١٨١ - عن عائشة ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ - وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ -، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - مشروعية الصوم في السفر، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وذهب آخرون إلى عدم جواز ذلك، وأنَّ من صام فعليه القضاء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨): «ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر في رمضان: فإنَّ الأئمة الأربعة اتفقوا على جواز الأمرين وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنَّه لا يجوز إلَّا الفطر وأنَّه لو صام لم يجزئه. وزعموا أنَّ الإذن لهم في الصوم في السفر منسوخ بقوله: "ليس من البر الصيام في السفر". والصحيح ما عليه الأئمة. وليس في هذا الحديث ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر فإنَّه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن يكون جائزًا مباحًا والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح إذا أتى بالمأمور به. والمراد به كونه في السفر ليس من البر كما لو صام وعطش نفسه بأكل المالح أو صام وأضحى للشمس فإنَّه يقال: ليس من البر الصيام في الشمس ولهذا قال سفيان بن عيينة: معناه ليس من صام بأبر ممن لم يصم. ففي هذا ما دل على أنَّ الفطر أفضل فإنَّه آخر الأمرين من النبي ﷺ فإنَّه صام أولًا في
[ ٦ / ٤١١ ]
السفر؛ ثم أفطر فيه ومن كان يظن أنَّ الفطر في السفر نقص في الدين فهذا مبتدع ضال وإذا صام على هذا الوجه معتقدًا وجوب الصوم عليه وتحريم الفطر فقد أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة. وقد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أنَّ حمزة بن عمرو سأله؛ فقال: إنني رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس". فإذا فعل الرجل في السفر أيسر الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره فقد أحسن فإنَّ الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر. أمَّا إذا كان الصوم في السفر أشق عليه من تأخيره فالتأخير أفضل فإنَّ في الْمُسْنَد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته". وأخرجه بعضهم إمَّا ابن خزيمة وإمَّا غيره في صَحِيْحِهِ وهذه الصحاح مرتبتها دون مرتبة صحيحي البخاري ومسلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٣٦):
«وكذلك الصوم في السفر قيل: لا يجوز بل يجب الفطر والصحيح الذي عليه الجمهور جواز الأمرين. ثم قال كثير منهم إنَّ الصوم أفضل والصحيح أنَّ الفطر أفضل إلَّا لمصلحة راجحة وما قال أحد أنَّه لا يجوز الفطر كما يظنه بعض الجهال وهذا مبسوط في مواضع» اهـ.
وسئل ﵀ كما فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٠٩ - ٢١١):
«عن المسافر في رمضان ومن يصوم ينكر عليه وينسب إلى الجهل. ويقال له الفطر أفضل وما هو مسافة القصر: وهل إذا أنشأ السفر من يومه يفطر؟ وهل
[ ٦ / ٤١٢ ]
يفطر السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر؟ وما الفرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية؟
فأجاب:
الحمد لله، الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله. وتنازعوا في سفر المعصية كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك على قولين مشهورين كما تنازعوا في قصر الصلاة. فأمَّا السفر الذي تقصر فيه الصلاة فإنَّه يجوز فيه الفطر مع القضاء باتفاق الأئمة ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الْأُمة سواء كان قادرًا على الصيام أو عاجزًا وسواء شق عليه الصوم أو لم يشق بحيث لو كان مسافرًا في الظل والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر. ومن قال: إنَّ الفطر لا يجوز إلَّا لمن عجز عن الصيام فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلَّا قتل. وكذلك من أنكر على المفطر فإنَّه يستتاب من ذلك. ومن قال: إنَّ المفطر عليه إثم فإنَّه يستتاب من ذلك فإنَّ هذه الأحوال خلاف كتاب الله وخلاف سنة رسول الله ﷺ وخلاف إجماع الْأُمة.
وهكذا السنة للمسافر أنَّه يصلي الرباعية ركعتين والقصر أفضل له من التربيع عند الأئمة الأربعة: كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي في أصح قوليه. ولم تتنازع الْأُمة في جواز الفطر للمسافر؛ بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنَّ الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وإنَّه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف وأبي
[ ٦ / ٤١٣ ]
هريرة وغيرهما من السلف وهو مذهب أهل الظاهر. وفي الصحيحين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "ليس من البر الصوم في السفر". لكن مذهب الأئمة الأربعة أنَّه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر كما في الصحيحين عن أنس قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
وفي الْمُسْنَد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".
وفي الصحيح أنَّ رجلًا قال للنبي ﷺ إنِّي رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس". وفي حديث آخر: "خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون"» اهـ.
قُلْتُ: واحتج المانعون من الصيام في السفر بأدلة:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٣):
«وهذه آية محكمة بإجماع من أهل الإسلام لا منسوخة، ولا مخصوصة. فصح أنَّ الله تعالى لم يفرض صوم الشهر إلَّا على من شهده، ولا فرض على المريض،
[ ٦ / ٤١٤ ]
والمسافر إلَّا أيامًا أخر غير رمضان، وهذا نص جلي لا حيلة فيه، ولا يجوز لمن قال: إنَّما معنى ذلك إن أفطرا فيه، لأنَّها دعوى موضوعة بلا برهان قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقال في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٦) فقال: «قالوا: وأمَّا احتجاجكم بالآية وأنَّ الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي لا يجوز غيره فاستدلال باطل قطعًا؛ فإنَّ الذي أنزلت عليه هذه الآية وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم ولا يعتقده مسلم فعلم أنَّ المراد بها غير ما ذكرتم.
فإمَّا أن يكون المعنى فأفطر فعدة من أيام أخر كما قال الأكثرون، أو يكون المعنى فعدة من أيام أخر تجزي عنه وتقبل منه ونحو ذلك.
فما الذي أوجب تعيين التقدير بأنَّ عليه عدة من أيام أخر أو ففرضه ونحو ذلك وبالجملة ففعل من أنزلت عليه تَفْسِيْرُهَا وتبيين المراد منها وبالله التوفيق.
وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيها» اهـ.
الدليل الثاني: ما رواه مسلم (١١١٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ
[ ٦ / ٤١٥ ]
النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٣):
«إن كان صيامه ﵇ لرمضان فقد نسخه بقوله: "أولئك العصاة". وصار الفطر فرضًا والصوم معصية، ولا سبيل إلى خبر ناسخ لهذا أبدًا، وإن كان صيامه ﵇ تطوعًا فهذا أحرى للمنع من صيام رمضان لرمضان في السفر» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقال في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٥): «قالوا: وأمَّا قول النبي ﷺ: "أولئك العصاة". فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا.
ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فبلغه أنَّ الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعض فبلغه أنَّ ناسًا صاموا فقال: "أولئك العصاة". فالنبي ﷺ إنَّما أفطر بعد العصر ليقتدوا به فلما لم يقتد به بعضهم قال: "أولئك العصاة" ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقًا على المسافر» اهـ.
الدليل الثالث: ما رواه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ،
[ ٦ / ٤١٦ ]
فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ».
قال الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٤):
«وهذا مكشوف واضح. فإن قيل: إنَّما منع ﵇ في مثل حال ذلك الرجل قلنا: هذا باطل لا يجوز لأنَّ تلك الحال محرم البلوغ إليها باختيار المرء للصوم في الحضر كما هو في السفر فتخصيص النبي ﷺ بالمنع من الصيام في السفر إبطال لهذه الدعوى المفتراة عليه ﷺ وواجب أخذ كلامه ﵇ على عمومه» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقال في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٤) فقال: «قالوا: وأمَّا قوله: "ليس من البر الصيام في السفر". فهذا خرج على شخص معين رآه رسول الله ﷺ قد ظلل عليه وجهده الصوم فقال هذا القول أي: ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ وقد فسح الله له في الفطر، فالأخذ إنَّما يكون بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر.
وأيضًا فقوله: "ليس من البر". أي ليس هو أبر البر لأنَّه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوى عليه.
وقد يكون الفطر في السفر المباح برًا لأنَّ الله تعالى أباحه ورخص فيه وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه وما يحبه الله فهو بر فلم ينحصر البر في الصيام في السفر.
[ ٦ / ٤١٧ ]
وتكون من على هذا زائدة ويكون كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. وكقولك: ما جاءني من أحد. وفي هذا نظر.
وأحسن منه أن يقال: إنَّها ليست بزائدة بل هي على حالها والمعنى أنَّ الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتتنافسون عليه، فإنَّهم ظنوا أنَّ الصوم هو الذي يحبه الله ولا يحب سواه وأنَّه وحده البر الذي لا أبر منه فأخبرهم أنَّ الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه فإنَّه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه فيكون هو البر» اهـ.
الدليل الرابع: ما رواه النسائي (٢٢٥٨) أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَائِمٌ، قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا».
قُلْتُ: عبد الوهاب بن سعيد لم يوثقه معتبر. ومحمد بن عبد الرحمن يحتمل أن يكون ابن ثوبان، ويحتمل أن يكون محمد بن عبد الرحمن بن سعد وابن سعد إنَّما يروي الحديث عن جابر بواسطة محمد بن عمرو بن الحسن؛ ولهذا قال النسائي في [الْكُبْرَى] (٢/ ٩٩) بعد روايته لهذا الحديث:
«هذا خطأ ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر» اهـ.
[ ٦ / ٤١٨ ]
قُلْتُ: وهذا مما يرجح أنَّه ابن سعد بن زرارة.
ومما يرجح ذلك أنَّ الحديث رواه مسلم (١١١٥) فقال: وحَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ» قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ، لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ.
قُلْتُ: والإسناد الذي أشار إليه هو إسناد محمد بن عبد الرحمن بن سعد عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر.
وقد رواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢١٤٠) حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ».
لكن روى الحديث ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَلِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
[ ٦ / ٤١٩ ]
ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي سَفَرٍ، فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، يَرْشَحُ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فقَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا».
وَقَالَ ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٢٥٨): «وَفِي خَبَرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا"» اهـ.
ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢١٣٩) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا».
ورواه الفريابي في [الْصِّيَامِ] (٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ فِي سَفَرٍ، فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا».
[ ٦ / ٤٢٠ ]
قُلْتُ: فالذي يظهر لي أنَّ الحديث ثابت بالوجهين كما رجحه ابن القطان، ونسيان ابن كثير له لا يضر فكم من محدث حدث ثم نسي ما حدث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٦/ ٢٥٥):
«فهذا أمر بقبولها وأمره ﵊ فرض فهي رخصة مفترضة» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٥) فقال: «قالوا: وأمَّا قول النبي ﷺ: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها". فهذا يدل على أنَّ قبول المكلف لرخصة الله واجب وهذا حق فإنَّه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة وهذا عدوان منه ومعصية ولكن إذا قبلها فإن شاء أخذ بها وإن شاء أخذ بالعزيمة.
هذا مع أنَّ سياق الحديث يدل على أنَّ الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر» اهـ.
٢ - وفيه الإذن في الفطر في السفر.
وقد اختلف العلماء أيهما أفضل الفطر في السفر أم الصوم، فرجح الأول الْإِمَام أحمد، ورجح الآخر الأئمة الثلاثة.
قُلْتُ: والراجح عندي ما ذهب إليه الْإِمَام أحمد لعدة أدلة:
الدليل الأول: ما رواه مسلم (١١٢١) عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ».
[ ٦ / ٤٢١ ]
قُلْتُ: وما حكم فيه بأنَّه حسن، أفضل مما اقتصر فيه على نفي الإثم وهو الجناح؛ فإنَّ الحكم على عمل بأنَّه حسن يقتضي أنَّه مستحب، وأمَّا الحكم عليه بنفي الجناح فيقتضي إباحته وعدم حرمته.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ الفطر للمريض والمسافر من موافقة الله في إرادته، ولا يخفى أنَّ موافقة الله في إرادته أفضل من مخالفته.
وروى البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ».
وَقَالَ النبي ﷺ في وصيته لمعاذ وأبي موسى ﵄:
«يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَ». رواه البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
الدليل الثالث: أنَّ فطر النبي ﷺ في السفر هو آخر الأمرين، وذلك أنَّه أفطر في فتح مكة ثم لم يسافر بعدها في رمضان، وإنَّما يؤخذ من أحوال النبي ﷺ الأحدث فالأحدث؛ ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره.
[ ٦ / ٤٢٢ ]
الدليل الرابع: قول النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». متفق عليه من حديث جابر، وجاء عند مسلم وغيره: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» وقد سبق، وسيأتي في أحاديث العمدة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢١٨): «والبر هو العمل الصالح، فقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به» اهـ.
قُلْتُ: وفي اللفظ الآخر الأمر بقبول الرخصة وهذا يدل على أنَّ الفطر في السفر أفضل من الصيام.
الدليل الخامس: ما رواه البخاري (٢٩٩٦) حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا العَوَّامُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».
قُلْتُ: جاء في [الْعِلَلِ] (٧/ ٢٠٢) للدارقطني:
«وسئل عن حديث أبي بردة، عن أبي موسى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحًا".
[ ٦ / ٤٢٣ ]
فقال: يرويه إبراهيمبن إسماعيل السكسكي، عن أبي بردة، واختلف عنه؛ فرواه العوام بن حوشب، عن إبراهيم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وخالفه مسعر، فرواه عن إبراهيم السكسكي، عن أبي بردة قوله.
وَقَالَ أحمد بن أبي الحواري، عن حفص بن غياث، عن العوام، ومسعر، عن إبراهيم، عن أبي بردة، عن أبي موسى حمل حديث أحدهما على الآخر.
ومسعر لا يسنده، والعوام يسنده. ورواه أبو هشام الرفاعي، عن حفص، عن العوام، عن إبراهيم، عن ابن أبي أوفى.
والصواب حديث العوام، عن إبراهيم، عن أبي موسى» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢١٨): «فإذا سافر في رمضان وأفطر؛ كتب له صوم رمضان، ثم إذا قضاه؛ كتب له صوم القضاء؛ فلا يكون في الصوم زيادة فضل» اهـ.
٣ - ولم يحد النبي ﷺ للسفر الذي يفطر فيه الصائم حدًا معلومًا فيتناول الحديث كل ما يسمى سفرًا عرفًا طالت المسافة أو قصرت وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء وفي المسألة نزاع بين أهل العلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢١١ - ٢١٢): «وأمَّا مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنَّه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام وهو ستة عشر فرسخًا كما بين مكة وَعُسْفَانَ ومكة وَجُدَّةَ. وَقَالَ أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام.
[ ٦ / ٤٢٤ ]
وَقَالَ طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين. وهذا قول قوي فإنَّه قد ثبت أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يصلي بعرفة ومزدلفة ومنى يقصر الصلاة وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته لم يأمر أحدًا منهم بإتمام الصلاة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٤٦ - ٤٧): «وعرفة عن المسجد بريد كما ذكره الذين مسحوا ذلك وذكره الأزرقي في "أخبار مكة". فهذا قصر في سفر قدره بريد وهم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر وإنَّما كان غاية قصدهم بريدًا وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٩): «والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلَّا أن ينعقد الإجماع على خلافه» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ معلقًا على كلام ابن قدامة ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٤٤ - ٤٥):
«والمعلوم أنَّ الإجماع لم ينعقد على خلافه وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد: كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها. فإنَّ من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أنَّ الذين كانوا مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا ولم يفعلوا خلاف ذلك. ولم ينقل أحد قط عَنِ
[ ٦ / ٤٢٥ ]
النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال لا بعرفة ولا مزدلفة ولا منى: "يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنَّا قوم سفر" وإنَّما نقل أنَّه قال ذلك في نفس مكة» اهـ.
قُلْتُ: قول شيخ الإسلام: «مسيرة يومين قاصدين». وذلك أربعة برد، فإنَّ البريد يقدر بنصف يوم، ومقدار البريد بالفراسخ أربعة فراسخ، فالأربعة البرد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، فمقدار ذلك بالْأميال ثمانية وأربعون ميلًا، والميل قدره بعض المعاصرين بـ (١٨٤٨) مترًا، ومجموع ذلك (٨٨٧٠٤) مترًا، ومقداره بالكيلوات ٨٨ كيلواو ٧٠٤ مترًا.
وقدر الميل الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ بكيلو وستمائة متر، فتكون مسافة السفر على هذا ٦٧ كيلوًا و٨٠٠ مترًا.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ فِي [الصَّحِيْحَةِ] (١/ ٣٠٧):
«وهو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي ١٦٨٠ مترًا» اهـ.
قُلْتُ: وعلى هذا التقدير فإنَّ الأربعة البرد والستة عشر فرسخًا والثمانية والأربعين ميلًا ٨٠ من الكيلو مترات و٦٤٠ مترًا.
وجعلة اللجنة الدائمة مسافة السفر ٨٠ كيلوًا. وهذا مبني على أنَّ الميل ١٦٦٦ مترًا.
ومقدار الميل بالدقائق ثلاثون دقيقة أي نصف ساعة، ومقدار الفرسخ ساعة ونصف، ومقدار البريد ست ساعات، ومقدار الأربعة برد أربع وعشرون ساعة وهي منقسمة على يومين في كل يوم اثنا عشر ساعة فإنَّ المسافر يسير في النهار ويبيت في الليل.
[ ٦ / ٤٢٦ ]
وقد أنكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ تحديد السفر بالْأميال والفراسخ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٩ - ٤١):
«وأيضًا فالتحديد بالْأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض وهذا أمر لا يعلمه إلَّا خاصة الناس. ومن ذكره فإنَّما يخبر به عن غيره تقليدًا وليس هو مما يقطع به. والنبي ﷺ لم يقدر الأرض بمساحة أصلًا فكيف يقدر الشارع لأمته حدًا لم يجر له ذكر في كلامه وهو مبعوث إلى جميع الناس فلا بد أن يكون مقدار السفر معلومًا علمًا عامًا وذرع الأرض مما لا يمكن؛ بل هو إمَّا متعذر وإمَّا متعسر؛ لأنَّه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنَّما يمسحونه على خط مستو أو خطوط منحنية انحناء مضبوطًا ومعلوم أنَّ المسافرين قد يعرفون غير تلك الطريق وقد يسلكون غيرها وقد يكون في المسافة صعود وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته والسبب الموجب هو نفس السفر لا نفس مساحة الأرض. والموجود في كلام النبي ﷺ والصحابة في تقدير الأرض بالأزمنة كقوله في الحوض: "طوله شهر وعرضه شهر" وقوله: "بين السماء والأرض خمسمائة سنة" وفي حديث آخر "إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة" فقيل الأول بالسير المعتاد سير الإبل والأقدام والثاني سير البريد؛ فإنَّه في العادة يقطع بقدر المعتاد سبع مرات. وكذلك الصحابة يقولون يوم تام ويومان؛ ولهذا قال من حده بثمانية وأربعين ميلًا: مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام لكن هذا لا دليل عليه. وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف فما كان
[ ٦ / ٤٢٧ ]
سفرًا في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة؛ فإنَّ هذه المسافة بريد وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة؛ والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام وهو ربع مسافة يومين وليلتين وهو الذي قد يسمى مسافة القصر وهو الذي يمكن الذاهب إليها أن يرجع من يومه». إلى آخر كلامه ﵀.
وقد حرر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ معنى السفر تحريرًا نفيسًا فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١١٩ - ١٢٢): «وعلى هذا فالمسافر لم يكن مسافرًا لقطعه مسافة محدودة ولا لقطعه أيامًا محدودة بل كان مسافرًا لجنس العمل الذي هو سفر وقد يكون مسافرًا من مسافة قريبة ولا يكون مسافرًا من أبعد منها: مثل أن يركب فرسًا سابقًا ويسير مسافة بريد ثم يرجع من ساعته إلى بلده فهذا ليس مسافرًا. وإن قطع هذه المسافة في يوم وليلة ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد كان مسافرًا كما كان سفر أهل مكة إلى عرفة. ولو ركب رجل فرسًا سابقًا إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافرًا. يدل على ذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لما قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن - والمقيم يومًا وليلة" فلو قطع بريدًا في ثلاثة أيام كان مسافرًا ثلاثة أيام ولياليهن فيجب أن يمسح مسح سفر ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافرًا. فالنبي ﷺ إنَّما اعتبر أنَّ يسافر ثلاثة أيام سواء كان سفره حثيثًا أو بطيئًا سواء كانت الأيام طوالًا أو قصارًا ومن قدره بثلاثة أيام أو يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والأقدام وجعلوا المسافة الواحدة حدًا يشترك فيه جميع الناس حتى لو قطعها في يوم
[ ٦ / ٤٢٨ ]
جعلوه مسافرًا ولو قطع ما دونها في عشرة أيام لم يجعلوه مسافرًا وهذا مخالف لكلام النبي ﷺ.
وأيضًا فالنبي ﷺ في ذهابه إلى قباء والعوالي وأحد ومجيء أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنَّما كانوا يسيرون في عمران بين الأبنية والحوائط التي هي النخيل وتلك مواضع الإقامة لا مواضع السفر والمسافر لا بد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء؛ فإنَّ لفظ "السفر" يدل على ذلك. يقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن لا يكون مسافرًا قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، وَقَالَ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾. فجعل الناس قسمين: أهل المدينة والأعراب. والأعراب هم أهل العمود وأهل المدينة هم أهل المدر. فجميع من كان ساكنًا في مدر كان من أهل المدينة ولم يكن للمدينة سور يتميز به داخلها من خارجها؛ بل كانت محال محال. وتسمى المحلة دارًا والمحلة القرية الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل والمقابر ليست أبنية متصلة فبنو مالك بن النجار في قريتهم حوالي دورهم: أموالهم ونخيلهم وبنو عدي بن النجار دارهم كذلك وبنو مازن بن النجار كذلك وبنو سالم كذلك وبنو ساعدة كذلك وبنو الحارث بن الخزرج كذلك وبنو عمرو بن عوف كذلك وبنو عبد الأشهل كذلك وسائر بطون الأنصار كذلك كما قال النبي ﷺ: "خير دور الأنصار دار بني النجار ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني الحارث ثم
[ ٦ / ٤٢٩ ]
دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير" وكان النبي ﷺ قد نزل في بني مالك بن النجار وهناك بنى مسجده وكان حائطًا لبعض بني النجار: فيه نخل وخرب وقبور فأمر بالنخل فقطعت وبالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبنى مسجده هناك وكانت سائر دور الأنصار حول ذلك.
قال ابن حزم: ولم يكن هناك مصر. قال: وهذا أمر لا يجهله أحد بل هو نقل الكوافي عن الكوافي وذلك كله مدينة واحدة كما جعل الله الناس نوعين: أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب. فمن ليس من الأعراب فهو من أهل المدينة لم يجعل للمدينة داخلًا وخارجًا وسورًا وربضًا كما يقال مثل ذلك في المدائن المسورة وقد جعل النبي ﷺ حرم المدينة بريدًا في بريد والمدينة بين لابتين واللابة الأرض التي ترابها حجارة سود وقال: "ما بين لابتيها حرم" فما بين لابتيها كله من المدينة وهو حرم فهذا بريد لا يكون الضارب فيه مسافرًا. وإن كان المكي إذا خرج إلى عرفات مسافرًا فعرفة ومزدلفة ومنى صحارى خارجة عن مكة ليست كالعوالي من المدينة. وهذا أيضًا مما يبين أنَّه لا اعتبار بمسافة محدودة؛ فإنَّ المسافر في المصر الْكَبِيْر لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافرًا والمسافر عن القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرًا فعلم أنَّه لا بد أن يقصد بقعة يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان ما بين المكانين صحراء لا مساكن فيها يحمل فيها الزاد والمزاد فهو مسافر وإن وجد الزاد والمزاد بالمكان الذي يقصده. وكان عثمان جعل حكم المكان الذي يقصده حكم طريقه فلا بد أن يعدم فيه الزاد والمزاد وخالفه أكثر علماء الصحابة وقولهم أرجح فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قصر بمكة عام فتح مكة وفيها الزاد والمزاد وإذا كانت منى قرية فيها
[ ٦ / ٤٣٠ ]
زاد ومزاد فبينها وبين مكة صحراء يكون مسافرًا من يقطعها كما كان بين مكة وغيرها ولكن عثمان قد تأول في قصر النبي ﷺ بمكة أنَّه كان خائفًا لأنَّه لما فتح مكة والكفار كثيرون وكان قد بلغه أنَّ هوازن جمعت له. وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو وهذا كما يحكى عن عثمان أنَّه يعني النبي ﷺ إنَّما أمرهم بالمتعة لأنَّهم كانوا خائفين. وخالفه علي وعمران بن حصين وابن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة. وقولهم هو الراجح» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٤/ ١٣٤ - ١٣٥):
«فالتحديد بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقًا بشيء لا يعرفونه ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي ﷺ ولا قدر النبي ﷺ الأرض لا بأميال ولا فراسخ والرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرًا وإن كانت المسافة أقل من ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنَّه لا يكون في ذلك مسافرًا؛ فإنَّ الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني. فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا. فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفرًا لأجله. والعمل لا يكون إلَّا في زمان فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافرًا وإن لم تكن المسافة بعيدة وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم
[ ٦ / ٤٣١ ]
يسم سفرًا وإن بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرًا ولا يكون العمل إلَّا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر ولا يكون ذلك إلَّا في مكان يسفر عن الْأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم ليس له حد في الشرع ولا اللغة بل ما سموه سفرًا فهو سفر» اهـ.
قُلْتُ: أقل مسافة ثبت فيها القصر في السنة هي البريد كقصر أهل مكة في سفرهم إلى عرفة.
وروى مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا».
وجاء بلفظ اليوم فيما رواه مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وجاء بلفظ اليوم والليلة فيما رواه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا».
وجاء في أقل من ذلك وهو البريد ففي رواية أبي داود (١٧٢٧) لحديث أبي هريرة السابق: «بَرِيدًا».
وَإِسَنَادُهَا ظَاهِرُهُ الحُسْنُ. وهو من رواية سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
لكن سهيل صدوق تغير حفظه بأخرة ولم يضبط الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢١/ ٥٣):
[ ٦ / ٤٣٢ ]
«وَالْأَلْفَاظُ عَنْ سُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ مِنْ رِوَايَتِهِ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٨/ ٥٣٢):
«وَرَوَاهُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ:
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْهُ لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيدًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَوْمًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَوْمَيْنِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ثَلَاثَةً.
وَالْأَلْفَاظُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا» اهـ.
قُلْتُ: وقد خالف سهيل الثقات من أصحاب سعيد المقبري فقد رووه بغير هذا اللفظ ومنهم:
ابن أبي ذئب فروى البخاري (١٠٨٨) عَنٍ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ».
وهو عند مسلم (١٣٣٩) بلفظ يوم ولم يذكر ليلة.
والليث بن سعد وقد روى حديثه مسلم (١٣٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
[ ٦ / ٤٣٣ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا».
ومالك بن أنس فروى مسلم (١٣٣٩) فقال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا».
قُلْتُ: وجاء خارج الصحيح عن غير هؤلاء الثلاثة فلا يظهر لي ثبوت لفظة البريد في حديث أبي هريرة لكن يكفي في ذلك قصر أهل مكة في مسافة بريد في حجة الوداع.
وهذا يدل أنَّ البريد يكون سفرًا، واليوم والليلة قد تكون سفرًا، وهكذا اليوم يكون سفرًا، وهكذا الليلة تكون سفرًا ففيه رد على من حد السفر بيومين قاصدين كمذهب الجمهور أو بثلاثة أيام كمذهب أبي حنيفة.
لكنها لا تدل على أنَّ السفر لا يكون بأقل من ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٤٦ - ٤٩): «وعرفة عن المسجد بريد كما ذكره الذين مسحوا ذلك وذكره الأزرقي في " أخبار مكة ". فهذا قصر في سفر قدره بريد وهم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر وإنَّما كان غاية قصدهم بريدًا وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلَّا لمسافر فعلم أنهم كانوا مسافرين والمقيم إذا اقتدى بمسافر فإنَّه يصلي أربعًا كما قال النبي ﷺ لأهل مكة في مكة: "أتموا صلاتكم
[ ٦ / ٤٣٤ ]
فإنَّا قوم سفر". وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء ولكن في مذهب مالك نزاع.
الدليل الثاني: أنَّه قد نهى أن تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم أو زوج: تارة يقدر. وتارة يطلق. وأقل ما روي في التقدير بريد فدل ذلك على أنَّ البريد يكون سفرًا. كما أنَّ الثلاثة الأيام تكون سفرًا واليومين تكون سفرًا واليوم يكون سفرًا.
هذه الأحاديث ليس لها مفهوم؛ بل نهى عن هذا وهذا وهذا.
الدليل الثالث: أنَّ السفر لم يحده الشارع وليس له حد في اللغة فرجع فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه فما كان عندهم سفرًا فهو سفر والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصده ويعود إلى وطنه وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها ويرجع في نصفها وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة "الشهادة على الشهادة" و"كتاب القاضي إلى القاضي" و"العدو على الخصم" و"الحضانة" وغير ذلك مما هو معروف في موضعه. وهو أحد القولين في مذهب أحمد. فلو كانت المسافة محدودة لكان حدها بالبريد أجود؛ لكن الصواب أنَّ السفر ليس محددًا بمسافة؛ بل يختلف فيكون مسافرًا في مسافة بريد وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا.
الدليل الرابع: أنَّ المسافر رخص الله له أن يفطر في رمضان وأقل الفطر يوم ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع في يوم فيحتاج إلى الفطر في شهر رمضان ويحتاج أن يقصر الصلاة؛ بخلاف ما دون ذلك فإنَّه قد لا يحتاج فيه إلى قصر ولا فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال. وإذا كان غدوه يومًا ورواحه يومًا
[ ٦ / ٤٣٥ ]
فإنَّه يحتاج إلى القصر والفطر وهذا قد يقتضي أنَّه قد يرخص له أن يقصر ويفطر في بريد وإن كان قد لا يرخص له في أكثر منه إذا لم يعد مسافرًا.
الدليل الخامس: أنَّه ليس تحديد من حد المسافة بثلاثة أيام بأولى ممن حدها بيومين ولا اليومان بأولى من يوم فوجب ألا يكون لها حد بل كل ما يسمى سفرًا يشرع فيه ذلك. وقد ثبت بالسنة القصر في مسافة بريد فعلم أنَ في الأسفار ما قد يكون بريدًا وأدنى ما يسمى سفرًا في كلام الشارع البريد.
وأمَّا ما دون البريد كالميل فقد ثبت في الصحيحين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنّه كان يأتي قباء كل سبت وكان يأتيه راكبًا وماشيًا. ولا ريب أنَّ أهل قباء وغيرهم من أهل العوالي كانوا يأتون إلى النبي ﷺ بالمدينة ولم يقصر الصلاة هو ولا هم وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ولا يقصرون الصلاة والجمعة على من سمع النداء والنداء قد يسمع من فرسخ وليس كل من وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر والعوالي بعضها من المدينة وإن كان اسم المدينة يتناول جميع المساكن كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾» اهـ.
وروى مسلم (٦٩١) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
[ ٦ / ٤٣٦ ]
وهذا قصر في أقل من بريد فإن قيل: لكنه ليس بصريح في أنَّ ذلك كان منتهى سفره.
فقد قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٣١): «ولم ير أنس أن يقطع من المسافة الطويلة هذا؛ لأنَّ السائل سأله عن قصر الصلاة وهو سؤال عمَّا يقصر فيه؛ ليس سؤالًا عن أول صلاة يقصرها. ثم إنَّه لم يقل أحد: إنَّ أول صلاة لا يقصرها إلَّا في ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك فليس في هذا جواب لو كان المراد ذلك ولم يقل ذلك أحد فدل على أنَّ أنسًا أراد أنَّه من سافر هذه المسافة قصر، ثم ما أخبر به عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فعل من النبي ﷺ لم يبين هل كان ذلك الخروج هو السفر أو كان ذلك هو الذي قطعه من السفر فإن كان أراد به أن ذلك كان سفره فهو نص، وإن كان ذلك الذي قطعه من السفر فأنس بن مالك استدل بذلك على أنَّه يقصر إليه إذا كان هو السفر: يقول: إنَّه لا يقصر إلَّا في السفر فلولا أن قطع هذه المسافة سفر لما قصر. وهذا يوافق قول من يقول: لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفرًا لا يكفي مجرد قصده المسافة التي هي سفر وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٥٦٧):
«وحكى النووي أنَّ أهل الظاهر ذهبوا إلى أنَّ أقل مسافة القصر ثلاثة أميال وكأنَّهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس قال: كان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر
[ ٦ / ٤٣٧ ]
الصلاة وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه وقد حمله من خالفه على أنَّ المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أنَّ البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أنَّ يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال سألت أنسًا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس. فذكر الحديث. فظهر أنَّه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه ثم إنَّ الصحيح في ذلك أنَّه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها» اهـ.
وأمَّا الآثار عن الصحابة في مشروعية القصر في المسافات القريبة فقد جاء ذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
فروى ابن حزم في [الْمُحَلَّى] (٥/ ٨) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: سَمِعْت جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «لَوْ خَرَجْتُ مِيلًا قَصَرْت الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إذا كان الإسناد من ابن حزم إلى ابن المثنى صحيحًا.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٣)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «إِنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٣٤):
«وقول ابن عمر: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة. هو كقوله: إنِّي لأسافر الساعة من النهار فأقصر وهذا إمَّا أن يريد به ما يقطعه من المسافة التي يقصدها
[ ٦ / ٤٣٨ ]
فيكون قصده إنِّي لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة وهذا قول جماهير العلماء إلَّا من يقول إذا سافر نهارًا لم يقصر إلى الليل. وقد احتج العلماء على هؤلاء بأنَّ النبي ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين وقد يحمل حديث أنس على هذا لكن فعله يدل على المعنى الأول أو يكون مراد ابن عمر من سافر قصر ولو كان قصده هذه المسافة إذا كان في صحراء بحيث يكون مسافرًا لا يكون متنقلًا بين المساكن؛ فإنَّ هذا ليس بمسافر باتفاق الناس» اهـ.
وروى ابن شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٦٨، ١٣٧٣١) حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ «كَانَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى قَصَرَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهذا قصر في فرسخ وهو ثلاثة أميال لكن حمله ابن أبي شيبة في القصر في الحج فقد بوَّب عليه بقوله: (في المكي يقصر الصلاة في الحج، أم لا).
وجاء عنه خلاف ذلك.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٥) عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ويمكن أن يحمل أنَّه عاد من يومه.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٣٤٠) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ».
[ ٦ / ٤٣٩ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢١٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٠٠) عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ».
قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ أَرْبَعٍ كَذَا بُرُدٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه أيضًا (٤٢٩٣) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ رَجُلٍ - أَحْسَبُهُ نَاقَةً - فَخَرَجَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقَصَرَ الصَّلَاةَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ تَامٍّ أَوْ أَرْبَعٍ، كَذَا، بُرُدٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: «كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٠٢)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَدْنَى مَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَيْهِ مَالٌ لَهُ يُطَالِعُهُ مِنْ خَيْبَرَ، وَهِيَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ قَوَاصِدَ، لَمْ يَكُنْ
[ ٦ / ٤٤٠ ]
يَقْصُرُ فِيمَا دُونَهُ، قُلْتُ: وَكَمْ خَيْبَرُ؟ قَالَ: ثَلَاثُ قَوَاصِدَ، قُلْتُ: فَالطَّائِفُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنَ السِّهْلَةِ وَأَنْفَسُ قَلِيلًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهذا قول غريب من نافع فقد ثبت عنه فيما مضى أنَّ ابن عمر كان يقصر في اليوم التام، وثبت عنه في أربعة برد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٣٠): «هذا النفي وهو أنَّه لم يقصر فيما دون ذلك غلط قطعًا ليس هذا حكاية عن قوله حتى يقال إنَّه اختلف اجتهاده بل نفي لقصره فيما دون ذلك وقد ثبت عنه بالرواية الصحيحة مِنْ طَرِيْقِ نافع وغيره: أنَّه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون غلطًا. فمن روى عن أيوب إن قدر أنَّ نافعًا روى هذا فيكون حين حدث بهذا قد نسي أنَّ ابن عمر قصر فيما دون ذلك فإنَّه قد ثبت عن نافع عنه أنَّه قصر فيما دون ذلك» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٠٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خُلَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ».
قُلْتُ: لكنه لا يثبت محمد بن زيد بن خليدة مجهول الحال.
وهذا الآثار عن ابن عمر لا تعارض فيها لأنَّها حكاية فعل، فكل راوٍ روى عنه ما علمه وشاهده من فعله.
[ ٦ / ٤٤١ ]
وهكذا جاءت في ذلك آثار عن عبد الله بن عباس ﵁ مخالفه لما ذهب إليه الجمهور منها:
ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٦)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٤) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى عَرَفَةَ أَوْ إِلَى مِنًى؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ إِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى جُدَّةَ، وَلَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ، وَلَا تَقْصُرْ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ، فَإِنْ ذَهَبْتَ إِلَى الطَّائِفِ أَوْ إِلَى جُدَّةَ أَوْ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَرْضِ، إِلَى أَرْضٍ لَكَ أَوْ مَاشِيَةٍ فَاقْصُرِ الصَّلَاةَ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَأَوْفِ».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٣١) حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «تَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي الْيَوْمِ التَّامِّ، وَلَا تَقْصُرُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وفيه القصر في اليوم التام ولم يقل: مسيرة يوم تام.
لكن قد يقال أنَّه أراد مسيرة اليوم ودليل ذلك أنَّه لم يأذن بالقصر لمن سار إلى عرفة ومنى، وذلك أنَّ بين مكة وعرفة مسيرة نصف يوم وليس هذا بيوم تام.
وقد يقال أراد اليوم ولم يرد مسيرة يوم، ونهيه عن القصر في عرفة وارد في حق من ذهب إليها ورجع من يومه كما سيأتي في كلام شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢١٩) مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا سَافَرْتَ يَوْمًا إِلَى الْعِشَاءِ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ، فَإِنْ زِدْتَ فَاقْصُرْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وفي هذا الأثر اعتبر ابن عباس في القصر أن يسافر يومًا إلى بعد العشاء، ولم يقل: مسيرة يوم إلى بعد العشاء، فيشمل ذلك المسافة القصيرة إذا سارها الشخص بمثل هذه المدة.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢١٧) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: شُبَيْلٌ، عَنْ أَبِي حُرَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إِلَى الْأَيْلَةِ؟ فَقَالَ: «تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فِي يَوْمٍ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا إِلَّا فِي يَوْمٍ مُتَاحٍ».
قُلْتُ: في إسناده أبو حبرة واسمه شيحة بن عبد الله الضبعي مجهول الحال.
لكن جاء الأثر في [الْمُحَلَّى] (٣/ ١٩٦) عن أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ واسمه نصر بن عمران وهو ثقة ثبت.
وجاء عنه ما يوافق مذهب الجمهور.
من ذلك ما رواه الشافعي في [مُسْنَدِه] (٥٢٦)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥١٨٢)، و[الْمَعْرِفَة] (١٦٣٤).
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ: أَتُقْصَرُ الصَّلاةُ إِلَى عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «لا، وَلَكِنْ إِلَى عُسْفَانَ وَإِلَى جُدَّةَ وَإِلَى الطَّائِفِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
وبين مكة وعسفان وجدة والطائف أربعة برد وهي مسيرة يومين قاصدين.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إِلَى عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَقْصُرُ إِلَى مَرٍّ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَقْصُرُ إِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى عُسْفَانَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا» وَعَقَدَ بِيَدِهِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٩٧)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا تَقْصُرْ إِلَى عَرَفَةَ، وَبَطْنِ نَخْلَةٍ، وَاقْصُرْ إِلَى عُسْفَانَ، وَالطَّائِفِ، وَجُدَّةَ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَأَتِمَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٢٤ - ١٢٦): «قُلْتُ: نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من يومه إلى مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من الروايات عنه. ويؤيد ذلك أنَّ ابن عباس لا يخفى عليه أنَّ أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الحج إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى وابن عباس من أعلم الناس بالسنة فلا يخفى عليه مثل ذلك وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج إلى عرفة ومزدلفة كطاووس وغيره. وابن عيينة نفسه الذي روى هذا الأثر عن ابن عباس كان يقصر إلى عرفة في الحج وكان أصحاب ابن عباس كطاووس يقول أحدهم: أترى الناس - يعني أهل مكة - صلوا في الموسم
[ ٦ / ٤٤٤ ]
خلاف صلاة رسول الله ﷺ؟ وهذه حجة قاطعة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقًا كثيرًا وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه وإنَّما صلى بمنى أيام منى قصرًا والناس كلهم يصلون خلفه: أهل مكة وسائر المسلمين لم يأمر أحدًا منهم أن يتم صلاته ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل مكة وغيرهم كذلك ولا يأمران أحدًا بإتمام مع أنَّه قد صح عن عمر بن الخطاب أنَّه لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم. فإنَّا قوم سفر. وهذا مروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أهل مكة عام الفتح لا في حجة الوداع؛ فإنَّه في حجة الوداع لم يكن يصلي في مكة بل كان يصلي بمنزله. وقد رواه أبو داود وغيره وفي إسناده مقال.
والمقصود أنَّ من تدبر صلاة النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة ومنى بأهل مكة وغيرهم وأنَّه لم ينقل مسلم قط عنه أنَّه أمرهم بإتمام: علم قطعًا أنَّهم كانوا يقصرون خلفه وهذا من العلم العام الذي لا يخفى على ابن عباس ولا غيره؛ ولهذا لم يعلم أحد من الصحابة أمر أهل مكة أن يتموا خلف الْإِمَام إذا صلى ركعتين فدل هذا على أنَّ ابن عباس إنَّما أجاب به من سأله إذا سافر إلى منى أو عرفة سفرًا لا ينزل فيه بمنى وعرفة؛ بل يرجع من يومه فهذا لا يقصر عنده؛ لأنَّه قد بين أنَّ من ذهب ورجع من يومه لا يقصر وإنَّما يقصر من سافر يومًا ولم يقل: مسيرة يوم؛ بل اعتبر أن يكون السفر يومًا وقد استفاض عنه جواز القصر إلى عسفان. وقد ذكر ابن حزم أنَّها اثنان وثلاثون ميلًا وغيره يقول: أربعة برد
[ ٦ / ٤٤٥ ]
ثمانية وأربعون ميلًا. والذين حدوها ثمانية وأربعين ميلًا عمدتهم قول ابن عباس وابن عمر وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك فلو لم يكن إلَّا قولهما لم يجز أن يؤخذ ببعض أقوالهما دون بعض؛ بل إمَّا أن يجمع بينهما وإمَّا أن يطلب دليل آخر. فكيف والآثار عن الصحابة أنواع أخر» اهـ.
قُلْتُ: ومن الآثار عن ابن عباس في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٠٣)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٥)، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان.
واليوم والليلة أربعة برد.
لكن ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٠٤٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أُرَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ».
ورواه أيضًا (١٠٤١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ: أُرَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ».
فهذا عبد الله بن إدريس جعله من قول عكرمة وهو أوثق من علي بن مسهر، وابن مسهر قال فيه الحافظ ابن حجر رحمه: «ثقة له غرائب بعد أن أضر».
[ ٦ / ٤٤٦ ]
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٢٠) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: «كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وعلى كل حال الآثار عن الصحابة في ذلك مختلفة، وما قرره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فيما مضى هو أصح ما يقال في ذلك، وبناءً على ذلك فينظر في السفر إلى أمرين:
الأول: مجاوزة بنيان البلدة وذلك يكون بمجاوزة كل ما دخل في مسمى البلدة من القبائل والعشائر المتفرقة.
الآخر: أن لا يرجع من يومه إلى بلده.
إذا تبيَّن هذا فإذا سافر شخص إلى البلاد البعيدة عن طريق الطائرات ورجع من يومه فلا يعد مسافرًا.
فإنَّ السفر لا ينظر فيه إلى قطع مسافة من الأرض يصير بها مسافرًا كما قرر ذلك شيخ الإسلام فيما مضى.
وأمَّا ما رواه الدارقطني (١٤٤٧)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١١١٦٢) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسْفَانَ». فلا يصح فعبد الوهاب بن مجاهد متروك.
[ ٦ / ٤٤٧ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٢٧): «وَهَذَا مَا يَعْلَمُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَفَتَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا حَدَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ دُونَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ وَدُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ صَلَّوْا خَلْفَهُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ ﷺ قَطُّ السَّفَرَ بِمَسَافَةٍ لَا بَرِيدٍ وَلَا غَيْرِ بَرِيدٍ وَلَا حَدَّهَا بِزَمَانِ» اهـ.
٤ - وإذن النبي ﷺ في الفطر للمسافر يشمل كل من كان في سفر فيدخل في ذلك من أنشأ سفرًا في أثناء النهار فإنَّ له أن يفطر فيه على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٥٩):
«الثالث: أنَّ يسافر في أثناء يوم من رمضان، فحكمه في اليوم الثاني كمن سافر ليلًا، وفي إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه، عن أحمد روايتان؛ إحداهما، له أن يفطر.
وهو قول عمرو بن شرحبيل، والشعبي، وإسحاق، وداود، وابن المنذر؛ لما روى عبيد بن جبير، قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب، قُلْتُ: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ؟ فأكل. رواه أبو داود.
[ ٦ / ٤٤٨ ]
ولأنَّ السفر معنى لو وجد ليلًا واستمر في النهار لأباح الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، ولأنَّه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فأباحه في أثناء النهار كالآخر.
والرواية الثانية، لا يباح له الفطر ذلك اليوم، وهو قول مكحول، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر، كالصلاة، والأول أصح؛ للخبر، ولأنَّ الصوم يفارق الصلاة فإنَّ الصلاة يلزم إتمامها بنيته، بخلاف الصوم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢١٢): «وإذا سافر في أثناء يوم فهل يجوز له الفطر؟ على قولين مشهورين للعلماء هما روايتان عن أحمد. أظهرهما: أنَّه يجوز ذلك. كما ثبت في السنن أنَّ من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه ويذكر أنَّ ذلك سنة النبي ﷺ وقد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نوى الصوم في السفر ثم إنَّه دعا بماء فأفطر والناس ينظرون إليه.
وأمَّا اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والْأُمة» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي بصرة الغفاري رواه أحمد (٢٧٢٧٥، ٢٧٢٧٦، ٢٧٢٧٧)، وأبو داود (٢٤١٢) مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ ذُهْلٍ الْحَضْرَمِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُبَيْدٍ، قَالَ: جَعْفَرٌ بْنُ جَبْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ
[ ٦ / ٤٤٩ ]
النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، فَرُفِعَ ثُمَّ قُرِّبَ غَدَاهُ، قَالَ جَعْفَرٌ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمْ يُجَاوِزِ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ، قَالَ: اقْتَرِبْ قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ، قَالَ أَبُو بَصْرَةَ «أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: كليب بن ذهل مجهول لم يوثقه معتبر. لكن يشهد له ما رواه أحمد (٢٧٢٧٤)، وأبو داود (٢٤١٣) مِنْ طَرِيْقِ اللَّيْثِ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ، أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ، مِنَ الْفُسْطَاطِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ، قَالَ: «وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ، إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ»، يَقُولُ: ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ».
قُلْتُ: منصور الكلبي مجهول.
وهل يدخل في ذلك من علم أنَّه يقدم إلى بلده في أثناء النهار. فيه نزاع بين العلماء والصحيح أنَّ الصيام في حقه واجب، وذلك أنَّه اجتمع في حقه في يوم واحد ما يبيح له الفطر وهو السفر، وما يوجب عليه الصيام وهو الإقامة فتغلب العزيمة على الرخصة، ويصير الصيام في حقه واجب لأنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب. وهذه رواية عن أحمد، وأمَّا جمهور العلماء فأجازوا له الفطر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٢٨):
[ ٦ / ٤٥٠ ]
«ولو علم الصبي أنَّه يبلغ في أثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنَّه يقدم، لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما؛ لأنَّ سبب الرخصة موجود، فيثبت حكمها، كما لو لم يعلما ذلك» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٦١): «ووجه الأولى: أنَّ الفطر في الحضر غير جائز أصلًا، بل يجب الصوم فيه، ولا يمكن الصوم فيه؛ إلَّا أن يبيت النية من الليل، وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب؛ ولأنَّ الصوم واجب في ذمة المسافر، وإنَّما أجيز له تأخير الفعل إذا كان مسافرًا، فإذا علم أنَّه يقدم في أثناء اليوم؛ فقد أخرَّ الصوم بدون سبب الرخصة، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الصبي؛ فإنَّه لم يجب عليه شيء قبل البلوغ» اهـ.
٥ - ويتناول الحديث أيضًا من أفطر في أثناء يوم صام فيه في سفره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٦١):
«فصل: وإن نوى المسافر الصوم في سفره، ثم بدا له أن يفطر، فله ذلك.
واختلف قول الشافعي فيه، فقال مرة: لا يجوز له الفطر، وَقَالَ مرة أخرى: إن صح حديث الكديد لم أر به بأسًا أن يفطر.
وَقَالَ مالك: إن أفطر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنَّه أفطر في صوم رمضان، فلزمه ذلك، كما لو كان حاضرًا.
ولنا، حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح متفق عليه.
[ ٦ / ٤٥١ ]
وروى جابر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خرج عام الفتح، فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إنَّ الناس قد شق عليهم الصيام، وإنَّ الناس ينظرون ما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أنَّ ناسًا صاموا، فقال: أولئك العصاة. رواه مسلم.
وهذا نص صريح لا يعرج على من خالفه» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عباس رواه البخاري (١٩٤٤)، ومسلم (١١١٣) عَنْهُ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ، أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ».
٦ - وظاهر الحديث أنَّ الفطر إنَّما يكون في السفر فلا يجوز لمن عزم على السفر أن يفطر قبل مغادرته لبنيان البلد؛ لأنَّه لا يعد حينئذ مسافرًا حتى يتجاوز البنيان، وفيها نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٥٩ - ٦٠):
«إذا ثبت هذا فإنَّه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، يعني أنَّه يجاوزها ويخرج من بين بنيانها.
وَقَالَ الحسن: يفطر في بيته، إن شاء، يوم يريد أن يخرج. وروي نحوه عن عطاء.
قال ابن عبد البر: قول الحسن قول شاذ، وليس الفطر لأحد في الحضر في نظر ولا أثر. وقد روي عن الحسن خلافه.
[ ٦ / ٤٥٢ ]
وقد روى محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد السفر، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب.
قال الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ولنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرًا حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة.
فأمَّا أنس فيحتمل أنَّه قد كان برز من البلد خارجًا منه، فأتاه محمد بن كعب في منزله ذلك» اهـ.
قُلْتُ: حديث أنس رواه الترمذي (٧٩٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ: «سُنَّةٌ» ثُمَّ رَكِبَ.
قُلْتُ: عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي لا يحتج بحديثه لكن تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير عند الترمذي (٨٠٠) ولم يسق لفظ حديثه.
وقد ساق لفظ حديثه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٢٩١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٩٦٩) فرويا مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ
[ ٦ / ٤٥٣ ]
السَّفَرَ وَقَدْ رُحِلَتْ دَابَّتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ رَكِبَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟، قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٩٠٤٣) حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ، نَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، وَثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ يَشُكُّونَ فِيهِ رَمَضَانَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسَلِّمَ عَلَيْهِ، «فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ»، فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي تَصْنَعُ سُنَّةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ اهـ.
قُلْتُ: هكذا روى الحديث يحيى بن أيوب العلاف عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن جعفر بن أبي كثير وجعل الحديث في يوم الشك. وقد خالفه في ذلك الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي عند البيهقي، وإسماعيل بن إسحاق بن سهل عند الْدَارَقُطْنِي، وحديثهما هو المحفوظ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٣/ ٧٣ - ٧٤):
«وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عبدُ العزيز الدَّراوَرْدي، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلَم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنكَدِر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْب: أَنَّهُ أَتَى أنسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يريدُ سَفَرًا، فوجدَه قَدْ رُحِّلَتْ راحِلَتُه، ولبسَ ثيابَ السَّفر، فَدَعَا بِطَعَامٍ فأكَل، فقُلنا: أَسُنَّةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بسُنَّة.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بن عبد الرحمن بْنِ مُجَبَّر، عَنِ ابْنِ المُنكَدِر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهُ أَتَى أنسَ بْنَ مَالِكٍ … فَذَكَرَ الحديثَ؛ قَالَ: فقُلْتُ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، سُنَّةٌ.
[ ٦ / ٤٥٤ ]
قَالَ أَبِي: حديثُ الدَّراوَرْدي أصحُّ» اهـ.
قُلْتُ: لا شك أنَّ حديث الدراوردي أصح من حديث محمد بن عبد الرحمن بن مجبر فإنَّ هذا من جملة المتروكين، لكن إذا نظرنا إلى رواية الداوردي ورواية محمد بن جعفر فإنَّنا نجد أنَّ رواية محمد بن جعفر أصح من رواية الدراوردي.
والذي يظهر لي في معنى الحديث أنَّ أنس بن مالك كان يستعجل بالإفطار غروب الشمس مباشرة عملًا بسنة المبادرة بالإفطار، فإنَّ هذه هي السنة المعلومة المتيقنة.
وما جاء في أثر أنس: «وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ». لا يلزم منه أنَّه أكل قبل الغروب، بل غاية ما فيه أنَّه دعا بطعامه عند تقارب الشمس للغروب ولعل أكله كان بعد تحقق الغروب.
ويقوي هذا أنَّه يبعد أن يفسد أنس صوم يومه وهو على وشك إتمامه.
ومما يدل على أنَّ أنس بن مالك ليس عنده سنة بالإفطار في الرحال قبل مغادرة البنيان ما رواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٢٩٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٩٦٨) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو مُوسَى: «أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَرَجْتَ صَائِمًا وَإِذَا دَخَلْتَ دَخَلْتَ صَائِمًا، فَإِذَا خَرَجْتَ فَاخْرُجْ مُفْطِرًا وَإِذَا دَخَلْتَ فَادْخُلْ مُفْطِرًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀ في [جَامِعِهِ] (٣/ ١٦٣): «وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر
[ ٦ / ٤٥٥ ]
الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية وهو قول إسحق بن إبراهيم الحنظلي» اهـ.
وَقَالَ الْبَّغَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٦/ ٣١٣): «وَقَالَ الحسن: إذا أصبح المقيم على نية السفر في يومه، جاز له أن يفطر في بيته، وبه قال إسحاق» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل على عدم مشروعية الفطر في بلد الإقامة قبل الشروع في السفر قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ ﵀ فِي [التَّحْرِيْرِ وَالتَّنْوِيْرِ] (٢/ ١٦٣):
«ثُمَّ شَاعَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا فُلَانٌ عَلَى سَفَرٍ أَيْ مُسَافِرٌ لِيَكُونَ نصًا فِي التَّلَبُّس، لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِقْبَالَ فَلَا يَقُولُونَ عَلَى سَفَرٍ لِلْعَازِمِ عَلَيْهِ» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٤٥٦ ]
١٨٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».
وكان ذلك في رمضان فقد جاء الحديث في مسلم (١١١٨) عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ ﵁، عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».
وفي الباب ما رواه مسلم (١١١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».
قُلْتُ: يدل الحديث على مشروعية الصوم والفطر في السفر. وقد سبق الكلام في ذلك في الحديث الماضي.
* * *
[ ٦ / ٤٥٧ ]
١٨٣ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ».
في الحديث مسائل منها:
١ - إباحة السفر في رمضان.
٢ - إباحة الصيام والفطر في السفر.
٣ - إباحة الفطر لمن دخل عليه الشهر وهو مقيم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٣٩):
«وفي المسألة قول شاذ جدًا لا يلتفت إليه وهو إنَّه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه لم يجز له الفطر ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافرًا وهذا قول عبيدة السلماني وأبي مجلز وسويد بن غفلة» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٤٥٨ ]
١٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، قَالَ: «كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: صَائِمٌ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ».
لفظ مسلم (١١١٥) «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ». لكنها في مسلم من بلاغات شعبة ولفظه: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ» قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ، لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ الصيام في السفر ليس من البر الذي يتنافس فيه.
وسبق أن نقلنا في شرحنا لأول أحاديث كتاب الصيام ما قاله شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢١٨):
«والبر هو العمل الصالح، فقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ الصوم في السفر ليس بعمل صالح، بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به» اهـ.
٢ - ويدل الحديث على أنَّ الفطر في السفر أفضل من الصيام فيه وقد سبق الكلام على هذه المسألة في شرح الحديث الأول من أحاديث الصيام.
٣ - وفيه الحث على قبول رخص الله ﷿.
* * *
[ ٦ / ٤٥٩ ]
١٨٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ.
قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةِ وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ"».
الصوام جمع صائم. وسقوطهم هو عجزهم عن العمل وقضاء حاجاتهم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - جواز الصوم في السفر مع حصول شيء من المشقة.
٢ - جواز الفطر في السفر.
٣ - أنَّ المفطر في السفر القائم بمصالح الصائم وخدمته أفضل من الصائم لقول رسول الله ﷺ: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ».
٤ - فضل خدمة الإخوان لا سيما في الأسفار، وأنَّ ذلك أعظم من أجر الصيام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِمِ] (٩/ ١٣٤):
[ ٦ / ٤٦٠ ]
«وقوله: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"؛ يعني: أنَّهم لما أقاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يحتاج إليه فيه؛ كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٧٨):
«والثاني: أنَّ قوله ﵇: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد بالأجر أجر تلك الأفعال التي فعلوها والمصالح التي جرت على أيديهم ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم.
والثاني: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا ينغمر فيه أجر الصوم فتحصل المبالغة بسبب ذلك ويجعل كأنَّ الأجر كله للمفطر» اهـ.
٥ - وفيه فضيلة العمل المتعدي نفعه.
* * *
[ ٦ / ٤٦١ ]
١٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ قضاء صيام رمضان على التراخي.
وقد خالف في ذلك داود الظاهري فأوجب القضاء من ثاني شوال، وهو محجوج بهذا الحديث وبقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢ - أنَّ قضاء الصيام يمتد إلى قبل دخول رمضان الآتي فلا يجوز تأخيره حتى يأتي رمضان الآخر إلَّا لعذر.
وقد اختلف العلماء في وجوب الفدية على المفرط في القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر، فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى وجوبها عليه مُدًا لكل يوم، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وداود إلى أنَّه لا كفارة على المفرط.
[ ٦ / ٤٦٢ ]
قُلْتُ: المنقول عن الصحابة وجوب الفدية فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥) اختصار الجصاص:
«وكان ابن أبي عمران يحكى أنَّه سمع يحيى بن أكثم يقول: وجدته يعنى وجوب الإطعام في ذلك عن ستة من الصحابة ولم أجد لهم من الصحابة مخالفًا» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح إيجاب الكفارة كما عليه فتاوى أصحاب النبي ﷺ لا سيما ولم يعلم لهم مخالف، والحق لا يخرج عن أصحاب النبي ﷺ، وقد أخبر النبي ﷺ ببقاء طائفة من أمته ظاهرة بالحق، كما روى مسلم (١٩٢٠) عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
وأولى من يدخل في هذه الطائفة صحابة النبي ﷺ، فما أظهروه ولم يختلفوا فيه فهو الحق فإنَّه لا يجوز في حقهم أن يظهروا الباطل، ويكتموا الحق، فما أظهروه فلا يكون إلَّا حقًا كما يدل عليه الحديث، ولأنَّ الصحابة قد عاشروا النبي ﷺ، وشاهدوا التنزيل وعلموا من ذلك ما لم نعلمه فما أظهروه ولم يختلفوا فيه فالاحتمال فيه قائم أن يكون تلقوه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأفتوا به غير أنَّهم لم ينقلوه لفظًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
[ ٦ / ٤٦٣ ]
وأمَّا من أخر القضاء زيادة عن ذلك حتى دخل عليه رمضان ثالث ورابع فلا يجب عليه أن يزيد في الكفارة؛ لأنَّه قد لزمته كفارة بتأخيره عن وقته فلم تلزمه كفارة أخرى بزيادة التأخير.
ولعلماء الشافعية وجهان: ورجح العلامة النووي زيادة الكفارة بزيادة التأخير فقد قال في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٣٦٤): «وَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى مَضَى رَمَضَانَانِ فَصَاعِدًا فَهَلْ يَتَكَرَّرُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ أَمْ يَكْفِي مُدٌّ عَنْ كُلِّ السِّنِينَ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنَّفِ بِدَلِيلِهِمَا "أَصَحُّهُمَا" يَتَكَرَّرُ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَخَالَفَهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَكْفِي مُدٌّ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ السِّنِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ [الْمُغْنِي] (٣/ ١٥٤):
«فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ أَوْ أَكْثَرُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ مَعَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يَزْدَادُ بِهَا الْوَاجِبُ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا من أخر القضاء بعذر كاستمرار السفر، أو المرض، أو الحمل، أو الرضاع فليس في ذلك غير القضاء كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله في شرح الحديث الآتي.
وهكذا من أخر القضاء إلى شعبان ثم طرأ عليه عذر في شعبان كله فلا كفارة عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْمَوَّاقِ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [التَّاجِ والْإِكْلِيْلِ] (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨): «قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ ثُمَّ صَحَّ أَوْ
[ ٦ / ٤٦٤ ]
قَدِمَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي بِأَيَّامٍ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ فَلَمْ يَصُمْهَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ الْمُقْبِلُ، فَعَلَيْهِ عَدَدُ هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا أَمْدَادٌ يُفَرِّقُهَا إذَا أَخَذَ فِي الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنْ تَمَادَى بِهِ الْمَرَضُ أَوْ السَّفَرُ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي فَلْيَصُمْ هَذَا الدَّاخِلَ ثُمَّ يَقْضِي الْأَوَّلَ وَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، يُرِيدُ وَكَذَلِكَ لَوْ صَحَّ أَوْ قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِ رَمَضَانَ فَمَادَتْ بِهِ الصِّحَّةُ أَوْ الْإِقَامَةُ حَتَّى دَخَلَ شَعْبَانُ فَمَرِضَهُ كُلُّهُ أَوْ سَافَرَ فِيهِ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْقَضَاءَ إلَى شَعْبَانَ، وَهَذَا كَمَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ إلَى قَدْرِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ حَاضَتْ امْرَأَةٌ، فَإِنَّهَا لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا لِذَلِكَ إذْ الْوَقْتُ قَائِمٌ بَعْدُ فَكَذَلِكَ هَذَا» اهـ.
قُلْتُ: وإذا مات من وجب عليه الإطعام قبل القضاء والإطعام فعليه أن يخرج مدين على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوِرْدِيُّ ﵀ فِي [الْحَاوِي الْكَبِيْرِ] (٣/ ٤٥٣):
«فَلَوْ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَصُمْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثَانٍ ثُمَّ مَاتَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ مُدٌّ، بَدَلٌ عَنِ الصِّيَامِ، وَمُدٌّ بَدَلٌ عَنِ التَّأْخِيرِ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ عَلَيْهِ مُدٌّ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْفَوَاتَ يُضْمَنُ بِالْمُدِّ الْوَاحِدِ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَهَذَا غَلَطٌ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لمرضٍ فَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يومٍ مدين» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عمر لا أعلم له أصلًا.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ١٥٤):
[ ٦ / ٤٦٥ ]
«فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ وَاحِدٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ، ثُمَّ مَاتَتْ؟ قَالَ: يُطْعَمُ عَنْهَا. قَالَ لَهُ السَّائِلُ: كَمْ أُطْعِمُ؟ قَالَ: كَمْ أَفْطَرَتْ؟ قَالَ: ثَلَاثِينَ يَوْمًا. قَالَ اجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأُشْبِعْهُمْ. قَالَ: مَا أُطْعِمُهُمْ؟ قَالَ خُبْزًا وَلَحْمًا إنَّ قَدَرْت مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِكُمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، أَزَالَ تَفْرِيطَهُ بِالتَّأْخِيرِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ التَّفْرِيطِ بِدُونِ التَّأْخِيرِ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، وَالتَّأْخِيرُ بِدُونِ الْمَوْتِ يُوجِبُ كَفَّارَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَتْ كَفَّارَتَانِ، كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي يَوْمَيْنِ» اهـ.
وهل يشرع تكرار المسكين الواحد لجميع الأيام أو لا؟
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْمَوَّاقِ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [التَّاجِ والْإِكْلِيْلِ] (٣/ ٣٨٧): «قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُطْعِمَ أَمْدَادًا كَثِيرَةً لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» اهـ.
٣ - احتج به على أنَّ عائشة ﵂ لم تكن تتطوع بالصيام، وهذا مبني على أنَّ عائشة كانت تذهب إلى عدم جواز صيام النافلة قبل أداء الفريضة، وهذا مما لا يعلم من مذهبها.
٤ - وفي المقابل احتج به على جواز التنفل بالصيام قبل فعل القضاء، ووجه أنَّه يبعد أن تترك عائشة صيام التطوع كعاشوراء وعرفة وغير ذلك.
[ ٦ / ٤٦٦ ]
قُلْتُ: والصحيح صحة صيام التطوع قبل أداء القضاء لما سبق؛ ولأنَّ القضاء مؤقت، فجاز التنفل قبل خروج وقته؛ كما يجوز التنفل أول وقت المكتوبة، وهذا القول رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء، ومنع من ذلك الْإِمَام أحمد في رواية أخرى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٦):
«وقد اختلف العلماء فيمن عليه قضاء رمضان: هل يجوز له أن يتنفل بالصيام قبل القضاء، أم لا؟ فيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد.
وأكثر العلماء على جوازه، وروي عن طائفة من السلف المنع منه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (٨٦٠٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٣٣)، و[الْأَوْسَطِ] (٣٢٨٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ، وَمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ».
فلا يصح فإنَّ فيه ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث.
وتابع ابن لهيعة حيوة بن شريح، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٥): «وروى إسحاق بن راهويه في "مُسْنَدِه": ثنا عبد الله بن واقد ثنا حيوة بن شريح، عن أبي الأسود، عن ابن رافع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﷺ قال: "من كان عليه من رمضان شيء، فأدركه رمضان ولم يقضه لم يتقبل منه، ومن صلى تطوعًا وعليه مكتوبة، لم يتقبل منه".
[ ٦ / ٤٦٧ ]
عبد الله بن واقد، هو: أبو قتادة الحراني، تكلموا فيه. وهذا غريب من حديث حيوة، وإنَّما هو مشهور من حديث ابن لهيعة» اهـ.
قُلْتُ: هذه المتابعة لا تفيد شيئًا فعبد الله بن واقد متروك الحديث.
وهكذا ما رواه أبو القاسم الأصبهاني في [التَّرْغِيْبِ] (١٩١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٣٨١٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٧/ ٤٠١) مِنْ طَرِيْقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ مَثَلَ الْمُصَلِّي الَّذِي لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ كَمَثَلِ حُبْلَى حَمَلَتْ فَلَمَّا دَنَا نِفَاسُهَا أُسْقِطَتْ فَلَا هِيَ ذَاتُ حَمْلٍ، وَلَا هِيَ ذَاتُ وَلَدٍ وَمَثَلُ الْمُصَلِّي مَثَلُ التَّاجِرِ، لَا يَخْلُصُ لَهُ رِبْحُهُ حَتَّى يَأْخُذَ رَأْسَ مَالِهِ، كَذَلِكَ الْمُصَلِّي لَا تُقْبَلُ لَهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّي الْفَرِيضَةَ».
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: «مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ فَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَأَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَكَذَا وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ كَذَلِكَ مَرْفُوعًا وَهُوَ إِنْ صَحَّ كَمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى، عَنْ صَالِحِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ كَمَثَلِ الْحُبْلَى حَمَلَتْ حَتَّى إِذَا دَنَا نِفَاسُهَا أَسْقَطَتْ فَلَا هِيَ ذَاتُ حَمْلٍ وَلَا هِيَ ذَاتُ وَلَدٍ، وَمَثَلُ الْمُصَلِّي كَمَثَلِ التَّاجِرِ لَا يَخْلُصُ لَهُ رِبْحٌ حَتَّى يَخْلُصَ لَهُ رَأْسُ مَالِهِ كَذَلِكَ الْمُصَلِّي لَا تُقْبَلُ لَهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ فَتَكُونُ صِحَّتُهَا بِصِحَّةِ الْفَرِيضَةِ" وَالْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ
[ ٦ / ٤٦٨ ]
مَحْمُولَةٌ عَلَى نَافِلَةٍ تَكُونُ خَارِجَ الْفَرِيضَةِ فَلَا يَكُونُ صِحَّتُهَا بِصِحَّةِ الْفَرِيضَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فموسى بن عبيدة ضعيف الحديث، ومن حفاظ الحديث من جرحه جرحًا شديدًا.
وهكذا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٥٥٧٤، ٣٨٢١١)، وأبو داود في [الزُّهْدِ] (٢٨)، وابن السري في [الزُّهْدِ] (٤٩٦)، وابن المبارك في [الزُّهْدِ] (٩١٤)، وهناد في [الزُّهْدِ] (٤٩٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٠/ ٤١٢، ٤١٣) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ، زُبَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ الْوَفَاةُ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: «إِنِّي مُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ إِنْ حَفِظْتَهَا: إِنَّ لِلَّهِ حَقًّا فِي اللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَإِنَّ لِلَّهِ حَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ فِي اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ نَافِلَةٌ حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ …».
قُلْتُ: فَهَذَا إِسْنَادٌ مُعْضَلٌ بين زبيد وأبي بكر.
ورواه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (١١٤)، وفي [الْحِلْيَّةِ] (١/ ٣٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٠/ ٤١٤) مِنْ طَرِيْقِ فطر بن خليفة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط القرشي، قال فذكره.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين ابن سابط والصديق ﵁.
٥ - لم تذكر عائشة ما هو المانع لها من ذلك، وقد بيَّن ذلك بعض رواة الحديث فروى البخاري (١٩٥٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، تَقُولُ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ
[ ٦ / ٤٦٩ ]
رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ»، قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ.
قُلْتُ: يحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وقد جاءت هذه الزيادة في مسلم (١١٤٦) متصلة بكلام عائشة والصواب الإدراج من كلام يحيى بن سعيد الأنصاري.
وجاء في مسلم (١١٤٦) وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَحْيَى يَقُولُهُ».
قُلْتُ: فإذا كان هذا هو عذرها فيدل الحديث على حسن معاشرة عائشة للنبي ﷺ، وحرصها البالغ في ذلك.
لكن في كون هذا هو عذرها نظر، وذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يقسم الأيام على نسائه فكان يمكنها أن تصوم في غير أيام نوبتها وهي أيام كثيرة؛ ولهذا قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٩١):
«ومما يدل على ضعف الزيادة أنَّه ﷺ كان يقسم لنسائه فيعدل وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم اللهم إلَّا أن يقال: إنَّها كانت لا تصوم إلَّا بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها فإذا ضاق الوقت أذن لها وكان هو ﷺ يكثر الصوم في شعبان كما سيأتي بعد أبواب فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلَّا في شعبان» اهـ.
[ ٦ / ٤٧٠ ]
مسألة/ ولا يشترط في القضاء التتابع بل يجزئ التفريق لمطلق قول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. والتتابع أفضل لأنَّه أشبه بالأداء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٥٥):
«مسألة: قال: "وقضاء شهر رمضان متفرقا يجزئ، والمتتابع أحسن". هذا قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن محيريز، وأبي قلابة، ومجاهد، وأهل المدينة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. وحكي وجوب التتابع عن علي وابن عمر والنخعي، والشعبي وَقَالَ داود: يجب، ولا يشترط» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٤٧١ ]
١٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وأخرجه أبو داود وقال: هذا في النذر خاصة، وهو قول أحمد بن حنبل.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب صيام الولي عن وليه، وهو محمول على صيام النذر.
وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: يصام عنه في النذر والفرض وهو مذهب الْإِمَام الشافعي في القديم، أبي ثور وقتادة وطاووس والزهري والحسن البصري وداود وطائفة من علماء الحديث ورجحه العلامة النووي ﵀، إلَّا أنَّ الشافعي خير بين الصيام عنه والإطعام عنه.
القول الثاني: يطعم عنه في الفرض والنذر وهو مذهب الجمهور، وهو مذهب الشافعي الجديد. واشترط أبو حنيفة ومالك أن يوصي الميت بالإطعام عنه، فإن لم يوص لم يطعم عنه.
القول الثالث: يصام عنه في النذر ويطعم عنه في الفرض وإلى هذا ذهب ابن عباس وأصحابه، وابن عمر، وعائشة ﵃، وذهب إلى ذلك الْإِمَام أحمد، والليث، وإسحاق، وأبو عبيد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٩/ ٢٧ - ٢٩):
[ ٦ / ٤٧٢ ]
«واختلف الفقهاء فيمن مات وعليه صيام من قضاء رمضان أو من نذره وقد كان قادرًا على صيامه فقال مالك: لا يصوم عنه وليه في الوجهين جميعًا ولا يصوم أحد عن أحد. قال مالك: وهذا أمر مجتمع عليه عندنا.
وتحصيل مذهبه أنَّ الإطعام في ذلك واجب على الميت وغير واجب على الورثة وإن أوصى بذلك الميت كان في ثلثه.
وَقَالَ أبو حنيفة وأصحابه إن أمكنه القضاء فلم يفعل أطعم عنه ورثته في النذر وفي قضاء رمضان جميعًا وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وقد روي عن هؤلاء أنَّه إن لم يجد ما يطعم عنه صام عنه وليه والمشهور عنهم الإطعام دون الصيام وهو المعروف من مذهب الشافعي وبه قال الحسن بن حي وابن علية: أن لا يصوم أحد عن أحد والإطعام عند أبي حنيفة والثوري والشافعي والأوزاعي والحسن بن حي وابن علية واجب في رأس ماله أوصى به أو لم يوص وَقَالَ الليث ابن سعد وأحمد بن حنبل وأبو عبيد يصوم عنه وليه في النذر ويطعم عنه في قضاء رمضان مدًا من حنطة عن كل يوم والإطعام عندهم واجب في مال الميت.
وَقَالَ أبو ثور يصوم عنه وليه في قضاء رمضان وفي النذر جميعًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٧/ ٢):
«وَقَالَ أبو حنيفة، ومالك: إن أوصى أن يطعم عنه أطعم عنه مكان كل يوم مسكين، وإن لم يوص بذلك فلا شيء عليه. والإطعام عند مالك في ذلك مد مد، وعند أبي حنيفة صاع من غير البر لكل مسكين، نصف صاع من البر أو دقيقه.
[ ٦ / ٤٧٣ ]
وَقَالَ الليث كما قلنا. وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه في النذر خاصة» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح في ذلك ما ذهب الْإِمَام أحمد ومن معه من الإطعام عن الميت في الفرض، والصيام عنه في النذر وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أنَّ هذا هو الذي إليه الصحابة الذين رووا الحديث، وهم أعلم بمرويهم، وقد ثبت هذا عن ابن عباس، وعائشة، وابن عمر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٦٥): «ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف» اهـ.
الوجه الثاني: أنَّ الحديث فيه: «وَعَلَيْهِ صِيَامٌ»، وهذا يدل على بقائه في ذمته، والذي يبقى في ذمته إنَّما هو صيام النذر، وأمَّا الفرض فليس في ذمته فإنَّ صيام الفرض يسقط بالعجز الذي هو دون الموت كالمريض الذي لا يرجى برؤه، والشيخ الْكَبِيْر والمرأة العجوز فكيف لا يسقط على من هو أعجز منهم وهو الميت، وفرض هؤلاء الإطعام كما سبق تقريره.
الوجه الثالث: أنَّ الأصل في الواجبات التي أوجبها الله على العبد أن لا يقوم بها أحد عن أحد، فلا يسلم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٦٦): «لأنَّ إيجاب الله تعالى إنَّما هو ابتلاء، وامتحان للمكلف، وهو المخاطب بهذا الفرض، وكل ما كان أقرب إليه، كان أحق بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه.
[ ٦ / ٤٧٤ ]
فإذا كان قادرًا ببدنه؛ لم يجز أداؤه بماله، وإذا كان قادرًا بماله؛ لم يجز أداؤه ببدن غيره؛ لأنَّ ماله أحق بأداء الفرض منه من بدن غيره.
فلو جاز أن يصوم عنه الولي؛ لكان قد أدى الفرض ببدن غيره دون ماله» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [مِنْهَاجِ الْسُنَّةِ] (٥/ ٢٢٨):
«وأمَّا ما وردت به السنة من صيام الإنسان عن وليه فذاك في النذر كما فسرته الصحابة الذين رووه بهذا كما يدل عليه لفظه فإنَّه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". والنذر في ذمته وهو عليه، وأمَّا صوم رمضان فليس في ذمته ولا هو عليه بل هو ساقط عن العاجز عنه» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤): «والفرق بين رمضان والنذر: أنَّ النذر محله الذمة، وقد وجب بإيجابه، وهو لم يوجب على نفسه إلَّا الصوم فقط؛ فإذا فعل عنه؛ فقد أدى عنه نفس ما أوجبه، ولو أطعم عنه؛ لم يكن قد أدى عنه الواجب.
ولهذا يصح أن ينذر ما يطيقه وما لا يطيقه؛ فإن عجز عنه؛ فهو في عهدته.
والصوم إنَّما أوجبه الله سبحانه على بدن المكلف؛ فإن عجز ففي ماله، فإذا عجز عن الأصل؛ انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه.
ولهذا لم يوجب الله عليه من الصوم إلَّا ما يطيقه، وكذلك كل صوم وجب بإيجاب الله؛ فإنَّ بدله الإطعام، وإن كان سبب وجوبه من المكلف كصوم الكفارة بخلاف النذر.
[ ٦ / ٤٧٥ ]
نص عليه أحمد في رواية ابن منصور فيمن مات وعليه صيام من دم التمتع، أو كفارة يطعم عنه …» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٩٠):
«وصح عنه ﷺ أنَّه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه وقالت: يصام عنه النذر والفرض.
وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض.
وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي وهذا قول ابن عباس وأصحابه والْإِمَام أحمد وأصحابه وهو الصحيح لأنَّ فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام. وأمَّا النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضى دينه وهذا محض الفقه وطرد هذا أنَّه لا يحج عنه ولا يزكى عنه إلَّا إذا كان معذورًا بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر فأمَّا المفطر من غير عذر أصلًا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرط فيها وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانًا دون الولي فلا تنفع توبة أحد عن أحد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا مات الميت قبل أن يتمكن من القضاء كأن يستمر به المرض حتى يموت فلا يصام عنه، ولا يطعم عنه وبهذا قال جماهير العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٤١):
[ ٦ / ٤٧٦ ]
«وجملة ذلك أنَّ من مات وعليه صيام من رمضان، لم يخل من حالين؛ أحدهما، أن يموت قبل إمكان الصيام، إمَّا لضيق الوقت، أو لعذر من مرض أو سفر، أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن طاووس وقتادة أنَّهما قالا: يجب الإطعام عنه؛ لأنَّه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب الإطعام عن، كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام، لعجزه عنه.
ولنا أنَّه حق لله تعالى وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج.
ويفارق الشيخ الهرم؛ فإنَّه يجوز ابتداء الوجوب عليه، بخلاف الميت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٣٧٢):
«"فرع": في مذاهب العلماء فيمن مات وعليه صوم فاته بمرض أو سفر أو غيرهما من الأعذار ولم يتمكن من قضائه حتى مات.
ذكرنا أن مذهبنا أنَّه لا شيء عليه ولا يصام عنه ولا يطعم عنه بلا خلاف عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور. قال العبدري وهو قول العلماء كافة إلَّا طاووسًا وقتادة فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين لأنَّه عاجز فأشبه الشيخ الهرم.
واحتج البيهقي وغيره من أصحابنا لمذهبنا بحديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" رواه البخاري ومسلم.
[ ٦ / ٤٧٧ ]
واحتجوا أيضًا بالقياس علي الحج كما ذكره الْمُصَنَّفِ وفرقوا بينه وبين الشيخ الهرم بأن الشيخ عامر الذمة ومن أهل العبادات بخلاف الميت» اهـ.
٢ - أنَّ الميت ينتفع ببعض أعمال الحي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الرُّوحِ] (١١٧):
«وهي هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعى الأحياء أم لا؟
فالجواب: أنَّها تنتفع من سعى الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير.
أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.
والثاني: دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع ما الذي يصل من ثوابه هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه وعند بعض الحنفية إنَّما يصل ثواب الإنفاق
واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فمذهب الْإِمَام أحمد وجمهور السلف وصولها وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة نص على هذا الْإِمَام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال قال: قيل لأبي عبد الله الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه قال: أرجو أو قال الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها. وَقَالَ أيضًا: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل: اللهم إنَّ فضله لأهل المقابر.
والمشهور من مذهب الشافعي ومالك: أنَّ ذلك لا يصل.
وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنَّه لا يصل إلى الميت شيء البتة لادعاء ولا غيره» اهـ.
[ ٦ / ٤٧٨ ]
قُلْتُ: وهذه المسألة واسعة الذيل قد استوفى أدلتها الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ في كتابه هذا، وقد رجح الوصول، وهكذا رجح الوصول شيخه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقد قال ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٦٦):
«وأمَّا "القراءة والصدقة" وغيرهما من أعمال البر فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق كما يصل إليه أيضًا الْدُعَاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والْدُعَاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية: كالصوم والصلاة والقراءة. والصواب أنَّ الجميع يصل إليه …» اهـ.
قُلْتُ: ولا نطيل القول في هذه المسألة لكن أحب أن أبيِّن أنَّ هدي النبي ﷺ هو خير الهدي فقد مات في حياته جماعة من قرابته، ولم يثبت عنه أنَّه أهدى إليهم ثواب عمل من الأعمال.
والإنسان في دار الْامتحان أحوج ما يكون إلى العمل الصالح لنفسه، فالأحسن في حقه أن يعمل الصالحات لنفسه، ويقتصر على الْدُعَاء لمن مات من قرابته وغيرهم؛ فإنَّه إن فعل ذلك لم يفوت على نفسه شيئًا من العمل الصالح، فإنَّ الداعي إذا دعا لغيره فهو محسن للغير ينال أجر الإحسان إلى الغير، وهو في نفس الوقت ينال دعوة ملك من ملائكة الرحمن بمثل ما دعا، فقد روى مسلم (٢٧٣٢) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ».
[ ٦ / ٤٧٩ ]
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّه لا يزداد بدعائه لغيره إلَّا خيرًا ولا يفوته شيء من الأجر والثواب؛ ولهذا فإنَّ الْدُعَاء هو الذي حث عليه الله ﷿ في كتابه الكريم، وحث عليه النبي ﷺ في سنته المطهرة، فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وروى مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
قُلْتُ: فلم يذكر النبي ﷺ من عمل الغير إلَّا الْدُعَاء فقال: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
٣ - وفيه أنَّ الولي هو الذي يصوم عن الميت، والولي هو القريب، وقد اختلف العلماء هل يصح ذلك من غير الولي.
والصحيح صحة ذلك من غير الولي، وأنَّ ذكر الولي في الحديث خرج مخرج الغالب، ويدل على ذلك تشبيه النبي ﷺ النذر بالدين كما سيأتي في حديث ابن عباس بعد هذا، وقضاء الدين لا يقتصر على الولي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٩٤):
«واختلف المجيزون في المراد بقوله: "وليه" فقيل: كل قريب. وقيل: الوارث خاصة وقيل: عصبته. والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.
[ ٦ / ٤٨٠ ]
واختلفوا أيضًا هل يختص ذلك بالولي لأنَّ الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولأنَّها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك في الموت إلَّا ما ورد فيه الدليل فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح، وقيل لا يختص بالولي فلو أمر أجنبيًا بأن يصوم عنه أجزأ كما في الحج، وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير وبه جزم أبو الطيب الطبري وقواه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدين والدين لا يختص بالقريب» اهـ.
٤ - واحتج به من أوجب ذلك على الولي؛ باعتبار أنَّ قوله: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». خبر بمعنى الأمر تقديره: فليصم عنه وليه.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٧/ ٢):
«مسألة: ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا أوصى به أو لم يوص به فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه، ولا بد أوصى بكل ذلك أو لم يوص وهو مقدم على ديون الناس. وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان، وغيرهما» اهـ.
قُلْتُ: جمهور القائلين بصيام النذر عن الميت لم يوجبوا ذلك ومذهبهم هو الصحيح لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، و[الإسراء: ١٥]، و[فاطر: ١٨]، و[الزمر: ٧].
[ ٦ / ٤٨١ ]
وَقَالَ الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٤١].
فإذا أوجبنا عليه الصيام عن الميت فقد حملناه وزر غيره.
وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٣١٨):
«فالظلم: الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٤٨٢ ]
١٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى».
وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ. أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟». فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ».
وفي الحديث فيه مسائل منها:
١ - مشروعية قضاء النذر عن الميت.
٢ - وفيه إثبات قياس الأولى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٤٠):
«فتضمن هذا الحديث بيان قياس الأولى وأنَّ دين المخلوق إذا كان يقبل الوفاء مع شحه وضيقه فدين الواسع الكريم تعالى أحق بأن يقبل الوفاء ففي هذا أنَّ الحكم إذا ثبت في محل الأمر وثم محل آخر أولى بذلك الحكم فهو أولى بثبوته فيه» اهـ.
٣ - واحتج به من قال بقضاء الصلاة، والصيام لمن تركهما عمدًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصَّلَاةِ وَحُكْمِ تَارِكِهَا] (١١٩ - ١٢٠):
[ ٦ / ٤٨٣ ]
«وأمَّا قولكم: إنَّ الصلاة والصيام دين ثابت يؤدي أبدًا وإن خرج الوقت المؤجل لقول رسول الله: "دين الله أحق أن يقضي".
فنقول هذا الدليل مبني على مقدمتين:
إحداهما: أنَّ الصلاة والصيام دين ثابت في ذمة من تركهما عمدًا.
والمقدمة الثانية: أنَّ هذا الدين قابل للأداء فيجب أداؤه.
فأمَّا المقدمة الأولى: فلا نزاع فيها ولا نعلم أنَّ أحدًا من أهل العلم قال بسقوطها من ذمته بالتأخير ولعلكم توهمتم علينا أنَّا نقول بذلك وأخذتم في الشناعة علينا وفي التشغيب ونحن لم نقل ذلك ولا أحد من أهل الإسلام.
وأمَّا المقدمة الثانية: ففيها وقع النزاع وأنتم لم تقيموا عليها دليلًا فادعاؤكم لها هو دعوى محل النزاع بعينه جعلتموه مقدمة من مقدمات الدليل وأثبتم الحكم بنفسه فمنازعوكم يقولون: لم يبق للمكلف طريق إلى استدراك هذا الفائت وإنَّ الله تعالى لا يقبل أداء هذا الحق إلَّا في وقته وعلى صفته التي شرعه عليها وقد أقاموا على ذلك من الأدلة ما قد سمعتم فما الدليل على أنَّ هذا الحق قابل للأداء في غير وقته المحدود له شرعًا وأنَّه يكون عبادة بعد خروج وقته.
وأمَّا قوله: "اقضوا الله فالله أحق بالقضاء". وقوله: "دين الله أحق أن يقضى". فهذا إنَّما قاله في حق المعذور لا المفرط.
ونحن نقول في مثل هذا الدين يقبل القضاء، وأيضًا فهذا إنَّما قاله رسول الله في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين ففي الصحيحين من حديث ابن عباس: إنَّ امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم
[ ٦ / ٤٨٤ ]
عنها قال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها". قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك".
وفي رواية: أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرًا فأنجاها الله ﷾ فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى رسول الله فذكرت ذلك فقال: "صومي عنها". رواه أهل السنن. وكذلك جاء منه الأمر بقضاء هذا الدين في الحج الذي لا يفوت وقته إلَّا بنفاد العمر ففي الْمُسْنَد، والسنن من حديث عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله فقال إنَّ أبي أدركه الإسلام وهو شيخ لا يستطيع ركوب رحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه قال: "أنت أكبر ولده". قال: نعم. قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزئ عنه". قال: نعم. قال: "فحج عنه".
وعن ابن عباس: أنَّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". متفق على صحته.
وعن ابن عباس أيضًا قال: أتى النبي رجل فقال: إنَّ أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو أنَّ أباك ترك دينًا عليه فقضيته أكان بجزيء عنه". قال: نعم. قال: "فحج عن أبيك". رواه الدار قطني.
ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء دين الله أحق أن يقضى فالقضاء المذكور في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وقد جاهر بمعصيته الله ﷾ بتفويتها بطرًا وعدوانًا فهذا الدين مستحقه لا يعتد
[ ٦ / ٤٨٥ ]
به ولا يقبله إلَّا على صفته التي شرعه عليها ولهذا لو قضاه على غير تلك الصفة لم تنفعه» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٨):
«ومذهب الظاهرية - أو أكثرهم: أنَّه لا قضاء على المتعمد. وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي. وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمدًا، أنَّه لا يجزئه قضاؤهما. ذكره في عقيدته في آخر "مُسْنَدِه".
ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين، منهم: الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة.
قال ابن بطة: أعلم أنَّ للصلاة أوقاتًا، فمن قدمها على وقتها فلا فرض له من عذر وغيره، ومن أخرها عن وقتها مختارًا لذلك من غير عذر، فلا فرض له.
فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر، كالصلاة قبل الوقت، وَقَالَ في كل منهما: إنَّه ليس بفرض. يريد: أنَّها تقع نفلًا في الحالين.
وَقَالَ البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئًا إلَّا أن تكون لوقتها، إلَّا أن يكون نسيانًا؛ فإنَّه معذور، يأتي بها إذا ذكرها، فيجمع بين الصلاتين إن شاء.
وقد نص الْإِمَام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أنَّ المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة.
وروي عن طائفة من السلف، منهم: الحسن.
وحكى الخلاف في ذلك: إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي.
[ ٦ / ٤٨٦ ]
قال محمد بن نصر في "كتاب الصلاة": إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمدًا حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافًا، إلَّا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه، وجعل توبته وقضاءها رجوعًا منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها.
وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة، ويرى عليه القضاء إذا تاب، وقال: أخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة، عن ابن المبارك، أنَّه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أيامًا، ثم ندم؟ قال: ليقض ما ترك من الصلاة. قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا لا يستقيم على الحديث.
قال إسحاق: يقول: القياس على الأصل أن لا يقضي، وربما بني على الأصل، ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنَّه قد كفر، فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميرات المرتد، فأخذنا بالاحتياط، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدًا، وكان يكفره إذا تركها عمدًا حتى يذهب وقتها.
قال إسحاق: وأكثر أهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من تركها، والاحتياط في ذلك، فأمَّا من مال إلى ما قال الحسن: إذا ترك صلاة متعمدًا لا يقضيها، فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك، فاحتاط في القضاء.
[ ٦ / ٤٨٧ ]
قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم: إذا ارتد عن الإسلام، ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته: أنَّ ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء كالباغي وقاطع الطريق.
قُلْتُ: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأنَّ القياس أن تارك الصلاة إذا حكمنا بكفره أنَّه يكون مرتدًا، ولا قضاء عليه، وإنَّما أوجبنا القضاء على المرتد احتياطًا.
وفي وجوب القضاء على المرتد لما فاته في مدة الردة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد.
ومذهب الشافعي وغيره: الوجوب.
وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أنَّ من كفر تارك الصلاة عمدًا كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه، ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الْإِمَام أحمد وغيره من الأئمة - أيضًا -، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى.
ثم قال محمد بن نصر: فأمَّا المروي عن الحسن، فإنَّ إسحاق ثنا، قال: ثنا النضر، عن الأشعث، عن الحسن، قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدًا، فإنَّه لا يقضيها.
قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أنَّه كان يكفره بترك الصلاة متعمدًا، فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأنَّ الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره.
والمعنى الثاني: أنَّه إن لم يكن يكفره بتركها، فإنَّه ذهب إلى أنَّ الله ﷿ إنَّما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد
[ ٦ / ٤٨٨ ]
لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به، عن المأمور به.
قال: وهذا قول غير مستنكر في النظر، لولا أنَّ العلماء قد اجتمعت على خلافه.
قال: ومن ذهب إلى هذا، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها، وفي النائم - أيضًا -: إنَّه لو لم يأت الخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه قال: "من نام صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، لما وجب عليه في النظر قضاؤها - أيضًا. انتهى ما ذكره ملخصًا.
وقد اعترف بأنَّ القياس يقتضي أنَّه لا يجب القضاء على من تركها متعمدًا، فإنَّه إن كان كافرًا بالترك متعمدًا، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، وإن كان مرتدًا.
وإن لم يكن كافرًا بالترك، فالقياس أنَّه لا قضاء بعد الوقت؛ لأنَّ القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنَّما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأنَّ القضاء كفارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاص آثم يحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمني الغموس.
وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن، مع عظمته وجلالته، وفضله وسعة علمه، وزهده وورعه؟
ولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحًا عن التابعين - أيضًا - فيه شيئًا، إلَّا عن النخعي» اهـ.
[ ٦ / ٤٨٩ ]
قُلْتُ: والصحيح عدم صحة قضاء من تعمد ترك الصلاة أو الصيام، وهو اختيار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀.
٤ - وفيه انتفاع الميت ببعض عمل الحي.
٥ - واحتج به على أنَّ من مات وقد وجبت عليه الزكاة فيجب أن تخرج من ماله، وهو مذهب الجمهور، وذهبت الحنفية إلى سقوطها بالموت. والصحيح مذهب الجمهور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٣٢):
«فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا عَصَى وَوَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ مَذْهَبٌ عَجِيبٌ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ الزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَهَذَا طَرِيقٌ إلَى سُقُوطِهَا» اهـ.
٦ - واحتج به من قدم دين الله تعالى على دين الآدمي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٣٢):
«وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ دَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى ودين لآدمي كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ففيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِأَدِلَّتِهَا: أَصَحُّهَا: يُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: دَيْنُ الْآدَمِيِّ.
وَالثَّالِثُ: يَسْتَوِيَانِ فَتُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِنِسْبَتِهِمَا وَحَكَى بَعْضُ الخراسانيين طريقًا آخر أنَّ الزَّكَاةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ تُقَدَّمُ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ فِي الْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَسْتَرْسِلُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ وَقَدْ تَكُونُ الزَّكَاةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِأَنْ يَكُونَ
[ ٦ / ٤٩٠ ]
لَهُ مَالٌ فَيَتْلَفُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالْإِمْكَانِ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَهُ تِرْكَةٌ فَالزَّكَاةُ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ فَفِيهَا الْأَقْوَالُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١١/ ١٦١ - ١٦٢):
«إذا اجتمعت ديون لله وللآدمي، فهل نقدم دَين الآدمي، أو دَين الله، أو يشتركان؟
مثال ذلك: رجل مات وفي ذمته خمسة آلاف ريال زكاة، وعليه لزيد خمسة آلاف، ولما توفي لم نجد إلَّا خمسة آلاف فقط، فالدين أكثر من التركة، فهل نصرف خمسة الآلاف في الزكاة؟ أو في دين الآدمي؟ أو يشتركان؟
في هذا ثلاثة أقوال للعلماء:
فمنهم من قال: يُقضى دين الآدمي، فنعطي خمسة آلاف - التي هي التركة - الآدمي، وعلل ذلك بأنَّ حق الله مبني على المسامحة، وهو ﷾ غني عنا، وحق الآدمي مبني على المشاحة، وهو بحاجة إلى حقه، فيقدم.
ومنهم من قال: يقدم حق الله ﷿ لقول النبي ﷺ: "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء"، و"أحق" اسم تفضيل، فيقدم على الحق المفضل عليه، وعلى هذا القول نخرج خمسة الآلاف التي في التركة لأهل الزكاة.
ومنهم من قال: يشتركان؛ لأن كلًّا منهما دين في ذمة الميت فلا يفضل أحدهما على الآخر، وهذا هو المذهب عند الأصحاب ﵏ وهو الصحيح.
فإن قال قائل: ما هو الجواب عن قول الرسول ﷺ: "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء".
[ ٦ / ٤٩١ ]
الجواب: أن معنى الحديث: إذا كان دين الآدمي يقضى فدين الله من باب أولى؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أيجزئ عنها؟ "، قالت: نعم، قال: "اقضوا الله فالله أحق بالقضاء"، والمسألة لم ترد في حقين أحدهما لله والآخر للآدمي حتى نقول: إنَّ الرسول ﷺ حكم بأن دَين الله مقدم، إنَّما أراد الرسول ﷺ القياس، فإذا كان دين الآدمي يقضى فالله أحق بالوفاء.
ونجيب عن القول الآخر، وهو أنَّ حق الآدمي مبني على المشاحة والحاجة، بأنَّ حق الله ﷿ يكون لعباد الله، فالزكاة - مثلًا - للمخلوقين وليست لله ﷿، بمعنى أنَّ الله ﷾ لا ينتفع بها، فهي في الحقيقة حق لله، وفي نفس الوقت حق لعباد الله، وكذلك نقول في الكفارات، وغيرها مما يجب على الإنسان لله ﷿.
فالقول بأنَّهما يتحاصَّان ويشتركان هو القول الراجح» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته، والحديث وارد في بيان أنَّ حق الله تعالى يقبل القضاء من باب أولى فإذا كان دين الآدمي يقبل القضاء فدين الله تعالى يقبل القضاء بطريق الأولى، ولم يرد في بيان أنَّ دين الله تعالى مقدم على دين المخلوق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ١٨٧ - ١٨٨):
«قَوْلُهُ: "اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". وَقَوْلُهُ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ الصَّوْمِ "فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ": إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ أَوْكَدُ، وَأَثْبَتُ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ؛
[ ٦ / ٤٩٢ ]
لِأَنَّهُمَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: "فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" فَعَلَى هَذَا إِذَا وَجَبَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ مِنْ تَرِكَتِهِ فَأَنْ يَجِبَ قَضَاءُ دَيْنِ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُجْزِئَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرِيمٌ جَوَادٌ، وَمَنْ يَكُونُ أَحْرَى بِقَبُولِ الْقَضَاءِ: فَحَقُّهُ أَوْلَى أَنْ يُقْضَى؛ لِأَنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يَحْصُلَ بِقَضَائِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَيِّتِ لَا عَنْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٤٩٣ ]
١٨٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب تعجيل الفطر، وأنَّه من أسباب بقاء الخير في الأمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٧٥):
«فيه الحث على تعجيله بعد تحقق غروب الشمس، ومعناه لا يزال أمر الْأُمة منتظمًا وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة، وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه» اهـ.
٢ - حرص الشرع على تعجيل الفطر لما في ذلك من التيسير على العباد، ولما فيه من الابتعاد عن الغلو في الدين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٩/ ١١٩):
«إنَّما كان ذلك؛ لأنَّ التعجيل. أحفط للقوة، وأدفع للمشقة، وأوفق للسنة، وأبعد عن الغلو والبدعة، وليظهر الفرق بين الزمانين في حكم الشرع» اهـ.
٣ - وفيه رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم.
ولابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢٠٦١)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥١٠)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٨٤) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ٦ / ٤٩٤ ]
وروى أحمد (٩٨٠٩)، وأبو داود (٢٣٥٣)، وابن ماجة (١٦٩٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
٤ - وفيه أنَّ تأخير الفطر إلى السحر خلاف الأولى، مع مشروعيته لما رواه البخاري (١٩٦٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ».
٥ - استحباب تأخير السحور وقد سبق الكلام في ذلك، على أنَّ ذكر السحور لا أصل له في الصحيحين، وإنَّما جاء في حديث لأبي ذر رواه أحمد (٢١٣٥٠) فقال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ ابن لهيعة ضعيف، ومدلس وقد عنعن، وسليمان، وعدي مجهولان.
٦ - ولم يبين النبي ﷺ في هذا الحديث الشيء الذي يفطر به، وقد جاء ذلك في أحاديث منها:
الحديث الأول: حديث سلمان بن عامر ﵁.
[ ٦ / ٤٩٥ ]
فروى عبد الرزاق (٧٥٨٦)، ومن طريقه أحمد (١٢٦١٢، ١٧٨٠٨)
عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ بِتَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ بِمَاءٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ».
قُلْتُ: وقد اختلف الرواة عن هشام في رفع الحديث ووقفه، فرفعه:
عبد الرزاق وقد سبق حديثه.
وعبد الله بن بكر السهمي وحديثه عند البيهقي في [الْصُغْرَى] (١٣٨٩)، وفي [الشُّعَبِ] (٣٦١٥)، والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٤).
وإسماعيل ابن عليه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢١)، والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٣).
وقران بن تمام عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٢).
وخالد بن الحارث عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٣).
وحماد بن مسعدة عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٥)، وقد روى الرفع والوقف معًا.
وخالفهم: محمد بن جعفر "غندر" فأوقفه على سلمان، وحديثه رواه أحمد (١٦١٧٨، ١٧٧٩٧).
وتابعه حماد بن مسعدة عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٤)، وقد روى الرفع والوقف معًا كما مضى.
ويوسف بن يعقوب عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٦)، وروح بن عبادة عند أبي نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٢٩٦٤).
[ ٦ / ٤٩٦ ]
قُلْتُ: والصحيح في الحديث الرفع فقد رواه عاصم الأحول عن حفصة عن الرباب عن سلمان مرفوعًا. وحديثه أخرجه أحمد (١٦١٧٨، ١٦١٧٩، ١٦١٨١، ١٦١٨٤، ١٦١٩٠، ١٧٨٠٠، ١٧٨٠٢، ١٧٨٠٦)
وأبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨، ٦٩٥)، وابن ماجه (١٦٩٩)، والدارمي (١٧٠١)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٥٨٧)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٩٨٨٩، ٩٨٩٠).
قُلْتُ: رواية عاصم هذه ترجح رواية من رواية من رواه مرفوعًا، وتبين أنَّ رواية الوقف وهم. والله أعلم.
قُلْتُ: وثمَّ اختلاف آخر على عاصم في ذكر الرباب.
فرواه شعبة عن عاصم ولم يذكر في حديثه الرباب، وحديثه رواه أحمد (١٦١٩٥).
ورواه الجماعة عن عاصم وذكروا في حديثهم الرباب وهم:
سفيان بن عيينة وحديثه عند أحمد (١٦١٧٩، ١٦١٨١، ١٧٨٠٠) وعند الترمذي (٦٥٨، ٦٩٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣٢٠)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٩٨٩٠) على الاحتمال في رواية ابن أبي شيبة هل سفيان المذكور فيه هو الثوري، أو ابن عيينة.
وسفيان الثوري وحديثه عند عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٥٨٧).
وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم وحديثه في [الْمُسْنَد] (١٦١٨٤، ١٦١٩٠، ١٧٨٠٢، ١٧٨٠٦)، والترمذي (٦٩٥).
[ ٦ / ٤٩٧ ]
ومحمد بن فضيل وحديثه عند ابن ماجه (١٦٩٩) وقد أخرجه مِنْ طَرِيْقِ ابن أبي شيبة وهو عنده في [الْمُصَنَّفِ] (٩٨٨٩، ٩٨٩٠)، وابن خزيمة أيضًا في [صَحِيْحِهِ] (٢٠٦٧).
وعبد الواحد بن زياد وحديثه عند أبي داود (٢٣٥٥) والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٧٦).
وثابت بن يزيد وحديثه عند الدرامي (١٧٠١).
وهشام بن حسان وقد سبق حديثه قريبًا.
وحماد بن زيد عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣١٩)، عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٠٧٢).
وحفص بن غياث عند البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٦٣٨).
وعبد العزيز بن المختار عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٠٧١).
ومروان بن معاوية الفزاري عند الفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٧).
قَالَ الْإِمَام الترمذي بعد روايته للحديث:
«وهكذا روى سفيان الثوري عن عاصم عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نحو هذا الحديث وروى شعبة عن عاصم عن حفصة بنت سيرين عن سلمان بن عامر ولم يذكر فيه عن الرباب وحديث سفيان الثوري وابن عيينة أصح وهكذا روى ابن عون وهشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر» اهـ.
قُلْتُ: ما ذكره الْإِمَام الترمذي ﵀ هو الصواب فالصحيح رواية الجماعة عن عاصم بذكر الرباب والله أعلم.
[ ٦ / ٤٩٨ ]
قُلْتُ: وقد حسن الحديث الْإِمَام الترمذي فقال بعد روايته له.
«حديث سلمان بن عامر حديث حسن» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [البُلُوغِ] (١٥٠): «وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم» اهـ.
قُلْتُ: الرباب هذه لم يرو عنها غير حفصة فهي مجهولة جهالة عين، وتصحيح هؤلاء لا يرفع من جهالتها لما عرف من تساهلهم، وما ذكره بعض العلماء من تصحيح أبي حاتم الرازي لحديثها فليس بصحيح فالذي يظهر لي هو عدم ثبوت هذا الحديث، والله أعلم.
الحديث الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁.
فروى أحمد (١٢٦٩٨)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٥٦)، وأخرجه الترمذي (٦٩٦) أيضًا مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُهُ أنَّهُ حَسَنٌ، وقد حسنه جمع من العلماء، والصحيح أنَّ هذا الحديث معل لا يثبت، فإنَّ جعفرًا يروي أحاديث منكرات عن ثابت وهذا منها.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٢/ ٤٨١):
[ ٦ / ٤٩٩ ]
«نا محمد بن أحمد بن البراء قال، قال علي ابن المديني: أكثر جعفر - يعنى ابن سليمان - عن ثابت وكتب مراسيل وفيها أحاديث مناكير عن ثابت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٢٢٤):
«وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء الحديث.
فقالا: لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق؟» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (١/ ٤١٠):
«وينفرد بأحاديث عدت مما ينكر، واختلف في الاحتجاج بها، منها: حديث أنس: إنَّ رجلا أراد سفرًا فقال: زودوني.
ومنها حديث: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الْدُعَاء في الصلاة".
وحديث: حسر عن بدنه وقال: "إنَّه حديث عهد بربه".
وحديث: كان يفطر على رطبات.
وحديث: "طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة".
وحديث: "مم أضرب منه يتيمي".
وحديث: ما يقال ليلة القدر.
وغالب ذلك في صحيح مسلم» اهـ.
[ ٦ / ٥٠٠ ]
قُلْتُ: وجاء الحديث من وجه آخر عن أنس، وهو ما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٣٣١٨)، والطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٥٥١٧) والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٨)، ومِنْ طَرِيْقِ الفريابي رواه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (١٥٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (١٣/ ٣٢٨)، ورواه أيضًا ابن غطريف الجرجاني في [جُزْئِهِ] (٥٣) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى ابْنِ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسٍ: «أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْدَأُ إِذَا أَفْطَرَ بِالتَّمْرِ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُهُ الصِّحَةُ، لكن اختلف في وصله وإرساله فوصله رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ، وأرسله شعبة، وشعبة أوثق وأحفظ.
قال النسائي بعد روايته للحديث: «هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ بُرَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ» اهـ.
وأمَّا الحافظ الْدَارَقُطْنِي فأثبت الموصول فقال في [الْعِلَلِ] (١٢/ ١٩): «يرويه رقبة بن مصقلة عن بريد عن أنس وخالفه شعبة فرواه عن بريد أنَّه ذكر له أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مرسل ويشبه أن يكون رقبة حفظه» اهـ.
قُلْتُ: كلام الحافظ النسائي ﵀ أظهر. والله أعلم.
الحديث الثالث: حديث آخر لأنس ﵁.
فروى أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (٣٧٩٢)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٠٤، ٣٥٠٥)، والفريابي في [الصِّيَامِ] (٦٩) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
[ ٦ / ٥٠١ ]
حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَطُّ صَلَّى صَلاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يُفْطِرَ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
ورواه البزار في [مُسْنَدِه] (٧١٢٧)، وابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢٠٦٣)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٧٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٩٢١)، وفي [الشعب] (٣٦١٦)، وابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٢١٧٥)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (١٦٧٨) مِنْ طَرِيْقِ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس.
الحديث الرابع: حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄.
فروى البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠١) عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٧٨):
«قوله ﷺ: "انزل فاجدح لنا؛ فنزل فجدح" هو بجيم ثم حاء مهملة، وهو خلط الشيء بغيره، والمراد هنا خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوي والمجدح بكسر الميم عود مجنح الرأس. ليساط به الأشربة، وقد يكون له ثلاث شعب» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٥٠٢ ]
١٩٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ الإفطار يحصل بإقبال الليل من المشرق، وإدبار النهار من المغرب، وفي البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠) زيادة: «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ» هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم «وَغَابَتِ الشَّمْسُ»، وهي موجوده في بعض نسخ العمدة.
٢ - فيه الحث على الإفطار عند تحقق غروب الشمس.
٣ - واحتج به من ذهب إلى حصول الفطر حكمًا بمجرد غروب الشمس وإن لم يأكل أو يشرب.
أَقُوْلُ: قوله: «فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». أي دخل في وقت الفطر كما يقال: انجد إذا دخل نجد واتهم إذا دخل تهامة، وأصبح إذا دخل في الصباح، وأمسى إذا دخل في المساء، وليس المراد بذلك حصول الفطر بمجرد ذلك، ويدل على ذلك إذن النبي ﷺ بالوصال إلى السحر فروى البخاري (١٩٦٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ».
وَقَالَ الْإِمَام ابن خزيمة ﵀ في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٢٧٣):
[ ٦ / ٥٠٣ ]
«هذه اللفظة: "فقد أفطر الصائم". لفظ خبر ومعناه معنى الأمر أي: فليفطر الصائم إذ قد حل له الإفطار ولو كان معنى هذه اللفظة معنى لفظه كان جميع الصوام فطرهم وقتًا واحدًا ولم يكن لقوله ﷺ: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". ولقوله: "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر". معنى ولا كان لقوله ﷺ: "يقول الله ﵎: أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا". معنى؛ لو كان الليل إذا أقبل وأدبر النهار وغابت الشمس كان الصوام جميعًا يفطرون ولو كان فطر جميعهم في وقت واحد لا يتقدم فطر أحدهم غيره لما كان لقوله ﷺ: "من وجد تمرًا فليفطر عليه ومن لم يجد فليفطر على الماء". معنى؛ ولكن معنى قوله: "فقد أفطر" أي: فقد حل له الفطر والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٢٥١):
«وليس المراد به أنَّه أفطر حكمًا وإن لم يباشر المفطرات بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السحر ولو أفطروا حكمًا لاستحال منهم الوصال» اهـ.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٧٧):
«وقوله ﷺ: "أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس".
قال العلماء: كل واحد من هذه الثلاثة يتضمن الآخرين ويلازمهما، وإنَّما جمع بينها؛ لأنَّه قد يكون في واد ونحوه بحيث لا يشاهد غروب الشمس، فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ومن كان في سهل فلا يشترط في حقه أن تغيب الشمس على المشاهدين لها من رءوس الجبال إذا لم يحل بينه وبين رؤيتها حائل كالجبال وغيرها.
[ ٦ / ٥٠٤ ]
وإذا وجد حائل كأن تغيب من وراء الجبال فلا يكتفي بذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ في [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (١/ ٣٩٢):
«وَالْمُرَادُ بِالْغُرُوبِ غُرُوبُ قُرْصِ الشَّمْسِ جَمِيعِهِ بِحَيْثُ لَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ لَا مِنْ سَهْلٍ، وَلَا مِنْ جَبَلٍ فَإِنَّهَا قَدْ تَغِيبُ عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ وَتُرَى مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ».
إلى أن قال: «قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَغِيبِ قُرْصِهَا عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَغِيبَ عَمَّنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَدَوِيُّ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ لِلْخَرَشِيِّ] (١/ ٢١٣)
«قَوْلُهُ: "عَمَّنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ" أَيْ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ لَا يَرَاهَا» اهـ.
قُلْتُ: وهذا محمول على غياب الشمس خلف الجبال.
ويوضح ذلك قَوْلُ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (١/ ٢١٣):
«وَلَا عِبْرَةَ بِمَغِيبِهَا عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ خَلْفَ الْجِبَالِ بَلْ الْمُعْتَمَدُ دَلِيلًا عَلَى غَيْبُوبَتِهَا إقْبَالُ الظُّلْمَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ "إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" وَلَا يَضُرُّ أَثَرُ الْحُمْرَةِ وَلَا بَقَاءُ شُعَاعِهَا فِي الْجُدْرَانِ» اهـ.
[ ٦ / ٥٠٥ ]
قُلْتُ: يكتفى بمغيب قرص الشمس في الأرض إذا لم يحل حائل كجبل ونحوه، وإذا وجد الحائل كجبل فينظر إلى مغيب الأشعة من رءوس الجبال وإقبال الظلمة من المشرق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٣/ ٢٩):
«قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَلَا نَظَرَ بَعْدَ تَكَامُلِ الْغُرُوبِ إلَى بَقَاءِ شُعَاعِهَا بَلْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا مَعَ بَقَائِهِ وأمَّا في العمران وقلل الجبال فالاعتبار بأن لا يرى شيء مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدَرَانِ وَقُلَلِ الْجِبَالِ وَيُقْبِلُ الظَّلَّامُ مِنْ الْمَشْرِقِ» اهـ.
وَقَالَ فِي [الرَّوْضَةِ] (١/ ١٨٠): «وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَا خِلَافٍ. وَالِاعْتِبَارُ بِسُقُوطِ قُرْصِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّحَارِي. وَأَمَّا فِي الْعُمْرَانِ، وَقُلَلِ الْجِبَالِ، فَالِاعْتِبَارُ، بِأَنْ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدْرَانِ، وَيُقْبِلُ الظَّلَامُ مِنَ الْمَشْرِقِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٢):
«وأمَّا إن بقي شيء من شعاعها على الجدران أو تلك الجبال فلابد من ذهابه» اهـ.
وَقَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١/ ٣٠٠):
«وَيُعْرَفُ فِي الْعُمْرَانِ بِزَوَالِ الشُّعَاعِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ وَإِقْبَالِ الظَّلَامِ مِنْ الْمَشْرِقِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ مَفْلِحٍ الْحَنْبَلِيِّ ﵀ فِي [الْمُبْدِعِ] (١/ ٣٠٢):
«وَيُعْرَفُ الْغُرُوبُ فِي الْعُمْرَانِ بِزَوَالِ الشُّعَاعِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَإِقْبَالِ الظَّلَامِ مِنَ الْمَشْرِقِ» اهـ.
[ ٦ / ٥٠٦ ]
قُلْتُ: ومما يدل على عدم اشتراط مغيب الشمس على من يراها من رءوس الجبال بالنسبة لمن كان على الأرض ما رواه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٠١) عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي»، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
زاد عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٥٩٤): «وَلَوْ تَرَاآهَا أَحَدٌ عَلَى بَعِيرِهِ لَرَآهَا، يَعْنِي الشَّمْسَ».
٥ - من غربت عليه الشمس وأفطر وهو في أرض المطار ثم طارت به الطائرة فلا يجب عليه أن يمسك وذلك لأنَّه أفطر إفطارًا شرعيًا.
لكن إن غربت عليه الشمس وهو في أرض المطار وارتفعت به الطائرة قبل أن يفطر فهل له أن يفطر أو يمسك حتى تغرب الشمس فيه احتمالان: والأظهر الإمساك لأنَّه انتقل إلى موضع لم تغرب فيه الشمس قبل إفطاره فيأخذ حكم ذلك الموضع.
ويشبه هذه المسألة من دخل عليه وقت الصلاة وهو في بلده ثم سار إلى بلد لم يدخل فيه وقت تلك الصلاة فإنَّه يصلي في وقت البلد الذي وصل إليه، وليس له أن يصلي باعتبار دخول الوقت عليه وهو في بلده.
[ ٦ / ٥٠٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ في [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (١/ ٣٨٨): «قال القرافي في كتاب اليواقيت: مسألة من نوادر أحكام الأوقات: إذا زالت الشمس ببلد من بلاد المشرق وفيها ولي فطار إلى بلد من بلاد المغرب فوجد الشمس كما طلعت فقال بعض العلماء: إنَّه مخاطب بزوال البلد الذي يوقع فيها الصلاة؛ لأنَّه صار من أهلها انتهى.
قُلْتُ: وانظر على هذا لو صلى الظهر في البلد الذي زالت عليه فيه الشمس ثم جاء إلى البلد الآخر والظاهر أنَّه لا يطالب بإعادة الصلاة؛ لأنَّه كان مخاطبًا بزوال البلد الذي أوقع فيها الصلاة وسقط عنه الوجوب بإيقاعها فيه، ولم يكلف الله بصلاة في يوم واحد مرتين فانظره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (١/ ٤٢٠):
«وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِي بَلَدٍ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ سَافَرَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَوَجَدَ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى» اهـ.
وَقَالَ (٣/ ٣٨٣): «لَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي بَلَدٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ ثُمَّ سَارَ لِبَلَدٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَطْلَعِ مَعَ الْأُولَى فَوَجَدَ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فِيهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الصَّوْمِ أَوْ لَا كَمَا لَوْ صَلَّى الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ تَرَدُّدٌ وَالْأَوَّلُ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ وَالثَّانِي هُوَ مَا اعْتَمَدَهُ بِخَطِّهِ فِي هَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الرَّمْلِي] (١/ ١١٨):
[ ٦ / ٥٠٨ ]
«"سُئِلَ" عَمَّنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي بَلَدٍ وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ ثُمَّ سَافَرَ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى فَوَجَدَ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ ثَانِيًا أَوْ لَا؟
"فَأَجَابَ" بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ ثَانِيًا» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر عدم وجوب الإعادة، لكن إذا لم يصل المغرب فلا يصلها حتى تغرب في الموضع الذي أراد أداء الصلاة فيه.
ويشبه ذلك أيضًا من قضى صيام رمضان في بلده ثم انتقل إلى بلد ما زالوا صيامًا.
والأظهر في ذلك أنَّه إذا انتقل إلى ذلك البلد وقد أفطر وصلى العيد وأخرج زكاة الفطر في بلده أنَّ صيامه قد تم فلا يجب عليه الإمساك، ولا إعادة زكاة الفطر ولا إعادة صلاة العيد لأنَّ كل ذلك وجد في وقته الشرعي.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِي ﵀ في [الْوَسِيْطِ] (٢/ ٥١٧):
«وَلَو أصبح معيدًا مُفطرًا فجرت بِهِ السَّفِينَة إِلَى قطر لم ير بِهِ الْهلَال قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد يلْزمه الْامتِثَال تشبهًا إِنْ لم نعمم الحكم وَفِيه بعد لما فِيهِ من تبعيض الْيَوْم الْوَاحِد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [مِنْهَاجِ الطَّالِبِيْنَ] (ص: ٧٤):
«ومن أصبح معيدًا فسارت سفينته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام فالأصح أنَّه يمسك بقية اليوم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (٣/ ٣٨٣):
[ ٦ / ٥٠٩ ]
«وَلَوْ عَيَّدَ فِي بَلَدِهِ وَأَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ فِيهِ ثُمَّ سَارَتْ سَفِينَتُهُ لِبَلْدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الإمساك مَعَهُمْ ثُمَّ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا مَعَهُمْ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيُتَّجَهُ عَدَمُ اللُّزُومِ» اهـ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ الصَّبَّاغِ الْعَبَّادِيِّ ﵀ فِي [حَاشَيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ] (٣/ ٣٨٥): «لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ تَأْدِيَتَهَا بِبَلَدِهِ وَقَعَ تَعْجِيلًا وَهُوَ جَائِزٌ» اهـ.
قُلْتُ: إذا أتم الصيام مع أهل بلده ثم انتقل ليلًا إلى بلد لم يتموا صيامهم ووصل إليهم قبل طلوع الفجر فالأظهر أنَّه يصوم معهم ويخرج زكاة الفطر معهم ويصلي العيد معهم لأنَّه أدرك وقت هذه العبادات في البلد الذي انتقل إليه ولم يكن قد أداها في بلده، وأمَّا الصيام فقد أدرك وقتًا يستطيع فيه الصيام من أوله فلزمه ذلك.
وقد اختلف في هذه المسألة العلماء المتأخرون.
قال الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ كما في [مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْنَ] (١٥/ ٤٣٨ - ٤٣٩) - بعد أن سئل- غفر الله له -: فقال السائل في إحدى المرات كنت في السعودية ورؤى هلال العيد وكنت مسافرًا في تلك الليلة إلى باكستان حوالي الساعة الثانية ليلًا وعلمت أنَّهم لم يروا هلال شوال وبالتالي فهم صائمون فهل أصوم معهم؟ -
«فأجاب بقوله: صم معهم؛ لأنَّك وقت الإمساك أنت في بلد صائم حتى لو زاد صيامك على شهر، فالزائد تبع كما أنَّك لو صمت في بلدك إلى قريب المغرب
[ ٦ / ٥١٠ ]
ثم أقلعت الطائرة إلى أمريكا وطالت رؤيتك للشمس أكثر من اليوم؛ فإنَّك لا تفطر حتى تغيب الشمس، وكذلك خروج الشهر وإن صمت ثلاثين يومًا، ثم سافرت إلى بلد فوجدت شوال لم يدخل فصم معهم، وصومك هذا للتبعية، لقوله ﵊: "الصوم يوم يصومون، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون"» اهـ.
قُلْتُ: ونازع في ذلك آخرون فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ - ٢] (٩/ ١٩ - ٢٠): «سافر شخص إلى بلد، وقد أكمل صيامه في بلده (٣٠) ثلاثين يومًا، وبوصوله إلى البلد الذي يريده وجد الناس صيامًا فصام معهم، وأصبح وقد صام (٣١ يومًا) وفي هذا العام تبين له أنَّ أهل البلد المشار إليه صاموا يوم الجمعة ونحن بدأنا يوم الأربعاء، فهل إذا أكمل الرجل الصوم في بلده وأفطر برؤية الهلال أو أكمل رمضان ثلاثين يومًا ووصل إلى البلد الذي سافر إليه، وعلم أنَّ الناس لن يفطروا إلَّا بعد يومين من تاريخ انتهاء وصوله فهل يصوم معهم بزيادة يومين عمَّا صامه، أم يتوقف عن الصيام بحكم أنَّ شهر رمضان لا يزيد عن ثلاثين يومًا؟ أرجو من سماحتكم إصدار الفتوى.
ج: من أكمل صوم شهر رمضان في بلد وأفطر معهم وكان الإفطار بحكم شرعي، ثم سافر إلى بلد آخر ووجدهم لم يفطروا بسبب تأخر بداية الشهر في نظرهم فإنَّه يستمر مفطرًا، ولا يصوم معهم؛ لأنَّ حكمه في هذه الحالة حكم البلد الذي جاء منه، حيث كان إفطاره بحكم شرعي، لكن لا يتظاهر بالإفطار أمامهم خشية الفتنة، والله أعلم.
[ ٦ / ٥١١ ]
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن يجاب بأنَّ هذه المسألة شبيهة بمن غربت عليه الشمس وهو على الطائرة في أرض المطار قبل أن يفطر ويصلي المغرب، ثم طارت به الطائرة ورأى الشمس فإنَّ الواجب عليه الإمساك عن الطعام وعن الصلاة حتى تغرب عليه الشمس ولا عبرة بغروبها قبل ذلك.
وشبيه ذلك من غربت عليه الشمس وهو في الوادي قبل أن يفطر ويصلي المغرب ثم صعد الجبل وشاهد الشمس.
ووجه الشبه أنَّ اليوم هاهنا زاد بعد انقضائه، وهناك زاد الشهر بعد انقضائه، أو قل: أنَّه في هذه المسألة رجع إلى حكم اليوم بعد انقضائه، وهناك رجع إلى حكم الشهر بعد انقضائه.
* * *
[ ٦ / ٥١٢ ]
١٩١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ، عَنْ الْوِصَالِ. قَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى».
وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵃.
وَلِ"مُسْلِمٍ" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - النهي عن وصال يوم بآخر.
وقد اختلف فيه العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٩٠): «وهو مكروه في قول أكثر أهل العلم».
إلى أن قال ﵀: «وظاهر قول الشافعي أنَّه محرم، تقريرًا لظاهر النهي في التحريم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٩٥ - ٩٦):
«فَصْلٌ: يُكْرَهُ الْوِصَالُ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ، لِأَنَّ النَّهْيَ رِفْقٌ وَرَحْمَةٌ، ولهذا واصل ﷺ بِهِمْ وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٣٥٨):
[ ٦ / ٥١٣ ]
«"فرع" في مذاهب العلماء في الوصال:
ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه منهي عنه وبه قال الجمهور وَقَالَ العبدري: هو قول العلماء كافة إلَّا ابن الزبير فإنَّه كان يواصل اقتداء برسول الله ﷺ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كان ابن الزبير وابن أبي نعيم يواصلان وذكر الماوردي في "الحاوي" أنَّ عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يومًا ثم أفطر على سمن ولبن وصبر قال وتأول في السمن أنَّه يلين الْأمعاء واللبن ألطف غذاء والصبر يقوي الأعضاء» اهـ.
وأمَّا ابْنُ حَزْمٍ فقد قال في [الْمُحَلَّى] (٤/ ٤٤٣):
«مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ صَوْمُ اللَّيْلِ أَصْلًا، وَلَا أَنْ يَصِلَ الْمَرْءُ صَوْمَ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ آخَرَ لَا يُفْطِرُ بَيْنَهُمَا، وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا بُدَّ» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على عدم التحريم: أنَّ الصحابة ﵃ لم يفهموا من نهيه التحريم، وإنَّما الرحمة بهم، وهم أعلم بمراد رسول الله عليه وسلم.
فروى البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ»، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ».
٢ - أنَّ الوصال من خصائص النبي ﷺ.
٣ - أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ يستغني في وصاله بغذاء الأرواح عن غذاء الأبدان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٣٢ - ٣٤):
[ ٦ / ٥١٤ ]
«وقد اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين:
أحدهما: أنَّه طعام وشراب حسي للفم، قالوا: وهذه حقيقة اللفظ، ولا موجب للعدول عنها.
الثاني: أنَّ المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وقرة العين، وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغنى عن غذاء الأجسام مدة من الزمان، كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به … ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا شكت من كلال السير أوعدها … روح القدوم فتحيا عند ميعاد
ومن له أدنى تجربة وشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه، والرضى عنه، وألطاف محبوبه وهداياه، وتحفه تصل إليه كل وقت، ومحبوبه حفي به، معتن بأمره، مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له، أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه، ولا أعظم، ولا أجمل، ولا أكمل، ولا أعظم إحسانًا إذا امتلأ قلب المحب بحبه، وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن حبه منه أعظم تمكن، وهذا حاله مع حبيبه، أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلًا
[ ٦ / ٥١٥ ]
ونهارًا؟ ولهذا قال: "إنِّي أظل عند ربى يطعمني ويسقيني". ولو كان ذلك طعامًا وشرابًا للفم، لما كان صائمًا فضلًا عن كونه مواصلًا، وأيضًا فلو كان ذلك في الليل، لم يكن مواصلًا، ولقال لأصحابه إذ قالوا له: إنَّك تواصل: "لست أواصل". ولم يقل: "لست كهيئتكم"، بل أقرهم على نسبة الوصال إليه، وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك، بما بينه من الفارق، كما في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واصل في رمضان، فواصل الناس، فنهاهم، فقيل له: أنت تواصل، فقال: "إني لست مثلكم إنِّي أطعم وأسقى".
وسياق البخاري لهذا الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنَّك تواصل. قال: "إنِّي لست مثلكم إني أطعم وأسقى".
وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: إنَّك يا رسول الله تواصل، فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "وأيكم مثلى، إنِّي أبيت يطعمني ربى ويسقيني".
وأيضًا: فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لما نهاهم عن الوصال، فأبوا أن ينتهوا، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر الهلال، لزدتكم". كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا عن الوصال.
وفى لفظ آخر: "لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم، إنِّي لست مثلكم أو قال: إنَّكم لستم مثلى فإنِّي أظل يطعمني ربى ويسقيني" فأخبر أنَّه يطعم ويسقى، مع كونه مواصلًا، وقد فعل فعلهم منكلًا بهم، معجزًا لهم فلو كان
[ ٦ / ٥١٦ ]
يأكل ويشرب، لما كان ذلك تنكيلًا، ولا تعجيزًا، بل ولا وصالًا، وهذا بحمد الله واضح» اهـ.
٤ - رفق النبي ﷺ بأمته حيث نهاهم عما يشق عليهم.
٥ - أنَّ التيسير على الْأُمة من مقاصد هذه الشريعة السمحة.
٦ - النهي عن الغلو في الدين.
٧ - وفيه ما يدل على أنَّ الصوم شرع فيه الاعتدال، ومن أجل هذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٢٨):
«وأمَّا من تدبر أصول الشرع ومقاصده فإنَّه رأى الشارع لما أمر بالصوم أمر فيه بالاعتدال حتى كره الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٧):
«وهذا إنَّما يتبين بذكر قاعدة وهي أنَّ الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل وأمر فيه بغاية الاعتدال حتى نهى عن الوصال وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور» اهـ.
٨ - وفيه ما يدل على عدم وجوب السحور.
٩ - وفيه مشروعية الوصال إلى السحر.
١٠ - وفي الإذن بالوصال إلى السحر مما يدل على عدم وجوب التعجيل بالإفطار.
[ ٦ / ٥١٧ ]
تنبيه/ حديث أبي سعيد في الوصال إلى السحر من أفراد البخاري دون مسلم، وقد وهم المؤلف في عزوها لمسلم، وقد مرَّ معنا حديث أبي سعيد فيما مضى.
* * *
[ ٦ / ٥١٨ ]