٢٩ - عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟ " قَالَ: كُنْتُ جُنُبًَا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: "سُبْحانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لايَنْجُسُ"».
قوله: «كُنْتُ جُنُبًَا» أي ذا جنابة قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام] (١/ ٦٤): «الجنابة دالة على معنى البعد ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، وعن الشافعي أنَّه قال: إنَّما سمي جنبًا من المخالطة ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالط امرأته.
قال بعضهم: وكأنَّ هذا ضد للمعنى الأول كأنَّه من القرب منها. وهذا لا يلزم فإن مخالطتها مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد على ما قدمناه» اهـ.
قلت: وسمي جنبًا لأنَّه يجتنب الصلاة والمسجد ويتباعد عنها، أو لابتعاد الماء عن محله.
قوله: «فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ» أي مضيت عنه مستخفيًا.
وفي الحديث مسائل منها:
[ ١ / ٤٨٥ ]
١ - أنَّه يجوز للجنب الاختلاط بالناس ومصافحتهم ومحادثتهم.
٢ - ويدل على أنَّ المؤمن طاهر حيًا وميتًا.
وفي ميتة الآدمي خلاف فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنهما الطهارة وهو المعتمد عند المالكية، وفي الرواية الأخرى عنهما أنَّ بدن الميت نجس وهو مذهب الحنفية.
والصحيح طهارته لحديث الباب.
وقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١١٢٤٦): حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَيًّا، وَلَا مَيِّتًا».
قلت: هذا أثر صحيح، وقد رواه البخاري معلقًا.
٣ - استدل بهذا الحديث القائلون بمشروعية الصلاة على الميت في المسجد، وهم الجمهور، وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنه، وكل من قال بنجاسة الميت.
قلت: الصحيح المشروعية وقد روى مسلم (٩٧٣) عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يَمُرَّ بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٧/ ٤٣): «وفي هذا الحديث دليل للشافعي والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد وممن قال به أحمد
[ ١ / ٤٨٦ ]
وإسحاق. قال ابن عبد البر: ورواه المدنيون في الموطأ عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكي.
وقال ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك على المشهور عنه لا تصح الصلاة عليه في المسجد» اهـ.
٤ - استدل بهذا الحديث القائلون بمشروعية مكث الجنب في المسجد.
قلت: وهذه المسألة اختلف فيها العلماء قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٦٠):
«"فرع" في مذاهب العلماء في مكث الجنب في المسجد وعبوره فيه بلا مكث:
مذهبنا أنَّه يحرم عليه المكث في المسجد جالسًا أو قائمًا أو مترددًا أو على أي حال كان متوضأ كان أو غيره، ويجوز له العبور من غير لبث سواء كان له حاجة أم لا. وحكي ابن المنذر مثل هذا عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومالك. وحكي عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أنَّه لا يجوز له العبور إلَّا أن لا يجد بدًا منه فيتوضأ ثم يمر. وقال أحمد يحرم المكث ويباح العبور لحاجة ولا يباح لغير حاجة، قال: ولو توضأ استباح المكث. وجمهور العلماء علي أنَّ الوضوء لا أثر له في هذا وقال المزني وداود وابن المنذر يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقًا وحكاه الشيخ أبو حامد عن زيد بن أسلم» اهـ.
[ ١ / ٤٨٧ ]
قلت: الصحيح في ذلك منع المكث دون العبور لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣].
واختلف العلماء في معناها على قولين:
أحدهما: أنَّ الجنب لا يحل له المكث في المسجد، وله أن يجتاز.
وهذا قول الجمهور، وألحقوا بذلك الحائض لأنَّ الحدث بها أغلظ.
والآخر: أنَّ المراد بها المسافر إذا أجنب، ولم يجد الماء تيمم، وصلى.
أقول: هذا القول وإن قال به بعض أهل العلم فلا يظهر لي أنَّه صواب، وذلك لعدة أمور:
١ - أنَّه على هذا التفسير يَصيِّر معنى الآية أنَّ الجنب له أن يصلي حال الجنابة إن كان مسافرًا، من غير غسل، ولا تيمم، إذ ليس في الآية اشتراط التيمم، وهذا لا شك في فساده، وفساد هذا اللازم يدل على فساد هذا التفسير، فإن قيل: قد دلت الأدلة الأخرى على وجوب التيمم لمن لم يجد الماء، أو لم يتمكن من استعماله. فأقول: إنَّ التيمم يرفع الجنابة رفعًا مؤقتًا إلى وجود الماء، أو القدرة على استعماله، فلا يسمى المتيمم بعد التيمم جنبًا، والله ﷿ سماه في الآية جنبًا فقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]، فالآية إنَّما تدل على فعل يفعله الجنب حال جنابته، وهذا الفعل ليس هو الصلاة قطعًا، فإنَّ الصلاة لا
[ ١ / ٤٨٨ ]
تصح مع الجنابة إلَّا لفاقد الطهورين، فتعين أنَّ المراد بالآية هو عبور الجنب في المسجد، فإنَّ هذا الفعل هو الذي يتصور حصوله من الجنب حال جنابته.
٢ - أنّ هذا التفسير يوهم أنَّ حكم التيمم مختص بالمسافر، والأمر أوسع من ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣].
٣ - أنَّه يصير تفسير الآية على هذا القول: لكم أن تقربوا الصلاة وأنتم جنبًا إذا كنتم عابري سبيل في سفركم وتيممتم. وهذا الحكم قد جاء بيانه بعد ذلك.
قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣].
فإذا كان حكم تيمم الجنب إذا لم يجد الماء في سفره قد بُيِّن في آخر الآية، فلا يستقيم تفسير أولها بذلك، إذ يصير هذا من باب التكرار الذي ينزه عنه كلام الله ﷿.
[ ١ / ٤٨٩ ]
فأمَّا إذا فسرنا العبور في الآية بالعبور في المسجد، فليس في الآية حينئذ تكرار.
ويكون معنى الآية على هذا التفسير: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوا أماكنها وأنتم جنب، إلَّا أن تكونوا عابري سبيل فيها، والصلاة تطلق على موضعها كقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٩٠ - ٣٩١):
«وقد فسرها آخرون بأنَّ المسافر إذا لم يجد الماء تيمم لأنَّ الصلاة هي الأفعال أنفسها. القول على ظاهره ضعيف لأنَّ المسافر قد ذكر في تمام الآية، فيكون تكريرًا، ولأنَّ المسافر لا تجوز له صلاة مع الجنابة إلَّا في حال عدم الماء، وليس في قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ (٤٣)﴾ متعرض لذلك، ولأنَّه كما تجوز الصلاة مع الجنابة للمسافر، فكذلك للمريض، ولم يستثن كما استثني المسافر، فلو قصد ذلك ليبين كما بين في آخر الآية المريض والمسافر إذا لم يجد الماء، ولأنَّ في حمل الآية على ذلك لزوم التخصيص في قوله تعالى: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ (٤٣)﴾، ويكون المخصوص أكثر من الباقي فإنَّ واجد الماء أكثر من عادمه، ولا قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ لاستثناء المريض أيضًا، وفيه تخصيص أحد السببين بالذكر مع استوائهما في الحكم، ولأنَّ عبور السبيل حقيقته المرور، والاجتياز، والمسافر قد يكون لابثًا، وماشيًا، فلو أريد المسافر لقيل إلَّا من سبيل كما في الآيات التي عني بها المسافرين» اهـ.
قلت: إذا تبين هذا فهناك أدلة أخرى احتج بها الجمهور على تحريم مكث الجنب أو الحائض في المسجد منها:
[ ١ / ٤٩٠ ]
١ - حديث أم عطية ﵂ قالت: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"».
أخرجه البخاري (٣٥١)، ومسلم (٨٩٠) وغيرهما.
ووجه الشاهد من الحديث الأمر باعتزال الحيض للمصلى، فلما أمرت باعتزال المصلى كان اعتزالها للمسجد من باب أولى.
قال ابن بطال في [شرح البخاري] (١/ ٤٩٩): «وأقوى ما يستدل به على طهارة الحائض مباشرته ﷺ لأزواجه وهن حيض فيما فوق المئزر، إلَّا أنَّها، وإن كانت طاهرًا، فإنَّه لا يجوز لها دخول المسجد بإجماع، لأمره في العيدين باعتزال الحيض المصلى» اهـ.
وقد تأول بعض أهل العلم المعاصرين الحديث على أنَّ المراد بالمصلى الصلاة، فيصير معنى الحديث على هذا التأويل: ويعتزل الحيض الصلاة. والذي دفعه إلى هذا التأويل هو أنَّ صلاة النبي ﷺ كانت في فلاة من الأرض، والفلاة أرض واسعة غير محدودة الأطراف، فلا يتصور حينئذ اعتزال المصلى من جهة الحيض من النساء، فلهذا تأول المصلى على الصلاة.
قلت: وهذا التأويل غير صحيح لثلاثة أوجه:
الأول: أنَّه صرف للكلام عن ظاهره، والأصل إجراء الكلام على ظاهره.
[ ١ / ٤٩١ ]
الثاني: أنِّي لم أقف على أحد ممن تقدم من أهل العلم ممن تكلم على هذا الحديث تأول فيه هذا التأويل.
الثالث: القول بأنَّ مصلى العيد لم يكن محدودًا ليس بصواب، فقد بوب البخاري ﵀ في [صحيحه] بابًا قال فيه: «باب العلم الذي في المصلى» ثم روى حديثًا (٩٧٧) عن عبد الرحمن بن عابس قال: «سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: نَعَمْ وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ».
قلت: وهذا مما يدل على أنَّ مصلى العيد كان محدودًا معلومًا، وعلى فرض أنَّه لم يكن محدودًا، فالمراد بالحديث أن يعتزل الحيض المكان الذي تقام فيه الصلاة من الأرض، فيبتعدن عن مكان صلاتهم إلى مكان لا تصل إليه الصفوف، وهذا الأمر يمكن إدراكه، وإن لم يكن المصلى محدودًا. والله أعلم.
٢ - حديث عن عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: لَا نَذْكُرُ إِلاَّ الْحَجَّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ" قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ: "لَعَلَّكِ نُفِسْتِ" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي"».
الحديث أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١)، وغيرهما.
[ ١ / ٤٩٢ ]
قلت: نهي النبي ﷺ لها عن الطواف في البيت، إمَّا لحرمة المسجد الحرام، وإمَّا لأنَّ الطهارة شرط في الطواف
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٨٠): «وأما الحائض فقد قيل إنَّما منعت من الطواف لأجل المسجد، كما تمنع من الاعتكاف لأجل المسجد، والمسجد الحرام أفضل المساجد، وقد قال تعالى لإبراهيم:
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، فأمر بتطهيره فتمنع منه الحائض من الطواف وغير الطواف» اهـ.
وقال أيضًا (٢٦/ ١٧٦): «فنهيه الحائض عن الطواف بالبيت إمَّا أن يكون لأجل المسجد لكونها منهية عن اللبث فيه وفي الطواف لبث، أو عن الدخول إليه مطلقًا لمرور، أو لبث، وإمَّا أن يكون لكون الطواف نفسه يحرم مع الحيض كما يحرم على الحائض الصلاة، والصيام بالنص والإجماع، ومس المصحف عند عامة العلماء» اهـ.
قلت: ويترجح الأول لوجود ما يدل عليه من أدلة الشرع، كما مرَّ، وأمَّا الآخر فليس هناك ما يدل عليه فإنَّه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنَّه أمر الطائفين بالوضوء، كما أمر المصلين بالوضوء. ويمكن حمل النهي على الأمرين.
٣ - قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٥/ ١٧٤): «رَوَى ابْنُ بَطَّةَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنَّ
[ ١ / ٤٩٣ ]
الْمُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِنَّ عَنْ الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطْهُرْنَ"، إسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ قُبَّةٌ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ، رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْخَبَرِ عِنْدَهُ» اهـ.
قلت: وهذا الحديث صريح الدلالة في منع الحائض من المكث في المسجد لكن ابن بطة متكلم في حفظه قال العلامة الذهبي ﵀ في [المغني في الضعفاء] (٢/ ٤١٧):
«عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري إمام لكنه لين صاحب أوهام» اهـ.
وقال الحافظ الذهبي ﵀ في [ميزان الاعتدال] (٣/ ١٥):
«عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الفقيه. إمام لكنه ذو أوهام. لحق البغوي، وابن صاعد.
قال ابن أبي الفوارس: روى ابن بطة، عن البغوي، عن مصعب، عن مالك، عن الزهري، عن أنس - مرفوعا: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
وهذا باطل.
العتيقي، حدثنا ابن بطة، حدثنا البغوي، حدثنا مصعب، حدثنا مالك، عن هشام، عن أبيه … فذكر حديث قبض العلم.
وهو بهذا الإسناد باطل.
[ ١ / ٤٩٤ ]
وقد روى ابن بطة عن النجاد، عن العطاردي، فأنكر عليه على بن ينال، وأساء القول فيه حتى همت العامة بابن ينال فاختفى.
وقال أبو القاسم الأزهري: ابن بطة ضعيف ضعيف.
قلت: ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية - فكان إمامًا في السنة، إمامًا في الفقه، صاحب أحوال وإجابة دعوة ﵁».
قلت: وعبد الرزاق الصنعاني قال فيه أحمد بن حنبل: عمي في آخر عمره وكان يلقن فيتلقن فسماع من سمع منه بعد المائتين لا شيء.
وقال أيضًا: أتيته قبل المائتين وهو صحيح البصر ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع» اهـ.
قلت: ابن بطة لم ينفرد بالحديث، فقد رواه أيضًا أبو حفص الْعُكْبَرِيُّ كما سبق، ومما يقوي أمره إثبات الإمام أحمد له.
وقد أعله بعضهم بأنَّ سماع أحمد بن منصور الرمادي كان بعد المائتين.
قال الحافظ الذهبي ﵀ في [سير أعلام النبلاء] (٢٣/ ٣٨١):
«وقال في "تاريخه": سمعت من عبد الرزاق سنة أربع ومائتين» اهـ.
لكن قال الحافظ الذهبي ﵀ في [سير أعلام النبلاء] (٢٣/ ٣٨١):
«حدث عن: عبد الرزاق بكتبه» اهـ.
وقد قال الإمام أحمد ﵀: «من سمع من الكتب فهو أصح» اهـ.
وأضف إلى هذا أنَّه تابعه على ذلك زهير بن محمد بن قمير وهو من الثقات ولم يذكر في ترجمته أنَّه روى عن عبد الرزاق بعد ما عمي.
[ ١ / ٤٩٥ ]
قلت: فالذي يظهر لي ثبوت الحديث. والله أعلم.
٤ - قول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (٢٨)﴾ [التوبة/ ٢٨] ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله علل المنع من دخول المشركين المسجد الحرام بأنَّهم نَجَس فيستفاد من ذلك منع إدخال النجاسات إلى المسجد.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح صحيح البخارى] (٤/ ٣٣٠):
«قال المهلب: وإنَّما منعت الحائض الطواف على غير طهارة؛ تنزيهًا للمسجد من النجاسات لقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (٢٨)﴾» اهـ.
قلت: وفي هذا نظر لأنَّ مقتضى ذلك أن تمنع الحائض من سائر الحرم لأنَّه داخل في مسمى المسجد الحرام وهي لا تمنع من ذلك.
وأيضًا لازم ذلك أنَّ المستحاضة وإن تحفظت من وقوع الدم في المسجد تمنع من دخوله، وليس هذا بصحيح فقد كنَّ المستحاضات يعتكفن في المسجد في عهد رسول الله ﷺ.
٥ - روى ابن أبي حاتم في [تَفْسِيرِهِ] (٦٥١٠) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِيَاضٍ، أَنَّ عُمَرَ، أَمَرَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى فِي أَدِيمٍ وَاحِدٍ وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَعَجِبَ عُمَرُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَفِيظٌ هَلْ أَنْتَ قَارِئٌ لَنَا كِتَابًا فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ مِنَ الشَّامِ؟ فَقَالَ إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ، قَالَ عُمَرُ: أَجُنُبٌ
[ ١ / ٤٩٦ ]
هُوَ؟ قَالَ: لَا بَلْ نَصْرَانِيٌّ، قَالَ: فَانْتَهَرَنِي وَضَرَبَ فَخِذِي قَالَ: أَخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وعياض هو ابن عمرو الأشعري مختلف في صحبته، وهذا الأثر يدل على أنَّ المتقرر بين الصحابة هو أنَّ الجنب لا يمكث في المسجد.
ومما احتج به القائلون بمشروعية مكث الحائض في المسجد.
١ - ما أخرجه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦) عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ قَالَ: " أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ قَبْرِهَا" - فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ».
قلت: ولا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا بعد إثبات أنَّ هذه المرأة كانت ذات حيض، وأنَّها لم ينقطع حيضها لكبر، أو غيره.
هذا الأمر الأول، والأمر الثاني: أنَّه لا بد من إثبات أنَّ هذه المرأة كانت تمكث في المسجد أثناء حيضها، وهذا مما لا يمكن إثباته.
الأمر الثالث: أنَّها على فرض مكثها في المسجد حال حيضها، فذلك لأنَّه لا مأوى لها غير المسجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٦/ ١٧٧):
[ ١ / ٤٩٧ ]
«فإنَّ لبثها في المسجد لضرورة جائز كما لو خافت من يقتلها إذا لم تدخل المسجد أو كان البرد شديدًا أو ليس لها مأوى إلَّا المسجد» اهـ.
قلت: فإذا كان الأمر كذلك فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث على هذه المسألة كما هو ظاهر. والله أعلم.
٢ - ما أخرجه البخاري (٣٨٣٥) عن عائشة ﵂ قالت: «أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ فِي الْمَسْجِدِ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينَا فَتَحَدَّثُ عِنْدَنَا فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ:
وَيَوْمُ الْوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي.
فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: وَمَا يَوْمُ الْوِشَاحِ؟ قَالَتْ: خَرَجَتْ جُوَيْرِيَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِي وَعَلَيْهَا وِشَاحٌ مِنْ أَدَمٍ فَسَقَطَ مِنْهَا فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِ الْحُدَيَّا وَهْيَ تَحْسِبُهُ لَحْمًا فَأَخَذَتْ فَاتَّهَمُونِي بِهِ فَعَذَّبُونِي حَتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِي أَنَّهُمْ طَلَبُوا فِي قُبُلِي فَبَيْنَا هُمْ حَوْلِي وَأَنَا فِي كَرْبِي إِذْ أَقْبَلَتِ الْحُدَيَّا حَتَّى وَازَتْ بِرُؤُوسِنَا ثمَّ أَلْقَتْهُ فَأَخَذُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ».
قلت: الحفش هو البيت الضيق الصغير.
وفي رواية للبخاري (٤٣٩) قالت عائشة: «فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ حِفْشٌ».
قلت: الكلام في هذا الحديث كالكلام في الحديث الذي قبله تمامًا.
٣ - ما رواه مسلم (٦٨٧) عن عائشة قالت: «قال لي رسول الله ﷺ "نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ". قَالَتْ فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: " إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ"».
[ ١ / ٤٩٨ ]
قلت: ولا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا بعد إثبات دخولها إلى المسجد، وليس في الحديث إلَّا ذكر طلب المناولة للخمرة.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٠٠): «قال القاضي عياض ﵁ معناه: أنَّ النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أنَّ النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنَّه ﷺ كان في المسجد معتكفًا وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله ﷺ" إنَّ حيضتك ليست في يدك" فإنَّما خافت من ادخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى والله أعلم» اهـ.
قلت: ومما يؤيد ما قاله القاضي عياض ما رواه مسلم (٦٨٩) عن أبي هريرة قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ". فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ" فَنَاوَلَتْهُ».
قلت: فهذه الرواية تدل على أنَّ النبي ﷺ طلب من عائشة ﵂ أن تناوله الخمرة بيدها من خارج المسجد.
ثم الحديث إنَّما هو وارد في مرور الحائض في المسجد لا في مكثها فيه، والممنوع إنَّما هو مكث الحائض في المسجد، وبهذا يتبين أنَّ الحديث لا حجة فيه على مشروعية مكث الحائض في المسجد بأي وجه من الوجوه.
[ ١ / ٤٩٩ ]
بل الحديث يدل على أنَّ الذي كان مقررًا عند عائشة ﵂ هو المنع، ولم ينكر عليها النبي ﷺ ذلك وإنَّما أنكر عليها ظنها أنَّ الحائض ليس لها أن تدخل يدها إلى المسجد. فالحديث في الحقيقة يصح أن يكون من جملة حجج المانعين لمكث الحائض في المسجد.
٤ - عدم منع النبي ﷺ الكافرين من دخول مسجده، والكافر لا يغتسل من الجنابة.
وأجاب عن ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في [أحكام أهل الذمة] (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨) فقال:
«وَأَمَّا دُخُولُ الْكُفَّارِ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي عُهُودِهِمْ، وَيُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الرَّسَائِلَ، وَيَحْمِلُونَ مِنْهُ الْأَجْوِبَةَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ الدَّعْوَةَ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ - إِذْ ذَاكَ - الْمَسْجِدَ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ إِذْ ذَاكَ أَعْظَمَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِيهِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُمَا التَّطَهُّرُ وَالدُّخُولُ إِلَى الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا الْآنَ فَلَا مَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِهِمْ مَسَاجِدَهُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ جَازَ دُخُولُهَا بِلَا إِذْنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وهذا ما يظهر لي في هذه المسألة والله أعلم.
والذي يظهر لي أنَّ الجنب إذا توضأ له أن يمكث في المسجد، وذلك لأنَّ وضوء الجنب يخفف الجنابة، ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن منصور في [التفسير]
[ ١ / ٥٠٠ ]
(٦٤٦) قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، قَالَ: «رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ».
قلت: إسناده حسن من أجل عبد العزيز الدراوردي.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٢/ ٣١٣):
«وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ».
وهذا مذهب أحمد، والجمهور يمنعون من ذلك مطلقًا.
٥ - واستدل به القائلون بمشروعية مس المصحف للمحدث.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء إلى أربعة مذاهب:
المذهب الأول: المنع مطلقًا وهو مذهب سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٦٦)، وهو مذهب الأئمة الأربعة وأكثر السلف.
المذهب الثاني: الجواز مطلقًا وهو مذهب داود الظاهري، وابن حزم، والشوكاني.
المذهب الثالث: جواز المس لمن كان محدثًا الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو مذهب الشعبي، والضحاك.
المذهب الرابع: جواز المس بظهر الكف دون بطنه، وهو مذهب الحكم وحماد.
قلت: والصحيح المذهب الأول لثلاثة أوجه:
[ ١ / ٥٠١ ]
الوجه الأول: دلالة القرآن عليه في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩].
قلت: والآية وإن كانت واردة في شأن الملائكة على القول الصحيح من أقوال العلماء إلَّا أنَّها تدل على منع المحدث من مس القرآن بدلالة الإيماء والتنبيه، وهي: أن يذكر وصف مقترن بحكم في نص من نصوص الشرع على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيبًا. كما في [المذكرة] ص (٤٦٢) للعلامة الشنقيطي ﵀.
قلت: وهذه الدلالة متحققة في هذه الآية فالوصف في قوله: ﴿الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾، والحكم المقترن بذلك الوصف في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ (٧٩)﴾، وذلك الوصف لو لم يكن هو علة الحكم لكان الكلام معيبًا، فإنَّ الملائكة مذكورون في الكتاب والسنة باسم الملائكة، فالعدول عن هذا الاسم المشهور، إلى ذكر الوصف في الطهارة يومئ إلى أنَّه علة الحكم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [شرح العمدة] (١/ ٣٨٤): «فإذا كان من حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك لأنَّ حرمته كحرمته» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [التبيان في أقسام القرآن] ص (١٤٠): «وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أنَّ المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي
[ ١ / ٥٠٢ ]
في السماء لا يمسها إلاَّ المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلَّا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية» اهـ.
الوجه الثاني: دلالة السنة على ذلك في قول النبي ﷺ: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
قلت: وهذا الحديث ثابت بشواهده فقد جاء من طرق أحسنها مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وحديث ابن عمر، وحديث حكيم بن حزام.
أمَّا مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
فأخرجه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٣٨٢)، ومن طريقه الدارقطني (٤٢٩)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (١/ ٨٧)، وابن المنذر في [الأوسط] (٦٠٩) من طريق معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم:
«لَا يُمَسُّ الْقُرْآنُ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ».
قال الحافظ الدارقطني ﵀: «مرسل ورواته ثقات» اهـ.
قلت: وهو كما قال ﵀.
وأخرجه البيهقي في [الخلافيات] (٢٩٥) من طريق أبي مسعود عن عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أنّ النبي صلى الله عليه
وسلم كتب في عهده: «وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» هكذا رواه موصولًا.
[ ١ / ٥٠٣ ]
قال البيهقي ﵀: «كذا في كتابي "عن جده" ولم يذكر غيره عن عبد الرزاق».
قال الحافظ الزيلعي في [نصب الراية] (١/ ٢٥٩):
«قلت: لم أجده عند عبد الرزاق في "مصنفه" وفي تفسيره إلَّا مرسلًا» اهـ.
قلت: الصواب في الحديث الإرسال من هذا الوجه.
وأخرجه مالك في [الموطأ] (٤٦٨) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم «أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»
هكذا جعله من مرسل عبد الله بن أبي بكر ولم يجعله من مرسل أبيه، وتابعه أيضًا محمد بن إسحاق كما في [فضائل القرآن] (١١٤، ٧٥٤) للقاسم بن سلام.
قال الزيلعي في [نصب الراية] (١/ ٢٥٩): «رواه الدارقطني في" غرائب مالك" من حديث أبي ثور هاشم بن ناجية عن مبشر بن إسماعيل عن مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر عن أبيه عن جده، قال: "كان فيما أخذ عليه رسول اللّه ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، قال الدارقطني: تفرد به
أبو ثور عن مبشر عن مالك، فأسنده عن جده، ثم رواه من حديث إسحاق الطباع، أخبرني مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: "كان في الكتاب الذي كتبه رسول اللّه ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، قال: وهذا الصواب عن مالك، ليس فيه عن جده، انتهى» اهـ.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وأخرجه الدارقطني (٤٣٢) من طريق عبد الرزاق نا معمر عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر بن حزم عن أبيهما أنَّ النبي ﷺ كتب كتابًا فيه: «وَلَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرًا».
وقد تابع معمرًا - في روايته عن عبد الله - أبو إسحاق عند البيهقي في [الخلافيات] (٢٩٤) ولفظه:
«لَا يَمَسُّ أَحَدٌ القرآنَ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ».
وخالفهما عبد الله بن عبد الله بن أويس فروى عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر عن أبيهما عن جدهما.
أخرجه البيهقي في [الخلافيات] (٢٩٦) ولفظه: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
قلت: الوصل من أوهام ابن أبي أويس، والصحيح في الحديث الإرسال.
ورواه الدارمي (٢٣٢١)، والدارقطني (٤٤٩)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (١/ ٨٧ - ٨٨)، وفي [شعب الإيمان] (٢٠٤٧)، واللالكائي [في شرح الأصول] (٤٤١) من طريق الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ. ولفظه: «وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
قلت: وهذا الحديث وهم، وهم فيه الحكم بن موسى حيث جعل سليمان ابن داود، والصواب أنه ابن أرقم المتروك.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [تهذيب التهذيب] في ترجمة سليمان بن أرقم الخولاني:
[ ١ / ٥٠٥ ]
«قال أبو داود هذا وهم من الحكم ورواه محمد بن بكار بن بلال عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وكذا حكى غير واحد انه قرأه في أصل يحيى بن حمزة، وقال النسائي: هذا أشبه بالصواب وسليمان ابن أرقم متروك» اهـ.
وأخرج الحديث أبو داود في [المراسيل] (٨٩)، والفاكهي في [أخبار مكة] (٢٨٥٥) من طريق محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم قال: كان في كتاب جدي الذي كتبه له رسول الله ﷺ حين بعثه إلى نجران: «أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
وأما حديث ابن عمر:
فرواه الدارقطني (٤٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١/ ٨٨)، و[الخلافيات] (٢٩٨)، وأخرجه أيضًا الطبراني في [الكبير] (١٣٠٣٩)، و[الصغير] (١١٥٩)، واللالكائي في [شرح الأصول] (٥٧٣)
من طريق سعيد بن محمد بن ثواب عن أبي عاصم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن سالم عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
قلت: هذا إسناد ضعيف سعيد بن محمد مجهول جهالة حال، وابن جريج مدلس وقد عنعن.
وأمَّا حديث حكيم بن حزام:
فأخرجه الحاكم (٦١٢٢)، ومن طريقه البيهقي في [الخلافيات] (٣٠٢)، ورواه أيضًا برقم (٣٠٤، ٣٠٣)، ورواه أيضًا الدارقطني (٤٣٤)، والطبراني في [الكبير] (٣٠٦٤)، و[الأوسط] (٣٤٢٩)، واللالكائي في [شرح الأصول]
[ ١ / ٥٠٦ ]
(٥٤٧) من طريق إسماعيل بن إبراهيم المنقري قال: سمعت أبي يحدث عن سويد بن أبي حاتم عن مطر الوراق عن حسان بن بلال عن حكيم بن حزام أنَّ النبي ﷺ قال: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى طُهْرٍ».
هذا لفظ الدارقطني، ولفظ الحاكم: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ».
قلت: هذا إسناد ضعيف لضعف سويد، ومطر الوراق.
قلت: وبهذا يتبين أنَّ الحديث ثابت بهذه الطرق، وأضف إلى ذلك أنَّ الحديث قد تلقاه العلماء بالقبول.
قلت: وأمَّا تفسير العلامة الشوكاني للطاهر في الحديث بالمؤمن فتفسير ضعيف لخمسة أمور:
الأول: أنَّ ظاهر هذه اللفظة، والمتبادر منها عند إطلاقها هو الطهارة من الحدث، أو النجس، والأصل عدم العدول عن الظاهر إلاَّ بحجة بينة.
الثاني: أنه لم يرد في الشرع إطلاق كلمة "طاهر" على المؤمن.
الثالث: أنَّ المتأمل في ألفاظ الحديث يتبين له خطأ من فسر "طاهر" بمؤمن، فقد جاء بلفظ:
«لا يُمس القرآن إلاَّ على طهر».
وفي لفظ: «لا تمس القرآن إلاَّ طاهر».
وفي لفظ: «لا يمس أحد القرآن إلاَّ وهو طاهر».
وفي لفظ: «لا تمس القرآن إلاَّ وأنت على طهر».
وفي لفظ: «لا تمس القرآن إلاَّ وأنت طاهر».
[ ١ / ٥٠٧ ]
فكل هذه الألفاظ ظاهرة الدلالة على أنَّ المراد بالطاهر في الحديث هو المتطهر من الحدث، وليس المراد به المؤمن.
الرابع: أنَّ ابن عمر ﵁ وهو أحد رواة الحديث - كان لا يمس القرآن إلاَّ وهو طاهر.
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢/ ٢٥٦)، وابن المنذر في [الأوسط] (٦٠٨) من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ».
قلت: هذا إسناد صحيح.
قلت: فهذا ما فهمه ابن عمر ﵁ من حديثه، فهو أعلم بمرويه.
الخامس: أني لم أقف على أحد من السلف من فسر "الطاهر" بالمؤمن.
فكل هذه الأوجه تدل على خطأ من فسر "طاهر" في الحديث بالمؤمن. والله أعلم.
الوجه الثالث: أنَّ هذا القول ثابت عن ابن عمر، وسلمان، وسعد بن أبي وقاص، ولا يعلم لهم مخالف كما سبق، والحق لا يخرج عن أقوال الصحابة، ويبعد كل البعد في حكمة الله أن يحفظ لنا من أقوالهم الخطأ المخالف للحق، ولا يحفظ لنا من أقوالهم ما هو الصواب الموافق للحق.
فإن قيل: فقد روى أحمد (٢٥٤٩، ٣٣٨١)، وأبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي (١٨٤٧)، والنسائي (١٣٢) من طريق أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَقَالُوا أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ».
[ ١ / ٥٠٨ ]
وهو حديث صحيح، وهو يدل بدلالة الحصر عدم وجوب الوضوء لمسح المصحف.
والجواب: أنَّ الحديث رواه مسلم (٣٧٤) من طرق عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ مِنْ الْغَائِطِ وَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ لَهُ أَلَا تَوَضَّأُ فَقَالَ: «لِمَ أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ».
وليس فيه ما يدل على الحصر، فإن كان هذا هو اللفظ الذي قاله النبي ﷺ فلا إشكال، وإن كان الأول فالجواب عنه: أنَّ الحصر الوارد في الحديث من قبيل الحصر الإضافي لا الحقيقي.
وبيان ذلك: أنَّ النبي ﷺ قد أمر بالوضوء في غير الصلاة كالوضوء للطواف والوضوء للنوم مطلقًا، والوضوء للجنب إذا أراد النوم، والوضوء لذكر الله تعالى وغير ذلك.
فإن قيل: لعل المراد بقوله: «إِنَّمَا أُمِرْتُ». أي أمر إيجاب فيبقى ما سوى ذلك على الاستحباب.
فالجواب: أنَّ هذا بعيد عن معنى الحديث فإنَّ الذين قالوا له: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ يشمل خبرهم التوضؤ على أي حال سواء كان واجبًا أو مستحبًا.
ولو كان قول النبي ﷺ لهم: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ». يراد به أمر الوجوب فإنَّ معنى ذلك أنَّ الوضوء للأكل من الأمور المستحبة لمن قضى حاجته، واستحباب ذلك فيه ما فيه ولا أعلم قائلًا به.
[ ١ / ٥٠٩ ]
ولو كان الوضوء للأكل من الأمور المستحبة لبقى عرض أولئك الصحابة قائمًا: فإنَّ عرضهم يشمل الوضوء الواجب والمستحب؟.
إذا تبيَّن هذا فإنَّ الحصر قد يأتي على غير معنى الحصر الحقيقي كقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]. مع أنَّ النبي ﷺ بعثه الله بشيرًا ونذيرًا.
قلت: لعل فيما ذكرته هاهنا فيه الكفاية حول هذه المسألة التي تستدعي ما هو أوسع من ذلك، وقد كتبت في ذلك رسالة سميتها:
[اللمع في حجة من أجاز للمحدث مس المصحف وحجة من منع].
٦ - واستدل به الظاهرية - ومنهم ابن حزم - في قولهم بنجاسة الكافر حيًا، وميتًا.
قلت: وهذا القول مخالف للأدلة المتكاثرة الدالة على طهارتهم الطهارة الحسية فمن ذلك:
١ - أنَّ الله ﷿ أباح لنا نساء أهل الكتاب، ولا يخلو المعاشر لهن من أن يلمس شيئًا من عرقهن. وأجمعت الأمة على أنه لا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة، دل ذلك على أن ابن آدم ليس بنجس في ذاته، ما لم تعرض له نجاسة تحل به.
٢ - أنَّ النبي ﷺ كان يجيب دعوة اليهود ويأكل من طعامهم، وهم يباشرون ذلك بأيديهم.
[ ١ / ٥١٠ ]
٣ - أنَّ النبي ﷺ قد ثبت عنه الوضوء من مزادة امرأة مشركة. فروى البخاري (٣٤٤)، ومسلم (١٥٦١) عن عمران قال: «كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ: "لَا ضَيْرَ، أَوْ لَا يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا" فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ" قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ. قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ. قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ
[ ١ / ٥١١ ]
فَانْطَلِقِي فَجَاآ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ - وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ" وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اجْمَعُوا لَهَا". فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا: "تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا". فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ. قَالَتِ: الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ».
قلت: والمزادة هي القربة الكبيرة.
٤ - أنَّ النبي ﷺ، والصحابة كانوا يشترون الثياب المصنوعة بأيدي الكافرين ويلبسونها، النبي ﷺ يأمرهم بغسلها قبل لبسها.
[ ١ / ٥١٢ ]
٧ - واستدل به القائلون بوقوع التحريم بلبن الميتة.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (١٠/ ٩): «مسألة: قال أبو محمد: وإن ارتضع صغير أو كبير لبن ميتة أو مجنونة أو سكرى خمس رضعات فإنَّ التحريم يقع به; لأنَّه رضاع صحيح.
وقال الشافعي: لا يقع بلبن الميتة رضاع; لأنَّه نجس.
قال علي: هذا عجب جدًا أن يقول في لبن مؤمن: إنَّه نجس وقد صح، عن النبي ﷺ، أنَّه قال: "المؤمن لا ينجس" وقد علمنا أنَّ المؤمن في حال موته وحياته سواء، هو طاهر في كلتا الحالتين، ولبن المرأة بعضها، وبعض الطاهر طاهر» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٨/ ١٧٥ - ١٧٦):
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: "وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةِ، كَمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ" الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيِّ، أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
وَتَوَقَّفَ عَنْهُ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوِلَادَةِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ. كَلَبَنِ الرَّجُلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وُجِدَ الِارْتِضَاعُ، عَلَى وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ مِنْ امْرَأَةٍ، فَأَثْبَتِ التَّحْرِيمَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ شُرْبِهِ فِي حَيَاتِهَا وَمَوْتِهَا إلَّا الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ أَوْ النَّجَاسَةُ، وَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ، وَالنَّجَاسَةُ لَا
[ ١ / ٥١٣ ]
تَمْنَعُ، كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا، فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، لَنَشَرَ الْحُرْمَةَ، وَبَقَاؤُهُ فِي ثَدْيِهَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ ثَدْيَهَا لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِنَاءِ فِي عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ لَا تَزِيدُ عَلَى عَظْمِ الْمَيْتَةِ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ» اهـ.
قلت: وحصل نزاع أيضًا في لبن الرجل من حيث طهارته، وحصول التحريم به، والصحيح الطهارة لحديث الباب.
والقول بنجاسته أحد الوجهين للشافعية.
قال العلامة يحيى بن أبي الخير الشافعي ﵀ في [البيان] (١١/ ٥٥٦):
«وإن كان للخنثى لبن، فضرب ضارب ثديه، وانقطع لبنه، فإن قلنا بقول أبي علي .. وجبت عليه الحكومة، وإن قلنا بقول عامة أصحابنا .. بني على الوجهين في لبن الرجل، هل يحكم بطهارته، ويثبت التحريم والحرمة بإرضاعه، ويجوز بيعه، ويضمن بالإتلاف؟
فإن قلنا: تثبت هذه الأحكام .. وجبت هاهنا فيه الحكومة.
وإن قلنا: لا تثبت هذه الأحكام .. لم تجب هاهنا الحكومة، ولكن يعزر به الجاني إذا كان عامدًا؛ للتعدي» اهـ.
قلت: وجماهير العلماء على عدم حصول الحرمة به، وشذ الكرابيسي فأثبت الحرمة به.
قال العلامة الشيرازي ﵀ في [المهذب] (٣/ ١٤٤):
«ولا يثبت التحريم بلبن الرجل وقال الكرابيسي: يثبت كما ثبت بلبن المرأة وهذا خطأ لأن لبنه لم يجعل غذاء للمولود فلم يثبت به التحريم كلبن البهيمة» اهـ.
[ ١ / ٥١٤ ]
وقال العلامة النووي ﵀ في [روضة الطالبين] (٩/ ٣):
«وَلَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الرَّجُلِ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: يُحَرِّمُ» اهـ.
٨ - استدل به القائلون بطهارة الماء المستعمل، لأنَّه ماء لاقى محلًا طاهرًا فهو طاهر. ولو كان الماء المستعمل نجسًا لكان بدن المحدث نجسًا والدليل قد دلَّ على طهارته.
٩ - في الحديث رد على الحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومالك في كراهتهم أن تغسل الحائض والجنب الميت.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ١٩٠): «وقال ابن المنذر: يغسله الجنب لقول النبي ﷺ "إنَّ المؤمن لا ينجس" ولا نعلم بينهم خلافًا في صحة تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الأولى أن يكون المتولي لذلك طاهرًا لأنَّه أكمل وأحسن» اهـ.
١٠ - ويدل الحديث على جواز تصرف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل.
* * *
[ ١ / ٥١٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ».
وكانت تقول: «وَكَانَتْ تَقُولُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا».
قولها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ» أي إذا أراد أن يغتسل، أو إذا شرع، وكان تدل على التكرار في الغالب. والجنابة تكون بإيلاج الحشفة في الفرج، أو بالإنزال بشهوة.
وقولها: «ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ» التخليل هو: إدخال الأصابع بين أجزاء الشعر.
وقولها: «أَرْوَى» مأخوذ من الري الذي هو ضد العطش والمراد به ها هنا ابتلال الشعر بالماء.
وقولها: «بَشَرَتَهُ» البشرة: ظاهر جلد الإنسان، وقيل سمي البشر بشرًا لظهور بشرتهم بخلاف كثير من الحيوانات فإنَّ بشرتهم مغطاة إمَّا بالشعر، أو الصوف، أو الوبر، أو الريش. وقيل أطلق عليهم ذلك لظهور البشر على وجوههم.
وقولها: «أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ» أي أفرغ الماء عليه.
[ ١ / ٥١٦ ]
وقولها: «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» أي على بقية جسده مأخوذ من السؤر وهو بقية الشيء.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب تقديم غسل أعضاء الوضوء في ابتداء غسل الجنابة، لكن هل هذا الوضوء من جملة الغسل فلا يجب غسلها مرة أخرى، أم هو وضوء مستقل فتغسل الأعضاء مرة أخرى من أجل رفع الجنابة؟.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٩ - ٤١): «وقوله: "غسل سائر جسده" يدل على أنَّه لم يعد غسل ما كانَ غسله منه قبل ذَلِكَ؛ لأنَّ: "سائر" إنَّما تستعمل بمعنى: "الباقي"، لا بمعنى: "الكل"، على الأصح الأشهر عندَ أهل اللغة.
وكذلك خرَّج مسلم حديث عائشة، من حديث أبي معاوية، عنة هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - فذكرت الحديث، وفي آخره -: "ثم أفاض على سائر جسده".
وهو -أيضًا -: دليل على أنَّه لم يعد غسل ما مضى غسله منه.
والعجب من البخاري ﵀، كيف ذكر في تبويبه "من توضأ للجنابة ثم غسل سائر جسده"، ولم يسق الحديث بهذا اللفظ، وإنَّما تتم الدلالة به.
ومقصوده بهذا الباب: أنَّ الجنب إذا توضأ، فإنَّه يجب عليهِ غسل بقية بدنه، ولا يلزمه إعادة غسل ما غسله من أعضاء الوضوء.
والجنب حالتان:
[ ١ / ٥١٧ ]
إحداهما: أنَّه لا يلزمه سوى الغسل، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر - على قول من يقول: إنَّ الجنابة المجردة لا توجب سوى الغسل، كما هوَ قول الشافعي وابن حامد من أصحابنا، فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل.
فإن بدأ بأعضاء الوضوء، فغسلهما، لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه، بغير تردد.
وينوي بوضوئه الغسل، لا رفع الحدث الأصغر -: صرح به الشافعية، وهو ظاهر.
الحالة الثانية: أن يجتمع عليهِ حدث أصغر وجنابة، إمَّا بأن يحدث، ثم يجنب، أو على قول من يقول: إنَّ الجنابة بمجردها تنقض الوضوء وتوجب الغسل، كما هوَ ظاهر مذهب أحمد وغيره.
فهذه المسألة قد سبقت الإشارة إليها والاختلاف فيها.
وأكثر العلماء على تداخل الوضوء والغسل في الجملة.
قالَ الحسن: إذا اغتمس في النهر، وهو جنب، أجزأه عن الجنابة والحدث.
فعلى هذا؛ إذا غسل اعضاء الوضوء مرة، لم يحتج إلى إعادة غسلها.
قال أحمد: العمل عندي في غسل الجنابة، أن يبدأ الرجل بمواضع الوضوء، ثم يغسل بعد ذَلِكَ سائر جسده.
ولكن على هذا التقدير، ينوي بوضوئه رفع الحدثين عن أعضاء الوضوء.
فإن نوى رفع الحدث الأصغر وحده، احتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل.
[ ١ / ٥١٨ ]
ثم إنَّ المشهور عن أحمد -عندَ أصحابه كالخرقي ومن تابعه -: أنَّ الغسل والوضوء لا يتداخلان، إلَّا بأن ينويهما، كالحج والعمرة في القرآن، وهو وجه للشافعية.
وعلى هذا؛ فينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، صرح به ابن أبي موسى من أصحابنا.
ويلزم من ذَلِكَ وجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل مرة أخرى.
فإن نوى بالوضوء رفع الحدثين معًا، لم يلزمه إعادة غسلهما مرة أخرى.
والمنصوص عن الشافعي، أنَّهما يتداخلان بدون نية، نص على ذَلِكَ في "الأم"، وحكاه أبو حفص البرمكي رواية عن أحمد، كما لو كانا من جنس واحد عندَ أكثر العلماء.
فعلى هذا، يجزئ الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر خاصة.
وإن نوى بالوضوء رفع الحدث الأصغر، كانَ أفضل -: قاله بعض الشافعية.
ولكن ينبغي أن يقولوا بوجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى في الغسل.
وعلى هذا التقدير، فإنَّ رفع الحدث الأصغر لا يندرج فيهِ الأكبر، بخلاف عكسه.
وعن أحمد رواية، أنَّه لا يرتفع الحدث الأصغر بدون الإتيان بالوضوء، وحكي مثله عن مالك وأبي ثور وداود، وهو وجه للشافعية؛ لأنَّ سببهما مختلف، فلم يتداخلا كحد الزنا وحد السرقة.
[ ١ / ٥١٩ ]
وعلى هذا فيجب غسل أعضاء الوضوء مرتين: مرة للوضوء، ومرة في الغسل، وينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، وبالغسل رفع الحدث الأكبر.
وقالت طائفة: إِنْ غَسَلَ أعضاء الوضوء مرتبة متوالية ارتفع عنهما الحدثان، وإذا نوى رفعهما، فلا يجب عليهِ إلَّا غسل باقي بدنه للجنابة، وإن لم يغسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية لم يرتفع عنها سوى حدث الجنابة، وعليه أن ياتي بالوضوء على وجهه؛ ليرفع الحدث الأصغر.
وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه، وهو قول أبي بكر بن جعفر، ومن اتبعه من أصحابنا.
واعتبروا -أيضًا -: أن يمسح رأسه.
وقد سبق نص أحمد، على أنَّه لا يحتاج إلى مسح رأسه، بل يكفيه صب الماء عليهِ.
وهو يدل على أنَّ خصائص الوضوء عنده كلها غير معتبرة في وضوء غسل الجنابة.
وهو -أيضًا- وجه لأصحاب الشافعي، لكنهم لا يعتبرون الموالاة ولا نية الحدث الأصغر، على الصحيح عندهم.
وعندنا؛ هما معتبران، على الصحيح.
وزعم أبو بكر الخلال: أنَّ هذا القول هوَ مذهب أحمد، ووهم من حكى عنه خلافه فإنَّ حنبلًا نقل عن أحمد، في جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق، لم يحركه، فصلى، ثم ذكر؟ قالَ: يغسل موضعه، ويعيد الصلاة.
[ ١ / ٥٢٠ ]
قالَ الخلال: هذا وهم من حنبل لا شك فيهِ، لأنَّ أحمد عنده أنَّ من لم يحرك خاتمه الضيق في الوضوء وصلى، أنَّه يعيد الوضوء والصلاة.
قالَ أبو بكر ابن جعفر في كتاب "الشافي": هذا يدل على أنَّه لا بد في غسل الجنابة من الوضوء.
قلت: إنَّما قالَ أحمد: "يعيد الوضوء والصلاة" في المحدث حدثًا أصغر، فأمَّا الجنب فإنَّ المنصوص عن أحمد، أنَّه إذا انغمس في ماء وتمضمض، واستنشق، أنَّه يجزئه، بخلاف من يريد الوضوء، فإنَّه يلزمه الترتيب والمسح.
ولكن الخلال تأول كلامه، على أنَّ الجنب يجزئه انغماسه في الماء من غسل الجنابة وأمَّا عن الوضوء فلا يجزئه حتى يرتب، كالمحدث الحدث الأصغر بانفراده.
ونقول: إنَّ قول أحمد: "إذا انغمس وأراد الوضوء لا يجزئه" عام فيمن أراد الوضوء وهو جنب أو محدث.
والذي عليهِ عامة الأصحاب، كالخرقي وابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى وأصحابه خلاف ذلك، وأنَّ أحمد إنَّما أراد المحدث حدثًا أصغر.
ورواية حنبل هذه صريحة في هذا المعنى، وقول الخلال: "إنَّها وهم بغير شك"، غير مقبول. والله ﷾ أعلم» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أنَّه يكفي الغسل في رفع الحدثين معًا، وحديث عائشة، وميمونة يدلان على أنَّ غسل أعضاء الوضوء من جملة غسل الجنابة لا لرفع الحدث الأصغر ذلك من وجوه:
[ ١ / ٥٢١ ]
الوجه الأول: قولها في الحديث - بعد ذكرها للوضوء -: «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ»، وسائر جسده بمعني بقية جسده، وهذا يقتضي أنَّه لم يعد غسل أعضاء الوضوء. وذلك أنَّه إن كان إنَّما غسلهما للحدث الأصغر لأعاد غسلهما من أجل الجنابة.
ويشكل على هذا رواية في صحيح البخاري (٢٤٨) جاءت بلفظ: «ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٥٢): «فيحتمل أن يقال: إنَّ سائر هنا بمعنى الجميع جمعًا بين الروايتين» اهـ.
قلت: ويحتمل العكس، وهو حمل "كل" على معنى "سائر" أي غسل كل ما بقي من جسده، ويؤيده أنَّ أكثر روايات الحديث جاءت بلفظ: «سَائِرَ جَسَدِهِ»، وجاءت هذه اللفظة أيضًا في حديث ميمونة.
الوجه الثاني: أنَّ ميمونة لم تذكر في حديثها مسح الرأس، وإنَّما ذكرت أنَّه ﵊ أفاض الماء على رأسه، ولو كان الوضوء الذي فعله النبي ﷺ وضوء حدث لا من جملة الغسل لمسح رأسه، لكن لما كان ذلك الوضوء من جملة الغسل أفاض الماء على رأسه ولم يمسحه.
الوجه الثالث: في حديث ميمونة تأخير النبي ﷺ لغسل رجليه إلى بعد الغسل، ولو كان ذلك الوضوء للحدث لقدم غسل القدمين ولم يؤخرهما من أجل تحقيق الموالاة بين أعضاء الوضوء.
ومما يدل على هذا أيضًا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٩٦ - ٣٩٧) حيث قال ﵀: «وهو سبحانه
[ ١ / ٥٢٢ ]
أمرنا بالطهارتين الصغرى والكبرى وبالتيمم عن كل منهما فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا (٦)﴾ [المائدة: ٦] فأمر بالوضوء. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٦)﴾ فأمر بالتطهر من الجنابة كما قال في المحيض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال في سورة النساء: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا يبين أن التطهر هو الاغتسال.
والقرآن يدل على أنَّه لا يجب على الجنب إلَّا الاغتسال وأنَّه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة. والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر كما قال جمهور العلماء. والمشهور في مذهب أحمد: أنَّ عليه نية رفع الحدث الأصغر وكذلك ليس عليه فعل الوضوء ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور. وهو ظاهر مذهب أحمد. وقيل: لا يرتفع الحدث الأصغر إلَّا بهما. وقيل: لا يرتفع حتى يتوضأ. روي ذلك عن أحمد.
والقرآن يقتضي: أنَّ الاغتسال كاف. وأنَّه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر بل صار الأصغر جزءًا من الأكبر. كما أنَّ الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر فإنَّ الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته:
"اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر. وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". فجعل غسل مواضع الوضوء جزءًا من الغسل
[ ١ / ٥٢٣ ]
لكنه يقدم كما تقدم الميامن. وكذلك الذين نقلوا صفة غسله كعائشة ﵂ ذكرت: أنَّه كان يتوضأ ثم يفيض الماء على شعره ثم على سائر بدنه. ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين وكان لا يتوضأ بعد الغسل. فقد دل الكتاب والسنة على أنَّ الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء ولا ينويان وضوءًا بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى» اهـ.
٢ - وقولها في الحديث: «أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ» حجة للجمهور في قولهم بعدم وجوب الدلك في الغسل، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مسلم (٣٣٠) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ: "لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ"».
٣ - الحديث يدل على أنَّ الغسل مرة واحدة ولا يستحب فيه التكرار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٠/ ٣٦٩ - ٣٧٠): «وكذلك الاغتسال من الجنابة؛ فمذهب مالك وأحد القولين من مذهب أحمد بل هو المأثور عنه: اتباع السنة فيه؛ فإنَّ من نقل غسل النبي ﵌ كعائشة وميمونة لم ينقل أنَّه غسل بدنه كله ثلاثًا بل ذكر أنَّه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثا حثية على شق رأسه وأنَّه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه. والذين استحبوا الثلاث إنَّما ذكروه قياسًا على الوضوء والسنة قد فرقت بينهما. وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع وهو أربعة أمداد ومعلوم أنَّه لو كان السنة في الغسل التثليث لم يكفه ذلك فإنَّ سائر الأعضاء فوق أعضاء الوضوء أكثر من أربع مرات» اهـ.
[ ١ / ٥٢٤ ]
وقال العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٦٥ - ٢٦٨):
«وقد أختلف العلماء في استحباب غسل البدن كله في الغسل من الجنابة ثلاثًا:
فمنهم: من استحبه، وهو قول إسحاق بن راهويه وكثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة.
وروى وكيع في "كتابه" عن أبي مكين، عن أبي صالح مولى أم هانيء، عن أم هانئ، قالت: إذا اغتسلت من الجنابة فاغسل كل عضو ثلاثًا.
أبو صالح، هوَ باذان، وهو ضعيف جدًا.
ورواه سمويه الحافظ: نا أحمد بن يحيى بن زيد بن كيسان: نا يزيد بن ذريع، عن أبي مكين، عن أبي صالح: حدثتني أم هانيء، قالت: قالَ رسول الله ﷺ: "إذا أغتسل أحدكم فليغسل كل عضو منه ثلاث مرات" - يعني: الجنابة.
ورواية وكيع للموقوف أصح.
وروى الفضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، أن رجلًا سأله عن الغسل من الجنابة، فقالَ: ثلاثًا. فقالَ الرجل: إنَّ شعري كثير، فقالَ: رسول الله كانَ أكثر شعرًا منك وأطيب.
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه.
وعطية، هوَ العوفي، فيهِ ضعف مشهور.
ولعله أراد الثلاث في غسل الرأس؛ ولهذا قالَ لهُ السائل: إن شعري كثير.
[ ١ / ٥٢٥ ]
وقد خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة" لهُ عن فضيل ابن مرزوق، عن عطية، قالَ: سأل رجل أبا سعيد الخدري: كم يكفي لغسل رأسه؟ قالَ: ثلاث حفنات - وجمع يديه - وذكر بقية الحديث.
ومما يستدل به تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة: ما خرجه أبو داود، من رواية حماد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، في صفة غسل النبي ﷺ، قالت: وأفرغ على رأسه ثلاثًا، فإذا فضلت فضلة صبها عليهِ.
والمراد: بعد الفراغ من غسل بقية جسده، وإلَّا لم يكن لقولها: "فإذا فضلت فضلة" معنى.
وروى وهيب هذا الحديث، عن هشام، وقال فيهِ: "ثم أفاض الماء على جسده، فإن بقي في الإناء شيء أفرغه عليهِ".
ورواه - أيضًا - مبارك بن فضالة، عن هشام - بنحوه.
خرجهما ابن جرير الطبري.
وقالت طائفة: لا يستحب تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصرح به المارودي من الشافعية، وأصحاب مالك.
وحكى الإمام أحمد أنَّ ابن عباس كانَ يغتسل من الجنابة سبع مرار.
وقال: هوَ من حديث شعبة - يعني: مولى ابن عباس -، مشهور عنه.
قالَ: وأمَّا حديث النبي ﷺ، فإنَّه كانَ يحفن على رأسه ثلاثًا.
وهذا الحديث خرجه أبو داود من رواية ابن أبي ذئب، عن شعبة - وهو: مولى ابن عباس -، أنَّ ابن عباس كانَ إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده
[ ١ / ٥٢٦ ]
اليسرى سبع مرات، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني: كم أفرغت؟ قلت: لا أدري، فقالَ: لا أم لك، وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ويقول: هكذا كانَ رسول الله ﷺ يتطهر.
وليس في هذه الرواية التسبيع في سوى غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء.
ويتحمل أن المراد به: التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر.
وشعبة مولى ابن عباس، قالَ مالك: ليس بثقة، وقال - مرة -: لا يشبه القراء، وقال أحمد ويحيى: لابأس به، وقال يحيى - مرة -: لايكتب حديثه، وقال النسائي والجوزجاني: ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا جدًا فأحكم لهُ بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به.
ونقل حرب عن إسحاق، أنَّه قالَ في غسل الجنابة: يغسل فرجه ثلاثًا، وإن احتاج إلى الاستنجاء غسل مقعدته ثلاثًا إلى السبع، ولا يزيد على ذَلِكَ، إلَّا أن لا ينقي» اهـ.
٤ - استحباب تخليل شعر الرأس قبل إفاضة الماء عليه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٨): «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ، لم ينتبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وأدائه.
ولم أر من صرح به منهم، إلَّا صاحب "المغني" من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد: الغسل على حديث عائشة.
[ ١ / ٥٢٧ ]
وكذلك ذكره صاحب "المهذب" من الشافعية، قالَ -بعد ذكر الوضوء -:
ثم يدخل أصابعه العشر في الماء، فيغترف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات.
وفي هذا زيادة على ما في حديث عائشة، وهو تخليل اللحية.
ومذهب الشافعي: وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية، وإن كانت كثيفة، في الجنابة دون الوضوء.
وعن مالك في وجوب ذَلِكَ في الغسل روايتان.
وأمَّا أصحابنا فيجب ذَلِكَ عندهم - في المشهور، ولهم وجه ضعيف، أنَّه لا يجب، وحكي مثله عن المزني.
وكلام أكثرهم، يدل على أنَّ المغتسل يتوضأ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثًا، ويخلل أصول الشعر مع ذَلِكَ.
وقد وجد في كلام الأئمة، كسفيان وأحمد وإسحاق، ما يدل على ذَلِكَ.
واتباع السنة الصحيحة التي ليس لها معارض أولى.
وقد روى قتادة، عن عروة، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ كانَ إذا أراد أن يغتسل من جنابة توضأ وضوءه للصلاة، ثم صب على رأسه ثلاث مرار، يخلل بأصابعه أصول الشعر.
خرجه الإمام أحمد.
وهذه الرواية تشهد لما قاله أكثر الفقهاء: إنَّه يصب الماء على رأسه، ثم يخلله بأصابعه.
ولكن رواية هشام، عن أبيه، المتفق على صحتها، مقدمة على رواية قتادة.
[ ١ / ٥٢٨ ]
وليس في ترك ذكر هذا في حديث ميمونة ما يوجب تركه؛ لأنَّ ميمونة حكت غسل النبي ﷺ في قضية معينة، وعائشة حكت ما كانَ النبي ﷺ يفعله إذا اغتسل من الجنابة، فالأخذ بروايتها متعين، والله أعلم» اهـ.
٥ - ويدل الحديث على مشروعية تقديم غسل القدمين مع الوضوء، وهذا مأخوذ من قولها ﵂: «ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ»، لكن روى مسلم (٣١٦) عن عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٢٨): «واستدل بهذا الحديث على استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل ولا يؤخر غسل الرجلين إلى فراغه وهو ظاهر من قولها: "كما يتوضأ للصلاة" وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه لكن رواه مسلم من رواية أبي معاوية عن هشام فقال في آخره: "ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ" وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام.
قال البيهقي: هي غريبة صحيحة. قلت: لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقال، نعم له شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة أخرجه أبو داود الطيالسي فذكر حديث الغسل كما تقدم عند النسائي وزاد في آخره "فإذا فرغ غسل رجليه"
[ ١ / ٥٢٩ ]
فأمَّا أن تحمل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها وضوءه للصلاة أي أكثره وهو ما سوى الرجلين أو يحمل على ظاهره» اهـ.
قلت: قال ابن عمار الشهيد ﵀ في [علل أحاديث في صحيح مسلم] (ص: ١٠):
«وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم: زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعلي بن مسهر، وغيرهم فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين، إلَّا أبو معاوية.
ولم يذكر غسل اليدين ثلاثًا في ابتداء الوضوء غير وكيع.
وليس زيادتما بالمحفوظة.
وسمعت أبا جعفر الحضرمي يقول: سمعت ابن نمير يقول: "كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش ".
وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: "أبو معاوية في حديث الأعمش حجة وفي غيره لا"» اهـ.
قلت: رواية الطيالسي موجودة في [المسند] (١٥٧٧) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَمِينِهِ، فَصَبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ حَتَّى يُنْقِيَهُ ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ الْمَاءَ، فَإِذَا فَرَغَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ».
[ ١ / ٥٣٠ ]
قلت: هذا إسناد حسن، ورواية حماد بن سلمة عن عطاء قبل الاختلاط على الصحيح كما ذهب إلى ذلك جمهور المحدثين.
٦ - وفي الحديث دليل على جواز اغتسال المرأة والرجل من إناء واحد.