وَقَالَ طاووس قال معاذ، ﵁، لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خميص، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة.
وَقَالَ النبي ﷺ: "وأمَّا خالد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله".
وَقَالَ النبي ﷺ: "تصدقن ولو من حليكن" فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها ولم يخص الذهب والفضة من العروض» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀.
والذي يظهر لي أنَّ الأصل في الزكاة الإخراج من الجنس إلَّا إذا دعت إلى ذلك المصلحة الراجحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٤/ ٢٥٣):
[ ٦ / ١٨٨ ]
«ويجوز أيضًا أن يخرج عن النقود عروضًا من الأقمشة والأطعمة وغيرها، إذا رأى المصلحة لأهل الزكاة في ذلك مع اعتبار القيمة، مثل أن يكون الفقير مجنونًا أو ضعيف العقل أو سفيهًا أو قاصرًا، فيخشى أن يتلاعب بالنقود، وتكون المصلحة له في إعطائه طعامًا أو لباسًا ينتفع به من زكاة النقود بقدر القيمة الواجبة، وهذا كله في أصح أقوال أهل العلم» اهـ.
١٠ - واحتج به على إخراج الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية وهذا على تقدير أنَّ خالدًا أخرج أدرعه وأعتاده في زكاة ماله وجعلها في سبيل الله وهو أحد المصارف الثمانية.
قُلْتُ: وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول حديث من أحاديث الزكاة.
١١ - وفيه الدفاع عن عرض المسلم إذا ظن به سوءً.
١٢ - وفيه الأخذ بقياس الأولى وهذا مبني على أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أخبرهم بأنَّ خالدًا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله مع أنَّ هذا لا يجب عليه فمن باب أولى أن لا يمتنع مما وجب عليه من الزكاة الواجبة.
١٣ - وقوله في الحديث: «وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا». هذه رواية مسلم وهي تدل على أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ تحملها على عمِّه العباس ويدل على ذلك قوله في آخر الحديث: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ». فإنَّ هذا كالتعليل لتحملها عن عمه العباس ﵁.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث عند البخاري (١٤٦٨) بلفظ: «فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
[ ٦ / ١٨٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٥/ ١٩):
«لفظ مسلم وأبي داود: "فهي علي ومثلها معها" وفيه قولان:
أحدهما: أنَّه كان تسلف منه صدقة عامين.
والثاني: أنَّه تحملها عنه يؤديها عنه.
ولفظ البخاري والنسائي: "فهي عليه صدقة ومثلها معها" وفيه قولان: أحدهما: أنَّه جعله مصرفًا لها وهذا قبل تحريمها على بني هاشم.
والثاني: أنَّه أسقطها عنه عامين لمصلحة كما فعل عمر عام الرمادة.
ولفظ ابن إسحاق: "هي عليه ومثلها ومعها" حكاه البخاري وفيه قولان: أحدهما: أنَّه أنظره بها ذلك العام إلى القابل فيأخذها ومثلها.
والثاني: أنَّ هذا مدح للعباس وأنَّه سمح بما طلب منه لا يمتنع من إخراج ما عليه بل يخرجه ومثله معه.
وَقَالَ موسى بن عقبة: "فهي له ومثلها معها" ذكره ابن حبان وفيه قولان: أحدهما: أنَّ له بمعنى عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.
والثاني: إطلاقها له وإخراج النبي ﷺ عنه من عنده برًا به ولهذا قال: "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه"» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٣٣):
«قوله: "فهي عليه صدقة ومثلها معها" كذا في رواية شعيب ولم يقل ورقاء ولا موسى بن عقبة "صدقة" فعلى الرواية الأولى يكون ﷺ ألزمه
[ ٦ / ١٩٠ ]
بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه سيصدق بها ويضيف إليها مثلها كرمًا» اهـ.
قُلْتُ: أخذ النبي ﷺ لزكاة العباس جاءت فيه أحاديث منها:
ما رواه الترمذي (٦٧٩) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ جَحْلٍ، عَنْ حُجْرٍ العَدَوِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ: «إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ».
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، إلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَحَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحَجَّاجِ عِنْدِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحِلِّهَا، فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا، وقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ اهـ.
[ ٦ / ١٩١ ]
قُلْتُ: حجر العدوي مجهول ولعله حجية الآتي، فقد رواه أحمد (٨٢٢)، وأبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حُجَيَّةَ، عَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ»، قَالَ مَرَّةً: فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدِيثُ هُشَيْمٍ أَصَحُّ اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ١١١):
«هذا حديث مختلف فيه على الحكم بن عتيبة فرواه إسماعيل بن زكريا عن حجاج عن الحكم هكذا وخالفه إسرائيل عن حجاج فقال عن الحكم عن حجر العدوي عن علي وخالفه في لفظه فقال قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لعمر: "إنَّا قد أخذنا من العباس زكاة العام عام الأول" ورواه محمد بن عبيد الله هو العرزمي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس في قصة عمر والعباس ﵄ ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم عن موسى بن طلحة عن طلحة. ورواه هشيم عن منصور بن زاذان عن الحكم عن الحسن بن مسلم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلًا أنه قال لعمر ﵁ في هذه القصة: "إنا كنا قد تعجلنا صدقة مال العباس لعامنا هذا عام أول". وهذا هو الأصح من هذه الروايات وروي عن علي ﵁ من وجه آخر مرفوعًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد سئل عن هذا الحديث الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ فقال في [الْعِلَلِ] (٣/ ١٨٧ - ١٨٩):
[ ٦ / ١٩٢ ]
«هو حديث يرويه الحكم بن عتيبة، واختلف عنه؛ فرواه الحجاج بن دينار، واختلف عن حجاج، فقال إسماعيل بن زكريا عنه: عن الحكم، عن حجية بن عدي، عن علي. وَقَالَ إسرائيل: عن الحجاج بن دينار، عن الحكم، عن حجر العدوي، عن علي.
وَقَالَ محمد بن عبيد الله العرزمي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وكلها وهم.
والصواب ما رواه منصور، عن الحكم، عن الحسن بن يناق مرسلًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ تعجل صدقة العباس».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي حَاتَمِ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٢١٥):
«وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه أبو عون الزيادي، عن محمد بن ذكوان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: أن النبي ﷺ استعمل عمر على الصدقات، فأتى العباس فمنعه، فشكا عمر إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "عم الرجل صنو أبيه، وإنا تعجلنا من عباس صدقة ماله".
فقالا: هو خطأ، إنما هو منصور، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يناق، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ بعث عمر مرسل وهو الصحيح» اهـ.
[ ٦ / ١٩٣ ]
قُلْتُ: حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ]
(٩٩٨٥) و[الْأَوْسَطِ] (١٠٠٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْمَكِّيُّ، ثنا أَبُو عَوْنٍ الزِّيَادِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» «وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ فِي عَامٍ».
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ١٥٧):
«يرويه محمد بن ذكوان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة
وهو وهم والصحيح عن منصور عن الحكم عن الحسن بن مسلم بن يناق مرسلًا» اهـ.
وروى الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٨٦٢)، الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٠١٤) مِنْ طَرِيْقِ شَرِيكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عُمَرَ سَاعِيًا فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ شَيْءٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ إِنَّ الْعَبَّاسَ أَسْلَفْنَا صَدَقَةَ الْعَامِ عَامِ الْأَوَّلِ».
قُلْتُ: شريك هو القاضي ضعيف الحديث، وإسماعيل هو ابن مسلم المكي ضعيف جدًا، وسليمان الأحول لم يسمع من أبي رافع.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧١٥٩) أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أنبأ أَبُو عَلِيٍّ الرَّفَّاءُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ، ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ح وَأَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أنبأ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثنا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، يُحَدِّثُ عَنْ
[ ٦ / ١٩٤ ]
عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَذَكَرَ قِصَّةً فِي بَعْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُمَرَ ﵁ سَاعِيًا وَمَنْعِ الْعَبَّاسِ صَدَقَتَهُ، وَأَنَّهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا صَنَعَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ يَا عُمَرُ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ إِنَّا كُنَّا احْتَجْنَا فَاسْتَسْلَفْنَا الْعَبَّاسَ صَدَقَةَ عَامَيْنِ». لَفْظُ حَدِيثِ الْقَطَّانِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامٍ أَوْ صَدَقَةَ عَامَيْنِ وَفِي هَذَا إِرْسَالٌ بَيْنَ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَعَلِيٍّ ﵁ اهـ.
قُلْتُ: وهناك طرق أخرى واهية أعرضت عن ذكرها.
وخلاصة القول أنَّ الحديث لا يثبت وأحسن طريق له طريق الحسن بن مسلم المرسلة. والله أعلم.
١٤ - وفيه عظيم حق العم وأنَّه بمنزلة الأب؛ لقوله: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ».
وهذا اللفظ لمسلم دون البخاري.
* * *
[ ٦ / ١٩٥ ]
١٧١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا. فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ. فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلًا فَهُدَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ ". كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا. أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا. الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ. إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ"».
وروى البخاري (٣١٤٧)، ومسلم (١٠٥٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِئَةَ مِنَ الإِبِلِ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ قَالَ أَنَسٌ فَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ" قَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ أَمَّا ذَوُو آرَائِنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا يَغْفِرُ
[ ٦ / ١٩٦ ]
اللَّهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُ الأَنْصَارَ وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَ اللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ" قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْحَوْضِ"». قَالَ أَنَسٌ فَلَمْ نَصْبِرْ.
وفي لفظ للبخاري (٤٣٣٤)، ومسلم (١٠٥٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ" قَالُوا بَلَى قَالَ: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ"».
وروى أحمد (١١٧٥٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: "فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا
[ ٦ / ١٩٧ ]
سَعْدُ"؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، وَمَا أَنَا؟ قَالَ: "فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ"، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ"؟ قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: "أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ" قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ" قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرَّقُوا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - تفضيل المؤلفة قلوبهم بالعطاء من أجل أن يقوى إيمانهم.
[ ٦ / ١٩٨ ]
٢ - أنَّ للإمام أن يمنع الغانمين من الغنيمة ويضعها في المؤلفة قلوبهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٦):
«فصل: وهذا العطاء الذي أعطاه النبي ﷺ لقريش، والمؤلفة قلوبهم، هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟ فقال الشافعي ومالك: هو من خمس الخمس، وهو سهمه ﷺ الذي جعله الله له من الخمس، وهو غير الصفي وغير ما يصيبه من المغنم، لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يستأذن الغانمين في تلك العطية، ولو كان العطاء من أصل الغنيمة، لاستأذنهم لأنَّهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس، لأنَّه مقسوم على خمسة، فهو إذا من خمس الخمس، وقد نص الْإِمَام أحمد على أنَّ النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفل النبي ﷺ به رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه، هكذا وقع سواء كما قال بعض هؤلاء الذين نفلهم: لقد أعطاني رسول الله ﷺ وإنَّه لأبغض الخلق إلى، فما زال يعطيني حتى إنَّه لأحب الخلق إلى، فما ظنك بعطاء قوى الإسلام وأهله، وأذل الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا، غضب لغضبهم أتباعهم، وإذا رضوا، رضوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحد من قومهم، فلله ما أعظم موقع هذا العطاء، وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله.
[ ٦ / ١٩٩ ]
ومعلوم: أنَّ الأنفال لله ولرسوله يقسمها رسوله حيث أمره لا يتعدى الْأمر، فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة، لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل، ولما عميت أبصار ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعدل فإنك لم تعدل. وَقَالَ مشبهه:
إنَّ هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، ولعمر الله إنَّ هؤلاء من أجهل الخلق برسوله، ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله، ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة، وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلط عليها نارًا من السماء تأكلها، وهو في ذلك كله أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذلك عبثًا، ولا قدره سدى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمال علمه، وعزته، وحكمته، ورحمته، ولقد أتم نعمته على قوم ردهم إلى منازلهم برسوله ﷺ يقودونه إلى ديارهم، وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاة والبعير، كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه، فيوجبون عليه بعقولهم، ويحرمون، ورسوله منفذ لأمره.
فإن قيل: فلو دعت حاجة الْإِمَام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الْإِمَام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم، وقيام الدين. فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام، والذب عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تجوز الشريعة غير
[ ٦ / ٢٠٠ ]
هذا، فإنَّه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين. وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وجاء في سعة عطاء النبي ﷺ ما رواه مسلم (٢٣١٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ».
٣ - وفي هذا الحديث بيان أنَّ نعمة الهداية إلى الإسلام هي أعظم النعم لابتداء النبي ﷺ بها، ثم بعد ذلك نعمة الاجتماع بعد التفرق، ثم نعمة الغنى بعد الفقر.
٤ - وفيه أنَّ الْإِمَام إذا فعل ما قد يستنكر لعدم معرفة وجهه فعليه أن يبيِّن وجه ما فعل حتى تطمئن النفوس لفعله ولا يظن به غير الحق.
٥ - وفيه اعتراف الأنصار ﵃ أجمعين بمنة الله ورسوله عليهم.
٦ - وفيه أنَّ رجوع الأنصار إلى ديارهم ومعهم رسول الله ﷺ أعظم من متاع الدنيا الزائل. ولهذا قال ﵊: «أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٥١):
[ ٦ / ٢٠١ ]
«فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية قوله بالشاة والبعير اسم جنس فيهما والشاة تقع على الذكر والأنثى وكذا البعير» اهـ.
٧ - وفيه حسن مخاطبة النبي ﷺ ومعاشرته وتواضعه.
٨ - وفيه فضل الأنصار.
٩ - محبة النبي ﷺ لموافقة الأنصار؛ لقوله ﵊: «وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ١٤):
«قوله ﷺ: "لسلكت شعب الأنصار"
قال الخليل: هو ما انفرج بين جبلين، وَقَالَ ابن السكيت: هو الطريق في الجبل.
وفيه: فضيلة الأنصار ورجحانهم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ١١٢):
«أراد بذلك حسن موافقتهم له لما شاهده من حسن الجوار والوفاء بالعهد وليس المراد أنَّه يصير تابعًا لهم بل هو المتبوع المطاع المفترض الطاعة على كل مؤمن» اهـ.
وَقَالَ الحافظ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٥٢):
«وأراد ﷺ بهذا وبما بعده التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا ومن هذا وصفه فحقه أن يسلك طريقه ويتبع حاله قال الْخَطَّابِي لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب فإذا تفرقت في السفر الطرق
[ ٦ / ٢٠٢ ]
سلك كل قوم منهم واديًا وشعبًا فأراد أنَّه مع الأنصار قال ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب كما يقال فلان في واد وأنا في واد» اهـ.
١٠ - ويدل الحديث على قرب الأنصار من رسول الله ﵊ لقوله: «الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ». فإنَّ الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد وسمي بذلك لملاقاته لشعر البدن، والدثار هو الثوب الذي فوق ذلك.
١١ - وفيه معجزة من معجزات النبي ﷺ حيث أخبر الأنصار بأنَّه سوف يستأثر الناس عليهم بالدنيا.
١٢ - وفيه الْأمر بالصبر على أولياء أمور المسلمين إذا استأثروا بالدنيا وأنَّ هذا الصبر يمتد بهم حتى يلاقوا النبي ﷺ على الحوض.
وفي الباب أحاديث منها:
وروى البخاري (٧٠٥٢)، ومسلم (١٨٤٣) عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ».
وروى البخاري (٧٠٥٥، ٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهْوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ. فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا
[ ٦ / ٢٠٣ ]
وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».
وروى مسلم (١٨٣٦) عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ».
وروى مسلم (١٨٤٦) عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ"».
وروى مسلم (١٨٤٧) عَنْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: كَيْفَ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ" قَالَ قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ"».
١٣ - وفيه تسمية الغنيمة فيئًا وأصل الفيء المال الراجع من الكفار إلى المسلمين، فيطلق الفيء على هذا وعلى المال الذي رجع إلى المسلمين من غير قتال.
[ ٦ / ٢٠٤ ]
١٤ - وفيه مشروعية الخطبة عند الْأمر الذي يحدث.
١٥ - ويحتج به على بقاء قسم المؤلفة قلوبهم في الصدقات قياسًا على بقائهم في الغنائم فإنَّ غزوة حنين كانت في أواخر حياة النبي ﷺ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٣٩):
«وأحكامهم كلها باقية.
وبهذا قال الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن علي، وَقَالَ الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله ﷺ وقد أعز الله تعالى الإسلام وأغناه عن أن يتألف عليه رجال، فلا يعطى مشرك تالفًا بحال» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣١٥)
«مسألة؛ قال: "والمؤلفة قلوبهم، وهم المشركون المتألفون على الإسلام" هذا الصنف الرابع من أصناف الزكاة المستحقون لها.
وَقَالَ أبو حنيفة: انقطع سهمهم.
وهو أحد أقوال الشافعي؛ لما روي أَّن مشركًا جاء يلتمس من عمر مالًا، فلم يعطه، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
ولم ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنَّهم أعطوا شيئًا من ذلك، ولأنَّ الله تعالى أظهر الإسلام، وقمع المشركين، فلا حاجة بنا إلى التأليف.
وحكى حنبل، عن أحمد، أنَّه قال: المؤلفة قد انقطع حكمهم اليوم.
والمذهب على خلاف ما حكاه حنبل، ولعل معنى قول أحمد: انقطع حكمهم.
[ ٦ / ٢٠٥ ]
أي لا يحتاج إليهم في الغالب، أو أراد أنَّ الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئًا، فأمَّا إن احتاج إليهم جاز الدفع إليهم، فلا يجوز الدفع إليهم إلَّا مع الحاجة.
ولنا، على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.
وهذه الآية في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله ﷺ.
وقد ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعطى المؤلفة من المشركين والمسلمين.
وأعطى أبو بكر ﵁ عدي بن حاتم، وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة، ثلاثين بعيرًا.
ومخالفة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، واطراحها بلا حجة لا يجوز، ولا يثبت النسخ بترك عمر وعثمان إعطاء المؤلفة، ولعلهم لم يحتاجوا إلى إعطائهم، فتركوا ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لسقوطه» اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ في [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٢٨٤):
«لم يظهر لي مناسبة واضحة لإيراد المؤلف هذا الحديث في كتاب الزكاة. ولعل ذلك متابعة لمسلم حيث أخرجه في باب الزكاة من صَحِيْحِهِ.
أو لعله أراد أن يبين أنَّ النبي ﷺ في آخر أيام رسالته، وبعد ما أعز الله الإسلام وقواه، أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنيمة.
فيقاس على الغنيمة أن يعطوا من الزكاة خلافًا لمن يرى من العلماء سقوط نصيبهم من الزكاة بعد أن أعز الله الإسلام، كأبي حنيفة وأصحابه.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
والصحيح، جواز إعطائهم تأليفًا لهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك وهو المشهور من مذهب الْإِمَام "أحمد" وهو من مفردات مذهبه.
وليس عند المسقطين لسهمهم ما يعارضون به فعل النبي ﷺ وآية " براءة " التي هي من آخر القرآن نزولًا» اهـ.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
* * *