القول الأول فهو المعتمد، لكن قوله: "التكبير" أخص من هذه الرواية؛ لأنَّه الذكر أعم من التكبير، فيحتمل أنَّهم
[ ٤ / ٣١٤ ]
كانوا يرفعون الصوت بالتكبير والذكر كليهما، فيكون الحديث دليلًا على استحباب رفع الصوت بقول "الله اكبر" مرة أو مكررًا، وبأذكار أخرى عقب المكتوبة، ويحتمل أن يكون قوله "التكبير" مفسرًا لهذه الرواية، فكأنَّ المراد أنَّ رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنَّهم كانوا يبدؤن بالتكبير مرة أو مكررًا قبل الأذكار الأخرى. ويحتمل أن يكون المراد بالتكبير مطلق الذكر بعد الصلاة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الأصل هو استحباب المخافتة بالذكر إلَّا ما دلَّ الدليل على الجهر فيه كهذا الموطن، والتلبية في الحج.
والدليل على استحباب المخافتة بالذكر قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
والذي يظهر لي في الجهر بالتكبير بعد الصلوات أنَّه مما يستحب في بعض الأوقات من غير مداومة، وذلك لأنَّ أكثر من روى عن النبي ﷺ لم يذكر ذلك.
ومن ذلك ما رواه مُسْلِم (٥٩١) عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: "كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ".
[ ٤ / ٣١٥ ]
وروى مُسْلِم (٥٩٢) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».
وروى الْبُخَارِيّ (٨٤٤)، ومُسْلِم (٥٩٣) عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ».
ومضي ما رواه مُسْلِم (٥٩٤) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». وَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ».
فائدة: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي [البداية والنهاية] (١٠/ ٢٩٦):
«وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقيب الصلوات الخمس، فكان أول ما بدئ بذلك في جامع بغداد والرصافة يوم الجمعة لأربع عشر ليلة خلت من رمضان، وذلك أنَّهم كانوا إذا
[ ٤ / ٣١٦ ]
قضوا الصلاة قام الناس قيامًا فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم مروا على ذلك في بقية الصلوات.
وهذه بدعة أحدثها المأمون أيضًا بلا مستند ولا دليل ولا معتمد، فإنَّ هذا لم يفعله قبله أحد، ولكن ثبت في الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ رفع الصوت بالذكر على عهد رسول الله ﷺ ليعلم حين ينصرف الناس من المكتوبة، وقد استحب هذا طائفة من العلماء كابن حزم وغيره.
وقَالَ ابن بطال: المذاهب الأربعة على عدم استحبابه.
قَالَ النووي: وقد روي عن الشافعي أنَّه قَالَ: إنَّما كان ذلك ليعلم الناس أنَّ الذكر بعد الصلوات مشروع، فلما علم ذلك لم يبق للجهر معنى.
وهذا كما روى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه كان يجهر في الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلم؟ أنَّها سنة، ولهذا نظائر وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وأمَّا هذه البدعة التي أمر بها المأمون فإنَّها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف» اهـ.
٣ - فيه بيان أنَّه لم يكن للنبي ﷺ مبلغ في صلاته وذلك أنَّه إذا كان له مبلغ لعلم ابن عباس انقضاء الصلاة بسلام المبلغ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّة] (١/ ٣٢): «ولم يكن التبليغ وراء الإمام على عهد رسول الله ﷺ
[ ٤ / ٣١٧ ]
ولا خلفائه ولكن لما مرض النبي ﷺ صلى بالناس مرة وكان أبو بكر يسمع الناس التكبير على أنَّ الظاهر عن أحمد أنَّ هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتمًا بالنبي ﷺ وكان إمامًا للناس فيكون تبليغه لكونه إمامًا للناس وكذا بلغ مرة أخرى حين صرع رسول الله ﷺ فجحش شقه الأيمن ولهذا اتفق العلماء على أنَّه لا يستحب التبليغ بل يكره إلَّا لحاجة مثل ضعف صوت الإمام وبعد المأموم ونحوه وقد اختلفوا فيه هذه الحال والمعروف عن أحمد أنَّه جائز وأصح قولي مالك وأمَّا عند عدم الحاجة فبدعة بل صرح كثير منهم أنَّه مكروه بل قد ذهب طائفة من أصحاب مالك وأحمد إلى أنَّه يبطل صلاة المبلغ لغير حاجة ولم يستحبه أحد من العلماء حينئذ ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنَّه يعزر وهذا أقل أحواله» اهـ.
وقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٤٠٠ - ٤٠٢):
«لم يكن التبليغ والتكبير ورفع الصوت بالتحميد والتسليم على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد خلفائه ولا بعد ذلك بزمان طويل إلَّا مرتين: مرة صرع النبي ﷺ عن فرس ركبه فصلى في بيته قاعدًا فبلغ أبو بكر عنه التكبير. كذا رواه مُسْلِم في صَحِيْحِهِ. ومرة أخرى في مرض موته بلغ عنه أبو بكر وهذا مشهور.
مع أنَّ ظاهر مذهب الإمام أحمد أنَّ هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتمًا فيها بالنبي ﷺ وكان إمامًا للناس فيكون تبليغ أبي بكر إمامًا للناس وإن
[ ٤ / ٣١٨ ]
كان مؤتمًا بالنبي ﷺ وهكذا قَالَتْ عائشة ﵂: "كان الناس يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يأتم بالنبي ﷺ". ولم يذكر أحد من العلماء تبليغًا على عهد رسول الله ﷺ إلا هاتين المرتين؛ لمرضه. والعلماء المصنفون لما احتاجوا أن يستدلوا على جواز التبليغ لحاجة لم يكن عندهم سنة عن رسول الله ﷺ إلَّا هذا وهذا يعلمه علمًا يقينيًا من له خبرة بسنة رسول الله ﷺ. ولا خلاف بين العلماء أنَّ هذا التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب بل صرح كثير منهم أنَّه مكروه. ومنهم من قَالَ: تبطل صلاة فاعله وهذا موجود في مذهب مالك وأحمد وغيره. وأمَّا الحاجة لبعد المأموم أو لضعف الإمام وغير ذلك فقد اختلفوا فيه في هذه والمعروف عند أصحاب أحمد أنَّه جائز في هذا الحال وهو أصح قولي أصحاب مالك وبلغني أنَّ أحمد توقف في ذلك وحيث جاز ولم يبطل فيشترط أن لا يخل بشيء من واجبات الصلاة.
فأما إن كان المبلغ لا يطمئن بطلت صلاته عند عامة العلماء كما دلت عليه السنة وإن كان أيضًا يسبق الإمام بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد. وهو الذي دلت عليه السنة وأقوال الصحابة وإن كان يخل بالذكر المفعول في الركوع والسجود والتسبيح ونحوه ففي بطلان الصلاة خلاف. وظاهر مذهب أحمد أنَّها تبطل ولا ريب أنَّ التبليغ لغير حاجة بدعة ومن اعتقده قربة مطلقة فلا ريب أنَّه إمَّا جاهل
[ ٤ / ٣١٩ ]
وإمَّا معاند وإلاَّ فجميع العلماء من الطوائف قد ذكروا ذلك في كتبهم حتى في المختصرات. قَالَوا: ولا يجهر بشيء من التكبير. إلَّا أن يكون إمامًا ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنَّه يعزر على ذلك لمخالفته الإجماع هذا أقل أحواله وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
[ ٤ / ٣٢٠ ]
١٢٥ - عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِنْ كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"».
ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ.
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ».
قوله: «فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ». الدبر يأتي والمراد به الدبر المتصل كدبر الدابة ويأتي والمراد به الدبر المنفصل، والمراد به هاهنا الدبر المنفصل، وإنَّما حملناه على الدبر المنفصل لأنَّه ذكر من الأذكار وما بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ ليس موطن ذكر إنَّما هو موطن دعاء والأذكار موضعها الدبر المنفصل أي ما بعد السلام كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، وقَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
قُلْتُ: وبناءً على هذا فينظر في الأحاديث التي جاءت وفيها ذكر الدبر فإن كان المذكور فيها دعاء فالمراد به الدبر المتصل وهو ما قبل السلام، وما كان فيها من ذكر فالمراد به الدبر المنفصل وهو ما بعد السلام. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد احتج الحافظ ابن رجب على مشروعية الْدُعَاء بعد السلام بما رواه مُسْلِم (٧٠٩) عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ».
وهذا احتجاج قوي لكن الأصل ما سبق بيانه.
قُلْتُ: وقد جاء حديث الباب في مسند أحمد (١٨٢٥٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ
[ ٤ / ٣٢١ ]
مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهذه الرواية صريحة في بيان أنَّ هذا الذكر إنَّما يقَالَ بعد السلام من الصلاة.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٦٥٦٤، ٢٦٦٤٤، ٢٦٧٤٢، ٢٦٧٧٤)، وابن ماجه (٩٢٥) مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَوْلًى لِأُمِّ سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» فهو حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لإبهام الراوي عن أم سلمة
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَقْرِيْبِ الْتَهْذِيْبِ] (٢/ ٧٣٧): «اسمه عبد الله ابن شداد وقع في "الأفراد" للدارقطني» اهـ.
أَقُولُ: عبد الله بن شداد لم يُذكر أنَّه من موالي أم سلمة، وقد سئل الحافظ الدارقطني عن رواية عبد الله بن شداد عن أم سلمة فقَالَ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٥/ ٢٢٠): «يرويه موسى بن أبي عائشة، واختلف عنه؛ فرواه شاذان، عن الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أم سلمة، قَالَه أحمد بن إدريس المخرمي، عن شاذان.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
وغيره يرويه، عن الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن مولى لأم سلمة، عن أم سلمة، رحمها الله، وكذلك قَالَ عمرو بن سعيد بن مسروق، ورقبة بن مصقلة، عن موسى بن أبي عائشة، وهو الصواب.
حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قَالَ: حدثنا أحمد بن إدريس المخرمي، قَالَ: حدثنا شاذان، قَالَ: حدثنا سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أم سلمة، قَالَتْ: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى يقول: "اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا". يكررها ثلاث مرات، لم يقل فيه: عن عبد الله بن شداد، غير المخرمي، عن شاذان» اهـ.
أَقُولُ: فقد رجح الحافظ الدارقطني ﵀ كما ترى رواية من روى عن مولى أم سلمة عن أم سلمة وخطَّأ من جعله من رواية عبد الله بن شداد عن أم سلمة.
وقد روى رواية عبد الله بن شداد أيضًا الخطيب البغدادي في [تَارِيْخِ بِغْدَادَ] (٤/ ٣٩) برقم (١٦٤٦) مِنْ طَرِيقِ الدارقطني.
ووقع في رواية الطبراني تسميته بسفينة فروى في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (١٩١٦٨) حدثنا محمود بن أحمد بن الفرج، ثنا إسماعيل بن عمرو، ثنا سفيان، عن منصور، عن موسى بن أبي عائشة، عن سفينة مولى لأم سلمة، عن أم سلمة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نحوه.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
قُلْتُ: إسماعيل بن عمرو هو ابن نجيح ضعفه غير واحد من الحفاظ كأبي حاتم والدارمي والدارقطني.
وقَالَ الْخَطِيْبُ الْبِغْدَادِي ﵀ فِي [تَارِيْخِ بِغْدَادَ] (١/ ٣٧): «وهو صاحب غرائب ومناكير عن سفيان الثوري وعن غيره».
وقَالَ الحافظ ابن عدي ﵀ فِي [الْكَامِل] (١/ ٣٢٢): «حدث عن مسعر والثوري والحسن بن صالح وغيرهم بأحاديث لا يتابع عليها» اهـ.
وجاء الحديث من رواية الشعبي عن أم سلمة رواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْصَّغِيْرِ] (٧٣٥)، والإسماعيلي في [مُعْجَمِهِ] (٢٥٥)، وأبو نعيم الأصبهاني في [معجم أصبهان] (٤٠١٦٤) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيْهِ عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَقُولُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رِزْقًا طَيِّبًا، وَعِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا النُّعْمَانُ تَفَرَّدَ بِهِ عَامِرٌ اهـ.
قُلْتُ: هذه رواية شاذة شذ بها النعمان وخالف ثقات أصحاب سفيان كوكيع، وأبي نعيم الفضل بن دكين وغيرهما.
وخلاصة القول: أنَّ هذا الحديث ضعيف لا يثبت. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ».
[ ٤ / ٣٢٤ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧): «أي لا ينجيه ولا يخلصه من سؤالك وحسابك حظه وعظمته وغناه. ولهذا قَالَ: "لا ينفعه منك" ولم يقل "لا ينفعه عندك" فإنَّه لو قيل ذلك: أوهم أنَّه لا يتقرب به إليك لكن قد لا يضره. فيقول صاحب الجد: إذا سلمت من العذاب في الآخرة فما أبالي كالذين أوتوا النبوة والملك لهم ملك في الدنيا وهم من السعداء فقد يظن ذو الجد - الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده - أنَّه كذلك. فقَالَ "ولا ينفع ذا الجد منك" ضمن "ينفع" معنى "ينجي ويخلص" فبين أن جده لا ينجيه من العذاب. بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله ولا ينفعه جده منك. فلا ينجيه ولا يخلصه» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٤٤٧):
«و"الجد" هو الغنى وهو العظمة وهو المال. بين ﷺ أنه من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك ولم يخلصه من الله؛ وإنَّما ينجيه من عذابه إيمانه وتقواه؛ فإنَّه ﷺ قَالَ: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" فبين في هذا الحديث أصلين عظيمين: أحدهما: توحيد الربوبية وهو أن لا معطي لما منع الله ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلَّا عليه ولا يسأل إلَّا هو.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
والثاني: توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع وما لا ينفع وأنه ليس كل من أعطي مالًا أو دنيًا أو رئاسة كان ذلك نافعًا له عند الله منجيًا له من عذابه فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلاَّ من يحب» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (٢٠٨):
«وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضًا فيقوله في هذين الموضعين اعترافًا بتوحيده وأنَّ النعم كلها منه وهذا يتضمن أمورًا:
أحدها: أنَّه المنفرد بالعطاء والمنع.
الثاني: أنَّه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه وإذا منع لم يطق أحد إعطاء من منعه.
الثالث: أنَّه لا ينفع عنده ولا يخلص من عذابه ولا يدني من كرامته جدود بني آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك إنما ينفعهم عنده الْتَقْرِيْب إليه بطاعته وإيثار مرضاته» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢١/ ٢٨٩):
«فمعنى "قيل وقَالَ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ الحديث بما لا معنى ولا فائدة فيه من أحاديث الناس التي أكثرها غيبة ولغط وكذب ومن أكثر من القيل والقَالَ مع العامة لم يسلم من الخوض في الباطل ولا من الاغتياب ولا من الكذب وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٧):
[ ٤ / ٣٢٦ ]
«"وكره لكم قيل" وقَالَ في رواية الشعبي: "وكان ينهى عن قيل وقَالَ" كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين ووقع في رواية الكشميهني هنا "قيلًا وقَالًَا" والأول أشهر وفيه تعقب على من زعم أنَّه جائز ولم تقع به الرواية.
قَالَ الجوهري: قيل وقَالَ: اسمان يقَالَ كثير القيل والقَالَ كذا جزم بأنَّهما اسمان وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما.
وقَالَ ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين بمعنى واحد كالقول لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة فأشار إلى ترجيح الأول.
وقَالَ المحب الطبري: في قيل وقَالَ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّهما مصدران للقول تقول قُلْتُ قولًا وقيلًا وقَالًَا والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنَّها تئول إلى الخطأ قَالَ: وإنَّما كرره للمبالغة في الزجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها فيقول قَالَ فلان كذا وقيل كذا والنهي عنه إمَّا للزجر عن الاستكثار منه وإمَّا لشيء مخصوص منه وهو ما يكرهه المحكي عنه.
ثالثها: أنَّ ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله قَالَ فلان كذا وقَالَ فلان كذا ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت ولكن يقلد من سمعه ولا يحتاط له
[ ٤ / ٣٢٧ ]
قُلْتُ: ويؤيد ذلك الحديث الصحيح: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مُسْلِم وفي "شرح المشكاة" قوله: قيل وقَالَ من قولهم قيل كذا وقَالَ كذا وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضمير ومنه قوله: إنَّما الدنيا قيل وقَالَ وإدخال حرف التعريف عليهما في قوله ما يعرف القَالَ القيل لذلك» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَإِضَاعَةِ الْمَالِ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٨ - ٤٠٩):
«قوله: "وإضاعة المال" تقدم في الاستقراض أنَّ الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام والأقوى أنَّه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه لأنَّ الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح إمَّا في حق مضيعها وإمَّا في حق غيره ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقًا أخرويًا أهم منه والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه:
الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا فلا شك في منعه.
والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا فلا شك في كونه مطلوبًا بالشرط المذكور.
والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذ النفس فهذا ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإسراف.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
والثاني: ما لا يليق به عرفًا وهو ينقسم أيضًا إلى قسمين:
أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة إمَّا ناجزة أو متوقعة فهذا ليس بإسراف.
والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك فالجمهور على أنَّه إسراف وذهب بعض الشافعية إلى أنَّه ليس بإسراف قَالَ: لأنَّه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح وإذا كان في غير معصية فهو مباح له.
قَالَ ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قَالَ اهـ. وقد صرَّح بالمنع القاضي حسين فقَالَ في كتاب "قسم الصدقات": هو حرام. وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على المغارم وصحح في باب الحجر من الشَّرْحُ وفي "المحرر" أنَّه ليس بتبذير وتبعه النووي والذي يترجح أنَّه ليس مذمومًا لذاته لكنَّه يفضي غالبًا إلى ارتكاب المحذور كسؤال الناس وما أدى إلى المحذور فهو محذور وقد تقدم في كتاب الزكاة البحث في جواز التصدق بجميع المال وأنَّ ذلك يجوز لمن عرف من نفسه الصبر على المضايقة وجزم الباجي من المالكية بمنع استيعاب جميع المال بالصدقة قَالَ: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرًا لحادث يحدث كضيف أو عيد أو وليمة ومما لا خلاف في كراهته مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة، ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب، وأمَّا إضاعة المال في المعصية فلا يختص بارتكاب الفواحش بل يدخل فيها سوء القيام على الرقيق
[ ٤ / ٣٢٩ ]
والبهائم حتى يهلكوا ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه وقسمه ما لا ينتفع بجزئه كالجوهرة النفيسة.
وقَالَ السبكي الْكَبِيْر في "الحلبيات": الضابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرض ديني ولا دنيوي فإن انتفيا حرم قطعًا وإن وجد أحدهما وجودًا له بال وكان الإنفاق لائقًا بالحال ولا معصية فيه جاز قطعًا وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط فعلى المفتي أن يرى فيما تيسر منها رأيه، وأمَّا ما لا يتيسر فقد تعرض له فالإنفاق في المعصية حرام كله ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة ولذة حسنة وأما إنفاقه في الملاذ المباحة فهو موضع الاختلاف فظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف ثم قَالَ ومن بذل مالًا كثيرًا في غرض يسير تافه عده العقلاء مضيعًا بخلاف عكسه وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الطيبي هذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق وهو تتبع جميع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ». يشمل سؤال الناس أموالهم، ويشمل سؤال المرء عمَّا لا يحتاج إليه كما روى مُسْلِم (٦٠٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
[ ٤ / ٣٣٠ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».
ويشمل أيضًا كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله فإنَّ ذلك مما يكره المسئول غالبًا.
ويشمل ذلك أيضًا تكلف السؤال عن المسائل التي لا تقع أو هي نادرة الوجود.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢١/ ٢٨٩):
«وأمَّا قوله "وكثرة السؤال" فمعناه عند أكثر العلماء التكثير في السؤال من المسائل والنوازل والأغلوطات وتشقيق المولدات» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤٠٧):
«وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر جدًا وإنَّما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ».
قَالَ العلامة ابن الأثير ﵀ فِي [النهاية] (٣/ ٥٣٣): «وأصلُه من العَقِّ: الشق والقَطْعِ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٤٥):
[ ٤ / ٣٣١ ]
«وإنَّما اقتصر هنا على الأمهات لأنَّ حرمتهن آكد من حرمة الآباء، ولهذا قَالَ ﷺ حين قَالَ له السائل: من أبر؟ قَالَ: "أمك ثم أمك" ثلاثًا ثم قَالَ في الرابعة: "ثم أباك". ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات، ويطمع الأولاد فيهن» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٦٨):
«قيل: خص الأمهات بالذكر لأنَّ العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء ولينبه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَوَأْدِ الْبَنَاتِ». أي دفن البنات بالحياة. وإنَّما اقتصر على البنات لأنَّه غالب ما كانت تفعله الجاهلية.
وَقَوْلُهُ: «وَمَنْعٍ وَهَاتِ». قَالَ العلامة ابن الأثير ﵀ فِي [النِّهَايَة] (٤/ ٧٩٩):
«أي عن منع ما عليه إعطاؤه وطلب ما ليس له» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب هذا الذكر بعد الانتهاء من الصلاة.
٢ - أنَّ هذا الذكر إنما يقَالَ أدبار الصلوات المكتوبات ولا يقَالَ أدبار النوافل وهكذا سائر الأذكار التي تقَالَ أدبار الصلوات فإنَّها مخصوصة بالفرائض دون النوافل. وعلى هذا جمهور العلماء.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
٣ - وَقَوْلُهُ: «فِي دُبُرِ». يقتضي أن يأتي بهذا الذكر إثر السلام من غير أن يفصل بينه وبين الصلاة أمر غير الذكر كصلاة النافلة مثلًا، وأمَّا إذا فصل بينه وبين الصلاة ذكر آخر من الأذكار التي تقَالَ في هذا الموطن فلا بأس بذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - النهي عن كثرة الكلام الذي لا يجني منه الإنسان خيرًا.
٥ - النهي عن تضييع المال وهو إنفاقه على وجه لا يحل شرعًا. وتعريضه للتلف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٤٤):
«وسبب النهي أنَّه إفساد، والله لا يحب المفسدين، ولأنَّه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس» اهـ.
٦ - النهي عن كثرة الكلام فيما لا خير فيه.
٧ - النهي عن عقوق الأمهات.
٨ - النهي دفن البنات وهنَّ أحياء.
٩ - النهي عن منع ما عليه إعطاؤه وطلب ما ليس له.
* * *
[ ٤ / ٣٣٣ ]
١٢٦ - عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
«أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ. وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ. وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً".
[ ٤ / ٣٣٤ ]
قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ"». رواه مُسْلِم.
قَوْلُهُ: «أَهْلُ الدُّثُورِ». أي أهل المال الكثير. و"الدُّثُورُ": جمع دَثرٍ، بفتح الدال، وهو: المال الكثير.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين.
لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٠٠):
«والذي يظهر في هذه الصفة، أنَّها من تصرف بعض الرواة وتفسيره، لأنَّ لفظ الحديث "يسبحون ويحمدون، ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" وإنَّما مراده بهذا أن يكون الثلاث والثلاثون في كل واحدة من كلمات التسبيح والتحميد والتكبير، أي "قولوا: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين"».
إلى أن قَالَ ﵀: «وأمَّا تخصيصه بإحدى عشرة، فلا نظير له في شيء من الأذكار» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٢٨):
[ ٤ / ٣٣٥ ]
«قوله: "ثلاثًا وثلاثين" يحتمل أن يكون الْمَجْمُوعُ للجميع فإذا وزع كان لكل واحد إحدى عشرة وهو الذي فهمه سهيل بن أبي صالح كما رواه مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ روح بن القاسم عنه لكن لم يتابع سهيل على ذلك بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلها التصريح بإحدى عشرة إلَّا في حديث ابن عمر عند البزار وإسناده ضعيف والأظهر أنَّ المراد أنَّ الْمَجْمُوعَ لكل فرد فرد فعلى هذا ففيه تنازع ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر والتقدير تسبحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين وتحمدون كذلك وتكبرون كذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد ورد لهذا الذكر صفة أخرى.
فروى الْبُخَارِيّ (٦٣٢٩) حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ. قَالَ: «كَيْفَ ذَاكَ؟» قَالُوا: صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ. قَالَ: «أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ بِهِ إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ؟ تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا».
وروى أحمد (٦٤٩٨، ٦٩١٠)، وأبو داود (٥٠٦٧)، والترمذي (٣٤١٠)، والنسائي (١٣٤٨)، وابن ماجه (٩٢٦) مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَصْلَتَانِ - أَوْ
[ ٤ / ٣٣٦ ]
خَلَّتَانِ - لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا رَجُلٌ مُسْلِم إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ، تُسَبِّحُ اللَّهَ عَشْرًا، وَتَحْمَدُ اللَّهَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ عَشْرًا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، فَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ، وَتُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ - عَطَاءٌ لَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ - إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، فَذَلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَ مِائَةِ سَيِّئَةٍ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَيُذَكِّرُهُ حَاجَةَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُومُ وَلَا يَقُولُهَا، فَإِذَا اضْطَجَعَ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهُنَّ فِي يَدِهِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وعطاء وإن كان اختلط إلَّا أنَّ رواية أحمد وأبي داود مِنْ طَرِيقِ شعبة عنه وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط. وقد رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٣١٨٩)، والْبُخَارِيّ في [الأدب المفرد] (١٢١٦)، والطبراني في [الْدُعَاء] (٧٢٦)، والبيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٦٠٥) مِنْ طَرِيقِ سفيان الثوري عنه وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط أيضًا.
وروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٩٩٠٧) أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يُسَبِّحَ
[ ٤ / ٣٣٧ ]
دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيُكَبِّرَ عَشْرًا، وَيَحْمَدَ عَشْرًا؟ فَذَلِكَ فِي خَمْسِ صَلَوَاتٍ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ، وَإِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ سَبَّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَذَلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ بِالْمِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من هذا الوجه.
وهناك صفة أخرى لهذا الذكر وهو ما رواه مُسْلِم (٥٩٧) حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيِّ - قَالَ مُسْلِم: أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
وهناك صفة أخرى لهذا الذكر وهو ما رواه مُسْلِم (٥٩٦) عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً».
وهناك صفة أخرى لهذا الذكر فروى أحمد (٢١٦٤٠، ٢١٧٠٢)، والنسائي (١٣٥٠)، والترمذي (٣٤١٣) مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ،
[ ٤ / ٣٣٨ ]
عَنْ كَثِيرِ ابْنِ أَفْلَحَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أُمِرُوا أَنْ يُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَأُتِيَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «اجْعَلُوهَا كَذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه النسائي (١٣٥١) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، قِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ؟ قَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، قَالَ: سَبِّحُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاحْمَدُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَكَبِّرُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَهَلِّلُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْعَلُوا كَمَا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ لغيره وعبد العزيز بن أبي رواد حسن الحديث.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩):
[ ٤ / ٣٣٩ ]
«ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات، والأفضل أن لا ينقص عن مائة، لأنَّ أحاديثها أصح أحاديث الباب.
واختلف في تفضيل بعضها على بعض: فقَالَ أحمد - في رواية الفضل بن زياد -، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثة وثلاثين أحب إليك، أم خمسة وعشرين؟ قَالَ: كيف شئت.
قَالَ القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا: التخيير بينهما من غير ترجيح.
وقَالَ - في رواية علي بن سعيد -: أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين.
وظاهر هذا: تفضيل هذا النوع على غيره.
وكذلك قَالَ إسحاق: الأفضل أن تسبح ثلاثًا وثلاثين، وتحمد ثلاثًا وثلاثين، وتكبر ثلاثًا وثلاثين، وتختم المائة بالتهليل. قَالَ: وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس. نقل ذلك عنه حرب الكرماني» اهـ.
٢ - وفي الحديث: دليل على قوة رغبة الصحابة ﵃ في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى والنعيم المقيم، فكانوا يحزنون على العجز عن شيءٍ مما يقدر عليه غيرهم من ذلك. قَالَه الحافظ ابن رجب ﵀.
٣ - وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٤٢):
[ ٤ / ٣٤٠ ]
«وهذا يدل على أنَّ الذكر أفضل الأعمال، وأنَّه أفضل من الجهاد والصدقة والعتق وغير ذلك. وقد روي هذا المعنى صريحًا عن جماعة كثيرة من الصحابة، منهم: أبو الدرداء ومعاذ وغيرهما.
وروي مرفوعًا من وجوه متعددة - أيضًا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (٧/ ١٧٦):
«والتحقيق في ذلك أنَّ المراتب ثلاثة المرتبة الأولى ذكر وجهاد وهي أعلى المراتب قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
المرتبة الثانية ذكر بلا جهاد فهذه دون الأولى.
المرتبة الثالثة جهاد بلا ذكر فهي دونهما والذاكر أفضل من هذا.
وإنَّما وضع الجهاد لأجل ذكر الله فالمقصود من الجهاد أن يذكر الله ويعبد وحده فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي خلقوا لها» اهـ.
٤ - الذي يظهر لي أنَّ الأحسن أن يفرد كل كلمة من التسبيح والتحميد والتكبير على حدة لا أن يجمع بينهنَّ في كل مرة ثلاث وثلاثين.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠):
[ ٤ / ٣٤١ ]
«وهل الأفضل أن يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كل مرة، فيقولهن ثلاثًا وثلاثين مرة، ثم يختم بالتهليل، أم الأفضل أن يفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حدة؟
قَالَ أحمد - في رواية محمد بن ماهان، وسأله: هل يجمع بينهما، أو يفرد؟ قَالَ: لا يضيق.
قَالَ أبو يعلى: وظاهر هذا: أنَّه مخير بين الإفراد والجمع.
وقَالَ أحمد - في رواية أبي داود -: يقول هكذا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، ولا يقطعه.
وهذا ترجيح منه للجمع، كما قَالَه أبو صالح، لكن ذكر التهليل فيه غرابة.
وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة - مرسلًا -، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمرهم أن يقولوا دبر كل صلاة: "لا إله إلَّا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله عشر مرات".
وقَالَ إسحاق: الأفضل أن يفرد كل واحد منها.
وهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا، قَالَ: وهو ظاهر الأحاديث؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه قَالَ: "تسبحون وتحمدون وتكبرون"، والواو قد قيل: إنَّها للترتيب، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه.
والثاني: أنَّ هذا مثل نقل الصحابة ﵃ لوضوء النبي ﷺ، وأنَّه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه
[ ٤ / ٣٤٢ ]
ثلاثًا، ولا خلاف في المراد: أنَّه غسل كل عضو من ذلك بانفراده ثلاثًا ثلاثًا، قبل شروعه في الذي بعده، ولم يغسل الْمَجْمُوعِ مرة، ثم أعاده مرة ثانية، وثالثة.
قُلْتُ: هذا على رواية من روي التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير ثلاثًا وثلاثين ظاهر، وأمَّا رواية من روى "تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثًا وثلاثين" فمحتملة، ولذلك وقع الاختلاف في فهم المواد منها» اهـ.
٥ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٢٨):
«ومقتضى الحديث أنَّ الذكر المذكور يقَالَ عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا أو كان ناسيًا أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر» اهـ.
٦ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٢٨):
«وظاهر قوله كل صلاة يشمل الفرض والنفل لكن حمله أكثر العلماء على الفرض» اهـ.
٧ - واحتج بهذا الحديث من فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر.
وبيان ذلك أنَّ قوله: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». خرج جوابًا للفقراء عن قولهم: إنَّ أهل الدثور قد ساووهم في الذكر كما ساووهم في الصلاة والصوم والإيمان وبقيت مزية الإنفاق ولم يحصل لهم ما يلحقهم فيها وما علمتنا من الذكر
[ ٤ / ٣٤٣ ]
قد لحقونا فيه فقَالَ لهم حينئذ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهذا يدل على تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [عدة الصابرين] ص (١٤٩ - ١٥٠):
«وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة فقَالَ قد تنازع كثير من المتأخرين في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ورجح هذا طائفة أخرى من العلماء والعباد وحكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان وأمَّا الصحابة والتابعون ﵃ فلم ينقل عن أحد منهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر، وقد قَالَتْ طائفة ثالثة ليس لأحدهما على الأخرى فضيلة إلَّا بالتقوى فأيهما أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة قَالَ وهذا أصح الأقوال لأنَّ نصوص الكتاب والسنة إنَّما تفضل بالإيمان والتقوى …» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول هو أحسن الأقوال فإنَّهما إذا تساويا في التقوى لم يبق غير الغنى والفقر وليس هما من موارد الفضل فلم يعلق الله ﷿ الثواب على غنى ولا فقر فإذا كان الغنى والفقر ليسا مما يعلق بهما الثواب فما بقى غير الإيمان والعمل الصالح فهما مورد الثواب وبهما يتفاضل الخلق وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فائدة/ ويستحب التسبيح بالأنامل لما رواه أبو داود (١٥٠٤) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، فِي آخَرِينَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَثَّامٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
[ ٤ / ٣٤٤ ]
عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ»، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: بِيَمِينِهِ.
قُلْتُ: رواه الترمذي (٣٤١١)، والنسائي (١٣٥٥) مِنْ طَرِيقِ محمد بن عبد الأعلى عن عثام بن علي عن الأعمش به.
ورواه النسائي (١٣٥٥) مِنْ طَرِيقِ الحسين بن محمد الذارع عن عثام بن علي عن الأعمش به.
ورواه البزار (٢٤٠٦) مِنْ طَرِيقِ محمد بن عبد الله بن بزيع عن عثام بن علي عن الأعمش به.
وروى الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٠٠٦) مِنْ طَرِيقِ علي بن عثام بن علي العامري عن أبيه عن الأعمش به.
ورواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (١٥٢٤)، و[الْأَوْسَطِ] (٨٥٦٨) مِنْ طَرِيقِ مسدد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، وعبيد الله بن عمر القواريري، قَالَوا: ثنا عثام بن علي، عن الأعمش به.
ورواه الطبراني في [الْدُعَاء] (١٧٧٣) مِنْ طَرِيقِ يوسف بن عدي، عن الأعمش به.
ورواه السراج في [مُسْنَدِهِ] (٣٨٤)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٤٣) مِنْ طَرِيقِ أحمد بن المقدام العجلي عن عثام بن علي عن الأعمش به.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
ورواه السراج في [مُسْنَدِهِ] (٣٨١)، والْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٠٠٥)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢/ ٢٥٣) (٣١٨٤) مِنْ طَرِيقِ شعبة عن عطاء بن السائب عن أبيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وعطاء بن السائب وإن كان قد اختلط إلَّا أنَّ رواية شعبة عنه قبل الاختلاط.
قُلْتُ: وأمَّا لفظة: "بيمينه" فشاذة شذ بها محمد بن قُدَامَةَ وخالف كل من روى الحديث عن عثام، وقد جاء الحديث كما مرَّ من غير طريق عثام من غير ذكر هذه اللفظة.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٧١٣٤)، أبو داود (١٥٠٣) واللفظ له، والترمذي (٣٥٨٣) مِنْ طَرِيقِ هَانِئِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ حُمَيْضَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ، عَنْ يُسَيْرَةَ، أَخْبَرَتْهَا، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ، مُسْتَنْطَقَاتٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ هانئ بن عثمان لم يوثقه معتبر، وأمه حميضة بنت ياسر مجهولة.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٧٧٣٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي كُلَيْبٍ، قَالَتْ: رَأَتْنِي عَائِشَةُ أُسَبِّحُ بِتَسَابِيحَ مَعِي، فَقَالَتْ: «أَيْنَ الشَّوَاهِدُ؟» تَعْنِي الْأَصَابِعَ.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
قلت: هذا موقوف ضعيف لإبهام المرأة التي من بني كليب. والتيمي هو سليمان بن طرخان، وأبو تميمة هو طريف بن مجالد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي ﵀ فِي [شَرْحِ أَبِي دَاودَ] (٥/ ٤١٢):
«قوله: "بالأنامل" جمع أنملة- بضم الميم- وهي رءوس الأصابع. وبالحديث استدل أبو يوسف ومحمد أنَّ عد آي القرآن والتسبيح لا يكره في الصلاة، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد. واهمًا الغمزُ برءوس الأصابع أو الحفظ بالقلب: لا يكره اتفاقًا، وقيل: الخلاف في المكتوبة، ولا خلاف في التطوع أنَّه لا يكره، وقيل بالعكس. وأمَّا خارج الصلاة: فلا يكره اتفاقًا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا كيفية العقد بالأنامل فقد قال العلامة علي القاري ﵀ في [الْمِرْقَاةِ] (٤/ ١٦٠٥):
«(بِالْأَنَامِلِ) أَيْ: بِعَقْدِهَا أَوْ بِرُءُوسِهَا يُقَالُ: عَقْدُ الشَّيْءِ بِالْأَنَامِلِ عَدُّهُ» اهـ.
وقال العلامة المناوي في [فَيْضِ الْقَدِيْرِ] (٤/ ٣٥٥):
«أي اعددن عدد مرات التسبيح بها وهذا ظاهر في عقد كل أصبع على حدته لا ما يعتاده كثير من العد بعقد الأصابع» اهـ.
وقال العلامة أبو العلاء المباركفوري في [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِي] (١٠/ ٣١):
«(وَاعْقِدْنَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيِ اعْدُدْنَ عَدَدَ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (بِالْأَنَامِلِ) أي بعقدها أو برؤوسها يُقَالُ عَقَدَ الشَّيْءَ بِالْأَنَامِلِ عَدَّهُ
[ ٤ / ٣٤٧ ]
قَالَ الطِّيبِيُّ حَرَّضَهُنَّ ﷺ عَلَى أَنْ يُحْصِينَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِأَنَامِلِهِنَّ لِيُحَطَّ عَنْهَا بِذَلِكَ مَا اجْتَرَحَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَعْرِفْنَ عَقْدَ الْحِسَابِ انْتَهَى
وَالْأَنَامِلُ جَمْعُ أُنْمُلَةٍ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَالْهَمْزِ تِسْعُ لُغَاتٍ الَّتِي فِيهَا الظُّفْرُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَصَابِعُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ عَكْسُ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] لِلْمُبَالَغَةِ» اهـ.
وقد أخذ العلامة أبو الحسن المباركفوري في [مِرْعَاةِ الْمَفَاتِيْحِ] (٧/ ٤٧٨) كلام صاحب التحفة بنصه ولم يعزه له فقال:
«(واعقدن) بكسر القاف أي أعددن عدد مرات التسبيح وما عطف عليه (بالأنامل) أي بعقدها أو برؤسها يقال عقد الشيء بالأنامل عده. قال الطيبي: حرضهن النبي ﷺ على أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن، ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الذنوب ويدل على أنهن كن يعرفن عقد الحساب - انتهى. والأنامل جمع أنملة بتثليث الميم والهمزة تسع لغات التي فيها الظفر كذا في القاموس، والظاهر أن يراد بها الأصابع من باب إطلاق البعض وإرادة الكل عكس ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] لإرادة المبالغة» اهـ.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ] (١/ ٣٤٤):
«أمَّا السنة يكون العقد بالإصبع كله؛ لأنَّ قوله: "اعقدن بالأنامل" معروف العقد عند العرب، أنَّهم لا يعقدون بكل أنملة وحدها، وإنَّما يعقدون بالإصبع كله، فمثلًا يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر بدون أن يشير إلى المفاصل.
بعض الناس يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر على كل مفصل تسبيحه أو تحميده وهذا لا أظن أنَّه هو السنة، السنة هكذا: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، لماذا؟ لأنَّ الرسول قَالَ: "اعقدن بالأنامل" والعقد عند العرب ما يكون في كل مفصل بل بالأصابع كَمَا فِي حديث ابن عمر عقد ثلاثًا وخمسين أو ثلاثًا وستين» اهـ.
وقَالَ العلامة عبد المحسن العباد وفقه الله في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاودَ] (٨/ ٢٣٠): «والعقد بالأنامل معلوم عند العرب، وهو قبض الأنامل وعدها بالإبهام» اهـ.
وقَالَ الشيخ يحيى بن علي الحجوري وفقه الله في [الرياض المستطابة] (٢٧٠):
«ومؤدي اللفظ عقد التسبيح باليمنى والعقد يكون بطبق الأصابع على الكف وفي حديث يسيره قَالَ لهن: "اعقدن التسبيح".
وفي حديث عائشة المتفق عليه قَالَتْ: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يحب التيمن في تنعله وترجله وفي شأنه كله. وعنها قَالَتْ: كانت يد رسول الله صَلَّى
[ ٤ / ٣٤٩ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليمني لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلاءه وما كان من أذى. أخرجه أبو داود رقم ٣٣ وسنده صحيح.
وفي حديث أم عطية المتفق عليه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حين غسلن ابنته قَالَ: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". وفي الصحيحين مِنْ حَدِيْثِ أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكنى اليمن أولهن تنعل وآخرهن تنزع" فهذه عمومات صَحِيْحِهِ تشهد لحديث عبد الله بن عمرو أنَّه كان يعقد التسبيح بيمينه ولحديث يسيره، فيصح بها» اهـ.
قُلْتُ: وقد كانت هناك طريقة قديمة في عقد الحساب مشهورة عند العرب ذكرها غير واحد من أهل العلم منهم العلامة الصنعاني فقد قَالَ ﵀ فِي [سُبُلِ الْسَلَامِ] (١/ ١٨٩ - ١٩٠):
«واعلم أنَّ قوله في حديث ابن عمر: "وعقد ثلاثًا وخمسين". إشارة إلى طريقة معروفة تواطأت عليها العرب في عقود الحساب وهي أنواع من الآحاد والعشرات والمئين والألوف أمَّا الآحاد فللواحد عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف وللاثنين عقد البنصر معها كذلك وللثلاثة عقد الوسطى معها كذلك وللأربعة حل الخنصر وللخمسة حل البنصر معها دون الوسطى وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل وللسبعة بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك وللتسعة بسط الوسطى فوقها كذلك
[ ٤ / ٣٥٠ ]
وأمَّا العشرات فلها الإبهام والسبابة فللعشرة الأولى عقد رأس الإبهام على طرف السبابة وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة وللأربعين تركيب الإبهام على العقد الْأَوْسَطِ من السبابة وعطف الإبهام على أصلها وللخمسين عطف الإبهام إلى أصلها وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس الأربعين وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الْأَوْسَطِ من السبابة ورد طرف السبابة إلى الإبهام وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام وضمها بالإبهام وأمَّا المئين فكالآحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى والألوف كالعشرات في اليسرى» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمل الحافظ ابن حجر ﵀ عقد النبي ﷺ التسبيح بيده على هذه الكيفية فقَالَ ﵀ فِي [نتائج الأفكار] (١/ ٩٠):
«ومعنى العقد المذكور في الحديث إحصاء العدد، وهو اصطلاح للعرب بوضع بعض الأنامل على بعض عقد الأنملة الأخرى، فالآحاد والعشرات باليمين، والمئون والآلاف باليسار. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح في ذلك. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لكن إن عدَّ التسبيح وغيره بأي طريقة فيجزؤه ذلك، وضم الأصابع أقرب من غيره.
[ ٤ / ٣٥١ ]
وأمَّا عقد التسبيح بالسبحة فلا أصل له في السنة وقد استدل من أجازها بما رواه الترمذي (٣٥٥٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ، مَوْلَى صَفِيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ، تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، قَالَ: «لَقَدْ سَبَّحْتِ بِهَذِهِ، أَلَا أُعَلِّمُكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْتِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى عَلِّمْنِي. فَقَالَ: «قُولِي: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ».
قُلْتُ: هاشم بن سعيد الكوفي هذا ضعيف الحديث، وكنانة ضعفه الأزدي بغير حجة ولم يوثقه معتبر وقَالَ عنه الحافظ ابن حجر ﵀: "مقبول"
ورواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ]، و[الْدُعَاء] (١٧٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبِي قَالَ: وَحَدَّثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ، ثنا مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ مُعَتِّبٍ، مَوْلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَيْهَا وَبَيْنَ يَدَيْهَا كَوْمٌ مِنْ نَوًى فَسَأَلَهَا: «مَا هَذَا؟» فَقَالَتْ: أُسَبِّحُ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ سَبَّحْتُ مُنْذُ قُمْتُ عَلَيْكِ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، سَبَّحْتُ فَقُلْتُ». كَيْفَ قُلْتَ: قَالَ: «قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ».
قُلْتُ: يزيد بن معتب لم أقف له على ترجمة.
والحديثان يقوي بعضهما بعضًا.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود (١٥٠٢)، والترمذي (٣٥٦٨) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوَاةٌ، أَوْ قَالَ: حَصَاةٌ تُسَبِّحُ بِهَا، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: وخزيمة هذا مجهول.
ورواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (١٢٠١)، وأبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧١٠)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٢٠٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٣٧) وأسقطوا في حديثهم ذكر خزيمة.
قُلْتُ: الحديث اختلف فيه على عبد الله بن وهب فرواه جماعة عنه بذكر خزيمة وهم:
١ - أحمد بن صالح المصري وهو "ثقة حافظ" وحديثه عند أبي داود (١٥٠٢)
٢ - أصبغ بن الفرج وهو "ثقة فقيه" وحديثه عند الترمذي (٣٥٦٨).
واختلف عليه فرواه عنه أحمد بن الحسن الترمذي وهو "ثقة حافظ" بإثبات خزيمة كَمَا فِي هذه الرواية.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
وتابعه يحيى بن عثمان بن صالح وهو "صدوق" وحديثه عند الطبراني في [الْدُعَاء] (١٧٣٨).
وخالفهم عمر بن الخطاب السجستاني ولم يذكر خزيمة وحديثه عند البزار (١٢٠١) وعمر هذا لم يوثقه معتبر. فروايته هذه منكرة والمعروف ما رواه أحمد بن الحسن الترمذي، ويحيى بن عثمان بن صالح.
٣ - أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح القرشي الأموي، أبو الطاهر المصري وهو "ثقة" وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٩٩٢٢).
٤ - أحمد بن عيسى المصري وهو "صدوق" وحديثه عند البيهقي في [الْدَّعَوَاتِ] (٢٧٢).
وخالفهم:
١ - هارون بن معروف المروزي وهو "ثقة" وحديثه عند أبي يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧١٠).
٢ - حرملة بن يحيى وهو "صدوق" وحديثه عند الْحَاكِمِ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٠٠٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٨٣٧).
قُلْتُ: فالمحفوظ ما رواه الجماعة بإثبات خزيمة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
واحتجوا أيضًا بما رواه الجرجاني في [تَارِيْخِ جُرْجَان] ص (١٠٨) برقم (٩٤)
أَخْبَرَنِي أَبُو سعيد أَحْمَد بْن عراق بْنِ أُحَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ النَّوْفَلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ
[ ٤ / ٣٥٤ ]
بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُدَامِيُّ حَدَّثَنَا بن الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى».
قُلْتُ: هذا الحديث شديد الضعف وآفته عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي وقد حكم الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ على الحديث بالوضع في [الْضَعِيْفَة] (١٠٠٢) حيث قَالَ ﵀:
«قُلْتُ: وهذا موضوع، آفته القدامي، نسبة إلى قُدَامَةَ بن مظعون، وهو متهم، قَالَ الذهبي في "الميزان": أحد الضعفاء، أتى عن مالك بمصائب. ثم ذكر بعض مصائبه! وفي "اللسان": ضعفه ابن عدي والدارقطني. وقَالَ ابن حبان: يقلب الأخبار، لعله قلب على مالك أكثر من مائة وخمسين حديثًا، وروى عن إبراهيم بن سعد نسخة أكثرها مقلوب، وقَالَ الْحَاكِمُ والنقاش: روى عن مالك أحاديث موضوعة، وقَالَ أبو نعيم: روى المناكير.
قُلْتُ: وصالح بن علي النوفلي لم أجد من ترجمه» اهـ.
واحتجوا أيضًا بالحديث الموضوع: «نِعْمَ الْمُذَكِّرُ السُّبْحَةُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [الْضَعِيْفَة] (١/ ١٨٤ - ١٨٥/ ٨٣):
«موضوع. أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (٤/ ٩٨ - مختصره) قَالَ: أنا عبدوس بن عبد الله أنا أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الثقفي، حدثنا علي بن محمد بن نصرويه، حدثنا محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي حدثني
[ ٤ / ٣٥٥ ]
محمد بن علي بن حمزة العلوي حدثني عبد الصمد بن موسى حدثتني زينب بنت سليمان بن علي حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعًا، ذكره السيوطي في رسالته: "المنحة في السبحة" (٢/ ١٤١ - من الحاوي) ونقله عنه الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ١٦٦ - ١٦٧) وسكتا عليه!
قُلْتُ: وهذا إسناد ظلمات بعضها فوق بعض، جل رواته مجهولون، بل بعضهم متهم، أم الحسن بنت جعفر بن الحسن، لم أجد من ترجمها، وزينب بنت سليمان بن علي ترجمها الخطيب "في تاريخه" (١٤/ ٣٣٤) وقَالَ: كانت من فضائل النساء.
وعبد الصمد بن موسى، هو الهاشمي ترجمه الخطيب (١٤/ ٤١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولكن نقل الذهبي في "الميزان" عن الخطيب أنه قَالَ فيه: قد ضعفوه فلعل ذلك في بعض كتبه الأخرى، ثم استدركت فقُلْتُ: بل ذلك في حديث آخر سيأتي برقم (٢٨٩٨).
ثم قَالَ الذهبي: يروي مناكير عن جده محمد بن إبراهيم الإمام.
قُلْتُ: فلعله هو آفة هذا الحديث، ومحمد بن علي بن حمزة العلوي ترجمه الخطيب أيضًا (٣/ ٦٣) وقَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سمعت منه وهو صدوق، مات سنة ٢٨٦ ومحمد بن هارون هو محمد بن هارون بن العباس بن أبي جعفر المنصور، كذلك أورده الخطيب (٣/ ٣٥٦) وقَالَ: كان من أهل الستر والفضل والخطابة، وولي إمامة مسجد المدينة ببغداد خمسين سنة، وكانت وفاته سنة ٣٠٨.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
وأبو عبد الله بن الحسين بن فنجويه الثقفي ثقة مترجم في "سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ" (١٧/ ٣٨٣) و"شذرات الذهب" (٣/ ٢٠٠).
ومثله عبدوس بن عبد الله له ترجمة في "سِيَرِ أَعْلَامِ الْنُبَلَاءِ" (١٩/ ٩٧) و"لسان الميزان" (٤/ ٩٥).
ومما سبق يتبين لك أن الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة» اهـ.
قُلْتُ: واحتجوا أيضًا بآثار رويت عن بعض الصحابة منها:
١ - ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٧٤٤) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى الْقَارِئِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ أُمِّ يَعْفُورَ تَسَابِيحَ لَهَا، فَلَمَّا أَتَيْتُ عَلِيًّا عَلَّمَنِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا عُمَرَ ارْدُدْ عَلَى أُمِّ يَعْفُورَ تَسَابِيحَهَا».
قُلْتُ: وفي الإسناد من لم أعرفه.
٢ - ما رواه أبو داود (٢١٧٦) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، ح وحَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ح وحَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: «تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ أَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلَا أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا، وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى،
[ ٤ / ٣٥٧ ]
وَأَسْفَلَ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا، حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ مَا فِي الْكِيسِ أَلْقَاهُ إِلَيْهَا، فَجَمَعَتْهُ فَأَعَادَتْهُ فِي الْكِيسِ، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ …». وذكر حديثًا طويلًا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لإبهام الشيخ من طفارة.
٣ - ما رواه أحمد في [العلل ومعرفة الرجال] (١٧٩٦)، وابن سعد في [الطبقات] (٧/ ٦٠/ ٨٥٨٢) من طريق عَفَّانَ بْنِ مُسْلِم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبَا صَفِيَّةَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَتْ: «كَانَ جَارَنَا هَاهُنَا، فَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَالنَّوَى، وَلَا أَرَاهُ إِلَّا بِالْحَصَى».
قُلْتُ: وفيه إبهام أم يونس بن عبيد.
وروى البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٧١١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حدثنا أَبُو كَعْبٍ، عَنْ جَدِّهِ بَقِيَّةَ عَنْ أَبِي صَفِيَّةَ، مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ كَانَ يُوضَعُ لَهُ نِطَعٌ وَيُؤْتَى بِزِنْبِيلٍ فِيهِ حَصًا فَيُسَبِّحُ بِهِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَإِذَا صَلَّى الْأُولَى أُتِيَ بِهِ فَيُسَبِّحُ بِهِ حَتَّى يُمْسِيَ».
قُلْتُ: أبو كعب لم أعرفه.
قُلْتُ: والأثران يقوي بعضهما بعضًا.
قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ فِي [الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ] (١/ ٢٠٥):
[ ٤ / ٣٥٨ ]
«بقية، عن أبي صفية رجل من المهاجرين قَالَه معتمر قَالَ: حدثنا أبو كعب، عن جده بقية، ذكر الْبُخَارِيّ هذا في باب النون فقَالَ: عن جده نبيه. ووهم ﵀. حدثناه جماعة، عن أبي الأشعث، عن معتمر في التسبيح بالنوى» اهـ.
٤ - ما رواه أحمد في [الْزُهْدِ] (٧٥٣) حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ، أَنْبَأَنَا ثَابِتُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: «كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ نَوَى مِنْ نَوَى الْعَجْوَةِ حُسِبَتْ عَشْرًا أَوْ نَحْوَهَا فِي كِيسٍ وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَقْعَى عَلَى فِرَاشِهِ، فَأَخَذَ الْكِيسَ فَأَخْرَجَهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً يُسَبِّحُ بِهِنَّ فَإِذَا نَفَدْنَ أَعَادَهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، كُلُّ ذَلِكَ يُسَبِّحُ بِهِنَّ قَالَ: حَتَّى تَأْتِيَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ فَتَقُولَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ غَدَاءَكَ قَدْ حَضَرَ فَرُبَّمَا قَالَ: ارْفَعُوهُ فَإِنِّي صَائِمٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين القاسم بن عبد الرحمن وأبي الدرداء.
٥ - ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٧٤٠، ٧٧٤١) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِسَعْدٍ، «أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَالنَّوَى».
قُلْتُ: وفي إسناده إبهام مولاة سعد.
٦ - ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٧٤٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ الْأَخْنَسِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ فَيَضَعُهُنَّ عَلَى فَخِذِهِ فَيُسَبِّحُ وَيَضَعُ
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وَاحِدَةً، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَضَعُ أُخْرَى، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَضَعُ أُخْرَى، ثُمَّ يُرْفَعْنَ وَيَضَعُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: «لَا تُسَبِّحُوا بِالتَّسْبِيحِ صَفِيرًا».
قُلْتُ: وفي إسناده إبهام مولى أبي سعيد.
٧ - ما رواه أبو نعيم في [الْحِلْيَةِ] (١/ ٣٨٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي نُعَيْمُ بْنُ الْمُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَيْطٌ فِيهِ أَلْفَا عُقْدَةٍ، فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ».
قُلْتُ: عبد الواحد بن موسى قَالَ فيه الحافظ ابن حجر ﵀ "مقبول" ونعيم بن المحرر لم أعرفه وفي ترجمة المحرر أنَّ له ولدًا اسمه مُسْلِم أمَّا نعيم هذا فلم أقف له على ذكر.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في السبحة هو عدم مشروعيتها لعدة أوجه:
الوجه الأول: أنَّها شعار ديني، لدى أهل الملل من البوذيين، والبراهمة، والنصارى، وغيرهم من الأعاجم. وقد اتخذوها لمقاصد متنوعة فمنهم من اتخذها لعد الصلوات، ومنهم من اتخذها تميمة وتعويذة وغير ذلك.
وقد روى أحمد (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧) أبو داود (٤٠٣١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
الوجه الثاني: أنَّها تسربت بعد ذلك في أوساط المُسْلِمين وصارت من شعارات الروافض والصوفية.
الوجه الثالث: أنَّه تجاوز الحال ببعض الناس إلى اتخاذها تمائم تعلق على السيارات، أو على الأعناق وغير ذلك. وقطع مادة الشرك من المقاصد العظيمة في الشريعة.
الوجه الرابع: أنَّها تورث صاحبها الرياء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٨٧ - ١٨٨): «والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه ومنهم من رخص فيه لكن لم يقل أحد: أنَّ التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها وإذا كان هذا مستحبًا يظهر فقصد إظهار ذلك والتميز به على الناس مذموم؛ فإنَّه إن لم يكن رياء فهو تشبه بأهل الرياء إذ كثير ممن يصنع هذا يظهر منه الرياء ولو كان رياء بأمر مشروع لكانت إحدى المصيبتين؛ لكنه رياء ليس مشروعًا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [الْضَعِيْفَة] (١/ ١٩٢ - ١٩٣/ ٨٣):
«ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت، مع اتفاقهم على أنَّها أفضل، لكفى! فإني قلما أرى شيخًا يعقد التسبيح بالأنامل! ثم إنَّ الناس قد تفننوا في الابتداع بهذه البدعة، فترى بعض المنتمين لإحدى الطرق يطوق عنقه بالسبحة! وبعضهم يعد بها وهو يحدثك أو يستمع لحديثك!
[ ٤ / ٣٦١ ]
وآخر ما وقعت عيني عليه من ذلك منذ أيام أنني رأيت رجلًا على دراجة عادية يسير بها في بعض الطرق المزدحمة بالناس وفي إحدى يديه سبحة!! يتظاهرون للناس بأنَّهم لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين! وكثيرًا ما تكون هذه البدعة سببًا لإضاعة ما هو واجب، فقد اتفق لي مرارًا - وكذا لغيري - أنني سلمت على أحدهم فرد علي السلام بالتلويح بها! دون أن يتلفظ بالسلام! ومفاسد هذه البدعة لا تحصى، فما أحسن ما قَالَ الشاعر:
وكل خير في اتباع من سلف * * * وكل شر في ابتداع من خلف» اهـ.
الوجه الخامس: أنَّ كثيرًا من الناس يعتقد فيها الفضيلة، ومنهم من يتخذها دينًا وقربة وهذا من البدع المحدثة.
قُلْتُ: وهناك من أهل العلم من أجازها بشروط. وهي عدم اعتقاد الفضيلة فيها، ولا التعبد بها، وعدم قصد الرياء ولا مشابهة المرائين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧): «وعد التسبيح بالأصابع سنة كما قَالَ النبي ﷺ للنساء: "سبحن واعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات". وأمَّا عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن وكان من الصحابة ﵃ من يفعل ذلك وقد رأى النبي ﷺ أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك وروي أن أبا هريرة كان يسبح به.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
وأمَّا التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكرهه وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه وأمَّا اتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ذلك فهذا إمَّا رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة: الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة فإنَّ مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب قَالَ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾، وقَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فأمَّا المرائي بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله وأن الله يعاقبه لكونه لم يعبده مخلصًا له الدين والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وقَالَ تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فهذا في القرآن كثير.
وأمَّا المرائي بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن: فلا يظن الظان أنَّه يكتفى فيه بحبوط عمله فقط بحيث يكون لا له ولا عليه بل هو مستحق للذم والعقاب على قصده شهرة عبادة غير الله إذ هي عبادات مختصة ولا تصح إلَّا من
[ ٤ / ٣٦٣ ]
مُسْلِم ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب بخلاف ما فيه نفع العبد كالتعليم والإمامة فهذا في الاستئجار عليه نزاع بين العلماء وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَائِمَةِ] (٢٤/ ٢٩١)
السؤال الأول من الفتوى رقم (١٥٩٢٣)
«س ١: هل استخدام المسبحة في غير التسبيح في الصلاة حرام أم لا؟ كما سمعت بأنَّها بدعة، أفيدونا؟
ج ١: استخدام المسبحة في عدد التسبيح أو الذكر مباح؛ لكن استعمال الأصابع أفضل منها، أمَّا إذا اعتقد أنَّ في استعمال المسبحة فضيلة فهذا بدعة لا أصل له، وهو من عمل الصوفية، وأمَّا استعمال المسبحة في غير التسبيح بل بغرض التسلية فلا بأس به.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر بن عبد الله أبو زيد … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … صالح بن فوزان الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِيْنَ] (١٣/ ١٧٣ - ١٧٤):
«سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله مكانه ومكانته عنده -: ما حكم استعمال السبحة؟
[ ٤ / ٣٦٤ ]
فأجاب فضيلته بقوله: السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأنَّ الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنَّما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليس مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه - لأنهنَّ "مستنطقات" كما أرشد ذلك النبي ﷺ، ولأنَّ عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيرًا من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنَّهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه، أو تهليله أو تحميده، أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يمينًا وشمالًا، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحضر لقلبه غالبًا، الشيء الثالث أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيرًا من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأنَّ لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.
وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنَّه يخشى منه، فهذه ثلاثة أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله ﷾ بأنامله.
ثم إنَّ الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا
[ ٤ / ٣٦٥ ]
كان الأيمن مفضلًا على الأيسر، ونهى النبي ﷺ أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، فقَالَ النبي ﷺ: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك". وقَالَ ﵊: "لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله". فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعًا للسنة، وأخذًا باليمين فقد: "كَانَّ النَّبِيُّ ﵊ يعجبه التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله". وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأنَّ المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنَّما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى الْشَّيْخِ صَالِحِ الُفَوْزَان] (٢/ ٦٨٢):
«سؤال: ما حكم المسبحة بقصد تذكير حاملها بذكر الله؟.
الجواب: المسبحة إذا اتخذها الإنسان يعتقد أنَّ في استعمالها فضيلة، وأنَّها من وسائل ذكر الله ﷿ فهذا بدعة. أمَّا إذا استعملها الإنسان من باب المباحات أو ليعد بها الأشياء التي يحتاج إلى عدها، فهذا من الأمور المباحة.
أمَّا اتخاذها دينًا وقربة فهذا يعتبر من البدع المحدثة، وعلى الإنسان إذا أراد التسبيح أن يسبح الله ﷿ ويعد التسبيح بعقد أصابعه هذا الذي ينبغي.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
أمَّا اتخاذ المسبحة على أنَّ فيها فضيلة كما يعتقد بعض الصوفية وأتباعهم، ولذلك تجد كثيرًا منهم يحملون هذه المسابح الضخمة ويعلقونها في رقابهم، فهذا بدعة لا أصل له ويدخل في الرياء أيضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
١٢٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ. فَنَظَرَ إلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ. فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي».
[ ٤ / ٣٦٧ ]
قوله: «بِخَمِيصَتِي». الخميصة كساء رفيع يلبسه أشراف العرب، وقد يكون له علم، وقد لا يكون، وقد يكون أبيض وأحمر وأسود وأصفر. سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت مأخوذ من الخَمْصِ وهو ضمور البطن.
وَقَوْلُهُ: «بِأَنْبِجَانِيَّةِ». الأنبجانية كساء كثيف وهو منسوب إلى مَنْبَجَ بلدة من بلاد الشام. وهو من الأنساب الذي لا يجري على قياس.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣):
«وفي الحديث: دليل على أنَّ نظر المصلي إلى ما يلهيه عن صلاته لا يفسد صلاته، ولا يلزمه إعادتها إذا كان ذلك قليلًا، ولهذا قَالَتْ عائشة: فنظر إلى أعلامها نظرة.
وأمَّا إذا كثر شغل قلبه عن صلاته، وحدث نفسه بغيرها، فمن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من أوجب عليه الإعادة بذلك.
ثم منهم من علل ذلك: بأنَّ عمل النفس إذا كثر في الصلاة أبطلها، كعمل البدن. وحكي ذلك عن ابن حامد.
ومنهم من علل: بوجوب الخشوع في الصلاة، فإذا فقد في أكثر الصلاة أبطلها.
وجمهور العلماء: على أنَّه لا تبطل بذلك الصلاة، وحكاه بعضهم إجماعًا، وسيأتي ذكر ذلك في موضع آخر - إن شاء الله تعالى» اهـ.
٢ - وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٠٣):
[ ٤ / ٣٦٨ ]
«وفي الحديث: دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة، ولهذا أخرج النبي ﷺ تلك الخميصة عنه بالكلية. فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه» اهـ.
وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٧١):
«جرت عادة الأنبياء والصالحين بإخراج ما شغلهم عن بعض العبادات عن ملكهم رأسًا وكذلك ما أعجبهم من ملكهم كما قَالَ الله تعالى في حق سليمان ﷺ: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾.
وأخرج النبي ﷺ الخميصة عن ملكه ورمى بالخاتم أيضًا لما شغله كما رواه النسائي مِنْ حَدِيْثِ ابن عباس "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتخذ خاتمًا ولبسه قَالَ: "شغلني هذا عنكم منذ اليوم إليه نظرة وإليكم نظرة ثم ألقاه"» اهـ.
قُلْتُ: حديث نزع الخاتم رواه أحمد (٢٩٦٣)، والنسائي (٥٢٨٩) مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا فَلَبِسَهُ قَالَ: «شَغَلَنِي هَذَا عَنْكُمْ مُنْذُ الْيَوْمَ، إِلَيْهِ نَظْرَةٌ، وَإِلَيْكُمْ نَظْرَةٌ ثُمَّ أَلْقَاهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
٣ - ويستدل به على أنَّ الواهب والمُهدي إذا ردت عليه هديته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها.
٥ - وفيه أنَّ من رد الهدية لسبب من الأسباب الشرعية أن يطلب من المهدي غيرها مما هو مثلها أو دونها حتى لا يستوحش المهدي برد هديته.
٦ - واحتج به بعضهم على كراهية الصلاة في الثوب المزيَّن.
قُلْتُ: وفي هذا نظر فقد روى الْبُخَارِيّ (٥٨١٢)، ومُسْلِم (٢٠٧٩)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَيُّ الثِّيَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا؟ قَالَ: «الحِبَرَةُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٧/ ١٦٠):
«هي بكسر الحاء وفتح الباء، وهي ثياب من كتان أو قطن محبرة أي مزينة، والتحبير التزيين والتحسين. ويقَالَ: ثوب حبرة على الوصف وثوب حبرة على الإضافة، وهو أكثر استعمالًا. والحبرة مفرد، والجمع حبر، وحبرات، كعنبة وعنب، وعنبات، ويقَالَ: ثوب حبير على الوصف. فيه دليل لاستحباب لباس الحبرة، وجواز لباس المخطط. وهو مجمع عليه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ولم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نزعها عند إرادته للصلاة.
وروى الْبُخَارِيّ (٣٥٥١)، ومُسْلِم (٢٣٣٧)، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ».
[ ٤ / ٣٧٠ ]
وقد قَالَ الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف/ ٣١]
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٩١) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ أُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: «أَلَمْ أَكْسِكَ ثَوْبَيْنِ؟». فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَرْسَلْتُكَ إِلَى فُلَانٍ أَكُنْتَ ذَاهِبًا فِي هَذَا الثَّوْبِ؟» فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: «اللَّهُ أَحَقُّ مَنْ تَزَيَّنُ لَهُ - أَوْ مَنْ تَزَيَّنْتَ لَهُ -».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
فكل هذا يدل على جواز لبس ما فيه زينة في الصلاة وغاية ما يدل عليه حديث الخميصة اجتناب الثوب الذي يشغل المصلي في صلاته لا اجتناب ثوب الزينة مطلقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - ويستفاد من الحديث كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد، وكراهية ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها، مما يشغل قلب المصلي.
٨ - واحتج به على أنَّ السنة عدم تغميض العينين في الصلاة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٢٨٣ - ٣٨٥):
«ولم يكن من هديه ﷺ تغميض عينيه في الصلاة وقد تقدم أنَّه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الْدُعَاء ولا يجاوز بصره إشارته وذكر الْبُخَارِيّ في "صَحِيْحِهِ" عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كان قرام لعائشة سترت به
[ ٤ / ٣٧١ ]
جانب بيتها فقَالَ النبي ﷺ: "أميطي عني قرامك هذا فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" ولو كان يغمض عينيه في صلاته لما عرضت له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر لأنَّ الذي كان يعرض له في صلاته هل تذكر تلك التصاوير بعد رؤيتها أو نفس رؤيتها؟ هذا محتمل وهذا محتمل وأبين دلالة منه حديث عائشة ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قَالَ: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بإنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي" وفي الاستدلال بهذا أيضًا ما فيه إذ غايته أنَّه حانت منه التفاتة إليها فشغلته تلك الالتفاتة. ولا يدل حديث التفاته إلى الشعب لما أرسل إليه الفارس طليعة لأن ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة لاهتمامه بأمور الجيش وقد يدل على ذلك مد يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها وصاحب المحجن وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه ورده الغلام والجارية وحجزه بين الجاريتين وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في الصلاة فإنَّه إنَّما كان يشير إلى من يراه وكذلك حديث تعرض الشيطان له فأخذه فخنقه وكان ذلك رؤية عين فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم بأنَّه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة. وقد اختلف الفقهاء في كراهته فكرهه الإمام أحمد وغيره وقَالَوا: هو من فعل اليهود.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
وأباحه جماعة ولم يكرهوه وقَالَوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها. والصواب أن يقَالَ إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهنالك لا يكره التغميض قطعًا والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٣/ ٣١٤):
«أمَّا تغميض العين في الصلاة فقَالَ العبدري من أصحابنا في باب اختلاف نية الإمام والمأموم يكره أن يغمض المصلى عينيه في الصلاة قَالَ، قَالَ الطحاوي وهو مكروه عند أصحابنا أيضًا وهو قول الثوري وقَالَ مالك: لا بأس به في الفريضة والنافلة.
دليلنا أنَّ الثوري قَالَ: إنَّ اليهود تفعله. قَالَ الطحاوي: ولأنَّه يكره تغميض العين فكذا تغميض العينين هذا ما ذكره العبدري ولم أر هذا الذي ذكره من الكراهة لأحد من أصحابنا والمختار أنَّه لا يكره إذا لم يخف ضررًا لأنَّه يجمع الخشوع وحضور القلب ويمنع من إرسال النظر وتفريق الذهن.
قَالَ البيهقي: وقد روينا عن مجاهد وقتادة أنَّهما كرها تغميض العينين في الصلاة وفيه حديث قَالَ: وليس بشئ» اهـ.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٤٣):
«وأمَّا تغميض البصر فِي الصلاة، فاختلفوا فِيهِ:
فكرهه الأكثرون، منهم: أبو حنيفة والثوري والليث وأحمد.
قَالَ مُجَاهِد: هُوَ من فعل اليهود.
وفي النهي عَنْهُ حَدِيْث مرفوع، خرجه ابن عدي، وإسناده ضَعِيف.
ورخص فِيهِ مَالِك» اهـ.
قُلْتُ: ما جاء عن مجاهد لم يصح فقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٢٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «يُكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يُغْمِضُ الْيَهُودُ».
قُلْتُ: وهذا الأثر لا يثبت فيه ليث وهو ابن أبي سليم مختلط.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٦٥) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ، وَهُوَ مُغْمِضُ الْعَيْنِ».
قُلْتُ: وهو مِنْ طَرِيقِ ليث أيضًا وفيه عنعنة هشيم وهو من المدلسين.
وروى الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ] (٢٢١٨)، و[الْصَّغِيْرِ] (٢٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بْنِ طُعْمَةَ الْحَلَبِيُّ قَالَ: نا أَبُو خَيْثَمَةَ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: نا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه ليث وهو ابن أبي سليم مختلط.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٦٦) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَمِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أُغْمِضُ عَيْنِي إِذَا سَجَدْتُ؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٦٧) قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ جَمِيلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ، يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ أَيْضًَا.
٩ - وفي الحديث بيان أهمية الخشوع وقد سبق الكلام فيه فيما مضى.
١٠ - وفي الحديث جواز لبس الثياب النفيسة وأنَّه لا يعد ذلك من الكبر فإنَّ الخميصة من نفائس ألبسة أشراف العرب.
وقد روى مُسْلِم (٩١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».
١١ - وفي هذا الحديث من الفقه قبول الهدايا وكان رَسُولُ اللَّهِ يقبل الهدية ويأكلها ولا يأكل الصدقة.
[ ٤ / ٣٧٥ ]
١٢ - وقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ١٧٣): «قَالَ الباجي: أيضًا فيه أنَّ للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة» اهـ.
تنبيه/ ذكر المؤلف للحديث في هذا الموضع غير مناسب فإنَّه لا علاقة له بالأذكار بعد الصلاة.
* * *