٢٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ: فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ. فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَوَلاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ: لَهُمْ. فَأَبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَتْ: إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَأَبَوْا إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلاءُ. فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ. فَقَالَ: "خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ. فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ. فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ. وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ. وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية المكاتبة.
٢ - أنَّ مكاتبة الأمة كالعبد.
٣ - جواز مكاتبة المتزوجة بغير إذن زوجها وإن كان يتضرر من ذلك بفراقها له إن اختارت الفراق، فإنَّ بريرة كانت متزوجة.
[ ٨ / ٣٠٥ ]
٤ - أنَّ من كاتب لا تلزمه خدمة سيده، وهذا مأخوذ من تمكين بريرة من السعي في أداء دين المكاتبة.
٥ - وفيه حل المسألة لمن أراد قضاء دين المكاتبة.
٦ - وفيه تأجيل دين المكاتبة.
٧ - وفيه حل كسب الإماء إذا علم وجهه وأنَّه في الطبيات، وأمَّا ما رواه البخاري (٢٢٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ». فهو محمول على الكسب الخبيث، كالكسب بالزنا. أو ما لا يعرف وجهه.
٨ - وفيه جواز تعجيل دين المكاتبة.
٩ - وفيه أنَّ المرأة الرشيدة لها أن تتصرف بمالها في البيع وغيره، ولو كانت متزوجة.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّه يجوز لمن أراد أن يشتري عبدًا ليعتقه أن يعلم سيد العبد بما أراد ليتساهل معه في الثمن.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«وأنَّه لا بأس لمن أراد أن يشتري للعتق أن يظهر ذلك لأصحاب الرقبة ليتساهلوا له في الثمن ولا يعد ذلك من الرياء» اهـ.
قُلْتُ: وشبيه بهذا ما يقوم به كثير من الناس إذا أرادوا أن يشتروا أرضًا لبناء مسجد عليها من إعلام مالك الأرض بما يريدونه من شرائهم لهذه الأرض من
[ ٨ / ٣٠٦ ]
أجل التساهل معهم في الثمن، وهكذا ما يقوم به من أراد أن يشتري بعض ما يحتاج إليه المسجد من أدوات من إعلام البائع بنيته، ونحو ذلك.
قُلْتُ: وليس في حديث عائشة أنَّها أخبرتهم بذلك من أجل أن يتساهلوا معها في الثمن، بل الأمر بخلاف ذلك فإنَّها دفعت ثمن بريرة المؤجل حالًا من غير نقصان، والعادة أنَّ الثمن الحال أقل من الثمن المؤجل.
١١ - وفيه جواز إنكار المنكر الذي وقع فيه بعض الناس علنًا من غير تسمية من وقع فيه.
قُلْتُ: ويجوز تسمية الواقع في المنكر والتحذير منه إذا كان ما أتى به من المنكر يضر عامة المسلمين، كأرباب البدع، ودعاة الفسق والفجور.
١٢ - وفيه استحباب افتتاح الخطب بالحمد والثناء.
١٣ - وفيه استحباب قول الخطيب: "أمَّا بعد" في خطبته.
١٤ - وفيه استحباب القيام في الخطبة.
١٥ - وفيه أنَّ الولاء لمن أعتق.
١٦ - وفيه جواز قبول المشتري للشرط الفاسد الذي علم البائع فساده وأبى إلَّا اشتراطه، ولا يلزم المشتري الوفاء به.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٣٧ - ٣٤١):
[ ٨ / ٣٠٧ ]
«في قول النبي ﷺ لعائشة: "ابتاعيها واشترطي لهم الولاء فإنَّما الولاء لمن أعتق". فإنَّ هذا أشكل على كثير من الناس حتى إنَّ منهم من قال: انفرد به هشام دون الزهري وظن ذلك علة فيه. والحديث في الصحيحين لا علة فيه. ومنهم من قال: "اشترطي لهم": بمعنى عليهم. قالوا: ومثله قوله تعالى ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي عليهم اللعنة. ونقل هذا حرملة عن الشافعي. ونقل عن المزني وهو ضعيف:
أمَّا أولًا: فإنَّ قوله: "اشترطي لهم" صريح في معناه واللام للاختصاص، وأمَّا قوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ فمثل قوله: لهم العذاب، ولهم خزي، وهو معنى صحيح؛ ليس المراد أنَّهم يملكون اللعنة؛ بل هنا إذا قيل: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والمراد أنَّهم يجزون بها، وإذا قيل: عليهم فالمراد الدعاء عليهم باللعنة فالمعنيان مفترقان. وقد يراد بقوله: "عليهم" الخبر: أي وقعت عليهم فحرف الاستعلاء غير ما أفاده حرف الاختصاص وإن كانا يشتركان في أن أولئك ملعونون. وقوله: "اشترطي لهم" مباين لمعنى اشترطي عليهم فكيف يفسر معنى اللفظ بمعنى ضده، وأيضًا فعائشة قد كانت اشترطت ذلك عليهم وقالت: "إن شاءوا عددتها لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فامتنعوا". وأيضًا فإنَّ ثبوت الولاء للمعتق لا يحتاج إلى اشتراطه؛ بل هو إذا أعتق كان الولاء له سواء شرط ذلك على البائع أو لم يشرط.
[ ٨ / ٣٠٨ ]
يبقى حمل الحديث على أنَّ هذا يشعر بأنَّ الولاء إنَّما يصير لهم إذا شرطته وهذا باطل. ومن تدبر الحديث تبين له قطعًا أنَّ الرسول لم يرد هذا.
وأمَّا ما دل عليه الحديث: فأشكل عليهم من جهتين. من جهة أنَّ الرسول كيف يأمر بالشرط الباطل. والثاني من جهة أنَّ الشرط الباطل كيف لا يفسد العقد. وقد أجاب طائفة بجواب ثالث ذكره أحمد وغيره. وهو أنَّ القوم كانوا قد علموا أنَّ هذا الشرط منهي عنه فأقدموا على ذلك بعد نهي النَّبي ﷺ فكان وجود اشتراطهم كعدمه، وبين لعائشة أنَّ اشتراطك لهم الولاء لا يضرك فليس هو أمرًا بالشرط؛ لكن إذنًا للمشتري في اشتراطه إذا أبى البائع أن يبيع إلَّا به وإخبارًا للمشتري أنَّ هذا لا يضره ويجوز للإنسان أن يدخل في مثل ذلك. فهو إذن في الشراء مع اشتراط البائع ذلك وإذن في الدخول معهم في اشتراطه لعدم الضرر في ذلك ونفس الحديث صريح في أنَّ مثل هذا الشرط الفاسد لا يفسد العقد. وهذا هو الصواب. وهو قول ابن أبي ليلى وغيره وهو مذهب أحمد في أظهر الروايتين عنه. وإنَّما استشكل الحديث من ظن أنَّ الشرط الفاسد يفسد العقد وليس كذلك؛ لكن إن كان المشترط يعلم أنَّه شرط محرم لا يحل اشتراطه فوجود اشتراطه كعدمه؛ مثل هؤلاء القوم. فيصح اشتراء المشتري ويملك المشتري وبلغو هذا الشرط الذي قد علم البائع أنَّه محرم لا يجوز الوفاء به. وأمَّا أولئك القوم فإن كانوا قد علموا بالنهي قبل استفتاء عائشة فلا شبهة. لكن ليس في
[ ٨ / ٣٠٩ ]
الحديث ما يدل عليه؛ بل فيه أنَّ النَّبي ﷺ قام عشية فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط". وهذا كان عقب استفتاء عائشة، وقد علم أولئك بهذا بلا ريب وكان عقد عائشة معهم بعد هذا الإعلام من الرسول ﷺ فإمَّا أن يكونوا تابوا عن هذا الشرط، أو أقدموا عليه مع العلم بالتحريم. وحينئذ فلا يضر اشتراطه. هذا هو الذي يدل عليه الحديث وسياقه. ولا إشكال فيه ولله الحمد والمنة. وأمَّا إن كان المشترط لمثل هذا الشرط الباطل جاهلًا بالتحريم ظانًا أنَّه شرط لازم، فهذا لا يكون البيع في حقه لازمًا ولا يكون أيضًا باطلًا. وهذا ظاهر مذهب أحمد؛ بل له الفسخ إذا لم يعلم أنَّ هذا الشرط لا يجب الوفاء به؛ فإنَّه إنَّما رضي بزوال ملكه بهذا الشرط، فإذا لم يحصل له فملكه له إن شاء، وإن شاء أن ينفذ البيع أنفذه، كما لو ظهر بالمبيع عيب، وكالشروط الصحيحة إذا لم يوف له بها إذا باع بشرط رهن أو ضمين فلم يأت به فله الفسخ وله الإمضاء.
والقول بأنَّ البيع باطل في مثل هذا ضعيف مخالف للأصول؛ بل هو غير لازم يتسلط فيه المشتري على الفسخ كالمشتري للمعيب وللمصراة ونحوهما؛ فإنَّ حقه مخير بتمكينه من الفسخ. وقد قيل في مذهب أحمد: إنَّ له أرش ما نقص من الثمن بإلغاء هذا الشرط كما قيل مثل ذلك في المعيب وهو أشهر الروايتين عنه. والرواية الأخرى لا يستحق إلَّا الفسخ؛ وإنَّما له الأرش بالتراضي أو عند تعذر الرد كقول
[ ٨ / ٣١٠ ]
جمهور الفقهاء. وهذا أصح؛ فإنَّه كما أنَّ المشترط لم يرض إلَّا بالشرط فلا يلزم البيع بدونه؛ بل له الخيار فكذلك الآخر لم يرض إلَّا بالثمن المسمى، وإن كان رضي به مع الشرط فإذا ألغى الشرط وصار الولاء له فهو لم يرض بأكثر من الثمن في هذه الصورة بل إن شاء فسخ البيع فلا يلزم بالزيادة؛ بل إذا أعطى الثمن فإن شاء الآخر قبل وأمضى وإن شاء فسخ البيع وإن تراضيا بالأرش جاز لكن لا يلزم به واحد منهما إلَّا برضاه فإنَّه معاوضة عن الجزء الفائت. وهكذا يقال في نظائر هذا …» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٤٨):
«وإن عرف أنَّه حرام وشرطه فهو كشرط أهل بريرة: شرطه باطل ولا يبطل العقد. ولا فرق في ذلك بين النكاح والبيع وغير ذلك من العقود» اهـ.
١٧ - وفيه جواز الشراء بالنسيئة.
١٨ - وفيه جواز مكاتبة من لا مال له ولا حرفة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«وفي الحديث أيضًا جواز كتابة من لا حرفة له وفاقًا للجمهور واختلف عن مالك وأحمد؛ وذلك أنَّ بريرة جاءت تستعين على كتابتها ولم تكن قضت منها شيئًا فلو كان لها مال أو حرفة لما احتاجت إلى الاستعانة لأنَّ كتابتها لم تكن حالة، وقد وقع
[ ٨ / ٣١١ ]
عند الطبري مِنْ طَرِيْقِ أبي الزبير عن عروة أنَّ عائشة ابتاعت بريرة مكاتبة وهي لم تقض من كتابتها شيئًا. وتقدمت الزيادة من وجه آخر» اهـ.
١٩ - وفيه أنَّ العد في الدراهم الصحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«لكن يحتمل قول عائشة أعدها لهم عدة واحدة أي أدفعها لهم وليس مرادها حقيقة العد ويؤيده قولها في طريق عمرة في الباب الذي يليه: "أن أصب لهم ثمنك صبه واحدة"» اهـ.
قُلْتُ: رواه البخاري (٢٥٦٤) عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ﵂: فَقَالَتْ لَهَا: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً، فَأُعْتِقَكِ، فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ بَرِيرَةُ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، فَقَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى: فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
٢٠ - وفيه جواز البيع بشرط العتق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«وفيه جواز البيع على شرط العتق بخلاف البيع بشرط أن لا يبيعه لغيره ولا يهبه مثلًا» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز كل ذلك.
[ ٨ / ٣١٢ ]
٢١ - وفيه جواز بيع المكاتب.
٢٢ - وفيه جواز قبول خبر المرأة الواحدة، ولو كانت أمة، فإنَّ النَّبي ﷺ قبل خبرها، وبنى عليه الإنكار على من اشترط الشرط الفاسد.
٢٣ - وفيه الإنكار على من جاء بمخالفة بمجرد خبر العدل الواحد، ولا يشترط في ذلك من إقامة شاهدين عدلين.
٢٤ - وفيه جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلفًا.
٢٥ - وفيه تحريم الشروط المخالفة لكتاب الله ﷿.
والمراد بكتاب الله في هذا الحديث حكمه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٤٧):
«فإذا كان المشروط مخالفًا لكتاب الله وشرطه كان الشرط باطلًا. وهذا معنى قوله ﷺ "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق". فإنَّ قوله: "من اشترط شرطًا" أي مشروطًا وقوله: "ليس في كتاب الله" أي ليس المشروط في كتاب الله فليس هو مما أباحه الله كاشتراط الولاء لغير المعتق والنسب لغير الوالد وكالوطء بغير ملك يمين ولا نكاح ونحو ذلك مما لم يبحه الله بحال. ومن ذلك تزوج المرأة بلا مهر ولهذا قال: "كتاب الله
[ ٨ / ٣١٣ ]
أحق وشرط الله أوثق". وهذا إنَّما يقال: إذا كان المشروط يناقض كتاب الله وشرطه فيجب تقديم كتاب الله وشرطه ويقال: "كتاب الله أحق وشرط الله أوثق". وأمَّا إذا كان نفس الشرط والمشروط لم ينص الله على حله؛ بل سكت عنه؛ فليس هو مناقضًا لكتاب الله وشرطه حتى يقال: "كتاب الله أحق وشرطه أوثق". فقوله: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله". أي مخالفًا لكتاب الله. وسواء قيل: المراد من الشرط المصدر أو المفعول. فإنَّه متى خالف أحدهما كتاب الله خالفه الآخر؛ بخلاف ما سكت عنه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩):
«وأمَّا معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض وهذا إنَّما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله". ومعلوم أنَّه ليس المراد به القرآن قطعًا فإنَّ أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة، فعلم أنَّ المراد بكتاب الله حكمه كقوله:
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وقول النبي ﷺ: "كتاب الله القصاص". في كسر السن، فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وحكمه الذي حكم به على لسان رسوله، ومعلوم أنَّ كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له فيكون باطلًا فإذا كان الله ورسوله ﷺ قد حكم بأنَّ الولاء للمعتق فشرط خلاف ذلك يكون شرطًا مخالفًا لحكم الله، ولكن أين في هذا أنَّ ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا. وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله الله أو
[ ٨ / ٣١٤ ]
إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده» اهـ.
قُلْتُ: وللشروط الفاسدة صور كثيرة منها:
الصورة الأولى: أن يكون الشرط في أمر مجهول. فإنَّ ذلك من جملة الغرر المنهي عنه.
ويدخل في ذلك إذا اشترط ألَّا خسارة عليه، فإنَّ مقتضى ذلك أنَّ البائع يتحمل خسارة المشتري، وذلك مما يجهل مقداره.
وهكذا إذا باع بيتًا واشترط سكناها ما شاء ونحو ذلك من الشروط المجهولة.
الصورة الثانية: أن يكون الشرط منافي لمقصود العقد. كشرط الفسخ عند حلول أجل معين.
وكأن يشترط أنَّه متى نفق المبيع وإلَّا رده، فإنَّ هذا شرط منافي لمقصود العقد، فإنَّه مشروط فيه الفسخ عند عدم الرواج، وشرط الفسخ منافٍ لمقصود العقد، كشرط الطلاق في النكاح مثلًا.
الصورة الثالثة: أن يكون الشرط من الشروط الربوية.
الصورة الرابعة: أن يكون الشرط من شروط القمار، وغير ذلك من الشروط المخالفة للكتاب والسنة.
قُلْتُ: وهناك شروط مختلف فيها:
[ ٨ / ٣١٥ ]
فمنها: الجمع بين البيع والإجارة المعلومة كأن يقول: بعتك هذه البيت وأجرتكها شهرًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٧١):
«فصل: ولو قال: بعتك هذه الدار وأجرتكها شهرًا.
لم يصح؛ لأنَّه إذا باعه فقد ملك المشتري المنافع، فإذا أجره إياها، فقد شرط أن يكون له بدل في مقابلة ما ملكه المشتري فلم يصح».
ثم قال ﵀: «ويحتمل الجواز بناء على اشتراط منفعة البائع في المبيع» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح جواز ذلك، فإنَّ غاية ما في ذلك أنَّه اشترط شيئًا من منافع المبيع لنفسه مدةً معينة، ومن قال بفساد ذلك طولب بالدليل.
ومنها: أن يشترط إن هو باعه فالبائع أحق به بالثمن الأول.
وهذا الشرط متنازع فيه، وقد أجازه الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايتين عنه، وهو الصحيح.
ومنها: إذا شرط البائع على المشتري أن لا يبيع ما اشتراه ولا يهبه.
وهذا الشرط عند كثير من العلماء من الشروط الفاسدة، ولا يظهر لي فساده فإنَّ البائع قد يكون له غرض صحيح في هذا الشرط كأن تكون له جارية يحبها واحتاج إلى بيعها فباعها لرجل يعرف منه الدين والإحسان ويخشى أنَّها إذا انتقلت إلى غيره حصل لها شيء من الضرر فيشترط مثل هذا الشرط، وكأن يبيع شيئًا لصديق بثمن بخس وغرضه بهذا البيع انتفاع صديقه بذلك الشيء وإلَّا لما
[ ٨ / ٣١٦ ]
باعه له فيشترط عليه ذلك الشرط، فالذي يظهر لي صحة ذلك ولا أعلم حجة قوية في منعه، وغاية ما احتج به من قال بفساده أنَّه شرط منافي لمقتضى العقد، وسيأتي قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد. قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقًا؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له؛ وإنَّما المحذور: أن ينافي مقصود العقد كاشتراط الطلاق في النكاح أو اشتراط الفسخ في العقد. فأمَّا إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح: بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي» اهـ.
ومنها: شرط البيع بعد انتهاء الإجارة، وهو الذي يسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك، والصحيح عدم جوازه.
وقد جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء في موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك قرار رقم [١٩٨] وتاريخ ٦/ ١١/ ١٤٢٠ هـ:
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء درس موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك في دوراته التاسعة والأربعين، والخمسين، والحادية والخمسين، بناء على استفتاءات متعددة وردت إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، واطلع على
[ ٨ / ٣١٧ ]
البحوث المعدة في الموضوع من قِبل عدد من الباحثين، وفي دورته الثانية والخمسين المنعقدة في مدينة الرياض ابتداء من تاريخ ٢٩/ ١٠/ ١٤٢٠ هـ، استأنف دراسة هذا الموضوع، وبعد البحث والمناقشة رأى المجلس بالأكثرية أنَّ هذا العقد غير جائز شرعًا لما يأتي:
أولًا: أنَّه جامع بين عقدين على عين واحدة غير مستقر على أحدهما وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه، فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري، وحينئذٍ لا يصح عقد الإجارة على المبيع؛ لأنَّه ملك للمشتري، والإجارة توجب انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر، والمبيع مضمون على المشتري بعينه ومنافعه، فتلفه عليه عينًا ومنفعة، فلا يرجع بشيء منهما على البائع، والعين المستأجرة من ضمان مؤجرها، فتلفها عليه عينًا ومنفعة، إلَّا أن يحصل من المستأجر تعدٍ أو تفريط.
ثانيًا: أنَّ الأجرة تقدر سنويًا أو شهريًا بمقدار مقسط يستوفي به قيمة المعقود عليه، يعده البائع أجرة من أجل أن يتوثق بحقه حيث لا يمكن للمشتري بيعه، مثال ذلك: إذا كانت قيمة العين التي وقع عليها العقد خمسين ألف ريال، وأجرتها شهريًا ألف ريال حسب المعتاد جعلت الأجرة ألفين، وهي في الحقيقة قسط من الثمن حتى تبلغ القيمة المقدرة، فإن أعسر بالقسط الأخير مثلًا سحبت منه.
ثالثًا: إنَّ هذا العقد وأمثاله أدى إلى تساهل الفقراء في الديون حتى أصبح ذمم كثير منهم مشغولة منهكة، وربما يؤدي إلى إفلاس بعض الدائنين؛ لضياع حقوقهم في ذمم الفقراء.
[ ٨ / ٣١٨ ]
ويرى المجلس أن يسلك المتعاقدان طريقًا صحيحًا وهو أن يبيع الشيء ويرهنه على ثمنه، ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة، ونحو ذلك.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم» اهـ.
قُلْتُ: ولا تخلو هذه المعاملة من شيء من القمار، وذلك أنَّ المستأجر يدفع أكثر من قيمة الإجارة ليغنم العين المستأجرة في نهاية مدة الإجارة، وإذا عجز عن قسط من الأقساط فإنَّه يغرم ما دفعه مما هو زائد على أجرة المثل وهذا هو عين القمار.
وفيها أيضًا تعليق البيع إلى أجل مجهول وهذا لا يشرع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٩/ ٣٤٢):
«وَلَا تَعْلِيقُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ بِأَنْ يَقُولَ إذَا جَاءَ الْمَطَرُ أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ أَوْ إذَا جَاءَ زَيْدٌ أَوْ إذَا غربت الشمس أو ما أَشْبَهَ هَذَا فَقَدْ بِعْتُكَهُ وَهَذَا عَقْدٌ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْ بيع الغرر» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ١٢):
«ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء المطر، وقدوم زيد، وطلوع الشمس، لأنه غرر، ولأنه عقد معاوضة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل، كالنكاح» اهـ.
وهناك من المعاصرين من أجاز الإجارة المنتهية بالتمليك إذا كان التمليك عن طريق الهبة لا البيع كما ذهب إلى ذلك مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشرة
[ ٨ / ٣١٩ ]
بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣ - ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠ م). قراره رقم: ١١٠ (٤/ ١٢).
وهذا القول فيه نظر فقد نهى النبي ﷺ عن سلف وبيع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٦٢ - ٦٣):
«فنهى ﷺ عن أن يجمع بين سلف وبيع. فإذا جمع بين سلف وإجارة فهو جمع بين سلف وبيع أو مثله. وكل تبرع يجمعه إلى البيع والإجارة مثل: الهبة والعارية والعرية والمحاباة في المساقاة والمزارعة وغير ذلك: هي مثل القرض. فجماع معنى الحديث: أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع؛ لأنَّ ذلك التبرع إنَّما كان لأجل المعاوضة؛ لا تبرعًا مطلقًا، فيصير جزءًا من العوض فإذا اتفقا على أنَّه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين؛ فإنَّ من أقرض رجلًا ألف درهم وباعه سلعة تساوي خمسمائة بألف: لم يرض بالإقراض إلَّا بالثمن الزائد للسلعة والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلَّا لأجل الألف التي اقترضها، فلا هذا باع بيعًا بألف ولا هذا أقرض قرضًا محضًا؛ بل الحقيقة: أنَّه أعطاه الألف والسلعة بألفين فهي مسألة "مد عجوة" فإذا كان المقصود أخذ ألف بأكثر من ألف: حرم بلا تردد وإلَّا خرج على الخلاف المعروف، وهكذا من اكترى الأرض التي تساوي مائة بألف وأعراه الشجر أو رضي من ثمرها بجزء من ألف جزء. فمعلوم بالاضطرار: أنَّه إنَّما تبرع بالثمرة لأجل الألف التي أخذها وأنَّ المستأجر
[ ٨ / ٣٢٠ ]
إنَّما بذل الألف لأجل الثمرة فالثمرة هي جل المقصود المعقود عليه أو بعضه فليست الحيلة إلَّا ضربًا من اللعب والإفساد؛ وإلَّا فالمقصود المعقود عليه ظاهر» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي استأجر بشرط الهبة فقد جمع بين تبرع - وهي الهبة- ومعاوضة -وهي الإجارة-.
ويكون بهذا قد جمع بين أمرين متنافيين فإنَّ الهبة تبرع، وكون الواهب إنَّما وهب بشرط الإجارة صارت الهبة معاوضة، والمعاوضة والتبرع أمران متنافيان لا يجتمعان.
٢٦ - وفيه حل الشروط التي لا تخالف كتاب الله ﷿.
قُلْتُ: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تحرير نفيس حول الشروط التي تصح والتي لا تصح مدون في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٢٦ - ١٣٨) حيث قال:
«القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم وما يصح منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدًا. والذي يمكن ضبطه فيها قولان:
أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر؛ إلَّا ما ورد الشرع بإجازته. فهذا قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا. وكثير من أصول الشافعي وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. فإنَّ أحمد قد يعلل أحيانًا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس. كما قاله في
[ ٨ / ٣٢١ ]
إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه. وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنَّها تخالف مقتضى العقد ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل.
أمَّا أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقدًا ولا شرطًا إلَّا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله وطردوا ذلك طردًا جاريًا؛ لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم.
وأمَّا أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنَّه لا يصحح في العقود شروطًا يخالف مقتضاها في المطلق. وإنَّما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه. ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال. ولهذا منع بيع العين المؤجرة. وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته. وإنَّما جوز الإجارة المؤخرة؛ لأنَّ الإجارة عنده لا توجب الملك إلَّا عند وجود المنفعة أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره. ولم يصحح في النكاح شرطًا أصلًا لأنَّ النكاح عنده لا يقبل الفسخ. ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما. ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقًا. وإنَّما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر وهو عنده موضع استحسان. والشافعي يوافقه على أنَّ كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل؛ لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص. فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث ولا استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير
[ ٨ / ٣٢٢ ]
تسليم المبيع حتى منع الإجارة المؤخرة؛ لأنَّ موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد ولا يجوز أيضًا ما فيه منع المشتري من التصرف المطلق إلَّا العتق؛ لما فيه من السنة والمعنى؛ لكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه وكبيع الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك. ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض ولا يجوز اشتراطها دارها أو بلدها ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها. وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ونحوه. وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار وانفساخه بالشروط التي تنافيه كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار. بخلاف فساد المهر ونحوه. وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول؛ لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي كالخيار أكثر من ثلاث كاستثناء البائع منفعة المبيع واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها ونحو ذلك من المصالح. فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل. إلَّا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين. وذلك أنَّ نصوص أحمد تقتضي أنَّه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي. فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض. وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني
[ ٨ / ٣٢٣ ]
وآثار الصحابة ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر. وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة. وهو ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني. فقُلْتُ: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس. فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلَّا أن يكون لهم الولاء فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء. فإنَّما الولاء لمن أعتق". ففعلت عائشة ثم قام رسول الله ﷺ في الناس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أمَّا بعد ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق. وإنما الولاء لمن أعتق". وفي رواية للبخاري: "اشتريها فأعتقيها وليشترطوا ما شاءوا"، فاشترتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال النبي ﷺ: "الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط". وفي لفظ: "شرط الله أحق وأوثق". وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر: أنَّ عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية لتعتقها. فقال أهلها: نبيعكها على أنَّ ولاءها لنا؟ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ. فقال: "لا يمنعك ذلك. فإنَّما الولاء لمن أعتق". وفي مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها، فأبى أهلها
[ ٨ / ٣٢٤ ]
إلَّا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك، فإنَّما الولاء لمن أعتق". ولهم من هذا الحديث حجتان.
إحداهما: قوله: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع: فليس في كتاب الله بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع. فإنَّه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع. ومن قال بالقياس - وهو الجمهور - قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله: فهو في كتاب الله.
والحجة الثانية: أنَّهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء؛ لأنَّ العلة فيه: كونه مخالفًا لمقتضى العقد. وذلك: لأنَّ العقود توجب مقتضياتها بالشرع. فيعتبر تغييرها تغييرًا لما أوجبه الشرع؛ بمنزلة تغيير العبادات. وهذا نكتة القاعدة. وهي أنَّ العقود مشروعة على وجه فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع؛ ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين - لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطًا يخالف مقتضاها. فلا يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر متابعة لعبد الله بن عمر حيث كان ينكر الاشتراط في الحج. ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟. وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعد لحدود
[ ٨ / ٣٢٥ ]
الله وزيادة في الدين. وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النَّبي ﷺ مع المشركين عام الحديبية أو قالوا: هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي في كتاب الله.
واحتجوا أيضًا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك: أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء. وذكروا أنَّه لا يعرف وأنّ الأحاديث الصحيحة تعارضه وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه من غيرهم - أنَّ اشتراط صفة في المبيع ونحوه كاشتراط كون العبد كاتبًا أو صانعًا أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح.
القول الثاني: أنَّ الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلَّا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًا أو قياسًا عند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه. وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس؛ لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعًا من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطًا يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص. وكان قد بلغه في
[ ٨ / ٣٢٦ ]
العقود والشروط من الآثار عن النَّبي ﷺ والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك وبما في معناه قياسًا عليه وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص: فقد يضعفه أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس. وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط. كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقًا فمالك يجوزه بقدر الحاجة وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضًا. ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه. ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط والنقص منه بالشرط؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع. كما سأذكره إن شاء الله. فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير اتباعًا لحديث جابر لما باع النبي ﷺ جمله واستثنى ظهره إلى المدينة. ويجوز أيضًا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو غيرهما اتباعًا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه خدمة النبي ﷺ ما عاش. ويجوز - على عامة أقواله -: أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها. كما في حديث صفية. وكما فعله أنس بن مالك وغيره وإن لم ترض المرأة؛ كأنَّه أعتقها واستثنى منفعة البضع؛ لكنه
[ ٨ / ٣٢٧ ]
استثناها بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف منفعة الخدمة. ويجوز أيضًا للواقف إذا وقف شيئًا أن يستثني منفعته وغلته جميعها لنفسه لمدة حياته. كما روي عن الصحابة أنَّهم فعلوا ذلك. وروي فيه حديث مرسل عن النَّبي ﷺ. وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه؟ فيه عنه روايتان. ويجوز أيضًا - على قياس قوله - استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة والصداق وفدية الخلع والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك سواء كان بإسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع. أو بغير عوض كالهبة. ويجوز أحمد أيضًا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما في الصحيحين عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج".
ومن قال بهذا الحديث قال: إنَّه يقتضي أنَّ الشروط في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة. وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في البيع دون النكاح. فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى. ويجوز - على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه - أن يشترط كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك ويملك الفسخ بفواته. وهو من أشد الناس قولًا بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب كما لو تزوج عليها وقد شرطت
[ ٨ / ٣٢٨ ]
عليه أن لا يتزوج عليها، وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة، وبالخلف في الصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له مالًا فظهر بخلاف ما ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده كالتوقيت واشتراط الطلاق. وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك؟ فيه عنه روايتان. إحداهما: نعم كنكاح الشغار. وهو رواية عن مالك. والثانية: لا ينفسخ؛ لأنَّه تابع وهو عقد مفرد كقول أبي حنيفة والشافعي. وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلًا أو تركًا في المبيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه. وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ذلك إلَّا العتق. وقد يروى ذلك عنه؛ لكن الأول أكثر في كلامه. ففي "جامع الخلال" عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها: تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به.
وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له: إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به ولكن لا يطؤها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأنَّ ابن مسعود قال لرجل: لا تقربنها ولأحد فيها شرط. وقال حنبل: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنَّ ابن مسعود اشترى جارية من امرأته وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به. فسأل ابن مسعود
[ ٨ / ٣٢٩ ]
عن ذلك عمر بن الخطاب. فقال: لا تنكحها وفيها شرط. وقال حنبل: قال عمي: كل شرط في فرج فهو على هذا. والشرط الواحد في البيع جائز إلَّا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنَّه شرط لامرأته الذي شرط. فكره عمر أن يطأها وفيها شرط. وقال الكرماني سأل أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ فكأنَّه رخص فيه. ولكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن؟ فلا يقربها. يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب حين قال لعبد الله بن مسعود. فقد نص في غير موضع على أنَّه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلَّا ردها إلى البائع بالثمن الأول كالمقايلة. وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل لهذا الشرط وربما تأولوا قوله: "جائز" أي العقد جائز وبقية نصوصه تصرح بأنَّ مراده "الشرط" أيضًا. واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وابن مسعود وزينب امرأة عبد الله: ثلاثة من الصحابة. وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه ولا يهبه أو يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما روى عمر بن شبة في أخبار عثمان: أنَّه اشترى من صهيب دارًا وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من بعده. وجماع ذلك: أنَّ الملك يستفاد به تصرفات متنوعة. فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه جوز أيضًا استثناء بعض التصرفات. وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد. قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقًا؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له؛ وإنَّما المحذور: أن ينافي مقصود العقد كاشتراط
[ ٨ / ٣٣٠ ]
الطلاق في النكاح أو اشتراط الفسخ في العقد. فأمَّا إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح: بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي.
أمَّا الكتاب: فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ …» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١):
«والمقصود أنَّ للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من الفقهاء فإنَّهم يلغون شروطًا لم يلغها الشارع ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضى فساده وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أنَّ كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالفه حكمه فهو لازم.
يوضحه أنَّ الالتزام بالشروط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلَّا ما خالف حكم الله وكتابه، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله والالتزام به أوفي من الالتزام بالنذر.
[ ٨ / ٣٣١ ]
وإنَّما بسطت القول في هذا لأنَّ باب الشرط يدفع حيل أكثر المتحيلين، ويجعل للرجل مخرجًا مما يخاف منه، ومما يضيق عليه، فالشرط الجائز بمنزلة العقد بل هو عقد وعهد وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَقَالَ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧].
وها هنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله:
إحداهما: أنَّ كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائنًا ما كان.
والثانية: أنَّ كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط فهو لازم بالشرط ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسول واتفاق الصحابة ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية فإنَّها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع. فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط، بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحقيق نفيس بالغ من هاذين الإمامين رحمهما الله تعالى، ولا مزيد على ما قالا.
[ ٨ / ٣٣٢ ]
٢٧ - ومفهوم الحديث جواز تعدد الشروط إذا لم تخالف كتاب الله تعالى.
قُلْتُ: أمَّا ما كان من الشروط من مقتضى العقد، أو من مصلحته فلا ريب في جوازها، وإن تعددت، ونفى العلامة ابن القيم ﵀ الخلاف في جوازها، وأمَّا ما سوى ذلك من الشروط إذا تعددت ففيها نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤١٧ - ٤١٨):
«مسألة؛ قال: "ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد".
ثبت عن أحمد ﵀، أنَّه قال: الشرط الواحد لا بأس به، إنَّما نهي عن الشرطين في البيع، ذهب أحمد إلى ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك". أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إنَّ هؤلاء يكرهون الشرط في البيع.
فنفض يده، وقال: الشرط الواحد لا بأس به في البيع، إنَّما نهى رسول الله ﷺ عن شرطين في البيع.
وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى المدينة.
واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فروي عن أحمد؛ أنَّهما شرطان صحيحان، ليسا من مصلحة العقد.
[ ٨ / ٣٣٣ ]
فحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق في من اشترى ثوبًا، واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعامًا، واشترط طحنه وحمله: إن اشترط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين، فالبيع باطل.
وكذلك فسر القاضي في "شرحه" الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير.
وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين؛ أن يشتريها على أنَّه لا يبيعها من أحد، وأنَّه لا يطؤها.
ففسره بشرطين فاسدين.
وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع، أن يقول: إذا بعتكها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة.
وظاهر كلام أحمد أنَّ الشرطين المنهي عنهما ما كان من هذا النحو.
فأمَّا إن شرط شرطين، أو أكثر، من مقتضى العقد، أو مصلحته، مثل أن يبيعه بشرط الخيار، والتأجيل، والرهن، والضمين، أو بشرط أن يسلم إليه المبيع أو الثمن.
فهذا لا يؤثر في العقد وإن كثر.
وقال القاضي في "المجرد": ظاهر كلام أحمد أنَّه متى شرط في العقد شرطين، بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته. أخذًا من ظاهر الحديث، وعملًا بعمومه.
[ ٨ / ٣٣٤ ]
ولم يفرق الشافعي وأصحاب الرأي بين الشرطين، ورووا أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن بيع وشرط.
ولأنَّ الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد.
والحديث الذي رويناه يدل على الفرق. ولأنَّ الغرر اليسير إذا احتمل في العقد، لا يلزم منه احتمال الكثير.
وحديثهم لم يصح وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويًا في مسند، ولا يعول عليه.
وقول القاضي: إنَّ النهي يبقي على عمومه في كل شرطين. بعيد أيضًا؛ فإن شرط ما يقتضيه العقد لا يؤثر فيه بغير خلاف، وشرط ما هو من مصلحة العقد، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، وشرط صفة في المبيع، كالكتابة، والصناعة، فيه مصلحة العقد، فلا ينبغي أن يؤثر أيضًا في بطلانه، قَلَت أو كثرت.
ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئًا من هذا القسم، فالظاهر أنَّه غير مراد له» اهـ.
قُلْتُ: عمدة من منع من الشرطين في البيع هو ما رواه أحمد (٦٦٧١)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦١١، ٤٦٣٠، ٤٦٣١)، والترمذي (١٢٣٤)
عن عبد الله بن عمرو قال، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
[ ٨ / ٣٣٥ ]
والمراد بالشرطين في البيع البيعتان في البيعة، وهي بيع العينة، وقد روى الحديث أحمد (٦٩١٨) حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٨٤ - ١٩١):
«هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية، وقد اشتمل على أربعة أحكام.
الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث إنَّ الشرطين إن كانا فاسدين فالواحد حرام فأي فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يحرما. فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق: فيمن اشترى ثوبًا واشترط على البائع خياطته وقصارته أو طعامًا واشترط طحنه وحمله - إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن شرط شرطين فالبيع باطل. وهذا فسره القاضي أبو يعلى وغيره عن أحمد في تفسيره رواية ثانية، حكاها الأثرم، وهو أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد ولا يطأها ففسره بالشرطين الفاسدين. وعنه رواية ثالثة، حكاها إسماعيل بن سعيد الشالنجي عنه: هو أن يقول: إذا بعتها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة، ومضمون هذه الرواية: أنَّ الشرطين يتعلقان بالبائع، فيبقى له فيها علقتان: علقة قبل التسليم، وهي الخدمة وعلقة بعد البيع،
[ ٨ / ٣٣٦ ]
وهي كونه أحق بها. فأمَّا اشتراط الخدمة: فيصح، وهو استثناء منفعة المبيع مدة كاستثناء ركوب الدابة ونحوه.
وأمَّا شرط كونه أحق بها بالثمن: فقال في رواية المروزي: هو في معنى حديث النبي ﷺ "لا شرطان في بيع" يعني لأنَّه شرط أن يبيعه إياه، وأن يكون البيع بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع. وروى عنه إسماعيل بن سعيد: جواز هذا البيع، وتأوله بعض أصحابنا على جوازه فساد الشرط. وحمل رواية المروزي على فساد الشرط وحده، وهو تأويل بعيد، ونص أحمد يأباه. قال إسماعيل بن سعيد ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود أنَّه قال: "ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية، وشرطت لها أني إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به، فذكرت ذلك لعمر، فقال: لا تقربها ولأحد فيها شرط".
فقال أحمد: البيع جائز ولا تقربها، لأنَّه كان فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك البيع: إنَّه فاسد. فهذا يدل على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنَّه قال: "لا تقربها". ولو كان الشرط فاسدًا لم يمنع من قربانها.
الثاني: أنَّه علل ذلك بالشرط، فدل على أنَّ المانع من القربان هو الشرط، وأن وطأها يتضمن إبطال ذلك الشرط، لأنَّها قد تحمل، فيمتنع عودها إليها.
الثالث: أنَّه قال: "كان فيها شرط واحد للمرأة". فذكره وحدة الشرط يدل على أنَّه صحيح عنده، لأنَّ النهي إنَّما هو عن الشرطين.
[ ٨ / ٣٣٧ ]
وقد حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة: أنَّ البيع جائز، والشرط صحيح، ولهذا حمل القاضي منعه من الوطء على الكراهة، لأنَّه لا معنى لتحريمه عنده، مع فساد الشرط. وحمله ابن عقيل على الشبهة، للاختلاف في صحة هذا العقد. وقال القاضي في المجرد: ظاهر كلام أحمد: أنَّه متى شرط في العقد شرطين بطل سواء كان صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته، أخذًا بظاهر الحديث، وعملًا بعمومه.
وأمَّا أصحاب الشافعي وأبي حنيفة: فلم يفرقوا بين الشرط والشرطين، وقالوا: يبطل البيع بالشرط الواحد، لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط، وأمَّا الشروط الصحيحة: فلا تؤثر في العقد وإن كثرت، وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين، ورأوا أنَّه لا أثر له أصلًا. وكل هذه الأقوال بعيدة عن مقصود الحديث غير مرادة منه.
فأمَّا القول الأول، وهو أن يشترط حمل الحطب وتكسيره، وخياطة الثوب وقصارته ونحو ذلك: فبعيد، فإن اشتراط منفعة البائع في البيع إن كان فاسدًا فسد الشرط والشرطان. وإن كان صحيحًا فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع؟ لا سيما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد قد جمع بيعًا وإجارة، وهما معلومان لم يتضمنا غررًا. فكانا صحيحين. وإذا كان كذلك فما الموجب لفساد الإجارة على منفعتين وصحتها على منفعة؟ وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حمله، أو حمله ونقله، أو حمله وتكسيره؟.
[ ٨ / ٣٣٨ ]
وأمَّا التفسير الثاني، وهو الشرطان الفاسدان: فأضعف وأضعف، لأنَّ الشرط الواحد الفاسد منهي عنه. فلا فائدة في التقييد بشرطين في بيع، وهو يتضمن زيادة في اللفظ، وإيهامًا لجواز الواحد. وهذا ممتنع على الشارع مثله. لأنَّه زيادة مخلة بالمعنى.
وأمَّا التفسير الثالث، وهو أن يشترط أنَّه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وأن ذلك يتضمن شرطين: أن لا يبيعها لغيرها وأن تبيعه إياها بالثمن فكذلك، أيضًا فإنَّ كل واحد منهما إن كان فاسدًا فلا أثر للشرطين، وإن كان صحيحًا لم تفسد بانضمامه إلى صحيح مثله، كاشتراط الرهن والضمين، واشتراط التأجيل والرهن ونحو ذلك.
وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات. إحداهن: صحة البيع والشرط. والثانية: فسادهما. والثالثة: صحة البيع وفساد الشرط. وهو ﵁ إنَّما اعتمد في الصحة على اتفاق عمر وابن مسعود على ذلك. ولو كان هذا هو الشرطان في البيع لم يخالفه القول أحد، على قاعدة مذهبه. فإنَّه إذا كان عنده في المسألة حديث صحيح لم يتركه لقول أحد. ويعجب ممن يخالفه من صاحب أو غيره. وقوله في رواية المروزي: هو في معنى حديث النبي ﷺ: "لا شرطان في بيع" ليس تفسيرًا منه صريحًا، بل تشبيه وقياس على معنى الحديث، ولو قدر أنَّه تفسير فليس بمطابق لمقصود الحديث، كما تقدم.
[ ٨ / ٣٣٩ ]
وأمَّا تفسير القاضي في المجرد: فمن أبعد ما قيل في الحديث وأفسده. فإنَّ شرط ما يقتضيه العقد، أو ما هو من مصلحته، كالرهن والتأجيل والضمين ونقد كذا: جائز، بلا خلاف، تعددت الشروط أو اتحدت. فإذا تبين هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي ﷺ بعضه ببعض. فنفسر كلامه بكلامه.
فنقول: نظير هذا نهيه ﷺ عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة. فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة".
وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "من باع بيعتين في بيعه فله أوكسهما، أو الربا". وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول: "أبيعك بعشرة نقدًا، أو بعشرين ونسيئة". هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين.
أحدهما: أنَّه لا يدخل الربا في هذا العقد.
الثاني: أنَّ هذا ليس بصفقتين، إنَّما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين. وقد ردده بين الأوليين أو الربا. ومعلوم أنَّه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربًا. فليس هذا معنى الحديث.
وفسر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا وآخذها منك بعشرين نسيئة. وهي مسألة العينة بعينها. وهذا هو المعنى المطابق للحديث. فإنَّه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلَّا رأس ماله، وهو أوكس
[ ٨ / ٣٤٠ ]
الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا. فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا. ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى وهذا هو بعينه الشرطان في بيع. فإن الشرط يطلق على العقد نفسه، لأنَّهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط، والشرط يطلق على المشروط كثيرًا، كالضرب يطلق على المضروب، والحلق على المحلوق والنسخ على المنسوخ. فالشرطان كالصفقتين سواء. فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة: وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه ﷺ في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع. رواه أحمد. ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف في بيع فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع البيعتين في البيعة. وسر ذلك: أنَّ كلا الأمرين يئول إلى الربا، وهو ذريعة إليه.
أمَّا البيعتان في بيعة: فظاهر، فإنَّه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرطه له، كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة. ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة.
وأما السلف والبيع: فلأنَّه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك. فظهر سر قوله ﷺ: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع". وقول ابن عمر "نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع" واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سلمًا إلى الربا. ومن نظر في الواقع وأحاط به علمًا فهم مراد الرسول صلى الله عليه
[ ٨ / ٣٤١ ]
وسلم من كلامه، ونزله عليه. وعلم أنَّه كلام من جمعت له الحكمة، وأوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. وقد قال بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله ﷺ» اهـ.
فائدة/ قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٤):
«قال ابن بطال: أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه. وسيأتي الكثير منها في كتاب النكاح، وقال النووي: صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منها فذكرا أشياء. قلت ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه تهذيب الآثار ولخصت منه ما تيسر بعون الله تعالى، وقد بلغ بعض المتأخرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف كما وقع نظير ذلك للذي صنف في الكلام على حديث المجامع في رمضان فبلغ به ألف فائدة وفائدة» اهـ.
* * *
٢٦٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ فَأَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ". قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ". فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ.
[ ٨ / ٣٤٢ ]
وَاسْتَثْنَيْتُ حِمْلانَهُ إلَى أَهْلِي. فَلَمَّا بَلَغْتُ: أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ. فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ. فَأَرْسَلَ فِي إثْرِي. فَقَالَ: "أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ. فَهُوَ لَكَ"».
الوقية والأوقية أربعون درهمًا.
والمماكسة هي المناقصة في الثمن. وأصل المكس النقص، ومنه مكس الظالم، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس.
ومعنى "يسيبه" أي يطلقه، وليس المراد أن يجعله من السوائب، فإنَّ هذا من أمر الجاهلية.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز السوم من جهة المشتري.
قُلْتُ: ومع ذلك فالبائع أحق بالسوم من المشتري، وقد بوَّب البخاري ﵀ في "صحيحه" على حديث برقم (٢١٠٦) فقال: «بَابٌ: صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ، وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ"» اهـ.
[ ٨ / ٣٤٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢٣٥):
«لا خلاف بين الأمة أنَّ صاحب السلعة أحق الناس بالسوم في سلعته، وأولى بطلب الثمن فيها، ولا يجوز ذلك إلَّا له أو لمن وكله على البيع» اهـ.
٢ - جواز الشرط في البيع. وقد سبق الكلام فيه في شرح الحديث الماضي.
٣ - جواز اشتراط بعض منفعة المبيع إذا كانت معلومة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٦٥ - ١٦٦):
«فصل: ويصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، مثل أن يبيع دارًا، ويستثني سكناها شهرًا، أو جملًا، ويشترط ظهره إلى مكان معلوم، أو عبدًا، ويستثني خدمته سنة. نص على هذا أحمد.
وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: لا يصح الشرط؛ لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط، ولأنَّه ينافي مقتضى البيع، فأشبه ما لو شرط أن لا يسلمه، وذلك؛ لأنَّه شرط تأخير تسليم المبيع إلى أن يستوفي البائع منفعته، ولأنَّ مقتضى البيع ملك المبيع ومنافعه، وهذا شرط ينافيه، وقال ابن عقيل: فيه رواية ثانية، أنَّه يبطل البيع والشرط، نقلها عبد الله بن محمد الفقيه، في الرجل يشتري من الرجل جارية، ويشترط أن تخدمه، فالبيع باطل.
[ ٨ / ٣٤٤ ]
وهذه الرواية لا تدل على محل النزاع في هذه المسألة، فإنَّ اشتراط خدمة الجارية باطل لوجهين؛ أحدهما، أنَّها مجهولة، وإطلاقها يقتضي خدمتها أبدًا، وهذا لا خلاف في بطلانه، إنَّما الخلاف في اشتراط منفعة معلومة.
الثاني، أن يشترط خدمتها بعد زوال ملكه عنها، فيفضي إلى الخلوة بها، والخطر برؤيتها، وصحبتها، ولا يوجد هذا في غيرها، ولذلك منع إعارة الجارية الشابة لغير محرمها.
وقال مالك: إذا اشترط ركوبًا إلى مكان قريب، جاز، وإن كان إلى مكان بعيد كره؛ لأنَّ اليسير تدخله المسامحة.
ولنا، ما روى جابر: أنَّه باع النَّبي ﷺ جملًا، واشترط ظهره إلى المدينة.
وفي لفظ قال: فبعته بأوقية، واستثنيت حملانه إلى أهلي. متفق عليه.
وفي لفظ قال: فبعته منه بخمس أواق، قال: قُلْتُ: على أنَّ لي ظهره إلى المدينة. قال: ولك ظهره إلى المدينة. ورواه مسلم.
ولأنَّ النَّبي ﷺ: نهى عن الثنيا إلَّا أن تعلم.
وهذه معلومة، ولأنَّ المنفعة قد تقع مستثناة بالشرع على المشتري فيما إذا اشترى نخلة مؤبرة، أو أرضًا مزروعة، أو دارًا مؤجرة، أو أمة مزوجة، فجاز أن يستثنيها،
[ ٨ / ٣٤٥ ]
كما لو اشترط البائع الثمرة قبل التأبير، ولم يصح نهي النبي ﷺ عن بيع وشرط.
وإنَّما نهى عن شرطين في بيع، فمفهومه إباحة الشرط الواحد، وقياسهم ينتقض باشتراط الخيار والتأجيل في الثمن» اهـ.
قُلْتُ: سبق الكلام على الشروط، وما يحل منها، وما لا يحل في شرح الحديث الماضي.
٤ - بركة النبي ﷺ.
٥ - عطف النبي ﷺ على أصحابه.
٦ - عظيم كرم النبي ﷺ.
٧ - جواز المماكسة في البيع.
٨ - جواز ضرب الحيوان للمصلحة.
٩ - وفيه جواز تأجيل الثمن في البيع.
١٠ - وفيه جواز إضافة الشيء إلى مالكه أولًا، فإنَّ النبي ﷺ قال لجابر: «خُذْ جَمَلَكَ». مع أنَّه قد انتقل من ملكه.
١١ - جواز مخاطبة النبي ﷺ بـ"لا" في الأمور الجائزة.
والسبب في قول جابر ذلك هو أنَّ نفسه لم تطب أن يأخذ ثمنًا من رسول الله ﷺ وأراد أن يهبه له هبة، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٣٠٩)، ومسلم (٧١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى
[ ٨ / ٣٤٦ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «مَا لَكَ؟»، قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قَالَ: «أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَعْطِنِيهِ»، فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ، فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ مِنْ أَوَّلِ القَوْمِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ»، فَقُلْتُ: بَلْ، هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بَلْ بِعْنِيهِ قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ»، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟»، قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: «فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ»، قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: «فَذَلِكَ»، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، قَالَ: «يَا بِلَالُ، اقْضِهِ وَزِدْهُ»، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَزَادَهُ قِيرَاطًا، قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
١٢ - الإلحاح في البيع، وإنَّما ألح النبي ﷺ على جابر في بيع جمله ليحسن إليه كما يدل عليه الحديث.
١٣ - وفيه هبة المبيع لمن باعه.
١٤ - وفيه أنَّ الأمير ينبغي أن يكون في مؤخرة السير حتى يتفاقد ضعفاء المسلمين.
١٥ - جواز شراء الإمام من رعيته.
[ ٨ / ٣٤٧ ]
١٦ - وفيه جواز طلب بيع السلعة ممن لم يعرضها للبيع.
* * *
[ ٨ / ٣٤٨ ]
٢٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا».
قُلْتُ: لا أعلم ما وجه إدخال هذا الحديث في شروط البيع، فإنَّ الشرط الذي في آخره من شروط النكاح لا البيع.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن بيع حاضر لباد. وقد سبق الكلام فيه.
٢ - النهي عن النجش. وقد سبق الكلام فيه.
٣ - النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه. وقد سبق الكلام فيه.
٤ - النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه. وهذا مقيد بما إذا لم يترك الخطبة، أو يأذن لغيره فيها، لما رواه البخاري (٥١٤٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ».
واقتصر مسلم (١٤١٢) على قوله: «لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ».
وجاء في حديث أبي هريرة في البخاري (٥١٤٤): «حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ».
[ ٨ / ٣٤٩ ]
وجاء في حديث عقبة بن عامر في مسلم (١٤١٤) أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ».
قُلْتُ: وإذا أذن الخاطب لمعين بالخطبة جاز لغير من عينه أن يتقدم للخطبة من غير إذنه لقول النبي ﷺ: «أَوْ يَتْرُكَ». وهذا الذي أذن لغيره بالخطبة يعتبر تاركًا لها. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠):
«واستدل به على أنَّ الخاطب الأول إذا إذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختص ذلك بالمأذون له أو يتعدى لغيره لأنَّ مجرد الإذن الصادر من الخاطب الأول دال على إعراضه عن تزويج تلك المرأة وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها. الظاهر الثاني فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص ولغير المأذون له بالإلحاق، ويؤيده قوله في الحديث الثاني من الباب: "أو يترك"» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٣): «لكن يبقى النظر في أنَّه إذا أذن لشخص مخصوص في الخطبة هل لغيره الخطبة أيضًا؛ لأنَّ الإذن لشخص يدل على الإعراض عن الخطبة إذ لا يمكن تزويج المرأة لخاطبين أو ليس لغيره الخطبة إذ لم يؤذن له وزوال المنع إنَّما كان للإذن هذا محتمل والأرجح الأول» اهـ.
[ ٨ / ٣٥٠ ]
قُلْتُ: وهكذا إذا لم يحصل الرضا بالخاطب جازت الخطبة على خطبته، والحجة في ذلك ما رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
والشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ لم ينكر اجتماع رجلين في خطبتها، بل خطبها لثالث، وهو أسامة بن زيد، وذلك لعلمه أنَّها لم تصرح بالرضا لواحد منهما، ويدل على ذلك أنَّها جاءت مستشيرة في أمرها النَّبي ﷺ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠):
«والحجة فيه قصة فاطمة بنت قيس فإنَّها لم تخبره برضاها بواحد منهما ولو أخبرته بذلك لم يشر عليها بغير من اختارت» اهـ.
[ ٨ / ٣٥١ ]
قُلْتُ: وهذا النهي لا يقتضي فساد النكاح عند جمهور العلماء؛ وذلك لأنَّ الخطبة ليست من شروط النكاح ولا من أركانه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠):
«وإذا وجدت شروط التحريم ووقع العقد للثاني فقال الجمهور يصح مع ارتكاب التحريم، وقال داود يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم يفسخ قبله لا بعده. وحجة الجمهور أنَّ المنهي عنه الخطبة والخطبة ليست شرطًا في صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٧):
«واحتجاج القائل بالبطلان بأنَّ النهي يقتضي الفساد مردود؛ لأنَّ المنهي عنه الخطبة والخطبة ليست شرطًا في صحة النكاح بحيث إذا فسدت فسد النكاح لأنَّه لو تزوج من غير تقدم خطبة جاز فتحريم الخطبة لا يقتضي فساد النكاح، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: إنَّما خطب ليتزوج فالخطبة وسيلة لا غاية، فالنهي عن خطبته على خطبة أخيه نهي عن نكاحه من باب أولى والنهي عن الوسائل نهي عن الغايات بطريق الأولى، وذلك أنَّ النهي عن مقدمات الفعل مبالغة في النهي عن عينه فكيف ينهى عن مقدمات الفعل ولا ينهى عن عينه؟ هذا مما لا يستقيم ولا تأتي بمثله الشريعة.
[ ٨ / ٣٥٢ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٦/ ٣١٠):
«ومن ينصر الأول يقول: لا نسلم أنَّ التحريم ليس مقارنًا للعقد، فإنَّ النَّبي ﷺ نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن أن يبتاع أيضًا، وهذا نهي عن نفس العقد، ونهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه. منبهًا بذلك على النهي عن عقد النكاح، فإنَّه هو المقصود الأكبر بالنهي، كما أنَّه لما نهى عن قربان مال اليتيم كان ذلك تنبيهًا على النهي عن أخذه فإنَّ النَّهي عن مقدمات الفعل أبلغ من النهي عن عينه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٠):
«ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحًا أو باطلًا؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما: - وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد - أنَّ عقد الثاني باطل؛ فتنزع منه وترد إلى الأول.
والثاني: أنَّ النكاح صحيح؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ فيعاقب من فعل المحرم ويرد إلى الأول جميع ما أخذ منه. والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنة» اهـ.
قُلْتُ: ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حسن في ذلك فقد قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٨٥ - ٢٨٦):
[ ٨ / ٣٥٣ ]
«وكذلك المخطوبة إن شاء هذا الخاطب أن يفسخ نكاح هذا المعتدي عليه ويتزوجها برضاه؛ فله ذلك، وإن شاء أن يمضي نكاحها فله ذلك، وهو إذا اختار فسخ نكاحها عاد الأمر إلى ما كان. إن شاءت نكحته وإن شاءت لم تنكحه؛ إذ مقصوده حصل بفسخ نكاح الخاطب. وإذا قيل: هو غير قلب المرأة علي. قيل: إن شئت عاقبناه على هذا؛ بأن نمنعه من نكاح تلك المرأة، فيكون هذا قصاصًا لظلمه إياك. وإن شئت عفوت عنه فأنفذنا نكاحه» اهـ.
وقد حرر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ نزاع العلماء في هذه المسألة فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧): «ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه: ولا يستام على سوم أخيه". ولهذا اتفق الأئمة الأربعة في المنصوص عنهم وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك وإنَّما تنازعوا في صحة نكاح الثاني؟ في قولين:
أحدهما: أنَّه باطل؛ كقول مالك وأحمد في إحدى الروايتين.
والآخر: أنَّه صحيح؛ كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى؛ بناءً على أنَّ المحرم هو ما تقدم على العقد وهو الخطبة. ومن أبطله قال: إنَّ ذلك تحريم للعقد بطريق الأولى. ولا نزاع بينهم في أنَّ فاعل ذلك عاص لله ورسوله؛ وإن نازع في ذلك بعض أصحابهم. والإصرار على المعصية مع العلم بها يقدح في دين الرجل وعدالته وولايته على المسلمين» اهـ.
[ ٨ / ٣٥٤ ]
قُلْتُ: وتحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه مختصة فيما إذا كانت الخطبة الأولى جائزة فإن كانت محرمة كالواقعة في العدة لم تحرم الخطبة عليها.
٥ - واحتج به من قال: إنَّ النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه مختصة بالمسلم دون الكافر.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠):
«واستدل بقوله: "على خطبة أخيه" أنَّ محل التحريم إذا كان الخاطب مسلمًا فلو خطب الذمي ذمية فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقًا وهو قول الأوزاعي ووافقه من الشافعية ابن المنذر، وابن جويرية، والخطابي. ويؤيده قوله في أول حديث عقبة بن عامر عند مسلم: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته حتى يذر". وقال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم فيختص النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرد المنع وقد ورد المنع مقيدًا بالمسلم فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك وأنَّ التعبير بأخيه خرج على الغالب فلا مفهوم له وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾، وَكَقَوْلِه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، ونحو ذلك وبناه بعضهم على أنَّ هذا المنهي عنه هل هو من حقوق العقد واحترامه، أو من حقوق المتعاقدين فعلى الأول فالراجح ما قال الخطابي، وعلى الثاني فالراجح ما قال غيره. وقريب من
[ ٨ / ٣٥٥ ]
هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له ومن جعلها من حقوق المالك منع، وقريب من هذا البحث ما نقل عن ابن القاسم صاحب مالك أنَّ الخاطب الأول إذا كان فاسقًا جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجحه ابن العربي منهم وهو متجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة فيكون الفاسق غير كفء لها فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول، ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلًا في العادة لخطبة تلك المرأة كما لو خطب سوقي بنت ملك وهذا يرجع إلى التكافؤ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٨٣):
«فصل: فإن كان الخاطب الأول ذميًا، لم تحرم الخطبة على خطبته.
نص عليه أحمد، فقال: لا يخطب على خطبة أخيه، ولا يساوم على سوم أخيه، إنَّما هو للمسلمين، ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني، أو استام على سومهم، لم يكن داخلًا في ذلك؛ لأنَّهم ليسوا بإخوة للمسلمين.
وقال ابن عبد البر: لا يجوز أيضًا؛ لأنَّ هذا خرج مخرج الغالب، لا لتخصيص المسلم به.
ولنا، أنَّ لفظ النهي خاص في المسلمين، وإلحاق غيره به إنَّما يصح إذا كان مثله، وليس الذمي كالمسلم.
ولا حرمته كحرمته، ولذلك لم تجب إجابتهم في دعوة الوليمة ونحوها.
[ ٨ / ٣٥٦ ]
وقوله: خرج مخرج الغالب.
قلنا: متى كان في المخصوص بالذكر معنى يصح أن يعتبر في الحكم، لم يجز حذفه ولا تعدية الحكم بدونه، وللأخوة الإسلامية تأثير في وجوب الاحترام، وزيادة الاحتياط في رعاية حقوقه، وحفظ قلبه، واستبقاء مودته، فلا يجوز بخلاف ذلك. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقول الجمهور أقرب للعدل، فإنَّ أذية الذمي محرمة بغير حق. وما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره أقرب إلى ظاهر اللفظ، وترك ذلك أسلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣٠):
«وهذا القول أصح أنَّه لا يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم إذا لم يكن حربيًا، أمَّا إذا كان حربيًا فليس له حق، لكن إذا كان معاهدًا أو مستأمنًا، أو ذميًا؛ لأنَّ هذا من باب حقوق العقد لا العاقد، فعلى هذا لا يجوز لنا أن نخطب على خطبة غير المسلمين، وأيضًا لو خطبنا على خطبة غير المسلم كان فيه مضرَّة على الإسلام، سيتصور غير المسلمين أنَّ الإسلام دين وحشية، واعتداء على الغير، وعدم احترام للحقوق، فما دام هذا الرجل خطبها وهو كفء لها في دينها، فلا يجوز لنا أن نعتدي عليه» اهـ.
قُلْتُ: لا يظهر لي وجه كونه من حقوق العقد، بل الصحيح أنَّه من حقوق العاقد.
٦ - وظاهر الحديث شمول النهي الخطبة على خطبة الفاسق.
[ ٨ / ٣٥٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٠٨):
«واعلم أنَّ الصحيح الذي تقتضيه الأحاديث وعمومها أنَّه لا فرق بين الخاطب الفاسق وغيره» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٦):
«ظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين أن يكون الخاطب الأول فاسقًا أو لا وهذا هو الصحيح الذي تقتضيه الأحاديث وعمومها وذهب ابن القاسم صاحب مالك إلى تجويز الخطبة على خطبة الفاسق واختاره ابن العربي المالكي، وقال: لا ينبغي أن يختلف في هذا اهـ.
قال والدي ﵀: وهو مردود؛ لعموم الحديث إذ الفسق لا يخرج عن الإيمان والإسلام على مذهب أهل السنة فلا يخرج بذلك عن كونه خطب على خطبة أخيه المسلم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الجمهور كما ذكره الحافظ ابن حجر عنهم في الفقرة السابقة.
لكن إن كان فاسقًا لا تصح خطبته كالزاني المصر على زناه فيشرع أن يخطب على خطبته، وهكذا إذا كان مبتدعًا داعيًا إلى بدعته وخطب امرأة صالحة فيجوز أن يخطب على خطبته لدفع الشر عنها.
[ ٨ / ٣٥٨ ]
٧ - قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٨):
«الحديث إنَّما ورد في النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه، وينبغي أن يلحق به خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى بأن ترغب امرأة في تزويج رجل من أهل الفضل وتخطبه فيركن إلى التزوج بها فتجيء امرأة أخرى فتخطبه، وقد ذكر ذلك شيخنا الإمام جمال الدين الإسنوي في "المهمات" فقال: نصوا على استحباب خطبة أهل الفضل من الرجال فإذا وقع ذلك فلا شك أنَّه يأتي في التحريم ما سبق في المرأة. انتهى.
فإن قُلْتَ: الفرق بينهما أنَّه لا يمكن تزويج المرأة لرجلين ويمكن تزويج الرجل بامرأتين. قُلْتُ: الصورة فيما إذا لم يكن عزم الرجل أن يتزوج إلَّا بامرأة واحدة بحيث إن عرضت الثانية عليه نفسها يصرفه عن التزوج بالأولى لتميزها عليها في الأوصاف المقتضية للرغبة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠):
«وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ امْرَأَةٍ أُخْرَى إِلْحَاقًا لِحُكْمِ النِّسَاءِ بِحُكْمِ الرِّجَال وَصورته أَنْ ترغب أمرة فِي رَجُلٍ وَتَدْعُوهُ إِلَى تَزْوِيجِهَا فَيُجِيبُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَتَجِيءُ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَتَدْعُوهُ وَتُرَغِّبُهُ فِي نَفْسِهَا وَتُزَهِّدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَقَدْ
[ ٨ / ٣٥٩ ]
صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ خِطْبَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنَ الرِّجَالِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ هَذَا إِذَا كَانَ الْمَخْطُوبُ عَزَمَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ فَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَا تَحْرِيمَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْمُبْدِعِ] (٦/ ٩٢):
«وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي جَوَازُ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ أُخْتِهَا، وَصَرَّحَ فِي "الِاخْتِيَارَاتِ" بِالْمَنْعِ، وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ تُسَاعِدُهُ» اهـ.
٨ - نهي المرأة أن تسأل طلاق أختها لتنفرد بمعاشرة ومعروف زوجها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٩٦):
«ومعنى هذا الحديث: نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته، وأن ينكحها ويصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة. فعبر عن ذلك باكتفاء ما في الصحيفة مجازًا. قال الكسائي: وأكفأت الإناء كببته، وكفأته وأكفأته أملته، والمراد بأختها غيرها سواء كانت أختها من النسب، أو أختها في الإسلام، أو كافرة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢٣٠):
«قوله: "لتستفرغ صحفتها". مثل يريد بذلك الاستئثار عليها بحظها فتكون كمن أفرغ صحفة غيره فكفأ ما في إنائه فقلبه في إناء نفسه» اهـ.
قُلْتُ: ويصح النكاح مع هذا الشرط الفاسد، وهو قول أكثر العلماء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٨/ ١٦٦):
[ ٨ / ٣٦٠ ]
«وفقه هذا الحديث أنَّه لا يجوز لامرأة ولا لوليها أن يشترط في عقد نكاحها طلاق غيرها، ولهذا الحديث وشبهه استدل جماعة من العلماء بأنَّ شرط المرأة على الرجل عند عقد نكاحها أنَّها إنَّما تنكحه على أن كل من يتزوجها عليها من النساء فهي طالق شرط باطل، وعقد نكاحها على ذلك فاسد يفسخ قبل الدخول لأنَّه شرط فاسد دخل في الصداق المستحل به الفرج ففسد لأنَّه طابق النهي.
ومن أهل العلم من يرى الشرط باطلًا في ذلك كله والنكاح ثابت صحيح وهذا هو الوجه المختار وعليه أكثر علماء الحجاز وهم مع ذلك يكرهونها ويكرهون عقد النكاح عليها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٦٢):
«فصل: وإن تزوجها على طلاق امرأة له أخرى، لم تصح التسمية، ولها مهر مثلها.
وهذا اختيار أبي بكر، وقول أكثر الفقهاء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠٧):
«وتضمن حكمه ﷺ بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها، وأنَّه لا يجب الوفاء به. فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط الضرة؟ قيل: الفرق بينهما أنَّ في اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها، وكسر قلبها، وخراب بيتها، وشماتة أعدائها ما ليس في
[ ٨ / ٣٦١ ]
اشتراط عدم نكاحها، ونكاح غيرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسد» اهـ.
٩ - احتج به من قال: إنَّ هذا الحكم مختص بالمسلمة دون الكافرة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٢٠):
«وقد تقدم في باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه نقل الخلاف عن الأوزاعي وبعض الشافعية أنَّ ذلك مخصوص بالمسلمة وبه جزم أبو الشيخ في كتاب النكاح ويأتي مثله هنا» اهـ.
١٠ - قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٠١): «خرج بقوله: "لتكتفئ ما في صحفتها". ما إذا سألت طلاقها لمعنى آخر كريبة فيها لا ينبغي؛ لأجلها أن تقيم مع الزوج أو لضرر يحصل لها من الزوج أو يحصل للزوج منها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٢٠):
«وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض وللزوج رغبة في ذلك فيكون كالخلع مع الأجنبي إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة» اهـ.
١١ - وفيه ما يدل على تحريم الحسد.
* * *
[ ٨ / ٣٦٢ ]