٢٧٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية الرهن.
قُلْتُ: والرهن في اللغة: يأتي بمعنى الحبس، ومنه قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. ويأتي بمعنى الثبوت والدوام. يقال: ماء راهن. أي راكد. ونعمة راهنة. أي ثابتة دائمة.
وشرعًا: احتباس العين وثيقة بالحق.
ولما كان الرهن وثيقة بالحق وقد جعله الله تعالى يقوم مقام الكتاب والشهود فدلَّ ذلك أنَّ الراهن والمرتَهِن إذا اختلفا فالقول قول المرتَهِن مع يمينه لأنَّ بينة الرهن معه ما لم يدع أكثر من الرهن، وهذا مذهب مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهم الله تعالى، وخالف في ذلك جمهور الأئمة وجعلوا القول قول الراهن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٧٩ - ١٨٠):
[ ٩ / ٢ ]
«وَمِمَّا يُلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ: شَهَادَةُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِهِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، مَا لَمْ يَدَّعِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ، عِنْدَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَمَذْهَبُهُ أَرْجَحُ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا ﵀. وَحُجَّتُهُ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا مِنْ الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ يَحْفَظُ بِهِ الْحَقَّ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ، لَمْ تَكُنْ فِي الرَّهْنِ فَائِدَةٌ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ دُيُونُهُمْ بِغَيْرِ رَهْنٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يُشْرَعْ لِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْفَائِدَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ قَائِمًا مَقَامَ الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ، فَهُوَ شَاهِدٌ بِقَدْرِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ فِي الْعُرْفِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ مَا يُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى دِرْهَمٍ.
وَمَنْ يَقُولُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ رَهَنَهُ عَلَى ثَمَنِ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ، وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ الْعُرْفُ بِبُطْلَانِهِ. وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقَوْلَ قَوْلَ الرَّاهِنِ: أَلْزَمُوا مُنَازَعِيهِمْ بِأَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الرَّهْنِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ.
وَفَرَّقَ الْآخَرُونَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ، وَالرَّهْنُ شَاهِدُ الْمُرْتَهِنِ، فَمَعَهُ مَا يُصَدِّقُهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْإِلْزَامِ» اهـ.
٢ - واحتج به النخعي على جواز الرهن في السلم، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: «باب الرهن في السلم».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٧٠ - ٣٧١):
[ ٩ / ٣ ]
«اختلف العلماء في هذا الباب، فقال مالك: لا بأس بالرهن والكفيل في السلم، ولم يبلغني أنَّ أحدًا كرهه غير الحسن البصري، ورخص فيه عطاء والشعبي، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأبو يوسف ومحمد والشافعي.
وكره الرهن والكفيل في السلم علي بن أبي طالب وسعيد بن جبير، وقال: ذلك الربح المضمون. وقال زفر: لا يجوز ذلك في السلم، ولا سبيل له على الكفيل. وهو قول الأوزاعي، وأحمد حنبل، وأبي ثور. قال المهلب: وحجة من كرهه أنَّه إن أخذ الرهن في رأس المال، فرأس المال غير الدين، إنَّما دينه ما سلم فيه، ورأس المال مستهلك في الذمة غير مطلوب به، وإن أخذه بالمسلم فيه، فكأنَّه اقتضاه قبل أجله، وهو من باب سلف جر منفعة؛ لأنَّه ينتفع بما يستوثق به من الرهن والضامن.
وحجة من أجازه إجماعهم على إجازة الرهن والكفيل والحوالة في الدين المضمون من ثمن سلعة قبضت، فكذلك السلم.
ووجه احتجاج النخعي بحديث عائشة: أنَّه استدل بأنَّ الرهن لما جاز في الثمن بالنسيئة المجمع عليها، جاز في المثمون وهو المسلم فيه، وبيان ذلك أنَّه لما جاز أن يشترى الرجل طعامًا أو عرضًا بثمن إلى أجل، ويرهن في الثمن رهنًا، كذلك يجوز إذا دفع عينًا سلمًا في غوص طعام أو غيره إلى أجل أن يأخذ في الشيء المسلم فيه رهنًا، ولا فرق بينهما» اهـ.
[ ٩ / ٤ ]
قُلْتُ: وما ذهب إليه النخعي، والبخاري، وجمهور العلماء هو الذي يظهر لي صحته، ويدل على ذلك أيضًا عموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
قُلْتُ: وليس في هذا اقتضاء السلم قبل أجله، وإنَّما هو مجرد استيثاق بالحق، كاستيثاق الثمن في القرض، ولا فرق، وهب أنَّه من اقتضاء السلم قبل أجله، فما المحذور في ذلك. فَقَدَ قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ السَّلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْمُحَرِرِ] (١/ ٣٣٤): «وإذا عجل له دين السلم أو الكتابة قبل محله ولا ضرر في أخذه، أو أتاه من جنسه بخير منه لزمه قبوله وإن تضرر بتعجيله أو أتاه بدونه لم يلزمه» اهـ.
وليس هذا أيضًا من القرض الذي جر منفعة، وذلك أنَّ صاحب الحق لا يأخذ أكثر من حقه، وغاية الأمر أنَّه إنَّما استوثق من حقة، ولم يطلب زيادة على ذلك، ولو كان هذا من القرض الذي جر منفعة لمنع من الاستيثاق به في الثمن، إذ لا فرق بين المسألتين. والله أعلم.
وللمانعين حجة أخرى ذكرها الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٧٤) فقال:
«وفي دين السلم روايتان:
[ ٩ / ٥ ]
إحداهما: يصح الرهن به للآية والمعنى.
والأخرى: لا يجوز لأنَّه لا يأمن هلاك الرهن بعدوان فيصير مستوفيًا حقه من غير المسلم فيه، وقد قال النبي ﷺ: "من أسلم من شيء فلا يصرفه إلى غيره"» اهـ.
قُلْتُ: الحديث رواه أبو داود (٣٤٦٨)، وابن ماجة (٢٢٨٣) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بَدْرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ خَيْثَمَةَ، عَنْ سَعْدٍ يَعْنِي الطَّائِيَّ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عطية هو العوفي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٥١٧):
«وأمَّا احتجاج من منع بيع دين السلم بقوله ﷺ: "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره". فعنه جوابان:
أحدهما: أنَّ الحديث ضعيف.
والثاني: المراد به أن لا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر. فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل وهو من جنس بيع الدين بالدين. ولهذا قال: "لا يصرفه إلى غيره". أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر. ومن اعتاض عنه بغيره قابضًا للعوض لم يكن قد جعله سلمًا في غيره» اهـ.
٣ - وفيه جواز الرهن في الحضر، وهو قول أكثر العلماء خلافًا لمجاهد، وداود.
[ ٩ / ٦ ]
وحجتهم في ذلك الآية السابقة، وقد أجاب عن الاحتجاج بها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (١/ ٤٢٤) فَقَالَ: «فذكر الزمن في هذه الصورة للحاجة» اهـ.
والمعنى أنَّ الحاجة إلى الرهن في السفر أكثر من الحضر، وذلك لتوفر الشهود، والكتَّاب في الحضر.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٤٩):
«ثم ذكر ما تحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتاب والشهود وهو السفر في الغالب فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ﴾، فدل ذلك دلالة بينة أنَّ الرهان قائمة مقام الكتاب والشهود شاهدة مخبرة بالحق كما يخبر به الكتاب والشهود.
وهذا والله أعلم سر تقييد الرهن بالسفر لأنَّه حال يتعذر فيها الكتاب الذي ينطق بالحق غالبًا فقام الرهن مقامه وناب منابه وأكد ذلك بكونه مقبوضًا للمرتهن حتى لا يتمكن الراهن من جحده، فلا أحسن من هذه النصيحة وهذا الإرشاد والتعليم الذي لو أخذ به الناس لم يضع في الأكثر حق أحد، ولم يتمكن المبطل من الجحود والنسيان.
فهذا حكمه سبحانه المتضمن لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم» اهـ.
[ ٩ / ٧ ]
٤ - ويدل الحديث على جواز معاملة اليهود وإن كانوا يستحلون من المكاسب ما هو محرم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٧٨):
«وأمَّا اشتراء النبي ﷺ الطعام من اليهودي ورهنه عنده دون الصحابة، فقيل: فعله بيانًا لجواز ذلك، وقيل: لأنَّه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلَّا عنده، وقيل: لأنَّ الصحابة لا يأخذون رهنه ﷺ، ولا يقبضون منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من أصحابه» اهـ.
٥ - مباشرة الشريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه؛ إيثارًا للتواضع.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ٧ - ١٠].
[ ٩ / ٨ ]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠].
٦ - وفيه الرد على من يوجب مقاطعة البضائع الواردة من الكافرين.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٥٩):
«أجمع العلماء على جواز معاملة أهل الذمة وجواز معاملة المشركين، إلَّا ما يتقوى به أهل الحرب على محاربة المسلمين كسلاح الحرب وآلاتها وما تصرف فيها، أو ما يستعين به جميعهم على إقامة شريعتهم، واظهار تصرفهم وما لا يجوز تملكه لهم لحرمته كالمسلم والمصحف» اهـ.
قُلْتُ: والعجيب أنَّ هؤلاء الذين يدعون إلى مقاطعة البضائع الآتية من الكافرين، إنَّما يقاطعون ما أتى من جهة الكافرين من الطيبات، ولا يقاطعون ما جاء من جهتهم من المحرمات، كالديمقراطية، وما جاءت به من الانتخابات، والحريات، والحزبيات، وهكذا لا يقاطعون ما جاؤوا به من الدشوش، والتلفزيونات، ولا يقاطعون ملابسهم التي اختصوا بها، ولا قصات شعورهم وغير ذلك من أنواع المحرمات.
٧ - وفيه جواز رهن آلات الحرب عند أهل العهد.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٥٩):
[ ٩ / ٩ ]
«ورهن النبي ﷺ الدرع عند اليهودي أنَّه لم يكن من أهل الحرب، وممن كان بين ظهري الإسلام، وإلَّا فرهنها ممن يخشى منه التقوى بها كبيعها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ١٤٦ - ١٤٧):
«وأمَّا رهن النبي ﷺ درعه عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يقدمون المدينة بالميرة والتجارة من حولها، أو من أهل خيبر، وإلَّا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.
فأمَّا بنو قينقاع فحاربهم أولًا، ثم منَّ عليهم. وأمَّا بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر، وأجلى بني قينقاع أيضًا، وقتل بني قريظة، وأجلى كل يهودي كان بالمدينة، فهذا اليهودي المرتهن الظاهر أنَّه من أهل العهد قدم المدينة بطعام، أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه فالله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وشأن الدرع أخف من غيره فإنَّه مما يتقى به ولا يقاتل به.
٨ - وفيه ما كان ﵊ من التقلل من الدنيا.
٩ - وفيه جواز اتخاذ الدروع للتحصن بها، وأنَّ ذلك لا ينافي التوكل على الله ﷿.
١٠ - وفيه أنَّ الكافر يملك ما في يده.
١١ - وفيه جواز الشراء بالثمن المؤجل، وهذا محمول على ما اختلف فيه العلل، كالأثمان مع سائر الأشياء.
[ ٩ / ١٠ ]
١٢ - وفيه جواز تمكين الكفار من الدخول إلى جزيرة العرب للتجارة ونحوها، وأمَّا تمكينهم من الاستيطان فيها فلا يجوز، لما رواه البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ»، وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ»، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
وروى مسلم (١٧٦٧) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا».
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٤/ ١٧٨):
«وأحب إلي أن لا يدخل الحجاز مشرك بحال لما وصفت من أمر النَّبي ﷺ.
قال: ولا يبين لي أن يحرم أن يمر ذمي بالحجاز مارًا لا يقيم ببلد منها أكثر من ثلاث ليال، وذلك مقام مسافر؛ لأنَّه قد يحتمل أمر النَّبي ﷺ
[ ٩ / ١١ ]
بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها، ويحتمل لو ثبت عنه "لا يبقين دينان بأرض العرب". لا يبقين دينان مقيمان، ولولا أنَّ عمر ولي الخراج أهل الذمة لما ثبت عنده من أنَّ أمر رسول الله ﷺ محتمل ما رأى عمر من أنَّ أجل من قدم من أهل الذمة تاجرًا ثلاث لا يقيم فيها بعد ذلك لرأيت أن لا يصالحوا بدخولها بكل حال.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولا يتخذ ذمي شيئًا من الحجاز دارًا، ولا يصالح على دخولها إلَّا مجتازًا إن صولح
قال الشافعي رحمه الله تعالى: فإذا أذن لهم أن يدخلوا الحجاز فذهب لهم بها مال أو عرض بها شغل قيل لهم: وكلوا بها من شئتم من المسلمين، وأخرجوا ولا يقيمون بها أكثر من ثلاث.
وأمَّا مكة فلا يدخل الحرم أحد منهم بحال أبدًا كان لهم بها مال أو لم يكن وإن غفل عن رجل منهم فدخلها فمرض أخرج مريضًا، أو مات أخرج ميتًا ولم يدفن بها، وإن مات منهم ميت بغير مكة دفن حيث يموت، أو مرض فكان لا يطيق أن يحمل إلَّا بتلف عليه أو زيادة في مرضه ترك حتي يطيق الحمل ثم يحمل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ١٤٨):
«وَأَمَّا مَذْهَبُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَعِنْدَهُ يَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُ الْحِجَازِ لِلتِّجَارَةِ; لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَتَّجِرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ كَمَا تَقَدَّمَ.
[ ٩ / ١٢ ]
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ عَنْهُ رِوَايَةً: أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ فِي امْتِنَاعِ دُخُولِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا غَلَطٌ عَلَى أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ دُخُولُهُمْ بِالتِّجَارَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ وَبَعْدَهُ وَتَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: أَرْبَعَةٌ وَهِيَ حَدُّ مَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ.
وَإِذَا مَرِضَ بِالْحِجَازِ جَازَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ لِمَشَقَّةِ الِانْتِقَالِ عَلَى الْمَرِيضِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُ مَنْ يُمَرِّضُهُ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ وَكَانَ حَالًّا أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ لِمَطْلٍ أَوْ غَيْبَةٍ مُكِّنَ مِنَ الْإِقَامَةِ لِيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَفِي إِخْرَاجِهِ ذَهَابُ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْإِقَامَةِ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَسْتَوْفِيهِ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ وَيَتَعَجَّلَ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنُصُوصَتَيْنِ أَشْهَرُهُمَا الْمَنْعُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ شَيْخِنَا الْجَوَازُ.
وَالْمَنْعُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَالْجَوَازُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَجْلَى يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا: إِنْ لَنَا دُيُونًا لَمْ تَحِلَّ فَقَالَ: "ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا".
[ ٩ / ١٣ ]
وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ وَحَدِيثُهُ لَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْحَسَنِ.
فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْإِقَامَةِ لِبَيْعِ بِضَاعَتِهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ; لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ تَرْكَهَا أَوْ حَمْلَهَا مَعَهُ ضَيَاعَ مَالِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الدُّخُولَ بِالْبَضَائِعِ وَيَضُرُّ بِأَهْلِ الْحِجَازِ وَيَقْطَعُ الْجَلْبَ عَنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَالثَّانِي: يُمْنَعُ مِنَ الْإِقَامَةِ; لِأَنَّ لَهُ مِنْهَا بُدًّا، فَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْحِجَازِ جَازَ وَيُقِيمُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً، وَلَا يَدْخُلُونَ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَقِيلَ: يَكْفِي إِذْنُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ: هَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْحَرَمِ.
قَالَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَجْرَانَ وَنَحْوِهِنَّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُصَرِّحُ بِأَنَّ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
قَالُوا: فَإِنْ دَخَلُوا غَيْرَ الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.
وَأَمَّا الْحَرَمُ فَيُمْنَعُونَ دُخُولَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي دُخُولِهِ، فَإِنْ دَخَلَ أَحَدُهُمْ فَمَرِضَ أَوْ مَاتَ أُخْرِجَ وَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ.
وَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ حَرَمِ الْمَدِينَةِ؟ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ
[ ٩ / ١٤ ]
فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلُّوا فِيهِ. وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ١٤٩): «وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِلَّا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ: وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهُمَا» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ١٤٩): «وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَعِنْدَهُ: لَهُمْ دُخُولُ الْحَرَمِ كُلِّهِ حَتَّى الْكَعْبَةِ نَفْسِهَا، وَلَكِنْ لَا يَسْتَوْطِنُونَ بِهِ.
وَأَمَّا الْحِجَازُ فَلَهُمُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ بِقَدْرِ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَكَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَاسَ دُخُولَهُمْ مَكَّةَ عَلَى دُخُولِهِمْ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقِيَاسُ فَإِنَّ لِحَرَمِ مَكَّةَ أَحْكَامًا يُخَالِفُ بِهَا الْمَدِينَةَ، عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ حَرَمًا» اهـ.
قُلْتُ: جزيرة العرب المرادة بهذا الحديث هي: الحجاز، ونجران، لا عموم الجزيرة، والحجاز يشمل مكة، والمدينة، واليمامة، وخيبر، وينبع، وفدك، وتبوك، والعلى، ومخاليف هذه البلاد.
وهل تدخل في ذلك نجران، في ذلك نزاع بين العلماء، والصواب دخولها، لما رواه أحمد (١٦٩١) عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
[ ٩ / ١٥ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (١٦٩٩) مِنْ طَرِيْقِ وكيع حدثني إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن إسحاق بن سعد بن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح به.
قُلْتُ: الصواب ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وقد تابعه على ذلك محمد بن بشر العبدي عند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٧٥٩).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَعْجِيْلِ الْمَنْفِعَةِ] (١/ ٢٩١ - ٢٩٢):
«قُلْتُ: تفرد وكيع عن إبراهيم بقوله عن إسحاق بن سعد ورواه يحيى القطان وأبو أحمد الزبيري عن إبراهيم عن سعد بن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة ووقع في رواية أحمد التصريح بان الراوي عن أبي عبيدة هو سمرة وهو المعتمد فكأن وكيعًا كنى إبراهيم أبا إسحاق فوقع في روايته تغيير فإنِّي لم أر لإسحاق بن سعد ترجمة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث يدل أيضًا على أنَّ نجران ليست من الحجاز، فإنَّ العطف يقتضي المغايرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ] (ص: ١٤٦٠):
«نجران: مذكورة في باب عقد الذمة من المهذب في قوله ﷺ: "أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" هي بفتح النون وإسكان الجيم، وهي بلدة معروفة كانت منزلا للأنصار، وهي بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة. قال في المهذب: وأمَّا نجران فليست من الحجاز،
[ ٩ / ١٦ ]