٢٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ: السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ.
[ ٨ / ٢٧٩ ]
فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز بيع السلم بشروطه الشرعية.
والسلم بيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم بثمن حال.
وسمي سلمًا لتسليم رأس المال في مجلس العقد، ويطلق عليه السلف لتقديم رأس المال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١٤) - ناقلًا عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّه قال:
«فَإِذَا عَجَّلَ لَهُ الثَّمَنَ قِيلَ لَهُ: سَلَفٌ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَالسَّالِفُ الْمُتَقَدِّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٦].
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَوَّلَ الرَّوَاحِلِ السَّالِفَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "الْحَقِي بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ". وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ ﵁: لَأُقَاتِلَنَّهُمْ حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي. وَهِيَ الْعُنُقُ.
[ ٨ / ٢٨٠ ]
وَلَفْظُ السَّلَفِ يَتَنَاوَلُ الْقَرْضَ وَالسَّلَمَ؛ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ أَيْضًا أَسْلَفَ الْقَرْضَ، أَيْ: قَدَّمَهُ، وَمِنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ"، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَقَضَى جَمَلًا رَبَاعِيًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد دلَّ القران أيضًا على مشروعية بيع السلم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٠٦٤)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٧٥٨)، والشافعي كما في [الْمُسْنَد] (٥٩٧)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٣١٣٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٨٦٤، ١٠٨٧٠)، و[الْصُغْرَى] (١٩٨٨)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٣٦٢٧)، والطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٦٣٦٠) مِنْ طَرِيْقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّهُ وَأَذِنَ فِيهِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد قام الإجماع على جواز السلم. وليس فيه ما يخالف القياس، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٢٩ - ٥٣٠):
«وأمَّا قولهم: السلم على خلاف القياس فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "لا تبع ما ليس عندك، وأرخص في السلم"، وهذا لم
[ ٨ / ٢٨١ ]
يرو في الحديث وإنَّما هو من كلام بعض الفقهاء وذلك أنَّهم قالوا: السلم بيع الإنسان ما ليس عنده فيكون مخالفًا للقياس.
ونهي النَّبي ﷺ حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده: إمَّا أن يراد به بيع عين معينة فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه وفيه نظر. وإمَّا أن يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة وهذا أشبه؛ فيكون قد ضمن له شيئًا لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ وهذا في السلم الحال إذا لم يكن عنده ما يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة. فأمَّا السلم المؤجل فإنَّه دين من الديون وهو كالابتياع بثمن مؤجل، فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلًا في الذمة وكون العوض الآخر مؤجلًا في الذمة؟ وقد قال تعالى:
﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وقال ابن عباس: أشهد أنَّ السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله وقرأ هذه الآية فإباحة هذا على وفق القياس لا على خلافه» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ من شروط بيع السلم معرفة مقدار المبيع، بالكيل إن كان مكيلًا، وبالوزن إن كان موزونًا، وشبيه ذلك العد إذا كان معدودًا، وإن كان مقداره يعرف بطوله حدد طوله بالذرع أو عن طريق مقاييس الطول المعروفة. وإنَّما خُصَ الكيل والوزن باعتبار الغالب. والله أعلم.
٣ - وفيه أنَّ من شروط السلم أن يكون إلى أجل معلوم.
[ ٨ / ٢٨٢ ]
٤ - واحتج به من قال أنَّه لا بد من الأجل في السلم، وأخذوا من ذلك المنع في السلم الحال لقوله: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٤):
«أحدها: أنَّه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلًا، ولا يصح السلم الحال.
قال أحمد، في رواية المروذي: لا يصح حتى يشترط الأجل. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي.
وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز السلم حالًا؛ لأنَّه عقد يصح مؤجلًا، فصح حالًا، كبيوع الأعيان، ولأنَّه إذا جاز مؤجلًا فحالًا أجوز، ومن الغرر أبعد» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي ذهب إليه الإمام الشافعي ﵀ وغيره هو الذي يظهر لي رجحانه، لكن بشرط أن يكون المبيع في ملكه، لما رواه أحمد (١٥٣٤٦، ١٥٣٤٧، ١٥٣٥٠، ١٥٦١١) أبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي (٤٦١٣)، وابن ماجة (٢١٨٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قُلْتُ: الصَّحِيْحُ فِي هَذَا الْحَدِيْثِ الانْقِطَاعُ بين يوسف بن مَاهَك وحكيم بن حزام، والواسطة بينهما عبد الله بن عصمة وهو مجهول الحال. لكن يشهد له ما
[ ٨ / ٢٨٣ ]
رواه أحمد (٦٦٧١)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦١١)، والترمذي (١٢٣٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
والشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ لم ينه عن السلم الحال مطلقًا، وإنَّما نهى ما ليس عند البائع، ومفهومه جواز ذلك إذا كان عنده.
وأمَّا ذكر الأجل في الحديث فالمراد به: إن كان إلى أجل فليكن معلومًا. ويشبهه في ذلك ذكر الكيل والوزن في الحديث، مع أنَّه ليس المراد من ذكرهما حصر السلم فيهما، ولكن المراد من ذكرهما أنَّه إذا باع ما يكال فليكن بكيل معلوم، وإذا باع ما يوزن فليكن بوزن معلوم، مع جواز السلم في غير المكيل والموزون كالمعدود، والمذروع مثلًا. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٧٦):
«ويصح السلم حالًا إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه وإلَّا فلا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١١ - ٨١٦) - عند كلامه على حديث حكيم بن حزام: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». -:
«ورأيت لشيخنا في هذا الحديث فصلًا مفيدًا وهذه سياقته.
قال: للناس في هذا الحديث أقوال:
[ ٨ / ٢٨٤ ]
قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير، فيبيعها، ثم يتملكها، ويسلمها إلى المشتري، والمعنى: لا تبع ما ليس عندك من الأعيان، ونقل هذا التفسير عن الشافعي، فإنَّه يجوز السلم الحال، وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه، فحمله على بيع الأعيان، ليكون بيع ما في الذمة غير داخل تحته سواء كان حالًا أو مؤجلًا.
وقال آخرون: هذا ضعيف جدًا، فإنَّ حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئًا معينًا هو ملك لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلب عبد فلان، ولا دار فلان، وإنَّما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب، فيقول: أريد طعامًا كذا وكذا، أو ثوبًا كذا وكذا، أو غير ذلك، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه منه، ثم يذهب، فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس، ولهذا قال: "يأتيني فيطلب مني المبيع ليس عندي" لم يقل يطلب مني ما هو مملوك لغيري، فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئًا معينًا، كما جرت به عادة الطالب لما يؤكل ويلبس ويركب، إنَّما يطلب جنس ذلك، ليس له غرض في ملك شخص بعينه دون ما سواه، مما هو مثله أو خير منه، ولهذا صار الإمام أحمد وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث بجواز السلم المؤجل، فبقي هذا في السلم الحال.
[ ٨ / ٢٨٥ ]
والقول الثالث - وهو أظهر الأقوال -: أنَّ الحديث لم يرد به النهي عن السلم المؤجل، ولا الحال مطلقًا، وإنَّما أريد به أن يبيع ما في الذمة مما ليس هو مملوكًا له، ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه، ويضمنه، ويقدر على تسليمه، فهو نهي عن السلم الحالي إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فليزم ذمته بشيء حال، ويربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه، وإذا ذهب يشتريه، فقد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع الغرر والمخاطرة، وإذا كان السلم حالًا، وجب عليه تسليمه في الحال، وليس بقادر على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه ويضمنه، وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئًا، بل أكل المال بالباطل، وعلى هذا فإذا كان السلم الحال والمسلم إليه قادرًا على الإعطاء، فهو جائز، وهو كما قال الشافعي إذا جاز المؤجل، فالحال أولى بالجواز.
ومما يبين أنَّ هذا مراد النَّبي ﷺ أنَّ السائل إنَّما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يجز بيع ذلك، فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع، وإذا كان إنَّما سأله عن بيع شيء في الذمة، فإنَّما سأله عن بيعه حالًا، فإنَّه قال: أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"، فلو كان السلف الحال لا يجوز مطلقًا، لقال له ابتداء: لا تبع هذا سواء كان عنده أو ليس عنده، فإنَّ صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة حالًا لا يجوز، ولو كان عنده ما يسلمه، بل إذا كان عنده، فإنَّه لا يبيع إلَّا معينًا لا يبيع شيئًا في الذمة، فلما لم ينه النَّبي ﷺ عن ذلك مطلقًا، بل قال: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"، علم
[ ٨ / ٢٨٦ ]
أنَّه ﷺ فرق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة.
ومن تدبر هذا تبين له أنَّ القول الثالث هو الصواب، فإن قيل: إن بيع المؤجل جائز للضرورة وهو بيع المفاليس، لأنَّ البائع احتاج أن يبيع إلى أجل، وليس عنده ما يبيعه الآن، فأمَّا الحال، فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة إلى بيع موصوف في الذمة، أو بيع عين غائبة موصوفة لا يبيع شيئًا مطلقًا؟.
قيل: لا نسلم أنَّ السلم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما من مصالح العالم.
والناس لهم في مبيع الغائب ثلاثة أقوال: منهم من يجوزه مطلقًا، ولا يجوزه معينًا موصوفًا كالشافعي في المشهور عنه، ومنهم من يجوزه معينًا موصوفًا، ولا يجوزه مطلقًا كأحمد وأبي حنيفة، والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف في الذمة، فالمعين الموصوف أولى بالجواز، فإنَّ المطلق فيه من الغرر والخطر والجهل أكثر مما في المعين، فإذا جاز بيع حنطة مطلقة بالصفة، فجواز بيعها معينة بالصفة أولى، بل لو جاز بيع المعين بالصفة، فللمشتري الخيار إذا رآه، جاز أيضًا، كما نقل عن الصحابة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وقد جوز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السلم الحال بلفظ البيع.
[ ٨ / ٢٨٧ ]
والتحقيق: أنَّه لا فرق بين لفظ ولفظ، فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها، ونفس بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضها يسمى سلفًا إذا عجل له الثمن، كما في "المسند" عن النَّبي ﷺ: "أنَّه نهى أن يسلم في الحائط بعينه إلَّا أن يكون قد بدا صلاحه"، فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط، جاز كما يجوز أن يقول: ابتعت عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه، فإذا عجل له الثمن قيل له: سلف، لأنَّ السلف هو الذي تقدم، والسالف المتقدم قال الله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٦] والعرب تسمي أول الرواحل السالفة، ومنه قول النبي ﷺ: "ألحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون". وقول الصديق ﵁: لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي. وهي العنق.
ولفظ السلف يتناول القرض والسلم، لأنَّ المقرض أيضًا أسلف القرض، أي: قدمه، ومنه هذا الحديث "لا يحل سلف وبيع" ومنه الحديث الآخر: "أنَّ النَّبي ﷺ استسلف بكرًا، وقضى جملًا رباعيًا" والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلَّا الربح، وهو تاجر، فيستلف بسعر، ثم يذهب فيشتري بمثل ذلك الثمن، فإنَّه يكون قد أتعب نفسه لغيره بلا فائدة، وإنَّما يفعل هذا من يتوكل لغيره فيقول: أعطني، فأنا أشتري لك هذه السلعة، فيكون أمينًا، أمَّا أنَّه يبيعها
[ ٨ / ٢٨٨ ]
بثمن معين يقبضه، ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال، فهدا لا يفعله عاقل، نعم إذا كان هناك تاجر، فقد يكون محتاجًا إلى الثمن، فيستسلفه وينتفع به مدة إلى أن يحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السلم المؤجل، وهو الذي يسمى بيع المفاليس، فإنَّه يكون محتاجًا إلى الثمن وهو مفلس، وليس عنده في الحال ما يبيعه، ولكن له ما ينتظره من مغل أو غيره، فيبيعه في الذمة، فهذا يفعل مع الحاجة، ولا يفعل بدونها إلَّا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال، أو يرى أنَّه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسلم، فإنَّ المستسلف يبيع السلعة في الحال بدون ما تساوي نقدًا، والمسلف يرى أن يشتريها إلى أجل بأرخص مما يكون عند حصولها، وإلَّا فلو علم أنَّها عند طرد الأصل تباع بمثل رأس مال السلم لم يسلم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة، وإذا قصد الأجر، أقرضه ذلك قرضًا، ولا يجعل ذلك سلمًا إلَّا إذا ظن أنَّه في الحال أرخص منه وقت حلول الأجل، فالسلم المؤجل في الغالب لا يكون إلَّا مع حاجة المستسلف إلى الثمن، وأمَّا الحال، فإن كان عنده، فقد يكون محتاجًا إلى الثمن، فيبيع ما عنده معينًا تارة، وموصوفًا أخرى، وأمَّا إذا لم يكن عنده، فإنَّه لا يفعله إلَّا إذا قصد التجارة والربح، فيبيعه بسعر، ويشتريه بأرخص منه.
ثم هذا الذي قدره قد يحصل كما قدره، وقد لا يحصل له تلك السلعة التي يسلف فيها إلَّا بثمن أغلى مما أسلف فيندم، وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك، قدم
[ ٨ / ٢٨٩ ]
السلف إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثمن، فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل، ندم البائع، وإن لم يحصل، ندم المشتري، وكذلك بيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح والمضامين، ونحو ذلك مما قد يحصل، وقد لا يحصل، فبائع ما ليس عنده من جنس بائع الغرر الذي قد يحصل، وقد لا يحصل وهو من جنس القمار والميسر.
والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك، والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل، فهذا الذي حرمه الله تعالى ورسوله مثل بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ومن هذا النوع يكون أحدهما قد قمر الآخر، وظلمه، ويتظلم أحدهما من الآخر بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة، ثم بعد هذا نقص سعرها، فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة، ولا يتظلم مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده من قسم القمار والميسر، لأنَّه قصد أن يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنَّه يبيعه، ثم يشتري من غيره، وأكثر الناس لو علموا ذلك لم يشتروا منه، بل يذهبون ويشترون من حيث اشترى هو، وليست هذه المخاطرة مخاطرة التجار بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، فإذا اشترى التاجر السلعة، وصارت عنده ملكًا وقبضًا، فحينئذ دخل في خطر التجارة، وباع بيع التجارة كما أحله الله بقوله: ﴿لَا
[ ٨ / ٢٩٠ ]
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ ٢٩]، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: واختلف المشترطون للأجل في بيع السلم عن أقله، فمنهم من حده بشهر، ومنهم بثلاثة أيام ومنهم بساعة، وليس لهذه التحديدات حجة ظاهرة، وأي أجل ذكره مما يوجد فيه المبيع ويقدر على تسليمه فإنَّه يصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٩):
«ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما قاربه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لو قدره بنصف يوم، جاز.
وقدره بعضهم بثلاثة أيام، وهو قول الأوزاعي؛ لأنَّها مدة يجوز فيها خيار الشرط، ولأنَّها آخر حد القلة، ويتعلق بها عندهم إباحة رخص السفر.
وقال الآخرون: إنَّما اعتبر التأجيل لأنَّ المسلم فيه معدوم في الأصل، لكون السلم إنَّما ثبت رخصة في حق المفاليس، فلا بد من الأجل ليحصل ويسلم؛ وهذا يتحقق بأقل مدة يتصور تحصيله فيها، ولنا أنَّ الأجل إنَّما اعتبر ليتحقق المرفق الذي شرع من أجله السلم، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن، ولا يصح اعتباره بمدة الخيار؛ لأنَّ الخيار يجوز ساعة، وهذا لا يجوز، والأجل يجوز أن يكون أعوامًا، وهم لا يجيزون الخيار أكثر من ثلاث، وكونها آخر حد القلة، لا يقتضي التقدير بها.
[ ٨ / ٢٩١ ]
وقولهم: إنَّ المقصود يحصل بأقل مدة. غير صحيح؛ فإنَّ السلم إنَّما يكون لحاجة المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها، ولا تحصل هذه في المدة اليسيرة» اهـ.
٥ - احتج به على جواز السلم في اللحم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٢):
«فصل: ويصح السلم في اللحم. وبه قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأنَّه يختلف.
ولنا، قول النبي ﷺ: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم".
وظاهره إباحة السلم في كل موزون. ولأننا قد بينا جواز السلم في الحيوان، فاللحم أولى» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز السلم فيه. والله أعلم.
٦ - وفيه ما يدل على جواز السلم في المعدوم عند العقد، ووجه الشاهد أنَّ من أسلف في الثمار سنة أو سنتين أو ثلاث فقد أسلم في معدوم عند العقد، والنبي ﷺ لم ينههم عن ذلك، وهذا مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة فذهب إلى أنَّه لا بد من وجود المسلم به عند العقد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥٣):
[ ٨ / ٢٩٢ ]
«فصل: ولا يشترط كون المسلم فيه موجودًا حال السلم، بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء، وفي كل معدوم إذا كان موجودًا في المحل. وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجودًا حال العقد إلى حين المحل؛ لأنَّ كل زمن يجوز أن يكون محلًا للمسلم فيه لموت المسلم إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحل ولنا، أنَّ النَّبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم".
ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطًا لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنَّه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنَّه يثبت في الذمة، ويوجد في محله غالبًا، فجاز السلم فيه، كالموجود، ولا نسلم أن الدين يحل بالموت، وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلًا، وها هنا لم يجعلاه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٥٢):
«والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم، لكن ضيقوا ما وسع الله، وشرطوا ما لم يشرطه، وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة.
[ ٨ / ٢٩٣ ]
أمَّا القياس فإنَّه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن، وأمَّا المصلحة فإنَّ في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلم الارتفاق من الجانبين، هذا يرتفق بتعجيل الثمن، وهذا يرتفق برخص الثمن، وهذا قد يكون في منقطع الجنس كما قد يكون في متصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد» اهـ.
٧ - وفيه تسليم رأس المال في مجلس العقد، وهو مأخوذ من معنى السلف، والسلم لغةً. فلو أجل الثمن فلا يصح السلم، ويصير من بيع الكالئ بالكالئ، ومعناه بيع الدين بالدين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥٧):
«مسألة: قال: "ويقبض الثمن كاملًا وقت السلم قبل التفرق" هذا الشرط السادس، وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة وأكثر، ما لم يكن ذلك شرطًا؛ لأنَّه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سلمًا، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥١٢):
[ ٨ / ٢٩٤ ]
«والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض وهذا كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالئ بكالئ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٦٤):
«ولهذا نهي عن بيع الكالئ بالكالئ؛ لأنَّه عقد وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين ولا لهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٥٢):
«فثبت أنَّ إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة، ولهذا سمي سلمًا لتسليم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه وكثرت المخاطرة ودخلت المعاملة في حد الغرر ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٣٦٤):
«ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو الدين المؤخر بالدين المؤخر، لأنَّه ذريعة إلى ربا النسيئة» اهـ.
قُلْتُ: وإن أخر بعض الثمن، فيبطل من السلم بمقدار ما لم يقبض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٤/ ٣):
[ ٨ / ٢٩٥ ]
«فلو تفرقا قبل قبضه بطل العقد، ولو تفرقا قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض وسقط بقسطه من المسلم فيه» اهـ.
٨ - وظاهر إطلاق الحديث جواز السلم ممن ليس له أصل يرجع إليه كالمزارع مثلًا، ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٢٥٤، ٢٢٥٥) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو بُرْدَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُمَا عَنِ السَّلَفِ، فَقَالَا: «كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّأْمِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى». قَالَ: قُلْتُ أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: «مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧):
«فهذا اختلاف من أبى بردة وعبد الله بن شداد في هذه المسألة وإنَّما كره السلم إلى من ليس عنده أصل من كرهه؛ لأنَّه جعله من باب الغرر، وأصل السلم أن يكون إلى من عنده مما يسلم فيه أصل، إلَّا أنَّه لما وردت السنة في السلم بالصفة المعلومة والكيل أو الوزن والأجل المعلوم كان ذلك عامًا فيمن عنده أصل وفيمن ليس عنده، وجماعة الفقهاء يجيزون السلم إلى من ليس عنده أصل، وحجتهم حديث عبد الله بن أبى أوفى، وهو نص فى ذلك» اهـ.
فائدة/ ذكر العلماء شروطًا لبيع السلم ومنها:
الشرط الأول: تسليم رأس المال في مجلس العقد. وقد سبق الكلام فيه قريبًا.
[ ٨ / ٢٩٦ ]
الشرط الثاني: العلم بالأجل إن كان مؤجلًا، وقد سبق الكلام فيه.
الشرط الثالث: معرفة قدر المسلم فيه، وقد سبق الكلام فيه.
الشرط الرابع: القدرة على التسليم عند وجوبه، ويعبر بعض العلماء عن هذا الشرط بقوله: أن يكون عام الوجود في محله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٤/ ١١):
«وهذا الشرط ليس من خواص السلم بل يعم كل بيع كما سبق وإنَّما تعتبر القدرة على التسليم عند وجوبه، وذلك في البيع والسلم الحال في الحال وفي السلم المؤجل عند المحل، فلو أسلم في منقطع لدى المحل كالرطب في الشتاء أو فيما يعز وجوده كالصيد حيث يعز لم يصح.
فلو غلب على الظن وجوده لكن لا يحصله إلَّا بمشقة عظيمة كالقدر الكثير في الباكورة فوجهان:
أقربهما إلى كلام الأكثرين البطلان» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥١):
«مسألة؛ قال: "موجودًا عند محله" هذا الشرط الخامس، وهو كون المسلم فيه عام الوجود في محله، ولا نعلم فيه خلافًا.
وذلك لأنَّه إذا كان كذلك، أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه.
[ ٨ / ٢٩٧ ]
وإذا لم يكن عام الوجود، لم يكن موجودًا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق، بل أولى؛ فإنَّ السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر، لئلا يكثر الغرر فيه، فلا يجوز أن يسلم في العنب والرطب إلى شباط أو آذار، ولا إلى محل لا يعلم وجوده فيه، كزمان أول العنب أو آخره الذي لا يوجد فيه إلَّا نادرًا، فلا يؤمن انقطاعه» اهـ.
الشرط الخامس: أن يكون فيما ينضبط بالوصف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٣ - ١٤):
«وجملة ذلك، أنَّ السلم، لا يصح إلَّا بشروط ستة:
أحدها، أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا، فيصح في الحبوب والثمار، والدقيق، والثياب، والإبريسم، والقطن، والكتان، والصوف، والشعر، والكاغد، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والأدوية، والطيب، والخلول، والأدهان، والشحوم، والألبان، والزئبق، والشب، والكبريت، والكحل، وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، وقد جاء الحديث في الثمار، وحديث ابن أبي أوفى في الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت.
وأجمع أهل العلم على أنَّ السلم في الطعام جائز، قاله ابن المنذر.
وأجمعوا على جواز السلم في الثياب.
[ ٨ / ٢٩٨ ]
ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة، كالجوهر من اللؤلؤ، والياقوت، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، والبلور؛ لأنَّ أثمانها تختلف اختلافًا متباينًا بالصغر، والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، وصفائها، ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور، ونحوه؛ لأنَّ ذلك يختلف؛ ولا بشيء معين، لأنَّ ذلك يتلف.
وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
وحكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئًا معلومًا وإن كان وزنًا، فبوزن معروف.
والذي قلناه أولى؛ لما ذكرنا.
ولا يصح فيما يجمع أخلاطًا مقصودة غير متميزة، كالغالية، والند، والمعاجين التي يتداوى بها؛ للجهل بها، ولا في الحوامل من الحيوان؛ لأنَّ الولد مجهول غير متحقق، ولا في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ لأنَّ الصفة لا تأتي عليه.
وفيه وجه آخر، أنَّه يصح السلم فيه إذا ضبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه وأسفله؛ لأنَّ التفاوت في ذلك يسير، ولا يصح في القسي المشتملة على الخشب، والقرن، والعضب، والتوز، إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك، وتمييز ما فيه منها.
وقيل: يجوز السلم فيها، والأولى ما ذكرنا.
قال القاضي: والذي يجمع أخلاطًا على أربعة أضرب؛ أحدها، مختلط مقصود متميز، كالثياب المنسوجة من قطن وكتان، أو قطن وإبريسم، فيصح السلم فيها،
[ ٨ / ٢٩٩ ]
لأنَّ ضبطها ممكن الثاني، ما خلطه لمصلحته، وليس بمقصود في نفسه، كالإنفحة في الجبن، والملح في العجين والخبز، والماء في خل التمر والزبيب، فيصح السلم فيه؛ لأنَّه يسير لمصلحته.
الثالث، أخلاط مقصودة غير متميزة، كالغالية والند والمعاجين، فلا يصح السلم فيها؛ لأنَّ الصفة لا تأتي عليها.
الرابع، ما خلطه غير مقصود، ولا مصلحة فيه كاللبن المشوب بالماء، فلا يصح السلم فيه» اهـ.
الشرط السادس: أن يضبط بالوصف المؤثر في قيمة السلعة. وأمَّا الوصف الذي يختلف فيه الغرض ولا يؤثر في القيمة كاللون الذي لا يؤثر في القيمة مثلًا فلا يشترط ذكره فيصح السلم وإن لم يذكر على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٣):
«الشرط الثاني، أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرًا فإنَّ المسلم فيه عوض في الذمة، فلا بد من كونه معلومًا بالوصف كالثمن، ولأنَّ العلم شرط في المبيع، وطريقه إمَّا الرؤية وإمَّا الوصف.
والرؤية ممتنعة هاهنا، فتعين الوصف.
والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف؛ الجنس، والنوع، والجودة والرداءة. فهذه لا بد منها في كل مسلم فيه.
[ ٨ / ٣٠٠ ]
ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في اشتراطها. وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
الضرب الثاني، ما يختلف الثمن باختلافه مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف، وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، ونذكرها عند ذكره. وذكرها شرط في السلم عند إمامنا والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة لأنَّها تشتمل على ما وراءها من الصفات.
ولنا، أنَّه يبقى من الأوصاف، من اللون والبلد ونحوهما، ما يختلف الثمن والغرض لأجله، فوجب، ذكره، كالنوع.
ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأنَّ ذلك يتعذر، وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها ظاهرًا.
ولو استقصى الصفات حتى انتهى إلى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف، بطل السلم؛ لأنَّ من شرط السلم أن يكون المسلم فيه عام الوجود عند المحل، واستقصاء الصفات يمنع منه» اهـ.
الشرط السابع: أن يكون في موصوف في الذمة، فلا يصح أن يكون في معين.
الشرط الثامن: أن لا يكون مما يجري فيه ربا النسيئة بين الثمن وبين والمثمن.
[ ٨ / ٣٠١ ]