١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ".
١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الْغُلَيِّمُ"، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ
[ ٢ / ٨٤ ]
ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» اهـ.
وقال ﵀: «باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء.
٦٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ فَجَاءَ فَقَالَ دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ"» اهـ.
وقال ﵀: «باب السمر مع الضيف والأهل.
٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ، أَوْ سَادِسٌ"، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ قَالَ فَهْوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي فَلَا أَدْرِي قَالَ وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ، أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ- قَالَ أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا قَالَ فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ
[ ٢ / ٨٥ ]
أَبَدًا وَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ: لَاِمْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا قَالَتْ لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ» اهـ.
وروى أحمد (١٧٥) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مَرْوَانَ، أَنَّهُ أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: «جِئْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَتَرَكْتُ بِهَا رَجُلًا يُمْلِي الْمَصَاحِفَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، فَغَضِبَ وَانْتَفَخَ حَتَّى كَادَ يَمْلأُ مَا بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ، فَقَالَ: وَمَنْ هُوَ وَيْحَكَ، قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَمَا زَالَ يُطْفَأُ وَيُسَرَّى عَنْهُ الْغَضَبُ حَتَّى عَادَ إِلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ هُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَزَالُ يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ اللَّيْلَةَ كَذَاكَ فِي الأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ سَمَرَ عِنْدَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَأَنَا مَعَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ، فَلَمَّا كِدْنَا أَنْ نَعْرِفَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" قَالَ:
[ ٢ / ٨٦ ]
ثُمَّ جَلَسَ الرَّجُلُ يَدْعُو، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: "سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ"، قَالَ عُمَرُ قُلْتُ: وَاللَّهِ لأَغْدُوَنَّ إِلَيْهِ فَلأُبَشِّرَنَّهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ لأُبَشِّرَهُ، فَوَجَدْتُ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ فَبَشَّرَهُ، وَلا وَاللَّهِ مَا سَبَقْتُهُ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلاَّ سَبَقَنِي إِلَيْهِ» اهـ.
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه الترمذي (١٦٩) مختصرًا من طريق أبي معاوية مقتصرًا على ذكر السمر.
٧ - قوله في الحديث: «الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ» بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق والعتمة من الليل بعد غيبوبة الشفق وقد أعتم الليل أي أظلم وأصلها مأخوذ من عَتَمَة الإبل، وأهل البادية يريحون نعمهم بعيد المغرب وينيخونها في مراحها ساعة يستفيقونها فإذا أفاقت وذلك بعد مر قطعة من الليل أثاروها وحلبوها وتلك الساعة التي تحبس فيها الإبل تسمى عتمة يقال عَتَّمَ: إذا احْتَبَسَ عن فعل الشيء يُريدُه، وفيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك.
وروى مسلم (٦٤٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ».
وعنده (٦٤٤) أيضًا بلفظ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ».
ويدل على مشروعية تسميتها بذلك في بعض الأوقات لا على سبيل الغالب ما رواه البخاري (٦١٥)، ومسلم (٩٨٠) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله
[ ٢ / ٨٧ ]
عليه وسلم قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩): «وسلكت طائفة مسلكًا آخر، فقالت: النهي صريح، لا يمكن فيه رواية بالمعنى وأمَّا حديث "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة" فيجوز أن يكون تغييرًا من الراوي عنها باسم العتمة، ولم يعلم بالنهي، فرواه بمعناه، وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى حديث النهي. وقالت طائفة: النهي إنَّما هو من غلبة الأعراب على اسم العشاء بحيث يهجر بالكلية، كما دل عليه قوله:
"لا يغلبنكم" فأمَّا إذا سميت بالعشاء تسمية غالبة على العتمة: لم يمتنع أن يسمى بالعتمة أحيانًا، وهذا أظهر الأقوال» اهـ.
قلت: وقد جاء نحو ذلك في صلاة المغرب فروى البخاري (٥٦٣) عن عبد الله بن مغفل المزني
أنَّ النبي ﷺ قال: «لَاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ قَالَ الأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعليل كراهة ذلك كما في [شرح العمدة] (٤/ ١٦٨):
«ولأنَّ تسميتها بالعشاء دائمًا يشعر بتأخيرها بخلاف تسميتها بالمغرب فإنَّه يشعر بفعلها عند الغروب» اهـ.
[ ٢ / ٨٨ ]
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٣): «سر النهى عن موافقتهم على ذلك أنَّ لفظ العشاء لغة هو أول ظلام الليل وذلك من غيبوبة الشفق فلو قيل للمغرب عشاء لأدى إلى أن أول وقتها غيبوبة الشفق» اهـ.
٨ - لا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث عائشة الذي مضى: «لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ». لأنَّه إخبار عن رؤية الرجل لجليسه، وهذا إخبار منها عن رؤية النساء من البعد. وقد سبق بيان ذلك عند كلامنا على حديث عائشة.
٩ - قراءة النبي ﷺ في صلاة الفجر بالستين إلى المائة آية مع انصرافه منها وقد عرف الرجل جليسه يدل على شدة التغليس بها، لا سيما أنَّ قراءة النبي ﷺ مرتلة، ومسترسلة.
ويشكل على هذا ما رواه أحمد (١٦٢٩١)، وأبو داود (٢٣٤٨)، والترمذي (٧٠٥)
من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْيَمَامَةِ».
ورواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢/ ٥٤) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ السُّحَيْمِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ به.
[ ٢ / ٨٩ ]
قلت: وإذا كان الفجر يدخل بخول الأحمر فلازم ذلك ابتداء الصلاة في وقت الإسفار.
وفي إسناد هذا الحديث قيس بن طلق مختلف فيه ولا يعتمد عليه في السنن الغريبة، وذلك أنَّ الله تعالى ذكر الخيط الأبيض فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وروى البخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، ﵁، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ"».
قلت: وهنالك من تأول الأحمر بالأبيض.
قال في [عون المعبود] (٦/ ٣٣٩):
«فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ أَيِ الْأَبْيَضُ وَهُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ يَعْنِي الصُّبْحُ الصَّادِقُ» اهـ.
وقال العلامة عبد المحسن العباد وفقه الله في [شرح سنن أبي داود] (٢٧١/ ١٥):
«وقوله: "حتى يعترض" يعني: حتى يعترض لكم الأحمر في الأفق، والأحمر هو الفجر الصادق، وقيل له: أحمر لأنَّه أول ما يخرج يكون فيه لون ليس بواضح
[ ٢ / ٩٠ ]
من حيث البياض والخفاء، وقيل: إنَّ الأحمر يراد به الأبيض، وقيل: إنَّ الأحمر يطلق على الأبيض.
يقال: الأسود والأحمر يعني الأسود والأبيض» اهـ.
وقال العلامة الأزهري ﵀ في [تهذيب اللغة] (٥/ ٣٧):
«وَقَالَ شمر حَدثنِي السمريُّ عَنْ أبي مسحل أَنه قَالَ فِي قَوْله: "بُعِثْتُ إِلَى الأَسْودِ والأَحْمَرِ" يُرِيد بالأسودِ الجِن، وبالأحْمَرِ الإِنَسَ، سمي الإنسُ بالأَحْمَرِ للدَّمِ الَّذِي فيهم، وَالله أعلم، وروى عَمْرو عَنْ أَبِيه أَنه قَالَ فِي قَوْله: "بعثت إِلَى الأحْمر وَالْأسود" مَعْنَاهُ بُعِثْتُ إِلَى الأَسودِ والأبْيَض. قَالَ: وامْرأَةٌ حَمْرَاء أَي بَيْضاءُ، وَمِنْه قَول النَّبِي لعَائِشَة "يَا حُمَيْراءُ"» اهـ.
وقال (٦/ ٤٠): «وَكَانَت العربُ تُسمِّي العَجَم: الْحَمْرَاء ورقابَ المَزاوِد؛ لِغلبة الْبيَاض على ألوانهم، وَيَقُولُونَ لمن علا لونَه البياضُ أحمَر، وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ لعَائِشَة: يَا حُميراء؛ لغَلَبة الْبيَاض على لَوْنها. وَقَالَ ج: "بُعثْتُ إِلَى الأسْود والأحْمَر"، فاسوَدهم: الْعَرَب، وأحمرهم: الْعَجم» اهـ.
فائدة روى البخاري (٧٧١) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ».
[ ٢ / ٩١ ]
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٤٠): «وأمَّا هذه الرواية التي فيها التردد بين القراءة في الركعتين، أو أحداهما ما بين الستين إلى المائة، فتفرد بها البخاري، وهذا الشك من سيار.
وخرجه الإمام أحمد، عن حجاج، عن شعبة، وفي حديثه: وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة. قالَ سيار: لا أدري أفي إحدى الركعتين أو كلتيهما.
والظاهر - والله أعلم -: أنَّه كانَ يقرأ بالستين إلى المائة في الركعتين كلتيهما؛ فإنَّه كانَ ينصرف حين يعرف الرجل جليسه، ولو كانَ يقرأ في كل ركعة بمائة آية لم ينصرف حتى يقارب طلوع الشمس» اهـ.
١٠ - قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ١٣٧ - ١٣٨): «وكان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بالستين إلى المائة وكان الصديق يقرأ فيها بالبقرة وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور لأنَّ القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله الذي فيه الخير كله بحذافيره صادفه خاليًا من الشواغل فتمكن فيه من غير مزاحم، وأمَّا النهار فلما كان بضد ذلك كانت قراءة صلاته سرية إلَّا إذا عارض في ذلك معارض أرجح منه كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف فإنَّ الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في التحصيل المقصود وأنفع للجمع وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة والله أعلم» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٩٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٩ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ».
فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَصْرِ، حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أَوْ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - مَلأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، أَوْ حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا "».
قوله: «قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ». اليوم يطلق على الزمان من بين طلوع الشمس وغروبها، ويطلق ويراد به مطلق الزمان ولو كان أيامًا، وهو المراد هنا فإنَّ الخندق كان أيامًا فيوم الخندق هو زمان الخندق.
وسمي يوم الخندق بذلك من أجل الخندق الذي حفر حول المدينة لحمايتها، والخندق فارسي معرب.
وكان الخندق في شوال سنة أربع بعد الهجرة على المشهور، وقيل خمس وهو الأصح.
قال العلامة النووي ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٢٤٠ - ٢٤١):
«فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ.
[ ٢ / ٩٤ ]
وَكَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي شَوَّالٍ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَوَاعَدَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَهُوَ سَنَةُ أَرْبَعٍ، ثُمَّ أَخْلَفُوهُ لِأَجْلِ جَدْبِ تِلْكَ السّنَةِ، فَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جَاءُوا لِحَرْبِهِ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي.
وَخَالَفَهُمْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَقَالَ بَلْ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَهُ.
قَالَ: فَصَحّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهُ لَمَّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَأَجَازَهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيهَا مُطِيقًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَنْفِي تَجَاوُزَهَا بِسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي أَوَّلِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي آخِرِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ» اهـ.
قلت: ويقال لهذا اليوم أيضًا يوم الأحزاب لاجتماع أحزاب المشركين من أجل قتال المسلمين.
قوله: «الصَّلاةِ الْوُسْطَى». قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٢٣٦):
[ ٢ / ٩٥ ]
«الوسطى فعلى واختلفوا هل هو فعلى من العدد المتوسط، وهو مساو في البعد لكل واحد من الطرفين أي إنَّ هذه الصلاة متوسطة في العدد بين شيء قبلها وشيء بعدها أو من الوسط، وهو الفاضل ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فالمراد بكونها وسطى أي فضلى قولان مشهوران» اهـ.
وقال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [زاد المسير] (١/ ٢١٥ - ٢١٦):
«وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها أوسط الصلوات محلًا.
والثاني: أوسطها مقدارًا.
والثالث: أفضلها، ووسط الشيء: خيره وأعدله. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فان قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى، جاز أن يدّعي هذا كل ذي مذهب فيها.
وإن قلنا: إنَّها أوسطها مقدارًا، فهي المغرب، لأنَّ أقل المفروضات ركعتان، وأكثرها أربعًا.
وإن قلنا: أوسطها محلًا، فللقائلين: إنَّها العصر أن يقولوا: قبلها صلاتان في النهار، وبعدها صلاتان في الليل، فهي الوسطى.
ومن قال: هي الفجر، فقال عكرمة: هي وسط بين الليل والنهار، وكذلك قال ابن الأنباري: هي وسط بين الليل والنهار، وقال: وسمعت أبا العباس يعني، ثعلبًا يقول: النهار عند العرب أوله: طلوع الشمس.
[ ٢ / ٩٦ ]
قال ابن الأنباري: فعلى هذا صلاة الصبح من صلاة الليل، قال: وقال آخرون: بل هي من صلاة النهار، لأنَّ أول وقتها أول وقت الصوم. قال: والصواب عندنا أن نقول: الليل المحض خاتمته طلوع الفجر، والنهار المحض أوله: طلوع الشمس، والذي بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس يجوز أن يسمى نهارًا، ويجوز أن يسمى ليلًا، لما يوجد فيه من الظلمة والضوء، فهذا قول يصح به المذهبان.
قال ابن الأنباري: ومن قال: هي الظهر، قال: هي وسط النهار، فأمَّا من قال: هي المغرب، فاحتج بأن أول صلاة فرضت، الظهر، فصارت المغرب وسطى، ومن قال: هي العشاء، فإنَّه يقول: هي بين صلاتين لا تقصران» اهـ.
قلت: وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ الانشغال حصل عن أكثر من صلاة.
فروى النسائي (٦٥٦)، والترمذي (١٦٤) من طريق هَنَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
«إِنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العِشَاءَ».
قلت: هذا حديث ضعيف بهذا الإسناد وأما المتن فثابت كما سيأتي.
قال العلامة الترمذي ﵀:
«عبد الله ليس بإسناده بأس إلَّا أنَّ أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله».
[ ٢ / ٩٧ ]
قلت: وفيه أيضًا عنعنة هشيم، وأبي الزبير. لكن قد وقع تصريح هشيم بالتحديث عند ابن أبي شيبة في [مسنده] (٣٠٩)، وأبي يعلى (٥٣٥١)، والبيهقي في [الكبرى] (١/ ٤٠٣).
وروى أحمد (١١٢١٤، ١١١٨٩)، النسائي (٦٥٥) من طريق يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «شَغَلَنَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ
قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا فَأَقَامَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا».
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١/ ٥١٩/ ٨/ ٤٢٨، ٥٠٠)، وأبو يعلى (١٢٩٦) من طريق يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
«حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، حَتَّى كُفِينَا ذَلِكَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾».
[ ٢ / ٩٨ ]
قلت: هذا حديث صحيح، وقد رواه البيهقي في [دلائل النبوة] (١٣٢٨) من طريق إسحاق بن سليمان الرازي عن ابن أبي ذئب به.
وروى مالك في [الموطأ] (٣٩٧) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ؟ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ».
قلت: هذا حديث مرسل من مراسيل ابن المسيب، ومراسيله جياد ويتقوى بما سبق.
قلت: ويجمع بين هذه الأدلة وبين ما سبق بأنَّ الخندق كان أيامًا فحصل هذا وهذا، والله أعلم.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٠١):
«وقوله: "حتى اصفرت الشمس" قد يتوهم منه مخالفة لما في الحديث الأول من صلاتها بين المغرب والعشاء وليس كذلك بل الحبس انتهى إلى هذا الوقت ولم تقع الصلاة إلَّا بعد المغرب كما في الحديث الأول وقد يكون ذلك الاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها فما فعله رسول الله ﷺ مقتض لجواز التأخير إلى ما بعد الغروب» اهـ.
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ١٦٩):
«وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ وَقْعَةَ الْخَنْدَقِ بَقِيَتْ أَيَّامًا فَأَخَّرَ فِي بَعْضِهَا الصَّلَاةَ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ وَفِي بَعْضِهَا إلَى الْغُرُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ رَاوِيَ التَّأْخِيرِ إلَى الْغُرُوبِ غَيْرُ رَاوِي التَّأْخِيرِ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» اهـ.
[ ٢ / ٩٩ ]
قلت: حديث ابن ماجه رواه (٦٨٦) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا"».
ورواية مسلم (٦٢٨) قال فيها: وحَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَامِيُّ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
«حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ اصْفَرَّتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا أَوْ قَالَ حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا"».
قلت: حديث ابن ماجه أصح، وذلك أنَّ عون بن سلام وإن كان من الثقات لكنه دون ابن مهدي، ويزيد بن هارون بمراحل.
وفي الحديثين مسائل منها:
١ - جواز الدعاء على الكافرين.
٢ - أنَّ الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وبهذا قال أكثر السلف.
قلت: وصلاة العصر وسطى بمعنى فضلى، وهي متوسطة أيضًا من حيث العدد، فإنَّ أول صلاة في اليوم والليلة هي صلاة الفجر، وآخرها صلاة العشاء، وصلاة العصر هي الوسطى من حيث العدد. والله أعلم.
وقال مالك والشافعي الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٥): «قال الإمام أحمد: تواطأت الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه أنَّ صلاة العصر هي الصلاة الوسطى. وقال أيضًا أكثر الأحاديث على صلاة العصر وخرج فيها نحوًا من مائة وعشرين حديثًا» اهـ.
وقال أيضًا ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٠٦): «فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي ﷺ "أنَّ الصلاة الوسطى هي العصر" وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة. ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم. وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة. فإنَّهم تكلموا بحسب اجتهادهم» اهـ.
قلت: وقد جمع الحافظ الدمياطي في ذلك كتابا سماه "كشف المغطى عن الصلاة الوسطى" وذكر فيها تسعة عشرة قولًا. وأوصلها الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري" إلى عشرين قولًا.
قلت: ومما يحتج على أنَّها العصر بما رواه مسلم (٦٣٠) عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ﴾ فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾
فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٦): «وهذا يدل على أنَّها العصر لأنَّ تخصيصها بالأمر بالمحافظة متيقن بالقراءة الأولى وتبديل
[ ٢ / ١٠١ ]
اللفظ لا يوجب المعنى إذا أمكن أن يكون معنى اللفظين واحد فلا يزول اليقين بالشك» اهـ.
قلت: ومما احتج به من قال أنَّها ليست العصر ما رواه مسلم (٦٢٩) عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ:
«أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قَالَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قالوا: هذا يقتضي أن يكون غيرها لأنَّ المعطوف غير المعطوف عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٧): «قلنا العطف قد يكون للتغاير في الذوات وقد يكون للتغاير في الأسماء والصفات كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ وهو سبحانه واحد وإنَّما تعددت أسماؤه وصفاته فيكون العطف في هذه القراءة لوصفها بشيئين بأنَّها وسطى وبأنَّها هي العصر وهذا أجود من قول طائفة من أصحابنا أنَّ الواو تكون زائدة فإنَّ ذلك لا أصل له في اللغة عند أهل البصرة وغيرهم من النحاة وإنَّما جوزه بعض أهل الكوفة وما احتج به لا حجة فيه على شيء من ذلك» اهـ.
٣ - ذهب مكحول إلى تأخير صلاة الخوف إذا لم يمكن أداؤها مع الخوف إلى وقت الأمن على ظاهر هذا الحديث، وهو مذهب الأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو
[ ٢ / ١٠٢ ]
ظاهر اختيار البخاري، وذهب إليه أحمد في رواية، وخالف في ذلك الجمهور ورأوا أنَّ هذا كان قبل شرعية صلاة الخوف. ويؤيد هذا قول أبي سعيد السابق:
«قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ».
قلت: وهناك جواب آخر وهو أنَّ التأخير كان عن طريق النسيان لشدة الانشغال بأمور الحرب.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ١١٧): «لم يثبت أنَّ تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزًا بعد بيان المواقيت ولا دليل على ذلك إلَّا قصة الخندق فإنَّها هي التي استدل بها من قال ذلك ولا حجة فيها لأنَّه ليس فيها بيان أنَّ التأخير من النبي ﷺ كان عن عمد بل لعله كان نسيانًا وفي القصة ما يشعر بذلك فإنَّ عمر لما قال له: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. قال رسول الله ﷺ: "والله ما صليتها" ثم قام فصلاها وهذا مشعر بأنَّه ﷺ كان ناسيًا بما هو فيه من الشغل والاهتمام بأمر العدو المحيط به وعلى هذا يكون قد أخرها بعذر النسيان كما أخرها بعذر النوم في سفره وصلاها بعد استيقاظه وبعد ذكره لتتأسى أمته به» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٩): «وعن أحمد رواية أخرى أنَّه يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير، ومذهب أبي حنيفة يشتغل بالقتال ويصلي بعد الوقت» اهـ.
[ ٢ / ١٠٣ ]
قلت: وقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٤٥١٤) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ»، قَالَ: «فَلَمْ أُصَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ وَمَا سَرَّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا جَمِيعًا».
قلت: إسناده صحيح.
وقد رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في «باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو».
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٢/ ٣٩٩): «ولكن يشكل على هذا ما حكاه البخاري ﵀، في صحيحه، حيث قال: "باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو" قال الأوزاعي: إن كان تَهَيَّأ الفتحُ ولم يقدروا على الصلاة، صَلُّوا إيماء، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين. فإن لم يقدروا صَلُّوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تُسْتر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصَلِّ إلاَّ بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، فَفُتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.
انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم ألَّا يصلوا العصر إلَّا في بني قريظة، وكأنَّه كالمختار لذلك، والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٤ ]
ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنَّه يشتهر غالبًا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنَّه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة، والله أعلم» اهـ.
قلت: وهذا أولى من دعوى النصح، والله أعلم.
٤ - استدل به بعض العلماء على أنَّ الوتر ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لكانت الصلوات ستًا فلا تكون واحدة منهن وسطًا، وهو مبني على أنَّ الوسطى هنا باعتبار العدد.
٥ - قوله: «ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» أي بين وقت المغرب والعشاء لا أنَّه صلاها بعد صلاة المغرب كما زعم ذلك بعض علماء الشافعية، وأخذوا من ذلك عدم وجوب الترتيب بين الفوائت.
والدليل على صحة ما ذكرته ما رواه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ:
«أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ».
قلت: جمهور العلماء على وجوب الترتيب بين الفوائت في الجملة غير أنَّ الإمام مالك وأبا حنيفة لا يوجبان ذلك فيما زاد على صلاة اليوم والليلة كست صلوات، وأمَّا الشافعي فلا يوجب الترتيب بين الفوائت.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ومثل ذلك الترتيب بين الفائتة والحاضرة.
وقد تنازع العلماء فيمن ذكر الفائتة عند قيامه لأداء الحاضرة فمنهم من قال يبدأ بالفائتة وإن فاتت الحاضرة كمذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال بل يبدأ بالحاضرة ولا يفوتها كما هو مذهب الجمهور وهو الصحيح.
وتنازعوا بعد ذلك هل يعيد الفائتة من أجل الترتيب فالشافعي وأحمد في رواية لا يوجبون الإعادة، وينقل عن ابن عباس، وغيرهم يرى الإعادة كمالك، وأحمد في المشهور عنه، وينقل عن ابن عمر، والصحيح عدم الإعادة.
وهكذا تنازعوا فيمن ذكر الفائتة في أثناء الحاضرة، وحكمها كحكم من ذكرها قبل الشروع فيها، والأكثر يرون فعل الفائتة بعدها ثم إعادة الحاضرة، ومذهب الشافعي وأحمد في رواية عدم الإعادة وهو الصحيح.
وأمَّا ما رواه أبو يعلى في [معجمه] (١١٠) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ».
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٣١٩٣) من طريق الترجماني به.
قال الشيخ العلامة مقبل الوادعي ﵀ في [الصحيح المسند] (٧٧٦):
«هذا حديث حسن» اهـ.
قلت: بل هو حديث معل، والصحيح فيه الوقف.
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (٢/ ١٧١ - ١٧٣):
[ ٢ / ١٠٦ ]
«وسألتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ إسماعيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّام التَّرْجُماني،
عَنْ سَعِيدِ بن عبد الرحمن الجُمَحي، عن عُبَيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلاَّ وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَلْيُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى مَعَ الإِمَامِ".
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا خطأٌ؛ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفٌ؛ وهو الصَّحيحُ. وأُخبِرْتُ: أنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ انتَخَبَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فلمَّا بلَغَ هَذَا الحديثَ جاوزَهُ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ لا تكتُبُ هَذَا الحديثَ؟ فَقَالَ يَحْيَى: فَعَلَ اللهُ بِي إنْ كتبتُ هَذَا الحديثَ» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ٢٤):
«يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ عنه؛
فرواه إبراهيم الترجماني، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله كذلك مرفوعًا، ووهم في رفعه.
والصحيح، موقوفًا من قول ابن عمر.
كذلك رواه عبيد الله، ومالك، عن نافع، عن ابن عمر، قوله» اهـ.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٣/ ١٤٠):
«وَقَدْ أَسْنَدَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
[ ٢ / ١٠٧ ]
"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلَمْ يَذْكُرْهَا، إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ، فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مَنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ"
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ جِهَتِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ» اهـ.
وقال ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٣١٣):
«تَفَرَّدَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَهَذَا رَوَاهُ غَيْرُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ» اهـ.
وقال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٤/ ٤٥٥):
«وهذا لا أعلم أحدًا رفعه عن عُبَيد اللَّه غير سَعِيد بْن عَبد الرَّحْمَن ويروي عن مالك عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من طريق واحد، وَهو موقوف عن مالك أَيضًا لقن البغداديين بهلول الأنباري عن مُحَمد بْن عَمْرو بْن حبان عن عثمان بْن سَعِيد الحمصي عن مالك عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر فلقنوه عن النَّبِيّ ﷺ، وَهو موقوف» اهـ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ- ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٠٦):
«عَنْ رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ: فَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْمَغْرِبَ قَدْ أُقِيمَتْ فَهَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ:
[ ٢ / ١٠٨ ]
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ هَلْ يُعِيدُ الْمَغْرِبَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي أَصَحُّ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ إذَا اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وهذه المسألة فيما يظهر لا تنبني على مسألة اختلاف نية المأموم والمؤتم في الفرض كمن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر ونحو ذلك فإنَّ الصحيح في ذلك الصحة وفيها نزاع بين الأئمة ومذهب الشافعي الصحة وهي رواية عن أحمد، ومذهب مالك وأبي حنيفة المنع وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
وفي مسألتنا لم نقل لمن فاتته العصر وأقيمت المغرب أنَّه يدخل مع الإمام بنية العصر حتى لا تفوت عليه الجماعة الراتبة للمغرب. والله أعلم.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨):
«قَوْلُهُ "وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ"، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحُ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا يَصِحُّ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ فِي "الْفُرُوعِ" بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ يَصِحُّ وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَهَذَا فَرْعٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ، وَقَدْ مَضَى
[ ٢ / ١٠٩ ]
ذِكْرُهَا. انْتَهَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالنَّظْمِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ.
فَائِدَةٌ:
عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالرِّوَايَتَانِ فِي ظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ، وَنَحْوُهَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَشَمَلَ كَلَامُهُ ائْتِمَامَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ وَعَكْسَهُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي رُبَاعِيَّةً تَامَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً، وَعَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَتَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ أَيْضًا جَارٍ هُنَا كَالْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَ الطَّرِيقَتَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصِّحَّةَ هُنَا قَالَ الْمَجْدُ: صَحَّ عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ.
[ ٢ / ١١٠ ]
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْأَخِيرُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَاهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُتِمُّ وَقِيلَ: أَوْ يَنْتَظِرُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ انْتِظَارِ الْإِمَامِ وَالْمُفَارَقَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَلْ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي: إنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ يُتِمُّ هُوَ لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ، أَوْ يَصْبِرُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا احْتِمَالٌ، وَقِيلَ: وَجْهٌ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٤٧):
«وَلَوْ نَوَى الصُّبْحَ خَلْفَ مُصَلِّي الظُّهْرِ وَتَمَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَفْرَغَ الْإِمَامُ وَيُسَلِّمَ مَعَهُ وَهَذَا أَفْضَلُ وَإِنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَسَلَّمَ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ هُنَا بِالْمُفَارَقَةِ بِلَا خِلَافٍ لِتَعَذُّرِ الْمُتَابَعَةِ وَكَذَا فِيمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الصُّوَرِ وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ
ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِي الْمُفَارَقَةَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْمُفَارِقِ وعن أحمد روايتان كالقولين» اهـ.
قلت: وقد بنى الحافظ ابن رجب ﵀ المسألة التي تكلم فيها شيخ الإسلام على مسألة اختلاف العلماء فيمن صلى فرضًا خلف مصلي لفرض آخر فقال ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٦٤ - ٦٥):
[ ٢ / ١١١ ]
«فأمَّا إن أقيمت الصلاة وعليه فائتة، فمن قَالَ: لا يجب الترتيب بَيْن الفائته والحاضرة، فإنَّه يرى أن يصلي مَعَ الإمام فريضة الوقت الَّتِيْ يصليها الإمام، ثُمَّ يقضي الفائتة بعدها.
وأمَّا من أوجب الترتيب، فاختلفوا:
فمنهم من أسقط الترتيب فِي هَذَا الحال لخشية فوات الجماعة؛ فإنَّها واجبة عندنا، والنصوص بإيجاب الجماعة آكد من النصوص فِي الترتيب، وحكي هَذَا رِوَايَة عَنْ أحمد، ورجحها بعض المتأخرين من أصحابنا.
والمنصوص عَنْ أحمد: أَنَّهُ يصلي مَعَ الإمام الحاضرة، ثُمَّ يقضي الفائتة، ثُمَّ يعيد الحاضرة؛ فإنَّه يحصل لَهُ بعد ذَلِكَ الترتيب، ولا يكون مصليًا بعد إقامة الصلاة غير الصلاة الَّتِيْ أقيمت.
ومن النَّاس من قَالَ: يفعل كذلك إذا خشي أن تفوته الجماعة بالكلية، فإن رجا أن يدرك مَعَ الإمام شيئًا من الصلاة فالأولى أن يشتغل بقضاء الفائتة، ثُمَّ يصلي الحاضرة مَعَ الإمام، ويقضي مَا سبقه بِهِ.
وهذا ضَعِيف؛ فإن الَّتِيْ صلاها فِي جماعة لَمْ يعتد بِهَا، بل قضاها، فَهِيَّ فِي معنى النافلة.
ومن أصحابنا من قَالَ: الأولى أن يشتغل بالقضاء وحده، ثُمَّ إن أدرك مَعَ الإمام الحاضرة، وإلَّا صلاها وحده.
وفي هَذَا مخالفة لقوله: "فإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا الَّتِيْ أقيمت".
ومن أجاز أن يقتدي من يصلي فرضًا خلف من يصلي فرضًا آخر، أجاز أن يقتدي بالإمام فِي الفائتة، ثُمَّ يصلي الحاضرة بعدها، وأمر بذلك عَطَاء بْن أَبِي رباح.
[ ٢ / ١١٢ ]
وخرج البيهقي من رِوَايَة يَحْيَى بْن حَمْزَة: ثنا الوضين بْن عَطَاء، عَنْ محفوظ بْن علقمة، عَنْ ابن عائذ، قَالَ: دَخَلَ ثَلَاثَة من أصْحَاب رَسُول الله ﷺ والناس فِي صلاة العصر، قَدْ فرغوا من صلاة الظهر، فصلوا مَعَ النَّاس، فلما فرغوا قَالَ بعضهم لبعض: كَيْفَ صنعتم؟ قَالَ أحدهم: جعلتها الظهر، ثُمَّ صليت العصر. وَقَالَ الآخر: جعلتها العصر، ثُمَّ صليت الظهر. وَقَالَ الآخر: جعلتها للمسجد، ثُمَّ جعلتها للظهر والعصر، فَلَمْ يعب بعضهم عَلَى بعضٍ.
وخرجه الجوزجاني: حَدَّثَنَا نعيم بْن حماد: ثنا بقية، عَنْ الوضين بْن عَطَاء، عَنْ يزيد بْن مرثد، قَالَ: دَخَلَ مسجد حمص ثَلَاثَة نفر من أصْحَاب رَسُول الله ﷺ: شداد بْن أوس وعبادة بْن الصَّامِت وواثلة بْن الأسقع، والإمام فِي صلاة العصر، وهم يرون أنَّها الظهر، فَقَالَ أحدهم: هِيَ العصر، وأصلي الظهر. وَقَالَ الآخر: هذه لِي الظهر، وأصلي العصر. وَقَالَ الثالث: أصلي الظهر، ثُمَّ العصر، فَلَمْ يعب واحد منهم عَلَى صاحبيه» اهـ.
قلت: أثر هؤلاء الصحابة عند البيهقي في [الكبرى] (٤٨٩١) بإسناد حسن.
وأثر عطاء رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٢٥٩) ابْنِ جُرَيْحٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: «أَدْرَكْتَ الْعَصْرَ فَاجْعَلِ الَّتِي أَدْرَكْتَ مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ، وَصَلِّ الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ». قَالَ: «كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قلت: إسناده صحيح.
[ ٢ / ١١٣ ]
وقال الإمام الشافعي ﵀ في [الأم] (١/ ٢٠٠): أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: وَإِنْ أَدْرَكْت الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ فَاجْعَلْ الَّتِي أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ وَصَلِّ الْعَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ بَعْدَ ذَلِكَ: وَهُوَ يُخْبِرُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ يُقَالُ ذَلِكَ إذَا أَدْرَكْت الْعَصْرَ وَلَمْ تُصَلِّ الظُّهْرَ فَاجْعَلْ الَّذِي أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ اهـ.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٥١١٣) من طريق الشافعي به.
قلت: ومن هذا الباب من جاء إلى المسجد لأداء صلاة المغرب فوجدهم قد جمعوا بين المغرب والعشاء لعذر كالمطر مثلًا وهم في صلاة العشاء فله أن يدخل معهم بنية المغرب وينتظر الإمام فيسلم معه وله أن ينوي المفارقة ثم يدرك معهم ركعة من العشاء.
وهل له أن يصلي معهم العشاء ثم يقضي المغرب؟
الذي يظهر لي عدم مشروعية ذلك لأنَّه قد أدرك وقت المغرب فلا يشرع له أن يجعلها مقضية. والله أعلم.
٦ - والحديث من جملة الأدلة في إثبات عذاب القبر.
* * *
[ ٢ / ١١٤ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ. فَخَرَجَ عُمَرُ، فَقَالَ: الصَّلاةُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ"».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب التأخير بصلاة العشاء.
٢ - أدب الصحابة مع النبي ﷺ حيث أنَّهم لم يقيموا الصلاة ويصلوا قبل حضوره بل انتظروه حتى خرج إليهم.
٣ - في الحديث دليل على تنبيه الأكابر: إمَّا لاحتمال غفلة أو لاستثارة فائدة منهم في التنبيه لقول عمر رقد النساء والصبيان. قاله الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] ص (١٠٣).
٤ - قوله: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةِ» احتج به من قال أنَّ الأمر للوجوب. وقد سبق ذلك في شرح حيث أبي هريرة في السواك.
٥ - شفقة النبي ﷺ بأمته حيث لم يأمر بالصلاة في ذلك الوقت.
٦ - يدل الحديث على عدم كراهة النوم قبل العشاء للمغلوب عليه كما سبق.
[ ٢ / ١١٥ ]
قلت: والاستدلال بذلك مبني على أنَّ نوم النساء والصبيان كان في المسجد لانتظارهم للنبي ﷺ وهو الظاهر لا في بيوتهم، ويحتمل أن يكون نوم النساء والصبيان في البيوت لطول انتظارهم لمن في المسجد من أهاليهم.
٧ - احتج به من ذهب إلى أنَّ النوم ليس من نواقض الوضوء.
قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (١/ ٤٦٩): «وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وعبيدة السلماني وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج، والشيعة، وهذا المذهب يرد ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع المتقدم إلَّا أنَّه قال: إنَّه قول شاذ، والناس على خلافه وحكاه ابن حزم في "المحلى" عن الأوزاعي وقال: وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة وعن ابن عمر وعن مكحول قال: وادعى بعضهم الإجماع على خلافه جهلًا» اهـ.
قلت: ولا حجة في الحديث على ذلك لاحتمال أنَّهم توضئوا قبل صلاتهم، وعدم ذكر الراوي لذلك لا يدل على عدم الحصول. ويحتمل أنَّهم لم يستغرقوا بنومهم بل كان خفيفًا. ويحتمل أنَّ النساء والصبيان ناموا في منازلهم بعد صلاتهم.
والذي يدل على أنَّ من نام انتقض وضوؤه ما رواه أحمد (١٨٢٦٠)، والترمذي (٩٦، ٣٥٣٥)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨) من طريق عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: «كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ».
قلت: هذا حديث حسن.
[ ٢ / ١١٦ ]
وروى أحمد (٨٨٧)، وأبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧) من طريق بَقِيَّةَ عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ».
قلت: هذا إسناد حسن لكنه منقطع بين عبد الرحمن بن عائذ وعلي فإنَّه لم يسمع منه كما قاله أبو زرعة ﵀.
وجاء في [المسند] (١٧٠٠٣) قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يَزِيدَ، وَأَظُنُّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ فَلَمْ أَكْتُبْهُ، وَكَانَ بَكْرٌ يَنْزِلُ الْمَدِينَةَ، أَظُنُّهُ كَانَ فِي الْمِحْنَةِ كَانَ قَدْ ضُرِبَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْعَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ».
قلت: لكن في إسناده أبو بكر بن أبي مريم شديد الضعف.
والصحيح فيه الوقف.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ١٩١):
«وَرَوَاهُ مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: "الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ". مَوْقُوفٌ، أَخْبَرَنَاهُ أَبُو سَعْدٍ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُسْلِمٍ، نا صَالِحُ بْنُ سَعِيدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ، ثنا الْوَلِيدُ، نا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا. قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: وَمَرْوَانُ أَثْبَتُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ» اهـ.
[ ٢ / ١١٧ ]
قلت: وحديث علي الماضي يتقوى بالموقوف على معاوية ﵁.
وقد اختلف العلماء في النوم هل ينقض الوضوء أو لا.
فمنهم لم ير النقض به كما سبق.
ومنهم من ذهب إلى النقض بكثيره دون قليله كما هو مذهب مالك ورواية عن أحمد.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ النائم إذا كان على هيئة من هيئات الصلاة، وإن لم يكن في صلاة لم ينتقض وضوؤه وإلَّا انتقض وهو مذهب أبي حنيفة وداود، ورواية عن أحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض إلَّا نوم الراكع والساجد، وهو رواية عن أحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض إلَّا نوم الساجد وهو رواية عن أحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض نوم المصلي على أي هيئة كان وينتقض نوم غيره، وهو قول للشافعي.
ومنهم من قال: لا ينتقض نوم الجالس الممكن لمقعدته من الأرض، وينتقض نوم غيرهم. وهو الصحيح عن الشافعي، ورواية عن مالك وأحمد.
ومنهم من قال: لا ينتقض إلَّا نوم المضطجع، وهو مذهب جماعة من التابعين، ورواية عن أحمد، وفي ذلك حديث لا يصح.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٢٨):
«نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ، فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِهِ بِالنَّوْمِ» اهـ.
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٥٠ - ٥١):
[ ٢ / ١١٨ ]
«وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ لِلنَّائِمِ أَحَدَ عَشَرَ حَالًا الْمَاشِي، وَالْقَائِمُ، وَالْمُسْتَنِدُ، وَالرَّاكِعُ، وَالسَّاجِدُ، وَالْقَاعِدُ، وَالْمُتَرَبِّعُ، وَالْمُنْحَنِي، وَالْمُتَّكِئُ، وَالرَّاكِبُ، وَالْمُضْطَجِعُ، وَالْمُسْتَنْفِرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِ بَعْضِهَا.
فَأَمَّا الْمَاشِي فَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ شُعُورِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَائِمُ، وَأَمَّا الْمُسْتَنِدُ، فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَقِيلَ هُوَ كَالْمَاشِي، وَالْقَائِمِ، وَإِنْ كَانَ جَالِسًا مُمَكَّنًا لَمْ يُنْتَقَضْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ زَالَ مَسْنَدُهُ لَسَقَطَ انْتَقَضَ، وَأَمَّا الْمُنْحَنِي فَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ الْجَالِسِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ النَّحِيفِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمُتَّكِئُ فَأَجْرَاهُ مَالِكٌ مَجْرَى الْجَالِسِ وَأَجْرَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ مَجْرَى الْمُضْطَجِعِ، وَأَمَّا الرَّاكِبُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَالِسِ الْمُسْتَنِدِ اللَّاصِقِ بِالْأَرْضِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَقِرُّ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
"الثَّانِيَةُ، وَالْعِشْرُونَ" مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ النَّوْمِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ هُوَ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ النَّوْمُ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَقَدْ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ وَلِهَذَا كَانَ ﷺ يَنَامُ مُضْطَجِعًا، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: الأظهر في ذلك أنَّ النوم المستغرق المذهب للشعور ينتقض به الوضوء على أي هيئة كان وهذا النوم هو النوم المعتاد الذي يختاره المرء كالنوم بالليل ونوم
[ ٢ / ١١٩ ]
القائلة، وإن كان خفيفًا لا يفقد الشعور بالكلية لم ينتقض به الوضوء كنوم المنتظر للصلاة، وإذا حصل الشك في ذلك فالأصل عدم النقض.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ١٥٠):
«وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا خَالَطَ النَّوْمُ قَلْبَ أَحَدِكُمْ وَاسْتَغْرَقَ نَوْمًا فَلْيَتَوَضَّأْ
وَرُوِيَ ذلك أيضًا عن ابن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أُفْتِي أَنَّ مَنْ نَامَ جَالِسًا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى جَنْبِي يَوْمَ الْجُمْعَةِ رَجُلٌ فَنَامَ فَخَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ فَقُلْتُ لَهُ قُمْ فَتَوَضَّأَ فَقَالَ لَمْ أَنَمْ فَقُلْتُ بَلَى وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْكَ رِيحٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَجَعْلَ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ وَقَالَ لِي بَلْ مِنْكَ خَرَجَتْ فَتَرَكْتُ مَا كُنْتُ أَعْتَقِدُ فِي نَوْمِ الْجَالِسِ وَرَاعَيْتُ غَلَبَةَ النَّوْمِ وَمُخَالَطَتَهُ لِلْقَلْبِ» اهـ.
قلت: والأدلة تدل على أنَّ الوضوء ليس بحدث وإنَّما هو مظنة خروج الحدث إذ لو كان حدثًا لا ستوى كثيره وقليله، ولكان حال النبي ﷺ في ذلك كحال أمته، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٢٨ - ٢٣٠): «الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا النَّوْمُ الْيَسِيرُ مِنْ الْمُتَمَكِّنِ بِمَقْعَدَتِهِ فَهَذَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ النَّوْمَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِحَدَثِ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ: "الْعَيْنُ وِكَاءُ السه فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ" رِوَايَةٍ: "فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ". وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا
[ ٢ / ١٢٠ ]
فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَكَانَ يَقْظَانَ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَشَعَرَ بِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ حَدَثًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ يَخْفُقُونَ بِرُءُوسِهِمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ جِنْسَ النَّوْمِ لَيْسَ بِنَاقِضِ؛ إذْ لَوْ كَانَ نَاقِضًا لَانْتَقَضَ بِهَذَا النَّوْمِ الَّذِي تَخْفُقُ فِيهِ رُءُوسُهُمْ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يَنْقُضُ مَا سِوَى نَوْمِ الْقَاعِدِ مُطْلَقًا. كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ.
وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَيَنْقُضُ نَوْمُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ وَالْقَاعِدَ لَا يَنْفَرِجُ فِيهِمَا مَخْرَجُ الْحَدَثِ كَمَا يَنْفَرِجُ مِنْ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ.
وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ وَغَيْرِهِ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ. لَكِنَّ مَذْهَبَ أَحْمَد التَّقْيِيدُ بِالنَّوْمِ الْيَسِيرِ. وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ: حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ: "لَيْسَ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا لَكِنْ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا" فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ فَيَخْرُجُ الْحَدَثُ بِخِلَافِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ مُتَمَاسِكَةٌ غَيْرُ مُسْتَرْخِيَةٍ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي خُرُوجَ الْخَارِجِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّوْمَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ يَسِيرًا فِي الْعَادَةِ؛ إذْ لَوْ اسْتَثْقَلَ لَسَقَطَ. وَالْقَاعِدُ إذَا سَقَطَتْ يَدَاهُ إلَى الْأَرْضِ فِيهِ قَوْلَانِ. وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ
[ ٢ / ١٢١ ]
الْمُتَوَضِّئُ: هَلْ نَوْمُهُ مِمَّا يَنْقُضُ أَوْ لَيْسَ مِمَّا يَنْقُضُ؟ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينِ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال ﵀ (٢١/ ٣٩١ - ٣٩٥):
«فَإِنَّ الْقِيَامَ مِنْ النَّوْمِ: مُرَادٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَهُوَ إنَّمَا نُقِضَ بِخُرُوجِ الرِّيحِ. هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِنَاقِضِ وَلَكِنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الرِّيحِ. وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ يَنْقُضُ وَنَقْضُ الْوُضُوءِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَغُطَّ ثُمَّ يَقُومُ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ وَيَقُولُ: تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَلْبَهُ الَّذِي لَمْ يَنَمْ كَانَ يَعْرِفُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ وَلَوْ كَانَ النَّوْمُ نَفْسُهُ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ: لَنَقَضَ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ. ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْ الْعِشَاءِ لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا. ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اللَّيْلَةَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرَكُمْ".
وَلِمُسْلِمِ عَنْهُ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. فَخَرَجَ عَلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضُهُ - وَلَا نَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ شَغَلَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "إنَّكُمْ لِتَنْتَظِرُونِ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا
[ ٢ / ١٢٢ ]
أَهْلُ دِينٍ غَيْرَكُمْ وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْت بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ". ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى.
وَلِمُسْلِمِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اعْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى. فَقَالَ: "إنَّهُ لَوَقْتُهَا؛ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي". فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّهُمْ نَامُوا وَقَالَ فِي بَعْضِهَا: إنَّهُمْ رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا ثُمَّ رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا.
وَكَانَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً وَقَدْ طَالَ انْتِظَارُهُمْ وَنَامُوا. وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ أَحَدًا لَا سُئِلَ وَلَا سَأَلَ النَّاسُ: هَلْ رَأَيْتُمْ رُؤْيَا؟ أَوْ هَلْ مَكَّنَ أَحَدُكُمْ مَقْعَدَتَهُ؟ أَوْ هَلْ كَانَ أَحَدُكُمْ مُسْتَنِدًا؟ وَهَلْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ؟ فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَسَأَلَهُمْ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا الِانْتِظَارِ بِاللَّيْلِ - مَعَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ - يَقَعُ هَذَا كُلُّهُ. وَقَدْ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اعْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرَكُمْ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فِي النَّاسِ. وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي "بَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسْجِدِ بِاللَّيْلِ وَالْغَلَسِ" وَفِي "بَابِ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ" وَخَرَّجَهُ فِي "بَاب وُضُوءِ الصِّبْيَانِ وَحُضُورِهِمْ الْجَمَاعَةَ" وَقَالَ فِيهِ: "إنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرَكُمْ".
[ ٢ / ١٢٣ ]
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. يَعْنِي وَالنَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُنْتَظِرِينَ لِلصَّلَاةِ كَاَلَّذِي يَنْتَظِرُ الْجُمُعَةَ إذَا نَامَ أَيَّ نَوْمٍ كَانَ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ. فَإِنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضِ. وَإِنَّمَا النَّاقِضُ: الْحَدَثُ فَإِذَا نَامَ النَّوْمَ الْمُعْتَادَ الَّذِي يَخْتَارُهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ - كَنَوْمِ اللَّيْلِ وَالْقَائِلَةِ - فَهَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ لَا يَدْرِي إذَا خَرَجَتْ فَلَمَّا كَانَتْ الْحِكْمَةُ خَفِيَّةً لَا نَعْلَمُ بِهَا: قَامَ دَلِيلُهَا مَقَامَهَا. وَهَذَا هُوَ النَّوْمُ الَّذِي يَحْصُلُ هَذَا فِيهِ فِي الْعَادَةِ. وَأَمَّا النَّوْمُ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ: هَلْ حَصَلَ مَعَهُ رِيحٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينِ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَلِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا لَكِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَصٌّ يُوجِبُ النَّقْضَ بِكُلِّ نَوْمٍ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: "الْعَيْنُ وِكَاءُ السه فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ" قَدْ رُوِيَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ: فَإِنَّمَا فِيهِ: "إذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ" وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّ النَّوْمَ الْمُعْتَادَ هُوَ الَّذِي يَسْتَطْلِقُ مِنْهُ الْوِكَاءُ. ثُمَّ نَفْسُ الِاسْتِطْلَاقِ لَا يَنْقُضُ. وَإِنَّمَا يَنْقُضُ مَا يَخْرُجُ مَعَ الِاسْتِطْلَاقِ. وَقَدْ يَسْتَرْخِي الْإِنْسَانُ حَتَّى يَنْطَلِقَ الْوِكَاءُ وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ. وَإِنَّمَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: أُمِرْنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ. لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ. فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ نَقْضِ النَّوْمِ. وَلَكِنْ فِيهِ: أَنَّ لَابِسَ الْخُفَّيْنِ لَا يَنْزِعُهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَا يَنْزِعُهُمَا مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ نَزْعِهِمَا لِهَذِهِ الْأُمُورِ. وَهُوَ يَتَنَاوَلُ النَّوْمَ الَّذِي يَنْقُضُ. لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ كُلَّ نَوْمٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. هَذَا إذَا كَانَ لَفْظُ " النَّوْمِ " مِنْ كَلَامِ
[ ٢ / ١٢٤ ]
النَّبِيِّ ﷺ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي؟ وَصَاحِبُ الشَّرِيعَةِ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ إذَا كَانُوا قُعُودًا أَوْ قِيَامًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا فَيَنْعَسُ أَحَدُهُمْ وَيَنَامُ وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِالْوُضُوءِ فِي مِثْلِ هَذَا.
أَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ النَّوْمِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النَّاسِ: فَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ مَعَهُ فِي الْعَادَةِ خُرُوجُ الرِّيحِ وَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ يَخْرُجُ مَعَهُ الرِّيحُ وَقَدْ لَا يَخْرُجُ: فَلَا يَنْقُضُ عَلَى أَصْلِ الْجُمْهُورِ. الَّذِينَ يَقُولُونَ: إذَا شَكَّ هَلْ يَنْقُضُ أَوْ لَا يَنْقُضُ؟ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ. بِنَاءً عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ» اهـ.
قلت: وهذا تحرير نفيس حول هذه المسألة التي كثر فيها النزاع.
وقد سبق الكلام على أكثر مسائل الحديث فيما تقدم.
* * *
[ ٢ / ١٢٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥١ - عَنْ عائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ، وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.
وفي هذا الحديث مسائل منها:
١ - البداءة بالعشاء عند حضوره قبل الصلاة حتى لا يدخل في الصلاة وهو مشوش البال.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٠٥):
«والمتشوفون إلى المعنى أيضًا قد لا يقصرون الحكم على حضور الطعام بل يقولون به عند وجود المعنى وهو التشوف إلى الطعام.
والتحقيق في هذا: أنَّ الطعام إذا لم يحضر فإمَّا أن يكون متيسر الحضور عن قريب حتى يكون كالحاضر أو لا؟ فإن كان الأول: فلا يبعد أن يكون حكمه حكم الحاضر، وإن كان الثاني وهو ما يتراخى حضوره: فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر فإنَّ حضور الطعام يوجب زيادة تشوف وتطلع إليه وهذه الزيادة يمكن أن يكون الشارع اعتبرها في تقديم الطعام على الصلاة فلا ينبغي أن يلحق به ما لا يساويها للقاعدة الأصولية: إنَّ محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يلغ» اهـ.
قلت: قصر الحكم على حضور الطعام هو الأولى تمشيًا مع ظاهر الحديث، لا سيما أنَّ انشغال البال بالطعام الحاضر أشد من غيره.
[ ٢ / ١٢٦ ]
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٥٨): «ومتى خالف، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئه عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره، وإنَّما خالف فيه شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم» اهـ.
قلت: ولا تحصل الكراهة في ذلك إلَّا بقيود ثلاثة ذكرها العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ١٨١) فقال ﵀: «وخلاصة المسألة: أنَّها تحتاج إلى ثلاثة قيود:
١ - حضور الطعام.
٢ - توقان النفس إليه.
٣ - القدرة على تناوله شرعًا وحسًا» اهـ.
قلت: والمراد بالصلاة في هذا الحديث صلاة المغرب لقرينة ذكر العَشاء، ولما رواه البخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ».
قلت: وقد ورد في بعض الروايات تقييد ذلك بمن كان صائمًا فروى الشافعي في [السنن المأثورة] (١٤١) الطحاوي في [مشكل الآثار] (١٦٩١)، والطبراني في [الأوسط] (٥٠٧٥)، وابن حبان في [صحيحه] (٢٠٦٨)، والإسماعيلي في [معجم شيوخه] (٢٢٠) من طريق مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ
[ ٢ / ١٢٧ ]
الصَّلَاةُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ، فَلْيَبْدَأْ بِالْعَشَاءِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ».
قلت: وهو مروي في مسلم (٥٥٧) من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب به من غير ذكر الصيام.
وعند البخاري (٦٧٢) من طريق عقيل عن ابن شهاب به كرواية مسلم.
وقد صحح هذه الزيادة الحافظ الدارقطني في [الإلزامات] ص (٣٥٥) فقال ﵀: «فزاد أحدهما على الآخر زيادة حسنة غير منكرة. فأخرج الحديث الناقص دون الحديث التام والرجلان موسى بن أعين وعبد الله بن وهب روياه، عن عمرو، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﵌: "إذا وضع العشاء" زاد ابن أعين: "وأحدكم صائم فابدءوا به قبل أن تصلوا" وأخرج حديث ابن وهب ولم يخرج حديث موسى، اللهم إلاَّ أن يكون لم يبلغه حديث موسى بن أعين الذي فيه الزيادة عذرًا له في تركه» اهـ.
وصحح هذه الزيادة الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (١٠٤) فقال: «وهو صحيح» اهـ.
والعلامة الألباني ﵀ في [الصحيحة] (٣٩٦٤).
قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (٥/ ٢٤٠):
«فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلَى الصُّوَّامِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ» اهـ.
قلت: ليس الحكم مختصًا بالصائم، ولا بالعشاء لحديث عائشة الآتي.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وإنَّما نص النبي ﷺ على العَشاء، وعلى صلاة المغرب لأنَّ هذا الطعام هو الذي يجتمع مع الصلاة في غالب أحوال الناس في تلك الأزمان فإنَّهم كانوا يأكلون في أول النهار، وآخره؛ فليس هناك طعام يصادف صلاة غير طعام العَشاء. والله أعلم.
قلت: ولمن حضر عنده العشاء وتاقت نفسه إليه أن يأكل منه حتى يفرغ من حاجته.
لما رواه البخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩) عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ:
«إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ».
وروى البخاري (٦٧٤) معلقًا بصيغة الجزم عن ابن عمر قال، قال النبي ﷺ:
«إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».
قلت: وقد وصله أبو عوانة في [مستخرجه] (١٠١٢)، وابن شاهين في [ناسخ الحديث ومنسوخه] (٢٣٠).
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٥٦): «فهذه الأحاديث كلها تدل على أنَّه إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فإنَّه يبدأ بالعشاء،
[ ٢ / ١٢٩ ]
سواء كان قد أكل منه شيئًا أو لا، وأنَّه لا يقوم حتى يقضي حاجته من عشائه، ويفرغ منه.
وممن روي عنه تقديم العشاء على الصلاة: أبو بكر وعمر وابن عمر وابن عباس وأنس وغيرهم.
وروى معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: إنِّي لمع أبي بن كعب وأبي طلحة وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ على طعام، إذ نودي بالصلاة، فذهبت أقوم فأقعدوني، وأعابوا علي حين أردت أن أقوم وأدع الطعام.
خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسائله".
وإلى هذا القول ذهب الثوري وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق وابن المنذر.
وقال أحمد: لا يقوم حتى يفرغ من جميع عشائه، وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في وقت. قال: لأنَّه إذا تناول منه شيئًا ثم تركه كان في نفسه شغل من تركه الطعام إذا لم ينل منه حاجته.
وحاصل الأمر؛ أنَّه إذا حضر الطعام كان عذرًا في ترك صلاة الجماعة، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لا بد أن يكون له ميل إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم.
وعلى ذلك دل تعليل ابن عباس والحسن وغيرهما، وكذلك ما ذكره البخاري عن أبي الدرداء.
فأمَّا إذا لم يكن له ميل بالكلية إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل على الصلاة» اهـ.
[ ٢ / ١٣٠ ]
قلت: وقد خصَّ قوم ذلك بالطعام الخفيف الذي يؤمن معه إدراك صلاة الجماعة. وهذا القول محكي عن الإمام مالك، وإسحاق.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٥٠):
«قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا يُقَدِّمُ الْعَشَاءَ عَلَى الْجَمَاعَةِ إذَا كَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الطَّعَامِ كَثِيرًا. وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا خَفِيفًا. وَقَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ عُمَرُ، وَابْنُهُ وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ» اهـ.
قلت: وقد رواه أبو داود (٣٢٦٧) بإسناد حسن عن ابن عمر، فقال ﵀: حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِىُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي فِى زَمَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّا سَمِعْنَا أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْعَشَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَيْحَكَ مَا كَانَ عَشَاؤُهُمْ أَتُرَاهُ كَانَ مِثْلَ عَشَاءِ أَبِيكَ».
وروى مالك في [الموطأ] (١٠١٣) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، كَانَا يُصَلِّيَ انِ الْمَغْرِبَ، حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ، قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا.
[ ٢ / ١٣١ ]
ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَذلِكَ فِي رَمَضَانَ».
قلت: إسناده إلى عثمان صحيح، وعن عمر منقطع.
قال الحافظ العلائي ﵀ في [جامع التحصيل] (ص: ١٦٨):
«حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال أبو زرعة حديثه عن أبي بكر وعلي ﵄ مرسل. قلت: قد سمع من أبيه وعثمان ﵄ فكيف يكون
[ ٢ / ١٣٢ ]
عن علي مرسلًا وهو معه بالمدينة نعم روى عن عمر ﵁ وكأنَّه مرسل» اهـ.
قلت: لعلهما صنعا ذلك من أجل أن لا يشغلهم العشاء عن الصلاة، أو لبيان الجواز.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ٢٣ - ٢٤):
«فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَشِيَ أَنْ يَطُولَ الْمُكْثُ عَلَى الْعَشَاءِ فَقَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى الْعَشَاءِ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» اهـ.
وقال العلامة البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٦/ ٢٨٦):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابِ: كَأَنَّهُمَا يَرَيَانِ تَأْخِيرَ ذَلِكَ وَاسِعًا، لَا أَنَّهُمَا يَعْمَدَانِ الْفَضْلَ لِتَرْكِهِ بَعْدَ أَنْ أُبِيحَ لَهُمَا، وَصَارَا مُفْطِرَيْنِ بِغَيْرِ أَكَلٍ وَشُرْبٍ، لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصْلُحُ فِي اللَّيْلِ، وَلَا يَكُونُ بِهِ صَاحِبُهُ صَائِمًا وَإِنْ نَوَاهُ» اهـ.
وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (٢/ ٤٢)
«فَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ إذَا رَأَيَا سَوَادَ اللَّيْلِ فِي أُفْقِ الْمَشْرِقِ تَيَقَّنَا غُرُوبَ الشَّمْسِ فِي أُفْقِ الْمَغْرِبِ يَشْرَعَانِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ تَعْجِيلَهَا مَشْرُوعٌ فَكَانَا يَبْدَآنِ بِالْعِبَادَةِ فَإِذَا فَرَغَا مِنْ الصَّلَاةِ أَفْطَرَا وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْخِيرٍ لِلْفِطْرِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا كُرِهَ مِمَّنْ أَخَّرَهُ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَلَمْ يُؤَخِّرْ لِلْمُبَادَرَةِ إلَى عِبَادَةٍ» اهـ.
وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٤/ ١٠٤ - ١٠٥):
«وليس ما رواه مالك فى الموطأ، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: "أنَّ عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ويفطران بعد الصلاة"، بمخالف لما روى من تعجيل الفطر، لأنَّهما إنَّما كانا يراعيان أمر الصلاة، وكانا يعجلان الفطر بعدها من غير كثرة تنقل، لما جاء من تعجيل الفطر، ذكره الداودى» اهـ.
قلت: وليس في الأحاديث تقييد ذلك بالطعام الخفيف، فالصحيح عدم التقييد. والله أعلم.
واستثنى قوم من أهل العلم الإمام من ذلك إذا دعي للصلاة وهو ظاهر صنيع البخاري في "صحيحه" فقد بوب ﵀ بابًا قال فيه: «باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل». وأورد في ذلك حديثًا (٦٧٥) عن جعفر بن عمرو بن أمية أن أباه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٦٠): «وقد حمل البخاري هذا على أنَّ الإمام خاصة إذا دعي إلى الصلاة وهو يأكل فإنَّه يقوم إلى الصلاة ولا يتم أكله؛ لما في تأخيره من المشقة على المأمومين بانتظاره، فيكون دعاء الإمام إلى الصلاة بمنزلة إقامة الصلاة في حق المأمومين.
وقد حمله غيره - كما تقدم - على أنَّه إذا أقيمت الصلاة وقد أكل بعض طعامه أنَّه يقوم ولا يتمه.
والبخاري قد بين في الباب السابق أنَّ بعض ألفاظ حديث ابن عمر صريح في خلاف هذا، فلذلك حمله على الإمام خاصة، ولو أنَّه حمل على أنَّه - صلى الله عليه
[ ٢ / ١٣٣ ]
وسلم - كان قد أتم أكله لكان محتملًا مع بعده؛ فإنَّ ظاهر اللفظ يقتضي أنَّه لم يكن أتم أكله.
وقد حمله بعضهم على أنَّه كان قد أخذ من طعامه ما يحتاج إليه بحيث لا تتوق نفسه بعده إلى شيء منه، فاكتفي بذلك.
وخرج أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة، قال: ضفت النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوى، وأخذ الشفرة فجعل يحتز لي بها منه. قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة قال: فألقى الشفرة، وقال: "ماله؟ تربت يداه"، وقام.
ويروى من حديث جابر، أنَّ النبي ﷺ دعي إلى الصلاة وهو يأكل، فقام ثم رجع، فأتى ببقية الطعام.
ذكره الأثرم تعليقًا» اهـ.
قلت: حديث المغيرة رواه أحمد (١٧٥٠٢، ١٧٥٢٦)، وأبو داود (١٦٠)، والترمذي في [الشمائل] (١٦٥) من طريق وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «ضِفْتُ النَّبِىَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ - قَالَ - فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ - قَالَ - فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ: "مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ". وَقَامَ يُصَلِّي. زَادَ الأَنْبَارِىُّ وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ لِى عَلَى سِوَاكٍ. أَوْ قَالَ: "أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ"».
ورواه النسائي في [الكبرى] (٦٦٥٥) أخبرنا يوسف بن عيسى قال أنا الفضل بن موسى قال أنا مسعر به، وليس في حديثه ذكر السواك.
[ ٢ / ١٣٤ ]
قلت: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات والمغيرة بن عبد الله أخرج له مسلم في الأصول.
وقد سبق الحديث في السواك، وهو يدل على أنَّه لم يقض حاجته من الطعام.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٥٨): «وبكل حال؛ فلا يرخص مع حضور الطعام في غير ترك الجماعة، فأمَّا الوقت فلا يرخص بذلك في تفويته عند جمهور العلماء، ونص عليه أحمد وغيره.
وشذت طائفة، فرخصت في تأخير الصلاة عن الوقت بحضور الطعام - أيضًا -، وهو قول بعض الظاهرية، ووجه ضعيف للشافعية، حكاه المتولي وغيره» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٦):
«وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمِ إِذَا صَلَّى كَذَلِكَ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَإِذَا ضَاقَ بِحَيْثُ لَوْ أَكَلَ أَوْ تَطَهَّرَ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ صَلَّى عَلَى حَالِهِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا وَحَكَى أَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِحَالِهِ بَلْ يَأْكُلُ وَيَتَوَضَّأُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ فَلَا يَفُوتُهُ» اهـ.
قلت: ولا يشرع أن يتعمد إحضار الطعام وقت إقامة الصلاة بحيث أنَّه يفوِّت صلاة الجماعة ويتخذ ذلك عادة.
قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [شرح رياض الصالحين] (٦/ ٥٠٦):
«ولكنه لا ينبغي أن يجعل ذلك عادة له بحيث لا يقدم عشاءه أو غداءه إلا عند إقامة الصلاة» اهـ.
وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة - ٢] (٩/ ٣٣):
[ ٢ / ١٣٥ ]
«وحديث: "إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء" وما جاء في معنى ذلك فالمراد به من قدم إليه الطعام أو حضر إلى طعام، فإنه يبدأ به قبل الصلاة حتى يأتي إلى الصلاة وقلبه قد فرغ من التطلع إلى الطعام، فيصلي بقلب خاشع، ولكن ليس له أن يطلب حضور الطعام أو تقديم الطعام قبل أن يصلي إذا كان ذلك يفوته الصلاة في أول الوقت أو الصلاة في الجماعة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
فائدة روى أبو داود (٢٣٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ مِنْهُ».
ورواه الحاكم (١٥٥٢)، والدارقطني (٢١٦٢) من طريق عبد الأعلى بن حماد النرسي ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به.
وقد تابع عبد الأعلى في ذلك عفان وعبد الواحد بن غياث رواه الحاكم (٧٣٢، ٧٤٣).
[ ٢ / ١٣٦ ]
ورواه أحمد (١٠٦٣٧) ثنا روح ثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
قلت: وقد اختلف في الحديث على روح. فروى أحمد في [المسند] (١٠٦٣٨)، وأحمد بن إسحاق الأهوازي عند الطبري في [تفسيره] (٣/ ٥٢٧)، ومحمد بن أحمد الرياحي عند البيهقي في [الكبرى] (٤/ ٢١٨) عنه عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. وزادا في حديثهما: «وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ».
وروى كل من:
١ - الإمام أحمد كما سبق.
٢ - أحمد بن عبيد الله النرسي عند البيهقي في [الكبرى] (٤/ ٢١٨).
٣ - أحمد بن إسحاق الأهوازي عند الطبري في [تفسيره] (٣/ ٥٢٦)
كلهم من طريق روح ثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به. ولم يذكروا في حديثهم هذه الزيادة.
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [علل الحديث] (١/ ١٢٣ - ١٢٤) رقم (٣٤٠):
«وسألت أبي عن حديث؛ رواه روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه".
[ ٢ / ١٣٧ ]
قلت لأبي: وروى روح أيضًا عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، وزاد فيه: "وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر".
قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أمَّا حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح» اهـ.
٢ - وفيه ما يدل على أنَّ الدخول في الصلاة مع عدم تشوش البال مقدم على فعل الصلاة في أول وقتها، وعلى صلاة الجماعة.
٣ - وفيه ما يدل على أهمية الخشوع في الصلاة، وقد يحتج به على وجوب الخشوع في الصلاة، وذلك لأنَّ صلاة الجماعة واجبة، ولا يفوت الواجب إلَّا لأوجب منه.
قلت: وقد ذهب وجوب الخشوع في الصلاة جماعة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد قال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤): «وأيضًا: فقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين. كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ﴾. فقد دل كتاب الله ﷿ على من كبر عليه ما يحبه الله. وأنَّه مذموم بذلك في الدين مسخوط منه ذلك والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع. فمن المعلوم أنَّ الخشوع المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى
[ ٢ / ١٣٨ ]
الْخَاشِعِينَ﴾ لا بد أن يتضمن الخشوع في الصلاة. فإنَّه لو كان المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد المعنى إذ لو قيل: إنَّ الصلاة لكبيرة إلاَّ على من خشع خارجها ولم يخشع فيها: كان يقتضي أنَّها لا تكبر على من لم يخشع فيها وتكبر على من خشع فيها. وقد انتقى مدلول الآية. فثبت أنَّ الخشوع واجب في الصلاة. ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضًا قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
أخبر ﷾ أنَّ هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة. وذلك يقتضي أنَّه لا يرثها غيرهم. وقد دل هذا على وجوب هذه الخصال. إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها لأنَّ الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات. ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلاَّ ما هو واجب. وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبًا فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعًا» اهـ.
وقال ﵀ (٢٢/ ٥٥٨ - ٥٦١): «ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أنَّ النبي ﷺ توعد تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء فإنه حركته ورفعه وهو ضد حال الخاشع. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟
[ ٢ / ١٣٩ ]
فاشتد قوله في ذلك. فقال لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم" وعن جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وفيه ناس يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء. فقال: "لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم".
الأول: في البخاري، والثاني: في مسلم. وكلاهما في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه. وقال محمد بن سيرين: كان رسول الله ﷺ يرفع بصره في الصلاة. فلما نزلت هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده. رواه الإمام أحمد في " كتاب الناسخ والمنسوخ ". فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي ﷺ وتوعد عليه. وأمَّا الالتفات لغير حاجة فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه. فلهذا كان ينقص الصلاة كما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد". وروى أبو داود والنسائي عن أبي الأحوص عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال الله مقبلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت. فإذا التفت انصرف عنه".
وأمَّا لحاجة فلا بأس به كما روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. قال أبو داود: وكان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس. وهذا كحمله أمامة بنت أبي العاص بن الربيع من زينب بنت رسول الله.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وفتحه الباب لعائشة ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم وتأخره في صلاة الكسوف وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة وأمره برد المار بين يدي المصلي ومقاتلته وأمره النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من الأفعال التي تفعل لحاجة ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث المنافي للخشوع المنهي عنه في الصلاة. ويدل على ذلك أيضًا: ما رواه تميم الطائي عن جابر بن سمرة ﵁ قال: دخل علينا رسول الله ﷺ والناس رافعوا أيديهم - قال الراوي - وهو زهير بن معاوية - وأراه قال في الصلاة - فقال:
"ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنَّها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة". رواه مسلم وأبو داود والنسائي ورووا أيضًا عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره. فلما صلى قال:
"ما بال أحدكم يومئ بيده كأنها أذناب خيل شمس؟ إنَّما يكفي أحدكم - أو ألا يكفي أحدكم - أن يقول: هكذا - وأشار بأصبعه - يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله" وفي رواية قال: "أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله". ولفظ مسلم: صلينا مع رسول الله ﷺ وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنَّها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده". فقد أمر
[ ٢ / ١٤١ ]
رسول الله ﷺ بالسكون في الصلاة. وهذا يقتضي السكون فيها كلها» اهـ.
٤ - واحتج به من قال: إنَّ صلاة الجماعة ليست واجبة على الأعيان.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ١٤١): «ومما يوضح لك سقوط فرض الجماعة وأنَّها سنة وفضيلة لا فريضة قوله ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء"» اهـ.
وقال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٠٥): «وهذا صحيح إن أريد به: أنَّ حضور الطعام - مع التشوف إليه - عذر ترك الجماعة وإن أريد به الاستدلال على أنَّها ليست بفرض من غير عذر لم يصح ذلك» اهـ.
٥ - الحديث يدل على أنَّ وقت المغرب موسع، وقد سبق بيان ذلك.
٦ - يلحق بالحديث ما هو بمعناه مما يشغل الذهن، وما كان أشد منه من باب أولى.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٦):
«فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ وَذَهَابِ كَمَالِ الْخُشُوعِ وَكَرَاهَتِهَا مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثِينَ وَهُمَا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا كان في معناه مما يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ كَمَالَ الْخُشُوعِ» اهـ.
قلت: ويلحق بالأكل بطريق الأولى من أقيمت عليه الصلاة، وهو في ملاعبة أهله.
* * *
[ ٢ / ١٤٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ:
«لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ».
قوله: «لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» النفي بمعنى النهي أي لا يصل أحد بحضرة طعام.
وقد جاء عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٩٤٠)، وأبي عوانة في [مستخرجه] (١٠١٥)، بصيغة النهي، ولفظه: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
وقوله: «وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ». الأخبثان مثنى خبيث وهما البول والغائط.
قال العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (١/ ٢٤٧):
«وإنَّما ذكر المدافعة من باب المفاعلة الذي هو لمشاركة اثنين فصاعدًا؛ لأنَّ كل
واحد من المصلي والأخبثين كأنَّه يدافع الآخر، فدفع المصلي بحبسه إياه، ومنعه من الخروج، ودفع الأخبثين بطلب الخروج» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - كراهة الصلاة تنزيها بحضرة طعام يتوق إليه وبمدافعة الأخبثين أو أحدهما لما في ذلك من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٩٧)
[ ٢ / ١٤٣ ]
«وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ فَرَائِضِهَا شَيْئًا أَنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِيَةٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ إِذَا صَلَّى حَاقِنًا فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِأَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُ الْمُصَلِّي بِالطَّعَامِ فَيَسْهُو عَنْ صَلَاتِهِ وَلَا يُقِيمُهَا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْحَاقِنُ وَإِنْ كُنَّا نَكْرَهُ لِكُلِّ حَاقِنٍ أَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاتِهِ فِي حَالَتِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَسَلِمَتْ صَلَاتُهُ جَزَتْ عَنْهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَالْمَرْءُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً وَلَا الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ كَالشَّابِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وإن وجد ثقل البول والغائط من غير مدافعة فلا يدخل في النهي.
قال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٢٢٧):
«وَأَمَّا إذَا كَانَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ ثِقَلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَاكَ مُدَافَعَةٌ فَلَا نَهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، وَمَعَ الْمُدَافَعَةِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، قِيلَ تَنْزِيهًا لِنُقْصَانِ الْخُشُوعِ، فَلَوْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ إنْ قَدَّمَ التَّبَرُّزَ وَإِخْرَاجَ الْأَخْبَثِينَ، قَدَّمَ الصَّلَاةَ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا، وَعَنْ الظَّاهِرِيَّةِ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ» اهـ.
٢ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٤٨): «ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع» اهـ.
قال العلامة الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ١٥٢): «ويلحق بهما مدافعة الريح» اهـ.
وقال العلامة علي بن سلطان ﵀ في [مرقاة المفاتيح] (٣/ ٨٣٥):
«وَفِي مَعْنَاهُ الرِّيحُ وَالْقَيْءُ وَالْمَذْيُ» اهـ.
[ ٢ / ١٤٤ ]
قلت: وألحق بعضهم الجماع فجعل مدافعة خروج المني كمدافعة الأخبثين، وقول صاحب المرقاة: "وَالْمَذْيُ". لعل الصواب: المني، فإنَّ المذي لا مدافعة فيه.
قال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [شرح منتهى الإرادات] (١/ ٢٠٩): «(وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فِيمَا) أَيْ: حَالَ (يَمْنَعُ كَمَالَهَا كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ (وَبَرْدٍ وَجُوعٍ) مُفْرِطٍ (وَعَطَشٍ مُفْرِطٍ) لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا (أَوْ) أَنْ يَبْتَدِئَهَا (حَاقِنًا) بِالنُّونِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ بَوْلٍ (، أَوْ حَاقِبًا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ غَائِطٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُزْعِجُهُ، كَتَعَبٍ شَدِيدٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (تَائِقًا) أَيْ: مُشْتَاقًا (لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ) كَجِمَاعٍ وَشَرَابٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ» اهـ.
ونحوه في [مطالب أولي النهى] (١/ ٤٨٠) للعلامة مصطفى السيوطي الحنبلي.
٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٨٨): «قوله في حديث ابن عمر: "إذا وضع عشاء أحدكم" هذا أخص من الرواية الماضية حيث قال: "إذا وضع العشاء" فيحمل العشاء في تلك الرواية على عشاء من يريد الصلاة فلو وضع عشاء غيره لم يدخل في ذلك ويحتمل أن يقال بالنظر إلى المعنى لو كان جائعًا واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولًا يزيل شغل باله ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ ويؤيد هذا
[ ٢ / ١٤٥ ]
الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم من طريق أخرى عن عائشة: "لا صلاة بحضرة طعام" الحديث وقول أبي الدرداء الماضي إقباله على حاجته» اهـ.
٤ - قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (١٠٥):
«ومدافعة الأخبثين إمَّا أن تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه وإن دخل واختل الركن أو الشرط: فسدت بذلك الاختلال وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة» اهـ.
قلت: والظاهرية على الفساد مطلقًا.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ١٠٥ - ١٠٦):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُزِيلَ هَذَا الْعَارِضَ ثُمَّ يَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُصَلِّي مَعَ الْعَارِضِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ وَالثَّانِي حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يُزِيلُ الْعَارِضَ فَيَتَوَضَّأُ وَيَأْكُلُ وَإِنْ خرج الوقت ثم يقضيها لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ إذَا انْتَهَى بِهِ مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ إلَى أَنْ ذَهَبَ خُشُوعُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عن أهل الظاهر بطلانها والله أعلم» اهـ.
٥ - قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ١٧٩ - ١٨٠):
«مسألة: إذا قال قائل: إنَّ الوقت قد ضاق، وهو الآن يدافع أحد الأخبثين فإن قضى حاجته وتوضأ خرج الوقت، وإن صلى قبل خروج الوقت صلى وهو يدافع الأخبثين، فهل يصلي وهو يدافع
[ ٢ / ١٤٦ ]
الأخبثين، أو يقضي حاجته ويصلي؛ ولو بعد الوقت؟
فالجواب: إن كانت الصلاة تجمع مع ما بعدها فليقض حاجته وينوي الجمع؛ لأنَّ الجمع في هذه الحال جائز، وإن لم تكن تجمع مع ما بعدها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر، أو في صلاة العصر، أو في صلاة العشاء، فللعلماء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنَّه يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين حفاظًا على الوقت، وهذا رأي الجمهور.
القول الثاني: يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت.
وهذا القول أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأنَّ هذا بلا شك من اليسر، والإنسان إذا كان يدافع الأخبثين يخشى على نفسه الضرر مع انشغاله عن الصلاة.
وهذا في المدافعة القريبة.
أمَّا المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطع من شدة الحصر، أو يخشى أن يغلبه الحدث فيخرج منه بلا اختيار، فهذا لا شك أنَّه يقضي حاجته ثم يصلي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف» اهـ.
قلت: أمَّا الصورة الأولى فالذي يظهر لي أنَّ مذهب الجمهور أصح وذلك أنَّ الوقت أهم شروط الصلاة فهو مقدم على مراعاة الخشوع. والله أعلم.
٦ - قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح": «الأفضل في ركعتي الطواف أن تكون خلف المقام، لكن إذا كان المطاف مزدحمًا ووصل
[ ٢ / ١٤٧ ]
الطائفون إلى المقام فلا يجوز أن تصلي في المكان الذي يحتاج إليه الطائفون؛ لأنَّ في ذلك إيذاءً لهم وتضييقًا عليهم، ويحصل لك انشغال وتشويش، وقد نهى النبي ﷺ أن يصلي الإنسان وهو مشغول البال، فقال ﷺ: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" ومدافعة الناس الطائفين وأنت تصلي أشد من مدافعة الأخبثين، وفي هذه الحالة نقول: صلِّ في أي مكان في المسجد، لكن الأفضل أن تجعل المقام بينك وبين الكعبة ولو كنت بعيدًا» اهـ.
* * *
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ».
٥٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ».
قال المصنف: وفي البابِ عنْ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وأَبي هريرةَ، وسَمُرَةَ بنِ جُندُبِ، وسَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ومعاذِ بنِ جبلٍ، ومعاذِ بنِ عفراء، وكعبِ بنِ مُرَّةَ، وأَبي أُمامةَ الباهليِّ، وعمرِو بنِ عبسةَ السُلَميِّ، وعائشةَ ﵃، والصَّنابحيِّ، ولم يسمعْ منَ النبيِّ ﷺ. فحديثه مُرْسل.
قوله: «شَهِدَ عِنْدِي». أي حدثني وأخبرني ففيه أنَّ الإخبار بالشيء شهادة، وإن لم يقل القائل: شهدت.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وفي الحديثين مسائل منها:
[ ٢ / ١٤٩ ]
١ - قوله: «شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ -». رد على الروافض الذين يطعنون في أصحاب رسول الله ﷺ ولا يترضون عنهم، وفيه ما يدل على أنَّ آل البيت يعرفون للصحابة فضلهم لا سيما أكابرهم كعمر بن الخطاب ﵁.
٢ - وفي الحديثين نهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب. فهل المراد بذلك وقت الصلاة أو فعلها، فأمَّا العصر فالمراد به فعلها، وأمَّا الصبح فتنازع في ذلك العلماء.
وقد روى البخاري (١١٩٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ».
وروى مسلم (٨٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ».
وروى مسلم (٨٣٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ».
[ ٢ / ١٥٠ ]
قلت: وهذه الأحاديث تدل على أنَّ وقت النهي يدخل بفعل صلاة الفجر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٢٠): «وقوله: "نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس"، أول هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا طلع الفجر، وهو المراد بقوله في هذه الرواية: "بعد الصبح"؛ فإنَّ الصبح هو الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: "نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس"
وهذا قول جمهور العلماء: أنَّ أول وقت النهي عن الصلاة إذا طلع الفجر.
وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة.
وقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك.
وكرهه سعيد بن المسيب، قال: هو خلاف السنة.
وعطاء والحسن قال: وما سمعت فيه بشيء، والعلاء بن زياد وحميد ابن عبد الرحمن.
وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه.
وذكر أبو نصر بن الصباغ من الشافعية: أنَّه ظاهر مذهب الشافعي.
وحكى الترمذي في "جامعه" أنَّ أهل العلم أجمعوا عليه، وكرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلَّا ركعتي الفجر.
[ ٢ / ١٥١ ]
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: "لا صلاة بعد الفجر إلَّا سجدتين".
وله طرق متعددة عن ابن عمر.
وخرج الطبراني والدارقطني والبزار نحوه من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ.
وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
وله عنه طرق.
وروي عن ابن المسيب مرسلًا، وهو أصح.
ومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل.
وفي "صحيح مسلم"، عن حفصة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلَّا ركعتين خفيفتين.
وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أي الساعات أفضل؟ قال: "جوف الليل الآخر، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة، إلَّا الركعتين حتى تصلي الفجر".
وخرجه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، عن النبي ﷺ بمعناه، وقال فيه: "فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح، ثم انته حتى تطلع الشمس".
وخرجه النسائي، وعنده: "حتى تصلي الصبح".
[ ٢ / ١٥٢ ]
فقد تعارضت الروايتان في حديث عمرو بن عبسة.
ومما يدل على أنَّ وقت النهي يدخل بطلوع الفجر: قول النبي ﷺ: "إنَّ بلالًا يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم".
وقد خرجاه في "الصحيحين" من حديث ابن مسعود.
فإن معنى: "يرجع قائمكم": أنَّ المصلي بالليل يمسك عن الصلاة ويكف عنها.
وقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر، قبل صلاة الفجر، كالوتر وصلاة الليل. روي عن عمر وعائشة في صلاة الليل. وإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل.
وروي عن عطاء.
ونص أحمد عليه في الوتر، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف حكاه في المذهب، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب، كتحية المسجد وغيرها.
وقال آخرون: لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر.
ورويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاووس.
والمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه: الرخصة في ذلك، حتى يصلي الفجر.
وحكي رواية عن أحمد.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وفي "صحيح مسلم" عن عمرو بن عبسة، أنَّه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة؟ فقال: "صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنَّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار" وذكر الحديث.
وهذا إنَّما يدل بمفهومه، وقد عارض مفهومه منطوق الروايات الأولى، فيقدم المنطوق عليه» اهـ.
قلت: لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في أوقات الكراهة فقد قال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٠٠ - ٢٠٥): «فصل: والنهي في العصر معلق بصلاة العصر: فإذا صلاها لم يصل بعدها وإن كان غيره لم يصل وما لم يصلها فله أن يصلي وهذا ثابت بالنص والاتفاق؛ فإنَّ النهي معلق بالفعل.
وأمَّا الفجر: ففيها نزاع مشهور وفيه عن أحمد روايتان:
قيل: إنَّه معلق بطلوع الفجر فلا يتطوع بعده بغير الركعتين وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة. قال النخعي: كانوا يكرهون التطوع بعد الفجر.
وقيل: إنَّه معلق بالفعل كالعصر. وهو قول الحسن والشافعي فإنَّه لم يثبت النهي إلَّا بعد الصلاة كما في العصر. وأحاديث النهي تسوي بين الصلاتين كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: "شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب".
وكذلك فيهما عن أبي هريرة ولفظه: "وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب"، وفيهما عن أبي سعيد قال: قال رسول الله
[ ٢ / ١٥٤ ]
ﷺ: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس"، ولمسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر"، وفي صحيح مسلم حديث عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله: أخبرني عن الصلاة قال: "صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإنَّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار". والأحاديث المختصة بوقت الطلوع والغروب وبالاستواء: حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب" هذا اللفظ لمسلم، وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن. موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب".
ووقت الزوال ليس في عامة الأحاديث ولم يذكر حديثه البخاري؛ لكن رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث عمرو بن عبسة، وتابعهما الصنابحي. وعلى هذه الثلاثة اعتمد أحمد ولما ذكر له الرخصة في الصلاة نصف النهار يوم الجمعة قال: في حديث النبي ﷺ من ثلاثة أوجه:
[ ٢ / ١٥٥ ]
حديث عقبة بن عامر، وحديث عمرو بن عبسة، وحديث الصنابحي. والخرقي لم يذكره في أوقات النهي بل قال: ويقضي الفوائت من الصلوات الفرض ويركع للطواف وإن كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان صلى في كل وقت نهي عن الصلاة فيه وهو بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب. وهذا يقتضي أنَّه ليس وقت نهي إلَّا هذان ويقتضي أنَّ ما أباحه يفعل في أوقات النهي كإحدى الروايتين ويقتضي أنَّ النهي معلق بالفعل فإنَّه قال: بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولم يقل الفجر ولو كان النهي من حين طلوع الفجر لاستثنى الركعتين بل استثنى الفرض والنفل. وهذه ألفاظ الرسول فإنَّه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس كما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
ومعلوم أنَّه لو أراد الوقت لاستثنى ركعتي الفجر والفرض كما ورد استثناء ذلك في ما نهى عنه حيث قال: "لا صلاة بعد الفجر إلَّا سجدتين" فلما لم يذكر ذلك في الأحاديث علم أنَّه أراد فعل الصلاة كما جاء مفسرًا في أحاديث صحيحة. ولأنَّه يمتنع أن تكون أوقات الصلاة المكتوبة فرضها وسنتها وقت نهي وما بعد الفجر وقت صلاة الفجر سنتها وفرضها فكيف يجوز أن يقال: إنَّ هذا وقت نهي؟ وهل يكون وقت نهي سنَّ فيه الصلاة دائمًا بلا سبب؟ وأمر بتحري الصلاة فيه؟ هذا تناقض مع أنَّ هذا الوقت جعل وقتًا للصلاة إلى طلوع الشمس ليس كوقت العصر الذي جعل آخر الوقت فيه إذا اصفرت الشمس. والنهي هو لأنَّ الكفار يسجدون لها وهذا لا يكون من طلوع الفجر ولهذا كان الأصل في النهي عند الطلوع والغروب كما في حديث ابن عمر لكن نهى عن الصلاة بعد الصلاتين سدًا للذريعة فإنَّ المتطوع قد يصلي بعدهما حتى يصلي وقت الطلوع والغروب. والنهي
[ ٢ / ١٥٦ ]
في هذين أخف ولهذا كان يداوم على الركعتين بعد العصر حتى قبضه الله. فأمَّا قبل صلاة الفجر فلا وجه للنهي لكن لا يسن ذلك الوقت إلَّا الفجر سنتها وفرضها. ولهذا كان النبي ﷺ يصلي بالليل ويوتر ثم إذا طلع الفجر صلى الركعتين ثم صلى الفرض وكان يضطجع أحيانًا ليستريح إمَّا بعد الوتر وإمَّا بعد ركعتي الفجر وكان إذا غلبه من الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة بدل قيامه من الليل ولم يكن يقضي ذلك قبل صلاة الفجر؛ لأنَّه لم يكن يتسع لذلك فإنَّ هذه الصلاة فيها طول وكان يغلس بالفجر. وفي الصحيح: "من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنَّما قرأه من الليل" ومعلوم أنَّه لو أمكن قراءة شيء منه قبل صلاة الفجر كان أبلغ لكن إذا قرأه قبل الزوال كتب له كأنَّما قرأه من الليل فإنَّ هذا الوقت تابع لليلة الماضية ولهذا يقال فيما قبل الزوال: فعلناه الليلة. ويقال بعد الزوال: فعلناه البارحة وهو وقت الضحى وهو خلف عن قيام الليل. ولهذا كان النبي ﷺ إذا نام عن قيامه قضاه من الضحى فيصلي اثنتي عشرة ركعة. وقد جاء هذا عن عمر وغيره من الصحابة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. فما بعد طلوع الفجر إنَّما سن للمسلمين السنة الراتبة وفرضها الفجر وما سوى ذلك لم يسن ولم يكن منهيًا عنه إذا لم يتخذ سنة كما في الحديث الصحيح: "بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء". كراهية أن يتخذها الناس سنة.
[ ٢ / ١٥٧ ]
فهذا فيه إباحة الصلاة بين كل أذانين كما كان الصحابة يصلون ركعتين بين أذاني المغرب والنبي ﷺ يراهم ويقرهم على ذلك فكذلك الصلاة بين أذاني العصر والعشاء كذلك بين أذاني الفجر والظهر لكن بين أذاني الفجر الركعتان سنة بلا ريب وما سواها يفعل ولا يتخذ سنة فلا يداوم عليه ويؤمر به جميع المسلمين كما هو حال السنة فإنَّ السنة تعم المسلمين ويداوم عليها كما أنَّهم كلهم مسنون لهم ركعتا الفجر والمداومة عليها.
فإذا قيل: لا سنة بعد طلوع الفجر إلَّا ركعتان فهذا صحيح وأمَّا النهي العام فلا. والإنسان قد لا يقوم من الليل فيريد أن يصلي في هذا الوقت وقد استحب السلف له قضاء وتره بل وقيامه من الليل في هذا الوقت وذلك عندهم خير من أن يؤخره إلى الضحى» اهـ.
قلت: حديث النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر غير ركعتي الفجر رواه أبو داود (١٢٧٨)، والترمذي (٤١٩) من طريق قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ يَسَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَآنِى ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ يَا يَسَارُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّى هَذِهِ الصَّلَاةَ فَقَالَ: «لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
قلت: فيه أيوب بن حصين، ويقال: محمد بن حصين، وهو في عداد مجهولي الحال، والحديث حسن بشواهده.
[ ٢ / ١٥٨ ]
ورواه أحمد (٤٧٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْخٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
قال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
«يرويه قدامة بن موسى، واختُلِفَ عنه؛
فرواه الدراوردي، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة - مولى ابن عباس، عن يسار - مولى ابن عُمَر، عن ابن عُمَر.
وتابعه عمر بن علي المقدمي.
وخالفهم سليمان بن بلال، ووهيب فروياه عن قدامة بن موسى، عن أيوب بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار، عن ابن عُمَر.
ورواه علي بن عاصم، عن قدامة بن موسى، عن أبي علقمة، لم يذكر بينهما أحدًا.
ورواه وكيع، عن قدامة بن موسى، عن رجل - لم يسمه، عن ابن عمر.
ويشبه أن يكون القول قول سليمان بن بلال، ووهيب، لأنهما ثبتان» اهـ.
قلت: وللحديث شواهد منها:
ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٧٥٧)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٣٦٨)، والدارقطني في [سننه] (٩٦٥، ١٥٥١)، والبيهقي في [الكبرى] (٤١٢٨) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ
[ ٢ / ١٥٩ ]
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ».
قلت: فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف.
وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الحافظ البيهقي فيه الرفع.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٧٥٦)، والبيهقي في [الكبرى] (٤١٣٠) من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ».
قال الحافظ البيهقي: يَعْنِي الْفَجْرَ وَرُوِيَ مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ وَصَلُهُ اهـ.
ورواه الخطيب البغدادي ﵀ في [الفقيه والمتفقه] (٣٨١) من طريق عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ صَلَّى بَعْدَ النِّدَاءِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ فَحَصَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُكُمْ يَعْلَمُ فَلْيَسْأَلْ، إِنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ» قَالَ: فَانْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَتَخْشَى أَنْ يُعَذِّبُنِيَ اللَّهُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «بَلْ أَخْشَى أَنْ يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ».
قلت: حديث الثوري أصح.
وروى البيهقي في [الكبرى] (٤١٣١) أنبأ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ، أنبأ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّارَكِيُّ، ثنا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
[ ٢ / ١٦٠ ]
أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُكْثِرُ فِيهَا الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ يُعَذِّبُنِي اللهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٧٥٥)، والدارمي في [سننه] (٤٤٤) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي رِيَاحٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُكَرِّرُ الرُّكُوعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَى الصَّلَاةِ؟» قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ يُعَذِّبُكَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ».
وجاء عند الدارمي عَنْ أَبِي رَبَاحٍ - شَيْخٌ مِنْ آلِ عُمَرَ - هكذا ذكره بالموحدة التحتية.
وعلى كل حال لا يدرى من هو فهو علة هذه القصة.
٣ - قوله في حديث أبي سعيد ﵁: «حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ» يدل أنَّ وقت الكراهة ينتهي بارتفاع الشمس ولم يبين في هذا الحديث مقدار الارتفاع، وقد جاء بيان ذلك في حديث عمرو بن عبسة فروى أحمد (١٦٤٠٠)، أبو داود (١٠٨٥) واللفظ له، والنسائي (٥٦٨) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ قَالَ:
«جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَصَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الصُّبْحَ ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ قِيْسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَتُصَلِّى لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحُ ظِلَّهُ ثُمَّ أَقْصِرْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ
[ ٢ / ١٦١ ]
فَصَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَيُصَلِّى لَهَا الْكُفَّارُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قال العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ٢٧٦): «وقيس رمح معناه قدر رمح في رأي العين يقال هو قيس رمح وقِيد رمح بمعنى واحد» اهـ.
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ١٨٣ - ١٨٤):
«وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الِارْتِفَاعِ عَنْ الْأُفُقِ بَلْ الِارْتِفَاعُ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ صُفْرَةُ الشَّمْسِ أَوْ حُمْرَتُهَا، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تُنَافِي لَفْظَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى عِنْدَ حَضْرَةُ الشَّيْءِ فَمَا قَارَبَ الطُّلُوعَ، وَالْغُرُوبَ فَلَهُ حُكْمُهُ لَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يُقَارِبُ الطُّلُوعَ مِمَّا بَعْدَهُ، وَمَا يُقَارِبُ الْغُرُوبَ مِمَّا قَبْلَهُ وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ: إنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِطُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ بِتَمَامِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الِارْتِفَاعِ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا» اهـ.
وقال العلامة العيني الحنفي ﵀ في [عمدة القاري] (٥/ ٨٩):
«وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي قدر الْوَقْت الَّذِي تُبَاح فِيهِ الصَّلَاة بعد الطُّلُوع. قَالَ فِي الأَصْل: حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس قدر رمح أَوْ رُمْحَيْنِ. وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل: مَا دَامَ الْإِنْسَان يقدر على النّظر إِلَى قرص الشَّمْس لَا تُبَاح فِيهِ الصَّلَاة، فَإِنْ عجز عَنْ النّظر تُبَاح» اهـ.
قلت: الصحيح هو العمل بالحديث.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقدَّر العلامة ابن عثيمين ﵀ ذلك بالدقائق فقال في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٨٧):
«ووقتُ النَّهي: من طُلوع الشَّمس إلى أن ترتفع قِيد رُمحٍ، أي: بعين الرَّائي، وإلَّا فإن هذا الارتفاع قِيد رُمحٍ بحسب الواقع أكثر من مساحة الأرض بمئات المرَّات، لكن نحن نراه بالأُفق قِيد رُمحٍ، أي: نحو متر.
وبالدَّقائق المعروفة: حوالي اثنتي عشرة دقيقة، ولنجعله ربع ساعة خمس عشرة دقيقة؛ لأنَّه أحوط فإذا مضى خمس عشرة دقيقة من طلوع الشَّمس، فإنَّه يزول وقت النَّهي، ويدخل وقت صلاة الضُّحى» اهـ.
وقال العلامة ابن باز ﵀ كما في [مجموع فتاوى ابن باز] (١١/ ٣٩٧):
«صلاة الضحى مشروعة كل يوم وأقلها ركعتان والأحاديث فيها كثيرة، ووقتها يبتدئ من ارتفاع الشمس قيد رمح في عين الناظر وذلك يقارب ربع ساعة بعد طلوعها» اهـ.
قلت: وقد بيَّن العلماء مقدار الرمح فقال العلامة محمد بن عبد الله الخرشي المالكي ﵀ في [شرح مختصر خليل] (١/ ٢٢٤):
«وَطُولُ الرُّمْحِ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا مِنْ الْأَشْبَارِ الْمُتَوَسِّطَةِ» اهـ.
وقال ابن عابدين الحنفي ﵀ في [حاشيته] (٢/ ١٧١):
«"قَوْلُهُ: قَدْرَ رُمْحٍ" هُوَ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا» اهـ.
قلت: ومقدار ذلك بالأمتار متران ونصف مع زيادة يسيرة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
٤ - احتج بهذا الحديث من ذهب إلى المنع من صلاة ذوات الأسباب وغيرها في وقت الكراهة.
وهذه المسألة تنازع فيها العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٩١):
«وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَتِلْكَ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا قَوْلُ أَحْمَد أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَحَادِيثُ خَاصَّةٌ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ فَلِهَذَا اسْتَثْنَاهَا وَاسْتَثْنَى الْجِنَازَةَ فِي الْوَقْتَيْنِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا سَائِرُ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ: مِثْلَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَمِثْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَمِثْلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ. فَاخْتَلَفَ كَلَامُهُ فِيهَا. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ النَّهْيُ وَهُوَ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: كالخرقي وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ السُّجُودَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لَا وَاجِبَ عِنْدَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: جَوَازُ جَمِيعِ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي هَذَا الْبَابِ لِوُجُوهِ» اهـ.
قلت: قوله: «وَتِلْكَ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ». أي صلاة ركعة من الفجر عند طلوع الفجر، وركعة من العصر عند غروبها، وركعتا الطواف، والمعادة إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥):
[ ٢ / ١٦٤ ]
«حمل الحنفية هذا النهي الذي في هذا الحديث وفي صورة الاستواء على عمومه فطرد النهي في كل صلاة، ولو كانت فريضة فائتة، ولو كانت ذات سبب كصلاة الجنازة وسجود التلاوة، ولو صبح يومه فلو أخر صلاة الصبح حتى شرعت الشمس في الطلوع لم يجز أن يبتدئها حتى يتم طلوعها وترتفع، ولو شرع فيها قبل ذلك فطلعت الشمس، وهو في أثنائها بطلت ووجب استئنافها بعد ذلك ولم يستثن من ذلك إلَّا عصر يومه فقالوا له فعله عند غروب الشمس، ولو شرع فيه قبل ذلك فغربت الشمس، وهو في أثنائها، أتم، وقالوا: إنَّ النهي عن الصلاة بعد الصبح، والعصر ليس على عمومه فله أن يصلي في ذينك الوقتين الفوائت وسجدة التلاوة ويصلي على الجنازة وعللوه بأنَّ الكراهة إنَّما هي حق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به لا لمعنى في الوقت بخلاف الأوقات الثلاثة المقدمة.
وبذلك يظهر أنَّ قول النووي في شرح مسلم اتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها مردود، فإنَّ الحنفية منعوا الصبح فيها والله أعلم.
وزاد بعضهم على ذلك فمنع العصر أيضًا ذكر ابن حزم من طريقه أنَّ أبا بكر نام في بستان عن العصر فلم يستيقظ حتى اصفرت الشمس فلم يصل حتى غربت الشمس، ثم قام فصلى.
وذهب أصحابنا الشافعية إلى أنَّ النهي في جميع الصور إنَّما هو في صلاة لا سبب لها فأمَّا ما له سبب متقدم عليه أو مقارن له فيجوز فعله في وقت الكراهة، وهذا كالفائتة، ولو كانت من السنن الرواتب أو من النوافل التي اتخذها الإنسان وردًا له وكصلاة الجنازة وسجود التلاوة، والشكر وركعتي الطواف وصلاة
[ ٢ / ١٦٥ ]
الكسوف وسنة الوضوء، ولو توضأ في وقت الكراهة وصلاة الاستسقاء على الأصح خلافًا لما صححه النووي في "شرح المهذب" فيها في بابها، وتحية المسجد إذا دخل لغرض غير صلاة التحية فلو دخل لا لحاجة بل ليصلي التحية فقط ففيه وجهان.
ذكر الرافعي والنووي أنَّ أقيسهما الكراهة وشبها ذلك بما لو أخر الفائتة ليصليها في هذه الأوقات، وفيه نظر، فإنَّه لو فعل ذلك لم نقل بكراهة فعلهما في هذه الأوقات، والمكروه هو التأخير فمقتضاه أن يكون المكروه هنا دخوله المسجد في ذلك الوقت بذلك القصد لا فعل التحية في ذلك الوقت "وقولي أولًا" ما له سبب متقدم أو مقارن خرج به ما له سبب متأخر عنه كصلاة الاستخارة وركعتي الإحرام فيكره فعلهما في وقت الكراهة على الأصح.
وقال في "شرح المهذب": إن مقابله قوي فهذا تفصيل مذهبنا ووافقنا الحنابلة على قضاء الفائتة إذا كانت فريضة وفي ركعتي الطواف وفصلوا في قضاء النافلة فقالوا في الوتر: إنَّ له فعله قبل صلاة الصبح مع أنَّ المشهور عندهم ثبوت الكراهة من طلوع الفجر كما تقدم، وكذا حكى ابن أبي موسى في الإرشاد عن أحمد أنَّ له قضاء صلاة الليل قبل فعل الصبح قياسًا على الوتر، وقد تقدم مثل ذلك عن المالكية وجوزوا أيضًا قضاء سنة الفجر بعدها، وإن كان الأفضل عندهم تأخير ذلك إلى الضحى.
وأمَّا بقية الرواتب فالصحيح عندهم جواز قضائها بعد صلاة العصر خاصة دون بقية أوقات النهي وعن أحمد رواية أخرى أنَّه يجوز فعلها في أوقات النهي مطلقًا، وأمَّا كل صلاة لها سبب كتحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود التلاوة
[ ٢ / ١٦٦ ]
فالمشهور عندهم منعها في كل أوقات النهي وقيل بجوازها مطلقًا، وأمَّا صلاة الجنازة فجوزوها فيما بعد صلاة الصبح، والعصر.
وهو مجمع عليه كما حكاه ابن المنذر ومنعوها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة فأشبهوا في ذلك الحنفية، وعن أحمد رواية أخرى بجوازها في الأوقات كلها، وأمَّا المالكية فاستثنوا من أوقات الكراهة قضاء الفائتة عمومًا أي الفرائض، فإنَّهم يمنعون قضاء الفوائت مطلقًا، ولو كانت رواتب واستثنوا أيضًا ركعتي الفجر واستدراك قيام الليل لمن نام عن عادته قبل فعل الصبح فيهما كما تقدم.
وأمَّا صلاة الجنازة وسجود التلاوة فمنعوهما عند طلوع الشمس وغروبها كما فعل الحنفية، والحنابلة، وضابط ذلك عندهم من وقت الإسفار، والاصفرار.
وأمَّا فعلهما بعد صلاة الصبح وقبل الإسفار وبعد صلاة العصر وقبل الاصفرار.
ففيه عندهم ثلاثة أقوال: المنع، وهو مذهب الموطأ، وهو قادح في نقل ابن المنذر الإجماع في صلاة الجنازة في هذين الوقتين كما تقدم، والجواز، وهو مذهب المدونة وتخصيص الجواز بما بعد الصبح دون ما بعد العصر، وهو رأي ابن حبيب قال ابن عبد البر: وهذا لا وجه له في النظر إذ لا دليل عليه من خبر ثابت ولا قياس صحيح انتهى، وهذا كله ما لم يخش تغير الميت، فإن خيف ذلك صلي عليه في جميع الأوقات، وقد ظهر بذلك أنَّ أرباب المذاهب الثلاثة جوزوا في أوقات النهي ما له سبب في الجملة، وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك، وأنَّ الحنفية جوزوا
[ ٢ / ١٦٧ ]
ذلك في وقتين من أوقات الكراهة وهما بعد الصبح وبعد العصر دون بقية الأوقات.
وجوز ابن حزم في أوقات النهي ما له سبب إذا لم يتذكره إلَّا فيها، فإن تذكره قبلها فتعمد تأخيره إليها لم يجز فعله فيها» اهـ.
قلت: والصحيح في ذلك جواز فعل ما له سبب في أوقات الكراهة وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أنَّه قد دلت الأدلة على مشروعية فعل بعض الصلوات في بعض أوقات الكراهة وكلها من ذوات الأسباب فمن ذلك:
١ - قضاء راتبة الظهر البعدية بعد صلاة العصر
فروى البخاري (١١٧٦، ٤١١٢)، ومسلم (٨٣٤) عن كريب: «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ، ﵃، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ، ﵂، فَقَالُوا اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا، عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْهُمَا فَقَالَ كُرَيْبٌ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، ﵂، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي فَقَالَتْ سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ﵂، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ قُولِي لَهُ تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا فَإِنْ
[ ٢ / ١٦٨ ]
أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ، عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي، عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ"».
وروى مسلم (٨٣٥) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا».
٢ - قضاء راتبة الفجر بعد صلاة الفجر.
فروى أحمد (٢٣٨١١)، وأبو داود في [سننه] (١٢٦٩)، وابن ماجه (١١٥٤) من طريق ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ». فَقَالَ الرَّجُلُ إِنِّى لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قلت: هذا إسناد ليس بمتصل محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس قاله الإمام الترمذي.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٤٥ - ١٤٦):
«خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وقال الترمذي: إسناده ليس بمتصل؛ محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس. ورواه بعضهم عن سعد، عن محمد، أنَّ النبي ﷺ خرج فرأى قيسًا.
وذكر أبو داود أن يحيى بن سعيد وأخاه عبد ربه روياه - مرسلًا -، أن النبي ﷺ خرج فرأى قيسًا يصلي.
وقيس جدهما - هو أخوهما.
وقد روى الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جده، أنه جاء والنبي ﷺ يصلي - فذكره.
خرجه ابن حبان في "صحيحه" والدارقطني والحاكم.
وزعم أنَّه صحيح، وليس كذلك.
قال ابن أبي خيثمة: ذكر عن أبيه، أنَّه قال: يقال: إنَّ سعيدًا لم يسمع من أبيه قيس شيئًا.
فهو - أيضًا - مرسل.
وقد ضعف أحمد هذا الحديث، وقال: ليس بصحيح.
وقد رواه عبد الملك بن أبي سليمان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسل.
وذكر أبو داود والترمذي: أن ابن عيينة قال: سمع هذا الحديث عطاءً من سعد بن سعيد.
فعاد الحديث إلى حديث سعيد المتقدم.
وقد رواه الضعفاء، فأسندوه عن عطاء، وإسناده ووصله وهم:
[ ٢ / ١٧٠ ]
فرواه أيوب بن سويد، عن ابن جريح، عن عطاءٍ، عن قيس.
وأيوب ضعيف، وهم في إسناده له عن قيس.
ورواه سعيد بن راشد السماك، عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
وسعيد هذا، ضعيف.
ورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني، عن أبيه، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ. ومحمد بن سليمان، يقال له: البومة، ضعيف.
والصحيح عن عطاء: المرسل -: قاله أبو حاتم والدارقطني وغيرهما» اهـ.
٣ - إعادة الصلاة لمن دخل المسجد والناس يصلون ولو كان الوقت وقت كراهة.
لما رواه أحمد (١٦٨٢٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٤٩)، والترمذي (٢٠٣) من طريق يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
«شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا"، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"».
قلت: هذا حديث صحيح.
٤ - إعادة الصلاة خلف الأمراء في أوقات الكراهة.
[ ٢ / ١٧١ ]
فروى مسلم (٦٤٨) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا". قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ"».
قلت: والأمراء الذين أدركهم أبو ذر كانوا يؤخرون صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، ولم يكونوا يؤخرون صلاة المغرب، ولا العشاء، ولا الفجر، وإنَّما غاية ما حصل منهم تأخير صلاتي الظهر والعصر ففي هذا إذن من النبي ﷺ بالتنفل مع الأمراء بعد صلاة العصر كما هو ظاهر.
٥ - صلاة ركعتي الطواف في وقت الكراهة.
فروى أحمد (١٦٨٢٠)، وأبو داود (١٨٩٤)، والنسائي (٥٨١)، والترمذي (٧٩٥)، وابن ماجه (١٢٤٤) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».
قلت: وهو حديث صحيح.
٦ - صلاة الجنازة بعد صلاتي الصبح والعصر.
قلت: نقل غير واحد من العلماء الإجماع على مشروعية ذلك.
الوجه الثاني: أنَّ السنة قد جاء بالأمر بصلاة ركعتين عند دخول المسجد مع أنَّ ذلك الوقت من أشد أوقات النهي حتى أنَّه يحرم فيه ما لا يحرم في سائر أوقات النهي كقراءة القرآن، وذكر الله ويحرم فيه الكلام وسائر الأفعال التي هي من قبيل العبث، وما لا مصلحة فيه وغير ذلك من الأمور التي لا ينهى عن فعلها في
[ ٢ / ١٧٢ ]
أوقات الكراهة. فإذا أذن بصلاة تحية المسجد في هذا الوقت ففي وقت الكراهة من باب أولى.
فروى البخاري (٨٨٩)، ومسلم (٨٧٥) عن جابر قال: «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ". قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ"».
وفي لفظ لمسلم (٨٧٥) أنَّ النبى ﷺ خطب فقال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
وفي لفظ للبخاري (١١٧٠) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، أَوْ قَدْ خَرَجَ - فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
الوجه الثالث: روى البخاري (٥٥٨) ومسلم (١٩٦٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا».
ووجه الشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ إنَّما نهى عن تحري أوقات الكراهة للصلاة وهذا النهي لا يتناول ذوات الأسباب فإنَّها لا تفعل تحريًا لوقت الكراهة وإنَّما تفعل من أجل السبب.
الوجه الرابع: أنَّ النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر وعند طلوع الشمس وعند غروبها من باب سد الذرائع وما نهي عنه من باب سد الذرائع يباح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب في وقت الكراهة أرجح من تركها
[ ٢ / ١٧٣ ]
لذريعة المشابهة للكافرين، وذلك أنَّ هذه الصلوات إذا لم يفعلها الإنسان في أوقات الكراهة فاتت عليه وذلك لأنَّها تفوت بفوات أسبابها، وأمَّا النافلة المطلقة التي لم تعلق بسبب فيمكن فعلها في غير أوقات الكراهة فلا مصلحة راجحة في فعلها في أوقات الكراهة فبقت على الأصل وهو تحريم فعلها في أوقات الكراهة.
الوجه الخامس: أنَّ الصلاة ذات السبب إذا فعلت في أوقات الكراهة انجرت إلى ذلك السبب وتعلقت به، وأمَّا النافلة المطلقة التي ليس لفعلها سبب تنجر إليه وتتعلق به فإنها تنجر إلى ذلك المحذور الذي من أجله نهى النبي ﷺ عن فعلها في تلك الأوقات.
فائدة نفيسة/ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٣٧ - ١٤٥) - عند كلامه على حديث أبي إسحاق، قال: رأيت الأسود ومسروقًا شهدًا على عائشة، قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلَّا صلى ركعتين". -:
«وخرجه مسلم من طريق غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق - وهو: السبيعي، به بمعناه.
وخرجه البخاري في موضع آخر من حديث ابن الزبير، عن عائشة.
وخرجه مسلم من طريق آخر، من رواية محمد بن أبي حرملة: أخبرني أبو سلمة، أنَّه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر؟ فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنَّه شغل عنهما - أو نسيهما-، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها.
قال إسماعيل: تعني: داوم عليها.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وخرجه من وجه آخر، من طريق طاووس، عن عائشة، قالت: لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر. فقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: "لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك".
ففي هذه الرواية: إشارة من عائشة إلى أنَّ النبي ﷺ لم يكن يصلي في وقت نهى عن الصلاة فيه؛ لأنَّه إنَّما نهى عن تحري الطلوع والغروب، وكان يصلي قبل ذلك.
وعلى هذا؛ فلا إشكال في جواز المداومة عليها لمحبته المداومة على أعماله، كما في الرواية التي قبلها؛ لأنَّ ذلك الوقت ليس بوقت نهي عن الصلاة بالكلية.
وقد روي عن عائشة، أنَّه لم يداوم عليها.
خرجه الطبراني من رواية كامل أبي العلاء، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: فاتت رسول الله ﷺ ركعتان قبل العصر، فلما انصرف صلاهما، ثم لم يصلهما بعد.
وروى بقي بن مخلد في "مسنده": حدثنا محمد بن مصفى: ثنا بقية: حدثني محمد بن زياد: سمعت عبد الله بن أبي قيس يقول: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يركعهما قبل الهاجرة، فنهى عنهما، فركعهما بعد العصر، فلم يركعهما قبلها ولا بعدها.
وهذا إسناد جيد.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وخرجه الإمام أحمد عن غندر: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعت عبد الله بن أبي موسى، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن الوصال في الصوم، وسألتها عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ بعث رجلًا على الصدقة، فجاءته عند الظهر، فصلى الظهر، وشغل في قسمته حتى صلى العصر، ثم صلاها، وقالت: عليكم بقيام الليل؛ فإنَّ رسول الله ﷺ كان لا يدعه.
قال أحمد: يزيد بن خمير صالح الحديث. قال: وعبد الله بن أبي موسى هذا خطأ، أخطأ فيه شعبة، هو: عبد الله بن أبي قيس. انتهى.
والأمر كما قاله.
وقد روي عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة من وجه آخر، وهو شامي حمصي، خرج له مسلم.
وإنَّما سئلت عائشة عن الوصال والركعتين بعد العصر، لأنَّ النبي ﷺ كان ينهى عنهما ويفعلهما، وحديث عائشة هذا يدل على أنَّه إنَّما فعلهما في هذه المرة؛ ولذلك لم تأمر السائل بفعهلما، وإنَّما عدلت إلى أمره بقيام الليل، مع أنَّه لم يسأل عنه، وأخبرت أنَّ النبي ﷺ كان لا يدعه، وهذا يشعر بأنَّ الصلاة بعد العصر بخلاف ذلك.
وخرج الإمام أحمد - أيضًا - من رواية معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين بعد الظهر، فشغل عنهما حتى صلى العصر، فلما فرغ ركعهما في بيتي، فما تركهما حتى مات.
[ ٢ / ١٧٦ ]
قال عبد الله بن أبي قيس: فسألت أبا هريره عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه.
فخالف معاوية بن صالح محمد بن زياد ويزيد بن خيمر، وقولهما أولى.
وقد روي عن عائشة، أنَّها ردت الأمر إلى أم سلمة في ذلك، وقد سبق حديث كريب عنها - وهو أصح روايات الباب كما ذكره الدارقطني-، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنَّ عائشة قالت: أخبرتني أم سلمة، وحديث أبي سلمة، عن عائشة وأم سلمة.
وخرج الإمام أحمد من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: دخلت أنا وابن عباس على معاوية، فذكر الركعتين بعد العصر، فجاء ابن الزبير، فقال: حدثتني عائشة، عن رسول الله ﷺ. فأرسل إلى عائشة، فقالت: ذاك ما أخبرته أم سلمة، فدخلنا على أم سلمة، فأخبرناها ما قالت عائشة، فقالت: يرحمها الله، أو لم أخبرها أنَّ رسول الله ﷺ قد نهى عنهما؟
وفي رواية بهذا الإسناد: أنَّ عائشة قالت: لم أسمعه من رسول الله ﷺ، لكن حدثتني أم سلمة، فسألناها، فذكرت القصة، ثم قالت: ولقد حدثتها أنَّ رسول الله ﷺ نهى عنهما.
ورواه حنظلة السدوسي، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلى بنا معاوية العصر، فأرسل إلى ميمونة رجلًا، ثم أتبعه رجلًا آخر، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ كان يجهز بعثًا، ولم يكن عنده ظهر، فجاءه ظهر من ظهر
[ ٢ / ١٧٧ ]
الصدقة، فجعل يقسمه بينهم، فحبسوه حتى أرهق العصر، وكان يصلي قبل العصر ركعتين، أو ما شاء الله، فصلى العصر ثم رجع، فصلى ما كان يصلي قبلها، وكان إذا صلى صلاة، أو فعل شيئًا يحب أن يداوم عليه.
خرجه الإمام أحمد.
وفي رواية له بهذا الإسناد: أنَّ معاوية أرسل إلى عائشة، فأجابته بذلك.
وكلاهما وهم. والله أعلم.
ورواية يزيد بن أبي زياد له، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة أصح.
وحنظلة هذا، قال الإمام أحمد: منكر الحديث. وضعفه ابن معين والنسائي.
وقد روي عن عائشة ما يدل على أن النبي ﷺ لم يكن يصلي بعد العصر شيئًا.
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة النبي ﷺ عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالليث تسع ركعات فيهن الوتر، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.
فهذا يدل على أنَّه لم يكن يصلي بعد العصر شيئًا في بيتها؛ لأنَّه لو كان ذلك لذكرته كما ذكرت صلاته في بيتها بعد الظهر والمغرب والعشاء.
وقد خرجه الإمام أحمد، وزاد فيه: "وركعتين قبل العصر". ولم يذكر بعدها شيئًا.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وروى سعد بن أوس: حدثني مصدع أبو يحيى، قال: حدثتني عائشة - وبيني وبينها ستر-، أنَّ النبي ﷺ لم يصل صلاة إلَّا اتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما.
خرجه بقي بن مخلد.
فقد تبين بهذا كله أنَّ حديث عائشة كثير الاختلاف والاضطراب، وقد رده بذلك جماعة، منهم: الترمذي والأثرم وغيرهما.
ومع اضطرابه واختلافه فتقدم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب في النهي عن الصلاة بعد العصر عليه.
وعلى تقدير معارضته لتلك الأحاديث، فللعلماء في الجمع بينهما مسالك:
المسلك الأول:
أنَّ حديث عائشة يدل على التطوع المداوم عليه قبل الفريضة وبعدها، إذا فات شيء منه فإنَّه يجوز قضاؤه بعد العصر.
وقد روي هذا المعنى عن زيد بن ثابت وابن عباس، وإليه ذهب الشافعي والبخاري والترمذي وغيرهم.
ورجح أكثرهم: أنَّ النبي ﷺ لم يداوم على ذلك، كما في حديث أم سلمة، وقد تبين أنَّ عائشة رجعت إليها في ذلك.
وعلى تقدير أن يكون داوم عليها فقد كان ﷺ يحافظ على نوافله كما يحافظ على فرائضه، ويقضي ما فاته منها، كما روي عنه أنَّه كان يقضي ما فاته من الصيام في الأشهر في شعبان - كما كانت عائشة تقضي ما فاتها من رمضان
[ ٢ / ١٧٩ ]
- حتى لا يأتي رمضان آخر وقد فاته شيء من نوافله في العام الماضي فلما صلى يومًا ركعتين بعد العصر قضاءً لما فاته من النوافل كان ذلك سببًا مجوزًا لمداومته على مثل ذلك.
وفي هذا نظر؛ فإنَّه لما فاته صلاة الصبح بالنوم، وقضاها نهارًا لم يداوم على مثل تلك الصلاة كل يوم، وكذلك لما قضى صلاة العصر يوم الخندق.
واختلف الشافعية فيمن قضى شيئًا من التطوع في وقت النهي: هل له المداومة؟ على وجهين لهم، أصحهما: أنَّه لا يجوز المداومة.
ورجح الأكثرون: أنَّه ﷺ لم يداوم على هذه الصلاة.
كما روى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، قال: سمعت قبيصة بن ذؤيب، أن عائشة اخبرت آل الزبير، أن رسول الله ﷺ صلى عندها ركعتين بعد العصر، فكانوا يصلونها.
قال قبيصة: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، إنَّما كان كذلك لأن أناسًا من الأعراب أتوا رسول الله ﷺ بهجير، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر، ولم يصل ركعتين، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر، فانصرف إلى بيته، فذكر أنَّه لم يصل بعد الظهر شيئًا، فصلاهما بعد العصر، يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر.
[ ٢ / ١٨٠ ]
وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر؛ لأنَّه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما.
خرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وابن حبان في "صحيحه".
والمسلك الثاني:
أنَّه ﷺ كان مخصوصًا بإباحة الصلاة بعد العصر، أو في أوقات النهي مطلقًا، وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحابنا كابن بطة، ومن الشافعية وغيرهم.
وروى إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: رأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر، فقلت: ما هذا؟ قال: أخبرتني عائشة عن رسول الله ﷺ، أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر في بيتي، قال: فأتيت عائشة، فسألتها، فقالت: صدق، فقلت لها: فأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس"، فرسول الله ﷺ يفعل ما أمر، ونحن نفعل ما أمرنا.
أبو هارون، ضعيف الحديث.
ولهذا المعنى قال طائفة من العلماء: إنه إذا تعارض نهي النبي ﷺ وفعله أخذنا بنهيه؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصًا به، كما في نهيه عن
[ ٢ / ١٨١ ]
نكاح المحرم مع أنه نكح وهو محرم، إن ثبت ذلك، وكما كان يواصل في صيامه، ونهى عن الوصال.
ويعضد هذا: ما روي عن النبي ﷺ، أنه سئل: أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: "لا".
فروى حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ فقال: "قدم علي مال فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن". فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: "لا".
خرجه الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه".
وإسناده جيد.
قال الدارقطني: وروي عن ذكوان، عن عائشة، عن النبي ﷺ. وعن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ.
وقد ضعفه البيهقي بغير حجة في "كتاب المعرفة".
وخرجه في "كتاب السنن" من رواية ذكوان، عن عائشة، قالت: حدثتني أم سلمة - فذكرت الحديث.
وعاصم، وثقه جماعة من الأئمة.
[ ٢ / ١٨٢ ]
وروى زهير بن محمد، عن يزيد بن خصيفة، عن سلمة بن الأكوع، قال: كنت أسافر مع النبي ﷺ، فما رأيته صلى بعد العصر ولا بعد الصبح قط.
خرجه الإمام أحمد.
وذكره الترمذي في "علله"، وقال: سألت عنه محمدًا - يعني: البخاري-، فقال: لا أعرف ليزيد بن خصيفة سماعًا من سلمة بن الأكوع. قال: ولم نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه.
كذا قال.
وقد خرجه من طريق سعيد بن أبي الربيع: حدثنا سعيد بن سلمة: ثنا يزيد ابن خصيفة، عن ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه سلمة - فذكره- فأدخل بينهما: "ابن سلمة"، لكنه لم يسمه.
وقد خرج البخاري فيما سبق حديث معاوية، أنه قال: إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنها - يعني: الركعتين بعد العصر.
وقد ذكرنا فيما سبق عن عائشة حديثًا في هذا المعنى - أيضًا-، وأنها قالت: إن النبي ﷺ لم يصل صلاة إلا أتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما.
يستأنس لدعوى النسخ: بقول أبي هريرة: قد كنا نفعله - يعني: الصلاة بعد العصر-، ثم تركناه.
[ ٢ / ١٨٣ ]
خرجه الإمام أحمد من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، أنه سأل عائشة عن الركعتين بعد العصر - فذكر حديثها.
قال عبد الله بن أبي قيس: وسألت أبا هريرة عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه.
ويحتمل عندي: أن يجمع بين أحاديث عائشة المختلفة في هذا الباب بوجه آخر غير ما تقدم، وهو:
مسلك رابع:
لم نجد أحدًا سبق إليه، وهو محتمل:
فنقول: يمكن أن تكون عائشة ﵂ لما بلغها عن عمر وغيره من الصحابة النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ظنت أنَّهم ينهون عن الصلاة بمجرد دخول وقت العصر، كما قال ذلك كثير من العلماء أو أكثرهم في النهي عن الصلاة بعد الفجر، أنَّ النهي يدخل بطلوع الفجر كما سبق ذكره.
وكانت عائشة عندها علم من النبي ﷺ، أنَّه يصلي قبل صلاة العصر ركعتين في بيتها، وكان عندها رواية عن أم سلمة أنَّ النبي ﷺ صلى في بيتها مرة ركعتين بعد العصر، فكانت ترد بذلك كله قول من نهى عن الصلاة بعد العصر.
فإذا وقع التحقيق معها في الصلاة بعد صلاة العصر كما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك تقول: لا أدري، وتحيل على أم سلمة؛ لأن صلاة النبي ﷺ بعد صلاة العصر لم تره عائشة، إنما أخبرتها به أم سلمة، وإنما رأت عائشة صلاة النبي ﷺ في بيتها؛ وذلك بعد دخول
[ ٢ / ١٨٤ ]
وقت العصر وقبل صلاة العصر، مع أنها كانت -أحيانًا - تروي حديث أم سلمة وترسله، ولا تسمي من حدثها به.
وهذا وجه حسن يجمع بين عامة اختلاف الأحاديث في هذا الباب، إلَّا أنَّه يشكل عليه أحاديث:
منها: رواية يحيى بن قيس: اخبرني عطاء: أخبرتني عائشة، أن رسول الله ﷺ لم يدخل عليها بعد صلاة العصر إلَّا صلى ركعتين.
خرجه الإمام أحمد عن محمد بن بكر البرساني، عن يحيى، به.
ورواه أحمد بن المقدام وغيره، عن محمد بن بكر، ولم يذكروا لفظة: "صلاة".
ولعل هذه اللفظة رواها محمد بن بكر بما فهمه من المعنى، فكان تارةً يذكرها، وتارةً لا يذكرها، فإن المتبادر عند إطلاق الصلاة بعد العصر الصلاة بعد صلاة العصر، لا بعد وقت العصر، مع احتمال إرادة المعنى الثاني.
وقد روي عن عائشة - أيضًا-، أن النبي ﷺ كان لا يدع ركعتين بعد الصبح.
وقد خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ.
والمراد: بعد وقت الصبح، لا بعد صلاته، بغير إشكال.
ومنها: ما روى خلاد بن يحيى: ثنا عبد الواحد بن أيمن: حدثني أبي، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن ركعتين بعد العصر؟ فقالت: والذي ذهب بنفسه، ما تركهما حتى لقي الله. فقال: يا أم المؤمنين، فإن عمر كان ينهى عنها ويشدد فيها؟ قالت: صدقت، كان نبي الله ﷺ يصلي
[ ٢ / ١٨٥ ]
بالناس العصر، فإذا فرغ دخل بيوت نسائه فصلاهما؛ لئلا يروه فيجعلوها سنة، وكان يحب ما خف على أمته.
وهذا تصريح بأنه كان يصليهما بعد صلاة العصر.
ويعضده -أيضًا-: رواية الأسود ومسروق، عن عائشة، قالت: ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين.
وقد خرجه البخاري فيما سبق.
وقد روي -أيضًا- بنحو هذا اللفظ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله ﷺ بعد العصر إلا صلى ركعتين عندي.
وإنما كان النبي ﷺ يدخل على عائشة بعد صلاة العصر، كما في حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من العصر ودخل على نسائه فيدنو من إحداهن - وذكرت قصة حفصة والعسل.
وقد خرجه البخاري في "النكاح".
ويجاب عن ذلك كله: بأنَّ رواية خلاد بن يحيى قد خالفه فيها أبو نعيم، لم يذكر ما ذكره خلاد.
وقد خرج البخاري حديث أبي نعيم كما سبق دون حديث خلاد.
وقد دل على أنه غير محفوظ: أنَّ فيه: أن النبي ﷺ كان يدخل بيوت نسائه فيصليها.
وقد صح عن أم سلمة كما تقدم أنَّها قالت: لم أره صلاها إلَّا يومًا واحدًا، وذكرت سبب ذلك.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وأمَّا دخوله ﷺ على نسائه بعد العصر، فذاك كان يفعله دائمًا أو غالبًا، وعائشة إنما أخبرت عما رأته يفعله في يومها المختص بها.
يدل على ذلك: ما خرجه مسلم في "صحيحه" من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق، قالا: نشهد على عائشة أنَّها قالت: ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلَّا صلاهما رسول الله ﷺ في بيتي - تعني: الركعتين بعد العصر.
فتبين بهذا أنَّها أرادت يومها المختص بها الذي كان يكون مكثه عندها في بيتها، فكان يتوضأ عندها للعصر ويصلي ركعتين، ثم يخرج للصلاة، وربما كان يدخل بيتها في وقت العصر كذلك.
فدل هذا: على أنَّ مرادها: انه كان يصلي ركعتين بعد دخول وقت العصر، ولكن كان ذلك قبل صلاة العصر، وكانت تظن أنَّ هذا يرد قول عمر ومن وافقه بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وإنَّما كان مراد عمر وغيره من الصحابة: النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر.
ولاشتباه الأمر في هذا على كثير من الناس كان كثير من الرواة يروي حديث عائشة بالمعنى الذي يفهمه منه، ولا يفرق بين وقت العصر وفعل العصر، فوقع في ذلك اضطراب في ألفاظ الروايات.
وقد ظهر بهذا أنَّه لم يصح عن النبي ﷺ أنَّه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، إلَّا يوم صلاهما في بيت أم سلمة، وكانت عائشة ترويه عنها - أحيانًا-، كما في حديث ذكوان عنها، وأحيانًا ترسله، كما في حديث أم سلمة عنها.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وفي رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، أن عائشة لما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك، قالت: "لا علم لي" - تشير إلى أنها ليس عندها عن النبي ﷺ في ذلك شيء سمعته منه أو رأته يفعله - "ولكن سلوا أم سلمة" - تشير إلى أنها هي التي أخبرت عن النبي ﷺ، أنها رأته يفعل ذلك.
وفي رواية محمد بن أبي حرملة، عن عائشة، أنها حدثت عن النبي ﷺ بمثل حديث أم سلمة، فإن كان هذا محفوظًا فقد أرسلت الحديثين عنها، ويحتمل أن تكون أخبرت عما رأته، وأن يكون مرادها: أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين قبل وقت العصر - تعني: بعد الظهر-، فشغل عنهما أو نسيهما، ثم صلاهما بعد العصر- تعني: بعد وقت العصر، قبل صلاة العصر-، ثم أثبتهما من حينئذ، فداوم عليهما قبل صلاة العصر وبعد دخول وقت صلاة العصر.
ورواية ابن أبي لبيد أشبه من رواية ابن أبي حرملة، وكل منهما ثقة مخرج له في "الصحيحين".
وقال البيهقي في حديث ابن أبي لبيد: إنَّه حديث صحيح.
وإنَّما رجح أبن عبد البر رواية ابن أبي حرملة على رواية ابن أبي لبيد لموافقته في الظاهر لما فهمه من سائر الرواة عن عائشة في الصلاة بعد العصر، وقد بينا الفرق بينهما.
فإن قيل: فقد فرقت عائشة بين ركعتي الفجر والعصر، فقالت: "لم يكن يدع ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر"، كما في حديث الأسود وغيره، عنها كما
[ ٢ / ١٨٨ ]
سبق، ولو أرادت الوقت دون الفعل لسوت بينهما، وقالت: بعد الفجر وبعد العصر.
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنَّه روي عنها أنَّها قالت: كان النبي ﷺ لا يدع ركعتين بعد الصبح. وقد خرجه الإمام أحمد من رواية ابن المنتشر، عنها.
فهذا كقولنا: لا يدع ركعتين بعد العصر سواء.
والثاني: أن ركعتي الفجر لم يكن فيها اختلاف بين الصحابة أنها قبل الصلاة، ولم يكن أحد منهم يصلي بعد الصبح تطوعًا، ولا نقله عن النبي ﷺ، فلذلك كانت أحيانًا تقول: كان يصلي قبل الفجر، وأحيانًا تقول: بعد الصبح؛ لأن المعنى مفهوم.
وأمَّا الركعتان بعد العصر، فهما اللتان وقع فيهما الاختلاف بين الصحابة، وكان كثير منهم يصليهما وكان ابن الزبير قد أشاعهما بعد موت عمر، وكان عمر في خلافته ينهى عنهما، ويعاقب عليهما، وكانت عائشة تخالفه في ذلك، وكانت تروي أنَّ النبي ﷺ صلى عندها بعد العصر؛ لترد على من قال: لا يصلى بعد العصر.
ولكن ليس في روايتها ما يرد عليهم؛ لأنَّهم إنَّما نهوا عن الصلاة بعد صلاة العصر، وهي كان عندها علم أنَّ النبي ﷺ صلى ركعتين بعد دخول وقت العصر. ولعل عمر كان ينهى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر، كما نهى ابنه وغيره عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر،
[ ٢ / ١٨٩ ]
وكانت عائشة تنكر ذلك لكنها كانت تسوى بين حكم ما قبل الصلاة وبعدها في الرخصة في الصلاة.
فتبين بهذا كله: أنَّه لم يصح عن النبي ﷺ أنَّه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، سوى ما روته عنه أم سلمة وحدها.
فإن قيل: فقد سبق عن زيد بن خالد وتميم الداري، أنَّهما رويا عن النبي ﷺ، أنَّه صلاهما.
قيل: ليس إسناد واحد منهما مما يحتج به؛ لأنَّ حديث تميم منقطع الإسناد، وحديث زيد بن خالد فيه مجهولان، ولعل مرادهما: الصلاة بعد وقت العصر، قبل صلاة العصر - أيضًا.
ولعل كثيرًا ممن نقل عنه من الصحابة الصلاة بعد العصر أرادوا ذلك - أيضًا، ومع هذا فلا يقطع عليهم أنَّهم أرادوا الصلاة بعد صلاة العصر.
وقد رويت الصلاة بعد العصر عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، من رواية أبي دارس النصري: حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين، ويحدث أنَّ رسول الله ﷺ صلى ركعتين بعد العصر في منزل عائشة.
خرجه بقي بن مخلد.
وخرجه الإمام أحمد مختصرًا، ولفظه: عن أبي موسى، أنه رأى النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر.
وهذا - أيضًا- يحتمل أنَّه رآه يصلي بعد دخول وقت العصر.
وأبو دارس، اسمه: إسماعيل بن دارس، قال ابن المديني: هو مجهول لا أعرفه.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال مرة: ما به بأس إنَّما روى حديثًا واحدًا. وقال أبو حاتم: ليس بالمعروف.
ويقال فيه - أيضًا-: أبو دراس، وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم، وهو واحد.
وله طريق آخر من رواية يحيى بن عاصم صاحب أبي عاصم: حدثنا محمد ابن حمران بن عبد الله: حدثني شعيب بن سالم، عن جعفر بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر ركعتين، وكان أبو موسى يصليهما.
خرجه الطبراني في "الأوسط".
وهذا الإسناد مجهول لا يعرف.
وروى محمد بن عبيد الله الكوفي، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ثماني عشرة غزوة، فما رأيته تاركًا ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد العصر.
غريب منكر، والكوفي، لعله: العرزمي، وهو متروك، وإلا فهو مجهول.
فهذه أحاديث الصلاة بعد العصر وما فيها.
ويمكن أن نسلك في حديث عائشة مسلكًا آخر، وهو: أنَّ صلاة الركعتين للداخل إلى منزله حسن مندوب إليه، وقد ورد في فضله أحاديث في أسانيدها نظر.
فخرج البزار في الأمر به، وأنَّه يمنع مدخل السوء: حديثًا عن أبي هريرة - مرفوعًا، في إسناده ضعف.
[ ٢ / ١٩١ ]
وروى الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين" - أو قال: "صلاة الأبرار - ركعتان إذا دخلت بيتك، وركعتان إذا خرجت منه".
وهذا مرسل.
ويروى عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله ﷺ بيتي قط إلا صلى ركعتين.
قال أبو بكر الأثرم: هو خطأ.
كأنَّه يشير إلى أنَّه مختصر من حديث الصلاة بعد العصر.
وممن روي عنه أنَّه كان يصلي إذا دخل بيته وإذا خرج منه: عبد الله بن رواحة، وثابت البناني.
وإذا كانت هذه صلاة مستحبة فلا يبعد أن تلتحق بذوات الأسباب فيها، كتحية المسجد ونحوها، وفي هذا نظر. والله أعلم» اهـ.
٥ - وفي الحديث سد الذرائع، وذلك أنَّ النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر من أجل ألَّا يستمر العبد بالصلاة حتى طلوع الشمس أو غروبها، والصلاة في هاذين الوقتين تشبه بالمشركين الذين يسجدون للشمس، وكل ذلك ذريعة إلى عبادة الشمس من دون الله تعالى.
قلت: وأشد أوقات الكراهة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند قيام قائم الظهيرة.
وقد جاء في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات:
[ ٢ / ١٩٢ ]
ما رواه مسلم (٨٣١) عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ قَالَ:
«ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ».
وما رواه مسلم (٨٣٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ».
* * *
[ ٢ / ١٩٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا". قَالَ: فَقُمْنَا إلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ. ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ».
بُطْحَان: اسمُ مكانٍ بالمدينةِ.
قوله: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٩):
«قَوْلُهُ: "مَا كِدْتُ" قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: لَفْظَةُ كَادَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ فَإِذَا قُلْتُ: كَادَ زَيْدٌ يَقُومُ فُهِمَ مِنْهَا أَنَّهُ قَارَبَ الْقِيَامَ وَلَمْ يَقُمْ. قَالَ: وَالرَّاجِحُ فِيهَا أَنْ لَا تُقْرَنَ بِأَنْ بِخِلَافِ عَسَى فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا أَنْ تُقْرَنَ. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ. قُلْتُ: وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ وَهَلْ تَسُوغُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي مثل هَذَا أَولا الظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ عَنْ صَلَاتِهِ الْعَصْرَ كَيْفَ وَقَعَتْ لَا الْإِخْبَارُ عَنْ عُمَرَ هَلْ تَكَلَّمَ بِالرَّاجِحَةِ أَوِ الْمَرْجُوحَةِ. قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى كَادَ الْمُقَارَبَةُ فَقَوْلُ عُمَرَ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ قُرْبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِأَنَّ نَفْيَ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا وَإِثْبَاتُ الْغُرُوبِ يَقْتَضِي نَفْيَهُ فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ لِعُمَرَ ثُبُوتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَثْبُتِ الْغُرُوبُ اهـ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ لَا يَلْزَمُ
[ ٢ / ١٩٤ ]
مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَقَعَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كيدودته كَانَتْ عِنْد كَيْدُودَتَهَا قَالَ: وَحَاصِلُهُ عُرْفًا مَا صَلَّيْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ اهـ وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ التَّقْرِيرَيْنِ مِنَ الْفَرْقِ وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْعُرْفِ مَمْنُوعٌ وَكَذَا الْعِنْدِيَّةُ لِلْفَرْقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ الْيَعْمُرِيُّ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ لِأَنَّ كَادَ إِذَا أُثْبِتَتْ نَفَتْ وَإِذَا نَفَتْ أُثْبِتَتْ كَمَا قَالَ فِيهَا الْمَعَرِّيُّ مُلْغِزًا إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ هَذَا إِلَى مَا فِي تَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ كَيْدُودَةٍ مِنَ الثِّقَلِ وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ فَإِنْ قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ اخْتُصَّ بِأَنْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشُّغْلُ وَقَعَ بِالْمُشْرِكِينَ إِلَى قُرْبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَانَ عُمَرُ حِينَئِذٍ متوضأ فَبَادَرَ فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا قَدْ شَرَعَ يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ وَلِهَذَا قَامَ عِنْدَ الْإِخْبَارِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْوُضُوءِ» اهـ.
وقال العيني ﵀ في [عمدة القاري] (٥/ ٩٠ - ٩١):
«وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَنْ كَاد إِذا دخل عَلَيْهِ النَّفْي فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب:
الأول: أَنَّهَا كالأفعال إِذا تجردت من النَّفْي كَانَ مَعْنَاهُ إِثْبَاتًا وَإِنْ دخل عَلَيْهَا نفي كَانَ مَعْنَاهَا نفيًا لِأَن قَوْلك كَاد زيد يقوم مَعْنَاهُ إِثْبَات قرب الْقيام لَا إِثْبَات نفس الْقيام فَإِذا قلت: مَا كَاد زيد يفعل فَمَعْنَاه نفي قرب الْفِعْل.
الثَّانِي: أَنه إِذا دخل عَلَيْهَا النَّفْي كَانَتْ للإثبات.
[ ٢ / ١٩٥ ]
الثَّالِث: إِذا دخل عَلَيْهَا حرف النَّفْي ينظر هَلْ دخل على الْمَاضِي أَوْ على الْمُسْتَقْبل فَإِنْ كَانَ مَاضِيًا فَهِيَ للإثبات وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبلا فَهِيَ كالأفعال وَالأَصَح هُوَ الْمَذْهَب الأول نَص عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب وَإِذا تقرر هَذَا فكاد هَهُنَا دخل عَلَيْهِ النَّفْي فَصَارَ مَعْنَاهُ نفيًا يَعْنِي نفي قرب الصَّلَاة كَمَا فِي قَوْلك مَا كَاد زيد يفعل نفي قرب الْفِعْل فَإِذا نفى قرب الصَّلَاة فنفي الصَّلَاة بطرِيق الأولى وَقَوله: "حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب" حَال عَنْ النَّفْي فَهِيَ كَسَائِر الْأَفْعَال وَقَول الْيَعْمرِي يُشِير إِلَى الْمَذْهَب الثَّالِث وَهُوَ غير صَحِيح وَلَا يمشي هَهُنَا أَيْضًا.
فَإِنْ قلت: قَوْله تَعَالَى: ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يساعد الْمَذْهَب الثَّالِث لِأَن كَاد هَهُنَا دخل عَلَيْهَا النَّفْي وَهُوَ مَاض وَاقْتضى الْإِثْبَات أَنْ لفعل الذّبْح وَاقع بِلَا شكّ.
قلت: لَيْسَ فعل الذّبْح مستفادًا من كَاد بل من قَوْله: ﴿فذبحوها﴾ وَالْمعْنَى فذبحوها مجبرين وَمَا قاربوا فعل الذّبْح مختارين أَوْ نقُول فذبحوها بعد التَّرَاخِي وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ على الْفَوْر بِدَلِيل أَنهم سَأَلُوا سؤالًا بعد سُؤال وَلم يبادروا إِلَى الذّبْح من حِين أمروا بِهِ» اهـ.
وقوله: «فَقُمْنَا إلَى بُطْحَانَ». بطحان اسم للوادي المنبطح المستوي الواسع.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٣٢):
«هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هَكَذَا هُوَ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَاتِهِمْ وَفِي ضَبْطِهِمْ وَتَقْيِيدِهِمْ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ
[ ٢ / ١٩٦ ]
الطَّاءِ وَلَمْ يُجِيزُوا غَيْرَ هَذَا وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَارِعِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَهُوَ وَادٍ بِالْمَدِينَةِ» اهـ.
وأمَّا قول الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٨٨):
«قَوْله: "بطحان" بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيه اسْم وَاد بِالْمَدِينَةِ تكَرر ذكره فِي الحَدِيث وَضَبطه أهل اللُّغَة بِفَتْح أَوله وثانيه وَبِه جزم أَبُو عبيد الْبكْرِيّ» اهـ.
فيه نظر، ولعله حصل سقط في النسخة والصواب أن يقول: وكسر ثانيه.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - جواز سب الكافرين بسبب ما حصل منهم من العدوان وهذا مأخوذ من إقرار النبي ﷺ لعمر ﵁.
٢ - مشروعية أن يحلف الإنسان للأمر وإن لم يستحلف.
وحلف النبي ﷺ تطييبًا لقلب عمر حين وجد من نفسه تأخيره لصلاة العصر حتى كادت أن تغرب الشمس.
٣ - فيه سعة وقت المغرب خلافًا لمن قال بتضييقه. فلو كان وقت المغرب مضيقًا لكان قد وقعت صلاة العصر في وقت المغرب، ولم يكن فرغوا منها حتى فات وقت المغرب، فتكون صلاة المغرب حينئذ مقضية بعد وقتها.
وقد سبق الكلام في هذه المسألة.
٤ - وفيه الترتيب بين الفوائت.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٧٠): «وأمَّا الترتيب، فقد ذكرنا أنَّه مستحب بالاتفاق.
[ ٢ / ١٩٧ ]
واختلفوا: هل هو شرط لصحة الصلاة، أم لا؟
فمذهب أحمد: أنَّه شرط، قلت الفوائت أو كثرت، وهو قول زفر.
ومذهب مالك وأبي حنيفة: يجب الترتيب فيها إن كانت خمسًا فما دون، ولا يجب فيما زاد.
ومذهب الشافعي: أنَّه لا يجب الترتيب بحالٍ، وهو قول أبي ثور وداود، ورواية عن الأوزاعي.
وروي عن سمرة بن جندب ما يدل عليه.
وهؤلاء جعلوا ترتيب الصلوات في الأداء من ضرورة الوقت، فإذا فاتت فلا يجب فيها الترتيب، كمن عليه ديون منجمة، إذا أخرت إلى آخرها نجمًا فلا يبالي بما قضى منها قبل الآخر، حتى لو قضى آخرها نجمًا قبل الكل لجاز، وكصوم رمضان إذا فات، فإنَّه لا يشترط لقضائه ترتيب ولا موالاة، بل يجوز تفريقه وتتابعه.
واستدل بعض من أوجب الترتيب بما روى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد، أنَّ عبد الله بن عوف حدثه، عن أبي جمعة حبيب بن سباع - وكان قد أدرك النبي ﷺ، أنَّ النبي ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: "هل علم أحد منكم أنِّي صليت العصر؟ " فقالوا: يا رسول الله، ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام، وصلى العصر، ثم أعاد المغرب.
خرجه الإمام أحمد.
واستدل به بعض من يقول: لا يسقط الترتيب بالنسيان.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وحمله بعض من خالفه على أنَّه كان تذكر العصر في صلاة المغرب قبل أن يفرغ منها.
وهذا حديث ضعيف الإسناد، وابن لهيعة لا يحتج بما ينفرد به.
قال ابن عبد البر: هذا حديث لا يعرف إلاَّ عن ابن لهيعة، عن مجهولين، لا تقوم به حجة.
قلت: أمَّا عبد الله بن عوف، فإنَّه الكناني، عامل عمر بن عبد العزيز على فلسطين، مشهور، روى عنه الزهري وجماعة.
وأمَّا محمد بن يزيد، فالظاهر أنَّه ابن أبي زياد الفلسطيني، صاحب حديث الصور الطويل، وقد ضعفوه.
وروى مالك في "الموطأ"، عن نافع، أنَّ عبد الله بن عمر كان يقول: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلاَّ وراء الإمام، فإذا سلم الإمام فليصل الصلاة التي نسي، ثم يصلي بعدها الأخرى".
وقد روى عثمان بن سعيد الحمصي، عن مالك مرفوعًا.
ورفعه باطل-: ذكره ابن عدي.
كذا روي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعًا.
خرجه أبو يعلي الموصلي والطبراني والدارقطني.
وذكر عن موسى بن هارون الحافظ، أنَّ رفعه وهم، وإنَّما هو موقوف.
وكذا قال أبو زرعة الرازي.
وأنكر يحيى بن معين المرفوع إنكارًا شديدًا-: ذكره ابن أبي حاتم.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقد اختلف من اشترط الترتيب للقضاء فيمن ذكر فائتة وهو يصلي حاضرة.
فقيل: يسقط عنه الترتيب في هذه الحال؛ لأنَّ الحاضرة قد تعين إتمامها بالشروع فيها؛ لتضايق وقت الحاضرة.
وحكي عن الحسن وطاووس، وهو قول أبي يوسف، واختاره بعض أصحابنا؛ لأنَّ الجماعة عندنا فرض.
وقيل: لا يسقط، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد.
وعلى هذا؛ فهل يبطل الحاضرة، أم يقطعها؟ على قولين.
أحدهما: أنَّه يقطعها - وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد -، إلَّا أن يكون مأمومًا فيتمها كما قاله ابن عمر.
والثاني: يتمها نفلًا، وهو قول الليث والثوري وأحمد في رواية.
فعلى هذا؛ إن قلنا: يصح ائتمام المفترض بالمتنفل صح ائتمام المأمومين به، وإلَّا فلا.
وذكر ابن عبد البر: أنَّ مذهب مالك: أنَّ المأموم يتم صلاته، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة، كما قاله ابن عمر.
قال: وعند مالك وأصحابه: لا يجب الترتيب في الفوائت بعد صلاة الوقت، إلَّا بالذكر، وجوب استحسان، بدليل إجماعهم على أنَّ من ذكر فائتة في وقت حاضرة، أو صلوات يسيرة، أنَّه إن قدم العصر على الفائتة، أنَّه لا إعادة عليه للعصر التي صلاها، وهو ذاكر فيها للفائتة، إلَّا أن يبقى من وقتها ما يعيدها فيها قبل غروب الشمس.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
قال: وهذا يدل على أنَّ قولهم: من ذكر صلاة في صلاة فإنَّها تنهدم أو تفسد عليه، ليس على ظاهره، ولو كان على ظاهره لوجبت الإعادة عليه للعصر بعد غروب الشمس؛ لأنَّ ما يفسد ويهدم حقيقة يعاد أبدًا، وما يعاد في الوقت فإنَّه استحباب، فقضت على هذا الأصل.
قال: وقال أبو حنيفة: من ذكر فائتة، وهو في صلاة أخرى من الصلوات الخمس، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات مضى فيما هو فيه، ثم صلى التي عليه، وإن كان أقل من ذلك، قطع ما هو فيه، وصلى التي ذكر، إلاَّ أن يضيق وقتها، فيتمها، ثم يصلي الفائتة. انتهى.» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٧٠): «وفي الحديث من الفوائد ترتيب الفوائت والأكثر على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان.
وقال الشافعي: لا يجب الترتيب فيها واختلفوا فيما إذا تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة أو يبدأ بالحاضرة أو يتخير فقال بالأول مالك وقال بالثاني الشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث وقال بالثالث أشهب» اهـ.
قلت: وقد مضى الكلام على ترتيب الفوائت في شرح حديث علي في الصلاة الوسطى.
٥ - وفيه مشروعية صلاة الفوائت جماعة وهو مأخوذ من قول جابر: «فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا».
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٥٧): «وقد خرجه الإسماعيلي في "صحيحه"، ولفظه: "فصلى بنا العصر". وذكر باقيه.
وهذا تصريح بالجماعة.
وأكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت.
فمن قال: إنَّ صلاة الجماعة سنة، فهي عنده سنة للحاضرة والفائتة.
ومن قال: صلاة الجماعة فرض - كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد -، فاختلف أصحابنا: هل الجماعة واجبة، أو لا؟ على وجهين.
وممن قال بأنَّ الجماعة مشروعة للفوائت: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم.
وحكي عن الليث بن سعد: أنَّ قضاء الفائتة فرادى أفضل.
وترده هذه الأحاديث الصحيحة» اهـ.
٦ - وفي الحديث دليل على عدم كراهية قول القائل: ما صلينا خلافًا لمن كره ذلك.
وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" «باب قول الرجل: "ما صلينا"».
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣٣٨): «في هذا الحديث رد على قول من يقول، إذا سئل: هل صليت؛ وهو منتظر للصلاة، فيكره أن يقول: لم أصل، وهو قول إبراهيم النخعي، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن إبراهيم أنَّه كره أن يقول الرجل: لم نصل، ويقول: نصلي، وقول الرسول: والله ما صلينا، خلاف قول إبراهيم، ورد له، فلا معنى له» اهـ.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٢٣): «والذي يظهر لي أنَّ البخاري أراد أن ينبه على أنَّ الكراهة المحكية عن النخعي ليست على إطلاقها لما دل عليه حديث الباب ولو أراد الرد على النخعي مطلقًا لأفصح به كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمة "فاتتنا الصلاة"» اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني ﵀ في [عمدة القاري] (٨/ ٢١٨):
«وكراهة النخعي ليست على إطلاقها بل إنَّما هي في حق منتظر الصلاة ومنتظر الصلاة في الصلاة» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٢٠٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: