٢١٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْفِدْيَةِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي خَاصَّةً. وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَتَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لا. فَقَالَ: صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث بيان شدة ما حصل لكعب بن عجرة من أذى القمل، فمن ذلك ما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِه] (٢٨٩) نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ إِلَيْنَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: «فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُكَ؟ قَالَ: خَرَجَنْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمِينَ، فَوَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي وَشَارِبِي، حَتَّى وَقَعَ فِي حَاجِبِي …».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وقد رواه أحمد (١٨١٤٥) مِنْ طَرِيْقِ الأصبهاني به.
[ ٧ / ١٣٧ ]
ومن ذلك ما رواه أبو داود (١٨٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبَانُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: «أَصَابَنِي هَوَامُّ فِي رَأْسِي وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِي ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: أُرى الأولى والثالثة بضم أوله بمعنى: أظن. وأَرى الثانية بفتح أوله بمعنى أنظر وأشاهد.
والجَهد بفتح الجيم بمعنى المشقة، وبضمها بمعنى الطاقة، والمراد في الحديث الأول.
والفرق إناء يتسع لثلاثة آصع.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الأحكام تحمل على عمومها وإن وردت بسبب شخص معين.
٢ - وفيه أنَّ من حلق شعره لإزالة هوام رأسه يجب عليه فدية الأذى، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والمبيَّنَة في هذا الحديث.
[ ٧ / ١٣٨ ]
٣ - ويلحق به الوقوع في أي محظور من محظورات الإحرام إلَّا ما استثني كنكاح المحرم، وإنكاحه لغيره، وخطبته لنفسه أو لغيره وذلك لأنَّها واقعة على سبيل البطلان فاكتفى بإبطالها عن الكفارة أو الفدية، ولأنَّها من قبيل الأقوال والأحكام كمن تكلم بكلام محرم وذلك مما لا كفارة ولا فدية فيه في الإحرام.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢١٠):
«ولا كفارة في النكاح لأنَّه يقع باطلًا فلم يوجب الكفارة كشراء الصيد واتهابه، لأنَّه لا أثر لوقوعه فإنَّ مقصوده لم يحصل بخلاف الوطء واللباس ونحو ذلك، وكلما وقع على مخالفة الشرع وأمكن إبطاله اكتفي بإبطاله عن كفارة أو فدية، بخلاف الأمور التي لا يمكن إبطالها، ولأنَّه من باب الأقوال والأحكام وهذا الباب لا يوجب كفارة في الإحرام تختص به كما لو تكلم بكلام محرم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الشهادة في النكاح فلم يأت النهي عنها وكرهها بعض العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ١٩٥):
«وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِي نِكَاحٍ عَقَدَهُ الْمُحِلُّونَ. وَقَالَ بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته لِأَنَّ الشَّاهِدَ رُكْنٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ كَالْوَلِيِّ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ انْعِقَادُهُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٢٨٤):
[ ٧ / ١٣٩ ]
«وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُ الْمُحْرِمِ شَاهِدًا فِي الْعَقْدِ وَيَنْعَقِدُ بِحُضُورِهِ فِيهِ وجهان ذكرهما المصنف بدليهما:
الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْمُصَنِّفِينَ يَجُوزُ وَيَنْعَقِدُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَقَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْعَقِدُ قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ بِرِوَايَةٍ جَاءَتْ "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَشْهَدُ" وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً وَعَنْ الْقِيَاسِ بِالْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَلِيَّ مُتَعَيَّنٌ كَالزَّوْجِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَلِيَّ لَهُ فِعْلٌ فِي الْعَقْدِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٣٠٨):
«فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَنَةٌ عَلَى النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْخِطْبَةَ. وَإِنْ شَهِدَ أَوْ خَطَبَ، لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْمُحْرِمِينَ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "وَلَا يَشْهَدُ". وَلَنَا، أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلشَّاهِدِ فِي الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الْخَطِيبَ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا حُكْمٌ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [تَصْحِيْحِ الْفُرُوْعِ] (٥/ ٤٤٣):
«وَتُكْرَهُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، وَحَرَّمَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ الْقَاضِي وَاحْتَجَّ بِنَقْلِ حَنْبَلٍ: لَا يَخْطِبُ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ: لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ، ثُمَّ سَلَّمَهُ، كَالْمُصَلِّي يَشْهَدُ النِّكَاحَ وَالْمُحْرِمِ
[ ٧ / ١٤٠ ]
يَشْهَدُ شِرَاءَ الصَّيْدِ وَلَا يَعْقِدَانِ، وَلَا فِعْلَ لِلشَّاهِدِ فِي الْعَقْدِ، أَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْخَبَرِ: "وَلَا يَشْهَدُ" فَلَا تَصِحُّ. وَفِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: يُكْرَهُ، لِمُحِلٍّ خِطْبَةِ مُحْرِمَةٍ، وَإِنَّ فِي كَرَاهَةِ شَهَادَتِهِ "فِيهِ" وَجْهَيْنِ:، كَذَا قَالَ» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢١٧):
«فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَقَدَ سَوَّى كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخِطْبَةِ كَرَاهَةً وَحَظْرًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا يُمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ; لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فَهُوَ كَالْخَاطِبِ …، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُكْرَهُ مُطْلَقًا إِذْ لَا نَصَّ فِيهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح عدم الكراهة إذ لا دليل على ذلك.
قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُم] (٥/ ٨٤):
«وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْهَدَ الْمُحْرِمُونَ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ بِنَاكِحٍ وَلَا مُنْكِحٍ» اهـ.
قُلْتُ: ويستثنى من التخيير في الفدية الوطء، فإنَّ الدم فيه متعين، كما دلت على ذلك السنة، وأفتى بذلك أصحاب النبي ﷺ.
وقد جاء في الجماع للمحرم ما رواه أبو داود في [الْمَرَاسِيْلَ] (١٢٩)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٥٩) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ - شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ - أَنَّ، رَجُلًا، مِنْ
[ ٧ / ١٤١ ]
جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَهُمَا: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا هَدْيًا ثُمَّ ارْجِعَا حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا تَفَرَّقَا وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى فَتُقْبِلَانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَأَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ، ويحيى هو ابن أبي كثير، وابن نعيم إن كان هو يزيد بن نعيم فلا بأس به، وإن كان الآخر فلا أدري من هو، وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمِزِّيِّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْكَمَالِ] (١٠/ ١٠٨):
«هكذا قال أبو توبة بالشك. وقد روى يحيى بن أَبي كثير، عن يزيد بن نعيم بن هزال غير هذا الحديث من غير شك» اهـ.
قُلْتُ: وله شاهد من مراسيل ابن المسيب.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَطَّانِ ﵀ في [بَيَانِ الْوَهْمِ والْإِيْهَامِ] (٢/ ١٩٢):
«قال ابن وهب في "موطئه": أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: أنَّ رجلًا من جذام، جامع امرأته - وهما محرمان - فسأل الرجل رسول الله ﷺ، فقال لهما: "أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى، فأقبلا، حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتما نسككما وأهديا"» اهـ.
[ ٧ / ١٤٢ ]
قُلْتُ: هذان المرسلان فيهما احتمال أن يرجعا إلى مخرج واحد، فإنَّ يزيد بن نعيم قد روى عن ابن المسيب، واشترك معه في بعض المشايخ.
قُلْتُ: ويشهد للمرفوع آثار عن الصحابة فمن ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٤٤)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٢) ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا، عَنِ الْمُحْرِمِ يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: «يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَجِّهِمَا، ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَلَالًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا وَتَفَرَّقَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُمَا».
قُلْتُ: مجاهد أدرك آخر خلافة عمر، فقد ولد في سنة إحدى وعشرين من الهجرة.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٥٤)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٠) أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا: عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ؟ فَقَالُوا: «يَنْفُذَانِ يَمْضِيَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا. ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ»، قَالَ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا».
قُلْتُ: وهذا من بلاغات الإمام مالك ﵀، لم يسنده.
[ ٧ / ١٤٣ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٤٦) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ، فَإِذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، حفص هو ابن غياث، وأشعث هو ابن سوار ضعيف الحديث، والحكم هو ابن عتيبة روايته عن علي مرسلة.
قُلْتُ: وجاء عن ابن عباس ﵄.
فروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٣) وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَكَرِيَّا، أنبأ أَبُو طَاهِرٍ، ثنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّقَا وَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَأَهْدِيَا هَدْيًا».
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ أَهِلَّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قُلْتُ: شيخ البيهقي، وشيخ شيخه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٦) وَأَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، إِجَازَةً أنَّ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ زِيَادٍ، أَخْبَرَهُمْ، أنبأ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْقَيْسِيُّ، ثنا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ بَكْرٍ، أنبأ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى
[ ٧ / ١٤٤ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا، وَامْرَأَتَهُ مِنْ قُرَيْشٍ لَقِيَا ابْنَ عَبَّاسٍ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَمَّا حَجُّكُمَا هَذَا فَقَدْ بَطُلَ فَحُجَّا عَامًا قَابِلًا، ثُمَّ أَهِلَّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا حَتَّى إِذَا بَلَغْتُمَا حَيْثُ وَقَعْتَ عَلَيْهَا فَفَارِقْهَا فَلَا تَرَاكَ وَلَا تَرَاهَا حَتَّى تَرْمِيَا الْجَمْرَةَ وَأَهْدِ نَاقَةً، وَلْتُهْدِ نَاقَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ في الشواهد، وأبو محمد بن زياد هو عبد الله بن محمد بن علي بن زياد رجل عابد مستور.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٥٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٧) مِنْ طَرِيْقِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيٌ».
ولفظي البيهقي: «بَدَنَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥١٦١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ قَالَ: «عَلَيْهِ دَمٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُ الآخَرِ صَحِيْحِ.
[ ٧ / ١٤٥ ]
وروى ابن أبي شيبة أيضًا (١٥١٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ، قَالَ: «عَلَيْهِ وَعَلَى امْرَأَتِهِ بَدَنَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٩) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنبأ مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلٌ، فَقَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي قَبْلَ أَنْ أَزُورَ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَتْ أَعَانَتْكَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نَاقَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُعِنْكَ فَعَلَيْكَ نَاقَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلَاءُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وابن خثيم هو عبد الله بن عثمان بن خثيم.
وفي الباب أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٤٨) الدارقطني ﵀ في [سُنَنِه] (٣٠٠٠)، ومِنْ طَرِيْقِه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٣٧٥) ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٤)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٣٢٠٠)، مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَسْأَلُهُ عَنْ مَحْرَمٍ وَقَعَ بِامْرَأَةٍ، فَأَشَارَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ فَاسْأَلْهُ، قَالَ شُعَيْبٌ: فَلَمْ يَعْرِفْهُ الرَّجُلُ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «بَطُلَ حَجُّكَ»، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَفَأَقْعُدُ؟»، قَالَ: «بَلْ تَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا فَحِجَّ وَاهْدِ»، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَاسْأَلْهُ»، قَالَ شُعَيْبٌ: «فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا
[ ٧ / ١٤٦ ]
قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ»، ثُمَّ قَالَ: «مَا تَقُولُ أَنْتَ؟»، قَالَ: «أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: فهذه الموقوفات تقوي الحديث المرسل، ويصير بها في مرتبة الحسن.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٢٩):
«وهذا المرسل قد شهد له ظاهر القرآن وعمل أصحاب رسول الله ﷺ وعوام علماء الإسلام، وأيضًا فإنَّه إجماع الصحابة والتابعين» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القضاء إذا كان الوطء قبل رمي جمرة العقبة، وأمَّا إذا كان الوطء بعد الشروع في التحلل الأول فتلزمه بدنة فقط من غير قضاء للحج، ويدل عليه فتوى ابن عباس الماضية، وهي ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥١٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ، قَالَ: «عَلَيْهِ وَعَلَى امْرَأَتِهِ بَدَنَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
فأنت ترى أنَّ ابن عباس ﵄ لم يأمرهما بالقضاء، واتفق على ذلك الأئمة الأربعة، وقال النخعي، والزهري، وحماد: عليهما حج من قابل.
قُلْتُ: والصحيح ما عليه الجمهور، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٨٢) - معللًا لصحة ما ذهب إليه الجمهور -:
[ ٧ / ١٤٧ ]
«ولأنَّه قول ابن عباس، فإنَّه قال في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه الحج من قابل.
ولا نعرف له مخالفًا في الصحابة.
ولأنَّ الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، كبعد التسليمة الأولى في الصلاة، وبهذا فارق ما قبل التحلل الأول» اهـ.
قُلْتُ: وإيجاب البدنة هو الصحيح خلافًا لمن أوجب الشاة كأحمد في رواية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٣٨) - بعد ذكره لأثر ابن عباس -:
«ولا يعرف له مخالف في إيجاب البدنة» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر قول ابن عباس أنَّه لا يلزمه أن يحرم من الحل، من أجل أن يتم نسكه بإحرام صحيح، وهو مذهب الشافعي، وأوجب غيره الإحرام من الحل كالإمام مالك، وأحمد وغيرهما.
وقد جاء عن ابن عباس ما يوافق قول الإمام أحمد، وهو ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٥٩) عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا أَظُنُّهُ إِلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه (٨٥٨) مِنْ طَرِيْقِ أبي الزبير المكي عن عطاء به.
[ ٧ / ١٤٨ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٤٠):
«ورواه النجاد عن عكرمة عن ابن عباس من غير شك» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) أثرًا لابن عمر أنَّه أوجب قضاء الحج لمن جامع قبل طواف الإفاضة وعزاه إلى سعيد بن أبي عروبة في "المناسك"، ولم أقف عليه.
ثم قال ﵀: «فإذا اختلف الصحابة على قولين أحدهما إيجاب حج كامل، والثاني إيجاب عمرة لم يجز الخروج عنهما والاجتزاء بدون ذلك ولا يعرف في الصحابة من قال بخلاف هذين، وقد تقدم أنَّه لا يفسد جميع الحجة فبقى قول ابن عباس.
وأيضًا فإنَّه كان قد بقى عليه من الحج أن يفيض من منى إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ويسعى معه وإن كان لم يسع أولًا فيما بقي عليه من إحرامه وهو الإحرام من النساء خاصة فإذا وطئ فقد فسد هذا الإحرام، فإنَّ ما يفسد الإحرام الكامل يفسد الإحرام الناقص بطريق الأولى، ولو لم يجب عليه استبقاء الإحرام من النساء إلى تمام الإفاضة لجاز الوطء قبلها وهو غير جائز بالسنة والإجماع، فإذا فسد ما بقي من الإحرام فلو جاز أن يكتفي به لجاز الاكتفاء بالإحرام الفاسد عن الصحيح، ولوقعت الإفاضة وطوافها في غير إحرام صحيح وهذا غير مجزئ،
[ ٧ / ١٤٩ ]
وإذا وجب أن يأتي بإحرام صحيح فلا بد أن يخرج إلى الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا فقه دقيق، وقول سديد.
وقد اختلف أصحاب أحمد في هذا الإحرام، هل هو إحرام بعمرة كاملة، فيلزمه السعي، والحلق، أو التقصير، وإن كان قد سعى قبل ذلك في طواف القدوم، أم هو إحرام من أجل فعل ما بقي من نسك الحج في إحرام صحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣) - بعد ذكره لشيء من الخلاف في ذلك -:
«وقال القاضي في المجرد والشريف أبو جعفر وابن عقيل وغيرهم: إنَّما عليه عمرة فقط وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأحمد وهو الصواب.
ثم اختلفت عباراتهم فقال القاضي في موضع والشريف معناه: أنَّه يحرم للطواف والسعي وهو أفعال العمرة. فالمعنى أنَّه يأتي في إحرامه بأفعال العمرة. وقال ابن عقيل: كلام أحمد يدل على أنَّه يحرم بنفس العمرة حتى لا يكون إحرامه لمجرد الطواف والسعي الذي هو فعل من أفعال الحج بل يحرم بنسك كامل ويجعل ما بقي من الحج داخلًا في أثنائه ولا يكفيه أن يأتي بما بقي من غير إحرام. وهذا أجود فعليه أن يأتي بعمرة تامة يتجرد لها ويهل من الحل ويطوف ويسعى ويقصر أو يحلق ويعتقد أنَّ هذه العمرة قائمة مقام ما بقي عليه وأنَّ طوافها هو طواف الحج
[ ٧ / ١٥٠ ]
الذي كان عليه، فإنَّ ابن عباس وأحمد صرحا بأنَّه يعتمر ويهدي وفسرا ذلك بأربعة أميال مكان أربعة أميال.
نعم وجب عليه إنشاء الإحرام ليأتي بما بقي عليه في إحرام صحيح، ومن لوازم الإحرام المبتدأ أن يتجنب فيه جميع المحظورات وأن يهل فيه وأن لا يتحلل منه إلَّا بعد السعي والحلق وهذه الزيادات وإن لم تكن كانت واجبة فإنَّها وجبت لجبر ما قد فسد من إحرامه إذ لا يمكن الجبر إلَّا بإحرام صحيح ولا يكون الإحرام الصحيح إلَّا هكذا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ابن قدامة ﵀ فقد اختار غير ذلك فقال في [الْمُغْنِيِّ] (٧/ ٢٨٣):
«وإذا أحرم من الحل، طاف للزيارة، وسعى إن كان لم يسع في حجه.
وإن كان سعى، طاف للزيارة، وتحلل.
هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنَّ الذي بقي عليه بقية أفعال الحج، وإنَّما وجب عليه الإحرام ليأتي بها في إحرام صحيح.
والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمة، أنَّه يعتمر، فيحتمل أنَّهم أرادوا هذا أيضًا، وسموه عمرة؛ لأنَّ هذا هو أفعال العمرة؛ ويحتمل أنَّهم أرادوا عمرة حقيقية، فيلزمه سعي وتقصير.
والأول أصح؛ لما ذكرنا» اهـ.
[ ٧ / ١٥١ ]
قُلْتُ: كلام شيخ الإسلام أصوب، والأصل إجراء الكلام على ظاهره. والله أعلم.
وأمَّا الوطء في العمرة قبل التحلل وبعد السعي فلا تبطل العمرة بذلك والواجب فدية الأذى على التخيير لما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٠/ ٤٤٢): فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: «إِنِّي خَرَجْتُ مَعَ زَوْجِي، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَوَقَعَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُقَصِّرَ، فَقَالَ: "شَبَقٌ شَدِيدٌ"، فَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَامَتْ، فَقَالَ: "عَلَى الْمَرْأَةِ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامُ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ أَوْ تَنْسُكِينَ نُسُكًا"، فَقَالَتْ: أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "النُّسُكُ"، قَالَتْ: أَيُّ النُّسُكِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "اذْبَحِي بَقَرَةً، أَوِ انْحَرِي نَاقَةً"، فَقَالَتْ: أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "انْحَرِي نَاقَةً"».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ومحمد بن خزيمة قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٥٣٧): «محمد بن خزيمة، شيخ الطحاوي - فمشهور ثقة» اهـ.
قُلْتُ: والقول بعدم البطلان رواية عن أحمد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٤٥):
[ ٧ / ١٥٢ ]
«وإن وطئها بعد السعي وقبل الحلق أو بعد الطواف قبل الحلق وقلنا السعي سنة لم تبطل عمرته بحال سواء قلنا الحلاق واجب أو سنة هذا هو المنصوص عنه في غير موضع وعليه عامة أصحابه».
إلى أن قال ﵀ (٣/ ٢٤٨) في فتوى ابن عباس:
«ولا يعرف له في الصحابة مخالف.
وأيضًا فإنَّه وإن كان على إحرامه فقد نقض إحرامه بجواز التحلل منه بالحلق فلم يبق إحرامًا تامًا.
وأيضًا فالحلق وإن كان نسكًا واجبًا فلا ريب أنَّه تحلل من الإحرام ليس هو مما يفعل في الإحرام بل هو برزخ بين كمال الحرم وكمال الحل، فإذا وطئ فإنَّما أساء لكونه قد تحلل بغير الحلق ومثل هذا لا يفسد الإحرام فعلى هذا لا يحلق بعد الوطء ولا يقصر. وأمَّا كونه إحرامًا تامًا فغير مسلم» اهـ.
وقال قبل ذلك (٣/ ٢٤٧): «وأمَّا على المذهب فيفوت الحلق بالوطء» اهـ.
قُلْتُ: ومذهب الجمهور أنَّ العمرة لا تبطل بالوطء بعد السعي وقبل الحلق أو التقصير، وأبطلها الإمام الشافعي لأنَّ الحلق أو التقصير عنده من أركان الحج، والجمهور على أنَّهما من والواجبات، وليسا من الأركان.
واحتج على أنَّه لا يلزمه بعد الوطء الحلق أو التقصير بأثر ابن عباس هذا فإنَّه لم يأمر المرأة به.
[ ٧ / ١٥٣ ]
وأمَّا الوطء قبل تمام السعي فإنَّه مبطل للعمرة وموجب للقضاء والدم مع المضي فيها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٧٩):
«فصل: ومن وطئ قبل التحلل من العمرة، فسدت عمرته، وعليه شاة مع القضاء.
وقال الشافعي: عليه القضاء وبدنة؛ لأنَّها عبادة تشتمل على طواف وسعي، فأشبهت الحج.
وقال أبو حنيفة إن وطئ قبل أن يطوف أربعة أشواط كقولنا، وإن وطئ بعد ذلك فعليه شاة، ولا تفسد عمرته.
ولنا على الشافعي، أنَّها عبادة لا وقوف فيها، فلم يجب فيها بدنة، كما لو قرنها بالحج، ولأنَّ العمرة دون الحج، فيجب أن يكون حكمها دون حكمه، وبهذا يخرج الحج.
ولنا على أبي حنيفة، أنَّ الجماع من محظورات الإحرام، فاستوى فيه ما قبل الطواف وبعده، كسائر المحظورات، ولأنَّه وطء صادف إحرامًا تامًا فأفسده، كما قبل الطواف» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المباشرة بإنزال، أو بغير إنزال ففيها الفدية على التخيير على الصحيح من أقوال العلماء، وهو مذهب الإمام الشافعي، وأبي حنيفة رحمهما الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٢٩١):
[ ٧ / ١٥٤ ]
«اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنَّه يحرم علي المحرم المباشرة بشهوة كالمفاخذة والقبلة واللمس باليد بشهوة قبل التحللين وفيما بين التحللين خلاف سنذكره حيث ذكره المصنف فيما يحل بالتحلل الأول إن شاء الله تعالى.
ومتى ثبت التحريم فباشر عمدًا بشهوة لزمته الفدية وهى شاة أو بدلها من الإطعام، أو الصيام، ولا يلزمه البدنة بلا خلاف سواء أنزل أم لا» اهـ.
قُلْتُ: وقد أوجب الإمام أحمد إذا أنزل بدنة، وفي فساد الحج عنه روايتان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١ - ٢):
«وفي فساد حجه بذلك روايتان: إحداهما، يفسد. اختارها الخرقي، وأبو بكر، وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم بن محمد، ومالك، وإسحاق؛ لأنَّها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها الإنزال عن مباشرة، كالصيام.
والثانية، لا يفسد الحج. وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي وابن المنذر، وهي الصحيحة إن شاء الله؛ لأنَّه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلم يفسد الحج. كما لو لم ينزل، ولأنَّه لا نص فيه ولا إجماع ولا هو في معنى المنصوص عليه، لأنَّ الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد، ويتعلق به اثنا عشر حكمًا، ولا يفترق فيه الحال بين الإنزال وعدمه، والصيام يخالف الحج في المفسدات، ولذلك يفسد بتكرار النظر مع الإنزال والمذي وسائر محظوراته، والحج لا يفسد بشيء من محظوراته غير الجماع، فافترقا» اهـ.
[ ٧ / ١٥٥ ]
قُلْتُ: إذا لم ينزل لا يفسد الحج عنده، وهل عليه بدنة، أو شاة، في ذلك روايتان عنه.
فائدة: عند أبي حنيفة أنَّ الجماع بعد عرفة لا يفسد الحج لأنَّ الحج عرفة، وعند الجمهور أنَّ الجماع قبل رمي جمرة العقبة مفسد للحج لأنَّه جماع صادف إحرامًا تامًا.
ومذهب الجمهور هو الصحيح.
فائدة أخرى: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧):
«وَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَوَطِئَ بَعْدَهُ.
وَإِنْ طَافَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ، ثُمَّ وَطِئَ: لَمْ يَفْسُدْ نُسُكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ رُكْنٌ وَقَدْ تَحَلَّلَ، وَقَدْ طَافَ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ فَقَطْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِحْرَامُ مِنَ التَّنْعِيمِ لِيَرْمِيَ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ.
وَلَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ وَسَائِرَ أَفْعَالِ التَّحَلُّلِ عَنْ أَيَّامِ مِنًى: لَمْ يَتَحَلَّلْ، فَلَوْ وَطِئَ فَسَدَ حَجُّهُ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ فِيمَنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَى الْغَدِ وَوَطِئَ النِّسَاءَ قَبْلَ الْغَدِ: فَسَدَ حَجُّهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِذَا كَانَ الْوَطْءُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ فَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ وَطِئَ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ الْوَطْءُ بِالرَّمْيِ.
[ ٧ / ١٥٦ ]
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَقَعُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ التَّحَلُّلِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ أَفْعَالٍ، فَلَمْ يَقَعِ التَّحَلُّلُ مِنْهَا إِلَّا بِفِعْلِ التَّحَلُّلِ كَالصَّلَاةِ لَا يَقَعُ التَّحَلُّلُ مِنْهَا إِلَّا بِفِعْلِ التَّحَلُّلِ وَهُوَ السَّلَامُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَيَقَعُ التَّحَلُّلُ مِنْهُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّحَلُّلَ، لَا يَقَعُ بِخُرُوجِ وَقْتِ التَّحَلُّلِ، فَإِذَا وَطِئَ قَبْلَ أَفْعَالِ التَّحَلُّلِ، وَهُوَ الرَّمْيُ وَالطَّوَافُ، وَالْحِلَاقُ: فَيَجِبُ أَنْ يَفْسُدَ حَجُّهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا.
وَهَذَا لِأَنَّ فَوَاتَ وَقْتِ الرَّمْيِ لَا يُوجِبُ حُصُولَ التَّحَلُّلِ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْوَقْتِ، كَمَا أَنَّ فَوَاتَ وَقْتِ الْوُقُوفِ لَا يُوجِبُ حُصُولَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْحَجِّ بِمُضِيِّهِ، بَلْ يَتَحَلَّلُ بِغَيْرِ الرَّمْيِ مِنَ الْحَلْقِ وَالطَّوَافِ، كَمَا يَتَحَلَّلُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ» اهـ.
فائدة أخرى: من أفسد حجة وجب عليه أن يمضي في فاسده على الصحيح وهو الذي عليه الجمهور وهو الذي تدل عليه إطلاق السنة والآثار عن الصحابة، وذهب داود إلى عدم المضي فيه، وذهب الحسن ومالك وأحمد في رواية إلى التحلل بعمرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٣٣٣):
«وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ إلَّا بِالْجِمَاعِ، فَإِذَا فَسَدَ فَعَلَيْهِ إتْمَامُهُ، وَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
[ ٧ / ١٥٧ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ: يَجْعَلُ الْحَجَّةَ عُمْرَةً، وَلَا يُقِيمُ عَلَى حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ. وَقَالَ دَاوُد: يَخْرُجُ بِالْإِفْسَادِ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْهُ، كَالْفَوَاتِ، وَالْخَبَرُ لَا يُلْزِمُنَا؛ لِأَنَّ الْمُضِيَّ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْإِحْرَامِ. وَنَخُصُّ مَالِكًا بِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالْإِخْرَاجِ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى عُمْرَةٍ كَالصَّحِيحَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ الْفَاسِدِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ قَبْلَهُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ، مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالرَّمْيِ، وَيَجْتَنِبُ بَعْدَ الْفَسَادِ كُلَّ مَا يَجْتَنِبُهُ قَبْلَهُ، مِنْ الْوَطْءِ ثَانِيًا، وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَالطِّيبِ، وَاللِّبَاسِ، وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ، كَالْفِدْيَةِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ. فَأَمَّا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، فَيَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَاجِبَةً بِأَصْلِ الشَّرْعِ، أَوْ بِالنَّذْرِ، أَوْ قَضَاءً، كَانَتْ الْحَجَّةُ مِنْ قَابِلٍ مُجَزِّئَةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَضَاءُ، أَجْزَأَهُ عَمَّا يُجْزِئُ عَنْهُ الْأَوَّلُ، لَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَاسِدَةُ تَطَوُّعًا، وَجَبَ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ بِالدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ صَارَ الْحَجُّ عَلَيْهِ وَاجِبًا، فَإِذَا أَفْسَدَهُ، وَجَبَ قَضَاؤُهُ، كَالْمَنْذُورِ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ.
[ ٧ / ١٥٨ ]
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْأَصْلِيَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، فَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَالْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ» اهـ.
قُلْتُ: وعلى القول بالتحلل بعمرة فإنَّه إذا جامع قبل عرفه فيمكنه أن يتحلل بعمرة ويحرم بالحج إحرامًا صحيحًا قبل الوقوف، يكن الصحيح الأول وهو وجوب الإمضاء في فاسده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٩٩):
«لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يحرم إحرامًا آخر صحيحًا لم ينعقد لأنَّه يلزمه الْمُضِيُّ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢):
«وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَطِئَ فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ أَيْضًا:
إِحْدَاهُمَا: لَيْسَ عَلَيْهِ دَمُ مُتْعَةٍ وَلَا قِرَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ عَلَى ذَلِكَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: فِيمَا إِذَا وَطِئَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ أَوْ قَارِنٌ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ إِلَى قَابِلٍ فَإِذَا حَجَّا أَهْدَيَا، وَقَالَ أَيْضًا -: فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مُتَمَتِّعٍ دَخَلَ مَكَّةَ فَوَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ: مُتَمَتِّعٌ
[ ٧ / ١٥٩ ]
وَلَكِنْ قُلْ: مُعْتَمِرٌ يَرْجِعُ إِلَى الْمِيقَاتِ الَّذِي أَهَلَّ مِنْهُ، فَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ.
فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ دَمَ التَّمَتُّعِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَفَّهْ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ سَفَرٌ آخَرُ فِي الْقَضَاءِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ فِي رَجُلٍ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ جَامَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَقَامَ إِلَى الْحَجِّ: حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِعُمْرَتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ لِلْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ أَفْسَدَهَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ دَمٌ لِلْمُتْعَةِ وَدَمٌ لِمَا أَفْسَدَ مِنَ الْعُمْرَةِ.
لِأَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي النُّسُكِ الصَّحِيحِ: وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْفَاسِدِ كَالطَّوَافِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِ الْفَاسِدِ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الصَّحِيحِ، إِلَّا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا حَصَلَ فِيهِ الْوَطْءُ فَأَفْسَدَهُ وَالْآخَرَ عَرِيَ عَنْ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا: إِذَا أَحْرَمَ بِقِرَانِ الْقَضَاءِ فَهَلْ عَلَيْهِ دَمُ الْفَسَادِ، وَدَمُ الْقِرَانِ الْفَاسِدِ؟ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ.
وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا. فَإِذَا قَضَاهَا
فَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا قَبْلَ الْحَجِّ: فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ» اهـ.
قُلْتُ: ذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية إلى عدم سقوط دم القارن والمتمتع لفسادهما، وأسقطه أبو حنيفة والرواية الأخرى لأحمد كما في [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٣٥٤) لابن مفلح.
[ ٧ / ١٦٠ ]
٤ - ويدل الحديث أنَّ حلق الرأس للمحرم من غير عذر محرم، ولهذا وجبت الكفارة على من حلقه لعذر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٦٣):
«أجمع أهل العلم على أنَّ المحرم ممنوع من أخذ شعره، إلَّا من عذر.
والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
وروى كعب بن عجرة، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لعلك يؤذيك هوام رأسك"؟ قال: نعم، يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة". متفق عليه.
وهذا يدل على أنَّ الحلق كان قبل ذلك محرمًا، وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مقيد عند أهل العلم بالضرر من غير الشعر الذي تسبب به الشعر، أو لا يمكن إزالته إلَّا بإزالة الشعر أو بعضه، وأمَّا إذا كان الضرر حاصل بنفس الشعر فلا فدية بذلك؛ فإنَّه يصير حينئذ من قبيل دفع الصائل، كالصيد مثلًا إذا صال على المحرم فلم يتمكن من دفعه إلَّا بقتله فلا شيء عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤):
[ ٧ / ١٦١ ]
«ثم ينظر؛ فإن كان الضرر اللاحق به من نفس الشعر، مثل أن ينبت في عينه، أو طال حاجباه فغطيا عينيه، فله قلع ما في العين، وقطع ما استرسل على عينيه، ولا فدية عليه؛ لأنَّ الشعر آذاه، فكان له دفع أذيته بغير فدية، كالصيد إذا صال عليه، وإن كان الأذى من غير الشعر، لكن لا يتمكن من إزالة الأذى إلَّا بإزالة الشعر، كالقمل والقروح برأسه، أو صداع برأسه، أو شدة الحر عليه لكثرة شعره، فعليه الفدية؛ لأنَّه قطع الشعر لإزالة ضرر غيره، فأشبه أكل الصيد للمخمصة.
فإن قيل: فالقمل من ضرر الشعر، والحر سببه كثرة الشعر.
قلنا: ليس القمل من الشعر، وإنَّما لا يتمكن من المقام في الرأس إلَّا به، فهو محل له، لا سبب فيه.
وكذلك الحر من الزمان، بدليل أنَّ الشعر يوجد في زمن البرد، فلا يتأذى به، والله أعلم» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٤):
«وأمَّا الشعر إذا خرج في عينه وآلمه فإنَّه هو الذي اعتدى عليه، وأمَّا إذا نزل على عينيه شعر خاصة رأسه فإنَّه يقص منه ما نزل على عينيه» اهـ.
قُلْتُ: ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني في [سُنَنِه] (٢٤٨٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٩٠٧، ٨٩١٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْمُحْرِمُ يَشُمُّ الرَّيْحَانَ وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ وَيَفْقَأُ الْقُرْحَةَ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ أَمَاطَ عَنْهُ الْأَذَى».
مِنْ طَرِيْقِين يقوي بعضهما بعضًا.
[ ٧ / ١٦٢ ]
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٩٠١) حَدَثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنْ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الْمُحْرِمِ يَنْكَسِرُ ظُفُرُهُ، قَالَ: «إِذَا آذَاكَ فَارْمِ بِهِ عَنْكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٩٠٣) حَدَثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا انْكَسَرَ ظُفُرُ الْمُحْرِمِ، فَلْيَقُصَّهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وابن المبارك هو عبد الله، وخالد هو الحذاء.
قُلْتُ: واختلف العلماء في مقدار الشعر الذي تجب فيه الفدية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩٥):
«الفصل الرابع، القدر الذي يجب به الدم أربع شعرات فصاعدًا، وفيه رواية أخرى، يجب في الثلاث ما في حلق الرأس. قال القاضي: هو المذهب. وهو قول الحسن، وعطاء، وابن عيينة، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنَّه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق، فجاز أن يتعلق به الدم كالربع.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الدم بدون ربع الرأس؛ لأنَّ الربع يقوم مقام الكل ولهذا إذا رأى رجلًا يقول: رأيت فلانًا. وإنَّما رأى إحدى جهاته.
وقال مالك: إذا حلق من رأسه ما أماط به الأذى وجب الدم» اهـ.
قُلْتُ: وفي رواية للإمام أحمد أنَّ الفدية تجب في خمس شعرات.
[ ٧ / ١٦٣ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٠):
«أمَّا ما يوجب الدم ففيه ثلاث روايات:
إحداها: أنَّه لا يجب إلَّا في خمس شعرات وخمسة أظفار حكاها ابن أبي موسى وهذا اختيار أبي بكر لأنَّ الأظفار الخمسة أظفار يد كاملة فوجب أن يتعلق بها كمال الجزاء كما يتعلق كمال اليد بخمسة أصابع وما دون ذلك ناقص عن الكمال، وإذا لم تجب كمال الفدية إلَّا في خمسة أصابع فأن لا تجب إلَّا في خمس شعرات أولى» اهـ.
قُلْتُ: لا أعلم لمثل هذه التقديرات حجة شرعية، وقد روى البخاري (١٨٣٦)، ومسلم (١٢٠٣) عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁، قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ».
ورواه البخاري (٥٧٠٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ لُحْيُ جَمَلٍ».
قُلْتُ: لَحْي جَمَل: موضع بطريق مكة.
وروى البخاري (٥٧٠١) معلقًا فَقَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ، مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١٥٤):
«وهذا المعلق وقد وصله الإسماعيلي» اهـ.
[ ٧ / ١٦٤ ]
قُلْتُ: وقد رواه البخاري (١٩٣٨)، ومسلم (١٢٠٢) موصولًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ».
قُلْتُ: ولم يذكر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فدى حين فعل ذلك.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٩٩٩) حَدَثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: ثنا الزُّبَيْرُ بْنُ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، لَا يَرَى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْلِقَ عَنِ السِّحْرِ - وفي نسخة: الشَّجَةِ-، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي الْمِرْآةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهناك من احتج لما ذهب إليه الشافعي، ورواية عن أحمد من إيجاب الفدية بحلق ثلاث شعرات بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وذلك أنَّ تقدير الآية: ولا تحلقوا شعر رؤوسكم، والشعر جمع، وهو عند الإطلاق لا ينقص عن ثلاثة، ولا يظهر لي صحة ذلك، لما سبق من الحديث والأثر. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٤٣ - ٤٦):
«أمَّا إذا كان الذي حلقه بعض شعر رأسه لا جميعه، أو كان شعر جسده أو بعضه، لا شعر الرأس، فليس في ذلك نص صريح من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، لأنَّ الله جل وعلا إنَّما ذكر في آية الفدية: حلق الرأس، وظاهرها حلق جميعه لا بعضه،
[ ٧ / ١٦٥ ]
والعلماء مختلفون في ذلك ولم يظهر لنا في مستندات أقوالهم ما فيه مقنع يجب الرجوع إليه، والعلم عند الله تعالى.
فذهب مالك ﵀ وأصحابه إلى أنَّ ضابط ما تلزم به فدية الأذى من الحلق هو حصول أحد أمرين:
أحدهما: أن يحصل له بذلك ترفه.
والثاني: أن يزيل عنه به أذى. أمَّا حلق القليل من شعر رأسه، أو غيره مما لا يحصل به ترفه، ولا إماطة أذى، فيلزم فيه التصدق بحفنة: وهي يد واحدة، وكذلك عندهم الظفر الواحد لا لإماطة أذى، وقتل القملة أو القملات.
وقال ابن القاسم في "المدونة": ما سمعت بحد فيما دون إماطة الأذى أكثر من حفنة من شيء من الأشياء، وقد قال في قملة أو قملات: حفنة من طعام، والحفنة بيد واحدة. انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره، وفي الظفر الواحد، لا لإماطة الأذى حفنة اهـ.
وذهب الشافعي وأصحابه: إلى أنَّ حلق ثلاث شعرات فصاعدًا تلزم فيه فدية الأذى كاملة، واحتجوا بأنَّ الثلاث: يقع عليها اسم الجمع المطلق، فكان حلقها كحلق الجميع، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وقال القاضي: إنَّها المذهب، وبذلك قال الحسن، وعطاء، وابن عيينة، وأبو ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني.
أمَّا حلق الشعرة الواحدة، أو الشعرتين فللشافعية فيه أربعة أقوال:
[ ٧ / ١٦٦ ]
الأول: وهو أصحها عند محققيهم، وهو نص الشافعي في أكثر كتبه: أنَّه يجب في الشعرة الواحدة مد وفي الشعرتين مدان.
الثاني: يجب في شعرة واحدة درهم، وفي شعرتين درهمان.
الثالث: يجب في شعرة ثلث دم وفي شعرتين ثلثاه.
الرابع: أنَّ في الشعرة الواحدة دمًا كاملًا.
ومذهب الإمام أحمد: وجوب الفدية كاملة في أربع شعرات فصاعدًا، وهذه الرواية اقتصر عليها الخرقي، وقد قدمنا قريبًا الرواية عنه بوجوب الفدية بثلاث شعرات فصاعدًا. أمَّا ما هو أقل من القدر الذي يوجب الفدية، وهو ثلاث شعرات، أو شعرتان بحسب الروايتين المذكورتين ففي الشعرة الواحدة: مد من طعام، وفي الشعرتين: مدان، وعنه أيضًا في كل شعرة: قبضة من طعام، وروي نحوه عن عطاء.
وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه إن حلق ربع رأسه، أو ربع لحيته، أو حلق عضوًا كاملًا كرقبته، أو عانته أو أحد إبطيه، ونحو ذلك: لزمته فدية الأذى، إن كان ذلك لعذر، وإن كان لغير عذر: لزمه دم، ويلزم عنده في حلق أقل مما ذكر كحلق أقل من ربع الرأس، أو ربع اللحية، أو أقل من عضو كامل صدقة، والصدقة عندهم: نصف صاع من بر، أو صاع من غيره.
[ ٧ / ١٦٧ ]
وروي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنَّ في كل شعرة قبضة من طعام كما ذكره عنهم صاحب المغني.
وأمَّا حلق شعر البدن غير الرأس، فقد علمت مما ذكرنا آنفًا أنَّ مذهب أبي حنيفة فيه: أنَّه إن حلق عضوًا كاملًا ففيه الفدية أو الدم، وإن حلق أقل من عضو، ففيه الصدقة، وأنَّ حكم اللحية عنده كحكم الرأس، وحلق الربع فيهما كحلق الجميع.
ومذهب الشافعي أنَّ حلق شعر الجسد غير الرأس كحكم حلق الرأس، فتلزم الفدية في ثلاث شعرات فصاعدًا، سواء كانت من شعر الرأس أو غيره من الجسد، وفي الشعرة، أو الشعرتين من الجسد عندهم الأقوال الأربعة المتقدمة، وإن حلق شعر رأسه وشعر بدنه معًا، لزمه عند الشافعي، وأصحابه: فدية واحدة، خلافًا لأبي القاسم الأنماطي القائل: يلزمه فديتان، محتجًا بأنَّ شعر الرأس مخالف لشعر البدن، لأنَّ النسك يتعلق بشعر الرأس، فيلزم حلقه، أو تقصيره بخلاف شعر البدن.
واحتج الشافعية بأنَّهما وإن اختلف حكمهما في النسك فهما جنس واحد: فأجزأت لهما فدية واحدة.
ومذهب الإمام أحمد في هذه المسألة كمذهب الشافعي فشعر الرأس وشعر البدن حكمهما عنده سواء. وإن حلق شعر رأسه وبدنه: فعليه فدية واحدة، وعنه رواية أخرى: أنَّه يلزمه دمان، إذا حلق من كل من الرأس، والجسد ما تجب به الفدية منفردًا عن الآخر كقول الأنماطي المتقدم.
[ ٧ / ١٦٨ ]
قال في "المغني": وهو الذي ذكره القاضي، وابن عقيل، لأنَّ الرأس يخالف البدن، بحصول التحلل به دون البدن، ولنا أن الشعر كله جنس واحد في البدن، فلم تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كسائر البدن، وكاللباس، ودعوى الاختلاف تبطل باللباس فإنه يجب كشف الرأس، دون غيره، والجزاء في اللبس فيهما واحد.
وقال ابن قدامة في "المغني" أيضًا: وإن حلق من رأسه شعرتين، ومن بدنه شعرتين فعليه دم واحد، هذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب، ومذهب أكثر الفقهاء. ومذهب مالك في هذه المسألة: أنَّ شعر البدن كشعر الرأس، فإن حلق من شعر بدنه ما فيه ترفه، أو إماطة أذى: لزمته الفدية، وإلَّا فالتصدق بحفنة بيد واحدة.
وسئل مالك: عن المحرم يتوضأ فيمر يديه على وجهه، أو يخلل لحيته في الوضوء، أو يدخل يده في أنفه لمخاط ينزعه، أو يمسح رأسه، أو يركب دابته، فيحلق ساقه الإكاف أو السرج؟ قال مالك: ليس عليه في ذلك كله شيء، وهذا خفيف، ولا بد للناس منه. انتهى بواسطة نقل الحطاب في كلامه على قول خليل: وتساقط شعر لوضوء أو ركوب، اهـ.
وإذا علمت أقوال الأئمة ﵏ في شعر الجسد. فاعلم أنِّي لا أعلم لشيء منها مستندًا من نص كتاب، أو سنة. والأظهر أنَّهم قاسوا شعر الجسد على شعر الرأس، بجامع أن الكل قد يحصل بحلقه الترفه، والتنظف، والظاهر أن
[ ٧ / ١٦٩ ]
اجتهادهم في حلق بعض شعر الرأس يشبه بعض أنواع تحقيق المناط، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ١١٩):
«وأقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن هو الأخير، إذا حلق ما به إماطة الأذى، أي: يكون ظاهرًا على كل الرأس - وهو مذهب مالك، أي: إذا حلق حلقًا يكاد يكون كاملًا يسلم به الرأس من الأذى؛ لأنَّه هو الذي يماط به الأذى، والدليل على ذلك:
أولًا: قول الله - تعالى - في القرآن في شأنه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾. فهو لا يحلق إذا كان به أذى من رأسه إلَّا ما يماط به الأذى، فعليه فدية.
ثانيًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: "احتجم وهو محرم في رأسه"، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه افتدى؛ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليل بالنسبة لبقية الشعر» اهـ.
قُلْتُ: الذي جاءت به الفدية هو حلق الرأس، فأمَّا ما دون حلق جميع الرأس، كحلق بعضه، أو تقصيره فلا شك في حرمته؛ لأنَّ النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه، فلو نهي مثلًا عن أكل رغيف فإنَّه يشمل أكله كله، ويشمل أكل شيء منه، غير أنَّ الإثم متفاوت بين من فعل بعض المنهي عنه ومن فعله كله.
[ ٧ / ١٧٠ ]
ومذهب الإمام مالك ﵀ أصح وأقرب عندي من غيره، إلَّا فيما يتعلق بإيجاب حفنة من الطعام إذا أزال من شعره دون ما يحصل به الترفه، أو إماطة الأذى، فيشكل عليه حديث الحجامة، وأثر ابن عباس الذي سبق ذكره. والله أعلم.
ولا فرق بين إزالة الشعر عن طريق الحلق، أو عن طريق مزيلات الشعر المتنوعة، أو النتف، وخالف في النتف ابن حزم فأجاز إزالة الشعر به من غير فدية، وهذه ظاهرية غريبة.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ" قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ أَظْفَارِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِأَخْذِهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِفِدْيَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ إزَالَتُهُ لِأَجْلِ التَّرَفُّهِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، كَحَلْقِ الشَّعْرِ. وَعَدَمُ النَّصِّ فِيهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَيْهِ، كَشَعْرِ الْبَدَنِ مَعَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالْحُكْمُ فِي فِدْيَةِ الْأَظْفَارِ كَالْحُكْمِ فِي فِدْيَةِ الشَّعْرِ سَوَاءٌ، فِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا دَمٌ وَعَنْهُ فِي ثَلَاثَةٍ دَمٌ. وَفِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي الظُّفْرَيْنِ مُدَّانِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ كَذَلِكَ.
[ ٧ / ١٧١ ]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِتَقْلِيمِ أَظْفَارِ يَدٍ كَامِلَةٍ، حَتَّى لَوْ قَلَّمَ مِنْ كُلِّ يَدٍ أَرْبَعَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ مَنْفَعَةَ الْيَد، أَشْبَهَ الظُّفْرَ وَالظُّفْرَيْنِ.
وَلَنَا: أَنَّهُ قَلَّمَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَّمَ خَمْسًا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ الْعُضْوِ، وَيَجِبُ بِهِ الدَّمُ، وَقَوْلُهُمْ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ بِهِ الدَّمُ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ مَنْ قَلَّمَ مَا يَجِبُ بِهِ الدَّمُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ، كَمَا قُلْنَا فِي الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْأَظْفَارِ بِالْإِلْحَاقِ بِالشَّعْرِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمَ أَصْلِهِ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ أَوْ الثَّلَاثَةِ بِقِسْطِهِ مِنْ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا وَجَبَ فِيهَا الْحَيَوَانُ لَمْ يَجِبُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْهُ، كَالزَّكَاةِ.
فَصْلٌ: وَفِي قَصِّ بَعْضِ الظُّفْرِ مَا فِي جَمِيعِهِ، وَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ بَعْضِ الشَّعْرَةِ مِثْلُ مَا فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِي الشَّعْرَةِ وَالظُّفْرِ، سَوَاءٌ، طَالَ أَوْ قَصُرَ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّرٍ بِمِسَاحَةٍ، فَيَتَقَدَّرُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَالْمُوضِحَةِ يَجِبُ فِي الصَّغِيرَةِ مِنْهَا مِثْلُ مَا يَجِبُ فِي الْكَبِيرَةِ.
وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، أَنَّهُ يَجِبُ بِحِسَابِ الْمُتْلَفِ كَالْإِصْبَعِ يَجِبُ فِي أُنْمُلَتِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٣٧٢):
«"فَرْعٌ" قَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِزَالَةِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ سَوَاءٌ شَعْرُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَسَوَاءٌ النَّتْفُ وَالْإِحْرَاقُ وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ وَالْإِزَالَةُ بِالنُّورَةِ
[ ٧ / ١٧٢ ]
وَغَيْرُهَا فَتَقْصِيرُ الشَّعْرِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ كَحَلْقِهِ مِنْ أَصْلِهِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَيْنِ إلَّا الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ لَوْ قَطَعَ نِصْفَ الشَّعْرَةِ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ جَسَدِهِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ فِي الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا قَلَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا وَفِيهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ الْأَصَحُّ: مُدٌّ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ كَالْحَلْقِ مِنْ أَصْلِهِ فِي حُصُولِ التَّحَلُّلِ فَكَذَا فِي الْفِدْيَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ يَجِبُ بِقِسْطِ مَا أَخَذَ مِنْ الشَّعْرَةِ فَيَكُونُ نِصْفَ مُدٍّ عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَحَاصِلُهُ نِصْفُ مَا فِي الشَّعْرَةِ وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَلَّمَ مِنْ ظُفْرِهِ دُونَ الْمُعْتَادِ وَلَكِنْ اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ أَعْلَاهُ فَهُوَ كَقَطْعِ بَعْضِ شَعْرَةٍ فَيَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الشَّعْرَةِ بِكَمَالِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجَّهَ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَوْ أَخَذَ مِنْ بَعْضِ جَوَانِبِ الظُّفْرِ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ جَوَانِبَهُ فَإِنْ قُلْنَا فِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ دَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَجَبَ هُنَا بِقِسْطِهِ وَإِنْ قُلْنَا مُدٌّ وَجَبَ هُنَا أَيْضًا مُدٌّ وَلَمْ يُبَعِّضْ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ الْأَصْحَابِ مُطْلَقًا قَالَ قَالُوا وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الْمُدَّ فِي بَعْضِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ وَالْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّغْلِيبِ» اهـ.
٥ - وأخذ من هذا الحديث أنَّ الفدية لا تسقط عن المعذور، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يسقطها عن كعب مع أنَّه معذور لتضرره.
[ ٧ / ١٧٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩٣ - ٢٩٤):
«الفصل الثاني، أنَّه لا فرق بين العامد والمخطئ، ومن له عذر ومن لا عذر له، في ظاهر المذهب.
وهو قول الشافعي ونحوه عن الثوري.
وفيه وجه آخر، لا فدية على الناسي. وهو قول إسحاق، وابن المنذر؛ لقوله ﵇: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان".
ولنا، أنَّه إتلاف، فاستوى عمده وخطؤه، كقتل الصيد، ولأنَّ الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور، فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور، ودليلًا على وجوبها على المعذور بنوع آخر، مثل المحتجم الذي يحلق موضع محاجمه، أو شعرًا عن شجته، وفي معنى الناسي النائم الذي يقلع شعره، أو يصوب شعره إلى تنور فيحرق لهب النار شعره، ونحو ذلك» اهـ.
٦ - فيه أنَّ الكفارة على التخيير في حق المعذور، وأمَّا غير المعذور فهي على التخيير أيضًا عند مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وذهب أبو حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى أنَّ الواجب على المتعمد غير المعذور أن يذبح شاةً، قالوا: لأنَّ الله تعالى خير بشرط العذر، فإذا عدم الشرط وجب زوال التخيير.
قُلْتُ: الأصل بقاء الكفارة على التخيير، وإخراجه عن ذلك يحتاج إلى دليل.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩٤):
[ ٧ / ١٧٤ ]
«ولنا، أنَّ الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا له، والتبع لا يخالف أصله، ولأنَّ كل كفارة ثبت التخيير فيها إذا كان سببها مباحًا ثبت كذلك إذا كان محظورًا، كجزاء الصيد، ولا فرق بين قتله للضرورة إلى أكله، أو لغير ذلك، وإنَّما الشرط لجواز الحلق لا للتخيير» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الصيام ثلاثة أيام، والإطعام لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع وهو مذهب أكثر العلماء، وذهب الحسن، وعكرمة، ونافع، وأصحاب الرأي إلى أنَّ الصيام عشرة أيام، والإطعام لعشرة مساكين، وعند الحنفية، ورواية عن أحمد أنَّ في القمح خاصة مدًا، وهذا المذهب مردود بالسنة.
٨ - وفيه أنَّ كفارة الفدية واحدة، من غير فرق بين أن يكون الحلق مرة واحدة أو مرات، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني، فإنَّ الثاني حينئذ فعل جديد يحتاج إلى كفارة أخرى، وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩٩):
«فصل: وإذا حلق ثم حلق، فالواجب فدية واحدة، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني، فإن كفر عن الأول ثم حلق ثانيًا، فعليه للثاني كفارة أيضًا.
وكذلك الحكم فيما إذا لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو كرر من محظورات الإحرام اللاتي لا يزيد الواجب فيها بزيادتها، ولا يتقدر بقدرها، فأمَّا ما يتقدر الواجب بقدره، وهو إتلاف الصيد، ففي كل واحد منها جزاؤه، وسواء فعله
[ ٧ / ١٧٥ ]
مجتمعًا أو متفرقًا، ولا تداخل فيه، ففعل المحظورات متفرقًا كفعلها مجتمعة في الفدية، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني.
وعن أحمد أنَّه إن كرره لأسباب، مثل أن لبس للبرد، ثم لبس للحر، ثم لبس للمرض، فكفارات، وإن كان لسبب واحد، فكفارة واحدة.
وقد روى عنه الأثرم، في من لبس قميصًا وجبة وعمامة وغير ذلك، لعلة واحدة، قُلْتُ له: فإن اعتل فلبس جبة، ثم برئ، ثم اعتل فلبس جبة؟ فقال: هذا الآن عليه كفارتان.
وعن الشافعي كقولنا. وعنه: لا يتداخل.
وقال مالك: تتداخل كفارة الوطء دون غيره.
وقال أبو حنيفة: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات؛ لأنَّ حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد، بخلاف غيره.
ولنا، أنَّ ما يتداخل إذا كان بعضه عقيب بعض يجب أن يتداخل، وإن تفرق كالحدود وكفارة الأيمان، ولأنَّ الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو في دفعات، والقول بأنَّه لا يتداخل غير صحيح، فإنَّه إذا حلق رأسه لا يمكن إلَّا شيئًا بعد شيء» اهـ.
٩ - وهذه الفدية في نص الحديث على من حلق شعر نفسه، وأمَّا إذا فعل ذلك في غيره فلا فدية عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٠٢):
[ ٧ / ١٧٦ ]
«فصل: إذا حلق المحرم رأس حلال، أو قلم أظفاره، فلا فدية عليه. وبذلك قال عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال سعيد بن جبير، في محرم قص شارب حلال: يتصدق بدرهم. وقال أبو حنيفة: يلزمه صدقة؛ لأنَّه أتلف شعر آدمي، فأشبه شعر المحرم.
ولنا، أنَّه شعر مباح الإتلاف، فلم يجب بإتلافه شيء، كشعر بهيمة الأنعام» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٠٣):
«فصل: وإن حلق محرم رأس محرم بإذنه، فالفدية على من حلق رأسه.
وكذلك إن حلقه حلال بإذنه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾. وقد علم أنَّ غيره هو الذي يحلقه، فأضاف الفعل إليه، وجعل الفدية عليه.
وإن حلقه مكرهًا أو نائمًا، فلا فدية على المحلوق رأسه. وبهذا قال إسحاق، وأبو ثور، وابن القاسم صاحب مالك، وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة: على المحلوق رأسه الفدية. وعن الشافعي كالمذهبين.
ولنا، أنَّه يحلق رأسه ولم يحلق بإذنه، فأشبه ما لو انقطع الشعر بنفسه.
إذا ثبت هذا فإنَّ الفدية على الحالق، حرامًا كان أو حلالًا.
وقال أصحاب الرأي: على الحلال صدقة.
وقال عطاء: عليهما الفدية.
[ ٧ / ١٧٧ ]
ولنا، أنَّه أزال ما منع من إزالته لأجل الإحرام، فكانت عليه فديته، كالمحرم يحلق رأس نفسه» اهـ.
١٠ - واحتج بهذه الرواية من قال أنَّ التخيير إنَّما يكون في الإطعام والصيام لمن لم يجد الشاة، وأمَّا من وجد الشاة فيجب عليه ذبحها، ولا يخير بينها وبين الإطعام والصيام.
قُلْتُ: وقد جاءت ألفاظ أخرى للحديث تدل على التخيير في الثلاثة جميعًا من أصرحها ما رواه أبو داود (١٨٥٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنْ شِئْتَ فَانْسُكْ نَسِيكَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٩٣٧)، ومِنْ طَرِيْقِه أحمد (١٨١٣١)، وأبو داود (١٨٦٣)، والنسائي (٢٨٥١) عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٧ / ١٧٨ ]
قُلْتُ: الرواية الأخرى التي أوردها المؤلف تدل أيضًا على التخيير، وهو ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٥):
«قال أبو عوانة في "صحيحه": فيه دليل على أنَّ من وجد نسكًا لا يصوم. يعني ولا يطعم لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلَّا ما رواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير قال: النسك شاة فإن لم يجد قومت الشاة دراهم والدراهم طعامًا فتصدق به أو صام لكل نصف صاع يومًا. أخرجه مِنْ طَرِيْقِ الأعمش عنه قال فذكرته لإبراهيم فقال سمعت علقمة مثله. فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين وقد جمع بينهما بأوجه:
منها: ما قال ابن عبد البر أنَّ فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه.
ومنها: ما قال النووي: ليس المراد أنَّ الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلَّا لفاقد الهدى بل المراد أنَّه استخبره هل معه هدى أو لا، فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنَّه مخير بينهما. ومحصله أنَّه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنَّه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم.
ومنها: ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما إذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه صَلَّى اللهُ
[ ٧ / ١٧٩ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو بوحي غير متلو، فلما أعلمه أنَّه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والإطعام والصيام فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام لعلمه بأنَّه لا ذبح معه فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه، ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث قال: "أتجد شاة" قُلْتُ: لا، فنزلت هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فقال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم" وفي رواية عطاء الخرساني قال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين" قال: وكان قد علم أنَّه ليس عندي ما انسك به» اهـ.
١١ - لم يعين النبي ﷺ للنسك، ولا للإطعام مكانًا، فالأظهر أنَّه يفعل في أي مكان، ولا يشترط أن يكون في الحرم. وإليه ذهب أحمد في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى له أنَّ ذلك إنَّما يكون في الحرم، وهو مذهب الشافعي.
قُلْتُ: وأمَّا الصيام فلا يختص بالحرم بلا نزاع أعلمه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٤٣):
«ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ صيام الفدية له أن يصومه حيث شاء» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي [بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ] (٢/ ١٣١):
«أَمَّا مَوْضِعُ الْفِدْيَةِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ أَيْنَ شَاءَ، بِمَكَّةَ وَبِغَيْرِهَا، وَإِنْ شَاءَ بِبَلَدِهِ. وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ذَبْحُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامُ
[ ٧ / ١٨٠ ]
وَالصِّيَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَالَّذِي عِنْدَ مَالِكٍ هَا هُنَا هُوَ نُسُكٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ; فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ لَا يُجْزِيَانِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا كَانَ مِنْ دَمِهِ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ دَمَ الْإِطْعَامِ لَا يُجْزِئُ إِلَّا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ اسْتِعْمَالُ قِيَاسِ دَمِ النُّسُكِ عَلَى الْهَدْيِ؛ فَمَنْ قَاسَهُ عَلَى الْهَدْيِ أَوْجَبَ فِيهِ شُرُوطَ الْهَدْيِ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَفِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّ الْهَدْيَ يَجُوزُ إِطْعَامُهُ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَالَّذِي يَجْمَعُ النُّسُكَ وَالْهَدْيَ هُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ لِبَيْتِ اللَّهِ. وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِهِمَا؛ فَسَمَّى أَحَدَهُمَا نُسُكًا، وَسَمَّى الْآخَرَ هَدْيًا - وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا» اهـ.
* * *
[ ٧ / ١٨١ ]