٢٦٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
الحديث رواه البخاري (٢١٣٤): «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
ورواه (٢١٧٠) بلفظ: «البُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
ورواه (٢١٧٤) بلفظ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
[ ٨ / ٣٦٣ ]
ورواه مسلم (١٥٨٦) بلفظ: «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
وبهذا يتبيَّن أنَّ لفظة: «وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ» ليس لها أصل في الصحيح، وجاءت عند الدارمي (٢٦٢٠)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٤٨٣).
الربا في اللغة: الزيادة.
والصرف لغة: قيل: الصوت، ومن ذلك صريف الأقلام أي صريرها، وسمي صرفًا لأنَّهم كانوا يزنون الدراهم والدنانير، فإذا وضعوها في الميزان يكون لها صريف، أي: صوت، وقيل الزيادة، ومنه سميت العبادة النافلة صرفًا، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». رواه البخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠) عن علي ﵁، وذهب الحسن البصري وغيره إلى أنَّ العدل الفريضة، والصرف النافلة، وعن الجمهور عكس ذلك، وقيل العدل الفدية، والصرف التوبة، وقيل غير ذلك. ذكره الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٤٤).
وقيل: أصله رد الشيء عن وجهه، يقال: صرفه يصرفه صرفًا إذا رده وصرفت الرجل عني فانصرف، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ
[ ٨ / ٣٦٤ ]
إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وسميت هذه المعاملة بذلك لانصرافها عن سائر البيع في وجوب التقابض في المجلس، وتحريم التفاضل في الجنس الواحد. وقيل: أصله الإنفاق، كقولك: صرفت المال.
وشرعًا: هو بيع نقد بنقد من غير جنسه، وإن كان بجنسه فهو مراطلة.
قوله: «إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي: خذ وهات.
قال نفطويه: سمي الذهب ذهبًا لأنَّه يذهب ولا يبقى، وسميت الفضة فضةً لأنَّها تنفض ولا تبقى.
قُلْتُ: الحديث وارد في الصحيحين بزيادة: «وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». فما أدري لما حذفها المؤلف ﵀ من الحديث.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم النسيئة في مصارفة الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وفي بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، ووجوب التقابض في جميع ذلك.
وربا النسيئة يجري في جميع الأموال التي يجري فيها ربا الفضل إذا اتحدت العلة، سواء اتحدت الأجناس أو اختلفت بشرط الاتفاق في العلة، وأمَّا إذا اختلفت العلل فيجوز النسأ اتفاقًا كالذهب والفضة وسائر الأثمان مع غيرها من الأصناف الربوية.
[ ٨ / ٣٦٥ ]
وقد تكلم الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بكلام نفيس حول حكمة الشرع في تحريم ربا النسيئة فقال في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٢٩):
«فأمَّا الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلَّا معدم محتاج فإذا رأى أنَّ المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر. فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ولم يجيء مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذا كان من أكبر الكبائر» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ البر والشعير صنفان وهو مذهب الجمهور خلافًا لمالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد في رواية وغيرهم فقد جعلوهما صنفًا واحدًا.
٣ - واحتج به من قال: إنَّ المصارفة لا تصح إلَّا عند الإيجاب بالكلام من غير تأخير لأحد العوضين عن زمن الإيجاب والقبول.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠):
[ ٨ / ٣٦٦ ]
«واختلف العلماء في حد قبض الصرف وحقيقته فقال ابن القاسم عن مالك: لا يصح الصرف إلَّا يدًا بيد، فإن لم ينقده ومكث معه من غدوة إلى ضحوة قاعدًا، وقد تصارفا غدوة فتقابضا ضحوة لم يصح هذا، ولا يكون الصرف إلَّا عند الإيجاب بالكلام، ولو انتقلا من ذلك المكان إلى موضع غيره لم يصح تقابضهما. هذا كله قول مالك. وجملة مذهبه في ذلك أنَّه لا يجوز عنده تراخي القبض في الصرف سواء كانا في المجلس أو تفرقا ومحل قول عمر عنده -والله أعلم-: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه. أنَّ ذلك على الفور لا على التراخي وهو المعقول من لفظ رسول الله ﷺ: "هاء وهاء" عنده والله أعلم.
وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز التقابض في الصرف ما لم يفترقا وإن طالت المدة وانتقلا إلى موضع آخر واحتجوا بقول عمر: والله لا تفارقه حتى تأخذ. وجعلوه تفسيرًا لما رواه عن النَّبي ﷺ من قوله: "الذهب بالورق ربًا إلَّا هاء وهاء". واحتجوا بقوله: أيضًا وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره. قالوا فعلم من قوله هذا أنَّ المراعى الافتراق» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح مذهب الجمهور، وهو الذي فهمه عمر بن الخطاب ﵁ من الحديث، فروى البخاري (٢١٧٤) عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ: أَنَّهُ التَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنَ الغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ،
[ ٨ / ٣٦٧ ]
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
ورواه مسلم (١٥٨٦) وليس في حديثه: «وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ».
فائدة/ جاء ذكر الملح أيضًا في حديث عبادة بن الصامت وهو الصنف السادس من الأصناف الربوية.
وذلك فيما رواه مسلم (١٥٨٧) عن عبادة بن الصامت قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
وقد اتفق العلماء على جريان الربا في هذه الأصناف الستة، واختلفوا في غيرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٩٤): «فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع.
واختلف أهل العلم فيما سواها، فحكي عن طاووس وقتادة أنَّهما قصرا الربا عليها، وقالا: لا يجري في غيرها.
وبه قال داود ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٩٧):
[ ٨ / ٣٦٨ ]
«ولم يختلف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة ربًا، لكن هل تعلق حكم الرِّبا بأسمائها أم بمعانيها؛ فأهل الظاهر قصروه على أسمائها، فلا يجري الرِّبا عندهم في غير هذه الأصناف الستة. وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا: أنَّ ذلك الحكم متعلق بمعانيها. وتمسَّكوا في ذلك بما تقدَّم، وبأنَّ الدقيق يجري فيه حكم الرِّبا بالاتفاق، ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث. فإن قيل: دقيق كل صنف منها مردودٌ إلى حَبِّه في حكمه. قلنا: فهذا اعتراف بأنَّ الحكم لم يتعلَّق بأسمائها، بل بمعانيها. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح تعدي حكم الربا إلى غير ما ذكر من الأصناف لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وللقياس الصحيح في ذلك، وأمَّا الحديث فليس فيه ما يدل على الحصر.
إذا تبيَّن هذا فقد اتفق القائلون بتعدي الربا عن هذه الأصناف الستة أنَّ الذهب والفضة تجمعهما علةً واحدة، وسائر الأصناف الأربعة تجمعهما علة واحدة. ثم اختلفوا في تعيينها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٩٥):
«واتفق المعللون على أنَّ علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣١ - ١٣٥):
[ ٨ / ٣٦٩ ]
«فإذا تبين هذا فنقول الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس وتنازعوا فيما عداها، فطائفة قصرت التحريم عليها وأقدم من يروي هذا عنه قتادة وهو مذهب أهل الظاهر واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس قال: لأنَّ علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس.
وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة. وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد.
وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا وهو قول سعيد بن المسيب ورواية عن أحمد وقول للشافعي.
وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه.
وأمَّا الدراهم والدنانير فقالت طائفة العلة فيهما كونهما موزونين وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة.
وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب فإنَّهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز
[ ٨ / ٣٧٠ ]
بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا فإنَّ ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها، وأيضًا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية فإنَّ الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة وذلك لا يمكن إلَّا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلَّا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس ويقع الخلف ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير مثل أن يعطي صحاحًا ويأخذ مكسرة أو خفافًا ويأخذ ثقالًا أكثر منها لصارت متجرًا أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات.
[ ٨ / ٣٧١ ]
فصل: وأمَّا الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها لأنَّها أقوات العالم وما يصلحها فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالًا متفاضلًا وإن اختلفت صفاتها، وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها.
وسرُّ ذلك والله أعلم أنَّه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد إلَّا إذا ربح وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير لا سيما أهل العمود والبوادي وإنَّما يتناقلون الطعام بالطعام فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها كما منعهم من ربا النساء في الأثمان إذ لو جوز لهم النساء فيها لدخلها إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تربي فيصير الصاع الواحد لو أخذ قفزانًا كثيرة ففطموا عن النساء ثم فطموا عن بيعها متفاضلًا يدًا بيد إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نساء وهو عين المفسدة، وهذا بخلاف الجنسين والمتباينين فإنَّ حقائقهما وصفاتهما ومقاصدها مختلفة ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ولا يفعلونه، وفي تجويز النساء بينها ذريعة إلى إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تربي فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدًا بيد كيف شاءوا فحصلت لهم مصلحة المبادلة واندفعت عنهم مفسدة إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تربي وهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات
[ ٨ / ٣٧٢ ]
نساء فإنَّ الحاجة داعية إلى ذلك فلو منعوا منه لأضر بهم ولامتنع السلم الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيرهم والشريعة لا تأتي بهذا وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نساء وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة ومنعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويتذرع به غالبًا إلى مفسدة راجحة.
يوضح ذلك أنَّ من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر فإنَّه يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر كما قال النبي ﷺ: "بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبًا". أو تبيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوي، وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالًا بخلاف ما إذا أمكن من النساء فإنَّه حينئذ يبيعه بفضل ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل لأنَّ صاحب ذلك الصنف يربى عليه كما أربي هو على غيره فينشأ من النساء تضرر بكل واحد منهما والنساء هاهنا في صنفين وفي النوع الأول في صنف واحد وكلاهما منشأ الضرر والفساد.
وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إمَّا صنفًا واحدًا أو صنفين مقصودهما واحد أو متقارب كالدراهم والدنانير والبر والشعير والتمر والزبيب فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحديد والزيت.
[ ٨ / ٣٧٣ ]
يوضح ذلك أنَّه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتمامًا لهذه الحكمة ورعاية لهذه المصلحة فإنَّ المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر وكما يفعل أرباب الحيل يطلقون العقد وقد تواطئوا على أمر آخر كما يطلقون عقد النكاح وقد اتفقوا على التحليل ويطلقون بيع السلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنَّه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع حالًا وأخروا الطلب لأجل الربح فيقعوا في نفس المحذور.
وسر المسألة أنَّهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها لأنَّ ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها لأنَّ ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات، وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين لأنَّ التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها فهو بمنزلة الدراهم التي يقصد الشارع ألَّا يفاضل بينها ولهذا قال: "تبرها وعينها سواء". فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين وربا الفضل في الجنس الواحد، وأنَّ تحريم هذا تحريم المقاصد وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس، وبه يتبين أنَّ أصح ما يقال في علة جريان الربا في الذهب والفضة هي الثمنية المتعدية، فإنَّ هذا الوصف هو أنسب ما يمكن اعتباره من الأوصاف.
[ ٨ / ٣٧٤ ]
لكن مما ينبه عليه أنَّ الإمام الشافعي ﵀ وإن اختار أنَّ علة جريان الربا في الذهب والفضة هي الثمنية لكنَّه رآها ثمنية قاصرة عليهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٩/ ٣٩٣):
«فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَالْعِلَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا كَوْنُهُمَا جِنْسَ الْأَثْمَانِ غَالِبًا وَهَذِهِ عِنْدَهُ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَيْهِمَا لَا تَتَعَدَّاهُمَا إذْ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِمَا» اهـ.
قُلْتُ: لكن عند الشافعية وعند غيرهم أنَّه إذا وجد ما يشارك الأصل في هذه العلة فيلحق به كأن توجد أثمانًا غالبة غير الذهب والفضة كالعملات الورقية الموجودة في هذه الأزمان.
واختلفت المالكية هي العلة هي غلبة الثمنية أو مطلق الثمنية على قولين.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٥):
«وَالْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غَالِبًا، فَيَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٦/ ٢٩٤):
«فَعَلَيْهِمَا الْعِلَّةُ فِي النَّقْدَيْنِ الثَّمَنِيَّةُ، وَهِيَ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ لَا يَصْلُحُ التَّعْلِيلُ بِهَا فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ، وَنُقِضَتْ طَرْدًا بِالْفُلُوسِ، لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ، وَعَكْسًا بِالْحُلِيِّ، وَأُجِيبُ لِعَدَمِ النَّقْدِيَّةِ الْغَالِبَةِ.
قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يَقُولُوا إذا نفقت حَتَّى لَا يُتَعَامَلَ إلَّا بِهَا أَنَّ فِيهَا الرِّبَا، لِكَوْنِهَا ثَمَنًا غَالِبًا» اهـ.
[ ٨ / ٣٧٥ ]
قُلْتُ: والعملات الورقية في هذه الأزمان ثمنيتها هي الغالبة.
لكن بقى إشكال وهو أننا إذا جعلنا العلة هي الثمنية أخرجنا الحلي فإنَّه من جملة العروض كالثياب، وهكذا منعنا جريان الربا في الذهب والفضة في هذه الأزمان لانتفاء العلة وهي الثمنية فيهما فلم يعدا أثمانًا للأشياء في هذه الأزمان.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنَّ الذهب والفضة خلقا أثمانًا للأشياء وإن لم يستعملهما الناس في ذلك فالثمنية فيهما جوهرية وليست طارئة حتى تزول بترك الاستعمال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠):
«وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، فَقِيلَ: يَثْبُتُ الرِّبَا فِيهِمَا لِعَيْنِهِمَا، لَا لِعِلَّةٍ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا صَلَاحِيَةُ الثَّمَنِيَّةِ الْغَالِبَةِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: جَوْهَرِيَّةُ الْأَثْمَانِ غَالِبًا. وَالْعِبَارَتَانِ تَشْمَلَانِ التِّبْرَ، وَالْمَضْرُوبَ، وَالْحُلِيَّ، وَالْأَوَانِيَ مِنْهُمَا. وَفِي تَعَدِّي الْحُكْمِ إِلَى الْفُلُوسِ إِذَا رَاجَتْ وَجْهٌ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا رِبَا فِيهِمَا لِانْتِفَاءِ الثَّمَنِيَّةِ الْغَالِبَةِ. وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ الْفُلُوسِ مِنَ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِهَا قَطْعًا» اهـ.
وسبق قول الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٥): «وَالْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غَالِبًا» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَصْكَفِيِّ الْحَنَفِي ﵀ فِي [الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَلَى تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ] (٢/ ٢٩٨):
[ ٨ / ٣٧٦ ]
«(فِي مَضْرُوبِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (وَمَعْمُولِهِ وَلَوْ تِبْرًا أَوْ حُلِيًّا مُطْلَقًا) مُبَاحَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ لَا وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا أَثْمَانًا فَيُزَكِّيهِمَا كَيْفَ كَانَا» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٧١ - ٤٧٤): «والمقصود هنا: الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم. والأظهر أنَّ العلة في ذلك هو الثمنية؛ لا الوزن كما قاله جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات كالرصاص والحديد والحرير والقطن والكتان. ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا. والمنازع يقول: جواز هذا استحسان وهو نقيض للعلة. ويقول: إنَّه جوز هذا للحاجة؛ مع أنَّ القياس تحريمه فيلزمه أن يجعل العلة الربا بما ذكره. وذلك خلاف قوله، وتخصيص العلة الذي قد سمي استحسانًا إن لم يبين دليل شرعي يوجب تعليق الحكم للعلة المذكورة واختصاص صورة التخصيص بمعنى يمنع ثبوت الحكم من جهة الشرع والأحاديث وإلَّا كانت العلة فاسدة. والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب؛ فإنَّ المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال ولا يقصد الانتفاع بعينها. فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية. واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب؛ فإنَّ ذلك إنَّما يحصل
[ ٨ / ٣٧٧ ]
بقبضها. لا بثبوتها في الذمة؛ مع أنَّها ثمن من طرفين فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل. فإذا صارت الفلوس أثمانًا صار فيها المعنى فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل. كما أنَّ النَّبي ﷺ: نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. وهو المؤخر بالمؤخر ولم ينه عن بيع دين ثابت في الذمة يسقط إذا بيع بدين ثابت في الذمة يسقط؛ فإنَّ هذا الثاني يقتضي تفريغ كل واحدة من الذمتين ولهذا كان هذا جائزًا في أظهر قولي العلماء كمذهب مالك وأبي حنيفة؛ وغيرهما؛ بخلاف ما إذا باع دينًا يجب في الذمة ويشغلها بدين يجب في الذمة كالمسلم إذا أسلم في سلعة ولم يقبضه رأس المال فإنَّه يثبت في ذمة المستسلف دين السلم وفي ذمة المسلف رأس المال ولم ينتفع واحد منهما بشيء. ففيه شغل ذمة كل واحد منهما بالعقود التي هي وسائل إلى القبض وهو المقصود بالعقد. كما أنَّ السلع هي المقصودة بالأثمان فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل كما لا يباع كالئ بكالئ؛ لما في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنية ومقصود العقود؛ بخلاف كون المال موزونًا ومكيلًا؛ فإنَّ هذا صفة لما به يقدر ويعلم قدره. ولأنَّ في ذلك معنى يناسب تحريم التفاضل فيه. فإذا قيل: المكيلات والموزونات متماثلة وعلة التحريم نفي التماثل. قيل: العاقل لا يبيع شيئًا بمثله إلى أجل ولكن قد يقرض الشيء. ليأخذ مثله بعد حين. والقرض هو تبرع من جنس العارية كما سماه النبي ﷺ منيحة ورق أو منيحة ذهب. فالمال إذا دفع إلى من يستوفي منفعته مدة ثم يعيده إلى صاحبه كان هذا تبرعًا من صاحبه بنفعه تلك المدة وإن كان لكل نوع اسم
[ ٨ / ٣٧٨ ]
خاص. فيقال في النخلة: عارية ويقال فيما يشرب لبنه منيحة. ثم قد يعيد إليه عين المال إن كان مقصودًا وإلَّا أعاد مثله. والدراهم لا تقصد عينها فإعادة المقترض نظيرها كما يعيد المضارب نظيرها. وهو رأس المال. ولهذا سمي قرضًا ولهذا لم يستحق المقرض إلَّا نظير ماله وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء. والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته كما يستحق مثله في الغصب والإتلاف ومثل هذا لا يبيعه عاقل وإنَّما يباع الشيء بمثله فيما إذا اختلفت الصفة. والشارع طلب إلغاء الصفة في الأثمان فأراد أن تباع الدراهم بمثل وزنها ولا ينظر إلى اختلاف الصفات مع خفة وزن كل درهم. كما يفعله من يطلب دراهم خفافًا إمَّا ليعطيها للظلمة، وإمَّا ليقضي بها، وأمَّا لغير ذلك فيبدل أقل منها عددًا وهو مثلها وزنًا فيريد المربي أن لا يعطيه ذلك إلَّا بزيادة في الوزن فهذا إخراج الأثمان عن مقصودها وهذا مما حرمه النَّبي ﷺ بلا ريب بخلاف مواضع تنازع العلماء فيها ليس هذا موضع تفصيلها. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وبناءً على ذلك فإنَّ الربا بنوعيه يجري في هذه العملات الورقية، والمعدنية الموجودة في هذه الأزمان، ويختلف جنس هذه العملات باختلاف جهات إصدارها، فما اختلف فيها جهة إصداره كالعملة اليمنية، والعملة السعودية مثلًا جاز فيها التفاضل وحرم النسأ كالذهب والفضة، وما اتحد جهة إصداره حرم بيع بعضها ببعض متفاضلًا، ونسيئةً.
[ ٨ / ٣٧٩ ]
وهل يجوز بيع العملات المعدنية بالعملات الورقية المتحدة في جهة الإصدار؟ في ذلك نزاع بين أهل العلم.
فمن أجاز ذلك جعلهما جنسين كالذهب والفضة، ومن منع من ذلك نظر إلى أنَّ الاتحاد في جهة الإصدار يجعلهما كالجنس الواحد.
جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨):
«س: صرف الهلل هل هو محرم أم حلال: أن أبيع التسعة ريالات معدن بعشرة ريالات ورق، وأعطي فوق ذلك اللبان أو مسواك؟
ج: وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء واستعراضها لما صدر منها سابقًا في الموضوع رأت أنَّه لا مانع من التفاضل في صرف العملة الورقية السعودية بالعملة المعدنية السعودية لاختلاف المادة بينها بشرط التقابض في مجلس العقد.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٩٤ - ٩٥):
«مسألة: صرف الريالات من المعدن بريالات من الورق هل يجوز فيه التفاضل؟
[ ٨ / ٣٨٠ ]
اختلف العلماء المعاصرون في ذلك، فقال بعضهم: بالتحريم؛ لأنَّ ريال المعدن هو ريال الورق، ولا فرق بين هذا وهذا، فالمقصود واحد، والدولة جعلت قيمتهما اعتبارية متساوية.
وقال آخرون: بالجواز؛ لأنَّ بينهما فرقًا؛ فالجنس مختلف حقيقة، وقيمة، وتساويهما في القيمة الشرائية فباعتبار تقدير الدولة، ويدل لهذا أنَّك لو جئت بمائة كيلو من هذا المعدن، ومائة كيلو من الورق فهل تختلف قيمتهما أو لا؟
الجواب: تختلف، فالحديد يشترى لذاته، والورق لولا تقدير الدولة له لم يكن له قيمة إطلاقًا.
وقالوا: لما اختلف الجنس حقيقة وقيمة، جاز التفاضل بينها؛ لقول النَّبي ﷺ: "إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".
وكان الشيخ ابن باز - وفقه الله - مع اللجنة الدائمة أصدروا فتوى بالتحريم؛ ثم إنَّ الشيخ حدثنا أخيرًا، قال: كنت أقول بالتحريم، ولكني توقفت فيه هل يحرم أو لا؟
أمَّا أنا فنفسي طيبة بجوازه، وليس عندي فيه شك، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ يجوِّز ذلك، بل يجوز أكثر من هذا، فيرى أنَّه يجوز التفاضل مع تأخر القبض بشرط ألَّا يشترطا أجلًا معينًا، فلو أعطيتك مائة، وأعطيتني بعد مدة
[ ٨ / ٣٨١ ]
مائة عوضًا عنها أو أكثر، فإنَّ ذلك لا بأس به بشرط ألَّا يُشترط الأجل، فيقول: أعطيتك مائة بمائة وعشرة إلى سنة، فإنَّ هذا ممنوع عند شيخنا عبد الرحمن.
لكن الذي يظهر لي: أنَّ تأخير القبض ممنوع، سواء بتأجيل أو بغير تأجيل، وأمَّا التفاضل فلا بأس به» اهـ.
وقال ﵀ قبل ذلك (٦/ ٩٤) - عند كلامه على العملات الورقية عمومًا -:
«وقال بعض العلماء: إنَّه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، فإذا أبدلت بعضها ببعض مع تأخر القبض فهذا حرام، سواء أبدلتها بالتماثل أو بالتفاضل، وإذا أبدلت بعضها ببعض مع القبض في مجلس العقد، فهذا جائز مع التفاضل.
وهذا هو أقرب الأقوال في هذه المسألة، لا سيما مع اختلاف الجنس» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الممتع] (٨/ ٤٠٥):
«فأرجح ما يكون عندي أنَّه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [دُرُوسِ وَفَتَاوَى الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ] (ص: ١٥١):
«القول الفصل فيما نراه في هذه المسألة: أنَّ الأوراق النقدية يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل» اهـ.
قُلْتُ: وذهب في موضع آخر إلى أنَّ التفاضل لا يجري بينها مع اختلاف الجنس لا مع اتحاده.
فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (١٨/ ١٧٣):
[ ٨ / ٣٨٢ ]
«وأمَّا في الربا فإنَّها تلحق بالدراهم في ربا النسيئة فقط دون ربا الفضل مع اختلاف الجنس، فمثلًا إذا أراد أحد أن يأخذ ما يسمونه بالهلل تسعة بورقة من فئة العشرة ريالات فلا بأس، ولكن بشرط التقابض قبل التفرق، وكذلك لو أراد أن يأخذ دولارًا قيمته أربعة ريالات بأقل أو أكثر فلا بأس بشرط التقابض في مجلس العقد» اهـ.
قُلْتُ: ويؤيد القول بأنَّ العملات الورقية، والمعدنية جنسان مختلفان كالذهب والفضة، أنَّ الورق جنس غير المعدن، ولا عبرة بتساوي قيمتهما الشرائية، فإنَّ تساوي قيمة الذهب والفضة مثلًا لا يصيرهما جنسًا واحدًا.
لكن يشكل على هذا أنَّنا لم ننظر إلى جنسية الأوراق والمعدن عند اختلاف العملات في جهة الإصدار، فلم نجعل سائر الأوراق جنسًا، وسائر المعدن جنسًا آخر، بل نظرنا إلى جهة الإصدار فجعلنا كل جهة من جهات الإصدار جنسًا مستقلًا مع الاتحاد بينها في جنسية الأوراق والمعدن، فإذا كنَّا فرقنا بين الأجناس المتحدة لاختلاف جهات الإصدار تغليبًا لجهة الإصدار فهكذا ينبغي أن نجمع بين الأجناس المختلفة لاتحاد جهة الإصدار تغليبًا لها على اختلاف الأجناس، فإنَّه إذا كانت العبرة هي جهة الإصدار لا الاتحاد بالأوراق، أو المعدن، فينبغي أن لا نفرق بين العملات الورقية والمعدنية ذات الإصدار الواحد، وإذا كانت العبرة هي الأجناس دون النظر في اختلاف جهة الإصدار، فإنَّ جنس الأوراق واحد،
[ ٨ / ٣٨٣ ]
وجنس المعدن واحد، فكان ينبغي أن نجعل سائر العملات الورقية جنسًا واحدًا، وسائر العملات المعدنية جنسًا واحدًا.
قُلْتُ: والفرق بين العملات الورقية، والمعدنية، وبين الذهب والفضة، أنَّ الذهب والفضة معدنان نفيسان، ولو لم يكونا أثمانًا كالحلي، بعكس هذه العملات فإنَّه لا نفاسة فيها وإنَّما ارتفعت قيمتهما باعتبار ما أعطته لها جهة الإصدار من القيمة الرفيعة؛ ولهذا لم يكن التماثل في العملات الورقية منوطًا بالوزن كالذهب والفضة، بل منوطًا بقيمتها المجعولة من جهة الإصدار، ولما كان الذهب والفضة جوهرين نفيسين في ذاتهما اختلفت قيمتهما باختلاف وزنهما، فكان المعتبر بالتماثل فيهما هو الوزن، ولما كانت العملات الورقية والمعدنية لا نفاسة لهما في ذاتيهما، وإنَّما باعتبار ما جعلته لها جهة الإصدار من القيمة، كان التفاوت بينها في تلك القيمة، فلهذا كان اعتبار القيمة فيهما دون الوزن.
والذي يظهر لي في هذه المسألة أنَّه لا يجوز التفاضل بين العملات الورقية والمعدنية لما ذكرنا. والله أعلم.
ولما نظر بعض العلماء إلى أنَّ التماثل في هذه العملات الورقية والمعدنية لا يمكن اعتباره بالنظر إلى الوزن، أو الكيل، وإنَّما باعتبار القيمة ذهب إلى عدم جريان ربا الفضل فيهما، فإنَّ المناط في التماثل في الربويات هو الكيل، أو الوزن دون القيمة اتفاقًا.
[ ٨ / ٣٨٤ ]
فلا يجوز مثلًا أن تبيع صاعًا من التمر الجيد بصاعين من التمر الرديء وإن اتحدا في القيمة للتفاوت في الكيل، ويجوز أن تبيع صاعًا من التمر الجيد بصاع من التمر الرديء للاتحاد بالكيل، وإن تفاوتت القيمة.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٢٠١، ٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا».
قُلْتُ: وهذا محمول على ما تتفاوت قيمته بتفاوت كيله ووزنه، وأمَّا ما لا أثر في كيله ووزنه في اختلاف قيمته، فلا معنى لاعتبار الكيل والوزن فيه، فإنَّ الكيل والوزن من الأمور التي يقام بهما العدل في تجارات الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فإذا كان العدل يقوم بغيرهما فالواجب اعتبار ذلك الغير، وهذه العملات الورقية، والمعدنية لا يمكن العدل في التعامل فيها باعتبار الوزن، ولا الكيل، وإنَّما
[ ٨ / ٣٨٥ ]
باعتبار القيمة المدلول عليها بالأرقام المكتوبة عليها فيتم بذلك العدل في التعامل بين الناس ويرتفع الظلم، ويحصل بذلك من العدل وارتفاع الظلم ما يحصل بالكيل والوزن في غير ذلك من المعاملات. وهذا هو المقصود الشرعي، وإنَّما الكيل والوزن من وسائل ذلك، وليس هما من الغايات التي يحرص عليها، فإنَّ حصل العدل، ورفع الظلم بهما، أو بغيرهما حصل المقصود.
ومن نظر في الظلم الناتج من ربا الفضل، أو النسيئة في النقدين الذهب والفضة يجده موجودًا بعينه في التعامل بالعملات الورقية، أو المعدنية، والشرع لا يفرق بين الأمور المتماثلة، كما لا يجمع بين الأمور المختلفة.
وسرُّ المسألة: أنَّ العملات الورقية قيمتها معنوية وليست في جنس الأوراق فلهذا كان الميزان فيها معنويًا وهو رقم الفئات المكتوب فيها، وأمَّا الذهب والفضة فقيمتهما حسية في جنسهما فكان ميزانهما حسيًا.
قُلْتُ: وَذَهَبَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ إلى جريان ربا الفضل في هذه العملات الورقية دون ربا النسيئة كما في [الْفَتَاوَى السَّعْدِيَّةِ] (ص ٣١٨، ٣٢٧ - ٣٢٨).
وله رسالة سماها [الْأَوْرَاقُ الْبَنْكِيَّةِ] مطبوعة في مكة المكرمة عام ١٣٧٨ هـ. وكان مما قال فيها (ص ٤) «إن الأنواط حكمها حكم فلوس المعدن تجب فيها الزكاة وغيرها من العبادات المالية، وتتمول في جميع المعاملات، فلا يجري فيها ربا الفضل، فيجوز بيع بعضها ببعض بالنقد متماثلًا ومتفاضلًا، إذا لم يكن في ذلك أجل، وهذا حاصل حكمها على وجه الإيجاز».
[ ٨ / ٣٨٦ ]
إلى أن قال: «وأمَّا منعي لبيع بعضها ببعض أو مع أحد النقدين مؤجلًا، فهو لسد باب الربا النسيئة، ومن أصول الشريعة سد أبواب الربا الصريح بكل طريق» اهـ.
وقال ﵀ في [الْفَتَاوَى السَّعْدِيَّةِ] (ص ٣٣٧): «فحيث تقرر وعلم لكل أحد أن الأنواط ليست بنفسها ذهبًا ولا فضة وأنَّه لا يمكن أن يتحقق فيها ما شرطه الشارع في الذهب والفضة من جهة الوزن تعين القول بأنَّها بمنزلة العروض وبمنزلة الفلوس المعدنية وأنَّه لا يضر فيها وفي المعاملة بها الزيادة والنقص والقبض في المجلس أو عدمه» اهـ.
وقال في [الْأَجْوِبَةِ النَّافِعَةِ] (ص ٣٢٣): «مشتري ربية ورق بريال عربي لا بأس به سواء تقابضا في المجلس أو لم يتقابضا بشرط أن لا يكون ذلك مؤجلًا فإذا لم يكن مؤجلًا فلا بأس سواء كان بتحويل على محل آخر أو غير تحويل» اهـ.
قُلْتُ: قد سبق بيان السبب في عدم اعتبار الوزن في العملات الورقية فانظره.
واختار الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في العملات الورقية مذهبًا آخر فقال في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ١٨٢):
«الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنَّها ليست كعروض التجارة، وأنَّها سند بفضة وأنَّ المبيع الفضة التي هي سند بها. ومن قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو يدًا بيد; لعدم المناجزة بسبب غيبة الفضة المدفوع سندها; لأنَّها ليست متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلًا» اهـ.
[ ٨ / ٣٨٧ ]
أقول: كلام العلامة الشنقيطي ﵀ مستقيم مع مبدأ هذه العملات، فإنَّها كانت عبارة عن سندات، ثم صارت بعد ذلك عملات مستقلة كالذهب والفضة.
وأمَّا سائر الأصناف الأربعة فأجمع ما قيل في علتها هو التماثل مع الطعم والقوت وما يصلحه. والتماثل يكون في الكيل أو الوزن.
وقد رجح هذا القول شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٧٠):
«و"الثالث" قول أحمد في رواية ثالثة اختارها أبو محمد وقول مالك قريب من هذا وهذا القول أرجح من غيره» اهـ.
ورجحه تلميذه العلامة ابن القيم ﵀ كما سبق.
ومن ذهب إلى أنَّ العلة في الأصناف الأربعة الطعم احتج بما رواه مسلم صحيح مسلم (١٥٩٢) عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ».
قالوا: والطعام يشمل كل مطعوم، ولأن الطعم وصف شريف، إذ به قوام الأبدان، والحكم إذا علق على اسم مشتق دلَّ على أنَّه علته كالقطع في السرقة علق على اسم مشتق وهو السارق والسارقة.
[ ٨ / ٣٨٨ ]
قُلْتُ: نصَّ النبي ﷺ في حديث عمر وعبادة وغيرهما على بعض أنواع الطعام مع وجود غيرها من الأطعمة لا بد أن يكون لمعنى وإلَّا كان عبثًا وحاشاه من ذلك، والمعنى هو أنَّ هذه الأطعمة هي أقوات الناس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ١٧٦):
«الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا الطَّعْمُ لَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ نَظَرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ; لِأَنَّ مَعْمَرًا الْمَذْكُورَ لَمَّا قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ". قَالَ عَقِبَهُ: وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الطَّعَامَ فِي عُرْفِهِمْ يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعُرْفَ الْمُقَارَنَ لِلْخِطَابِ مِنْ مُخَصَّصَاتِ النَّصِّ الْعَامِّ، وَعَقَدَهُ فِي "مَرَاقِي السُّعُودِ" بِقَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْمُخَصَّصِ الْمُنْفَصِلِ عَاطِفًا عَلَى مَا يُخَصِّصُ الْعُمُومَ:
وَالْعُرْفُ حَيْثُ قَارَنَ الْخِطَابَا … وَدَعْ ضَمِيرَ الْبَعْضِ وَالْأَسْبَابَا» اهـ.
قُلْتُ: لا بد من حمل "الطعام" في حديث معمر على الشعير ولولا ذلك لجعلنا الطعام جنسًا واحدًا ومنعنا من التفاضل فيه وهذا خطأ بيِّن.
فائدة: الربا عدة أنواع:
النوع الأول: ربا النسيئة وهو بيع ربوي بربوي قد اتفقا في العلة إلى أجل.
النوع الثاني: ربا الفضل: وهو بيع ربوي بجنسه متفاضلًا.
[ ٨ / ٣٨٩ ]
النوع الثالث: ربا اليد وهو بيع ربوي بربوي قد اتفقا في العلة من غير تقابض في المجلس. وقد عد الشافعية هذا نوعًا من أنواع الربا، وعند غيرهم هو داخل في ربا النسيئة، والفرق بين هذا وبين ربا النسيئة عند الشافعية أنَّ ربا النسيئة يذكر فيه الأجل المستحق، وفي ربا اليد لا يذكر الأجل لكن يحصل التأخير بالفعل عن مجلس العقد.
النوع الرابع: ربا القرض، ويشمل كل قرض جر منفعة، ولا يختص هذا النوع بالأصناف الربوية.
* * *
فَصْلٌ: فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَةِ الْمُتْعَلِقَةِ بِالصَّرْفِ.