٢٦٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا».
وَلِ "مُسْلِمٍ" «بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الرخصة في المزابنة لأصحاب العرايا للحاجة إلى ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٢٨ - ٤٢٩):
«ولفظ "العرايا" معناه في اللغة هي النخلات التي يعيرها الرجل لغيره: أي يعطيه إياها ليأكل ثمرها ثم يعيدها إليه كما قال الشاعر يمدح فيه بالكرم:
فليست بسنهاء ولا رجبية … ولكن عرايًا في السنين الجوائح.
وهذا كما يقال للماشية "المنيحة": مثل أن يعطيه الناقة أو الشاة ليشرب لبنها ثم يعيدها إليه وهو من جنس العارية. وهو أن يعيره داره ليسكنها ثم يعيدها إليه. ومنه إفقار الظهر: وهو أن يعطيه دابته ليركب فقارها ثم يعيدها إليه. فهذا أصل هذه اللفظة؛ لكن حكم العرايا هل هو مخصوص بما كان موهوبًا للمشتري؟ أو عام في ذلك وفي غيره؟ فيه قولان للعلماء. والأول: قول مالك.
[ ٨ / ١٩٦ ]
والثاني: قول الشافعي وفي مذهب أحمد القولان. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٣):
«مسألة؛ قال: "والعرايا التي أرخص فيها رسول الله ﷺ؛ هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطبًا".
في هذه المسألة فصول خمسة:
فصل: أولها، في إباحة بيع العرايا في الجملة.
وهو قول أكثر أهل العلم. منهم مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة: لا يحل بيعها؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة، بيع الثمر بالثمر. متفق عليه.
ولأنَّه يبيع الرطب بالتمر من غير كيل في أحدهما، فلم يحز، كما لو كان على وجه الأرض، أو فيما زاد على خمسة أوسق.
ولنا، ما روى أبو هريرة، أنَّ النبي ﷺ رخص في العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق. متفق عليه، ورواه زيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهما. وخرجه أئمة الحديث في كتبهم.
[ ٨ / ١٩٧ ]
وحديثهم في سياقه: "إلَّا العرايا". كذلك في المتفق عليه. وهذه زيادة يجب الأخذ بها.
ولو قدر تعارض الحديثين، وجب تقديم حديثنا لخصوصه، جمعًا بين الحديثين، وعملا بكلا النصين.
وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله ﷺ أولى.
والقياس لا يصار إليه مع النص مع أنَّ في الحديث، أنَّه أرخص في العرايا.
والرخصة استباحة المحظور، مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال» اهـ.
قُلْتُ: هذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة. وأمَّا ما شرطه من الهبة، فلا يظهر اشتراطه إذ لا فرق معقول بين بيع الموهوب له للمحتاجين، وبين بيع صاحب المزرعة للمحتاجين. والله أعلم.
وأمَّا الإمام مالك ﵀ فالعرية عنده هو أن يعري الرجلُ، الرجلَ نخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجل المعري؛ لأنَّه ربما كان مع أهله في الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه، فيجوز أن يشتريها منه بخرصها تمرًا إلى الجُذاذ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ سَحْنُونُ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْمُدَوَنَةِ الْكُبْرَى] (٣/ ٢٨٤):
[ ٨ / ١٩٨ ]
«قَالَ مَالِكٌ: الْعَرَايَا فِي النَّخْلِ وَفِي جَمِيعِ الثِّمَارِ كُلُّهَا مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ مِثْلُ الْعِنَبِ وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ يَهَبُ ثَمَرَتَهَا صَاحِبُهَا لِلرَّجُلِ ثُمَّ يَبْدُو لِصَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي أُعْرِيهَا وَالثَّمَرُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بَعْدَمَا طَابَتْ أَنَّهَا تَحِلُّ لِصَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَيَشْتَرِيهَا بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا إذَا جَدَّهَا مَكَانَهُ أَوْ بِالْعُرُوضِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَيَبْتَاعُهَا بِخَرْصِهَا بِصِنْفِهَا إلَى جِدَادِهَا إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٌ فَأَدْنَى وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَمْ يَصْلُحْ بَيْعُهَا بِتَمْرٍ إلَى الْجِدَادِ وَلَا يَصْلُحُ بِتَمْرٍ نَقْدًا وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ مُخَالِفًا لَهَا إلَى أَجَلٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِطَعَامٍ مُخَالِفٍ لَهَا إذَا جَدَّ الثَّمَرُ مَكَانَهُ صَاحِبُهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الطَّعَامَ الْمُخَالِفَ لِلثَّمَرَةِ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَجِدَهَا وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ الطَّعَامَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعَرَايَا» اهـ.
وقد ناقش الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ هذا القول مناقشة طيبة فقال ﵀ في [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٧): «ولنا، حديث زيد بن ثابت، وهو حجة على مالك، في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب، ولأنَّه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق، لعدم اختصاص الحاجة بها.
[ ٨ / ١٩٩ ]
ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأنَّ الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له النخيل الكثير يعريه الناس، أنَّه لا يعجز عن أداء ثمن العرية، وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأنَّ علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه سوى التمر، فمتى وجد ذلك، جاز البيع.
ولأنَّ اشتراط كونها موهوبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبًا، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة، إذ لا يكاد يتفق ذلك.
ولأنَّ ما جاز بيعه إذا كان موهوبًا، جاز وإن لم يكن موهوبًا، كسائر الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنَّما سمي عرية لتعريه عن غيره، وإفراده بالبيع» اهـ.
قُلْتُ: حديث زيد بن ثابت الذي أشار إليه المؤلف ﵀ هو ما رواه الشافعي في [الْأُمِ] (٣/ ٥٤) فقال: «وَقِيلَ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَوْ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَإِمَّا غَيْرُهُ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَتَبَايَعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ قُوتِهِمْ مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَتَبَايَعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا» اهـ.
وقد رواه مِنْ طَرِيْقِ الشافعي البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (٣٥١١).
قُلْتُ: وهذا الحديث لا يثبت؛ وذلك لأنَّ الشافعي رواه معلقًا ولم يسنده.
[ ٨ / ٢٠٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٤/ ٥١):
«فإنَّ هذا الحديث لم يخرج في "الصحيحين"، بل ولا في "السنن"، وليس لمحمود بن لبيد رواية عن زيد في شيء من "الكتب الستة"، وليس هذا الحديث في "مسند الإمام أحمد"، ولا "السنن الكبير" للبيهقي، وقد فتشت عليه في كتب كثيرة فلم أر له سندًا.
وقد ذكره الشافعي في كتاب البيوع، في باب العرايا، بلا إسناد، وأنكر عليه ابن داود الظاهري، ورد عليه أبو شريح في إنكاره، وقد ذكرت كلامهما في غير هذا الموضع، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: قال ذلك ردًا على ابن قدامة ﵀ في "الكافي" حيث عزاه إلى الصحيحين، وهذا وهم من أوهامه ﵀، والذي في الصحيحين هو حديث الباب.
ومما احتج به للإمام مالك ما رواه البخاري (٢١٩١) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا».
والشاهد من الحديث قوله: «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا». قالوا: المراد بأهلها أي أهل النخيل، وأهلها هم ملاكها الذين أعروها.
[ ٨ / ٢٠١ ]
قُلْتُ: والجواب أن يقال: إنَّ المراد بأهلها من تصير إليهم بعد ذلك بالشراء. والله أعلم.
وذكر الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٩١ - ٣٩٢) صورًا للعرايا فقال:
«ثم إنَّ صور العرية كثيرة:
منها: أن يقول الرجل لصاحب حائط بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات بالتخلية فينتفع برطبها.
ومنها: أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له.
ومنها: أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرًا ولا يحب أكلها رطبًا لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلًا.
ومنها: أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة وسميت عرايا لأنَّها أعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم
[ ٨ / ٢٠٢ ]
وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها.
ومما يطلق عليه اسم عرية أن يعرى رجلًا تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة مخصوصة ومنها أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيها وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع وزاد أنَّه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادخار ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة وهو أن يعري الرجل تمر نخله من نخله ولا يسلم ذلك له ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرًا» اهـ.
قُلْتُ: الصورة الأولى داخلة في الحديث كما هو ظاهر، وأمَّا الصورة الثانية فلا يظهر لي دخولها في الحديث على ما سبق بيانه.
والصورة الثالثة غير داخلة في الحديث، فإنَّ في الحديث أنَّهم يأكلونها رطبًا لا تمرًا. لكنها جائزة فإنَّ العرية قد أجيزت لحاجة التفكه، فجوازها لحاجة الاقتيات من باب أولى.
والصورة الرابعة شبيهة بالأولى.
[ ٨ / ٢٠٣ ]
٢ - أنَّ الخرص يقوم مقام الكيل عند الحاجة.
قُلْتُ: وهذا الخرص مختص بالثمرة التي على النخلة، وأمَّا الطعام الذي يشترى به فلا بد أن يكون معلومًا، لما رواه البخاري (٢١٩٢)، ومسلم (١٥٣٩) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٨):
«الفصل الرابع: أنَّه إنَّما يجوز بيعها بخرصها من التمر، لا أقل منه ولا أكثر ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلومًا بالكيل، ولا يجوز جزافًا. لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا» اهـ.
٣ - وظاهر قوله: «بِخَرْصِهَا تَمْرًَا». أنَّ العرايا إنَّما تباع بخرصها تمرًا لا رطبًا.
وما دل عليه الحديث هو الصحيح، فإنَّ من كان معه رطب فلا حاجة له في شراء الرطب التي مازالت على أشجارها وعنده ما يتفكه به، والأصل تحريم المزابنة إلَّا فيما استثناه الدليل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٩ - ١٠٠):
«فأمَّا إن اشتراها بخرصها رطبًا، لم يجز. وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي.
والثاني يجوز.
والثالث، لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع اختلافه.
[ ٨ / ٢٠٤ ]
ووجه جوازه، ما روى الجوزجاني، عن أبي صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﷺ: "أنَّه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك".
ولأنَّه إذا جاز بيع الرطب بالتمر مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى.
ولنا، ما روى مسلم بإسناده عن زيد بن ثابت، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أرخص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا.
وعن سهل بن أبي حثمة أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: "ذلك الربا، تلك المزابنة". إلَّا أنَّه رخص في العرية، النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا.
ولأنَّه مبيع يجب فيه مثله تمرًا، فلم يجز بيعه بمثله رطبًا، كالتمر الجاف.
ولأنَّ من له رطب فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري، على ما أسلفناه.
وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به مع الشك، سيما وهذه الأحاديث تبينه، وتزيل الشك» اهـ.
قُلْتُ: جاء عند النسائي (٤٥٤٠) أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ
[ ٨ / ٢٠٥ ]
بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ، وَبِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ».
ورواه البخاري (٢١٨٤)، ومسلم (١٥٣٩) عَنْ سَالِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، «أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ، أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ».
ورواه البخاري (٢٣٨٠)، ومسلم (١٥٣٩) مِنْ طَرِيْقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃، قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣٣٤):
«في حديث يونس عن ابن شهاب عن خارجة عن أبيه ذكر بيعها بالرطب وهو ما اختلف فيه فقال قوم منهم أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه جائز بيعها بالرطب خرصًا كما يجوز بالتمر خرصًا.
قال أبو عمر: ذكر الرطب في هذا الحديث ليس بمحفوظ إلَّا بهذا الإسناد وقد جعله بعض أهل العلم وهمًا وجعل القول به شذوذًا».
وَقَالَ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣٣٥):
«قد روى الأوزاعي عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن زيد في هذا الحديث ذكر الرطب أيضًا إن كان محفوظًا عن الأوزاعي حدثناه محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق ابن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار
[ ٨ / ٢٠٦ ]
قال حدثنا عبد الحميد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن زيد بن ثابت أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أرخص في بيع العرايا بالرطب لم يرخص في غير ذلك.
قال أبو عمر: عبد الحميد كاتب الأوزاعي ليس بالحافظ المتقن ولا ممن يحتج به وقد روى هذا الحديث بهذا الإسناد عن ابن شهاب سفيان بن عيينة فقال فيه: "أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أرخص في بيع العرايا لم يقل بالرطب ولا بالتمر وحديث نافع عن ابن عمر عن زيد يدل على أنَّ ذلك بالتمر والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث عن غير واحد من الصحابة بذكر التمر دون الرطب.
٤ - وظاهر الحديث أنَّ الخارص يخرص العرية تمرًا لا رطبًا، وهذا هو الموافق للنظر؛ وذلك أنَّه إذا خرصها رطبًا ثم بيعت بتمر ازداد في ذلك الربا والغرر والأصل المنع من ذلك. وهذا مذهب الشافعي ﵀.
٥ - واحتج بإطلاق الحديث من قال بجواز ذلك لغير حاجة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠١):
«الفصل الخامس: أنَّه لا يجوز بيعها إلَّا لمحتاج إلى أكلها رطبًا، ولا يجوز بيعها لغني.
[ ٨ / ٢٠٧ ]
وهذا أحد قولي الشافعي، وأباحها في القول الآخر مطلقًا لكل أحد؛ لأنَّ كل بيع جاز للمحتاج، جاز للغني، كسائر البياعات، ولأنَّ حديث أبي هريرة وسهل مطلقان.
ولنا حديث زيد بن ثابت، حين سأله، محمود بن لبيد ما عراياكم هذه؟: "فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله ﷺ أنَّ الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطبًا".
ومتى خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط.
ولأنَّ ما أبيح للحاجة، لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين، والترخص في السفر.
فعلى هذا، متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجًا، ومعه من الثمن ما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها تحرزًا من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، فإنَّه لا يجوز. وقال ابن عقيل يباح.
ويحتمله كلام أحمد؛ لأنَّ الحاجة وجدت من الجانبين، فجاز. كما لو كان المشتري محتاجًا إلى أكلها.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
ولنا، حديث زيد الذي ذكرناه، والرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه، ولأنَّ في حديث زيد وسهل: "يأكلها أهلها رطبًا". ولو جاز لتخليص المعري لما شرط ذلك» اهـ.
قُلْتُ: حديث زيد لم يثبت كما سبق، لكن معناه صحيح، وذلك أنَّ الأصل تحريم المزابنة، والمحرم لا ينتهك إلَّا لحاجة أو ضرورة، فما حرم لذاته كالميتة فلا يباح إلَّا لضرورة، وما حرم لغيره كالحرير، والمزابنة فيباح للحاجة. فإذا أجزنا العرية لغير حاجة ولا ضرورة فقد أجزنا انتهاك المحرم لغير حاجة ولا ضرورة وهذا خلاف قاعدة الشريعة المستنبطة من أدلة الشرع.
فائدة/ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٢):
«فيشترط إذا في بيع العرية شروط خمسة، أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر» اهـ.
٦ - وظاهر قوله: «يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا». أنَّهم إذا تركوها حتى صارت تمرًا فلا يحل لهم ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٣):
«مسألة؛ قال: فإن تركه المشتري حتى يتمر بطل العقد يعني إن لم يأخذها المشتري رطبًا بطل العقد، خلافًا للشافعي في قوله: لا يبطل.
[ ٨ / ٢٠٩ ]
وعن أحمد مثله؛ لأنَّ كل ثمرة جاز بيعها رطبًا، لا يبطل العقد إذا صارت تمرًا، كغير العرية.
ولنا، قول النبي ﷺ: "يأكلها أهلها رطبًا".
ولأنَّ شراءها إنَّما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أتمرت تبينا عدم الحاجة، فيبطل العقد» اهـ.
٧ - وذكر التمر في الحديث دليل على أنَّ العرية تكون في النخيل.
وقد تنازع العلماء في ثبوت العرية في غير النخيل كالعنب وغيرها.
فمنع من ذلك الحنابلة، والليث بن سعد وغيرهم، وأجاز ذلك الشافعي في النخل والعنب دون غيرهما، وأجاز الإمام مالك في سائر الثمار.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٥٥):
«ولهذا كان الصحيح أنَّ العرايا يلحق بها ما كان في معناها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٢٩):
«قوله: "ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين".
وهو المذهب اختاره ابن حامد وابن عقيل والمصنف والشارح وصححه في التصحيح والنظم وجزم به في المحرر وتذكره ابن عبدوس وهو ظاهر كلام الخرقي والوجيز وقدمه في المغني، والشَّرْحُ.
والوجه الثاني: يجوز قاله القاضي وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين.
[ ٨ / ٢١٠ ]
قُلْتُ: وهو الصواب عند من يتعاده وقدمه ابن رزين في شرحه وأطلقهما في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة والكافي والتلخيص والبلغة والرعايتين والحاويين والفروع والفائق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٤٢٢):
«فإن قال قائل: وهل تجوز العرايا في غير النخل؟ كإنسان عنده زبيب وأراد أن يشتري به عنبًا يتفكه به، فهل يجوز أو لا؟
فالجواب: في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنَّه يجوز قياسًا على التمر، والزبيب طعام كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في زكاة الفطر قال: "وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط"، فهو طعام، فإذا احتاج الإنسان إلى عنب، وليس عنده إلَّا زبيب فلا بأس بالشروط التي ذكرنا في العرية، وهذا - أيضًا - أقرب إلى الصواب من المنع واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأنَّ العلة التي من أجلها رخص في عرايا النخل موجودة في عرايا العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس للتفكه به وليس عندهم مال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٣٩):
«ثم هل تقتصر على التمر والزبيب، أو يلحق بهما ما في معناهما مما يُدَّخر للقوت؟ قولان؛ وقد تقدَّما. والأولى: التعدية، والإلحاق؛ لأنَّ المنصوص عليه في الحديث التمر، وقد ألحق بها الزبيب قولًا واحدًا عندنا، وليس منصوصًا عليه، ولا سبب
[ ٨ / ٢١١ ]
للإلحاق إلَّا أنَّ الزبيب في معنى التمر، فيلحق بهما كل ما في معناهما من المدخر للقوت» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الراجح. وبيان ذلك أنَّه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على الحصر، والمعنى يقتضي عدم الحصر فإنَّ حاجة الناس للتفكه غير منحصرة بالرطب، فما كان مثيلًا للرطب من فواكه الناس التي يمكن فيها الخرص فلها حكم الرطب، ولعل النبي ﷺ ذكر الرطب دون غيره لأنَّه فاكهة أهل المدينة لا لاختصاص الحكم به. والله أعلم.
فائدة/ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٢٧):
«ومفهوم كلام المصنف أنَّ البائع لو احتاج إلى أكل التمر ولا تمر معه إلَّا الرطب أنَّه لا يجوز له ذلك وهو الصحيح وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب وهو ظاهر ما جزم به في "المغنى" و"الشَّرْحُ" وغيرهما وقدمه في "الفروع".
وقيل يجوز ذلك وعللوه فقالوا جواز ذلك بطريق التنبيه لأنَّه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكه فلحاجة الاقتيات أولى اختاره أبو بكر في التنبيه وجزم به في المحرر والوجيز والرعاية الصغرى والحاويين والنظم وتذكره ابن عبدوس والفائق والمنور ومنتخب الأزجي وقدمه في الرعاية الكبرى» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٢٨):
«وأباح ذلك في العرايا لأجل الحاجة؛ لأنَّ المشتري يحتاج إلى أكل الرطب بالتمر خرصًا؛ لأجل حاجته إلى ذلك. ورخص في ذلك في القليل الذي تدعو إليه
[ ٨ / ٢١٢ ]
الحاجة وهو ما دون النصاب وهو ما دون خمسة أوسق. وكذلك يجوز لحاجة البائع إلى البيع. كما قد بسط ذلك في موضعه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي رجحانه جواز أن يبيع البائع بعض ما معه من الرطب بالتمر المكيل إذا احتاج إلى الاقتيات بالتمر وليس عنده من المال غير الرطب؛ فإنَّ حاجة الاقتيات أولى من حاجة التفكه. والله أعلم.
* * *
[ ٨ / ٢١٣ ]
٢٦١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ».
قُلْتُ: هذا الشك الوارد في الحديث من قبل داود بن حصين، فقد روى البخاري (٢٣٨٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» شَكَّ دَاوُدُ فِي ذَلِكَ.
ورواه مسلم (١٥٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ»، يَشُكُّ دَاوُدُ، قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ، قَالَ: نَعَمْ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الحديث شك فيه داود كما سبق والأخذ بالأقل هو الراجح؛ وذلك أنَّ الأصل في المزابنة الحرمة، والأصل في الخمسة الأوسق الحرمة لدخولها في المزابنة، وأمَّا ما دون الخمسة الأوسق فهو متيقن جوازه.
[ ٨ / ٢١٤ ]
وما فوق الخمسة الأوسق قد تقين تحريمه، والخمسة مشكوك فيها.
قُلْتُ: ومما يرجح أنَّ قوله: «أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» أصح الشكين ما رواه أحمد (١٤٩١١) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِخَرْصِهَا، يَقُولُ: «الْوَسْقَ، وَالْوَسْقَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ، وَالْأَرْبَعَةَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ولم يذكر النبي ﷺ في هذا الحديث الخمسة الأوسق فدل ذلك على أنَّ قوله:
«أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ». هو أرجح الشكين. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٤):
«الفصل الثاني، أنَّها لا تجوز في زيادة على خمسة أوسق، بغير خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين بجوازها. فأمَّا في خمسة أوسق، فلا يجوز عند إمامنا ﵀. وبه قال ابن المنذر، والشافعي في أحد قوليه.
وقال مالك، والشافعي في قول: يجوز.
[ ٨ / ٢١٥ ]
ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد؛ لأنَّ في حديث زيد وسهل أنَّه رخص في العرية، مطلقًا، ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي هريرة، وشك في الخمسة فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على مقتضى الإباحة.
ولنا، أنَّ النبي ﷺ نهى عن المزابنة. والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق، وشك في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم.
ولأنَّ العرية رخصة بنيت على خلاف النص والقياس فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك وروى ابن المنذر، بإسناده، أنَّ النبي ﷺ رخص في بيع العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة.
والتخصيص بهذا يدل على أنَّه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما اتفقنا على أنَّه لا تجوز الزيادة على الخمسة؛ لتخصيصه إياها بالذكر.
وروى مسلم عن سهل، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رخص في بيع العرية؛ النخلة والنخلتين» اهـ.
٢ - وظاهر الحديث يتناول تحريم الزيادة على ما دون خمسة أوسق سواء كان ذلك في صفقة واحدة أو صفقات، وهكذا سواء كان ذلك من بائع واحد أو أكثر، فالغرض أنَّه لا يجمع في ملكه أكثر من دون خمسة أوسق. وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٦):
[ ٨ / ٢١٦ ]
«فصل: ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، فيما زاد على صفقة، سواء اشتراها من واحد أو من جماعة.
وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع جميع ثمر حائطه عرايا، من رجل واحد، ومن رجال، في عقود متكررة؛ لعموم حديث زيد وسهل، ولأنَّ كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع.
ولنا، عموم النهي عن المزابنة، استثنى منه العرية فيما دون خمسة أوسق، فما زاد يبقى على العموم في التحريم.
ولأنَّ ما لا يجوز عليه العقد مرة إذا كان نوعًا واحدًا، لا يجوز في عقدين، كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين الأختين، فأمَّا حديث سهل فإنَّه مقيد بالنخلة والنخلتين؛ بدليل ما روينا، فيدل على تحريم الزيادة عليهما، ثم إنَّ المطلق يحمل على المقيد كما في العقد الواحد» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا إذا نفذ ما عنده، وأراد أن يشتري غيره فله ذلك، وإنَّما الممنوع أن يجتمع عنده أكثر من دون خمسة أوسق. والله أعلم.
٣ - واحتج بعمومه من منع ذلك أيضًا في جانب البائع، والذي يظهر لي أنَّه يجوز للبائع أن يعقد لرجلين فأكثر، ما زاد على هذا المقدار، فإنَّ الغرض في هذه المعاملة سد حاجة المشتري على الصحيح، فللبائع الواحد أن يسد حاجة الجماعة من الرجال وإن تجاوزت هذا المقدار باعتبار المجموع. والله أعلم.
[ ٨ / ٢١٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٦):
«فأمَّا إن باع رجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز.
وقال أبو بكر والقاضي: لا يجوز؛ لما ذكرنا في المشتري.
ولنا أنَّ المغلب في التجويز حاجة المشتري» اهـ.
قُلْتُ: لكن إن كانت الحاجة للبائع دون المشتري كأن يكون البائع محتاجًا للتمر وعنده رطب في النخيل وليس عنده ما يشتري به تمرًا غير الرطب جاز له في دون خمسة أو سق وليس له أن يبيع من رجلين ما فيه خمسة أوسق أو أكثر.
٤ - وإذا كان الرطب قد قطع من النخيل فهل يجوز للمحتاجين أن يشتروا منه بما دون خمسة أوسق أو لا يجوز ذلك.
المسألة فيها تردد، وذلك أنَّنا إذا نظرنا إلى أنَّ الغرر ومظنة الفضل في المكيل من الرطب أقل من المخروص على أصول النخيل قلنا بجواز ذلك بطريق الأولى.
وإذا نظرنا إلى نهي النبي ﷺ عن بيع التمر بالرطب، قلنا: الأصل في ذلك الحرمة وإنَّما جاء الاستثناء في الرطب الذي في النخيل فإنَّه يتفكه به شيئًا فشيئًا، بخلاف ما قطع فهو عرضة للتلف.
قُلْتُ: الأصل في ذلك المنع فلا يخرج عنه إلَّا بأمر بيِّن، أضف إلى ذلك أنِّي لم أقف على من قال بجواز ذلك.
* * *
[ ٨ / ٢١٨ ]
٢٦٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ».
وَلِ "مُسْلِمٍ": «وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».
قُلْتُ: الرواية التي عزاها المؤلف لمسلم رواها أيضًا البخاري (٢٣٧٩) ولفظ الحديث عنده: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥١):
«هكذا ثبتت قصة العبد في هذا الحديث في جميع نسخ البخاري وصنيع صاحب "العمدة" يقتضي أنَّها من أفراد مسلم فإنَّه أورده في باب العرايا فقال: عن عبد الله بن عمر فذكر من باع نخلًا ثم قال: ولمسلم "من ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع". وكأنَّه لما نظر كتاب البيوع من البخاري فلم يجده فيه توهم أنَّها من أفراد مسلم. واعتذر الشارح ابن العطار عن صاحب "العمدة" فقال: هذه الزيادة أخرجها الشيخان من رواية سالم عن أبيه عن عمر. قال: فالمصنف لما نسب الحديث لابن عمر أحتاج أن ينسب الزيادة لمسلم وحده انتهى ملخصًا.
وبالغ شيخنا ابن الملقن في الرد عليه لأنَّ الشيخين لم يذكرا في طريق سالم عمر بل هو عندهما جميعًا عن ابن عمر عن النَّبي ﷺ بغير واسطة عمر
[ ٨ / ٢١٩ ]
لكن مسلم والبخاري ذكراه في البيوع والشرب فتعين أنَّ سبب وهم المقدسي ما ذكرته» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - منطوق الحديث أنَّ من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلَّا أن يشترطها المبتاع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٢٩١):
«الأبار عند أهل العلم في النخل التلقيح وهو أن يؤخذ شيء من طلع النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث ومعنى ذلك في سائر الثمار ظهور الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظورًا إليها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٠١):
«وقوله: "أُبِرَت" بضم الهمزة وكسر الموحدة مخففًا على المشهور ومشددًا والراء مفتوحة» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحكم المذكور بالحديث مختص بما إذا تشقق طلعها، وإن لم يتم التلقيح بعد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٦):
«والحكم متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح، بغير اختلاف بين العلماء» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٠):
[ ٨ / ٢٢٠ ]
«قال أهل اللغة: يقال: أبرت النخل أبرته أبرًا بالتخفيف كأكلته أكلًا، وأبرته بالتشديد أأبره تأبيرًا كعلمته أعلمه تعليمًا، وهو أن يشق طلع النخلة ليدر فيه شيء من طلع ذكر النخل، والإبار هو شقه سواء حط فيه شيء أو لا. ولو تأبرت بنفسها أي تشققت فحكمها في البيع حكم المؤبرة بفعل الآدمي، هذا مذهبنا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٠٢):
«والتأبير التشقيق والتلقيح ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شيء من طلع النخلة الذكر والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئًا» اهـ.
قُلْتُ: وتلحق سائر الأشجار المثمرة بالنخيل، ولعلَّ النبي ﷺ اقتصر على ذكر النخيل لأنَّها غالب أشجار المدينة. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١١٣ - ١١٤):
«مسألة: قال: "وكذلك بيع الشجر إذا كان فيه ثمر باد". وجملة ذلك، أنَّ الشجر على خمسة أضرب:
أحدها: ما يكون ثمره في أكمامه، ثم تتفتح الأكمام، فيظهر، كالنخل الذي وردت السنة فيه، وبينا حكمه، وهو الأصل، وما عداه مقيس عليه، وملحق به.
ومن هذا الضرب؛ القطن، وما يقصد نوره؛ كالورد، والياسمين، والنرجس، والبنفسج، فإنَّه تظهر أكمامه ثم تتفتح، فيظهر، فهو كالطلع إن تفتح صجنبذه، فهو للبائع، وإلَّا فهو للمشتري.
[ ٨ / ٢٢١ ]
الثاني: ما تظهر ثمرته بارزة لا قشر عليها ولا نور، كالتين، والتوت، والجميز، فهنَّ للبائع؛ لأنَّ ظهورها من شجرها بمنزلة ظهور الطلع من قشره.
الثالث: ما يظهر في قشره، ثم يبقى فيه إلى حين الأكل، كالرمان، والموز، فهو للبائع أيضًا بنفس الظهور؛ لأنَّ قشره من مصلحته، ويبقى فيه إلى حين الأكل، فهو كالتين.
ولأنَّ قشره ينزل منزلة أجزائه؛ للزومه إياه، وكونه من مصلحته.
الضرب الرابع: ما يظهر في قشرين، كالجوز، واللوز، فهو للبائع أيضًا بنفس الظهور؛ لأنَّ قشره لا يزول عنه غالبًا، إلَّا بعد جزازه، فأشبه الضرب الذي قبله.
ولأنَّ قشر اللوز يؤكل معه، فأشبه التين.
وقال القاضي: إن تشقق القشر الأعلى فهو للبائع، وإن لم يتشقق فهو للمشتري، كالطلع.
ولو اعتبر هذا لم يكن للبائع إلَّا نادرًا، ولا يصح قياسه على الطلع؛ لأنَّ الطلع لا بد من تشققه، وتشققه من مصلحته، وهذا بخلافه، فإنَّه لا يتشقق على شجره، وتشققه قبل كماله يفسده.
الخامس: ما يظهر نوره، ثم يتناثر، فتظهر الثمرة، كالتفاح، والمشمش، والإجاص، والخوخ.
فإذا تفتح نوره، وظهرت الثمرة فيه، فهي للبائع، وإن لم تظهر، فهي للمشتري.
[ ٨ / ٢٢٢ ]
وقيل: ما تناثر نوره، فهو للبائع، وما لا فهو للمشتري؛ لأنَّ الثمرة لا تظهر حتى يتناثر النور.
وقال القاضي: يحتمل أن تكون للبائع بظهور نوره؛ لأنَّ الطلع إذا تشقق كان كنور الشجر، فإن العقد التي في جوف الطلع ليست عين الثمرة، وإنَّما هي أوعية لها، تكبر الثمرة في جوفها، وتظهر، فتصير العقدة في طرفها، وهي قمع الرطبة.
وقول الخرقي يقتضي ما قلناه؛ لأنَّه علق استحقاق البائع لها بكون الثمر باديًا لا يبدو نوره.
ولا يبدو الثمر حتى يتفتح نوره.
وقد يبدو إذا كبر قبل أن ينثر النور، فتعلق ذلك بظهوره.
والعنب بمنزلة ما له نور؛ لأنَّه يبدو في قطوفه شيء صغار كحب الدخن، ثم يتفتح، ويتناثر كتناثر النور، فيكون من هذا القسم. والله أعلم.
وهذا يفارق الطلع؛ لأنَّ الذي في الطلع عين الثمرة ينمو ويتغير، والنور في هذه الثمار يتساقط، ويذهب، وتظهر الثمرة.
ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه كما ذكرنا هاهنا، أو قريبًا منه، وبينهما اختلاف على حسب ما ذكرنا من الخلاف، أو قريبًا منه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا كلام حسن.
٢ - مفهوم الحديث أنَّ من باع نخلًا لم تؤبر بعد فثمرتها للمشتري.
[ ٨ / ٢٢٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٦):
«وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي.
وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري في الحالين؛ لأنَّها متصلة بالأصل اتصال خلقة، فكانت تابعة له، كالأغصان.
وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: هي للبائع في الحالين» اهـ.
٣ - واحتج به من قال: ليس للبائع أن يشترط لنفسه الثمرة التي لم تؤبر بعد؛ لأنَّ مفهوم الحديث أنَّها للمشتري، وهذا مذهب مالك.
وذهب الجمهور إلى جواز هذا الشرط، وهو الذي يظهر لي لأنَّه استثناء شيء معلوم، فلا محذور في منعه. والله أعلم.
٤ - واحتج به من قال بمنع اشتراط بعض الثمرة المؤبرة؛ لأنَّ الحديث إنَّما ورد في اشتراط الجميع، وليس فيه اشتراط البعض.
قُلْتُ: وهذا تفريق ضعيف، والصحيح جواز ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ١٠٨ - ١٠٩):
«قوله إلَّا أن يشترط المبتاع المراد بالمبتاع المشتري بقرينه الإشارة إلى البائع بقوله من باع وقد استدل بهذا الإطلاق على أنَّه يصح اشتراط بعض الثمرة كما يصح اشتراط جميعها وكأنَّه قال إلَّا أن يشترط المبتاع شيئًا من ذلك وهذه هي النكتة في حذف المفعول وانفرد ابن القاسم فقال: لا يجوز له شرط بعضها» اهـ.
[ ٨ / ٢٢٤ ]
٥ - ظاهر الحديث أنَّ البائع إذا استحق الثمرة، أو اشترطها له أن يبقيها على الشجرة إلى وقت نضوجها، وأوان جزها. وهذا مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة فأوجب قطعها وتفريغ النخل منها؛ لأنَّه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم نقله وتفريغه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٩):
«ولنا، أنَّ النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع دارًا فيها طعام، لم يجب نقله إلَّا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهارًا، شيئًا بعد شيء، ولا يلزمه النقل ليلًا، ولا جمع دواب البلد لنقله.
كذلك هاهنا، يفرغ النخل من الثمرة في أوان تفريغها، وهو أوان جزازها، وقياسه حجة لنا؛ لما بيناه.
إذا تقرر هذا، فالمرجع في جزه إلى ما جرت به العادة، فإذا كان المبيع نخلًا، فحين تتناهى حلاوة ثمره، إلَّا أن يكون مما بسره خير من رطبه، أو ما جرت العادة بأخذه بسرًا، فإنَّه يجزه حين تستحكم حلاوة بسره؛ لأنَّ هذا هو العادة، فإذا استحكمت حلاوته، فعليه نقله.
وإن قيل: بقاؤه في شجره خير له وأبقى؛ فعليه النقل؛ لأنَّ العادة في النقل قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك.
[ ٨ / ٢٢٥ ]
وإن كان المبيع عنبًا، أو فاكهة سواه، فأخذه حين يتناهى إدراكه، وتستحكم حلاوته، ويجز مثله.
وهذا قول مالك، والشافعي» اهـ.
٦ - وظاهر الحديث أنَّه إذا أوبر البعض، ولم يؤبر البعض الآخر أنَّ المؤبر للباع، وما لم يؤبر فهو للمشتري، وهذا مذهب أحمد.
وذهب الشافعي ﵀ إلى أنَّ الجميع للبائع لأنَّا إذا لم نجعل الكل للبائع، أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، فيجب أن يجعل ما لم يؤبر تبعًا لما أبر، كثمر النخلة الواحدة، فإنَّه لا خلاف في أنَّ تأبير بعض النخلة يجعل جميعها للبائع.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي أنَّه أرجح لما ذكره الإمام الشافعي ﵀، ولأنَّه أقطع لباب النزاع في ذلك. والله أعلم.
٧ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ الحكم المذكور مختص بإناث النخل دون ذكوره. وذلك أنَّ التأبير الذي هو التلقيح إنَّما يكون لإناث النخيل دون ذكورها.
وفي هذه المسألة نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١١١):
«فصل: وطلع الفحال كطلع الإناث.
وهو ظاهر كلام الشافعي ويحتمل أن يكون طلع الفحال للبائع قبل ظهوره؛ لأنَّه يؤخذ للأكل قبل ظهوره، فهو كثمرة لا تخلق إلَّا ظاهرة، كالتين، ويكون ظهور طلعه كظهور ثمرة غيره.
[ ٨ / ٢٢٦ ]
ولنا، أنَّها ثمرة نخل إذا تركت ظهرت، فهي كالإناث، أو يدخل في عموم الخبر.
وما ذكر للوجه الآخر لا يصح؛ فإنَّ أكله ليس هو المقصود منه، وإنَّما يراد للتلقيح به، وهو يكون بعد ظهوره، فأشبه طلع الإناث» اهـ.
٨ - وفيه جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تبعًا لأصلها.
٩ - وفيه جواز التأبير.
١٠ - وفيه صحة الشروط التي لا تخالف الشرع.
١١ - منطوق الحديث أنَّ من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلَّا أن يشترط المبتاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣١٤ - ٣١٥):
«قال الخرقي: إذا كان قصده للعبد لا للمال.
هذا منصوص أحمد، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وعثمان البتي.
ومعناه، أنَّه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد، إنَّما يقصد بقاء المال لعبده، وإقراره في يده، فمتى كان كذلك، صح اشتراطه، ودخل في البيع به، سواء كان المال معلومًا أو مجهولًا، من جنس الثمن أو من غيره، عينًا كان أو دينًا، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر.
قال البتي: إذا باع عبدًا بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز إذا كانت رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم؛ وذلك لأنَّه دخل في البيع تبعًا غير مقصود، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، فأمَّا إن كان المال
[ ٨ / ٢٢٧ ]
مقصودًا بالشراء، جاز اشتراطه إذا وجدت فيه شرائط البيع، من العلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن ربًا، كما يعتبر ذلك في العينين المبيعتين؛ لأنَّه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضم إلى العبد عينًا أخرى وباعهما» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥١):
«ويؤخذ من مفهومه أنَّ من باع عبدًا ومعه مال وشرطه المبتاع أنَّ البيع يصح لكن بشرط أن لا يكون المال ربويًا فلا يجوز بيع العبد ومعه دراهم بدراهم قاله الشافعي، وعن مالك لا يمنع لإطلاق الحديث وكأنَّ العقد إنَّما وقع على العبد خاصة والمال الذي معه لا مدخل له في العقد» اهـ.
قُلْتُ: وما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ وغيره هو ظاهر الحديث.
والذي يظهر لي أنَّ الهبة والصدقة كالبيع في ذلك، وأمَّا العتق فالذي يظهر لي أنَّه ليس كالبيع، بل من أعتق عبدًا فماله لمن أعتقه، إلَّا إذا اشترط ذلك المعتق قبل عتقه. والله أعلم.
١٢ - ويشمل الحديث الحلي الذي على الجارية المبيوعة، والثياب التي للزينة وغير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣١٦):
«فصل: وما كان على العبد أو الجارية من الحلي، فهو بمنزلة ماله، على ما ذكرنا.
فأمَّا الثياب فقال أحمد: ما كان يلبسه عند البائع، فهو للمشتري، وإن كانت ثيابًا يلبسها فوق ثيابه، أو شيئًا يزينه به، فهو للبائع، إلَّا أن يشترطه المبتاع.
[ ٨ / ٢٢٨ ]
يعني أنَّ الثياب التي يلبسها عادة للخدمة والبذلة، تدخل في البيع، دون الثياب التي يتجمل بها؛ لأنَّ ثياب البذلة جرت العادة ببيعها معه، ولأنَّها تتعلق بها مصلحته وحاجته، إذ لا غناء له عنها، فجرت مجرى مفاتيح الدار، بخلاف ثياب الجمال، فإنَّها زيادة على العادة، ولا تتعلق بها حاجة العبد، وإنَّما يلبسها إياه لينفقه بها، وهذه حاجة السيد، لا حاجة العبد، ولم تجر العادة بالمسامحة فيها، فجرت مجرى الستور في الدار والدابة التي يركبه عليها، مع دخولها في الخبر، وبقائها على الأصل.
وقال ابن عمر: من باع وليدة، زينها بثياب، فللذي اشتراها ما عليها، إلَّا أن يشترطه الذي باعها.
وبه قال الحسن، والنخعي ولنا، الخبر الذي رواه ابن عمر.
ولأنَّ الثياب لم يتناولها لفظ البيع، ولا جرت العادة ببيعها معه، أشبه سائر مال البائع.
ولأنه زينة للمبيع، فأشبه ما لو زين الدار ببساط أو ستر» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦١):
«وفي هذا الحديث دليل للأصح عند أصحابنا أنَّه إذا باع العبد أو الجارية وعليه ثيابه لم تدخل في البيع بل تكون للبائع، إلَّا أن يشترطها المبتاع، لأنَّه مال في الجملة. وقال بعض أصحابنا: تدخل. وقال بعضهم: يدخل ساتر العورة فقط.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
والأصح أنَّه لا يدخل ساتر العورة ولا غيره لظاهر هذا الحديث، ولأنَّ اسم العبد لا يتناول الثياب والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ما جرت العادة بدخوله في البيع فيدخل فيه، وليس من العادة أن يباع العبد ولا ثوب عليه يستر عورته. والله أعلم.
١٣ - وفي الحديث حجة لمذهب جماهير السلف في أنَّ العبد لا يملك شيئًا إذا لم يملكه سيده، إذ لو كان يملك لكان المال له على كل حال، ولما حل انتزاعه منه بحال لا للبائع ولا للمشتري.
١٤ - واحتج الظاهرية بقوله: «فَمَالُهُ». وبالرواية الأخرى التي عند البخاري (٢٣٧٩): «وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ …». على أنَّ العبد يملك باعتبار إضافة المال إليه في الرواية الأولى، وباعتبار أنَّ المال في قوله: "لُهُ". للتمليك.
واختلفوا هل يملك العبد بالتمليك، فذهب الشافعي في الجديد، وأحمد في إحدى الروايتين، وأبو حنيفة إلى أنَّه لا يملك بالتمليك، وقالوا: إضافة المال للعبد في هذا الحديث للاختصاص والانتفاع كما يقال: السرج للفرس، وذهب مالك، وأحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القديم إلى أنَّه يملك بالتمليك.
أقول: لو جعلنا العبد يملك مطلقًا لجعلناه وارثًا ومورِّثًا، وهذا خلاف ما تفق عليه العلماء من كونه لا يرث ولا يورَّث، ولو لم نجعله مالكًا بتمليك سيده له لما أبحنا له النكاح لأنَّه داخل في التمليك، وقد قال النَّبي ﷺ
[ ٨ / ٢٣٠ ]
لبعض أصحابه: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». رواه البخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥) عن سهل بن سعد ﵁.
فالصحيح أنَّ العبد لا يملك ملكًا مطلقًا، وإنَّما يملك بتمليك سيده له ملكًا ناقصًا بحيث أنَّ لسيده أن يأخذ ما لديه من المال متى ما أراد. والله أعلم.
١٥ - وإذا قلنا بأنَّ العبد يملك مطلقًا، أو لا يملك إلَّا بالتمليك أبحنا له التسري وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٣٠):
«قال أحمد في رواية أبي طالب لا أعلم شيئًا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين منهم عطاء ومجاهد وأهل السنة وأهل المدينة على تسرى العبد فمن احتج بهذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وأي ملك للعبد فقد قال النَّبي ﷺ: "من اشترى عبدًا وله مال فالمال للسيد"، جعل له مالًا هذا يقوي التسري.
وابن عباس وابن عمر أعلم بكتاب الله ممن احتج بهذه الآية لأنَّهم أصحاب رسول الله وانزل القرآن على رسول الله يعلمون فيما أنزل قالوا: يتسري العبد» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٢٩٦):
[ ٨ / ٢٣١ ]
«وقال مالك وأصحابه يملك ماله كما يملك عصمة نكاحه وجائز له التسري فيما ملك».
إلى أن قال ﵀ (١٣/ ٢٩٦):
«ومن الحجة لمالك أيضًا أنَّ عبد الله بن عمر كان يأذن لعبيده في التسري فيما بأيديهم ولا مخالف له من الصحابة» اهـ.
١٦ - ويحتج به لمن قال من أهل العلم بأنَّ على العبد زكاة في ماله؛ لأنَّه مالك له.
قُلْتُ: الصحيح أنَّه لا زكاة على العبد في ماله؛ لأنَّ ملكه للمال غير تام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ١٦٩):
«مسألة: قال: "والصدقة لا تجب إلَّا على أحرار المسلمين"، وفي بعض النسخ: "إلَّا على الأحرار المسلمين".
ومعناهما واحد، وهو أنَّ الزكاة لا تجب إلَّا على حر مسلم تام الملك، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا إلَّا عن عطاء وأبي ثور فإنَّهما قالا: على العبد زكاة ماله.
ولنا، أنَّ العبد ليس بتام الملك، فلم تلزمه زكاة، كالمكاتب» اهـ.
١٧ - قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٥٥):
«استدل بقوله: إلَّا أن يشترط المبتاع بدون ضمير على أنَّه يصح أن يشترط المشتري بعض مال العبد إمَّا شيء معين، وإمَّا جزء من المال كالنصف والثلث
[ ٨ / ٢٣٢ ]
ونحوهما كما تقدم نظيره في ثمرة النخل، وهو مقتضى مذهب الشافعي والجمهور، وقال به ابن حزم الظاهري. قال: ومنع من ذلك مالك وأبو سفيان وقالا: لا يجوز أن يشترط إلَّا الجميع أو يدع» اهـ.
* * *
[ ٨ / ٢٣٣ ]
٢٦٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «حَتَّى يَقْبِضَهُ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٣):
«قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ من اشترى طعامًا فليس له بيعه حتى يقبضه، وحكي ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعًا. وأمَّا ما حكي عن عثمان البتي من جوازه فإن صح فلا يعتد به» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله نهي عن ذلك، فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٨١ - ١٨٤):
«فصل: وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان.
إحداهما: ضعف الملك لأنَّه لو تلف انفسخ البيع.
والثانية: أنَّ صحته تفضي إلى توالي الضمانين فإنَّا لو صححناه كان مضمونًا للمشتري الأول على البائع الأول والمشتري الثاني على البائع الثاني فكيف يكون الشيء الواحد مضمونًا لشخص مضمونًا عليه؟ وهذان التعليلان غير مرضيين.
[ ٨ / ٢٣٤ ]
أمَّا الأول، فيقال: ما تعنون بضعف الملك؟ هل عنيتم به أنَّه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به، أو أمرًا آخر؟ فإن عنيتم الأول فلم قلتم: إنَّه مانع من صحة البيع، وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارئ، وبين عدم الصحة شرعًا أو عقلًا؟ وإن عنيتم بضعف الملك أمرًا آخرًا، فعليكم بيانه لننظر فيه.
وأمَّا التعليل الثاني: فكذلك أيضًا، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإنَّ كون الشيء مضمونًا على الشخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنَّه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر، وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني، وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها، فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقًا. وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه وله. ولهذا لما رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال: لا حاجة إلى ذلك، والمعتمد في بطلان البيع إنَّما هو الإخبار، فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه، ويجعله من ضمان البائع مطلقًا، وهو رواية عن أحمد وأبي حنيفة كذلك إلَّا في العقار. وأمَّا مالك وأحمد في المشهور من مذهبه: فيقولان: ما يمكن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد، فهو من ضمان المشتري، ومالك وأحمد يجوزان التصرف فيه، ويقولان: الممكن من القبض جار مجرى القبض على تفصيل في ذلك. فظاهر مذهب أحمد: أنَّ الناقل للضمان إلى
[ ٨ / ٢٣٥ ]
المشتري، هو التمكن من القبض، لا نفسه وكذلك ظاهر مذهبه: أنَّ جواز التصرف فيه ليس ملازمًا للضمان، ولا مبتنيًا عليه، ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم، فإنَّه يجوز التصرف حيث يكون من ضمان البائع، كما ذكرنا في الثمن ومنافع الإجارة، وبالعكس أيضًا، كما في الصبرة المعينة. وقد نص الخرقي على هذا وهذا فقال في المختصر: وإذا وقع المبيع على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه. فهو من مال البائع. ثم قال: ومن اشترى ما يحتاج إلى بيعه لم يجز بيعه حتى يقبضه. ثم قال: ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها. فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية اتفاقًا، ومع هذا لا يبيعها حتى يقبضها، وهذا منصوص أحمد.
فالمأخذ الصحيح في المسألة: أنَّ النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنَّه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا. فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه، وينقطع عن البائع، وينفطم عنه فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع، حتى إنَّ من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرى ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة، وسد باب المفسدة. وهذه العلة أقوى من تينك العلتين. وعلى هذا فإذا باعه قبل قبضه من بائعه جاز على الصحيح، لانتفاء هذه
[ ٨ / ٢٣٦ ]
العلة. ومن علل النهي بتوالي الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العلة، فبيعه من بائعه يشبه الإقالة. والصحيح من القولين: جواز الإقالة قبل القبض، وإن قلنا: هي بيع. وعلى هذا خرج حديث ابن عمر في الاستبدال بثمن المبيع، والمصارفة عليه قبل قبضه، فإنَّه استبدال ومصارفة مع العاقد، لا مع غيره، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقبض كل شيء بحسبه فالمكيل بكيله، والموزون بوزنه، والمعدود بعده، والمذروع بذرعه، وما بيع جزافًا فبنقله من مكانه إلى مكان لا علاقة للبائع فيه.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٥٢٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ».
وروى مسلم (١٥٢٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ».
وروى ابن ماجة (٢٢٢٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صَاعُ الْبَائِعِ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي».
قُلْتُ: ابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف الحديث، وأبي الزبير مدلس وقد عنعن.
ويشهد له ما رواه أحمد (٥٦٠، ٤٤٤)، وابن ماجة (٢٢٣٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ
[ ٨ / ٢٣٧ ]
عُثْمَانَ، يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: كُنْتُ أَبْتَاعُ التَّمْرَ مِنْ بَطْنٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ، فَأَبِيعُهُ بِرِبْحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَلْ، وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ».
وفيه ابن لهيعة ضعيف الحديث لكنه حسن بما قبله، وقد روى الحديث البخاري معلقًا فقال: «وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ"» اهـ.
وجاء في الجزاف ما رواه البخاري (٦٨٥٢)، ومسلم (١٥٢٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٨):
«وقول ابن عمر ﵄: "كنا في زمن رسول الله ﷺ، وفي عهد رسول الله ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله"، وفي الأخرى: "جِزَافًا - وأنَّهم كانوا - يُضْرَبُون في أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم"؛ دليل لمن سوَّى بين الجزاف في المكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض، ورأى: أنَّ قبض الجزاف نقلُه. وبه قال الكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود» اهـ.
قُلْتُ: وليس النقل إلى الرحال بشرط في ذلك، بل يكفيه أن ينقله إلى مكان لا علاقة للبائع فيه، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٥٢٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنَّا فِي
[ ٨ / ٢٣٨ ]
زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ، إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ، قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٠٠):
«فصل: وقبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلًا، أو موزونًا، بيع كيلًا، أو وزنًا، فقبضه بكيله ووزنه.
وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: التخلية في ذلك قبض».
إلى أن قال ﵀ (٨/ ٢٠٠ - ٢٠١):
«وإن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد. وإن كان ثيابًا، فقبضها نقلها. وإن كان حيوانًا، فقبضه تمشيته من مكانه. وإن كان مما لا ينقل ويحول، قبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه.
وقد ذكره الخرقي في باب الرهن، فقال: إن كان مما ينقل، فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولًا، وإن كان مما لا ينقل، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه.
ولأنَّ القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، كالإحراز، والتفرق. والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا» اهـ.
٢ - واحتج به من قال أنَّ النهي عن بيع الطعام قبل قبضه مختص بالمطعوم دون غيره.
[ ٨ / ٢٣٩ ]
وقد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٥ - ١٧٦) فقال:
«الجواب الثاني: أنَّ اختصاص الطعام بالمنع هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجة فكيف وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقًا والقياس المذكور حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلًا على المنع».
وَقَالَ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٦ - ١٧٧):
«قال المخصصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك الطعام يدل على أنَّه هو العلة، لأنَّ الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير، فكيف يكون المنع عامًا، فيعلقه الشارع بالخاص.
قال المعممون: لا تنافي بين الأمرين فإنَّ تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فثبت التعارض ويحتمل أن يكون لغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به، إمَّا لحاجة المخاطب، وإمَّا لأنَّ غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذكر الطعام مخرج الغالب فلا مفهوم له، وهذا هو الأظهر فإنَّ غالب تجارتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان
[ ٨ / ٢٤٠ ]
محتملًا، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها فتعين القول بموجبها» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ نزاع العلماء في ذلك فقال في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٣ - ١٧٤):
«فأمَّا غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة.
أحدها: أنَّه يجوز بيعه قبل قبضه، مكيلًا كان أو موزونًا، وهذا مشهور مذهب مالك. واختاره أبو ثور وابن المنذر.
والثاني: أنَّه يجوز بيع الدور والأرض قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف.
والثالث: ما كان مكيلًا أو موزونًا فلا يصح بيعه قبل القبض، سواء أكان مطعومًا أم لم يكن، وهذا يروى عن عثمان وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق، وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل.
والرابع: أنَّه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال، وهذا مذهب ابن عباس ومحمد بن الحسن، وهو إحدى الروايات عن أحمد. وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل على أنَّ هذا الحكم غير مختص بالمطعوم، ولا بالمكيل أو الموزون ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٠٣٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٤٦٦) مِنْ طَرِيْقِ
[ ٨ / ٢٤١ ]
شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِصْمَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ هَذِهِ الْبُيُوعَ وَأَبِيعُهَا، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا، وَمَا يَحْرُمُ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: «لَا تَبِيعَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَقْبِضَهُ».
ورواه النسائي (٤٦٠٢) مِنْ طَرِيْقِ عبد الله بن عصمة.
قُلْتُ: وعبد الله بن عصمة هذا مجهول الحال.
ويشهد له ما رواه أبو داود (٣٤٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِي، لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ، حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة ابن إسحاق، لكنه صرَّح بالتحديث عند أحمد (٢١٧١٢) فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ.
وروى البخاري (٢١٣٥) عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ».
[ ٨ / ٢٤٢ ]
ولفظ مسلم (١٥٢٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ».
٣ - وهذا الحكم مختص بالبيع كما هو ظاهر الحديث، وأمَّا سائر التصرفات كالهبة، والصدقة، والعتق، والإقالة، والوقف، والشركة فكلها جائزة على الصحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٩١):
«وَكُلُّ مَا مُلِكَ بِعَقْدٍ سِوَى الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ لِعَدَمِ قَصْدِ الرِّبْحِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ مِلْكُ إنْسَانٍ فِي مَوْرُوثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ لَمْ يُعْتَبَرْ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ قَبْضُهُ بِلَا خِلَافٍ» اهـ.
وقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٢٥٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّوْلِيَةُ، وَالْإِقَالَةُ، وَالشِّرْكَةُ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِ».
وَأَمَّا ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا مُسْتَفَاضًا بِالْمَدِينَةِ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ إِلَّا أَنْ يُشْرَكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ أَوْ يُقِيلَهُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحٌ إِلَى ابْنِ الْمُسَّيَبِ، ويعضده مرسل ربيعه.
[ ٨ / ٢٤٣ ]
وقد جاء في الهبة قبل قبضها ما رواه البخاري (٢١١٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي، فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «بِعْنِيهِ»، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ» فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ».
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٣٨): «الذي في الحديث منع البيع قبل القبض وليس فيه تعرض لغيره من التصرفات، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
أحدها: قصر ذلك على البيع وتجويز غيره من التصرفات قبل القبض قاله ابن حزم الظاهري قال: والشركة والتولية والإقالة كلها بيوع مبتدأة لا يجوز في شيء منها إلَّا ما يجوز في سائر البيوع.
القول الثاني: أنَّ سائر التصرفات في المنع قبل القبض كالبيع، وهذا هو الذي فهمته من مذهب الحنابلة لإطلاق ابن تيمية في المحرر التصرف من غير استثناء شيء منه.
القول الثالث: طرد المنع في كل معاوضة فيها حق توفية من كيل أو شبهه بخلاف القرض والهبة والصدقة، وهذا مذهب مالك وأرخص في الإقالة والتولية والشركة مع كونها معاوضات فيها حق توفية».
إلى أن قال ﵀ (٦/ ٣٣٩):
[ ٨ / ٢٤٤ ]
«القول الرابع: المنع من سائر التصرفات كالبيع إلَّا العتق، والاستيلاد، والتزويج، والقسمة؛ هذا حاصل الفتوى في مذهب الشافعي مع الخلاف في أكثر الصور.
وأمَّا الوقف فقال المتولي في "التتمة": إن قلنا إنَّ الوقف يفتقر إلى القبول فهو كالبيع، وإلَّا فهو كالإعتاق وبه قطع الماوردي في "الحاوي" وقال: يصير قابضًا حتى لو لم يرفع البائع يده عنه صار مضمونًا عليه بالقيمة فمن قصر المنع على البيع اقتصر على مورد النص ومن عداه إلى غيره فبالقياس وذلك متوقف على فهم العلة في ذلك ووجودها في الفرع المقيس والله أعلم» اهـ.
٤ - ويختص هذا الحديث بما تملكه الإنسان عن طريق البيع، فلا يبعه حتى يقبضه، وأمَّا ما تملكه عن غير البيع كالميراث، والوصية، وقسمة الغنائم، والهبة، والصدقة فيجوز بيعه قبل قبضه فإنَّ لفظ الحديث وعلته لا تتناول هذه الصور. والله أعلم.
وهذا لا خلاف فيه كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٥ - واحتج به على تحريم بيع الصكاك.
وقد روى مسلم (١٥٢٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى»، قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، «فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٩ - ٣٠):
[ ٨ / ٢٤٥ ]
«و"الصكوك": جمع صَك. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنَّما هو بيع من اشتراه من رزقه، لا بيع من رزقه؛ لأنَّ الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك ما ذكره مالك في "الموطأ"، قال: إنَّ صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في "الموطأ" أيضًا: أنَّ حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام حتى يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه.
إن قيل: فما في "الموطأ" يدل على فسخ البيعين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه؛ إذ فيه: أنَّ مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرق. فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها. وكذلك فعل عمر بحكيم، فإنَّه ردَّ الطعام عليه؛ لأنَّه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٣٣):
«وقد اختلف العلماء في ذلك؛ والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها؛ والثاني: منعها فمن منعها أخذ بظاهر قول أبي هريرة وبحجته ومن أجازها تأول قضية أبي هريرة على أنَّ المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث، قبل أن يقبضه
[ ٨ / ٢٤٦ ]
المشتري فكان النهي عن البيع الثاني لا عن الأول، لأنَّ الذي خرجت له مالك لذلك ملكًا مستقرًا وليس هو بمشتر فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه، قال القاضي عياض بعد أن تأوله على نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها ثم يبيعها المشترون قبل قبضها فنهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فرده عليه وقال: لا تبع طعامًا ابتعه حتى تستوفيه. انتهى هذا تمام الحديث في "الموطأ". وكذا جاء الحديث مفسرًا في "الموطأ" أنَّ صكوكًا خرجت للناس في زمن مروان بطعام فتبايع الناس تلك الصكوك قبل أن يستوفوها، وفي "الموطأ" ما هو أبين من هذا، وهو أنَّ حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب ﵁ فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه. والله أعلم» اهـ.
* * *
[ ٨ / ٢٤٧ ]
٢٦٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ:
«إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ».
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ. وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: «لا، هُوَ حَرَامٌ».
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».
جَمَلُوهُ: أَذَابُوهُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إضافة العام إلى أهم الحوادث الحاصلة فيه.
٢ - ترك النبي ﷺ الجمع في الخطاب بينه وبين ربه في ضمير واحد، فلم يقل: حرما بضمير التثنية.
قُلْتُ: والجمع بين الله ﷿ ورسوله في ضمير واحد جائز، كما تدل على ذلك عدة أحاديث من ذلك ما رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا …». الحديث.
[ ٨ / ٢٤٨ ]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
قُلْتُ: ويمكن أن يقال: لما كان النبي ﷺ لا يحرم إلَّا ما حرم الله ﷿ استقام إفراد الضمير، ومثيل هذا الحديث قول الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ] (٨/ ٤٩١ - ٤٩٣): «فلما كان إرضاؤهما لا يحصل أحدهما إلَّا مع الآخر وهما يحصلان بشيء واحد والمقصود بالقصد الأول إرضاء الله وإرضاء الرسول تابع وحد الضمير في قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وكذلك وحد الضمير في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، لأنَّ نزول ذلك على أحدهما يستلزم مشاركة الآخر له إذ محال أن ينزل ذلك على الصاحب دون المصحوب أو على المصحوب دون الصاحب الملازم فلما كان لا يحصل ذلك إلَّا مع الآخر وحد الضمير وأعاده إلى الرسول فإنَّه هو المقصود والصاحب تابع له ولو قيل فأنزل السكينة عليهما وأيدهما لأوهم أنَّ أبا بكر شريك في النبوة كهارون مع موسى حيث قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فذكرهما أولًا وقومهما فيما يشركونهما فيه كما قال:
[ ٨ / ٢٤٩ ]
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. إذا ليس في الكلام ما يقتضي حصول النجاة والنصر لقومهما إذا نصرا ونجيا ثم فيما يختص بهما ذكرهما بلفظ التثنية إذا كانا شريكين في النبوة لم يفرد موسى كما أفرد الرب نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾. وقوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾. فلو قيل: أنزل الله سكينته عليهما وأيدهما لأوهم الشركة بل عاد الضمير إلى الرسول المتبوع وتأييده تأييد لصاحبه التابع له الملازم بطريق الضرورة، ولهذا لم يُنصر النبي ﷺ قط في موطن إلَّا كان أبو بكر ﵁ أعظم المنصورين بعده ولم يكن أحد من الصحابة أعظم يقينًا وثباتًا في المخاوف منه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٥٤١):
«المعنى والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله إذ إرضاؤه هو إرضاء رسوله فلم يحتج أن يقول يرضوهما» اهـ.
٣ - وفي الحديث تحريم بيع الخمر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٤٧ - ٧٤٨):
«فأمَّا تحريم بيع الخمر، فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر، مائعًا كان، أو جامدًا، عصيرًا، أو مطبوخًا، فيدخل فيه عصير العنب، وخمر الزبيب، والتمر، والذرة، والشعير، والعسل والحنطة، واللقمة الملعونة، لقمة الفسق والقلب التي تحرك
[ ٨ / ٢٥٠ ]
القلب الساكن إلى أخبث الأماكن، فإنَّ هذا كله خمر بنص رسول الله ﷺ الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده، ولا إجمال في متنه، إذ صح عنه قوله: "كل مسكر خمر".
وصح عن أصحابه ﵃ الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده: أنَّ الخمر ما خامر العقل، فدخول هذه الأنواع تحت اسم الخمر، كدخول جميع أنواع الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والزبيب، تحت قوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر، والملح بالملح إلا مثلا بمثل".
فكما لا يجوز إخراج صنف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوز إخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنَّه يتضمن محذورين.
أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه.
والثاني: أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه، فيكون تغييرًا لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنَّه إذا سمى ذلك النوع بغير الاسم الذي سماه به الشارع، أزال عنه حكم ذلك المسمى، وأعطاه حكمًا آخر. ولما علم النَّبي ﷺ أنَّ من أمته من يبتلى بهذا، كما قال: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". قضى قضية كلية عامة لا يتطرق إليها إجمال، ولا احتمال، بل هي شافية كافية، فقال: "كل مسكر خمر"، هذا ولو أنَّ أبا عبيدة، والخليل
[ ٨ / ٢٥١ ]
وأضرابهما من أئمة اللغة ذكروا هذه الكلمة هكذا، لقالوا: قد نص أئمة اللغة على أنَّ كل مسكر خمر، وقولهم حجة» اهـ.
قُلْتُ: وسيأتي الكلام على سائر الأحكام المتعلقة بالخمر بمشيئة الله في كتاب الحدود، والأشربة.
٤ - أنَّ النهي عن بيع الخمر يشمل من باشر بيعها، أو وكل ذميًا في بيعها خلافًا لأبي حنيفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤١٦):
«فصل: ولا يجوز بيع الخمر، ولا التوكيل في بيعه، ولا شراؤه.
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أنَّ بيع الخمر غير جائز.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمسلم أن يوكل ذميًا في بيعها وشرائها» اهـ.
٥ - وفيه تحريم بيع الميتة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٤٩):
«وأمَّا تحريم بيع الميتة، فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة، سواء مات حتف أنفه، أو ذكى ذكاة لا تفيد حله. ويدخل فيه أبعاضها أيضًا» اهـ.
٦ - واحتج به من أدخل شعور الميتة، وريشها، ووبرها، وصوفها في حرمة بيعها.
قُلْتُ: الصحيح من أقوال العلماء أنَّه لا يدخل في تحريم بيع الميتة بيع شعرها ووبرها وصوفها وريشها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٥٣ - ٧٥٤):
[ ٨ / ٢٥٢ ]
«ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع أجزائها التي تحلها الحياة، وتفارقها بالموت، كاللحم والشحم والعصب، وأمَّا الشعر والوبر والصوف، فلا يدخل في ذلك، لأنَّه ليس بميتة، ولا تحله الحياة. وكذلك قال جمهور أهل العلم: إنَّ شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والثوري، وداود، وابن المنذر، والمزني، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، وأصحاب عبد الله بن مسعود، وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها …» اهـ.
وقال ﵀ (٥/ ٧٥٥) في تقرير حجج المطهرين:
«قالوا: ولأنَّه لو أخذ حال الحياة، لكان طاهرًا فلم ينجس بالموت كالبيض، وعكسه الأعضاء.
قالوا: ولأنَّه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان بالإجماع دل على أنَّه ليس جزءًا من الحيوان، وأنَّه لا روح فيه؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "ما أبين من حي، فهو ميتة"، رواه أهل السنن.
ولأنَّه لا يتألم بأخذه، ولا يحس بمسه، وذلك دليل عدم الحياة فيه، وأمَّا النماء، فلا يدل على الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها، فإنَّ مجرد النماء لو دل على الحياة، ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة، لتنجس الزرع بيبسه، لمفارقة حياة النمو والاغتذاء له.
[ ٨ / ٢٥٣ ]
قالوا: فالحياة نوعان: حياة حس وحركة، وحياة نمو واغتذاء، فالأولى: هي التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية.
قالوا: واللحم إنَّما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه، والشعور والأصواف بريئة من ذلك» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٩٧ - ٩٨):
«والثالث: أنَّ الجميع طاهر. كقول أبي حنيفة؛ وهو قول في مذهب مالك وأحمد. وهذا القول هو الصواب؛ وذلك لأنَّ الأصل فيها الطهارة؛ ولا دليل على النجاسة. وأيضًا فإنَّ هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث فتدخل في آية التحليل؛ وذلك لأنَّها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث لا لفظًا ولا معنى؛ فإنَّ الله تعالى حرم الميتة وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظًا ولا معنى: أمَّا اللفظ فلأنَّ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، لا يدخل فيها الشعور وما أشبهها؛ وذلك لأنَّ الميت ضد الحي والحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية، وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. إنَّما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية؛ فإنَّ الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وقال: ﴿اعْلَمُوا
[ ٨ / ٢٥٤ ]
أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين وإنَّما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس والحركة الإرادية. وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات؛ لا من جنس حياة الحيوان؛ فإنَّه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع وليس فيه حس ولا يتحرك بإرادته فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه.
وأيضًا فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة فإنَّ النبي ﷺ سئل عن قوم يحبون أسنمة الإبل وأليات الغنم؟ فقال: "ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت". رواه أبو داود وغيره. وهذا متفق عليه بين العلماء، فلو كان حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة، ولا كان طاهرًا حلالًا. فلما اتفق العلماء على أنَّ الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهرًا حلالًا: علم أنَّه ليس مثل اللحم» اهـ.
قُلْتُ: هذا تقرير صحيح، وبناءً على هذا فيجوز بيع هذه الأجزاء لعدم تناول الحديث لها.
وأدخل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في ذلك شعر غير مأكول اللحم، فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦١٦ - ٦١٧):
«أمَّا الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة:
[ ٨ / ٢٥٥ ]
أحدها: أنَّه نجس كله حتى شعره كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنَّه طاهر حتى ريقه كقول مالك في المشهور عنه.
والثالث: أنَّ ريقه نجس وأنَّ شعره طاهر وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه وهو الرواية الأخرى عن أحمد وهذا أرجح الأقوال. فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك وإذا ولغ في الماء أريق وإذا ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره. ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأمَّا إن كان اللبن كثيرًا فالصحيح أنَّه لا ينجس.
وله في الشعور النابتة على محل نجس ثلاث روايات:
إحداها: أنَّ جميعها طاهر حتى شعر الكلب والخنزير وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز.
والثانية: أنَّ جميعها نجس كقول الشافعي.
والثالثة: أنَّ شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهرًا كالشاة والفأرة وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس: كالكلب والخنزير وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه. والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب والخنزير وغيرهما بخلاف الريق وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبًا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد
[ ٨ / ٢٥٦ ]
في إحدى الروايتين عنه: وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلَّا بدليل».
إلى أن قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦١٩):
«وأمَّا إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن؛ لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنَّه نابت على ظهره. والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا. فإنَّ جمهورهم يقولون: إنَّ شعر الميتة طاهر بخلاف ريقها. والشافعي وأكثرهم يقولون: إنَّ الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر فغاية شعر الكلب أن يكون نابتًا في منبت نجس كالزرع النابت في الأرض النجسة فإذا كان الزرع طاهرًا فالشعر أولى بالطهارة لأنَّ الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة بخلاف الشعر فإنَّ فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع ظهور ذلك. فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره: إنَّ الزرع طاهر فالشعر أولى، ومن قال: إنَّ الزرع نجس فإنَّ الفرق بينهما ما ذكر، فإنَّ الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة وهذا أيضًا حجة في المسألة فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالًا باتفاق المسلمين؛ لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال ذلك عادت طاهرة فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها. والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلًا فلم يكن لتنجيسه معنى.
[ ٨ / ٢٥٧ ]
وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكل حيوان قيل بنجاسته فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب فإذا قيل: بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير إلَّا الهرة وما دونها في الخلقة. كما هو مذهب كثير من العلماء: علماء أهل العراق وهو أشهر الروايتين عن أحمد فإنَّ الكلام في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع: هل هو نجس؟ على روايتين عن أحمد: إحداهما: أنَّه طاهر وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة والشافعي ومالك. والرواية الثانية: أنَّه نجس كما هو اختيار كثير من متأخري أصحاب أحمد والقول بطهارة ذلك هو الصواب. كما تقدم. وأيضًا فالنبي ﷺ رخص في اقتناء كلب الصيد والماشية والحرث ولا بد لمن اقتناه أن يصيبه رطوبة شعوره كما يصيبه رطوبة البغل والحمار وغير ذلك فالقول بنجاسة شعورها والحال هذه من الحرج المرفوع عن الأمة.
وأيضًا فإنَّ لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر أحدًا بغسل ذلك فقد عفي عن لعاب الكلب في موضع الحاجة وأمر بغسله في غير موضع الحاجة فدل على أنَّ الشارع راعى مصلحة الخلق وحاجتهم والله أعلم» اهـ.
[ ٨ / ٢٥٨ ]
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم. لكن ذكره ها هنا أنَّ الشافعي ﵀ ممن يرى طهارة شعور ما لا يؤكل لحمه ليس بصحيح وقد ذكرى فيما مضى أنَّه ممن يذهب إلى نجاستها.
٧ - واحتج به من حرم بيع جلد الميتة بعد دباغه.
قُلْتُ: والصحيح جواز بيعه لأنَّه يصير بعد دباغته طاهرًا فلا معنى لحرمة بيعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٥٧):
«وأمَّا الجلد إذا دبغ، فقد صار عينًا طاهرة ينتفع به في اللبس والفرش، وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه، وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنَّه لا يجوز بيعه، واختلف أصحابه، فقال القفال: لا يتجه هذا إلَّا بتقدير قول يوافق مالكًا في أنَّه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعه، وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد، فإنَّه جزء من الميتة حقيقة، فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها.
وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدبغ لأنَّه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها كالمذكى.
وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أنَّ الدبغ إزالة أو إحالة، فإن قلنا: إحالة، جاز بيعه لأنَّه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى عين أخرى، وإن قلنا: إزالة، لم يجزء بيعه، لأنَّ وصف الميتة هو المحرم لبيعه، وذلك باق لم يستحل.
[ ٨ / ٢٥٩ ]
وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجه: أكله مطلقًا، وتحريمه مطلقًا، والتفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول، فأصحاب الوجه الأول، غلبوا حكم الإحالة، وأصحاب الوجه الثاني، غلبوا حكم الإزالة، وأصحاب الوجه الثالث أجروا الدباغ مجرى الذكاة، فأباحوا بها ما يباح أكله بالذكاة إذا ذكى دون غيره، والقول بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة، ولهذا لم يمكن قائله القول به إلَّا بعد منعه كون الجلد بعد الدبغ ميتة، وهذا منع باطل، فإنَّه جلد ميتة حقيقة وحسًا وحكمًا، ولم يحدث له حياة بالدبغ ترفع عنه اسم الميتة، وكون الدبغ إحالة باطل حسًا، فإنَّ الجلد لم يستحل ذاته وأجزاؤه، وحقيقته بالدباغ، فدعوى أنَّ الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى، كما تحيل النار الحطب إلى الرماد، والملاحة ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى باطلة.
وأمَّا أصحاب مالك ﵀ ففي "المدونة" لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب "التهذيب". وقال المازري: هذا هو مقتضى القول بأنَّها لا تطهر بالدباغ. قال: وأمَّا إذا فرعنا على أنَّها تطهر بالدباغ طهارة كاملة، فإنَّا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها.
قُلْتُ: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان:
إحداهما: يطهر ظاهره وباطنه، وبها قال وهب، وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه.
[ ٨ / ٢٦٠ ]
والثانية: وهي أشهر الروايتين عنه أنَّه يطهر طهارة مخصوصة يجوز معها استعماله في اليابسات، وفي الماء وحده دون سائر المائعات، قال أصحابه: وعلى هذه الرواية لا يجوز بيعه، ولا الصلاة فيه، ولا الصلاة عليه.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد: فإنَّه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدبغ روايتان، هكذا أطلقهما الأصحاب، وهما عندي مبنيتان على اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١١٣):
«فصل: ويجوز بيعه، وإجارته، والانتفاع به في كل ما يمكن الانتفاع به فيه، سوى الأكل؛ لأنَّه صار بمنزلة المذكى في غير الأكل ولا يجوز بيعه قبل دبغه؛ لأنَّه نجس، متفق على نجاسة عينه، فأشبه الخنزير» اهـ.
٨ - واحتج بالحديث من حرَّم بيع عظام الميتة، وأسنانها، وأظفارها، وأظلافها، وقرونها.
قُلْتُ: وهذا مبني على القول بنجاستها، وفي ذلك نزاع بين أهل العلم، والصحيح طهارة جميع ما ذكر إذا كانت من حيوان طاهر العين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٩٩ - ١٠١):
[ ٨ / ٢٦١ ]
«وأمَّا العظام ونحوها: فإذا قيل: إنَّها داخلة في الميتة لأنَّها تحس وتألم. قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ؛ فإنَّ ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم وعند جمهور العلماء مع أنَّها ميتة موتًا حيوانيًا. وقد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإنَّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء". ومن نجس هذا قال في أحد القولين: إنَّه لا ينجس المائعات الواقع فيها لهذا الحديث. وإذا كان كذلك: علم أنَّ علة نجاسة الميتة إنَّما هو احتباس الدم فيها فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل فإذا مات لم يحتبس فيه الدم؛ فلا ينجس. فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا؛ فإنَّ العظم ليس فيه دم سائل ولا كان متحركًا بالإرادة إلَّا على وجه التبع. فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل: فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل؟
ومما يبين صحة قول الجمهور: أنَّ الله سبحانه إنَّما حرم علينا الدم المسفوح كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. فإذا عفي عن الدم غير المسفوح مع أنَّه من جنس الدم: علم أنَّه - سبحانه - فرق بين الدم الذي يسيل وبين غيره؛ ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم في القدور بين ويأكلون ذلك على عهد
[ ٨ / ٢٦٢ ]
رسول الله ﷺ كما أخبرت بذلك عائشة ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه أو بسبب غير جارح محدد فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وحرم النبي ﷺ ما صيد بعرض المعراض وقال: "إنَّه وقيذ". دون ما صيد بحده والفرق بينهما إنَّما هو سفح الدم؛ فدل على أنَّ سبب التنجيس هو احتقان الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر عليه غير اسم الله كان الخبث هنا من جهة أخرى فإنَّ التحريم يكون تارة لوجود الدم وتارة لفساد التذكية كذكاة المجوسي والمرتد والذكاة في غير المحل. وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور السلف قال الزهري كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل وقد روي في العاج حديث معروف لكن فيه نظر ليس هذا موضعه؛ فإنَّا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك.
وأيضًا فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به". قالوا: إنَّها ميتة؟ قال: "إنَّما حرم أكلها". وليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه ولكن ذكره ابن عيينة ورواه مسلم في صحيحه وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه وذكر أنَّ الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع
[ ٨ / ٢٦٣ ]
بجلود الميتة بلا دباغ لأجل هذا الحديث وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق الأولى لكن إذا قيل: إنَّ الله حرم بعد ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبغ أو قيل: إنَّها لا تطهر بالدباغ: لم يلزم تحريم العظام ونحوها لأنَّ الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما في سائر أجزائها والنبي ﷺ جعل دباغه ذكاته؛ لأنَّ الدباغ ينشف رطوباته؛ فدل على أنَّ سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه رطوبة سائلة وما كان فيه منها فإنَّه يجف وييبس وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد فهو أولى بالطهارة من الجلد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٥٩ - ٧٦٠):
«وأمَّا عظمها، فمن لم ينجسه بالموت، كأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، واختيار ابن وهب من أصحاب مالك، فيجوز بيعه عندهم، وإن اختلف مأخذ الطهارة، فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناوله اسمها، ومنعوا كون الألم دليل حياته، قالوا: وإنَّما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم، وحملوا قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، على حذف مضاف، أي أصحابها. وغيرهم ضعف هذا المأخذ جدًا، وقال: العظم يألم، وألمه أشد من ألم اللحم، ولا يصح حمل الآية على حذف مضاف، لوجهين، أحدهما: أنَّه تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه.
[ ٨ / ٢٦٤ ]
الثاني: أنَّ هذا التقدير يستلزم الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة العظام، فإنَّ أبي ابن خلف أخذ عظمًا باليًا، ثم جاء به إلى النَّبي ﷺ، ففته في يده، فقال: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما رم؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نعم، ويبعثك، ويدخلك النار".
فمأخذ الطهارة أنَّ سبب تنجيس الميتة منتف في العظام، فلم يحكم بنجاستها، ولا يصح قياسها على اللحم، لأنَّ احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دون العظام، كما أنَّ ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، وهو حيوان كامل، لعدم سبب التنجيس فيه. فالعظم أولى، وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول، وعلى هذا، فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين.
وأمَّا من رأى نجاستها، فإنَّه لا يجوز بيعها، إذ نجاستها عينية، قال ابن القاسم: قال مالك: لا أري أن تشترى عظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ولا يتجر فيها، ولا يمتشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها، وكيف يجعل الدهن في الميتة ويمشط لحيته الميتة، وهى مبلولة، وكره أن يطبخ بعظام الميتة، وأجاز مطرف، وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقًا، وأجازه ابن وهب، وأصبغ إن غليت وسلقت، وجعلا ذلك دباغًا لها» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس لهذه المسألة. وبهذا يتبين أنَّ الجنابي التي يستعملها اليمنيون وغيرهم التي تؤخذ من قرون بعض الحيوان قبل موته ليست بنجسة،
[ ٨ / ٢٦٥ ]
وهذا مبني على الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وهو القول بطهارة قرون الميتة، وهذا مذهب الإمام أحمد في رواية، ومذهب أبي حنيفة، وذهب الإمام مالك، والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى إلى نجاسته.
٩ - واحتج بعمومه من قال بتحريم بيع لبن الميتة.
قُلْتُ: وهذه المسألة مبنية على اختلافهم في نجاسة اللبن في ضرع البهيمة، أو طهارته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (١/ ٢٤٤):
«قد ذكرنا أنَّ اللبن في ضرع الميتة نجس هذا مذهبنا وهو قول مالك وأحمد وقال أبو حنيفة هو طاهر» اهـ.
قُلْتُ: والأقوى القول بطهارة اللبن ما لم يتغير بنجاسة الميتة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٠٢ - ١٠٤): «وأمَّا لبن الميتة وإنفحتها ففيه قولان مشهوران للعلماء:
أحدهما: أنَّ ذلك طاهر. كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والثاني: أنَّه نجس. كقول مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد. وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس فإنَّ ذبائح المجوس حرام عند جماهير السلف والخلف وقد قيل: إنَّ ذلك مجمع عليه بين الصحابة فإذا صنعوا جبنًا - والجبن يصنع بالإنفحة - كان فيه هذان القولان. والأظهر أنَّ جبنهم حلال وأنَّ إنفحة الميتة ولبنها طاهر وذلك لأنَّ الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن
[ ٨ / ٢٦٦ ]
المجوس وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر فإنَّه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا فإنَّ المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز. ويدل على ذلك أنَّ سلمان الفارسي كان هو نائب عمر بن الخطاب على المدائن وكان يدعو الفرس إلى الإسلام وقد ثبت عنه: أنَّه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفى عنه. وقد رواه أبو داود مرفوعًا إلى النبي ﷺ. ومعلوم أنَّه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب فإنَّ هذا أمر بين وإنَّما كان السؤال عن جبن المجوس: فدل ذلك على أنَّ سلمان كان يفتي بحلها وإذا كان روي ذلك عن النبي ﷺ انقطع النزاع بقول النبي ﷺ.
وأيضًا فاللبن والإنفحة لم يموتا وإنَّما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء نجس فيكون مائعًا في وعاء نجس فالتنجيس مبني على مقدمتين على أنَّ المائع لاقى وعاء نجسًا وعلى أنَّه إذا كان كذلك صار نجسًا. فيقال أولًا: لا نسلم أنَّ المائع ينجس بملاقاة النجاسة وقد تقدم أنَّ السنة دلت على طهارته لا على نجاسته. ويقال ثانيًا: إنَّ الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه. والله أعلم» اهـ.
[ ٨ / ٢٦٧ ]
١٠ - واحتج به من حرَّم بيع بيض الميتة.
قُلْتُ: وهو مبني أيضًا على القول بنجاستها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٢):
«فصل: وإن ماتت الدجاجة، وفي بطنها بيضة قد صلب قشرها، فهي طاهرة.
وهذا قول أبي حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر.
وكرهها علي بن أبي طالب، وابن عمر، وربيعة، ومالك، والليث، وبعض الشافعية؛ لأنَّها جزء من الدجاجة.
ولنا أنَّها بيضة صلبة القشر، طرأت النجاسة عليها، فأشبه ما لو وقعت في ماء نجس.
وقولهم: إنَّها جزء منها. غير صحيح، وإنَّما هي مودعة فيها، غير متصلة بها، فأشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة؛ ولأنَّها خارجة من حيوان يخلق منها مثل أصلها، أشبهت الولد الحي، وكراهة الصحابة لها محمولة على كراهة التنزيه، استقذارًا لها، ولو وضعت البيضة تحت طائر، فصارت فرخًا، كان طاهرًا بكل حال.
فإن لم تكمل البيضة، فقال بعض أصحابنا: ما كان قشره أبيض، فهو طاهر. وما لم يبيض قشره فهو نجس؛ لأنَّه ليس عليه حائل حصين.
واختار ابن عقيل أنَّه لا ينجس؛ لأنَّ البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد، وهو القشر قبل أن يقوى، فلا ينجس منها إلَّا ما كان لاقى النجاسة، كالسمن الجامد
[ ٨ / ٢٦٨ ]
إذا ماتت فيه فأرة، إلَّا أن هذه تطهر إذا غسلها؛ لأنَّ لها من القوة ما يمنع تداخل أجزاء النجاسة فيها، بخلاف السمن» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح طهارة بيض الميتة، لأنَّها لا تدخل في مسمى الميتة. والله أعلم.
١١ - واحتج به أيضًا من حرَّم بيع الْإِنْفَحَةُ.
والإنْفَحَةُ: بكسر الهمزة وفتح الفاء والحاء: شيءٌ أصفر يُسْتَخْرَج من بطن الجدي الرضيع قبل أن يأكل يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ ويجبن.
قُلْتُ: والقول بتحريم بيعها مبني أيضًا على القول بنجاستها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٢/ ٥٧٠):
«الْإِنْفَحَةُ إن أخذت من السخلة بعد موتها أو بعد ذبحها وقد أكلت غير اللبن فهي نجسة بلا خلاف وإن أخذت من سخلة بحت قبل أن تأكل غير اللبن فوجهان الصحيح الذي قطع به كثيرون طهارتها لأنَّ السلف لم يزالوا يجبنون بها ولا يمتنعون من أكل الجبن المعمول بها.
وحكي العبدري عن مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه نجاسة الإنفحة الميتة كمذهبنا: وعن أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى أنَّها طاهرة كالبيض» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح هو طهارة إنفحة الميتة، فإنَّ غاية أمرها أن تكون كالمائع الطاهر في الإناء النجس، والصحيح طهارته ما لم يتغير بالنجاسة، وقد سبق أن ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيها، عند كلامنا على لبن الميتة.
[ ٨ / ٢٦٩ ]
١٢ - وفيه تحريم بيع الخنزير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦١):
«وأمَّا تحريم بيع الخنزير، فيتناول جملته، وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة، وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارة إلى تحريم أكله ومعظمه اللحم، فذكر اللحم تنبيهًا على تحريم أكله دون ما قبله، بخلاف الصيد، فإنَّه لم يقل فيه: وحرم عليكم لحم الصيد، بل حرم نفس الصيد، ليتناول ذلك أكله وقتله. وها هنا لما حرم البيع ذكر جملته، ولم يخص التحريم بلحمه ليتناول بيعه حيًا وميتًا» اهـ.
١٣ - وفيه تحريم بيع الأصنام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦١ - ٧٦٢):
«وأمَّا تحريم بيع الأصنام، فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت صنمًا أو وثنًا أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك، وعبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلي اقتناعها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإنَّ مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها، والنبي ﷺ لم يؤخر ذكرها لخفة أمرها، ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه، فإنَّ الخمر أحسن حالًا من الميتة، فإنَّها تصير مالًا محترمًا إذا قلبها الله سبحانه ابتداء خلًا، أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء، وتضمن إذا أتلفت على الذمي عند طائفة بخلاف الميتة، وإنَّما لم يجعل الله في أكل الميتة حدًا اكتفاء بالزاجر الذي جعله الله في الطباع
[ ٨ / ٢٧٠ ]
من كراهتها والنفرة عنها، وإبعادها عنها، بخلاف الخمر. والخنزير أشد تحريمًا من الميتة، ولهذا أفرده الله تعالى بالحكم عليه أنَّه رجس في قوله: ﴿قُلْ لَا أَجدُ فِيمَا أُوحِىَ إلىَّ مُحرَّمًا عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾، فالضمير في قوله: "فإنَّه" وإن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم، فإنَّه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه.
أحدها: قربه منه، والثاني: تذكيره دون قوله، ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾، والثالث: أنَّه أتى "بالفاء" و"إنَّ" تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه، ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه، واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنَّه رجس، وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم لأنَّ كونهما رجسًا أمر مستقر معلوم عندهم، ولهذا في القرآن نظائر، فتأملها. ثم ذكر بعد تحريم بيع الأصنام، وهو أعظم تحريمًا وإثمًا، وأشد منافاة للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير» اهـ.
١٤ - واحتج به من ذهب إلى تحريم الانتفاع بالميتة فيما ذكر.
قُلْتُ: وهذا مبني على أنَّ قوله: «هُوَ حَرِامٌ». عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها، والصحيح عوده إلى البيع، فإنَّ السؤال إنَّما ورد عنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٤٩ - ٧٥٣):
«وهذا موضع اختلف الناس فيه لاختلافهم في فهم مراده ﷺ، وهو أنَّ قوله: "لَا، هُوَ حَرِامٌ": هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال التي
[ ٨ / ٢٧١ ]
سألوا عنها؟ فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع، فإنَّه ﷺ لما أخبرهم أنَّه حرم بيع الميتة، قالوا: إنَّ في شحومها من المنافع كذا وكذا، يعنون، فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ فقال: "لَا، هُوَ حَرِامٌ".
قُلْتُ: كأنَّهم طلبوا تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز، كما طلب العباس ﵁ تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز، فلم يجبهم إلى ذلك، فقال: "لَا، هُوَ حَرِامٌ".
وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التحريم عائد إلى الأفعال المسؤول عنها، وقال: هو حرام، ولم يقل: هي، لأنَّه أراد المذكور جميعه، ويرجح قولهم عود الضمير إلى أقرب مذكور، ويرجحه من جهة المعنى أنَّ إباحة هذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها، ويرجحه أيضًا: أنَّ في بعض ألفاظ الحديث، فقال: "لا، هي حرام"، وهذا الضمير إمَّا أن يرجع إلى الشحوم، وإمَّا إلى هذه الأفعال، وعلى التقديرين، فهو حجة على تحريم الأفعال التي سألوا عنها.
ويرجحه أيضًا قوله في حديث أبي هريرة ﵁ في الفأرة التي وقعت في السمن: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان مائعًا فلا تقربوه".
وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قربان له.
ومن رجح الأول يقول: ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّما حرم من الميتة أكلها"، وهذا صريح في أنَّه لا يحرم الانتفاع بها في غير الأكل، كالوقيد،
[ ٨ / ٢٧٢ ]
وسد البثوق، ونحوهما. قالوا: والخبيث إنَّما تحرم ملابسته باطنًا وظاهرًا، كالأكل واللبس، وأمَّا الانتفاع به من غير ملابسة، فلأي شيء يحرم؟
قالوا: ومن تأمل سياق حديث جابر، علم أنَّ السؤال إنَّما كان منهم عن البيع، وأنَّهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم، لما فيها من المنافع، فأبى عليهم وقال: "هو حرام"، فإنَّهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال، لقالوا: أرأيت شحوم الميتة، هل يجوز أن يستصبح بها الناس، وتدهن بها الجلود؛ ولم يقولوا: فإنَّه يفعل بها كذا وكذا، فإنَّ هذا إخبار منهم، لا سؤال، وهم لم يخبروه بذلك عقيب تحريم هذه الأفعال عليهم، ليكون قوله: "لا، هو حرام" صريحًا في تحريمها، وإنَّما أخبروه به عقيب تحريم بيع الميتة، فكأنَّهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها، فلم يفعل. ونهاية الأمر أنَّ الحديث يحتمل الأمرين، فلا يحرم ما لم يعلم أنَّ الله ورسوله حرمه.
قالوا: وقد ثبت عنه أنَّه نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن يطعموا ما عجنوا منه من تلك الآبار للبهائم، قالوا: ومعلوم أنَّ إيقاد النجاسة والاستصباح بها انتفاع خال عن هذه المفسدة، وعن ملابستها باطنًا وظاهرًا، فهو نفع محض لا مفسدة فيه. وما كان هكذا، فالشريعة لا تحرمه، فإنَّ الشريعة إنَّما تحرم المفاسد الخالصة أو الراجحة، وطرقها وأسبابها الموصلة إليها.
[ ٨ / ٢٧٣ ]
قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الاستصباح بشحوم الميتة إذا خالطت دهنًا طاهرًا، فإنَّه في أكثر الروايات عنه يجوز الاستصباح بالزيت النجس، وطلي السفن به، وهو اختيار طائفة من أصحاب، منهم: الشيخ أبو محمد، وغيره، واحتج بأنَّ ابن عمر أمر أن يستصبح به.
وقال في رواية ابنيه: صالح وعبد الله: لا يعجبني بيع النجس، ويستصبح به إذا لم يمسوه، لأنَّه نجس، وهذا يعم النجس، والمتنجس، ولو قدر أنَّه إنَّما أراد به المتنجس، فهو صريح في القول بجواز الاستصباح بما خالطه نجاسة ميتة أو غيرها، وهذا مذهب الشافعي، وأي فرق بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان منفردًا، وبين الاستصباح به إذا خالطه دهن طاهر فنجسه؟
فإن قيل: إذا كان مفردًا، فهو نجس العين، وإذا خالطه غيره تنجس به، فأمكن تطهيره بالغسل، فصار كالثوب النجس، ولهذا يجوز بيع الدهن المتنجس على أحد القولين دون دهن الميتة.
قيل: لا ريب أنَّ هذا هو الفرق الذي عول عليه المفرقون بينهما، ولكنه ضعيف لوجهين.
أحدهما: أنَّه لا يعرف عن الإمام أحمد، ولا عن الشافعي البتة غسل الدهن النجس، وليس عنهم في ذلك كلمة واحدة، وإنَّما ذلك من فتوى بعض المنتسبين، وقد روى عن مالك، أنَّه يطهر بالغسل، هذه رواية ابن نافع، وابن القاسم عنه.
[ ٨ / ٢٧٤ ]
الثاني: أنَّ هذا الفرق وإن تأتى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما، فلا يتأتى لهم في جميع الأدهان، فإنَّ منها ما لا يمكن غسله، وأحمد والشافعي قد أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدهن النجس من غير تفريق.
وأيضًا فإنَّ هذا الفرق لا يفيد في دفع كونه مستعملًا للخبيث والنجاسة، سواء كانت عينية أو طارئة، فإنَّه إن حرم الاستصباح به لما فيه من استعمال الخبيث، فلا فرق، وإن حرم لأجل دخان النجاسة، فلا فرق، وإن حرم لكون الاستصباح به ذريعة إلى اقتنائه، فلا فرق، فالفرق بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دون هذا لا معنى له.
وأيضًا فقد جوز جمهور العلماء الانتفاع بالسرقين النجس في عمارة الأرض للزرع، والثمر، والبقل مع نجاسة عينه، وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة الموقد، وظهور أثره في البقول والزروع، والثمار، فوق ظهور أثر الوقيد، وإحالة النار أتم من إحالة الأرض، والهواء والشمس للسرقين، فإن كان التحريم لأجل دخان النجاسة، فمن سلم أنَّ دخان النجاسة نجس، وبأي كتاب، أم بأية سنة ثبت ذلك؟ وانقلاب النجاسة إلى الدخان أتم من انقلاب عين السرقين والماء النجس ثمرًا أو زرعًا، وهذا أمر لا يشك فيه، بل معلوم بالحس والمشاهدة، حتى جوَّز بعض أصحاب مالك، وأبي حنيفة رحمهما الله بيعه، فقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأنَّ ذلك من منافع الناس.
[ ٨ / ٢٧٥ ]
وقال ابن القاسم: لا بأس ببيع الزبل. قال اللخمي: وهذا يدل من قوله على أنَّه يرى بيع العذرة.
وقال أشهب في الزبل: المشترى أعذر فيه من البائع، يعني في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله واحدًا منهما، وهما سيان في الإثم.
قُلْتُ: وهذا هو الصواب، وأنَّ بيع ذلك حرام وإن جاز الانتفاع به، والمقصود: أنَّه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها في غير ما حرم الله ورسوله منها كالوقيد، وإطعام الصقور والبزاة وغير ذلك. وقد نص مالك على جواز الاستصباح بالزيت النجس في غير المساجد، وعلى جواز عمل الصابون منه، وينبغي أن يعلم أنَّ باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، بل لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس من هذا الإمام ﵀. ولفظه: «لَا، هِيَ حَرِامٌ». رواها أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٣٥٠)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٨٣٧) من حديث جابر، وَإِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ.
وجاءت من حديث عبد لله بن عمرو بن العاص عند أحمد (٦٩٩٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٤١٥)، وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ.
قُلْتُ: والضمير: «هِيَ». عائد على الميتة، والمراد هي حرام لا يجوز بيع شحمها من أجل ذلك. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٤٢):
[ ٨ / ٢٧٦ ]
«هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنَّه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلي السفن والاستصباح بها، وغير ذلك مما ليس بأكل ولا في بدن الآدمي، وبهذا قال أيضًا عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري، وقال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلًا لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلَّا ما خص، وهو الجلد المدبوغ.
وأمَّا الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة فهل يجوز الاستصباح بها ونحوه من الاستعمال في غير الأكل وغير البدن، أو يجعل من الزيت صابونًا أو يطعم العسل المتنجس للنحل، أو يطعم الميتة لكلابه، أو يطعم الطعام النجس لدوابه فيه خلاف بين السلف، الصحيح من مذهبنا: جواز جميع ذلك، ونقله القاضي عياض عن مالك وكثير من الصحابة والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد، قال: وروي نحوه عن علي وابن عمر وأبي موسى والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، قال: وأجاز أبو حنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه، وقال عبد الملك بن الماجشون وأحمد بن حنبل وأحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كله في شيء من الأشياء، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز الانتفاع بشحم الميتة في غير الأشياء الملامسة لبدن الشخص، أو ثوبه لعدم الدليل على المنع من ذلك. والله أعلم.
[ ٨ / ٢٧٧ ]
١٥ - وفيه تحريم الحيل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١١٢):
«قال الخطابي في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرم فإنَّه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه.
قال شيخنا ﵁: ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد أنَّ اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنَّهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم، ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله على لسان رسول الله ﷺ على هذا الاستحلال نظرًا إلى المقصود وأنَّ حكمة التحريم لا تختلف سواء كان جامدًا أو مائعًا وبذل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة، وأمَّا ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالخمر مثلًا فإنَّه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرمة وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإنَّ الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه". يعنى ثمنه المقابل لمنفعة الأكل فإذا كان فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا» اهـ.
* * *
[ ٨ / ٢٧٨ ]