قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ».
قوله: «لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» أي: باستعمال السواك. والسواك هو الآلة التي يستاك بها.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٣٥):
«قال أهل اللغة: السواك بكسر السين، وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به، وهو مذكر، قال الليث: وتؤنثه العرب أيضًا قال الأزهري: هذا من غُدَدِ الليث أي من أغاليطه القبيحة، وذكر صاحب "المحكم" أنَّه يؤنث ويذكر، والسواك فعلك بالسواك، ويقال: ساك فمه يسوكه سوكًا فإن قلت: استاك: لم يذكر الفم، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنَّه يجوز أيضًا "سؤك" بالهمز، ثم قيل: إنَّ السواك مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالًا. وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها. والله أعلم» اهـ.
قلت: وهو مشروع بكل ما يحصل به المقصود ولا ضرر فيه، واستثنى بعض العلماء ما يصبغ الفم منه.
[ ١ / ٣١٤ ]
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢):
«وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ السِّوَاكَ الَّذِي يُغَيِّرُ الْفَمَ وَيَصْبُغُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّبَهِ بِزِينَةِ النِّسَاءِ وَالسِّوَاكُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَفِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ الْأَرَاكُ وَالْبَشَامُ، وَكُلُّ مَا يَجْلُو الْأَسْنَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبْغٌ وَلَوْنٌ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا خَلَا الرَّيْحَانَ وَالْقَصَبَ فَإِنَّهُمَا يُكْرَهَانِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْأَصْبُعَ تُغْنِي مِنَ السِّوَاكِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ وَيَسْتَجْزِي بِذَلِكَ مِنَ السِّوَاكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وقد انتشرت في هذه الأزمان ما يسمى بـ"المليم" وهي نوع من الحلوى الموضوعة على عود تلحس لحسًا باللسان وفي بعضها شيء من الأصباغ التي تغير من لون الفم وهي بمعنى ما ذكره الحافظ ابن عبد البر ها هنا باعتبار صبغ الفم لكنَّها لا تدخل في معنى الاستياك. والله أعلم.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٤٣):
«وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ بِعُودٍ مُتَوَسِّطٍ لَا شَدِيدِ الْيُبْسِ يَجْرَحُ وَلَا رَطْبٍ لَا يُزِيلُ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٤/ ٢٩٦):
«وَأَصْلَحُ مَا اتُّخِذَ السِّوَاكُ مِنْ خَشَبِ الْأَرَاكِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَجَرَةٍ مَجْهُولَةٍ، فَرُبَّمَا كَانَتْ سُمًّا، وَيَنْبَغِي الْقَصْدُ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنْ بَالَغَ فِيهِ، فَرُبَّمَا أَذْهَبَ طَلَاوَةَ الْأَسْنَانِ وَصِقَالَتَهَا، وَهَيَّأَهَا لِقَبُولِ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ
[ ١ / ٣١٥ ]
وَالْأَوْسَاخِ، وَمَتَى اسْتُعْمِلَ بِاعْتِدَالٍ، جَلَا الْأَسْنَانَ، وَقَوَّى الْعَمُودَ، وَأَطْلَقَ اللِّسَانَ، وَمَنَعَ الْحَفَرَ، وَطَيَّبَ النَّكْهَةَ، وَنَقَّى الدِّمَاغَ وَشَهَّى الطَّعَامَ.
وَأَجْوَدُ مَا اسْتُعْمِلَ مَبْلُولًا بِمَاءِ الْوَرْدِ، وَمِنْ أَنْفَعِهِ أُصُولُ الْجَوْزِ، قَالَ صَاحِبُ "التَّيْسِيرِ": زَعَمُوا أَنَّهُ إِذَا اسْتَاكَ بِهِ الْمُسْتَاكُ كُلَّ خَامِسٍ مِنَ الْأَيَّامِ، نَقَّى الرَّأْسَ، وَصَفَّى الْحَوَاسَّ، وَأَحَدَّ الذِّهْنَ.
وَفِي السِّوَاكِ عِدَّةُ مَنَافِعَ: يُطَيِّبُ الْفَمَ، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ، وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ، وَيَجْلُو الْبَصَرَ، وَيَذْهَبُ بِالْحَفَرِ، وَيُصِحُّ الْمَعِدَةَ، وَيُصَفِّي الصَّوْتَ، وَيُعِينُ عَلَى هَضْمِ الطَّعَامِ، وَيُسَهِّلُ مَجَارِيَ الْكَلَامِ، وَيُنَشِّطُ لِلْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ، وَيُرْضِي الرَّبَّ، وَيُعْجِبُ الْمَلَائِكَةَ، وَيُكْثِرُ الْحَسَنَاتِ.
وَيُسْتَحَبُّ كُلَّ وَقْتٍ، وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ، وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ، وَتَغْيِيرِ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُفْطِرِ وَالصَّائِمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَلِحَاجَةِ الصَّائِمِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَرْضَاتُهُ مَطْلُوبَةٌ فِي الصَّوْمِ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الحديث يدل على استحباب السواك وعدم وجوبه، وذلك أنَّ "لولا" مركبة من " لو " الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره و"لا" النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأنَّ انتفاء النفي ثبوت فيكون الأمر منفيًا لثبوت المشقة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٣٢):
«وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حكى الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردي عن إسحاق بن راهويه قال: هو
[ ١ / ٣١٦ ]
واجب لكل صلاة، فمن تركه عامدًا بطلت صلاته. وعن داود أنَّه قال: وهو واجب لكن ليس شرطًا.
واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجه من حديث أبي أمامة مرفوعا "تسوكوا" ولأحمد نحوه من حديث العباس، وفي الموطأ في أثناء حديث "عليكم بالسواك" ولا يثبت شيء منها» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٣٥):
«ثم إنَّ السواك سنة، ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع، وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرايني إمام أصحابنا العراقيين عن داود الظاهري أنَّه أوجبه للصلاة، وحكاه الماوردي عن داود وقال: هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنَّه قال: هو واجب فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنَّه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون، وأمَّا إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه. والله أعلم» اهـ.
٢ - وفيه دليل على أنَّ الأمر للوجوب، وذلك لأنَّه جعل في الأمر مشقة عليهم وذلك إنَّما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه لأنَّه جائز الترك.
٣ - قوله: «عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» يدل على استحبابه للفرائض والنوافل.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٣٣):
[ ١ / ٣١٧ ]
«وفيه جواز الاجتهاد منه فيما لم ينزل عليه فيه نص، لكونه جعل المشقة سببًا لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفًا على النص لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة. قال ابن دقيق العيد: وفيه بحث، وهو كما قال، ووجهه أنَّه يجوز أن يكون إخبارًا منه ﷺ بأنَّ سبب عدم ورود النص وجود المشقة، فيكون معنى قوله: "لأمرتهم" أي عن الله بأنَّه واجب» اهـ.
٥ - الحديث يدل على استحباب السواك للصائم بعد الزوال، لعموم قوله: "عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ " خلافًا للإمام الشافعي ﵀.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٨):
«وَيُسْتَحَبُّ كُلَّ وَقْتٍ، وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ، وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ، وَتَغْيِيرِ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُفْطِرِ وَالصَّائِمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَلِحَاجَةِ الصَّائِمِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَرْضَاتُهُ مَطْلُوبَةٌ فِي الصَّوْمِ أَشَدُّ مِنْ طَلَبِهَا فِي الْفِطْرِ، وَلِأَنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، وَالطُّهُورُ لِلصَّائِمِ مَنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِهِ.
وَفِي " السُّنَنِ ": عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَسْتَاكُ، وَهُوَ صَائِمٌ» وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ».
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يَتَمَضْمَضُ وُجُوبًا وَاسْتِحْبَابًا، وَالْمَضْمَضَةُ أَبْلَغُ مِنَ السِّوَاكِ، وَلَيْسَ لِلَّهِ غَرَضٌ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَلَا هِيَ مِنْ جِنْسِ مَا شُرِعَ التَّعَبُّدُ بِهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ طِيبُ الْخُلُوفِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَثًّا مِنْهُ عَلَى الصَّوْمِ، لَا حَثًّا عَلَى إِبْقَاءِ الرَّائِحَةِ، بَلِ الصَّائِمُ أَحْوَجُ إِلَى السِّوَاكِ مِنَ الْمُفْطِرِ.
[ ١ / ٣١٨ ]
وَأَيْضًا فَإِنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ أَكْبَرُ مَنِ اسْتِطَابَتِهِ لِخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَحَبَّتَهُ لِلسِّوَاكِ أَعْظَمُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِبَقَاءِ خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ السِّوَاكَ لَا يَمْنَعُ طِيبَ الْخُلُوفِ الَّذِي يُزِيلُهُ السِّوَاكُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ يَأْتِي الصَّائِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَخُلُوفُ فَمِهِ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ عَلَامَةً عَلَى صِيَامِهِ، وَلَوْ أَزَالَهُ بِالسِّوَاكِ، كَمَا أَنَّ الْجَرِيحَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَوْنُ دَمِ جُرْحِهِ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِزَالَتِهِ فِي الدُّنْيَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخُلُوفَ لَا يَزُولُ بِالسِّوَاكِ، فَإِنَّ سَبَبَهُ قَائِمٌ، وَهُوَ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ عَنِ الطَّعَامِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ أَثَرُهُ، وَهُوَ الْمُنْعَقِدُ عَلَى الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ أُمَّتَهُ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ فِي الصِّيَامِ، وَمَا يُكْرَهُ لَهُمْ وَلَمْ يَجْعَلِ السِّوَاكَ مِنَ الْقِسْمِ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ حَضَّهُمْ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَالشُّمُولِ، وَهُمْ يُشَاهِدُونَهُ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مِرَارًا كَثِيرَةً تَفُوتُ الْإِحْصَاءَ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْتَدُونَ بِهِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: لَا تَسْتَاكُوا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٦ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٦٨):
«وقد أنكر طائفة من العلماء السواك عند إرادة الصلاة المفروضة في المسجد، وقالوا: ليس فيه نص عن النبي ﷺ، وإنَّما كان النبي ﷺ إذا قام من الليل للتهجد في بيته.
وحكي عن مالك، أنَّه يكره السواك في المساجد، والذي رأيناه في "تهذيب المدونة": أنَّه يكره أن يأخذ المعتكف من شعره أو أظفاره في المسجد، وإن جمعه وألقاه؛ لحرمة المساجد» اهـ.
[ ١ / ٣١٩ ]
قلت: وعموم هذا الحديث يرد هذا القول والله أعلم.
٧ - وعموم الحديث يدل على جواز السواك الرطب للصائم.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٧/ ٧١):
«واختلفوا في السواك بالعود الرطب للصائم، فرخصت فيه طائفة، روى ذلك عن ابن عمر، وإبراهيم، وابن سيرين، وعروة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وكرهت طائفة السواك الرطب، روى ذلك عن الشعبي، وقتادة، والحكم، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والحجة لمن أجاز الرطب أمره ﵇، بالسواك عند كل وضوء، كما لم يخص الصائم من غيره بالإباحة، كذلك لم يخص السواك الرطب من غيره بالإباحة، فدخل في عموم الإباحة كل جنس من السواك رطبًا أو يابسًا، ولو افترق حكم الرطب واليابس في ذلك لبينه ﵇، لأنَّ الله فرض عليه البيان لأمته، وحديث عثمان في الوضوء حجة واضحة في ذلك وهو انتزاع ابن سيرين حين قال: لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعم. قال: والماء له طعم، وأنت تتمضمض به، وهذا لا انفكاك منه، لأنَّ الماء أرق من ريق المتسوك وقد أباح الله المضمضة بالماء في الوضوء للصائم، وإنَّما كرهه من كرهه خشية من ألاَّ يعرف أن يحترس من ازدراد ريقه، قال ابن حبيب: من استاك بالأخضر ومج من فيه ما اجتمع في فيه، فلا شيء عليه، ولا بأس به للعالم الذي يعرف كيف يتقي ذلك، ومن وصل من ريقه إلى حلقه شيء فعليه القضاء» اهـ.
٨ - وفيه شفقة النبي ﷺ على أمته.
* * *
[ ١ / ٣٢٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٨ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ».
قوله: «يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [مقدمة الفتح] ص (١٩٠):
«أي يدلكه أو يحكه، وقيل الشوص الغسل، وقيل الشوص الاستياك بالعرض وهو قول الأكثر، وقال وكيع بل بالطول من سفل إلى علو».
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ١٣٧ - ١٣٨):
«وأما قوله: " يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ " فهو بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة، والشوص دلك الأسنان بالسواك عرضًا، قاله ابن الأعرابي، وإبراهيم الحربي، وأبو سليمان الخطابي وآخرون، وقيل: هو الغسل، قال الهروي وغيره، وقيل: التنقية، قاله أبو عبيد والداودي، وقيل: هو الحك قاله أبو عمر بن عبد البر تأوله بعضهم أنَّه بأصبعه. فهذه أقوال الأئمة فيه، وأكثرها متقاربة، وأظهرها الأول وما في معناه. والله أعلم» اهـ.
وقال ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (١/ ١٥٠): «والصحيح الأول» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
[ ١ / ٣٢٢ ]
١ - استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأنَّ النوم مقتض لتغير الفم. لكن جاءت في رواية عند البخاري (١١٣٦)، مسلم (٢٥٥): «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ».
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ٩٩):
«وقوله: " إذا قام من الليل " ظاهره: يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام ويحتمل أن يراد: إذا قام من الليل للصلاة فيعود إلى معنى الحديث الأول» اهـ.
٢ - الحديث يدل على استحباب التسوك عرضًا، وهذا على تفسير أكثر العلماء لمعنى «الشوص».
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (١/ ١٥٤ - ١٥٥):
«وهذا الحكم الذي ذكره وهو استحباب الاستياك عرضًا يستدل له أنَّه يخشى في الاستياك طولًا إدماء اللثة وإفساد عمود الاسنان، وأمَّا الحديث الذي اعتمده المصنف فلا اعتماد عليه ولا يحتج به، وهذا الذي ذكرناه من استحباب الاستياك، عرضًا هو المذهب الصحيح الذي قطع به الأصحاب في الطريقتين إلاَّ إمام الحرمين والغزالي فإنَّهما قالا: يستاك عرضًا وطولًا فإن اقتصر فعرضًا، وهذا الذي قالاه شاذ مردود مخالف للنقل والدليل: وقد صرح جماعة من الاصحاب بالنهي عن الاستياك طولًا منهم الماوردي والقاضي حسين وصاحب العدة وغيرهم.
وصرح صاحب الحاوي بكراهة الاستياك طولًا فلو خالف واستاك طولًا حصل السواك وإن خالف المختار. وصرح به أصحابنا» اهـ.
[ ١ / ٣٢٣ ]
٣ - الحديث على اللفظ الآخر يدل على استحباب السواك لصلاة النافلة.
٤ - واحتج به من أجاز التسوك بالأصبع الخشنة.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٧/ ٢٠٢):
«وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْأَصْبُعَ تُغْنِي مِنَ السِّوَاكِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ وَيَسْتَجْزِي بِذَلِكَ مِنَ السِّوَاكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وهذا الاستدلال لا معنى له ولا وجه له من الحديث.
* * *
[ ١ / ٣٢٤ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَرَهُ. فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ، فَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَفَعَ يَدَهُ - أَوْ إصْبَعَهُ - ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى - ثَلاثًا - ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي».
وَفِي لَفْظٍ: «فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَعَرَفْتُ: أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
قولها: «يَسْتَنُّ بِهِ» أي: يستاك، أصله من السَن بالفتح أو السِن بالكسر، ومنه المسن الذي يسن عليه الحديد. وأطلق عليه ذلك من السن بالكسر، أو الفتح إمَّا لأنَّ السواك يمر على الأسنان، أو لأنَّه يسنها أي يحددها.
قولها: «فَأَبَدَّهُ» أي: مد نظره إليه.
قولها: «فَقَضَمْتُهُ» القضم بالمعجمة وهو العض بالأسنان.
قال القاضي عياض ﵀ في [مشارق الأنوار] (٢/ ١٨٨):
[ ١ / ٣٢٥ ]
«وفي كتاب التميمي فقضمته بالضاد المكسورة أي قطعت رأسه بأسناني والقضم العض» اهـ.
قلت: وذهب العلامة ابن الأثير ﵀ إلى أنَّ المراد بـ"القضم" هو التليين بالأسنان فقال في [النهاية] (٤/ ١٢٤): «أي مَضَغَتْه بأسنانها ولَيَّنَتْه» اهـ.
قلت: الصحيح ما ذكره القاضي عياض ﵀ فقد جاء الحديث بلفظ "فقصمته" بالصاد المهملة كما روى ذلك البخاري (٨٩٠) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْطَانِيهِ فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي».
قَالَ الحافِظُ ابِنُ حَجَرٍ ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٧٧):
«وَقَوْلُهَا فِيهِ "فَقَصَمْتُهُ" بِقَافٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ لِلْأَكْثَرِ أَيْ كَسرته وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وابن السَّكَنِ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَالْقَضْمُ بِالْمُعْجَمَةِ الْأَكْلُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَان.
قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ. قُلْتُ: وَيُحْمَلُ الْكَسْرُ عَلَى كَسْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِيَاكِ فَلَا يُنَافِي الثَّانِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ عَلَى مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ بِأَنَّ تَعْيِينَ عَائِشَةَ مَوْضِعَ الِاسْتِيَاكِ بِالْقَطْعِ وَأَجَابَ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَغَتْهُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِطْلَاقٌ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ فَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْغَيْرِ بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُعَاف أَثَرُ فَمِهِ إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ مَا غَيَّرَتْهُ عَائِشَةُ وَلَا يُقَالُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ يَسْتَنُّ بِهِ» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ١٢٨):
[ ١ / ٣٢٦ ]
«يروي: "فقصمته" بفتح الصاد المهملة، أي: كسرته، فأبنت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن، والقصامة: ما يكسر من رأس السواك.
هذا هو الذي ذكره الخطابي، وقال: أصل القصم: الدق.
ويروى: "فقضمته"، بكسر الضاد المعجمة، من القضم، وهو العض بالأسنان، ومنه: الحديث: "فيقضمهما كما يقضم الفحل"» اهـ.
قولها: «فَطَيَّبْتُهُ» أي: بالماء.
وروى أبو داود (٥٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ الْحَاسِبُ، حَدَّثَنِي كَثِيرٌ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ».
قلت: في إسناده كثير وهو ابن عبيد مجهول جهالة حال.
قوله: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» قيل: هو المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل.
وقال الجوهري: الرفيق الأعلى الجنة.
وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية. وقد ختمت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩].
وقيل: المراد بالرفيق الأعلى الله ﷿ لأنَّه من أسمائه لما رواه مسلم (٢٥٩٣) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ٣٢٧ ]
وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ».
وعند البخاري (٦٩٢٧) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ». قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا، قَالَ: «قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ».
قلت: تفسير الرفيق الأعلى بالمذكورين في آية النساء هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء لما رواه البخاري (٤٤٣٥)، ومسلم (٢٤٤٤) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
«كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ».
قلت: ومعنى كونهم رفيقًا تعاونهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض.
قولها: «مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي» الحاقنة: ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه. أو الحاقنة: نقرة الترقوة، وهما حاقنتان. ويقال: إنَّ الحاقنة المطمئن من الترقوة والحلق. وقيل ما دون الترقوة من الصدر، وقيل: هي تحت السرة. وقال ثابت: الذاقنة طرف الحلقوم. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٨/ ١٦١ - ١٦٢).
وقال ابن منظور ﵀ في [لسان العرب] (١٣/ ١٢٥):
[ ١ / ٣٢٨ ]
«والحاقنة المعدة صفة غالبة لأنَّها تحقن الطعام، قال المفضل: كلما ملأت شيئًا، أو دسسته فيه فقد حقنته، ومنه سميت الحقنة، والحاقنة ما بين الترقوة والعنق، وقيل: الحاقنتان ما بين الترقوتين وحبلي العاتق، وفي التهذيب: نقرتا الترقوتين والجمع الحواقن، وفي الصحاح: الحاقنة النقرة التي بين الترقوة وحبل العاتق وهما حاقنتان، وفي المثل لألزقن حواقنك بذواقنك، حواقنه ما حقن الطعام من بطنه، وذواقنه أسفل بطنه وركبتاه، وقال بعضهم الحواقن ما سفل من البطن، والذواقن ما علا. قال ابن بري: ويقال الحاقنتان الهزمتان تحت الترقوتين، وقال الأزهري: في هذا المثل لألحقن حواقنك بذواقنك، وروي عن ابن الأعرابي: الحاقنة المعدة والذاقنة الذقن، وقيل: الذاقنة طرف الحلقوم، وفي حديث عائشة ﵂ توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وبين حاقنتي وذاقنتي، وبين شجري، وهو: ما بين اللحيين.
الأزهري: الحاقنة الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق» اهـ.
وقال ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٢/ ٤٠٨): «الذاقنة: الذقن. وقيل طرف الحلقوم. وقيل ما يناله الذقن من الصدر».
وجاء في البخاري (١٣٨٩)، ومسلم (٢٤٤٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ أَيْنَ أَنَا غَدًا اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي».
قلت: السحر الرئة وما تعلق بها.
وفي الحديث مسائل منها:
[ ١ / ٣٢٩ ]
١ - مشروعية التسوك بسواك الغير.
٢ - قضم وتطييب السواك إذا كان للغير قبل استعماله.
٣ - شدة عناية النبي ﷺ بالسواك، وذلك أنَّه لم يشغله ما هو فيه من المرض عن استعماله.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٨/ ١٦٢): «وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق "أنَّ النبي ﷺ مات ورأسه في حجر علي" وكل طريق منها لا يخلو من شيعي، فلا يلتفت إليهم» اهـ.
٥ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٧٠)
«وفي الحديث: دليل على أنَّ الاستياك سنة في جميع الأوقات، عند إرادة الصلاة وغيرها، فإنَّ استياك النبي ﷺ بهذا السواك كان في مرض موته عند خروج نفسه، ولم يكن قاصدًا حينئذ لصلاة ولا تلاوة.
وقد قيل: إنَّه قصد بذلك التسوك عند خروج نفسه الكريمة؛ لأجل حضور الملائكة الكرام، ودنوهم منه لقبض روحه الزكية الطاهرة الطيبة» اهـ.
قلت: وقد كان النبي ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك فروى مسلم (٢٥٣) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ».
وقد كان النبي ﷺ يحث أصحابه على السواك لأهميته ويكثر عليهم في ذلك فروى البخاري (٨٨٨) عن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ».
[ ١ / ٣٣٠ ]
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ١٢٥):
«المراد بإكثاره عليهم في السواك: كثرة حثهم عليه؛ وترغيبهم فيهِ، بذكر فضله» اهـ.
٦ - جاءت رواية للبخاري (٤٤٥١): «وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ»، وهي تدل على الاستياك بجريد النخل.
وقد جاء ما يدل على استياك النبي ﷺ بعود الأراك، فروى أبو يعلى (٥١٨٩)، والحميدي (٥١٨٩)، وابن حبان (٧٠٦٩)، والبزار (١٨٢٧)، والطيالسي (٣٥٣) بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁ قال:
«كُنْتُ أَجْتَنِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ، وَكَانَ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، وَكَانَ فِي سَاقِي شَيْءٌ فَضَحِكَ الْقَوْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَا يُضْحِكُكُمْ؟ "، قَالُوا: دِقَّةُ سَاقَيْهِ، قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ "».
٧ - وقوله: «فَقَضَمْتُهُ» فيه ما دل على أنَّ السواك لم يكن سميكًا، وذلك أنَّ السواك السميك يتعسر قضمه بالفم.
وليس لطول السواك حد معلوم.
* * *
[ ١ / ٣٣١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ رَطْبٍ، قَالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أُعْ، أُعْ، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ».
قوله: «أُعْ، أُعْ» المراد بذلك حكاية صوت المتقيء.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية التسوك على اللسان.
٢ - المبالغة في التسوك.
٣ - استحباب التسوك بالسواك الرطب، وفي هذا رد على من استحب اليابس لقوته في القلع.
لكن لفظة: «بِسِوَاكٍ رَطْبٍ» لا أصل لها في الصحيحين، ولا في شيء من كتب السنة فيما أعلم.
٤ - مشروعية التسوك مع حضور من يراه.
فائدة: الأفضل في الاستياك أن يكون باليد اليسرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٠٨ - ١١٣):
[ ١ / ٣٣٢ ]
«الحمد لله رب العالمين، الأفضل أن يستاك باليسرى؛ نص عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكوسج ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك. وذلك لأنَّ الاستياك من باب إماطة الأذى فهو كالاستنثار والامتخاط؛ ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى وذلك باليسرى كما أنَّ إزالة النجاسات كالاستجمار ونحوه باليسرى وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى.
والأفعال نوعان: أحدهما: مشترك بين العضوين. والثاني: مختص بأحدهما. وقد استقرت قواعد الشريعة على أنَّ الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى: تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة؛ كالوضوء والغسل والابتداء بالشق الأيمن في السواك؛ ونتف الإبط؛ وكاللباس؛ والانتعال والترجل ودخول المسجد والمنزل والخروج من الخلاء ونحو ذلك. وتقدم اليسرى في ضد ذلك كدخول الخلاء وخلع النعل والخروج من المسجد.
والذي يختص بأحدهما: إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب والمصافحة؛ ومناولة الكتب وتناولها ونحو ذلك. وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار ومس الذكر والاستنثار والامتخاط ونحو ذلك.
فإن قيل: السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة وإن لم يكن هناك وسخ وما كان عبادة مقصودة كان باليمين. قيل: كل من المقدمتين ممنوع؛ فإن الاستياك إنَّما شرع لإزالة ما في داخل الفم وهذه العلة متفق عليها بين العلماء؛ ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له كالنوم والإغماء وعند العبادة التي يشرع لها
[ ١ / ٣٣٣ ]
تطهير كالصلاة والقراءة ولما كان الفم في مظنة التغير شرع عند القيام إلى الصلاة كما شرع غسل اليد للمتوضئ قبل وضوئه؛ لأنَّها آلة لصب الماء. وقد تنازع العلماء فيما إذا تحقق نظافتها: هل يستحب غسلها؟ على قولين مشهورين. ومن استحب ذلك - كالمعروف في مذهب الشافعي وأحمد - يستحب على النادر بل الغالب وإزالة الشك باليقين. وقد يقال مثل ذلك في السواك إذا قيل باستحبابه مع نظافة الفم عند القيام إلى الصلاة مع أنَّ غسل اليد قبل المضمضة المقصود بها النظافة فهذا توجيه المنع للمقدمة الأولى.
وأمَّا الثانية: فإذا قدر أنَّه عبادة مقصودة فما الدليل على أنَّ ذلك مستحب باليمنى؟ وهذه مقدمة لا دليل عليها بل قد يقال: العبادات تفعل بما يناسبها ويقدم فيها ما يناسبها. ثم قول القائل: إنَّ ذلك عبادة مقصودة: إن أراد به أنَّه تعبد محض لا تعقل علته: فليس هذا بصواب لاتفاق المسلمين على أنَّ السواك معقول ليس بمنزلة رمي الجمار. وإن أراد أنَّها مقصودة أنَّه لا بد فيها من النية كالطهارة وأنَّها مشروعة مع تيقن النظافة ونحو ذلك: فهذا الوصف إذا سلم لم يكن في ذلك ما يوجب كونها باليمنى إذ لا دليل على ذلك؛ فإنَّ كونها منوية أو مشروعة مع تيقن النظافة لا ينافي أن يكون من باب الكرامة تختص بها اليمنى بل يمكن ذلك فيها مع هذا الوصف ألا ترى أنَّ الطواف بالبيت من أجل العبادات المقصودة؟ ويستحب القرب فيه من البيت؛ ومع هذا فالجانب الأيسر فيه أقرب إلى البيت لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى فلما كان الإكرام في ذلك للخارج جعل لليمين ولم ينقل إذا كانت مقصودة فينبغي تقديم اليمنى فيها إلى البيت؛ لأنَّ إكرام اليمين في ذلك أن تكون هي الخارجة. وكذلك
[ ١ / ٣٣٤ ]
الاستنثار جعله باليسرى إكرام لليمين وصيانة لها وكذلك السواك. ثم إذا قيل: هو في الأصل من باب إزالة الأذى وإذا قيل: إنَّه مشروع فيه العدول عن اليمنى إلى اليسرى أعظم في إكرام اليمين بدون ذلك: لم يمنع أن يكون إزالة الأذى فيه ثابتة مقصودة كالاستجمار بالثلاث عند من يوجبه كالشافعي وأحمد فإنَّهم يوجبون الحجر الثالث مع حصول الإنقاء بما دونه. وكذلك التثليث والتسبيع في غسل النجاسات حيث وجب وعند من يوجبه يأمر به وإن حصلت الإزالة بما دونه. وكذلك التثليث في الوضوء مستحب وإن تنظف العضو بما دونه مع أنَّه لا شك أنَّ إزالة النجاسة مقصودة في الاستنجاء بالماء والحجر.
فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك قطعًا وإن شرع مع عدمه تحقيقًا لحصول المقصود؛ وذلك لا يمنع من أن يجعل باليسرى كما أنَّ الحجر الثالث في الاستجمار يكون باليسرى والمرة السابعة في ولوغ الكلب تكون باليسرى ونحو ذلك مما كان المقصود به في الأصل إزالة الأذى وإن قيل: يشرع مع عدمه تكميلًا للمقصود به وإزالة للشك باليقين إلحاقًا للنادر بالغالب؛ ولأنَّ الحكمة في ذلك قد تكون خفية فعلق الحكم فيها بالمظنة إذ زوال الأذى بالكلية قد يظنه الظان من غير تيقن ويعسر اليقين في ذلك فأقيمت المظنة فيه مقام الحكمة فجعل مشروعًا للقيام إلى الصلاة مع عدم النظر إلى التغير وعدمه؛ لأنَّ العبادة حصول التغير. فهذا إذا قيل به فهو من جنس أقوال العلماء وذلك لا يخرج جنس هذا الفعل أن يكون من باب إزالة الأذى وإن كان عبادة مقصودة تشرع فيها النية وحينئذ يكون باليسرى كالاستنثار والاستنجاء بالأحجار ومباشرة محل الولوغ
[ ١ / ٣٣٥ ]
بالدلك ونحوه بخلاف صب الماء فإنَّه من باب الكرامة ولهذا كان المتوضئ يستنشق باليمنى ويستنثر باليسرى والمستنجي يصب الماء باليمين ويدلك باليسرى. وكذلك المغتسل والمتوضئ من الماء كما فعل النبي ﷺ يدخل يده اليمنى في الإناء فيصب بها على اليسرى مع أنَّ مباشرة العورة في الغسل باليسرى وهكذا غاسل مورد النجاسة يصب باليمنى وإذا احتاج إلى مباشرة المحل باشره باليسرى وشواهد الشريعة وأصولها على ذلك متظاهرة. والله أعلم» اهـ.
[ ١ / ٣٣٦ ]