٦٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ».
قلت: الصف في الصلاة من خصائص هذه الأمة، وفيه تشبه بصف الملائكة عند ربها.
فقد روى مسلم (٥٢٢) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ». وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى.
وروى مسلم (٤٣٠) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ" قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ: "مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ" قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ"».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣٨):
[ ٢ / ٥٢٣ ]
«وأعلم؛ أنَّ الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمة وشرفها به؛ فإنَّهم أشبهوا بذلك صفوف الملائكة في السماء، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وأقسم بالصافات صفًا، وهم الملائكة.
وفي "صحيح مسلم" عن حذيفة، عن النبي ﷺ، قالَ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" الحديث.
وفيه - أيضًا - عن جابر بن سمرة، قالَ: خرج علينا رسول الله ﷺ فقالَ: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عندَ ربها؟ " فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قالَ: "يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في الصف".
وروى ابن أبي حاتم من رواية أبي نضرة، قالَ: كانَ ابن عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قالَ: أقيموا صفوفكم، استووا قيامًا، يريد الله بكم هدي الملائكة. ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، تأخر فلان، تقدم فلان، ثم يتقدم فيكبر.
وروى ابن جريح، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، قالَ: كانوا لا يصفون في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾.
وقد روي أن من صفة هذه الأمة في الكتب السالفة: صفهم في الصلاة، كصفهم في القتال» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الأمر بتسوية الصفوف.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وقد اختلف العلماء في حكم تسوية الصفوف فذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب التسوية، وذهب الإمام البخاري، وابن حزم الظاهري إلى وجوبها.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١٠٤):
«ويتوجه يجب تسوية الصفوف، وهو ظاهر كلام شيخنا» اهـ.
وقال العلامة البعلي ﵀ في [الاختيارات الفقهية] ص (٤١٦):
«وظاهر كلام أبي العباس أنَّه يجب تسوية الصفوف لأنَّه ﵇ رأى رجلًا باديًا صدره فقال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" وقال ﵇: "سووا صفوفكم فإنَّ تسويتها مِنْ تمام الصلاة" متفق عليهما وترجم عليه البخاري بباب: إثم مَنْ لم يقم الصف.
قلت: ومَن ذكر الإجماع على استحبابه فمراده ثبوت استحبابه لا نفي وجوبه والله أعلم» اهـ.
قلت: ظاهر الأدلة تدل على وجوب التسوية للأمر بذلك، وللعقوبة التي ذكرها النبي ﷺ وهي مخالفة الوجوه فإنَّ مثل هذه العقوبة لا تكون في ترك ما هو مستحب.
والمراد بتسوية الصفوف وإقامتها: قيام المصلين على سمت واحد، والتصاق بعضهم ببعض بحيث لا يكون بينهم خلل، وتتميم الصفوف المقدمة أولًا فأولًا، والتقارب بين الصفوف.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وتكون التسوية بالمحاذاة بين المناكب والأعناق والكعبين، والركبتين، وإلصاق القدمين.
قلت: أما دليل الالتصاق فما رواه البخاري (٧١٩) من حديث أنس قال: «قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي"».
وروى أحمد (١٤٠١٧)، وأبو داود (٦٦٧)، والنسائي (٨١٥) بإسناد صحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ». هذا لفظ أبي داود ولفظ أحمد، والنسائي: «رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ».
قال العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣٩):
«التراص: هوَ التضام والتداني والتلاصق. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٠٨):
«قوله: "وتراصوا" بتشديد الصاد المهملة أي تلاصقوا بغير خلل» اهـ.
وقال العلامة علي القاري ﵀ في [مرقاة المفاتيح] (٣/ ٨٥٢):
«"وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ" أَيْ: بِأَنْ لَا يَتَرَفَّعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِأَنْ يَقِفَ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْآخَرِ قَالَهُ الْقَاضِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَعْنَاقِ إِذْ لَيْسَ عَلَى الطَّوِيلِ أَنْ يَجْعَلَ عُنُقَهُ مُحَاذِيًا لِلْقَصِيرِ، انْتَهَى. وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُحَاذَاةِ الْأَعْنَاقِ بِالْمُحَاذَاةِ
[ ٢ / ٥٢٦ ]
بِالْمَنَاكِبِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: "رُصُّوا صُفُوفَكُمْ" اهـ.
وأمَّا الدليل على تتميم الصفوف المقدمة أولًا فأولًا فما رواه أحمد (١٢٣٧٤، ١٣٢٧٠، ١٣٤٦٤)، وأبو داود (٦٧١)، والنسائي (٨١٧) من طريق سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وأمَّا الدليل على التقارب بين الصفوف حديث أنس السابق إذ فيه: «وَقَارِبُوا بَيْنَهَا».
قال في [عون المعبود] (٢/ ٢٥٩):
«"وَقَارِبُوا بَيْنَهَا" أَيْ بَيْنَ الصُّفُوفِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ صَفٌّ آخَرُ قَالَهُ فِي المرقاة» اهـ.
وأما الدليل على كون التسوية بالمحاذاة بين المناكب والأعناق والكعبين، والركبتين، وإلصاق القدمين.
فحديث أنس السابق «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ».
وروى أحمد (٥٧٢٤)، وأبو داود (٦٦٦) من طريق مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنَّمَا تَصُفُّونَ بِصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ،
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا، وَصَلَهُ اللهُ ﵎، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ ﵎».
قلت: هذا إسناد حسن وقد اختلف في وصله وإرساله.
وروى البخاري (٧٢٥) عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.
وروى أحمد (١٨٤٥٣) أبو داود (٦٦٢) بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ». ثَلَاثًا، «وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ.
قال العلامة إبراهيم بن مفلح الحنبلي ﵀ في [النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر] (١/ ١١٥):
«والتسوية فِي الصَّفّ بمحاذاة المناكب والأكعب فِيهِ دون أَطْرَاف الْأَصَابِع ذكره المُصَنّف وَغَيره» اهـ.
قلت: وقد كان النبي ﷺ يهتم بمحاذاة المناكب.
فروى مسلم (٤٣٢) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ:
«اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا اهـ.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وروى أبو داود (٦٦٤) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُوعَاصِمِ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ».
قلت: إسناده صحيح.
قال العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (٣/ ٢١٤):
«قوله: "يتخللُ الصفّ" أي: يدخل في أثنائه؟ وأصل التخلل من إدخال الشيء في خلال الشيء أي: وَسطه» اهـ.
وقال في [عون العبود] (٢/ ٢٥٧): «"يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ" أَيْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ» اهـ.
قلت: وهكذا مما يراعى محاذاة الصدور كما في الحديث البراء الماضي، وروى مسلم (٤٣٦) عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ فَقَالَ: «عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
قلت: بدو الصدر دليل على تقدم المصلي عن سمت الصف، وأمَّا بدو الكرش فليس من هذا إذا كان سببه عظم الكرش.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
قلت: وسنة تسوية الصفوف وإقامتها كما جاءت بها السنة من الأمور المهجورة منذ الزمن القديم.
وقد روى البخاري (٧٢٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ».
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٥٢٤)، ومن طريقه أبو يعلى في [مسنده] (٣٧٢٠) حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اعْتَدِلُوا فِي صُفُوفِكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» قَالَ أَنَسٌ: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ، وَلَوْ ذَهَبْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لَتَرَى أَحَدَهُمْ كَأَنَّهُ بَغْلٌ شَمُوسٌ».
ورواه أيضًا أبو طاهر في [الملخصيَّات] (٩٣) من طريق هشيم.
قلت: إسناده صحيح، وأصله في البخاري كما مرَّ قريبًا.
وأحرص الناس عليها هم أهل السنة أهل الحديث فهم يحرصون على إقامتها في مساجدهم ويهتمون بها لمعرفتهم بما صح فيها من الحديث.
ومما يتنبه له في إقامة الصفوف أنَّه يبتدأ بها من خلف الإمام.
ومما يدل على ذلك ما رواه مسلم (٣٠١٠) عن جابر بن عبد الله قال - في حديث طويل وفيه-:
[ ٢ / ٥٣٠ ]
«ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ».
قال العلامة القرافي ﵀ في [الذخيرة] (٢/ ٢٦٠):
«قَالَ اللَّخْمِيُّ: يَبْتَدِأُ بِالصُّفُوفِ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ ثُمَّ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ حَتَّى يَتِمَّ الصَّفُّ وَلَا يَبْتَدِأُ بِالثَّانِي حَتَّى يُكْمِلَ الْأَوَّلَ وَلَا بِالثَّالِثِ قَبْلَ الثَّانِي وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ مَا يَلِي الْإِمَامَ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَقْصُورَةٌ مُحَجَّرَةٌ فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ الْخَارِجُ عَنْهَا» اهـ.
٢ - وفيه دليل على أنَّ الإمام يستحب له أن يقبل على المأمومين بعد إقامة الصلاة، ويأمرهم بتسوية صفوفهم.
قلت: ولتسوية الصفوف فوائد متعددة ذكرها العلماء منها:
أحدها: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهرًا وهذا مما يورث الاستقامة والاعتدال باطنًا.
ثانيها: منع الشيطان من التخلل بينهم ليفسد عليهم صلاتهم بالوسوسة.
[ ٢ / ٥٣١ ]
ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة.
وروى البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤٣٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ».
رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم.
٣ - واحتج بقوله: «مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» على أنَّ التسوية مستحبة لأنَّه لم يذكر أنَّه من أركانها ولا واجباتها وتمام الشيء أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقق إلَّا بها.
قلت: الإتمام يأتي والمراد الإتمام بالواجبات كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٩/ ٢٩١):
«والمراد بالإتمام الواجب الإتمام بالواجبات» اهـ.
قلت: وقد روى أبو داود (٨٥٧، ٨٥٨)، وابن ماجه (٤٦٠) من حديث رفاعة بن رافع عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ - يَعْنِي مَوَاضِعَهُ - ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى
[ ٢ / ٥٣٢ ]
يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قلت: وهذا تمام بالأركان والواجبات.
تنبيه: قوله: «مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ». هذا لفظ مسلم (٤٣٣).
وعنده بإفراد الصفوف ولفظه: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ».
ولفظ البخاري (٧٢٣): «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ١٦٣):
«مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ إِقَامَتِهَا الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٧٨):
«والمراد بإقامتها: الإتيان بها على وجه الكمال.
ولم يذكر في القرأن سوى إقامة الصلاة، والمراد: الإتيان بها قائمة على وجهها الكامل» اهـ.
مسألة: وضعت في الأزمان المتأخرة خطوط على فرش المساجد من أجل تسوية الصفوف فتنازع العلماء فيها فقال بعضهم: هي بدعة لأنَّ مقتضاها كان موجودًا في زمن رسول الله ﷺ ولم يفعلها.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
ويحتجون بقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [اقتضاء الصراط المستقيم] (٢/ ١٠٠ - ١٠٦) حيث قال:
«والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إنَّ الناس لا يحدثون شيئًا إلَّا لأنَّهم يرونه مصلحة إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنَّه لا يدعو إليه عقل ولا دين فما رآه الناس مصلحة نظر في السبب المحوج إليه: فإن كان السبب المحوج إليه أمرًا حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منَّا، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله ﷺ، لكن تركه النبي ﷺ لمعارض زال بموته.
وأمَّا ما لم يحدث سبب يحوج إليه أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجودًا، لو كان مصلحة ولم يفعل، يعلم أنَّه ليس بمصلحة. وأمَّا ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة.
ثم هنا للفقهاء طريقان: أحدهما: أنَّ ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة.
والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم يؤمر به: وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان:
منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ كلام الشارع، أو فعله، أو إقراره، وهم نفاة القياس.
ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
فأمَّا ما كان المقتضي لفعله موجودًا لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنَّما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين، من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي ﷺ، وغير واحد من الصحابة: "إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون".
فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإنَّ هذا لما أحدثه بعض الأمراء، أنكره المسلمون لأنَّه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلًا على كراهته، وإلَّا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات. كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]، أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإنَّ الاستدلال على حسن الأذان في العيدين، أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع.
بل يقال: ترك رسول الله ﷺ مع وجود ما يعتقد مقتضيًا، وزوال المانع، سنة، كما أنَّ فعله سنة. فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، فإنَّ رجلًا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن ينصب مكانًا آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره، لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيا خاصا عنها، أو نعلم ما فيها من المفسدة. فهذا مثال لما حدث، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان خيرا. فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة، قد كان ثابتًا على عهد رسول الله ﷺ، ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ، فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس.
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس: تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنَّه بدعة، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضون حتى يسمعوا، أو أكثرهم.
فيقال له: سبب هذا تفريطك، فإنَّ النبي ﷺ كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك، أو إن قصدت صلاح دينهم، فلا تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى، بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله، وتتبع سنة نبيه، وقد استقام الأمر، وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك، لا عن عملهم.
وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة، فإنَّه قد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما أحدث قوم بدعة إلَّا نزع الله عنهم من السنة مثلها" وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم، وبينت أنَّ الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وعامة الأمراء إنَّما أحدثوا أنواعًا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنَّهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلَّا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله -لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم.
وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى، الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله ﷺ -وهي سنته- لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولميزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، حيث يقول ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، التي يزعم الكلاميون أنَّهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون أنَّهم يتمون به فروع الدين، وما كان من الحجج صحيحًا ومن الرأي سديدًا، فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه» اهـ.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
قلت: وأجيب بجوابين:
الأول: أنَّ مقتضى ذلك لم يكن موجودًا في زمن النبي ﷺ فإنَّ المساجد لم تكن مفروشة، ورسم الخطوط في الأرض فيها كلفة وتعب ولا تبقى.
ووضع حبال ممتدة فيها كلفة وضرر على الماشين لا سيما في الليل، والمساجد لم يكن فيها مصابيح.
والآخر: أنَّه لا يدخل في كلام شيخ الإسلام وسائل العبادات، وإنَّما يدخل في كلامه إحداث العبادات التي كان مقتضاها موجودًا في زمن رسول الله ﷺ.
جاء في [ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين] (ص: ٣٩) مسألة (١٥١) (١٥/ ٥/ ١٤١٨ هـ): «سألت شيخنا ﵀: القاعدة: أنَّ ما وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله، فالسنة تركه، وفعله بدعة. أليس من ذلك ما أحدث من وضع الخطوط في فرش المساجد لضبط الصفوف؟
فأجاب: لا، ليس منه. ونقول إنَّه لم يوجد سببه في عهده ﷺ، فلم يكن هناك فرش في مسجده، بل كان من الحصباء. ولو وضع خط لانمحى. كما أنَّ حالة الصحابة رضوان الله عليهم من الاستواء والتراص في الصفوف ما لا يتفق من حال الناس الآن» اهـ.
قلت: ومع اتساع المساجد كالحرمين يعسر غالبًا استواء الصفوف واستقبالها للقبلة من غير خطوط، ولو تركت الخطوط في المسجد الحرام فسدت صلاة أكثر الناس.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّزَاقِ عَفِيْفِي] (ص ٤١٢) أنَّه سئل ﵀: عن حكم رسم خطوط المساجد لتستوي الصفوف عليها.
فأجاب: «إذا كان الناس لا تستقيم صفوفهم إلَّا بذلك فلا بأس، أو كان المسجد قد بني منحرفًا عن القبلة ولا تستقيم الصفوف فيه إلَّا برسم خطوط فلا بأس بذلك إن شاء الله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيِن ﵀ فِي [فَتَاوَى نُوْرٍ عَلَى الدَّرْبِ]: «فأقول: لا، ليس كل شيء بدعة البدعة هي التعبد لله ﷿ بغير ما شرع وعلى هذا فالبدع لا تدخل في غير العبادات بل ما أحدث من أمور الدنيا ينظر فيه هل هو حلال أم حرام ولا يقال: إنَّه بدعة فالبدعة الشرعية هي أن يتعبد الإنسان لله تعالى بغير ما شرع يعني الذي يسمى بدعة شرعًا، وأمَّا البدعة في الدنيا فإنَّها وإن سميت بدعةً حسب اللغة العربية فإنَّها ليست بدعةً دينية بمعنى أنَّه لا يحكم عليها بالتحريم ولا بالتحليل ولا بالوجوب ولا بالاستحباب إلَّا إذا اقتضت الأدلة الشرعية ذلك وعلى هذا فما أحدثه الناس اليوم من الأشياء المقربة إلى تحقيق العبادة لا نقول: إنَّها بدعة وإن كانت ليست موجودة، من ذلك: مكبر الصوت مكبر الصوت ليس موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكنه حدث أخيرًا إلَّا أنَّ فيه مصلحة دينية يبلغ للناس صلاة الإمام وقراءة الإمام والخطبة وكذلك في اجتماعات المحاضرات فهو من هذه الناحية خير ومصلحة للعباد فيكون خيرًا ويكون شراؤه للمسجد لهذا الغرض من الأمور المشروعة التي يثاب عليها فاعلها ومن ذلك ما حدث أخيرًا في مساجدنا من الفرش التي فيها خطوط من
[ ٢ / ٥٣٩ ]
أجل إقامة الصفوف وتسويتها فإن هذا وإن كان حادثًا ولكنه وسيلةٌ لأمرٍ مشروع فيكون جائزًا أو مشروعًا لغيره ولا يخفى على الناس ما كان الأئمة الحريصون على تسوية الصفوف يعانونه قبل هذه الخطوط فكانوا يعانون مشكلات إذا تقدم أحد ثم قالوا له: تأخر. تأخر أكثر ثم قالوا له: تقدم. تقدم أكثر يحصل تعب الآن والحمد لله يقول الإمام سووا صفوفكم على الخطوط توسطوا منها فيحصل انضباطٌ تام في إقامة الصف، هذا بدعة من حيث العمل والإيجاد لكنه ليس بدعة من حيث الشرع لأنَّه وسيلة لأمرٍ مطلوبٍ شرعًا فالمهم أنَّه لا ينبغي لأحد أن يعترض علينا أو لغيرنا عندما نقول: إنَّ هذا بدعة وهو حقيقةٌ بدعة ولنرجع إلى الضابط الذي ذكرنا وهو أنَّ البدعة شرعًا والتي عليها الذم هي التعبد لله تعالى بما لم يشرعه سواءً في العقيدة أو في القول أو في العمل» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٥٤٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٠ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللَّهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ"».
قوله: «يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ» بكسر القاف خشب السهام حين تنحت وتبرى. الواحد قِدْح بكسر القاف وسكون الدال أي يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنَّما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها.
وقوله: «حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا» بفتح المهملة والقاف أي فهمنا.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب تسوية الصفوف فإنَّ هذا الوعيد لا يكون إلَّا على ترك واجب من الواجبات.
٢ - جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٢٧):
«مذهبنا ومذهب الجمهور من أهل الحجاز وغيرهم جواز الكلام بعد إقامة الصلاة قبل الإحرام لكن الأولي تركه إلَّا لحاجة وكرهه أبو حنيفة وغيره» اهـ.
[ ٢ / ٥٤١ ]
قلت: ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٣٧٦) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ».
٣ - وفي الحديث دليل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام ويجوز أن يوكل غيره بذلك.
٤ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣٧):
«وقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه، وظاهره: يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها، كما قالَ: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار".
وظاهر هذا الوعيد: يدل على تحريم ما توعد عليهِ» اهـ.
قلت: وقد روى مسلم (٤٣٢) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ:
«اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا اهـ.
قلت: وهذا مما يدل على أنَّ اختلاف الوجوه اختلاف معنوي ناتج من اختلاف القلوب. والله أعلم.
وقد روى أحمد (١٨٤٥٣) أبو داود (٦٦٢) بإسناد حسن عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ، يَقُولُ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ» ثَلَاثًا، «وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ».
[ ٢ / ٥٤٢ ]
قلت: وهذا يؤيد ما سبق ذكره.
٥ - وفيه أنَّ التسوية تكون بجميع الجسد بحيث أن تكون الأجساد على سمت واحد.
٦ - وفيه أنَّ الإمام إذا رأى أنَّ الناس عقلوا معنى التسوية ترك تسويتهم بالفعل.
٧ - وفيه أنَّ من جملة التسوية تسوية الصدور.
* * *
[ ٢ / ٥٤٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِث، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
وَلِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا.
اليتيم: هو ضُميرة جد حسين بن عبد الله بن ضُميرة.
الرواية التي عزاها المصنف لمسلم هي عنده (٦٦٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ولفظها: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ قَالَ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا».
وقوله: «جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ». قال جماعة من العلماء: الضمير عائد إلى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الراوي عن أنس، وليس عائدًا إلى أنس.
قلت: وصنيع المصنف يدل على أنَّ الضمير عائد إلى أنس.
ورواية مسلم الأخرى تدل على أنَّ المرأة هي أم أنس وليست جدته، لكن قد يجاب بأنَّها قضية أخرى، وذلك أنَّ فيها قيام أنس عن يمين رسول الله ﷺ وليس خلفه مع اليتيم، لكن سنذكر ما يرجح هذا القول في رواية للبخاري.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٢٦٤):
«قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ مَالِكٌ يَقُولُهُ وَالضَّمِيرُ الَّذِي فِي جَدَّتِهِ هُوَ عَائِدٌ عَلَى إِسْحَاقَ وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَاقَ أُمُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ زَوْجُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَحْتَ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّتَهَا فِي كِتَابِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ يَعْنِي جَدَّةَ إِسْحَاقَ دَعَتِ النَّبِيَّ ﵇ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ» اهـ.
قلت: وحديث عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٧٧) عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَدَّتِهِ مُلَيْكَةَ، يَعْنِي جَدَّةَ إِسْحَاقَ: أَنَّهَا دَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلْنُصَلِّ لَكُمْ» قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٦٢):
«قَوْلُهُ: "إِنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ" الصَّحِيحُ أَنَّهَا جَدَّةُ إسحاق فتكون أم أنس لأنَّ إسحاق بن أَخِي أَنَسٍ لِأُمِّهِ وَقِيلَ إِنَّهَا جَدَّةُ أَنَسٍ، وَهِيَ مُلَيْكَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الطَّوَائِفِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ» اهـ.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
قلت: ونازع في ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ فقال في [فتح الباري] (٣/ ١٣ - ١٥):
«قال كثير من الناس: هي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قالوا: والضمير في قوله: "أنَّ جدته" إليه يعود، لا إلى أنس.
وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق، عن مالك، وقال: يعني: جدة إسحاق.
وهذا تفسير من بعض رواة الحديث.
وقد ذكر ابن عبد البر وغيره: أنَّها هي أم سليم أم أنس بن مالك؛ فإنَّ أبا طلحة تزوجها بعد أبي أنس، فولدت له عبد الله.
وقيل: بل مليكة أختها أم حرام زوجة عبادة، وسماها جدته لأنَّها أخت جدته، على حد قوله تعالى حاكيًا عن بني يعقوب، أنَّهم قالوا لأبيهم: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، فإنَّ إسماعيل عمه، والعم صنو الأب.
وظاهر سياق الحديث: يدل على أنَّ مليكة جدة أنس، وهذا هو الأظهر. والله أعلم.
وروي صريحًا من رواية مقدم بن يحيى، عن عمه القاسم، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: أرسلت جدتي إلى رسول الله ﷺ واسمها: مليكة -، فجاءنا، فحضرت الصلاة - وذكر الحديث.
خرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان".
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وقد ذكر ابن سعد: أنَّ مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، هي أم حرام وسليم وأم سليم وأم حرام، أولاد ملحان.
فتبين بهذا أنَّ مليكة جدة أنس حقيقة، ولا يمنع من هذا أنَّه لم يذكرها في أسماء الصحابيات كثير ممن جمع في أسماء الصحابة؛ لأنَّ هذا الحديث الصحيح يشهد بذلك، والاعتماد عليه أقوى من الاعتماد على قول مثل ابن إسحاق والواقدي.
ويعضد صحة هذا: أنَّ أحدًا ممن يعتمد على قوله لم يسم أم سليم: مليكة، وقول أنس: "فقمت إلى حصير لنا" يدل على أنَّ هذا البيت كان بيت أم سليم أم
أنس.
وقد رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله مختصرًا، وصرح فيه بأنَّ العجوز التي صلت وراءهم هي أم سليم أم أنس، وهذا يدل على أنَّها هي التي دعت النبي ﷺ إلى طعامها.
وخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس، أنَّ أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها ويصلي في بيتها فتتخذه مصلى، فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء، فصلى عليه وصلوا معه» اهـ.
قلت: رواية أبي نعيم إسنادها صحيح. وهي في [تاريخ أصبهان] (١/ ٣١٤).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
قلت: هذه الرواية وهم، وقد جاء الحديث في البخاري (٧٢٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ، فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا».
وهذه الرواية تدل على الضمير في "جدته" يعود إلى إسحاق، وهذا هو الصحيح المعتمد.
وأمَّا من قال بالتعدد ففيه ضعف بمعنى أنَّ القصة حصلت لمليكة جدة أنس، وحصلت أيضًا لأمه أم سليم.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - إجابة دعوة النساء إذا أمنت الفتنة ووجد في البيت بعض المحارم.
٢ - مشروعية الجماعة في النافلة في بعض الأوقات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١١١ - ١١٢): «فكثيرًا ما يفعل النبي ﷺ لسبب فيجعله بعض الناس سنة ولا يميز بين السنة الدائمة والعارضة. وبعض الناس يرى أنَّه لم يكن يفعله في أغلب الأوقات فيراه بدعة ويجعل فعله في بعض الأوقات مخصوصًا أو منسوخًا إن كان قد بلغه ذلك مثل صلاة التطوع في جماعة. فإنَّه قد ثبت عنه في الصحيح أنه صلى بالليل وخلفه ابن عباس مرة وحذيفة بن اليمان مرة. وكذلك غيرهما. وكذلك صلى بعتبان بن مالك في بيته التطوع جماعة، وصلى بأنس بن مالك وأمه واليتيم في داره فمن الناس من يجعل هذا فيما يحدث من "صلاة الألفية" ليلة نصف شعبان والرغائب ونحوهما مما يداومون فيه على الجماعات. ومن الناس من يكره التطوع؛ لأنَّه رأى أنَّ الجماعة إنَّما سنت في الخمس كما أنَّ الأذان إنَّما سن في
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الخمس. ومعلوم أنَّ الصواب هو ما جاءت به السنة فلا يكره أن يتطوع في جماعة. كما فعل النبي ﷺ. ولا يجعل ذلك سنة راتبة كمن يقيم للمسجد إمامًا راتبًا يصلي بالناس بين العشاءين أو في جوف الليل كما يصلي بهم الصلوات الخمس كما ليس له أن يجعل للعيدين وغيرهما أذانًا كأذان الخمس؛ ولهذا أنكر الصحابة على من فعل هذا من ولاة الأمور إذ ذاك» اهـ.
٣ - قلت: لفظ البخاري ومسلم «مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ»، واللفظ الذي أتى به صاحب العمدة في [مسند أحمد] (١٢٥٢٩، ١٢٧٠٣).
قال العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٢٣):
«وقوله: "قد اسود من طول ما لبس" يدل على أنَّ لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه واستعماله في الجلوس عليه.
واستدل بذلك من حرم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأنَّ افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير.
وزعم ابن عبد البر: أنَّ هذا يؤخذ منه أنَّ من حلف لا يلبس ثوبًا، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنَّه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأنَّ ذلك يسمى لباسًا.
وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإنَّ اللبس المضاف إلى الثوب إنَّما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويفترش، أو أطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئًا. فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيرًا فجلس عليه.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسًا بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾.
وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. ولا نعلم خلافًا أنَّه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض لم يحنث، وقد سماها الله بساطًا، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، وقد سمى الله السماء سقفًا، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس.
فإنَّ هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنَّما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز. والله أعلم.
وإنَّما قال أصحابنا: لو حلف ليرينَّ امرأته عارية لابسة أنَّه يبرأ برؤيتها في الليل عارية؛ لأنَّ جمعه بين عريها ولبسها قرينة تدل على أنَّه لم يرد لبسها لثيابها؛ فإنَّ ذلك لا يجتمع مع عريها» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ الاثنين يكونان صفًا وراء الإمام وهذا مذهب أكثر العلماء وذهب ابن مسعود وصاحباه علقمة والأسود وأبو يوسف إلى أنهما يكونان هما والإمام صفًا واحدًا فيقف بينهما.
فروى مسلم (٥٣٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ:
[ ٢ / ٥٥٠ ]
«أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ قَالَ: نَعَمْ فَقَامَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ رَكَعْنَا فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
قلت: وقد كان هذا مشروعًا في أول الأمر ثم نسخ.
٥ - أنَّ مقام المرأة خلف صفوف الرجال. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢١٢): «وأصله ما يخشى من الافتتان بها فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة وهو عجيب» اهـ.
٦ - صحة صلاة المنفرد خلف الصف إذا وجد العذر الشرعي فإنَّ المرأة لا يجوز لها أن تصف مع الرجال فكان لها في انفرادها العذر الشرعي فمن كان له في انفراده عذرًا شرعيًا جاز له ذلك.
وهي مسألة اختلف فيها العلماء فأجاز صلاة المنفرد خلف الصف جمهور العلماء ومنهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي، ومنع من ذلك الإمام أحمد وأبو ثور وغيرهما وقالا ببطلان صلاة المنفرد خلف الصف.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٥):
«والقول بصحة الصلاة فذًا خلف الصف: قول مالك وأبي حنيفة والثوري - في أشهر الروايتين عنه - والشافعي وابن المبارك والليث بن سعد. وروي عن أبي جعفر محمد بن علي.
[ ٢ / ٥٥١ ]
وأمَّا القائلون بأنَّه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف: الحسن بن صالح والأوزاعي - فيما حكاه ابن عبد البر، وخرجه حرب بإسناده، عنه - وقول أحمد وإسحاق ووكيع ويحيى بن معين وابن المنذر، وأكثر أهل الظاهر، ورواية عن الثوري، رواها عصام، عنه.
وروي -أيضًا- عن النخعي وحماد والحكم وابن أبي ليلى.
وقيل: إنَّه لم يصح عن النخعي، وأنَّه إنَّما قال: يعتد بها، فصحفها من قرأها فقال: يعيدها.
وروي ذلك عن شريك، أنه قاله» اهـ.
حجة المانعين من صحة صلاة المنفرد خلف الصف:
واحتج المانعون بما رواه الطيالسي (١٢٠١)، وأحمد (١٨٠٢٩)، أبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣١) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ وَابِصَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ» - قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: الصَّلَاةَ.
قلت: هذا إسناد ضعيف لجهالة عمرو بن راشد.
ورواه أحمد (١٨٠٣١)، والترمذي (٢٣٠)، وابن ماجه (١٠٠٤) من طريق حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، قَالَ: أَخَذَ زِيَادُ بْنُ أَبِي الجَعْدِ بِيَدِي وَنَحْنُ بِالرَّقَّةِ، فَقَامَ بِي عَلَى شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ: وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ زِيَادٌ: حَدَّثَنِي هَذَا الشَّيْخُ «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ - وَالشَّيْخُ يَسْمَعُ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ».
[ ٢ / ٥٥٢ ]
قلت: زياد بن أبي الجعد مجهول الحال.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٤٨٢) أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ فَأَعَادَ الصَّلَاةَ».
قلت: زياد بن أبي الجعد مجهول الحال. ومنصور هو ابن المعتمر.
قلت: ورواه أحمد (١٨٠٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ، فَقَالَ. «يُعِيدَ الصَّلَاةَ».
قلت: هذا إسناد صحيح.
ورواه الطبراني في [الكبير] (٣٨٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، ثنا أَبِي، أَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ يُحَدِّثُ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ».
قلت: معشر بن سليمان الذي يظهر لي أنَّه تصحف والصواب معتمر بن سليمان فهو الراوي عن حجاج وروى عنه ابن راهوية.
ورواه ابن الأعرابي في [معجمه] (١٥) من طريق عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ».
قلت: الشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبى سليمان ثقة لكن في الطريق إليه عدي بن الفضل وهو متروك الحديث.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
قلت: حديث منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن عن هلال أصح. والله أعلم.
قال الإمام الترمذي ﵀ في [العلل الكبير] (١/ ١١٠):
«اختلف أصحاب الحديث في حديث حصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، عن هلال بن يساف. فرأى بعض أهل الحديث أن رواية عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد أصح من حديث حصين، ومنهم من قال: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة أصح، وحديث حصين أصح عندي من حديث عمرو بن مرة وأشبه لأنه روي من غير طريقهما عن زيادة بن أبي الجعد، عن وابصة» اهـ.
قلت: ورجح أبو حاتم حديث عمرو بن مرة، فقال ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٠٠): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة أن رجلًا صلى خلف الصف وحده فأمره النبي ﷺ أن يعيد.
ورواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، عن النبي ﷺ.
قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٨):
«كذلك خرجه أبو القاسم البغوي في "معجمه".
وأشار إلى ترجيح رواية حصين بمتابعة منصور له.
ورجح أحمد وأبو حاتم الرازي رواية عمرو بن مرة.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
ورجح عبد الله الدارمي والترمذي رواية حصين؛ لأنَّ الحديث معروف عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة من غير طريق هلال بن يساف، فإنه رواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عبيد بن أبي الجعد، عن وابصة.
وقد خرجه من هذه الطريق ابن حبان في "صحيحه" -أيضًا-، وذكر أنَّ هلال بن يساف سمعه من زياد بن أبي الجعد، ومن عمرو بن راشد، كلاهما عن وابصة من غير واسطة بينهما.
ورجح الترمذي صحة ذلك، وأن هلالًا سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد. وقد روي من وجوه متعدده ما يدل لذلك.
وقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطرابًا في الحديث يوجب التوقف، وإلى ذلك يميل الشافعي في الجديد، وحكاه عن بعض أهل الحديث، بعد أن قال في القديم: لو صح قلت به. فتوقف في صحته.
وممن رجح ذلك: البزار وابن عبد البر» اهـ.
قلت: وذهب ابن حبان إلى أنَّ الطريقين محفوظان فقال ﵀ في [صحيحه] (٥/ ٥٧٧): «سمع هذا الخبر هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة والطريقان جميعًا محفوظان» اهـ.
وروى الطبراني أيضًا (٣٩١) من طريق سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَنِي فَأَعَدْتُ صَلَاتِي».
قلت: ولم يذكر من هو الآمر له والظاهر أنَّه النبي ﷺ.
وسالم بن أبي الجعد ثقة يرسل.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
ورواه أيضًا (٣٩٥، ٣٩٦، ٣٩٧) من طريق حَنَشِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ».
قلت: وحنش في حديثه ضعف.
ورواه أحمد (١٨٠٣٢)، والدارمي (١٢٨٦) من طريق يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ:
«أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ».
قلت: عبيد بن أبي الجعد مجهول الحال، ومثله زياد كما سبق.
ورواه أبو يعلى في [مسنده] (١٥٨٨)، البيهقي في [الكبرى] (٥٢١١)، والطبراني في [معجمه الكبير] (٣٩٣)، و[الأوسط] (٨٤١٦) من طريق السَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يُحَدِّثُ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: أَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَلَمَّا انْفَتَلَ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ وَحْدَهُ قَائِمًا يُصَلِّي خَلْفَ النَّاسِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، هَلَّا كُنْتَ وَصَلْتَ الصَّفَّ أَمْ أَخَذْتَ بِيَدِ رَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ فَصَفَّ مَعَكَ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَكَ وَحْدَكَ، فَأَعِدْ صَلَاتَكَ».
قلت: السري متروك الحديث.
قلت: لكنه متابع تابعه إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَابِصَةَ، قَالَ: «صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْإِعَادَةِ». رواه الطبراني في [معجمه الكبير] (٣٩٢)
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قلت: وإسماعيل هذا ثقة. لكن ليس في حديثه الاجترار. وبهذا يتبين أنَّ الاجترار منكر في هذا الحديث.
ورواه ابن الأعرابي في [معجمه] (١٢٣٥) من طريق يَحْيَى بْنِ عَبْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا دَخَلْتَ فِي الصَّفِّ، أَوْ جَذَبْتَ رَجُلًا صَلَّى مَعَكَ أَعِدِ الصَّلَاةَ».
قلت: قيس هو ابن الربيع ضعيف الحديث. والراوي عنه يحيى بن عبدويه إن كان هو صاحب شعبة فقد رماه ابن معين بالكذب وقال مرة ليس بشيء، وأثنى عليه أحمد بن حنبل وأمر ابنه بالأخذ عنه.
وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [لسان الميزان] (٦/ ٢٦٨):
«وفي ثقات بن حبان يحيى بن عبدويه شيخ يروي عن قيس بن الربيع وعنه محمد بن يحيى بن كثير الحراني فلعه ذا» اهـ.
قلت: وبهذا يتبين ثبوت حديث وابصة لكن الاجترار لا يصح في حديث وابصة. والله أعلم.
وجاء من حديث علي بن شيبان فروى أحمد (١٦٣٤٠)، وابن ماجه (١٠٠٣)
من طريق مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ شَيْبَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ إِلَى رَجُلٍ
[ ٢ / ٥٥٧ ]
لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ:
«يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»
قَالَ: وَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
قلت: هذا إسناد صحيح.
قلت: وجاء أيضًا من حديث ابن عباس قال العقيلي في [الضعفاء] (٢٠٧٥) وَمِنْ حَدِيثِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عُمَرَ الْخَزَّازُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَنَّ يُعِيدَ». وَهَذَا يُرْوَى عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِأَسَانِيدَ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ اهـ.
قلت: ورواه أيضًا الطبراني في [الكبير] (١١٦٥٨)، و[الأوسط] (٤٨٣٨) من طريق الحسن بن علي به.
قلت: النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز متروك الحديث.
وروى ابن عدي في [الكامل] (٢/ ٢٥١): حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبد اللَّهِ الْكُوفِيُّ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنا زَيْدَانُ بْنُ عَبد الغفار الطيالسي، حَدَّثَنا حماد بن دَاوُدَ الْكُوفِيُّ قَالَ حَفِظْتُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ».
[ ٢ / ٥٥٨ ]
قَالَ ابنُ عَدِي: وهذا بهذا الإسناد مُعْضَلٌ لا يَرْوِيهِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ دَاوُدَ هَذَا وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ اهـ.
وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة رواه الطبراني في [الأوسط] (٥٣٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَبَّادِيُّ البصْرِيُّ قَالَ: نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَعِدِ الصَّلَاةَ».
لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبَّادِيُّ اهـ.
قلت: في إسناده عبد الله بن محمد بن القاسم قال فيه ابن حبان في [المجروحين] (٤٤٢):
«عبد الله بن محمد بن القاسم: مولى جعفر بن سليمان الهاشمي، يروى عن يزيد ابن هارون المقلوبات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد» اهـ.
ورواه الطبراني في [معجمه الأوسط] (٧٧٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو الرَّبَالِيُّ، نَا بِشْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّفِّ وَقَدْ تَمَّ، فَلْيَجْذِبْ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقِيمُهُ إِلَى جَنْبِهِ».
[ ٢ / ٥٥٩ ]
لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: بِشْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اهـ.
قلت: وهو ممن يضع الحديث.
وروى أبو داود في [المراسيل] (٨٠) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، رَفَعَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا جَاءَ رَجُلٌ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَخْتَلِجْ إِلَيْهِ رَجُلًا مِنَ الصَّفِّ فَلْيَقُمْ مَعَهُ فَمَا أَعْظَمَ أَجْرُ الْمُخْتَلَجِ».
قلت: هذا إسناد معضل.
قال الحافظ الذهبي ﵀ في [السير] (٧/ ٧٧): «قلت: ماذا بمرسل، بل معضل» اهـ.
حجة الجمهور على صحة صلاة المنفرد خلف الصف.
قلت: واحتج الجمهور على صحة صلاة المنفرد خلف الصف بعدة حجج منها:
الحجة الأولى: حديث أنس هذا ووجه الحجة فيه أنَّ العجوز صلت منفردة خلف الصف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٩٥ - ٣٩٧):
«وهذه حجة ضعيفة لا تقاوم حجة النهي عن ذلك وذلك من وجوه: أحدها أنَّ وقوف المرأة خلف صف الرجال سنة مأمور بها ولو وقفت في صف الرجال لكان ذلك مكروهًا. وهل تبطل صلاة من يحاذيها؟ فيه قولان للعلماء في مذهب
[ ٢ / ٥٦٠ ]
أحمد وغيره. أحدهما تبطل كقول أبي حنيفة وهو اختيار أبي بكر وأبي حفص. من أصحاب أحمد. والثاني لا تبطل. كقول مالك والشافعي وهو قول ابن حامد والقاضي وغيرهما مع تنازعهم في الرجل الواقف معها: هل يكون فذا أم لا؟ والمنصوص عن أحمد بطلان صلاة من يليها في الموقف. وأما وقوف الرجل وحده خلف الصف فمكروه وترك للسنة باتفاقهم فكيف يقاس المنهي بالمأمور به وكذلك وقوف الإمام أمام الصف هو السنة. فكيف يقاس المأمور به بالمنهي عنه والقياس الصحيح إنما هو قياس المسكوت على المنصوص أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه فهو باطل باتفاق العلماء كقياس الربا على البيع وقد أحل الله البيع وحرم الربا.
والثاني: أنَّ المرأة وقفت خلف الصف؛ لأنَّه لم يكن لها من تصافه ولم يمكنها مصافة الرجال ولهذا لو كان معها في الصلاة امرأة لكان من حقها أن تقوم معها وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال
ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفًا إلا خلف الصف فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد وإلَّا ظهر صحة صلاته في هذا الموضع لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز. وطرد هذا صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة كقول طائفة وهو قول في مذهب أحمد.
وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم» اهـ.
[ ٢ / ٥٦١ ]
الحجة الثانية: ما رواه البخاري (٧٨٣) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ».
ووجه الشاهد أنَّ أبا بكرة صلى بعض صلاته منفردًا خلف الصف، ولم يبطل النبي ﷺ صلاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٩٧):
«وأمَّا حديث أبي بكرة فليس فيه أنَّه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فإن هذا جائز باتفاق الأئمة وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: "ولا تعد" وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة كما في حديث الفذ فإنه أمره بإعادة الصلاة وهذا مبين مفسر وذلك مجمل حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره لكان سائغًا في مثل هذا دون ما أمر فيه بالإعادة فهذا له وجه وهذا له وجه» اهـ.
الحجة الثالثة: ما رواه البخاري (١٨٣)، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس قال:
«بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الْغُلَيِّمُ"، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ».
[ ٢ / ٥٦٢ ]
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٥٩):
«وردت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبي ﷺ فأداره إلى يمينه ولم يأمره باستقبال الصلاة وهذا من أفسد الرد فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد بل لو كبر أحدهم وحده ثم كبر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذا وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع» اهـ.
قلت: وهناك وجه آخر لهم في الاستدلال بهذا الحديث فاستدل به الشافعي ومن وافقه على أن من أساء الموقف وصلى عن يسار الإمام، فإنَّ صلاته صحيحة مع الكراهة، وألحقوا به من صلى خلف الصف وحده.
الحجة الرابعة: ما رواه مسلم (٧٦٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ فَقَالَ: "أَلَا تُشْرِعُ يَا جَابِرُ". قُلْتُ: بَلَى قَالَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَشْرَعْتُ قَالَ ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ فَجَاءَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ».
قلت: ووجه الشاهد من الحديثين أنَّه حصل انفراد خلف الصف لابن عباس وجابر في بعض صلاتهم وهو عند تحولهما إلى جهة اليمين.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٥١):
«وأمَّا قصة ابن عباس وجابر في ترك أمرهما بابتداء الصلاة وقد أحرما فذين فهذا أولًا ليس فيه أنهما قد دخلا في الصلاة وإنما فيه أنهما وقفا عن يساره فأدارهما
[ ٢ / ٥٦٣ ]
عند أول وقوفهما ولو قدر أنهما أحرما كذلك فمن أحرم فذًا صح إحرامه بالصلاة ودخوله فيها وإنما الاعتبار بالركوع وحده وإلا فمن وقف معه آخر قبل الركوع صحت صلاته. ولو اعتبرنا إحرام المأمومين جميعًا لم ينعقد تحريم أحد حتى يتفق هو ومن إلى جانبه في ابتداء التكبير وانتهائه وهذا من أعظم الحرج والمشقة ولهذا لم يعتبره أحد أصلًا والله أعلم» اهـ.
الحجة الخامسة: ما رواه النسائي (٥١٢) بإسناد حسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:
«أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَّمَهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَتَاهُ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّانِي حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ».
قالوا: فقد صلى رسول الله خلف جبريل مقتديًا به وكان في صلاته هذه منفردًا خلف الصف.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٤٩ - ١٥٠):
[ ٢ / ٥٦٤ ]
«قصة صلاته صلوات الله وسلامه عليه خلف جبريل وحده والصحابة خلفه فقد أجيب عنها بأنَّها كانت في أول الأمر حين علمه مواقيت الصلاة وقصة أمره الذي صلى خلف الصف فذًا بالإعادة متأخرة بعد ذلك وهذا جواب صحيح.
وعندي فيه جواب آخر وهو أنَّ النبي ﷺ كان هو إمام المسلمين فكان بين أيديهم وكان هو المؤتم بجبريل وحده وكان تقدم جبريل ﵇ أبلغ في حصول التعليم من أن يكون إلى جانبه كما أنَّ النبي صلى بهم على المنبر ليأتموا وليتعلموا صلاته وكان ذلك لأجل التعليم لم يدخل في نهيه الإمام به إذا أم الناس أن يقوم في مقام أرفع منهم» اهـ.
الحجة السادسة: احتجوا بصلاة الإمام منفردًا عن الصف على صحة صلاة المنفرد خلف الصف.
الحجة السابعة: احتجوا بصلاة المنفرد في بيته. على صحة صلاة المنفرد خلف الصف فإنَّ غاية صلاة المنفرد خلف الصف أن يكون كالمنفرد في بيته.
قال الإمام الشافعي ﵀ في [اختلاف الحديث] ص (٥٢٥):
«فإن قال قائل وما القياس وقول العامة قيل أرأيت صلاة الرجل منفردًا أتجزئ عنه؟ فإن قال نعم. قلت: وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة جماعة؟ فإن قال نعم. قيل فهل يعدو المنفرد خلف المصلى أن يكون كالإمام المنفرد أمامه أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفردًا فإن قيل فهكذا سنة
[ ٢ / ٥٦٥ ]
موقف الإمام والمنفرد قيل فسنة موقفهما تدل على أن ليس في الانفراد شيء يفسد الصلاة» اهـ.
بيان مذهب من توسط في هذه المسألة.
وتوسط آخرون فقالوا بصحة صلاة المنفرد خلف الصف إذا لم يجد له مكانًا في الصف
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٠/ ٥٥٩ - ٥٦٠):
«لكن قضية المرأة تدل على شيئين. تدل على أنه إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر الدخول في الصف صلى وحده للحاجة وهذا هو القياس؛ فإن الواجبات تسقط للحاجة وأمره بأن يصاف غيره من الواجبات فإذا تعذر ذلك سقط للحاجة؛ كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة. وطرد ذلك إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة أمامه وهو قول طوائف من أهل العلم وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وإن كانوا لا يجوزون التقدم على الإمام إذا أمكن ترك التقدم عليه. وفي الجملة: فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط غيرها للعذر في الجماعة فهي أولى بالسقوط. ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد ولم يحرم ما يضطر إليه العبد» اهـ.
وقال أيضًا ﵀ (٢٣/ ٢٤٥ - ٢٤٧):
[ ٢ / ٥٦٦ ]
«والذين خالفوا حديث المنفرد خلف الصف كأبي حنيفة ومالك والشافعي منهم من لم يبلغه أو لم يثبت عنده والشافعي رآه معارضًا بكون الإمام يصلي وحده وبكون مليكة جدة أنس صلت خلفهم وبحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف. وأما أحمد فأصله في الأحاديث إذا تعارضت في قضيتين متشابهتين غير متماثلتين فإنه يستعمل كل حديث على وجهه ولا يرد أحدهما بالآخر. فيقول في مثل هذه: المرأة إذا كانت مع النساء. صلت بينهن وأمَّا إذا كانت مع الرجال لم تصل إلا خلفهم وإن كانت وحدها؛ لأنها منهية عن مصافة الرجال فانفرادها عن الرجال أولى بها من مصافتهم كما أنها إذا صلت بالنساء صلت بينهن؛ لأنَّه أستر لها كما يصلي إمام العراة بينهم وإن كانت سنة الرجل الكاسي إذا أم أن يتقدم بين يدي الصف.
ونقول: إنَّ الإمام لا يشبه المأموم فإن سنته التقدم لا المصافة وسنة المؤتمين الاصطفاف. نعم يدل انفراد الإمام والمرأة على جواز انفراد الرجل المأموم لحاجة وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلَّا منفردًا فهذا قياس قول أحمد وغيره ولأنَّ واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالأعذار فليس الاصطفاف إلَّا بعض واجباتها فسقط بالعجز في الجماعة كما يسقط غيره فيها وفي متن الصلاة.
ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع استدبار القبلة والعمل الكثير ومفارقة الإمام ومع ترك المريض القيام: أولى من أن يصلوا وحدانًا ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنَّه يجوز تقديم المؤتم على الإمام عند الحاجة كحال الزحام ونحوه وإن كان لا يجوز لغير حاجة وقد روي في بعض
[ ٢ / ٥٦٧ ]
صفات صلاة الخوف. ولهذا سقط عنده. وعند غيره. من أئمة السنة ما يعتبر للجماعة: من عدل الإمام وحل البيعة ونحو ذلك للحاجة فجوزوا بل أوجبوا فعل صلوات الجمعة والعيدين والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأئمة الفاجرين وفي الأمكنة المغصوبة إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة والجماعة أو إلى فتنة في الأمة ونحو ذلك. كما جاء في حديث جابر "لا يؤمن فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه" لأن غاية ذلك أن يكون عدل الإمام واجبًا فيسقط بالعذر كما سقط كثير من الواجبات في جماعة الخوف بالعذر. ومن اهتدى لهذا الأصل، وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر فكذلك الواجبات في الجماعات ونحوها فقد هدي لما جاءت به السنة من التوسط بين إهمال بعض واجبات الشريعة رأسا كما قد يبتلى به بعضهم وبين الإسراف في ذلك الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز عنه وإن كان ذلك الأوكد مقدورًا عليه كما قد يبتلى به آخرون. فإن فعل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٤٠ - ٤١):
«فصل: ومن ذلك ظن بعضهم أن أمره ﷺ لمن صلى فذًا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة.
وهذا من أفسد القياس وأبطله فإن الإمام يسن في حقه التقدم وأن يكون وحده والمأمومون يسن في حقهم الاصطفاف فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس والفرق بينهما أن الإمام إنما جعل ليؤتم به وتشاهد أفعاله وانتقالاته
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فإذا كان قدامهم حصل مقصود الإمامة وإذا كان في الصف لم يشاهد إلا من يليه ولهذا جاءت السنة بالتقدم ولو كانوا ثلاثة محافظة على المقصود بالائتمام وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها لأنها منهية عن مصافة الرجال فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده وهو قياس المشروع على غير المشروع.
فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها.
قيل هذا غير مسلم بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على شيئين أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول في الصف ووقف معه فذا صحت صلاته للحاجة وهذا هو القياس المحض فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها.
الثاني: وهو طرد هذا القياس إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته وكلاهما وجه في مذهب أحمد وهو اختيار شيخنا ﵀
وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر فهي أولى بالسقوط ومن قواعد الشرع الكلية أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٤٦):
[ ٢ / ٥٦٩ ]
«وأقرب من هذا: قول من قال: إنَّ صلاة الرجل خلف الصفوف وحده إذا تعذر عليه من يصافه تصح إلحاقًا لها بصلاة المرأة وحدها، إذا لم تجد من يصافها، كما قاله بعض المتأخرين من أصحابنا، ولكن المذهب خلافه» اهـ.
وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ] (٢/ ٢٤٥):
«وأمَّا المسألة الرابعة: وهي حكم صلاة الفذ:
الجواب: المشهور أنَّ صلاة الرجل فذًا خلف الصف أو خلف الإمام لا تصح إن صلى ركعة فأكثر، لقوله ﷺ: "لا صلاة لفرد خلف الصف" رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وفي حديث آخر: " أنه ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة " رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وإسناده ثقات.
إلَّا أن يكون الفذ امرأة منفردة وحدها فتصح صلاتها، لحديث أنس أن جدته مليكة دعت النبي ﷺ لطعام صنعته فأكل، ثم قال: " قوموا لا صلى لكم فقمت إلى حصير قد اسوَدّ من طُول ما لُبس فنضحته بماء فقام عليه ﷺ وقمت أنا واليتيم وراءه وقامت العجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف " رواه الجماعة إلَّا ابن ماجه.
واستدل المحققون بهذا الحديث أنَّ الرجل المعذور الذي لم يجد له محلًا في الصف يقف فيه ولم يحصل له بعد أن نبه أحد المأمومين بجذب أو غيره أن يتأخر من أجله ليصف معه ولم يتمكن أن يقف عن يمين الإمام أنَّ صلاته فذًا صحيحة
[ ٢ / ٥٧٠ ]
للحاجة، لأنَّه اتقى الله ما استطاع واختاره الشيخ تقي الدين وغيره، وهو الصواب إن شاء الله.
وإن ركع الرجل فذًا لعذر بأن خشي فوات الركعة ثم دخل في الصف قبل سجود الإمام أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت صلاته قولًا واحدًا، لقصة أبي بكرة حين ركع دون الصف ثم مشى حتى دخل الصف فقال له النبي ﷺ: "زادك الله حِرصًا ولا تَعُدْ " رواه البخاري، والله أعلم والسلام عليكم» اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٢٠٩):
«إذا؛ فالقول الراجح أنَّ الصلاة خلف الصف منفردًا غير صحيحة، بل هي باطلة يجب عليه إعادتها. ولكن؛ إذا قال قائل: أفلا يكون القول الوسط هو الراجح، وأنَّه إذا كان لعذر صحت الصلاة؟
فالجواب: بلى، القول الوسط هو الراجح، وأنَّه إذا كان لعذر صحت الصلاة؛ لأنَّ نفي صحة صلاة المنفرد خلف الصف يدل على وجوب الدخول في الصف؛ لأن نفي الصحة لا يكون إلا بفعل محرم أو ترك واجب، فهو دال على وجوب المصافة، والقاعدة الشرعية أنَّه لا واجب مع العجز، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فإذا جاء المصلي ووجد الصف قد تم فإنَّه لا مكان له في الصف، وحينئذ يكون انفراده لعذر فتصح صلاته، وهذا القول وسط، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي. وهو الصواب» اهـ.
[ ٢ / ٥٧١ ]
وقال العلامة الألباني ﵀ في [إرواء الغليل] (٢/ ٣٢٩):
«"فائدة" إذا لم يستطع الرجل أن ينضم إلى الصف فصلى وحده فهل تصح صلاته الأرجح الصحة والأمر بالإعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام. وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما بينته في "الأحاديث الضعيفة" المائة العاشرة» اهـ.
قلت: وهذا هو القول الصحيح الذي تؤيده أدلة الشريعة والنظر الصحيح وذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، والذي صلى منفردًا خلف الصف لعدم تمكنه من الدخول في الصف فقد اتقى الله ما استطاع.
الوجه الثاني: ما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
قلت: ومن صلى منفردًا خلف الصف لعدم تمكنه من الدخول في الصف فقد أتى ما استطاع أن يفعله من الأمر، وذلك أنه أُمر بصلاة الجماعة وأُمر بالدخول في الصف ففعل ما استطاع فعله وترك ما عجز عن فعله.
الوجه الثالث: أن يقال: إنَّ القاعدة المقررة في الشريعة أنَّه لا تكليف مع العجز، وهذه المسألة داخلة في هذه القاعدة كغيرها من المسائل.
الوجه الرابع: أنَّا قد رأينا كثيرًا من واجبات الصلاة بل ومن أركانها تسقط للعجز عن فعلها كالقيام في حق المريض وعند التحام القتال في شأن الراكب،
[ ٢ / ٥٧٢ ]
ويسقط استقبال القبلة في حال الخوف الشديد إذا لم يتمكن من استقبالها، وهكذا تسقط الطهارة، وستر العورة لمن لم يتمكن من ذلك، وتسقط قراءة الفاتحة عمن عجز عن قراءتها، ويسقط الركوع عن قيام والسجود في الأرض وينتقل إلى الإيماء بالرأس لمن عجز عن ذلك لمرض أو خوف، وتسقط صلاة الجماعة بالكلية للعذر كالمرض ونحوه فإذا سقطت مثل هذه الواجبات والأركان والشروط العظيمة للعجز فكيف لا يسقط واجب المصافة للعجز؟!! بل هو أولى بالسقوط فليس هو بأعظم من هذه الواجبات والأركان والشروط التي تسقط بالعجز.
٧ - فيه جواز الصلاة على الحصير ونحوه.
وفي الباب ما رواه البخاري (٧٣٠)، ومسلم (٧٨٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ».
وما رواه البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً- قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَة"».
وما رواه البخاري (١١٧٩) عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ ضَخْمًا - لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ
[ ٢ / ٥٧٣ ]
حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ جَارُودٍ لأَنَسٍ، ﵁، أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ».
وما رواه مسلم (٥١٩، ٦٦١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ».
وما رواه البخاري (٣٧٩، ٣٨١)، ومسلم (٥١٣) عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ».
وما رواه مسلم (٢٩٨) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ". قَالَتْ: فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ: "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ"».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٦٣):
«فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَسَائِرِ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ خِلَافِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّوَاضُعِ بِمُبَاشَرَةِ نَفْسِ الْأَرْضِ» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٨ - ٢٢):
«وأكثر أهل العلم على جواز الصلاة على الحصير والسجود عليه، وأنَّ ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وممن روي عنه أنَّه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو ذر.
وقال النخعي: كانوا يصلون على الحصير والبوري.
وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت.
ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها.
والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من العلماء.
وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلَّا على الأرض.
وروي عن أبي بكر الصديق، أنَّه رأى قومًا يصلون على بسط، فقال لهم: أفضوا إلى الأرض.
وفي إسناده نظر.
وروي عن ابن عمر، أنَّه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض. ونحوه عن علي بن الحسين.
وقال النخعي في السجود على الحصير: الأرض أحب إلي.
وعنه، أنَّه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ.
ونقل حرب، عن إسحاق، قال: مضت السنة من النبي ﷺ أنَّه صلى على الخمرة والبساط، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض. قال: وإن سجد الرجل على الأرض فهو أحب إليَّ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وأكثر صلاة النبي ﷺ كانت على الأرض، يدل على ذلك: أنَّه لما وكف المسجد وكان على عريش فصلى النبي ﷺ صلاة الصبح، وانصرف واثر الماء والطين على جبهته وأنفه.
وخرج أبو داود من رواية شريح بن هانئ، عن عائشة، قالت: لقد مطرنا مرة بالليل، فطرحنا للنبي ﷺ نطعًا، فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه، وما رأيته متقيًا الأرض بشيء من ثيابه قط.
وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يتقي الأرض بشيء، إلَّا مرة؛ فإنَّه أصابه مطر فجلس على طرف بناء، فكأني أنظر إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه.
وخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهما، وعندهم: أنَّ شريحا قَالَ: سالت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث.
وفي رواية لابن جرير: أنَّ عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى على شيء قط، إلَّا أنَّه أصابنا مطر ذات ليلة، فاجتر نطعًا، فصلى عليه.
وخرجه الطبراني، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا صلى لا يضع تحت قدميه شيئًا، إلَّا إنَّا مطرنا يومًا فوضع تحت قدميه نطعًا.
وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح عن أبيه.
وخرج بقي بن مخلد في "مسنده" من رواية يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إنَّ أناسًا يصلون على هذه الحصر، ولم
[ ٢ / ٥٧٦ ]
أسمع الله يذكرها في القران، إلَّا في مكان واحد: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أفكان النبي ﷺ يصلي على الحصير؟ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يصلي على الحصير.
وهذا غريب جدًا.
ويزيد بن المقدام، قال أبو حاتم: يكتب حديثه.
وخرج الإمام أحمد: ثنا عثمان بن عمر: ثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن، عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يصلي على خمرة، فقال: "يا عائشة، ارفعي حصيرك، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس".
وهذا غريب جدًا.
ولكنه اختلف فيه على يونس: فرواه مفضل بن فضاله، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، أنَّ النبي ﷺ كان يصلي على الخمرة، يسجد لها.
ورواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري - مرسلًا.
ورواه ابن وهب في "مسنده" عن يونس، عن الزهري، قال: لم أزل اسمع أن رسول الله ﷺ صلى على الخمرة - وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة ويسجد لها.
فرواه بالوجهين جميعًا.
وأمَّا رواية عثمان بن عمر، عن يونس، فالظاهر أنَّها غير محفوظة، ولا تعرف تلك الزيادة إلَّا فيها» اهـ.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
قلت: وينبغي إذا صلى المصلي على سجاد أو حصير أن يتقي ما كان منها نقوش مشغلة له.
وقد حصل النزاع في السجاد الذي فيه صورة الكعبة والمسجد الحرام هل يجوز الصلاة عليه أو لا.
فمنع من ذلك العلامة ابن باز ﵀ لما فيه من امتهان الكعبة والبيت الحرام بالوطء، وأجاز ذلك آخرون.
والأظهر الجواز مع الكراهة، وليس في ذلك امتهان للكعبة والمسجد الحرام لأنَّها مجردة صورة، ولأنَّه يجوز وطء الكعبة والمسجد الحرام بالقدمين حقيقة فالصورة من باب أولى.
وجاء في "فتاوى نور على الدرب" «السؤال: تقول: إنَّ البعض من الناس يقولون إنَّه لا يجوز الجلوس على السجادة لأنَّ فيها رسم للكعبة ويجلس عليها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضًا لا حرج فيه أي لا بأس أن تضع سجادة وتجلس عليها ولو كان فيها صورة الكعبة أو صورة حجرة قبر النبي ﷺ لأنَّ الجالس لا يريد بهذا امتهان الكعبة ولا امتهان حجرة قبر الرسول ﷺ وليست هذه حجرة قبر النبي حقيقة ولا الكعبة حقيقة» اهـ.
قلت: وهل للإمام أن يختص بسجاد دون المؤتمين أو لا؟.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١١٨)
«وَلَا كَانَ يُصَلِّي عَلَى سَجَّادَةٍ بَلْ كَانَ يُصَلِّي إمَامًا بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يُصَلِّي عَلَى مَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَقْعُدُ عَلَى مَا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا عَنْهُمْ بِشَيْءِ يَقْعُدُ عَلَيْهِ لَا سَجَّادَةٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَسْجُدُ أَحْيَانًا عَلَى الْخَمِيرَةِ - وَهِيَ شَيْءٌ يُصْنَعُ مِنْ الْخُوصِ
[ ٢ / ٥٧٨ ]
صَغِيرٌ - يَسْجُدُ عَلَيْهَا أَحْيَانًا لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوشًا بَلْ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَكَانَ أَكْثَرَ الْأَوْقَاتِ يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَبِينَ الطِّينُ فِي جَبْهَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا» اهـ.
٨ - وفيه أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين كنوافل الليل.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٥٦):
«قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه يجوز في النفل المطلق أن يسلم من ركعة وركعتين وأنَّه يجوز أن يجمع بين ركعات كثيرة سواء كان بالليل أم بالنهار.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاقتصار علي ركعة في صلاة أبدًا. قال: ويجوز نوافل النهار ركعتين وأربعًا ولا يزيد عليها. ونوافل الليل ركعتين وأربعًا وستًا وثمانيًا ولا يزيد.
وقد سبقت الأحاديث الصحيحة في فصل الوتر المصرحة بدلائل مذهبنا.
فرع: مذهبنا أن الأفضل في نفل الليل والنهار أن يسلم من كل ركعتين وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان ومالك وأحمد واختاره ابن المنذر، وحكي عن ابن عمر وإسحق بن راهوية أنَّ الأفضل في النهار أربعًا.
وقال الأوزاعي وأبو حنيفة صلاة الليل مثنى وصلاة النهار إن شاء أربعًا وإن شاء ركعتين. دليلنا الحديث السابق " صلاة الليل والنهار مثنى " وهو صحيح كما بيناه قريبًا وقد ثبت في كون صلاة النهار ركعتين ما لا يحصى من الأحاديث وهي مشهورة في الصحيح كحديث ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده وكذا قبل العصر
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وبعد المغرب والعشاء وحديث ركعتي الضحى وتحية المسجد وركعتي الاستخارة وركعتين إذا قدم من سفر وركعتين بعد الوضوء وغير ذلك وأما الحديث المروى عن أبي أيوب ﵁ يرفعه: "أربع قبل الظهر لا تسليم فيهن يفتح لهن أبواب السماء فضعيف" متفق على ضعفه وممن ضعفه يحيي بن سعيد القطان وأبو داود والبيهقي ومداره علي عبيدة بن معتب وهو ضعيف والله أعلم» اهـ.
٩ - وفيه أن للصبي موقفًا في الصف وبه قال جمهور العلماء.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٧١):
«وفي هذا الحديث أيضًا ما يدل على أنَّ الصبي إذا عقل الصلاة حضرها مع الجماعة ودخل معهم في الصف إذا كان يؤمن منه اللعب والأذى وكان ممن يفهم معنى ما هو فيه من الصلاة.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه كان إذا أبصر صبيًا في الصف أخرجه.
وعن زر بن حبيش وأبي وائل مثل ذلك.
وهذا يحتمل أن يكون ذلك الصبي من لا يؤمن لعبة وعبثه أو يكون كثرة التقدم له في الصف مع الشيوخ والأصل ما ذكرنا بحديث هذا الباب والله أعلم.
وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى كراهة ذلك.
قال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكره أن يقوم مع الناس في المسجد إلَّا من قد احتلم أو أنبت أو بلغ خمس عشرة سنة فذكرت له حديث أنس واليتيم فقال: ذلك في التطوع» اهـ.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٦):
«وفقه ذلك هل يخرج من وقف معه الصبي في الصف عن أن يكون فردًا حتى يسلم من بطلان صلاته عند من يمنعه أو كراهته وظاهر حديث أنس يقتضى الإجزاء فهو حجة على من منع ذلك من الحنابلة مطلقا وقد نص أحمد على أنه يجزئ في النفل دون الفرض وفيه ما فيه» اهـ.
قلت: ولا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا على افتراض أنَّ أنسًا كان بالغًا وهذا غير معلوم فإنَّ النبي ﷺ لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين فلا يدرى كم كان له من العمر عند صلاته مع اليتيم وهل كان بالغًا أم لا.
١٠ - وفيه تنظيف مكان المصلي.
١١ - واحتج به من قال المرأة وحدها صف، وهي رواية حرب عن الإمام أحمد ﵀.
قلت: وقد جاء في ذلك حديث موضوع. قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٢٦٨):
«في هذا الباب حديث موضوع وضعه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي عن المسعودي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "المرأة وحدها صف"، وهذا لا يعرف إلا بإسماعيل هذا» اهـ.
١٢ - وفي رواية مسلم دليل على أنَّ موقف الواحد عن يمين الإمام.
١٣ - واحتج به من قال: إنَّ النجاسة المشكوك بها تتطهر بالرش.
[ ٢ / ٥٨١ ]
ويقوي هذا القول ما رواه البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٦٥٩) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ- قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمٌ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ". نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا».
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٧٣): «وَإِنَّمَا نَضَحَهُ بِالْمَاءِ عَلَى سَبِيلِ تَجْدِيدِ نَظَافَتِهِ وَطَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَقَعَ فِي النَّفْسِ مِنْ طُولِ لُبْسِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فَنَضَحَهُ لِيُذْهِبَ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ النَّضْحُ طَهُورًا لَمَّا لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا نَضَحَ لَمَّا خِيفَ أَنْ يَنَالَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَهُ وَمَعَهُمْ صَبِيٌّ فَطِيمٌ اسْمُهُ أَبُو عُمَيْرٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَيْرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا". فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالنَّضْحِ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ طُولِ لُبْسِهِمْ لِلْبِسَاطِ مَعَ تَصَرُّفِ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّمَا غَسَلَهُ لِيَلِينَ وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَضْحَهُ لَمْ يَكُنْ لِجَسَاوَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ لَوْنِهِ وَطُولِ لُبْسِهِ
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْحُ بِمَعْنَى الْغَسْلِ وَأَنْ يَكُونَ غَسْلُهُ لِنَجَاسَةٍ فِيهِ أَوْ لِلَوْنِهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ أَظْهَرُ» اهـ.
ونازع في ذلك بعض العلماء فقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٦٤):
«وَإِنَّمَا نَضَحَهُ لِيَلِينَ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَيَذْهَبُ عَنْهُ الْغُبَارُ وَنَحْوُهُ هَكَذَا فَسَّرَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ لِلشَّكِّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا تَطْهُرُ بِنَضْحِهَا مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْغَسْلِ فَالْمُخْتَارُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦):
«وَأَمَّا نَضْحُ الْحَصِيرِ فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِتَلْيِينِ الْحَصِيرِ لَا لِنَجَاسَةٍ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنَّ النَّضْحَ طُهْرٌ لِمَا شُكَّ فِيهِ لِتَطْيِيبِ النَّفْسِ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: الْأَصْلُ فِي ثَوْبِ الْمُسْلِمِ وَفِي أَرْضِهِ وَفِي جِسْمِهِ الطَّهَارَةُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ بِالنَّجَاسَةِ فَإِذَا تَيَقَّنَتْ وَجَبَ غَسْلُهَا وَكَذَلِكَ الْمَاءُ أَصْلُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ حُلُولَ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يُطَهِّرُهَا النَّضْحُ وَإِنَّمَا يُطَهِّرُهَا الْغَسْلُ وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْحَصِيرَ لَمْ يُنْضَحْ لِنَجَاسَةٍ وَقَدْ يُسَمَّى الْغَسْلُ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْعَرَبِ نَضْحًا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا عُمَانُ يَنْضَحُ الْبَحْرُ بِنَاحِيَتِهَا الْحَدِيثَ فَإِنْ كَانَ الْحَصِيرُ نَجِسًا فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذِكْرِ النَّضْحِ
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الْغَسْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ النَّضْحَ طَهَارَةٌ لِمَا شَكَّ فِيهِ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ احْتَلَمَ فِي ثَوْبِهِ فَقَالَ أَغْسِلُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَهُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ النَّضْحَ لَا مَعْنًى لَهُ فَهُوَ قَوْلٌ يَشْهَدُ لَهُ النَّظَرُ وَالْأُصُولُ بِالصِّحَّةِ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في الثوب النجس إنهم قالوا لايزيده النَّضْحُ إِلَّا شَرًّا وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ وَمَنْ ذَهَبَ بِحَدِيثِ عُمَرَ إِلَى قَطْعِ الْوَسْوَسَةِ وَحَزَازَاتِ النَّفْسِ فِي نَضْحِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مَا لَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا مِنَ النَّجَاسَةِ كَانَ وَجْهًا حَسَنًا صَحِيحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» اهـ.
قلت: أثر عمر رواه مالك في [الموطأ] (١٣٧)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (١٤٤٥، ١٤٤٦، ١٤٤٨)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٩٥، ٢٩٦،) من طريق هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ: اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَنَّ عُمَرَ عَرَّسَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمِيَاهِ، فَاحْتَلَمَ فَاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ فَرَكِبَ، وَكَانَ الرَّفْعُ حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ فَجَلَسَ عَلَى الْمَاءِ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ عَمْرٌو: أَصْبَحْتَ وَمَعَنَا ثِيَابٌ أَلْبَسُهَا وَدَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ، فَقَالَ عُمَرُ: «وَاعَجَبًا لَكَ يَا عَمْرُو، لَئِنْ كُنْتَ تَجِدُ الثِّيَابَ أَفَكُلُّ النَّاسِ يَجِدُونَ الثِّيَابَ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً، لَا، بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ».
قلت: إسناده صحيح. ولعل عمر كان يرى نجاسة المني، وهذه الأثر عمدة في رش النجاسة المشكوك بها.
١٤ - وفيه ما كان عليه بعض الصحابة من قلة ما في اليد.
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٧٣):
[ ٢ / ٥٨٤ ]
«وَقَوْلُ أَنَسٍ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ يَقْتَضِي قِلَّةَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْحُصْرِ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُونُوا يَخُصُّونَ النَّبِيَّ ﷺ إلَّا بِأَفْضَلِ مَا عِنْدَهُمْ مِمَّا يَصْلُحُ لِلصَّلَاةِ» اهـ.
١٥ - وفيه إجابة الدعوة إلى الطعام وإن لم يكن وليمة.
وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب النكاح بمشيئة الله تعالى.
١٦ - وفيه الأكل من طعام الدعوة.
وليس ذلك بواجب وستأتي الكلام في أحكام الوليمة في كتاب النكاح.
* * *
[ ٢ / ٥٨٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ. فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ. فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ».
الحديث بهذا اللفظ قريب من رواية البخاري (٦٩٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
«بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ».
ولفظ الحديث عند مسلم (٧٦٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
«بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَبَقَيْتُ كَيْفَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَقَامَ فَبَالَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ أَوْ الْقَصْعَةِ فَأَكَبَّهُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ فَأَخَذَنِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ …».
وفي لفظ للبخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ فَصَلَّى فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِ».
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وفي لفظ لمسلم (٧٦٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَعَثَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَبِتُّ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَقَامَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَتَنَاوَلَنِي مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَجَعَلَنِي عَلَى يَمِينِهِ».
في الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ موقف الواحد عن يمين الإمام.
قال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٣٣٩):
«فَالسُّنَّةُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَقِفُ الْمَأْمُومُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَقِفُ خَلْفَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ آخَرُ وَقَفَا خَلْفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ تَقَدَّمَ وَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ» اهـ.
قلت: والظاهر أنَّه يكون مساويًا للإمام في وقوفه لا يتأخر عنه.
قال العلامة السرخسي الحنفي ﵀ في [المبسوط] (١/ ١١٨):
«وفي ظاهر الرواية لا يتأخر المقتدي عن الإمام وعن محمد رحمه الله تعالى قال ينبغي أن تكون أصابعه عند عقب الإمام، وهو الذي وقع عند العوام» اهـ.
وقال العلامة الكاساني الحنفي ﵀ في [بدائع الصنائع] (٢/ ١٣٢):
«ثُمَّ إذَا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَصَابِعُهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْعَوَامّ» اهـ.
وقال العلامة الخرشي المالكي ﵀ في [شرح مختصرخليل] (٣/ ٣٦٥):
«وَظَاهِرُهُ مُسَامَتَتُهُ لَهُ لَا تَقَدُّمُهُ أَوْ تَأَخُّرُهُ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا قَرُبَ مِنْهُ أَوْ بَعُدَ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا حَالَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ كَرَجُلٍ يُصَلِّي أَوْ كُرْسِيٍّ أَوْ لَا» اهـ.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
قلت: واستحب التأخر جماعة من المالكية.
فقد قال العلامة الدردير المالكي ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير] (١/ ٣٤٤)
«وَنُدِبَ أَيْضًا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ قَلِيلًا» اهـ.
قلت: واستحب ذلك علماء الشافعية.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٩٢)
«قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مُسَاوَاةِ الْإِمَامِ قَلِيلًا» اهـ.
قلت: وقد بيَّن علماء الشافعية الأمر المعتبر عندهم في المساواة.
فقال العلامة محمد بن القاسم الغزي ﵀ في [فتح القريب] (ص: ٩٣)
«فإن تقدم عليه بعقبه في جهته لم تنعقد صلاته، ولا تضر مساواته لإمامه، ويندب تخلفه عن إمامه قليلًا» اهـ.
وقال العلامة أحمد بن حجر الهيتمي ﵀ في [المنهاج القويم] (ص: ٣١٥):
«والعبرة في التقدم "بعقبه" التي اعتمد عليها من رجليه أو من إحداهما وهو مؤخر القدم مما يلي الأرض هذا إن صلى قائمًا "أو بأليته إن صلى قاعدًا" وإن كان راكبًا "أو بجنبه إن صلى مضطجعًا" أو برأسه إن كان مستلقيًا فمتى تقدم في غير صلاة شدة الخوف في جزء من صلاته بشيء مما ذكر لم تصح صلاته لما مر وأفهم تعبيره بالعقب أنَّه لا أثر للأصابع تقدمت أو تأخرت لأن تقدم العقب يستلزم تقدم المنكب بخلاف تقدم غيره نعم لو تأخر وتقدمت رؤوس أصابعه على عقب الإمام فإن اعتمد على العقب صح أو على رؤوس الأصابع فلا "فإن ساواه" بالعقب " كره" ولم يحصل به شيء من فضل الجماعة» اهـ.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
قلت: ولا أعلم حجة على المحاذاة في العقب، والأظهر أنَّ المحاذاة في الاصطفاف مع الإمام كالمحاذاة بين المؤتمين في الصف، وذلك يكون بين المنكب والركبة، والكعب.
٢ - وفيه دليل على صحة صلاة الواقف عن يسار الإمام.
قلت: وقد تنازع العلماء فيما إذا وقف الواقف عن يسار الإمام مع عدم وجود أحد عن يمينه. فذهب الجمهور إلى صحة صلاته، وذهب الإمام أحمد إلى بطلانها.
ومذهب البخاري ﵀ عدم البطلان كما هو ظاهر تبويبه في "صحيحه" حيث قال ﵀:
«باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلي يمينه لم تفسد صلاته».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٦):
«وقد استدل البخاري بهذا الحديث على أنَّ من قام عن يسار الإمام، فحوله إلى يمينه لم تفسد صلاته» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٤):
«وجه الدلالة من حديث ابن عباس المذكور أنَّه ﷺ لم يبطل صلاة ابن عباس مع كونه قام عن يساره أولًا، وعن أحمد تبطل لأنَّه ﷺ لم يقره على ذلك. والأول هو قول الجمهور بل قال سعيد بن المسيب إنَّ موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام ولم يتابع على ذلك» اهـ.
٣ - وفيه دليل على انعقاد الجماعة بالصبي.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٥):
«وقد دل حديث ابن عباس هذا على انعقاد الجماعة بالصبي في النفل، وهذا متفق عليه، فأمَّا في الفرض ففيه روايتان عن أحمد، والأكثرون على انعقاده بالصبي - أيضًا -، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنَّ الصبي يصح نفله، والجماعة تنعقد بالمتنفل، وإن كان الإمام مفترضًا؛ بدليل قول النبي ﷺ: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ "» اهـ.
٤ - وفيه دليل على أنَّ الحركة في الصلاة لمصلحتها لا تبطل الصلاة.
٥ - واحتج به من قال بعدم اشتراط نية الإمامة من أول الصلاة.
قلت: والمشهور عن الحنابلة اشتراط ذلك، وذهب جمهور العلماء إلى عدم اشتراطه. وهذا هو الصحيح لما رواه البخاري (٦٨٤)، ومسلم (٩٤٨) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ. قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ - فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁، يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صلى
[ ٢ / ٥٩٠ ]
الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"».
قلت: والشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ كان مؤتمًا ثم طرأت له نية الإمامة في أثناء الصلاة.
وروى البخاري (٣٧٠٠) في حديث مقتل عمر ﵁ الطويل عن عمرو بن ميمون وفيه أنَّه قال:
«إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ اسْتَوُوا حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ، أَوِ النَّحْلَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَتَلَنِي، أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا، وَلَا شِمَالًا إِلَّا طَعَنَهُ حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً».
قلت: والشاهد منه أنَّ عبد الرحمن بن عوف صار إمامًا من أثناء الصلاة، وقد كان قبل ذلك مؤتمًا.
[ ٢ / ٥٩١ ]
قلت: واختلف العلماء هل تشترط نية الإمامة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٨):
«وفي المسألة أقوال:
أحدها: يجوز ذلك، فلا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة، بل لو نوى المأموم الاقتداء بمنفرد جاز، هذا قول مالك والشافعي والثوري - في رواية - وزفر، وحكي رواية عن أحمد.
والقول الثاني: لا يجوز بحال، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقول الثوري - في رواية إسحاق.
واستدل لهم بأنَّ الجماعة قربة وعبادة، فلا تنعقد إلَّا بإمام ومأموم، وفضلها مشترك بينهما، فلا يحصل لهما ذلك بدون النية، عملًا بظاهر قوله ﷺ: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لامرئ ما نوى".
وأجاب بعض أصحابنا عن حديث ابن عباس، بأنَّ النبي ﷺ إمام الخلق على كل حال، فلا يحتاج إلى نية الإمام، فلا يلحق به غيره.
والقول الثالث: يصح ذلك في النفل دون الفرض، وهو رواية منصوصة عن أحمد، استدلالًا بحديث ابن عباس هذا.
والقول الرابع: إن أم رجل رجلًا لم يحتج أن ينوي الإمامة، وإن أم امرأة احتاج إلى نية الإمامة، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي هو أنَّه لا تشترط نية الإمامة لصحة صلاة الجماعة لما رواه البخاري (٧٢٩) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
[ ٢ / ٥٩٢ ]
عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ"».
ورواه مسلم (١٨٢٤) عن عائشة أنها قالت: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرٌ وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ". وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ».
وروى البخاري (٧٣٠)، ومسلم (٧٨٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ».
وما رواه البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً- قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَة"».
قلت: فالظاهر في مثل هذا أنَّ النبي ﷺ لم يشعر بهم من أول الأمر. والله أعلم.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
ومثله ما رواه مسلم (٢٥٦٥) عن أنس ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَامَ أَيْضًا حَتَّى كُنَّا رَهْطًا فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّا خَلْفَهُ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا قَالَ قُلْنَا لَهُ حِينَ أَصْبَحْنَا أَفَطَنْتَ لَنَا اللَّيْلَةَ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ قَالَ فَأَخَذَ يُوَاصِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا بَالُ رِجَالٍ يُوَاصِلُونَ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ"».
قلت: بوَّب عليه ابن المنذر في [الأوسط] (٦/ ٣٠٥):
«ذكر الائتمام بالمصلي الذي لا ينوي الإمامة».
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٩٢):
«وهو ظاهر في أنَّه لم ينو الإمامة ابتداء وائتموا هم به وأقرهم» اهـ.
٦ - واحتج به على صحة من أحرم مفردًا ثم نوى الإمامة في أثناء الصلاة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠٨):
«المسألة الثانية:
إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الإمامة، وفي - أيضًا - أقوال:
أحدها: أنَّه لا يجوز ذلك، وهو قول أكثر أصحابنا، وبناء على أصلهم في أنَّ الإمام يشترط أن ينوي الإمامة على ما سبق، فيصير ذلك من ابتداء صلاته.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
والثاني: يجوز ذلك، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، بناء على أصولهم في أنَّ نية الإمام للإمامة ليس شرطًا، على ما سبق.
ووافقهم بعض أصحابنا لمعنى آخر، وهو: أنَّ طرفي الصلاة يجوز أن يكون في أولها إمامًا وفي الآخر منفردًا، وهو المسبوق إذا استخلفه الإمام، فكذا بالعكس.
والثالث: أنَّه يجوز في الفرض دون النفل، وهو المنصوص عن أحمد؛ لحديث ابن عباس هذا.
والظاهر: أنَّ النبي ﷺ نوى إمامته حينئذ؛ لأنَّه أداره إلى يمينه، وأوقفه موقف المأموم» اهـ.
٧ - وفيه دليل صحة مصافاة الصبي وقد سبق الكلام على هذه المسألة في الحديث السابق.
٨ - فيه جواز الإمامة في النافلة وقد سبق الكلام حول هذه المسألة قريبًا.
٩ - فيه التعليم في الصلاة إذا كان من أمرها.
١٠ - فيه طلب العلو في السند فإنَّه كان يكتفي بإخبار خالته أم المؤمنين ﵂.
١١ - وفيه بيات الرجل عند بعض محارمه مع وجود زوجها.
ولعله كان في زمن حيضها.
١٢ - وفيه نوم الرجل مع أهله مع وجود بعض محارمها من غير مواقعة.
١٣ - أن المأموم يدور هو، ولا يدور الإمام.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
١٤ - أنَّ صلاة النفل يحرم فيها الكلام كالفرض، ولهذا لم يأمره النبي ﷺ أن ينتقل عن يمينه.
١٥ - وفيه أن المرور بين يدي المصلي لا يشرع؛ لأنَّ النبي ﷺ أداره من خلفه، ولم يدره بين يديه.
١٦ - وفيه أنَّ المشي القليل لمصلحة الصلاة لا يبطلها.
* * *
[ ٢ / ٥٩٦ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: