٩٤ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ".
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به الجمهور في قولهم بركنية الفاتحة.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧):
«مسألة: قال: "ثم يقرأ: الحمد لله رب العالمين" وجملة ذلك أنَّ قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، وركن من أركانها، لا تصح إلَّا بها في المشهور عن أحمد.
نقله عنه الجماعة.
وهو قول مالك، والثوري، والشافعي وروي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص وسعيد بن جبير ﵃، أنَّهم قالوا: لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب وروي عن أحمد رواية أخرى، أنَّها لا تتعين، وتجزئ قراءة آية من القرآن، من أي موضع كان.
وهذا قول أبي حنيفة؛ لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ولأنَّ الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذا في الصلاة.
ولنا ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق عليه ولأنَّ القراءة ركن في الصلاة، فكانت معينة كالركوع والسجود.
وأمَّا خبرهم، فقد روى الشافعي، بإسناده عن رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال للأعرابي: "ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ" ثم نحمله على الفاتحة، وما تيسر معها، مما زاد عليها، ويحتمل أنَّه لم يكن يحسن الفاتحة.
وأمَّا الآية، فتحتمل أنَّه أراد الفاتحة وما تيسر معها، ويحتمل أنَّها نزلت قبل نزول الفاتحة، لأنَّها نزلت بمكة، والنبي ﷺ مأمور بقيام الليل، فنسخه الله تعالى عنه بها، والمعنى الذي ذكروه أجمعوا على خلافه، فإنَّ من ترك الفاتحة كان مسيئًا بخلاف بقية السور» اهـ.
وروى أبو داود (٨٢٢)، والنسائي (٩١١) مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا».
وأصلها في مسلم كما سيأتي.
وقوله: «فَصَاعِدًا». مما يشكل وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩):
[ ٣ / ٢٨٤ ]
«والنبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وهذا أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم في صحيحيهما وعليه اعتمد البخاري في مصنفه. فقال: "باب وجوب القراءة في كل ركعة" وروى هذا الحديث من طرق: مثل رواية ابن عيينة وصالح بن كيسان ويوسف بن يزيد.
قال البخاري: وقال معمر عن الزهري: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا" وعامة الثقاة. لم يتابع معمرًا في قوله: "فصاعدًا" مع أنَّه قد أثبت فاتحة الكتاب وقوله: "فصاعدًا" غير معروف ما أراد به حرفان أو أكثر من ذلك؛ إلَّا أن يكون كقوله: "لا تقطع اليد إلَّا في ربع دينار فصاعدًا" فقد تقطع اليد في ربع دينار وفي أكثر من دينار. قال البخاري: ويقال: إنَّ عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا وأنَّ عبد الرحمن ربما روى عن الزهري ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره ولا يعلم أنَّ هذا من صحيح حديثه أم لا.
قلت: معنى هذا حديث صحيح كما رواه أهل السنن وقد رواه البخاري في هذا المصنف: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد ثنا جعفر بن ميمون ثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمره فنادى: "أن لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب وما زاد".
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وقال أيضًا: حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن ابن جريج. عن عطاء عن أبي هريرة قال: "تجزئ بفاتحة الكتاب فإن زاد فهو خير". وذكر الحديث الآخر عن أبي سعيد في السنن.
قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة قال: "أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر".
قلت: وهذا يدل على أنَّه ليس المراد به قراءة المأموم حال سماعه لجهر الإمام فإن أحدًا لا يقول إن زيادته على الفاتحة وترك إنصاته لقراءة الإمام في هذه الحال خير. ولا أنَّ المأموم مأمور حال الجهر بقراءة زائدة على الفاتحة وكذلك عللها البخاري في حديث عبادة فإنَّها تدل على أنَّ المأموم المستمع لم يدخل في الحديث ولكن هب أنَّها ليست في حديث عبادة فهي في حديث أبي هريرة» هـ.
قلت: وهذه اللفظة رواها مسلم (٣٩٤) فقال: وحَدَّثَنَاه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ «فَصَاعِدًا».
وقد أعلها العلامة الألباني ﵀ في [صحيح أبي داود] (٣/ ٤٠٦) فقال:
«وقد أخرجاه- كما يأتي- من طرق عن سفيان- وهو ابن عيينة- دون قوله:
"فصاعدًا".
وأراه هو المحفوظ؛ فقد أخرجه سائر الأئمة في كتبهم عن بضعة عشر حافظًا …» إلخ.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وقال العقيلي ﵀ في [الضعفاء] (١/ ١٨٩):
«جعفر بن ميمون.
حَدَّثنا عَبد الله بن أحمد، قال: سألتُ أبِي عن جعفر بن ميمون فقال أخشى أن يكون ضعيف الحديث.
حَدَّثنا محمد بن عيسى، قال: حَدَّثَنا عباس بن محمد، قال: سَمِعْتُ يحيى بن مَعِين يقول جعفر بن ميمون ليس بثقة.
ومِنْ حديثه ما حدثناه إبراهيم بن محمد، قال: حَدَّثَنا سليمان بن حرب، قال: حَدَّثَنا وهيب، قال: حَدَّثَنا جعفر بن ميمون عَنْ أبِي عثمان عَنْ أبِي هريرة عن النبي ﵇ أنَّه أمره أن ينادى لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد.
ولا يُتَابَعُ عليه والحديث في هذا الباب ثابت من غير هذا الوجه» اهـ.
فائدة: قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٤٥):
«فصل: يلزمه أن يأتي بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة، غير ملحون فيها لحنًا يحيل المعنى، فإن ترك ترتيبها، أو شدة منها، أو لحن لحنا يحيل المعنى، مثل أن يكسر كاف ﴿إِيَّاكَ﴾، أو يضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو يفتح ألف الوصل في ﴿اهْدِنَا﴾، لم يعتد بقراءته، إلَّا أن يكون عاجزًا عن غير هذا.
ذكر القاضي نحو هذا في "المجرد"، وهو مذهب الشافعي.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وقال القاضي في "الجامع": لا تبطل بترك شدة؛ لأنَّها غير ثابتة في خط المصحف، هي صفة للحرف، ويسمى تاركها قارئًا.
والصحيح الأول؛ لأنَّ الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، بدليل أنَّ شدة راء ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أقيمت مقام اللازم، وشدة لام ﴿الَّذِينَ﴾ أقيمت مقام اللازم أيضًا، فإذا أخل بها أخل بالحرف وما يقوم مقامه، وغير المعنى، إلَّا أن يريد أنَّه أظهر المدغم، مثل من يقول "الرحمن" مظهرًا للام، فهذا تصح صلاته؛ لأنَّه إنَّما ترك الإدغام، وهو معدود لحنًا لا يغير المعنى.
قال: ولا يختلف المذهب، أنَّه إذا لينها، ولم يحققها على الكمال، أنَّه لا يعيد الصلاة؛ لأنَّ ذلك لا يحيل المعنى، ويختلف باختلاف الناس.
ولعله إنَّما أراد في "الجامع" هذا المعنى، فيكون قوله متفقًا.
ولا يستحب المبالغة في التشديد، بحيث يزيد على قدر حرف ساكن؛ لأنَّها في كل موضع أقيمت مقام حرف ساكن؛ فإذا زادها على ذلك زادها عمَّا أقيمت مقامه، فيكون مكروهًا.
وفي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثلاث شدات، وفيما عداها إحدى عشرة تشديدة، بغير اختلاف» اهـ.
أقول: إذا كسر كاف ﴿إِيَّاكَ﴾ كان خطاب تأنيث، وإذا ضم التاء من ﴿أَنْعَمْتَ﴾ صار القارئ هو المنعم، وإذا كسرها صارت خطابًا لمؤنث، وإذا فتح
[ ٣ / ٢٨٨ ]
ألف الوصل في ﴿اهْدِنَا﴾ صار المعنى اعطنا الصراط المستقيم هدية، وهذا خلاف معنى الآية فإنَّ معناها طلب الهداية.
وإذا خفف الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾ فسد المعنى فإنَّ الإيا ضوء الشمس.
وهكذا إذا ترك تشديد اللام من لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾ فسد المعنى لأنَّ معناه اللاهي.
وإذا أبدل الضاد ظاءً ففي صحة الصلاة نزاع، والأظهر الصحة لقرب مخرجيهما ولتشابه النطق بهما ولتعسر التمييز بينهما عند كثير من عامة الناس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٥٠ - ٣٥١): «وأمَّا من لا يقيم قراءة الفاتحة فلا يصلي خلفه إلَّا من هو مثله فلا يصلي خلف الألثغ الذي يبدل حرفًا بحرف إلَّا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم كما هو عادة كثير من الناس فهذا فيه وجهان: منهم من قال: لا يصلى خلفه ولا تصح صلاته في نفسه لأنَّه أبدل حرفًا بحرف؛ لأنَّ مخرج الضاد الشدق ومخرج الظاء طرف الأسنان. فإذا قال "ولا الظالين" كان معناه ظل يفعل كذا.
والوجه الثاني: تصح وهذا أقرب لأنَّ الحرفين في السمع شيء واحد وحس أحدهما من جنس حس الآخر لتشابه المخرجين. والقارئ إنَّما يقصد الضلال المخالف للهدى وهو الذي يفهمه المستمع فأمَّا المعنى المأخوذ من ظل فلا يخطر
[ ٣ / ٢٨٩ ]
ببال أحد وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتًا ومخرجًا وسمعًا كإبدال الراء بالغين فإنَّ هذا لا يحصل به مقصود القراءة» اهـ.
قلت: والوجهان أيضًا في مذهب الشافعية.
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ٢٤٦):
«إن قرأ المغضوب والضالين بظاء فأوجه؛ الثالث يصح مع الجهل، انتهى، أحدها لا تبطل الصلاة، اختاره القاضي، والشيخ تقي الدين، وقدمه في المغني، والشَّرْحُ (قلت) وهو الصواب، والوجه الثاني تبطل، قال في الكافي هذا قياس المذهب، واقتصر عليه، وجزم به ابن رزين في شرحه، وهو ظاهر كلامه في المقنع، وغيره، وأطلقهما في الرعايتين، والحاويين، والوجه الثالث تصح مع الجهل، قال في الرعاية الكبرى. قلت: إن علم الفرق بينهما لفظًا ومعنى بطلت صلاته، وإلَّا فلا» اهـ.
قلت: ومعنى (ظل) اتصاف المخبر عنه بالخبر وقت الظل وذلك يكون نهارًا، ويقال ظل يفعل كذا دام على فعله.
قال العلامة ابن فارس ﵀ في [معجم مقاييس اللغة] (٣/ ٤٦١):
«ومن الباب قولهم: ظلَّ يفعل كذا، وذلك إذا فعله نهارًا. وإنما قلنا إنّه من الباب لأنَّ ذلك شيءٌ يخصّ به النهار، وذلك أن الشيء يكون له ظلٌّ نهارًا، ولا يقال ظلَّ يفعلُ كذا ليلًا؛ لأنّ الليلَ نفسه ظِلّ» اهـ.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
٢ - واحتج به الشافعية وغيرهم في إيجابهم قراءة الفاتحة للمؤتم في الصلاة الجهرية.
قلت: وقد دلَّ على ما ذهبوا إليه عدة أدلة منها:
الدليل الأول: حديث عبادة هذا.
وقد رواه أحمد (٢٢٧٤٦، ٢٢٧٩٧، ٢٢٨٠٢)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ:
«لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ» قُلْنَا: نَعَمْ هَذًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
وخالف ابن إسحاق زيد بن واقد فرواه عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع عن عبادة كما عند أبي داود (٨٢٤). وحديث زيد أرجح من حديث ابن إسحاق.
ورواه البخاري في [جزء القراءة خلف الإمام] (٣٥)، والدارقطني في [سننه] (١٢٢٠)، والبيهقي في [جزء القراءة خلف الإمام] (١٠٦)، وفي [السنن الكبرى] (٣٠٣٨) مِنْ طَرِيقِ زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، ومكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت به.
[ ٣ / ٢٩١ ]
قلت: نافع لم يوثقه معتبر. لكن رواه البخاري في [القراءة خلف الإمام] (٧٢) مِنْ طَرِيقِ الأوزاعي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت. به. وهذه متابعة من شعيب لنافع.
وقال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [التحقيق] (١/ ٣٦٩): «ثم لا نعلم أنَّ شعيبًا لقي عبادة» اهـ.
قلت: وقد حكم الحافظ ابن عبد البر ﵀ على حديث عبادة بالاضطراب فقال ﵀ في [التمهيد] (١١/ ٤٦): «ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء» اهـ.
وقال ابن عبد الهادي ﵀ في [المحرر] ص (١٨٨): «وصححه البخاري، وتكلم فيه أحمد، وابن عبد البر وغيرهما» اهـ.
قلت: ورواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وهذا هو الصحيح من حديث عبادة بن الصامت. والله أعلم.
الدليل الثاني: ما رواه أحمد (١٨٠٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
[ ٣ / ٢٩٢ ]
«لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَفْعَلُ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، إِلاَّ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
قلت: هذا حديث ظاهرة الصحة.
لكن قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (١/ ١٥٢):
«ولكن لهذا الحديث علة، وهي أنَّ أيوب خالف فيه خالدًا، ورواه عن أبي قلابة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلًا، وهو كذلك في تاريخ البخاري عن مؤمل عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
قلت: حديث أيوب رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٧٦٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «أَتَقْرَؤُونَ خَلْفِي وَأَنَا أَقْرَأُ؟» قَالَ: فَسَكَتُوا حَتَّى سَأَلَهُمْ ثَلَاثًا قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ، لِيَقْرَأْ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ سِرًّا».
قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٢/ ٢٣٧) - حين أن سئل عن هذا الحديث -: «يرويه أيوب السختياني، وخالد الحذاء، واختلف عنه؛
فأمَّا أيوب: فإنَّ عبيد الله بن عمرو رواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وخالفه سلام - أبو المنذر، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة.
وخالفهما الربيع بن بدر، رواه عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
وخالفهم ابن علية، وابن عيينة، وحماد بن زيد؛ رووه عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وهو صحيح من رواية أيوب.
فأمَّا خالد الحذاء، فرواه عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.
قَالَ ذلك سفيان الثوري، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، عن خالد.
ورواه ابن علية، وخالد بن عبد الله، وشعبة، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة -مرسلًا -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة -مرسلًا -. لم يجاوز به أبا قلابة.
والمرسل أصح» اهـ.
الدليل الثالث: ما رواه البخاري في [القراءة خلف الإمام] (٦٩)
حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقْرَؤُونَ خَلْفِي؟» قَالُوا: نَعَمْ إِنَّا لَنَهُذُّ هَذًّا قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ».
قلت: هذا إسناد منقطع بين عمرو وجده.
ورواه البخاري كما سبق في [القراءة خلف الإمام] (٧٢) مِنْ طَرِيقِ الأوزاعي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت. به. وحديثه أصح.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
والصحيح في حديث عبادة غير هذا كما سبق.
ورواه ابن عدي في [الكامل] (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢) حَدَّثَنَاهُ ابن صاعد، حَدَّثَنا خَلادُ بْنُ أَسْلَمَ، حَدَّثَنا الحكم بْن عَبد اللَّهِ أَبُو مطيع البلخي، حَدَّثَنا هِشَامٌ الدُّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «هَلْ تقرؤون خَلْفِيَ الْقُرْآنَ فِي الصَّلاةِ». قَالُوا نعم بهذه هَذًّا قَالَ: «فَلا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِ الْقُرْآنِ».
قلت: البلخي واهٍ قَالَ فيه ابن معين ليس بشيء.
ورواه الطبراني في [مسند الشاميين] (٢٠٩٩، ٣٥٦٨) مِنْ طَرِيقِ مَسْلَمَةَ بْنِ عُلَيٍّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «"هَلْ تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مَعِي إِذَا كُنْتُمْ مَعِي فِي الصَّلاةِ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: "فَلا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ"».
قلت: مسلمة بن علي متروك الحديث.
وقد خالف فيه مسلمةُ الحارثَ بن عطية.
فرواه الطبراني في [مسند الشاميين] (٢١٠١) مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ جِسْرِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ،
[ ٣ / ٢٩٥ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَقْرَءُونَ إِذَا كُنْتُمْ مَعِي فِي الصَّلَاةِ؟». قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
والحارث هذا ثقة وحديثه هو المعروف.
وجسر بن الحسن واهي الحديث.
الدليل الرابع: ما رواه البخاري في [جزء القراءة خلف الإمام] (٢٤٩)، وأبو يعلى في [مسنده] (٢٨٠٥)، والطبراني في [الأوسط] (٢٦٨٠)، والدارقطني (١٣٠٣)، وابن حبان (١٨٤٤، ١٨٥٢) والبيهقي في [الكبرى] (٢٧٥٠) كلهم مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَتَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ؟». فَسَكَتُوا، فَقَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ قَائِلٌ - أَوْ قَالَ قَائِلُونَ - إِنَّا لَنَفْعَلُ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا لِيَقْرَأْ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ».
قلت: وقد سبق تعليل الحافظ الدارقطني له وأنَّ الصحيح فيه الإرسال. وسبق ذلك في الدليل الثاني.
الدليل الخامس: ما رواه الدارقطني في [سننه] (١٢٨٧) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، ثنا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيَالِسِيُّ زَغَاثٌ، ثنا يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَنْزَةَ الْمَدَايِنِيُّ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
[ ٣ / ٢٩٦ ]
قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَتَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ؟»، فَقُلْنَا: إِنَّ فِينَا مَنْ يَقْرَأُ، قَالَ: «فَبِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ ضَعِيفٌ، كَذَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ. وَخَالَفَهُ سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ رَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يُثْبَتُ. وَخَالَفَهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ وَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا. وَرَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ.
قلت: هذا حديث واهٍ الربيع بن بدر متروك الحديث.
الدليل السادس: ما رواه أحمد في (٢٢٦٧٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سلَيْمَانُ يَعْنِي التَّيْمِيَّ قَالَ: حُدِّثْتُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَقْرَءُونَ خَلْفِي؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ».
قلت: هذا حديث ضعيف فيه من لم يسم بين سليمان، وعبد الله بن أبي قتادة.
وفي الباب بعض الآثار عن الصحابة منها:
أثر عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
رواه الدارقطني (١٢١١، ١٢١٠)، والحكم في [المستدرك] (٨٧٣)، والبيهقي في [الكبرى] (١٧٥٦)، وفي [جزء القراءة] (١٥٧)، وفي [المعرفة] (٩٦٦) مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، ثنا حَفْصٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَوَّابٍ التَّيْمِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقَالَ: «اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، قُلْتُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: «وَإِنْ كُنْتُ أَنَا»، قُلْتُ: وَإِنْ جَهَرْتَ؟ قَالَ: «وَإِنْ جَهَرْتُ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وقد أورد الحافظ البيهقي ﵀ عدة آثار في جزء القراءة لكن منها ما لا يثبت ومنها ما ليس بصريح في الصلاة الجهرية.
وذهب جمهور العلماء إلى عدم القراءة خلف الإمام حال جهر الإمام بالقراءة واحتجوا لما ذهبوا إليه بعدة حجج منها:
الحجة الأولى: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٦٩):
[ ٣ / ٢٩٨ ]
«وقد استفاض عن السلف أنَّها نزلت في القراءة في الصلاة وقَالَ بعضهم في الخطبة وذكر أحمد بن حنبل الإجماع على أنَّها نزلت في ذلك وذكر الإجماع على أنَّه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر» اهـ.
الحجة الثانية: قول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقد جاء عن جمع من الصحابة منهم:
جابر بن عبد الله.
أخرج حديثه الدارقطني (١٢٣٣، ١٢٣٤)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١٢٩٤) مِنْ طَرِيقِ أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر. فذكره.
قلت: هذا حديث ضعيف من أجل أبي حنيفة وهو النعمان بن ثابت الفقيه المشهور فهو مع فقه فقد كان ضعيفًا في الحديث والصحيح في هذا الحديث الإرسال.
قَالَ الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٠٤):
«قَالَ أبي: ولا يختلف أهل العلم أنَّ من قَالَ: موسى بن أبي عائشة، عن جابر، أنَّه قد أخطأ.
قَالَ أبو محمد: قلت: الذي قَالَ: عن موسى بن أبي عائشة، عن جابر، فأخطأ، هو النعمان بن ثابت؟
[ ٣ / ٢٩٩ ]
قَالَ: نعم» اهـ.
وقَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ بعد روايته للحديث: «لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة وهما ضعيفان».
وقَالَ ﵀ (٢/ ١١١):
«وروى هذا الحديث سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو الصواب» اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٨٠٠) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَجَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ، فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٧٩٧) عن الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد به.
ولحديث جابر طريق أخرى رواها ابن الأعرابي [معجمه] (١٧١٠)، والدارقطني (١٢٥٣)، والبيهقي (٣٠١٣) مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَجَابِرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَهُ الإِمَامْ لَهُ قِرَاءَةٌ».
[ ٣ / ٣٠٠ ]
وهو عند ابن ماجه (٨٥٠) عن الحسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير، عن جابر.
وقَالَ الدارقطني ﵀: «جَابِرٌ وَلَيْثٌ ضَعِيفَانِ» اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته للحديث: «وَكُلُّ مَنْ تَابَعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ أَضْعَفُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا» اهـ.
قلت: جابر هو ابن يزيد الجعفي متروك الحديث وقد كذبه ابن معين وغيره لكنه هاهنا متابع تابعه ليث بن أبي سليم، وأبو الزبير مدلس وقد عنعن.
ورواه أحمد (١٤٦٨٤) ثنا أسود بن عامر أنا حسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر.
قلت: بين حسن بن صالح وأبي الزبير جابر الجعفي وليث بن أبي سليم كما سبق.
ورواه الدارقطني أيضًا (١٥٠١) مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمَامِ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقَالَ ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَسَهْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ مَتْرُوكٌ» اهـ.
ورواه البيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٠٤) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو سَعْدٍ نا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّخْتِيَانِيُّ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَالِينِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ لُهَيْعَةَ، عَنْ
[ ٣ / ٣٠١ ]
أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ». كَذَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ التَّلْخِيصِ وَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فِي التَّارِيخِ حدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ الْأَنْمَاطِيُّ، وَهُوَ ابْنَ بِنْتِ أَبِي يَحْيَى الْبَزَّازِ نا أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَنَادِيلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ، نا بِشْرُ بْنُ الْقَاسِمِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لُهَيْعَةَ، فَذَكَرَهُ قَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قُلْتُ لَهُ: مَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، قُلْتُ: فَمَنِ الْمَالِينِيُّ الطَّيْرُ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ قَالَ: لَا يُعْرَفُ قُلْتُ: فَمُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ أَعْرِفُهُ أَنَا حقَّ الْمَعْرِفَةِ هُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ لِابْنِ أَشْرَسَ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ وَرَوَى بِإِسْنَادٍ مُظْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رُسْتُمَ عَنْ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ وَنُوحُ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ لَهُمَا مِنَ الْإِفْرَادِ وَالْمُنْكَرَاتِ مَا يُوجِبُ تَرْكَ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَتِهِمَا كَيْفَ وَفِي صِحَّة هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا مَقَالٌ لِجَهَالَةِ الرَّاوِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ دَيْنٌ فَانْظُرُوا عَنْ مِنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ اهـ.
ورواه أيضًا في [القراءة خلف الإمام] (٣٠٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْفَقِيهُ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، ثنا أَبُو عِصْمَةَ عَاصِمِ بْنِ عِصَامٍ خَزَّانَ ثنا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ
[ ٣ / ٣٠٢ ]
كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ مِنْهُ مِثْلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَا لَمْ يُتَابَعْ.
قَاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: خَلَطَ يَحْيَى بْنُ نَصْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهُمَا فِي رَفْعِهِ وَالْآخَرُ فِي تَغْيِيرِ لَفْظِهِ، وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ أَخَوَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْ حدِّ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَاتِهِ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ اهـ.
قلت: يحيى بن نصر بن حاجب قَالَ فيه أبو زرعة ليس بشيء، وقَالَ العقيلي: منكر الحديث.
وجاء أيضًا من حديث عبد الله بن عمر.
رواه الدارقطني (١٢٣٨) حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْفَضْلِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقَالَ ﵀: «مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ مَتْرُوكٌ».
ورواه (١٥٠٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا عَبْدَانَ، عَنْ خَارِجَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
[ ٣ / ٣٠٣ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
وقَالَ ﵀: رَفْعُهُ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ عَنْ أَيُّوبَ، وَعَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ أَيْضًا مَا حَدَثْنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، ثنا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، وَأَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُمَا حُدِّثَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ: «تَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ» اهـ.
وروى البيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٤٢) أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ، حِفْظًا نا عَلِي بْنَ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُنْكَدِرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيَّ يَقُولُ هَذَا: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ أَضْرِبَ عَلَى حَدِيثِ سُوَيْدٍ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ قَاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَكَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ غَيْرُ مَرْفُوعٍ.
قلت: ثم روى الموقوف فقَالَ: (٣٤٣) خْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَا: ثنا
[ ٣ / ٣٠٤ ]
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى وَرَاءَ الْإِمَامِ كَفَاهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ».
وروى البيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٤٥) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، فِي التَّارِيخِ أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، فِيمَا عَرَضْنَاهُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ سَهْلٍ الْمُذَكِّرَ حدَّثَهُمْ نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ نا مَالِكُ بْنُ أَنَسً عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى وَرَاءَ إِمَامٍ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» قَالَ: لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ قُرَشِيٌّ كَذَّابٌ وَقِحٌ ظَاهَرُ الْكَذِبِ وَقَدِمَ خُرَاسَانَ فَحدَّثَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَابْنِ لُهَيْعَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ بِأَحَادِيثَ أَكْثَرِهَا مَوْضُوعَةٌ وَذَكَرَ شَيْخُنَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْ وَضْعِهِ وَنَسَبَ جَعْفَرَ بْنَ سَهْلٍ هَذَا أَيْضًا إِلَى الْكَذِبِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأْمُلَ رِوَايَتَهُ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا ذَكَرَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ فِي عِدَادِ مَنْ يضَعُ الْحَدِيثَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ فِي بَابِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ اهـ.
قلت: ثم روى الموقوف (٣٤٦) مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «كَانَ إِذَا سُئِلَ: هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ».
[ ٣ / ٣٠٥ ]
ورواه أيضًا في [القراءة خلف الإمام] (٣٤٧) أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ ثنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَاسِينَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخُزَاعِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ، نا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، شَيْبَةَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ قَوْمٌ مَجْهُولُونَ وَلَمْ يُكَلَّفْنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَأْخُذَ دِينَنَا عَمَّنْ لَا نَعْرِفُهُ، وَإِذَا وَقَفَ الْقَاضِي فِي قَبُولِ شَهَادَةِ مِنْ لَا يَعْرِفُهُ عَلَى دِرْهَمٍ حتَّى يَعْرِفَهُ فَأَوْلَى بِنَا أَنْ نَقِفَ فِي رِوَايَةِ مِنْ لَا نَعْرِفُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ حتَّى نَعْرِفَهُ وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ مُظْلِمٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا اهـ.
وسئل الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ١٨ - ١٩) عن حديث نافع، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».
فقَالَ: «يرويه خارجة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرفوعًا.
ورواه سهل بن العباس الترمذي - قيل له: ثقة؟ قَالَ: لا. لو كان ثقة لم يرو هذا - عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا أيضًا. وكلاهما وهم.
والصحيح عن ابن علية ما رواه أحمد بن حنبل وغيره: عن أيوب، عن نافع، وأنس بن سيرين، عن ابن عمر، من قوله.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
ورواه عبيد الله بن عمر، واختلف عنه؛
فحدث به شيخ - يعرف بأحمد بن يوسف الخلال، بهيت، عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. ووهم في رفعه.
وخالفهما أبو همام، فرواه عن علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.
وكذلك رواه أصحاب عبيد الله. وهو الصواب.
وكذلك رواه مالك بن أنس، وعبد الله بن سليمان الطويل، وجابر الجعفي، وأصحاب نافع، عن نافع مرفوعًا.
ابن نمير، ومحمد بن بشر، ويحيى القطان، وعبد الرحيم بن سليمان، وسويد بن عبد العزيز، وروح بن القاسم.
وكذلك رواه أنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وعبد الله بن دينار، وأبو مجلز، عن ابن عمر موقوفًا. وهو الصواب» اهـ.
وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة.
رواه ابن الأعرابي في [معجمه] (١٧٤)، والدارقطني (١٥٠٤)، والبيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٧١) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الرَّازِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وقَالَ الدارقطني ﵀: «لا يصح هذا عن سهيل تفرد به محمد بن عباد الرازي عن إسماعيل وهو ضعيف» اهـ.
وجاء من حديث أبي سعيد الخدري.
رواه الطبراني في [المعجم الأوسط] (٧٥٧٩)، والبيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٨١) مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
قال الحافظ الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هَارُونَ إِلَّا النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ اهـ.
قلت: أبو هارون العبدي متروك الحديث.
وجاء من حديث أنس بن مالك.
رواه الحافظ البيهقي في [القراءة خلف الإمام] (٣٣٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: وَقَدْ رَوَوْا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادٍ مَوْضُوعٍ لِشُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حدَّثَنِي أَخُونَا أَبُو نَصْرٍ الْبُخَارِيُّ بِنَيْسَابُورَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ نا الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ الْبَصْرِيُّ بِبَلْخَ ثنا قَطَنُ بْنُ صَالِحٍ نا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» قَالَ: لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَسَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ الْحَافِظُ يَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأُسْتَاذُ يُثَبِّجُ الْحَدِيثَ قَالَ: وَلَسْتُ أَرْتَابُ فِيمَا ذَكَرَهُ
[ ٣ / ٣٠٨ ]
أَبُو أَحْمَدَ مِنْ حَالِهِ فَقَدْ رَأَيْتُ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الثِّقَاتِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ مَا يَطُولُ بِذِكْرِهِ الْكِتَابُ وَلَيْسَ يَخْفَى حَالُهُ عَلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ قَالَ: وَأَرَى جَمَاعَةً مِنَ الْمَتْرُوكِينَ يَلْتَجِئُونَ فِي هَذِهِ الْمَنَاكِيرِ وَالْمَوْضُوعَاتِ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ الْبَصْرِيِّ عَنْ قَطَنِ بْنِ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيِّ وَلَمْ يَخْرُجْ لَنَا حَدِيثُهُما عَنِ الثِّقَاتِ فَكُنَّا نَقِفُ عَلَى حَالِهِمَا ثُمَّ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مُنْكَرَاتِ حَدِيثِهِمَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حَالِهِمَا فِي الْجَرْحِ، وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَخْبَارًا رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَذَكَرَهَا أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِينَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَهِيَ إِنْ سَلِمَتْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأُسْتَاذِ فَلَنْ تَسْلَمَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ فَآثَارُ الْوَضْعِ ظَاهِرَةٌ عَلَى رِوَايَاتِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ اهـ.
وجاء أيضًا من حديث ابن عباس.
رواه الدارقطني (١٢٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ الْوَزَّانُ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، ثنا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ خَافَتَ أَوْ قَرَأَ». قَالَ أَبُو مُوسَى: قُلْتُ: لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فِي الْقِرَاءَةِ؟، فَقَالَ: هَكَذَا مُنْكَرٌ اهـ.
ورواه قبل ذلك (١٢٥٢) وقَالَ: «عاصم ليس بالقوي ورفعه وهم».
[ ٣ / ٣٠٩ ]
قلت: الذي يظهر لي ثبوت هذا الحديث فأحسن طرقه مرسل عبد الله بن شداد وقد اعتضد بحديث جابر الذي مِنْ طَرِيقِ الليث بن أبي سليم مع حديث أبي هريرة والآثار المتكاثرة في هذا الباب عن الصحابة. والله أعلم.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٧١ - ٢٧٢):
«وهذا الحديث روي مرسلًا ومسندًا لكن أكثر الأئمة الثقات رووه مرسلًا عن عبد الله بن شداد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأسنده بعضهم ورواه ابن ماجه مسندًا وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة وقَالَ به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ومرسله من أكابر التابعين ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل» اهـ.
الحجة الثالثة: ما رواه مسلم عن أبي موسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا».
قلت: هذه الزيادة في الحديث من أوهام سليمان التيمي كما قَالَ ذلك الحفاظ.
قَالَ الإمام أبو داود في "سننه" تحت حديث برقم (٩٧٥): «وقوله: "فَأَنْصِتُوا". ليس بمحفوظ لم يجئ به إلاَّ سليمان التيمي في هذا الحديث» اهـ.
وقَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ في [سننه] (٣/ ٣٨٤) برقم (١٢٦٥):
[ ٣ / ٣١٠ ]
«قد روى عن سعيد بن المغيرة الصياد عن عبد الله بن المبارك عن الثوري وكذلك رواه سفيان الثوري عن سليمان التيمي ورواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبى عروبة وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة كلهم عن قتادة فلم يقل أحد منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا". وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه» اهـ.
وقَالَ ﵀ في [العلل] (٧/ ٢٥٤):
«وسليمان التيمي من الثقات، وقد زاد عليهم قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا".
ولعله شبه عليه لكثرة من خالفه من الثقات» اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [سننه الكبرى] (٢/ ١٥٦):
«أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قَالَ سمعت أبا علي الحافظ يقول: خالف جرير عن التيمي أصحاب قتادة كلهم في هذا الحديث والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائي وهمام وسعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد وأبي عوانة والحجاج بن الحجاج ومن تابعهم على روايتهم يعني دون هذه اللفظة ورواه سالم بن نوح عن بن أبي عروبة وعمر بن عامر عن قتادة فأخطأ فيه أخبرنا بذلك أبو عبد الله الحافظ قَالَ سمعت أبا علي الحافظ يذكره» اهـ.
وقَالَ ﵀ في [معرفة السنن والآثار] (٣/ ٧٥):
[ ٣ / ٣١١ ]
«وقد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث، وأنها ليست بمحفوظة: يحيى بن معين، وأبو داود السجستاني، وأبو حاتم الرازي، وأبو علي الحافظ، وعلي بن عمر الحافظ، وأبو عبد الله الحافظ» اهـ.
وقَالَ أبو الفضل محمد بن أبي الحسين ابن عمار الشهيد ﵀ في [علل أحاديث في صحيح مسلم] ص (١١):
«وقوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" هو عندنا وهم من التيمي، ليس بمحفوظ، لم يذكره الحفاظ من أصحاب قتادة، مثل سعيد، ومعمر، وأبي عوانة، والناس» اهـ.
ورواه أحمد (٩٤٢٨)، وأبو داود (٦٠٤)، والنسائي (٩٢١، ٩٢٢)، وابن ماجه (٨٤٦) مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الأَحْمَرِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» بِهَذَا الْخَبَرِ زَادَ «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ الْوَهْمُ عِنْدَنَا مِنْ أَبِي خَالِدٍ» اهـ.
وقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٦٤):
«قَالَ أبي: ليس هذه الكلمة بالمحفوظ، وهو من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا وتابع ابن عجلان، وخارجة أيضًا ليس بالقوي» اهـ.
وقَالَ الدوري ﵀ في [تاريخ ابن معين] (٣/ ٤٥٥) رقم (٢٢٣٦):
«سمعت يحيى يقول في حديث أبي خالد الأحمر حديث ابن عجلان: "إذا قرأ فأنصتوا" قَالَ: ليس بشيء ولم يثبته ووهنه» اهـ.
[ ٣ / ٣١٢ ]
وقَالَ الحافظ البزار ﵀ في [مسنده] (١٥/ ٣٣٩) تحت حديث برقم (٨٨٩٨):
«ولا نعلم رواه عن ابن عجلان، عن زيد إلَّا أبو خالد، ومحمد بن سعد وقد خالفهما الليث» اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [سننه الكبرى] (٢/ ١٥٦ - ١٥٨):
«وهو وهم من ابن عجلان أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد الدوري قَالَ سمعت يحيى بن معين يقول في حديث بن عجلان: "إذا قرأ فأنصتوا" قَالَ ليس بشيء أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه أنبأ أبو محمد بن حيان أنبأ بن أبي حاتم قَالَ سمعت أبي: وذكر هذا الحديث فقَالَ أبي ليست هذه الكلمة محفوظة هي من تخاليط ابن عجلان قَالَ وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا يعني عن زيد بن أسلم وخارجة أيضًا ليس بالقوي قَالَ الشيخ ﵀ وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي كما روياه ويحيى بن العلاء الرازي متروك» اهـ.
قلت: وقد تابع أبا خالد الأحمر محمد بن ميسر في مسند أحمد (٨٨٧٦) ومحمد هذا لم يوثقه معتبر.
ومحمد بن سعد الأشهلي وحديثه عند الدارقطني في [سننه] (١٢٥٨) ومحمد بن سعد هذا ثقة.
[ ٣ / ٣١٣ ]
وإسماعيل بن أبان الغنوي وحديثه عند الدارقطني في [سننه] (١٢٥٩) وإسماعيل هذا متروك رمى بالوضع.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٧٢):
«فإنَّ الإنصات إلى قراءة القارئ من تمام الائتمام به فإنَّ من قرأ على قوم لا يستمعون لقراءته لم يكونوا مؤتمين به وهذا مما يبين حكمة سقوط القراءة على المأموم» اهـ.
الحجة الرابعة: ما رواه مالك في [الموطأ] (١٩٣) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفًا»؟ فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ. أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ»، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ، شحِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ومِنْ طَرِيقِه وأبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣١٢)، والنسائي (٩١٩)، أحمد (٧٩٩٤) ورواه أحمد (٧٢٦٨، ٧٨٠٦)، وأبو داود (٨٢٧) مِنْ طَرِيقِ أخرى عن الزهري به.
قلت: هذا حديث صحيح.
قَالَ الإمام البخاري ﵀ في [القراءة خلف الإمام] ص (٥٧ - ٥٨):
[ ٣ / ٣١٤ ]
«وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بينه لي الحسن بن صباح قَالَ: حدثنا مبشر، عن الأوزاعي قَالَ الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرؤون فيما جهر.
وقَالَ مالك: قَالَ ربيعة للزهري: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي ﷺ» اهـ.
وقَالَ أبو داود ﵀: «سمعت محمد بن يحيى بن فارس، قَالَ: قوله: فانتهى الناس من كلام الزهري» اهـ.
وقَالَ الترمذي ﵀: «وروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث، وذكروا هذا الحرف: قَالَ: قَالَ الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ» اهـ.
وقَالَ ابن حبان ﵀ في [صحيحه] (٥/ ١٦١):
«ذكر البيان بأن هذا الكلام الأخير "فانتهى الناس عن القراءة واتعظ المسلمون بذلك"، إنَّما هو قول الزهري لا من كلام أبي هريرة» اهـ. ثم أورد رواية مِنْ طَرِيقِ الأوزاعي عن الزهري فيها التصريح بذلك.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [معرفة السنن والآثار] (٣/ ٧٦ - ٧٧):
«وقوله: "فانتهى الناس عن القراءة، مع رسول الله ﷺ، فيما جهر فيه"، من قول الزهري قَالَه: محمد بن
[ ٣ / ٣١٥ ]
يحيى الذهلي، صاحب الزهريات، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو داود السجستاني، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي، حين ميزه من الحديث، وجعله من قول الزهري، فكيف يصح ذلك عن أبي هريرة، وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام، فيما جهر به وفيما خافت» اهـ.
ورواه أحمد (٢٢٩٧٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعِي آنِفًا؟». قَالَوا: نَعَم. قَالَ: «إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ» فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَهُ حِينَ قَالَ ذَلِكَ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ هذه الرواية من أوهام ابن أخي ابن شهاب الزهري واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم فإنَّ في حفظه شيء من الوهم، والمحفوظ هو ما رواه مالك وغيره عن ابن شهاب. والله أعلم.
قَالَ الحافظ البزار ﵀ في [مسنده] (٦/ ٢٩٢):
«وهذا الحديث لا نعلم أحدًا قَالَ فيه عن الزهري، عن الأعرج إلا ابن أخي الزهري، وأخطأ فيه وإنما هو عن الزهري، عن ابن أكيمة. هكذا رواه ابن عيينة، ومعمر، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة. ولكن ذكرنا حديث ابن بحينة ليعرف من سمع ذلك أنَّه خطأ» اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [سننه الكبرى] (٢/ ١٥٨):
[ ٣ / ٣١٦ ]
«قَالَ يعقوب بن سفيان: هذا خطاء لا شك فيه ولا ارتياب ورواه مالك ومعمر وابن عيينة والليث بن سعد ويونس بن يزيد والزبيدي كلهم عن الزهري عن بن أكيمة عن أبي هريرة» اهـ.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٧٤):
«وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أنَّ الصحابة لم يكونوا يقرءون في الجهر مع النبي ﷺ فإنَّ الزهري من أعلم أهل زمانه أو أعلم أهل زمانه بالسنة وقراءة الصحابة خلف النبي ﷺ إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من الأحكام العامة التي يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان فيكون الزهري من أعلم الناس بها فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها فكيف إذا قطع الزهري بأنَّ الصحابة لم يكونوا يقرءون خلف النبي ﷺ في الجهر» اهـ.
الحجة الخامسة: أن يقَالَ: إنَّ الإمام يجهر لأجل المأموم ولهذا يؤمن المأموم على دعائه فإذا لم يستمع لقراءته ضاع جهره.
فإذا كان المأمونون مشغولين عنه بالقراءة فقد أمر أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته وهو بمنزلة أن يحدث من لم يستمع لحديثه ويخطب من لم يستمع لخطبته وهذا سفه تنزه عنه الشريعة.
[ ٣ / ٣١٧ ]
الحجة السادسة: قَالَوا: ومما يبين هذا اتفاقهم كلهم على أنَّه لا يقرأ معه فيما زاد على الفاتحة إذا جهر فلولا أنَّه يحصل له أجر القراءة بإنصاته له لكانت قراءته لنفسه أفضل من استماعه للإمام وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ لم يحتج إلى قراءته فلا يكون فيها منفعة بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع المأمور به. بل يقَالَ إنَّ المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها بدليل استماعه لما زاد على الفاتحة فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل من القراءة لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين وهو القراءة فلما دل الكتاب والسنة والإجماع على أنَّ الاستماع أفضل له من القراءة علم أنَّ المستمع يحصل له أفضل مما يحصل للقارئ وهذا المعنى موجود في الفاتحة وغيرها فالمستمع لقراءة الإمام يحصل له أفضل مما يحصل بالقراءة وحينئذ فلا يجوز أن يؤمر بالأدنى وينهى عن الأعلى.
الحجة السابعة: قَالَوا: وأيضًا: فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين: إمَّا أن يقرأ مع الإمام وإمَّا أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ ولم نعلم نزاعًا بين العلماء أنَّه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ولا غيرها وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة. فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر بل نقول: لو كانت قراءة المأموم في حال الجهر والاستماع مستحبة لاستحب للإمام أن يسكت لقراءة المأموم ولا يستحب للإمام السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم.
[ ٣ / ٣١٨ ]
وقد استحب ذلك بعض العلماء فقد روى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٧٨٩) عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا بُدَّ أَنْ تَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَكِنْ مَنْ مَضَى كَانُوا إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ سَكَتَ سَاعَةً لَا يَقْرَأُ قَدْرَ مَا يَقْرَؤُنَ أُمَّ الْقُرْآنِ».
قلت: هذا إسناد حسن.
الحجة الثامنة: ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٢١٦)، ومِنْ طَرِيقِه أبو داود (١٣٣٢) عن مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ، وَقَالَ: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ»، أَوْ قَالَ: «فِي الصَّلَاةِ».
قلت: هذا حديث صحيح، وله شاهد من حديث البياضي.
روى حديثه مالك في [الموطأ] (١٧٧)، ومِنْ طَرِيقِه أحمد (١٩٠٤٤) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ التَّمَّارِ، عَنْ الْبَيَاضِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ، وقَالَ: «إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْمَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ».
قلت: قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [الإصابة] (٧/ ٨٢):
[ ٣ / ٣١٩ ]
«والرجل الذي من بني بياضة اسمه عبد الله بن جابر وقيل فروة بن عمرو، وأمَّا التمار فهو تابعي مولى أبي رهم الغفاري» اهـ.
وقَالَ ﵀ في [تهذيب التهذيب]: «قَالَ الآجري: قلت لأبي داود أبو حازم حدث عنه محمد بن إبراهيم التيمي فقَالَ: ثقة وهذا الرجل الذي من بني بياضة قيل اسمه عبد الله بن حازم وقيل: اسمه فروة بن عمرو.
قلت: وأبو حازم اثنان أحدهما مولى بني بياضة وهو مولى الأنصار وأبو حازم مولى الغفاريين هو التمار فيحتمل أن يكونا جميعًا رويا هذا الحديث ويحتمل أن يكون بعض الرواة وهم وفي قوله مولى بني غفار والله تعالى أعلم» اهـ.
قلت: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى أن يجهر بعضنا على بعض في القراءة فلو كانت قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الجهرية لوجب على الإمام أن يسكت مقدار ما يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة حتى لا يدخل الإمام في النهي الوارد في هذا الحديث، وقد علم أنه لا يجب على الإمام أن يفعل ذلك بل لا يستحب أن يفعل ذلك فتبين من هذا أنَّ المأموم غير مأمور بقراءة الفاتحة في حال جهر الإمام.
الحجة التاسعة: أنَّ هذا القول هو المشهور عن الصحابة والعلماء.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٠٩):
«والإمام أحمد ذكر إجماع الناس على أنَّها لا تجب في صلاة الجهر» اهـ.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
قلت: الذي نقله الإمام أحمد هو الإجماع على صحة صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام فيما جهر به، ولم ينقل الإجماع على عدم الوجوب، وقد سبق أن ذكرنا عن سعيد بن جبير القول بالوجوب في الحجة السابعة.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٠٤):
«قَالَ أَحْمَدُ، مَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ» اهـ.
وقد توسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة فقَالَ كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٠ - ٢١):
«ولهذا كان أعدل الأقوال في القراءة خلف الإمام أنَّ المأموم إذا سمع قراءة الإمام يستمع لها وينصت لا يقرأ بالفاتحة ولا غيرها وإذا لم يسمع قراءته بها يقرأ الفاتحة وما زاد وهذا قول جمهور السلف والخلف وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابه وهو أحد قولي الشافعي واختاره طائفة من محققي أصحابه وهو قول محمد بن الحسن وغيره من أصحاب أبي حنيفة. وأما قول طائفة من أهل العلم كأبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لا يقرأ خلف الإمام لا بالفاتحة ولا غيرها لا في السر ولا في الجهر؛ فهذا يقابله قول من أوجب قراءة الفاتحة ولو كان يسمع قراءة الإمام كالقول الآخر للشافعي وهو الجديد وهو قول البخاري وابن حزم وغيرهما. وفيها قول ثالث: أنه يستحب القراءة بالفاتحة إذا
[ ٣ / ٣٢١ ]
سمع قراءة الإمام وهذا مروي عن الليث والأوزاعي وهو اختيار جدي أبي البركات. ولكن أظهر الأقوال قول الجمهور؛ لأن الكتاب والسنة يدلان على وجوب الإنصات على المأموم إذا سمع قراءة الإمام وقد تنازعوا فيما إذا قرأ المأموم وهو يسمع قراءة الإمام: هل تبطل صلاته؟ على قولين وقد ذكرهما أبو عبد الله بن حامد على وجهين في مذهب أحمد» اهـ.
وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضًا كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧):
«وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام لكون الصلاة صلاة مخافتة أو لبعد المأموم أو طرشه أو نحو ذلك هل الأولى له أن يقرأ أو يسكت؟ والصحيح أن الأولى له أن يقرأ في هذه المواضع؛ لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة فإذا قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة وإلا بقي ساكتًا لا قارئًا ولا مستمعًا ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة لم يكن مأمورا بذلك ولا محمودًا؛ بل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى: كالقراءة والتسبيح والدعاء أو الاستماع للذكر. وإذا قيل: بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة فقراءته لنفسه أكمل له وأنفع له وأصلح لقلبه وأرفع له عند ربه والإنصات يؤمر به إلا حال الجهر فأما حال المخافتة فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت له» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي في هذه المسألة هو مشروعية قراءة الفاتحة من غير إيجاب فإنَّ الأحاديث التي احتج بها الموجبون ليست صريحة في الإيجاب وقد قَالَ شيخ
[ ٣ / ٣٢٢ ]
الإسلام ابن تيمية ﵀ عند كلامه على حديث عبادة كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣١٥):
«ففي هذا الحديث بيان أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يعلم: هل يقرءون وراءه بشيء أم لا؟ ومعلوم أنَّه لو كانت القراءة واجبة على المأموم لكان قد أمرهم بذلك وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولو بين ذلك لهم لفعله عامتهم لم يكن يفعله الواحد أو الاثنان منهم ولم يكن يحتاج إلى استفهامه. فهذا دليل على أنَّه لم يوجب عليهم قراءة خلفه حال الجهر» اهـ.
قلت: وحديث الباب يمكن أن تستثنى منه هذه الصورة كما يستثنى منه ما إذا أدرك المأموم الإمام وهو في الركوع فإنَّه يعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك الفاتحة.
قلت: وفي قراءة المؤتم خلف الإمام في الصلاة السرية نزاع بين العلماء.
فجمهور العلماء على عدم وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام مطلقًا حتى في الصلاة السرية.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٤٨٧):
«مسألة: قال: "فإن لم يفعل فصلاته تامة؛ لأنَّ من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". وجملة ذلك أنَّ القراءة غير واجبة على المأموم فيما جهر به الإمام، ولا فيما أسر به.
نص عليه أحمد، في رواية الجماعة.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
وبذلك قال الزهري، والثوري، وابن عيينة، ومالك، وأبو حنيفة، وإسحاق، وقال الشافعي، وداود: يجب؛ لعموم قوله ﵇: "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب". غير أنَّه خص في حال الجهر بالأمر بالإنصات، ففيما عداه يبقى على العموم.
ولنا ما روى الإمام أحمد، عن وكيع، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله ﷺ: "من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة".
ورواه الخلال بإسناده عن، شعبة، عن موسى، مطولًا.
وأخبرناه أبو الفتح بن البطي في حديث ابن البحتري، بإسناده عن منصور، عن موسى، عن عبد الله بن شداد، قال: كان رجل يقرأ خلف رسول الله ﷺ فجعل رجل يومئ إليه أن لا يقرأ، فأبى إلَّا أن يقرأ، فلما قضى رسول الله ﷺ قال له الرجل: "ما لك تقرأ خلف الإمام"؟ فقال: ما لك تنهاني أن أقرأ؟ فقال رسول الله ﷺ: "إذا كان لك إمام يقرأ فإنَّ قراءته لك قراءة".
وقد ذكرنا حديث جابر: "إلَّا وراء الإمام".
وروى الخلال، والدارقطني عن النبي ﷺ قال: "يكفيك قراءة الإمام، خافت أو جهر". ولأنَّ القراءة لو كانت واجبة عليه لم تسقط كبقية أركانها» اهـ.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
قلت: حديث عبد الله بن شداد مرسل ولأصله شواهد.
والحديث الآخر رواه الدارقطني (١٢٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ الْوَزَّانُ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، ثنا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ خَافَتَ أَوْ قَرَأَ».
قَالَ أَبُو مُوسَى: قُلْتُ: لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فِي الْقِرَاءَةِ؟، فَقَالَ: هَكَذَا مُنْكَرٌ اهـ.
ورواه قبل ذلك (١٢٥٢) وقال: «عاصم ليس بالقوي ورفعه وهم» اهـ.
قلت: ونقل العلامة النووي ﵀ عن أكثر العلماء خلاف ما ذكره ابن قدامة ﵀ فقال في [المجموع] (٣/ ٣٦٥): «"فرع" في مذاهب العلماء في قراءة المأموم خلف الامام: قد ذكرنا أنَّ مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة علي المأموم في كل الركعات من الصلاة السرية والجهرية وهذا هو الصحيح عندنا كما سبق وبه قال أكثر العلماء. قال الترمذي في "جامعه": القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. قال: وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق. وقال ابن المنذر: قال الثوري وابن عيينة وجماعة من أهل الكوفة لا قراءة على المأموم. وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحق: لا يقرأ في الجهرية وتجب القراءة في السرية. وقال ابن عون
[ ٣ / ٣٢٥ ]
والأوزاعي وأبو ثور وغيره من أصحاب […] تجب القراءة على المأموم في السرية والجهرية. وقال الخطابي: قالت طائفة من الصحابة ﵃ بجب علي المأموم، وكانت طائفة منهم لا تقرأ، واختلف الفقهاء بعدهم على ثلاثة مذاهب فذكر المذاهب التي حكاها ابن المنذر وحكي الايجاب مطلقًا عن مكحول وحكاه القاضي أبو الطيب عن الليث بن سعد وحكى العبدري عن أحمد أنَّه يستحب له أن يقرأ في سكتات الامام ولا يجب عليه فإن كانت جهرية ولم يسكت لم يقرأ وإن كانت سرية استحبت الفاتحة وسورة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب علي المأموم، ونقل القاضي أبو الطيب والعبدري عن أبي حنيفة أنَّ قراءة المأموم معصية، والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية.
قال البيهقي: وهو أصح الأقوال على السنة وأحوطها» اهـ.
قلت: المشهور في كتب الحنابلة والمالكية عدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الكافي] (١/ ٢٠١):
«وأمَّا المأموم فالإمام يحمل عنه القراءة لإجماعهم على أنَّه إذا أدركه راكعًا أنَّه يكبر ويركع ولا يقرأ شيئًا ولا ينبغي لأحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخرتين من العشاء فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه عند مالك وأصحابه» اهـ.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
وقال العلامة القرافي ﵀ في [الذخيرة] (٢/ ١٨٤):
«قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ مَالِكٍ وَ(ح) وَقَالَ (ش) تَجِبُ الْفَاتِحَةُ عَلَيْهِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ» اهـ.
قلت: الحاء رمز لأبي حنيفة، والشين للشافعي.
والأقوى عندي وجوبها لعموم حديث عبادة بن الصامت إلَّا في حق المسبوق فقد جاءت السنة بسقوطها عنه. والله أعلم.
وحديث: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» محمول على حال الجهر وذلك أنَّ المستمع كالقارئ، وأمَّا إذا أسر الإمام بالقراءة فلا معنى لترك المأموم للقراءة حينئذ فيبقى ساكتًا غير قارئ ولا مستمع، وليس في الصلاة سكوت من غير استماع، ولأنَّ القراءة كسائر الأذكار المفروضة في الصلاة فإنَّ ذكر الإمام لها لا يسقط فرضيتها عن المؤتم. والله أعلم.
وما رواه مسلم (٨٨٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ - فَقَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا».
قَالَ القاضي عياض ﵀ في [إكمال المعلم شرح صحيح مسلم] (٢/ ١٥٧):
[ ٣ / ٣٢٧ ]
«أنكر مجاذبته للسورة، فقَالَ: "قد علمت أنَّ بعضكم خالجنيها"، ولم ينههم عن القراءة كما نهاهم في صلاة الجهر، وأمرهم بالإنصات، وإنَّما ينصت لما يسمع، بل في هذا الحديث حجة أنَّهم كانوا يقرؤون خلفه، ولعل إنكار النبي ﷺ كان لجهر الآخر عليه فيها أو ببعضها حين خلط عليه لقوله: "خالجنيها"» اهـ.
وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥):
«وأيضًا فجميع الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها سرًا يشرع للمأموم أن يقولها سرًا كالتسبيح في الركوع والسجود وكالتشهد والدعاء. ومعلوم أن القراءة أفضل من الذكر والدعاء فلأي معنى لا تشرع له القراءة في السر وهو لا يسمع قراءة السر ولا يؤمن على قراءة الإمام في السر» اهـ.
٣ - واحتج به من قَالَ: إنَّ الركعة لا تدرك بإدراك الركوع لفوات الفاتحة.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١١٩):
«وهو قول أبي هريرة وجماعة بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام واختاره ابن خزيمة والصبغي وغيرهما من محدثي الشافعية وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين والله أعلم» اهـ.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
قلت: أثر أبي هريرة الذي أشار إليه الحافظ رواه البخاري في [القراءة خلف الإمام] (٢٧٨) حَدَّثَنَا مَعْقِلُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِذَا أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ رُكُوعًا لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ».
قلت: معقل بن مالك لم يوثقه معتبر وقَالَ الأزدي متروك، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن.
لكن رواه البخاري في [القراءة خلف الإمام] (١٣٩) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَمُوسَى بْنُ [ص: ٣٦] إِسْمَاعِيلَ، وَمَعْقِلُ بْنُ مَالِكٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: «لَا يُجْزِئُكُ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْإِمَامَ قَائِمًا».
ورواه أيضًا (١٤٠) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقِ، قَالَ: قَالَ: أَخْبَرَنِي الْأَعْرَجُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، ﵁ يَقُولُ: «لَا يُجْزِئُكَ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْإِمَامَ قَائِمًا قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ».
قلت: وهذا إسناد حسن لكن قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٠): «والمروي عن أبي هريرة قد اختلف عنه فيه، وليس عبد الرحمن بن إسحاق المديني عند العلماء بدون ابن إسحاق، بل الأمر بالعكس؛ ولهذا ضَّعف
[ ٣ / ٣٢٩ ]
ابن عبد البر وغيره رواية ابن إسحاق، ولم يثبتوها، وجعلوا رواية عبد الرحمن مقدمة على روايته.
قَالَ ابن عبد البر في المروي عن أبي هريرة: في إسناده نظر. قَالَ: ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قَالَ به. وقد روي معناه عن أشهب.
وعبد الرحمن بن إسحاق هذا يقَالَ له: عباد. وثَّقه ابن معين. وقَالَ أحمد: صالح الحديث.
وقَالَ ابن المديني: هو عندنا صالح وسط -: نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة، وأنه قَالَ في محمد بن إسحاق كذلك: إنه صالح وسط.
وهذا تصريح منه بالتسوية بينهما.
ونقل الميموني، عن يحيى بن معين، أنه قَالَ في محمد بن إسحاق: ضعيف. وفي عبد الرحمن بن إسحاق الذي يري عن الزهري: ليس به بأس. فصرح بتقديمه على ابن إسحاق.
وقَالَ النسائي: ليس به بأس. وقَالَ أبو داود: محمد بن إسحاق قدري معتزلي، وعبد الرحمن بن إسحاق قدري، إلاَّ أنه ثقة.
وهذا تصريح من أبي داود بتقديمه على ابن إسحاق، فإنَّه وثقه دون ابن إسحاق، ونسبه إلى القدر فقط، ونسب ابن إسحاق إلى القدر مع الاعتزال.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وعامة ما أنكر عليه هو القدر، وابن إسحاق يشاركه في ذلك ويزيد عليه ببدع أخر كالتشيع والاعتزال؛ ولهذا خرَّج مسلم في " صحيحه" لعبد الرحمن بن إسحاق ولم يخّرج لمحمد بن إسحاق إلَّا متابعة.
وأيضًا؛ فأبو هريرة لم يقل: إنَّ من أدرك الركوع فاتته الركعة؛ لأنَّه لم يقرأ بفاتحة الكتاب كما يقوله هؤلاء، إنَّما قَالَ: لا يجزئك إلَّا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع، فعلل بفوات لحوق القيام مع الإمام.
وهذا يقتضي أنَّه لو كبر قبل أن يركع الإمام، ولم يتمكن من القراءة فركع معه كان مدركًا للركعة، وهذا لا يقوله هؤلاء، فتبين أنَّ قول هؤلاء محدث لا سلف لهم به» اهـ.
قلت: ولهم في ذلك أدلة منها:
الدليل الأول: حديث عبادة هذا إذ فيه نفي الصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وأقل الصلاة ركعة.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري (٦٣٦)، ومسلم (١٣٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
ورواه البخاري (٦٣٥) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى
[ ٣ / ٣٣١ ]
الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
قلت: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر من فاته شيء من صلاته أن يتمه فيدخل في عموم هذا الحديث. فمن فاته فرض القراءة والقيام فعليه إتمامه كما أمر النبي ﷺ.
وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الركعة تدرك بإدراك الركوع
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٨ - ٩):
«وهذا قول جمهور العلماء، وقد حكاه إسحاق بن راهوية وغيره إجماعًا من العلماء. وذكر الإمام أحمد في رواية أبي طالب أنه لم يخالف في ذلك أحد من أهل الإسلام، هذا مع كثرة اطلاعه وشدة ورعه في العلم وتحريه.
وقد روي هذا عن علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة - في رواية عنه رواها عبد الرحمن بن إسحاق المديني، عن المقبري، عنه. وذكر مالك في " الموطأ" أنه بلغه عن أبي هريرة، أنه قَالَ: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة. وهو قول عامة علماء الأمصار» اهـ.
قلت: ولهم في ذلك عدة أدلة منها:
الدليل الأول: ما رواه البخاري (٧٨٣) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ».
[ ٣ / ٣٣٢ ]
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٢):
«وقد أجاب البخاري في " كتاب القراءة" عن حديث أبي بكرة بجوابين:
أحدهما: أنَّه ليس فيه تصريح بأنَّه اعتد بتلك الركعة.
والثاني: أَنَّ النَّبِيَّ نهاه عن العود إلى ما فعله.
فأمَّا الأول، فظاهر البطلان، ولم يكن حرص أبي بكرة على الركوع دون الصف إلا لإدراك الركعة، وكذلك كل من أمر بالركوع دون الصف من الصحابة ومن بعدهم أنَّما أمر به لإدراك الركعة، ولو لم تكن الركعة تدرك به لم يكن فيه فائدة بالكلية، ولذلك لم يقل منهم أحد: أنَّ من أدركه ساجدًا فأنه يسجد حيث أدركته السجدة، ثم يمشي بعد قيام الإمام حتى يدخل الصف، ولو كان الركوع دون الصف للمسارعة إلى متابعة الإمام فيما لا يعتد به من الصلاة، لم يكن فرق بين الركوع والسجود في ذلك.
وهذا أمر يفهمه كل أحد من هذه الأحاديث والآثار الواردة في الركوع خلف الصف، فقول القائل: لم يصرحوا بالاعتداد بتلك الركعة هو من التعنت والتشكيك في الواضحات، ومثل هذا إنَّما يحمل عليه الشذوذ عن جماعة العلماء، والانفراد عنهم بالمقَالَات المنكرة عندهم.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
فقد أنكر ابن مسعود على من خالف في ذلك، واتفق الصحابة على موافقته، ولم يخالف منهم أحدٌ، إلاَّ ما روي عن أبي هريرة، وقد روي عنه من وجه أصح منه أنه يعتد بتلك الركعة» اهـ.
الدليل الثاني: ما رواه أبو داود (٨٩٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَهُمْ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي الْعَتَّابِ، وَابْنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
قلت: هذا إسناد ضعيف فيه يحيى بن أبي سليمان ضعيف الحديث.
قَالَ الإمام البخاري ﵀ في [القراءة خلف الإمام] ص (١١٧)
«ويحيى منكر الحديث روى عنه أبو سعيد مولى بني هاشم، وعبد الله بن رجاء البصري مناكير ولم يتبين سماعه من زيد ولا من ابن المقبري، ولا تقوم به الحجة» اهـ.
ورواه الدارقطني (١٣٢٩)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (٢٤٠٨) مِنْ طَرِيقِ عَمْرُو بْنِ سَوَّادّْ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ، نا ابْنُ رِشْدِينَ، ثنا حَرْمَلَةُ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
[ ٣ / ٣٣٤ ]
ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ».
قَالَ الحافظ البيهقي ﵀: هذه الزيادة قبل أن يقيم الإمام صلبه يقولها يحيى بن حميد عن قرة وهو مصري قَالَ أبو أحمد سمعت بن حماد يقول قَالَ البخاري يحيى بن حميد عن قرة عن ابن شهاب سمع منه بن وهب مصري لا يتابع في حديثه.
قَالَ أبو أحمد وثنا الجنيدي ثنا البخاري قَالَ يحيى بن أبي سليمان المدني عن المقبري وابن أبي عتاب منكر الحديث اهـ.
وقَالَ الإمام البخاري ﵀ في [القراءة خلف الإمام] ص (١٣٥):
«وأمَّا يحيى بن حميد فمجهول لا يعتمد على حديثه غير معروف بصحة، خبره مرفوع وليس هذا مما يحتج به أهل العلم، وقد تابع مالكًا في حديثه عبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، وابن الهاد، ويونس، ومعمر، وابن عيينة، وشعيب، وابن جريج، وكذلك قَالَ عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فلو كان من هؤلاء واحد لم يحكم بخلاف يحيى بن حميد أوثر ثلاثة عليه، فكيف باتفاق من ذكرنا عن أبي سلمة وعراك، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو خبر مستفيض عند أهل العلم بالحجاز، وغيرها وقوله: "قبل أن يقيم الإمام صلبه" لا معنى له ولا وجه لزيادته» اهـ.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
ورواه البيهقي في [سننه الكبرى] (٢٤٠٩) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أنبأ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جِئْتُمْ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَارْكَعُوا، وَإِنْ كَانَ سَاجِدًا فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعْتَدُّوا بِالسُّجُودِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الرُّكُوعُ».
قلت: هذا إسناد ضعيف فيه رجل مبهم.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٣٧٣) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ شَيْخٍ، لِلْأَنْصَارِ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، فَسَمِعَ خَفْقَ نَعْلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «عَلَى أَيِّ حَالٍ وَجَدْتَنَا؟» قَالَ: سُجُودًا، فَسَجَدْتُ، قَالَ: «كَذَلِكَ فَافْعَلُوا، وَلَا تَعْتَدُّوا بِالسُّجُودِ، إِلَّا أَنْ تُدْرِكُوا الرَّكْعَةَ، وَإِذَا وَجَدْتُمُ الْإِمَامَ قَائِمًا فَقُومُوا، أَوْ قَاعِدًا فَاقْعُدُوا، أَوْ رَاكِعًا فَارْكَعُوا، أَوْ سَاجِدًا فَاسْجُدُوا، أَوْ جَالِسًا فَاجْلِسُوا».
وقَالَ العلامة الألباني ﵀ في [السلسلة الصحيحة] (٣/ ٢٦٢) تحت حديث برقم (١١٨٨):
«أخرجه إسحاق بن منصور المروزي في "مسائل أحمد وإسحاق" (١/ ١٢٧/ ١ مصورة
[ ٣ / ٣٣٦ ]
المكتب) حدثنا محمد بن رافع قَالَ: حدثنا حسين بن علي عن زائدة، قَالَ: حدثنا عبد العزيز بن رفيع عن ابن مغفل المزني قَالَ: قَالَ النبي ﷺ فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. وقد أخرجه البيهقي (٢/ ٨٩) مِنْ طَرِيقِ شعبة عن عبد العزيز بن رفيع عن رجل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فذكره.
قلت: ففي رواية المروزي فائدة هامة وهي بيان أن الرجل الذي لم يسم عند البيهقي إنما هو ابن مغفل الصحابي» اهـ.
قلت: تسمية المبهم إن لم يكن من أوهام زائدة فهو صحيح وإلَّا فالحديث يشهد له حديث أبي هريرة وعمل أصحاب النبي ﷺ فيرتقي بذلك إلى الحسن لغيره.
وهذا القول هو القول الصحيح في هذه المسألة. والله أعلم.
فائدة/ قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣):
«وأكثر العلماء على أنَّه لا يكون مدركًا للركعة إلَّا إذا كبر وركع قبل أن يرفع إمامه، ولم يشترط أكثرهم أن يدرك الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه.
ولأصحابنا وجه باشتراط ذلك.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
ومن العلماء من قَالَ: إذا كَّبر قبل أن يرفع إمامه فقد أدرك الركعة، وإن لم يركع قبل رفعه، منهم: ابن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر، وجعلوه بمنزلة من تخَّلف عن إمامه بنومٍ ونحوه.
ولكن الجمهور إنَّما قَالَوا بالمتخلف بالنوم ونحوه أنَّه يركع ثم يلحقه؛ لأنَّه كان متابعًا له قبل الركوع فيغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.
وروي عن هؤلاء الثلاثة - أيضًا.
وعن الحسن بن زياد - أيضًا -: أنَّه إذا كبر بعد رفع رأسه من الركوع قبل أن يسجد اعتد له بالركعة.
وقد تقدم عن الشعبي، أنَّه قَالَ: إذا انتهيت إلى الصف المؤخر، ولم يرفعوا رءوسهم، وقد رفع الإمام رأسه، فركعت معهم، فقد أدركت، لأنَّ بعضهم أئمة لبعض» اهـ.
٤ - الحديث حجة لمن قَالَ بوجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة فإنَّها صلاة فتدخل في عموم الحديث.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٥/ ٢٤٢):
«وذكرنا أن مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة وبه قَالَ أحمد وإسحق وداود ﵏ وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وعبيد بن عمير وحكي عن ابن المسيب وطاووس وعطاء وابن سيرين وابن جبير والشعبي ومجاهد وحماد
[ ٣ / ٣٣٨ ]
ومالك والثوري وأبي حنيفة وأصحاب الرأي أنها لا تجب قَالَ وروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة ﵃.
قَالَ وروينا عن الحسن بن علي ﵄ أنه قَالَ قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ثلاث مرات.
قَالَ وروينا هذا عن ابن سيرين وشهر بن حوشب قَالَ الحسن البصري ﵁ اقرأ الفاتحة في كل تكبيرة.
قَالَ وروينا عن المسور بن مخرمة أنه قرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة ورفع بها صوته.
قَالَ ابن المنذر ﵀ عندي يقرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى هذه مذاهبهم» اهـ.
٥ - ويستثنى من هذا الحديث العاجز عن قراءة الفاتحة فتصح صلاته بدونها.
فقد روى الحديث أحمد (١٩١٣٣)، وأبو داود (٨٣٢)، والنسائي (٩٢٤) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ ﷿ فَمَا لِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي»، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ».
[ ٣ / ٣٣٩ ]
قلت: إبراهيم السَّكْسَكِيُّ ضعيف الحديث.
ورواه ابن حبان في [صحيحه] (١٨١٠)، وابن المقرئ في [معجمه] (١٧٢) مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوَفَّقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بن مصرف عن ابن أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ:
«قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» قَالَ: هَذَا لِلَّهِ فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلْ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ خَيْرًا».
قلت: في إسناده الفضل بن موفق قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٧/ ٦٨): «سألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث كان شيخًا صالحًا قرابة لابن عيينة وكان يروي أحاديث موضوعة» اهـ.
قلت: هذا جرح شديد فيه.
وروى أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: فَقَصَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ: «فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ، ثُمَّ تَشَهَّدْ، فَأَقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ»، وَقَالَ فِيهِ: «وَإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ».
[ ٣ / ٣٤٠ ]
قلت: إسناده حسن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد. قال فيه ابن حبان ﵀ في [مشاهير علماء الأمصار] برقم (١١٠١): «يحيى بن على بن يحيى بن خلاد بن رفاعة الزرقي مات سنة ثنتين وثلاثين ومائة وكان متقن» اهـ.
وهذا التعديل مقبول من ابن حبان وإنَّما الذي أخذ عليه إدخال المجاهيل الذين لا يعرفهم في كتابه "الثقات" وأمَّا من عرفهم وحكم عليهم بالتوثيق فهم خارجون عمَّا عيب عليه. والله أعلم.
وهكذا جده يحيى بن خلاد ذكره ابن حبان في "الثقات" واحتج به البخاري في "صحيحه" مثله يحسن حديثه على أقل تقدير.
ورواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١٣٩٣)، وفي [مشكل الآثار] (٢٢٤٣) حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ إِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ قُرْآنٌ، فَاحْمَدِ اللهَ، وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ قُمْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ وَمَا أَنْقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا تُنْقِصُ مِنْ صَلَاتِكَ».
[ ٣ / ٣٤١ ]
قلت: هذا من أوهام شريك والصحيح أنَّ عليًا بن يحيى يروي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع كما سبق.
قلت: وبهذا يتبين أنَّ الذي يصح من الحديث هو ذكر التحميد والتكبير والتهليل، وأمَّا التسبيح والحوقلة فخارج عن الشواهد.
واعلم أنَّ الانتقال للذكر إنَّما يكون لمن لم يكن معه شيء من القرآن، فإذا لم يكن معه شيء من الفاتحة ومعه غيرها من القرآن قرأ ما معه من القرآن فإن لم يكن معه شيء من القرآن انتقل إلى التحميد والتكبير والتهليل، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ: «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ وَإِلَّا فَاحْمِدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ». والقرآن يشمل الفاتحة وغيرها.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢): «فصل: فإن لم يحسن القراءة بالعربية، لزمه التعلم، فإن لم يفعل مع القدرة عليه، لم تصح صلاته، فإن لم يقدر أو خشي فوات الوقت، وعرف من الفاتحة آية، كررها سبعًا.
قال القاضي: لا يجزئه غير ذلك؛ لأنَّ الآية منها أقرب إليها من غيرها.
وكذلك إن أحسن منها أكثر من ذلك، كرره بقدره.
ويحتمل أن يأتي ببقية الآي من غيرها؛ لأنَّ هذه الآية يسقط فرضها بقراءتها، فيعدل عن تكرارها إلى غيرها، كمن وجد بعض الماء، فإنَّه يغسل به، ويعدل إلى التيمم.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
وذكر القاضي هذا الاحتمال في "الجامع". ولأصحاب الشافعي وجهان، كما ذكرنا.
فأمَّا إن عرف بعض آية، لم يلزمه تكرارها، وعدل إلى غيرها؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: "الحمد لله" وغيرها. وهي بعض آية، ولم يأمره بتكرارها.
وإن لم يحسن شيئًا منها، وكان يحفظ غيرها من القرآن، قرأ منه بقدرها إن قدر، لا يجزئه غيره؛ لما روى أبو داود، عن رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذا قمت إلى الصلاة، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلَّا فاحمد الله، وهلله، وكبره" ولأنَّه من جنسها، فكان أولى. ويجب أن يقرأ بعدد آياتها.
وهل يعتبر أن يكون بعدد حروفها؟ فيه وجهان: أحدهما، لا يعتبر؛ لأنَّ الآيات هي المعتبرة، بدليل أنَّه لا يكفي عدد الحروف دونها، فأشبه من فاته صوم يوم طويل، فلا يعتبر أن يكون القضاء في يوم على قدر ساعات الأداء.
والثاني: يلزمه ذلك؛ لأنَّ الحرف مقصود؛ بدليل تقدير الحسنات به، ويخالف الصوم، إذ لا يمكن اعتبار المقدار في الساعات إلَّا بمشقة.
فإن لم يحسن إلَّا آية، كررها سبعًا.
فإن لم يحسن شيئًا من القرآن، ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت، لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله؛
[ ٣ / ٣٤٣ ]
لما روى أبو داود، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنِّي لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني منه.
فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" قال: هذا لله. فما لي؟ قال: "تقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني، وعافني".
ولا يلزمه الزيادة على الخمس الأول؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اقتصر عليها، وإنَّما زاده عليها حين طلب الزيادة.
وذكر بعض أصحاب الشافعي، أنَّه يزيد على هذه الخمس كلمتين، حتى تكون مقام سبع آيات.
ولا يصح؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علمه ذلك جوابًا لقوله: علمني ما يجزئني. والسؤال كالمعتاد في الجواب، فكأنَّه قال: يجزئك هذا. وتفارق القراءة من غير الفاتحة؛ لأنَّه بدل من غير الجنس، فأشبه التيمم.
فإن لم يحسن هذه الكلمات كلها، قال ما يحسن منها.
وينبغي أن يلزمه تكرار ما يحسن منها بقدرها، كمن يحسن بعض الفاتحة.
ويحتمل أن يجزئه التحميد والتهليل والتكبير؛ لقول النبي ﷺ: "فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلَّا فاحمد الله، وهلله، وكبره". رواه أبو داود» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٨): «قال أصحابنا: إذا لم يقدر علي قراءة الفاتحة وجب عليه تحصيل القدر بتعلم أو تحصيل
[ ٣ / ٣٤٤ ]
مصحف يقرؤها فيه بشراء أو إجارة أو إعارة فإن كان في ليل أو ظلمة لزمه تحصيل السراج عند الإمكان فلو امتنع من ذلك عند الإمكان أثم ولزمه إعادة كل صلاة صلاها قبل قراءة الفاتحة ودليلنا القاعدة المشهورة في الأصول والفروع أنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب.
وهذا الذي ذكرناه من أنَّه تجب إعادة كل صلاة صلاها قبل قراءة الفاتحة هو المذهب وبه قطع الجمهور وفي "الحاوي" وجه آخر أنَّه تجب إعادة ما صلي من حين أمكنه التعليم إلى أن شرع في التعليم فقط. والصحيح الأول.
فإن تعذرت عليه الفاتحة لتعذر التعليم لضيق الوقت أو بلادته أو عدم المعلم أو المصحف أو غير ذلك لم يجز ترجمة القرآن بغير العربية بل ينظر إن أحسن غيرها من القرآن لزمه قراءة سبع آيات ولا يجزيه دون سبع وإن كانت طوالًا بلا خلاف. ونقل الشيخ أبو محمد في التبصرة وآخرون اتفاق الأصحاب علي هذا ولا يضر طول الآيات وزيادة حروفها علي حروف الفاتحة وهل يشترط أن لا ينقص عن حروفها فيه خلاف جعله المصنف قولين وحكاه جمهور الأصحاب في طريقتي العراق وخراسان وجهين وقال صاحب "الشامل" و"البيان" اختلف أصحابنا فيه فبعضهم حكاه قولين وبعضهم حكاه وجهين ونقلهما القاضي أبو الطيب في تعليقه قولين:
أحدهما: تجب أن تكون بعدد حروف الفاتحة وهو الذي نقل المزني.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
والثاني: لا تجب نص عله الشافعي في باب استقبال القبلة قال: تجب سبع آيات طوالًا كن أو قصارًا. وحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه.
أصحها: باتفاقهم بشرط أن لا ينقص حروف الآيات السبع عن حروف الفاتحة ولا يشترط أن كل آية بقدر آية بل يجزيه أن يجعل آيتين بدل آية بحيث يكون مجموع الآيات لا ينقص عن حروف الفاتحة والحرف المشدد بحرفين في الفاتحة والبدل ذكره الشيخ أبو محمد في "التبصرة" وهو واضح.
والثاني: يجب أن يعدل حروف كل آية من البدل حروف آية من الفاتحة علي الترتيب فيكون مثلها أو أطول حكاه البغوي وآخرون وضعفوه.
والثالث: يكفى سبع آيات ناقصات كما يكفى صوم قصير عن طويل. وقول المصنف: لا يمكن اعتبار الساعات إلَّا بمشقة لا يسلم بل يمكنه ذلك بالاستظهار بأطول منه كما قلنا هنا ثم إن لم يحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور كان له العدول إلى مفرقة بلا خلاف عليه نص في "الأم" واتفقوا عليه لكن الجمهور أطلقوا المسألة.
وقال إمام الحرمين: لو كانت الآية الفردة لا تغير معنى منظومًا إذا قرئت وحدها كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآية المتفرقة ونجعله كمن لا يحسن قرآنًا أصلًا فسيأتي بالذكر، والمختار ما سبق عن إطلاق الأصحاب، وإن
[ ٣ / ٣٤٦ ]
كان يحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور فوجهان حكاهما السرخسي في "الأمالي" وغيره.
أحدهما: لا تجزيه المتفرقة بل تجب قراءة سبع آيات متوالية وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي في "البسيط" والرافعي.
أصحهما: تجزيه المتفرقة من سورة أو سور وبه قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجي وصاحب البيان وهو المنصوص في "الأم".
أمَّا إذا كان يحسن دون سبع آيات كآية أو آيتين فوجهان:
أصحهما: يقرأ ما يحسنه ثم يأتي بالذكر عن الباقي لأنَّه عاجز عن الباقي فانتقل إلي بدله.
والثاني: يجب تكرار ما يحسنه حتى يبلغ قدر الفاتحة لأنَّه أقرب إليها من الذكر فلو لم يحسن إلَّا بعض الفاتحة ولم يحسن بدلًا من الذكر وجب تكرار ما يحسنه حتى يبلغ قدرها بلا خلاف، ولو أحسن آية أو آيات من الفاتحة ولم يحسن جميعها فإن لم يحسن لباقيها بدلًا من الذكر؟ وجب تكرار ما أحسنه حتى يبلغ قدر الفاتحة بلا خلاف وإن أحسن لباقيها بدلًا ففيه خلاف حكاه المصنف هنا وجهين وكذا حكاهما الجمهور في طريقتي العراقيين وخراسان وجهين وحكاهما المصنف في "التنبيه" قولين وكذلك حكاهما الشيخ نصر في "تهذيبه". وأصحهما باتفاقهم أنَّه
[ ٣ / ٣٤٧ ]
يجب قراءة ما يحسنه من الفاتحة ثم يأتي ببدل الباقي لأنَّ الشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا.
والثاني: يجب تكرار ما يحفظه من الفاتحة حتى يبلغ قدرها ويجري الخلاف سواء كان البدل الذي يحسنه قرآنًا أو ذكرًا صرح به الشيخ أبو حامد وغيره لكن لا يجوز الانتقال إلي الذكر إلَّا بعد العجز عن القرآن فإن قلنا بالأصح أنَّه يقرأ ما يحسنه ويأتي بالبدل وجب الترتيب بينهما فإن كان يحفظ أول الفاتحة أتى به ثم يأتي بالبدل ولا يجوز العكس، وإن كان يحفظ آخرها أتى بالبدل ثم قرأ الذي يحفظه منها فلو عكس لم يجزيه علي المذهب وبه قطع الأكثرون، وحكى البغوي وجهًا أنَّه لا يجب هذا الترتيب بل كيف أتى به أجزأه فهو غريب ضعيف. وقد قال إمام الحرمين اتفق أئمتنا على أنَّ هذا الترتيب واجب وعلل بعلتين: إحداهما: أنَّ الترتيب في أركان الصلاة واجب وعليه البدل قبل النصف الثاني من الفاتحة فليقدمه.
والثانية: أنَّ البدل له حكم المبدل والترتيب شرط في نصفي الفاتحة وكذا في نصفها وما قام مقام النصف الأول.
واعلم أنَّ الأحوط والمستحب لمن يحفظ آية من الفاتحة أن يكررها سبع مرات ويأتي مع ذلك ببدل ما زاد عليها ليخرج من الخلاف وممن نبه علي هذا الشيخ أبو محمد في "التبصرة" هذا حكم من يحسن شيئًا من القرآن ولا خلاف أنَّه متى أحسن سبع آيات من القرآن لا يجوز له أن يتركها وينتقل إلى الذكر، فإن كان يحسن دون سبع فهل يكرره أم يأتي ببدل الباقي فيه الخلاف السابق. فإن لم يحسن
[ ٣ / ٣٤٨ ]
شيئًا منه وجب عليه أن يأتي بالذكر بدلها وهذا لا خلاف فيه عندنا واستدل أصحابنا فيه بحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: "جاء رجل إلي النبي صلي الله تعالي عليه وسلم فقال: إنِّي لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزيني منه قال: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" قال: يا رسول الله هذا لله فمالي قال: "قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني" فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله ﷺ: "أمَّا هذا فقد ملا يده من الخير" رواه أبو داود والنسائي، ولكنه من رواية إبراهيم السكسكي وهو ضعيف، ويغني عنه حديث رفاعة بن رافع قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد فدخل رجل يصلي في ناحية المسجد فجعل رسول الله ﷺ يرمقه ثم جاء فسلم فرد عليه وقال: "ارجع فصل فانَّك لم تصل" ثم جاء فسلم عليه ثم قال: "ارجع فصل فانَّك لم تصل" قال مرتين أو ثلاثًا فقال له في الثالثة أو الرابعة: والذي بعثك بالحق لقد اجتهدت في نفسي فعلمني وأرني فقال له النبي ﷺ: "إذا أردت أن تصلي فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم ثم كبر فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلاِّ فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع فاطمئن راكعًا ثم اعتدل قائمًا": وذكر تمام الحديث" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن واختلف أصحابنا في الذكر على ثلاثة أوجه:
[ ٣ / ٣٤٩ ]
أحدها: وهو قول أبي علي الطبري أنَّه يتعين أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. فتجب هذه الكلمات الخمس وتكفيه.
والثاني: أنَّها تتعين ويجب معها كلمتان من الذكر ليصير سبعة أنواع مقام سبع آيات والمراد بالكلمات أنواع الذكر لا الألفاظ المسردة.
والثالث: وهو الصحيح عند المصنف وجمهور الأصحاب وهو الصحيح أيضًا في الدليل أنَّه لا يتعين شيء من الذكر بل يجزيه جميع الأذكار من التهليل والتسبيح والتكبير وغيرها فيجب سبعة أذكار ولكن هل يشترط أن لا ينقص حروف ما أتي به عن حروف الفاتحة فيه وجهان:
أصحهما: يشترط وهما كالوجهين في البدل من القرآن.
قال إمام الحرمين: ولا يراعي هنا إلَّا الحروف بخلاف ما إذا أحسن قرآنًا غير الفاتحة فإنَّا نراعي الآيات وفي الحروف خلاف.
وقال البغوي: يجب سبعة أنواع من الذكر يقام كل نوع مقام آية. قال الرافعي: هذا أقرب من قول الإمام.
واحتج لأبي علي الطبري بحديث ابن أبي أوفى وليس فيه غير الكلمات الخمس.
وأجاب القائلون بالصحيح: بأنَّ الحديث ضعيف ولو صح لم يكن فيه نفي وجوب زيادة من الأذكار. فإن قيل: لو وجب زيادة لذكرت. قيل يجوز تأخير البيان إلي وقت الحاجة والله أعلم.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فإن قيل: ما الفرق بين الذكر والقرآن حيث جوزتم علي قول أبي علي خمس كلمات ولم تجوزوا من القرآن إلَّا سبع آيات بالاتفاق. فالفرق ما ذكره صاحب التتمة أنًّ القرآن بدل للفاتحة من جنسها فاعتبر فيه قدرها والذكر بخلافها فجاز أن يكون دونه كالتيمم عن الوضوء» اهـ.
وقال ﵀ (٣/ ٣٧٩): «إذا لم يحسن شيئًا من القرآن ولا من الذكر ولا أمكنه التعلم وجب عليه أن يقوم بقدر الفاتحة ساكتًا ثم يركع ويجزيه صلاته بلا إعادة لأنَّه مأمور بالقيام والقراءة فإذا عجز عن أحدهما أتي بالآخر لقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم" رواه البخاري ومسلم» اهـ.
وقال أيضًا ﵀ (٣/ ٣٧٩): «"فرع" في مذاهب العلماء فيمن لا يحسن الفاتحة كيف يصلى إذا لم يمكنه التعلم. فقد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه يجب عليه قراءة سبع آيات غيرها فإن لم يحسن شيئًا من القرآن لزمه الذكر فإن لم يحسنه ولا أمكنه وجب أن يقف بقدر قراءة الفاتحة وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن القرآن قام ساكتًا ولا يجب الذكر. وقال مالك: لا يجب ولا القيام وقد سبق دليلنا عليهما» اهـ.
وخلاصة القول في هذه المسألة:
أنَّ من عجز عن حفظ بعض الفاتحة أو جميعها. لزمه أن يقرأها نظرًا من المصحف أو من غيره.
[ ٣ / ٣٥١ ]
وأمَّا إن كان غير قارئ ولا يوجد من يقرؤه فلا يخلوا من أحوال:
الأولى: أن لا يحفظ شيئًا من الفاتحة فهذا يلزمه أن يقرأ ما تيسر له من القرآن بقدر الفاتحة، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لذلك الرجل: «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ» فلم ينقله إلى الذكر إلَّا بعد عجزه عن القرآن، ولأنَّ القرآن من جنس الفاتحة فهو أقرب من الذكر، والتقدير يكون في الآيات لا في الحروف والذي يدل على عدم اعتبار الحروف أمور منها:
١ - أنَّ أهل العلم لا يجوزون له أن يقرأ آية طويلة تجمع حروف الفاتحة أو تزيد على ذلك كآية الدين مثلًا.
٢ - أنَّ الطول والقصر في الآية كالطول والقصر في يوم القضاء فإنَّه لا يراعي في يوم القضاء أن يكون مساويًا لليوم الذي أفطر فيه اتفاقًا.
٣ - لو كانت الحروف معتبرة لاعتبرت في كل آية وهم لا يرون ذلك.
الثانية: أن يحفظ بعض الفاتحة كالآية فما فوقها فهذا يلزمه أن يأتي بما حفظ وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: هل يجب عليه الترتيب بين قراءة ما حفظ من الفاتحة والبدل كأن يكون ما حفظه مثلًا من آخر الفاتحة، وما عجز عنه من أولها. فالذي يظهر لي هو مراعاة ذلك فإنَّ الأصل هو الترتيب بين آيات الفاتحة وهكذا البدل فإنَّه تابع لذلك. والله أعلم.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
المسألة الثانية: هل يجب عليه أن يكرر المحفوظ له من الفاتحة حتى تبلغ إلى سبع آيات أو لا يجب عليه ذلك بل ينتقل إلى البدل. الذي يظهر لي أنَّه لا يكرر ذلك بل ينتقل إلى البدل كمن عجز عن غسل بعض الأعضاء في الطهارة فإنَّه لا يكرر العضو السليم عن بقية الأعضاء بل ينتقل إلى البدل.
لكن إذا كان يحفظ آية من الفاتحة أو من غيرها فهل يأتي بها ثم ينتقل إلى الذكر أو يكرر ما يحفظ من القرآن؟.
الذي يظهر لي أنَّ التكرار مقدم على الذكر، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نقل المسيء في صلاته إلى الذكر إذا لم يكن معه شيء من القرآن، فليس له أن ينتقل إلى الذكر ومعه شيء من القرآن على ظاهر الحديث. والله أعلم.
الثالثة: أن يحفظ بعض آية فلا يلزمه على الصحيح أن يأتي بها بل ينتقل إلى البدل لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأمر العاجز أن يأتي بذلك مع أنَّه أمره أن يأتي بالتحميد وهو جزء من الفاتحة والظاهر أنَّه أمره به من باب الذكر لا من باب قراءة القرآن. والله أعلم.
الرابعة: أن لا يحفظ شيئًا من القرآن فهذا ينتقل إلى الذكر. وهنا مسألة:
وهي: أنَّه إذا كان عاجزًا عن بعض الذكر فيلزمه أن يأتي بما أمكنه منه. وهل يلزمه أن يكرره؟ الذي يظهر لي أنَّه يلزمه تكراره لأنَّه لا بدل له حتى ينتقل إليه. وهل
[ ٣ / ٣٥٣ ]
يكرره بمقدار الفاتحة أو بمقدار الذكر؟ الذي يظهر لي أنَّه يكرره بمقدار الذكر لأنَّه يقوم مقامه.
الخامسة: أن يعجز عن الذكر وهذا يتصور لمن كان فيه آفة بلسانه فهذا يلزمه القيام ساكتًا لكن هل يلزمه بمقدار الفاتحة أو بمقدار الطمأنينة. الذي يظهر لي أنَّه يلزمه القيام بمقدار الفاتحة، وذلك أنَّ أقل طمأنينة للقيام هو مقدار قراءة الفاتحة. والله أعلم.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٧٩):
«في مذاهب العلماء فيمن لا يحسن الفاتحة كيف يصلى إذا لم يمكنه التعلم فقد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه يجب عليه قراءة سبع آيات غيرها فإن لم يحسن شيئًا من القرآن لزمه الذكر فإن لم يحسنه ولا أمكنه وجب أن يقف بقدر قراءة الفاتحة وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن القرآن قام ساكتًا ولا يجب الذكر.
وقال مالك: لا يجب ولا القيام وقد سبق دليلنا عليهما» اهـ.
٦ - ومما يستثنى من الحديث المسبوق إذا استخلفه الإمام فإنَّه يتم بهم من حيث وقف الإمام الأول ولا يستأنف قراءة الفاتحة.
وقد روى أحمد (٣٣٣٠، ٣٣٥٥)، وابن ماجه (١٢٣٥) مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: "ادْعُوا لِي عَلِيًّا". قَالَتْ عَائِشَةُ: نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: "ادْعُوهُ". قَالَتْ حَفْصَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَدْعُو لَكَ
[ ٣ / ٣٥٤ ]
عُمَرَ؟ قَالَ: "ادْعُوهُ"، قَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَدْعُو لَكَ الْعَبَّاسَ؟ قَالَ: "ادْعُوهُ" فَلَمَّا اجْتَمَعُوا رَفَعَ رَأْسَهُ، فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا، فَسَكَتَ فَقَالَ عُمَرُ: قُومُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ حَصِرٌ، وَمَتَى مَا لَا يَرَاكَ النَّاسُ يَبْكُونَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ. وَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ، سَبَّحُوا أَبَا بَكْرٍ، فَذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيْ مَكَانَكَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَلَسَ، قَالَ: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ أَبُو بَكْرٍ، وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَاكَ ﵇ وَقَالَ وَكِيعٌ مَرَّةً: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قال العلامة مقبل الوادعي ﵀ في [أحاديث معلة] (٢٢٠):
«هذا الحديث إذا نظرت في سنده وجدتهم ثقات، ولكن أبا إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث، قال الإمام البخاري ﵀ في "التاريخ" في ترجمة أرقم بن شرحبيل: ولم يذكر أبو إسحاق سماعًا منه» اهـ.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
قلت: أبو إسحاق متابع تابعه عبد الله بن أبي السَّفَرِ فيما رواه أحمد في [مسنده] (١٧٨٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٩٠ - ٢٩١):
«وأيضًا فهذا عموم قد خص منه المسبوق بحديث أبي بكرة وغيره وخص منه الصلاة بإمامين فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما صلى بالناس وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ من حيث انتهى أبو بكر ولم يستأنف قراءة الفاتحة لأنَّه بنى على صلاة أبي بكر فإذا سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع فعن المأموم أولى. وخص منه حال العذر وحال استماع الإمام حال عذر فهو مخصوص وأمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام لم يخص معه شيء لا بنص خاص ولا إجماع وإذا تعارض عمومان أحدهما محفوظ والآخر مخصوص وجب تقديم المحفوظ» اهـ.
* * *
٩٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ
[ ٣ / ٣٥٦ ]
فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعتين الأوليين.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤١٤):
«وهذا متفق على استحبابه بين العلماء، وفي وجوبه خلاف سبق ذكره» اهـ.
٢ - استدل به على أنَّ قراءة سورة تامة أفضل من قراءة قدرها من أثناء سورة طويلة.
قلت: ويجوز الاقتصار على بعض سورة والقراءة من أثناء السورة وفي ذلك أدلة منها:
ما رواه أحمد (٢٣٥٩٠)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٦١١) واللفظ له، وابن خزيمة (٥١٨)، والحاكم (٨٦٦) مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدٍ، أَوْ أَبِي أَيُّوبَ؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالأَعْرَافِ فِي الرَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا».
وحديث الحاكم من حديث زيد من غير تردد.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
قال الحاكم ﵀: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال ولم يخرجاه بهذا اللفظ» اهـ.
وقال الحافظ الذهبي ﵀ في معلقًا على الحديث: «فيه انقطاع» اهـ.
وقال الحافظ العلائي ﵀ في [جامع التحصيل] (ص: ٢٣٦) - عند كلامه على عروة بن الزبير -:
«وذكره بن المديني فيمن لم يثبت له لقاء زيد بن ثابت ﵃» اهـ.
وقال الإمام الترمذي ﵀ في [العلل الكبير] (١/ ١٣٠): «سألت محمدًا عن حديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب، وزيد بن ثابت، قالا: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب بالأعراف" فقال: الصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب أو زيد بن ثابت. هشام بن عروة يشك في هذا الحديث. وصحح هذا الحديث عن زيد بن ثابت رواه ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت» اهـ.
وسئل الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٦/ ١٢٧) عن حديث عروة بن الزبير، عن أبي أيوب، وزيد بن ثابت، قالا: «كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ربما قرأ في الركعتين الأوليين من المغرب بالأعراف» اهـ.
فقال: «يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه؛ فقال محمد بن عبد الرحمن الطفاوي: عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، وزيد.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
وخالفه أصحاب هشام، منهم: عبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، ووكيع، وغيرهم، فقالوا: عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت، وهو الصحيح، عن هشام، فإنَّه كان يشك في هذا الحديث.
والصحيح من هذا الحديث زيد بن ثابت، ولم يسمعه عروة منه، إنَّما سمعه من مروان، عن زيد بن ثابت، بين ذلك ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة، قال: أخبرني مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت» اهـ.
ورواه النسائي (٩٩١) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ».
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [معرفة السنن والآثار] (٢/ ٢١٧):
«والصحيح رواية ابن أبي مليكة عن عروة عن مروان عن زيد بن ثابت. "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين" قال فقلت لعروة: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف. وقال ابن مليكة: الأنعام والأعراف» اهـ.
ورواه الطبراني في [المعجم الكبير] (٣٧٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمٍ الرَّازِيُّ، ثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، ثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ
[ ٣ / ٣٥٩ ]
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَنْفَالِ».
ورواه الطبراني في [المعجم الكبير] (٤٦٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِيُّ، ثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، ثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَنْفَالِ».
قلت: الذي يظهر لي أنَّه من أوهام عقبة بن خالد فقد خالف في متن الحديث كل من روى الحديث عن هشام فإنَّهم ذكروا في حديثهم قراءة النبي ﷺ للأعراف ولم يذكروا قراءته للأنفال.
وأمَّا الاضطراب في صحابي الحديث فمن جهة هشام بن عروة كما بيَّن ذلك الحافظ الدارقطني فيما مضى.
والحديث في البخاري (٧٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ».
وليس فيه قوله: «فِي الرَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا».
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وهذا الحديث يدل على جواز الاقتصار على بعض السورة في الركعة الأولى والقراءة في الثانية من أثناء السورة. لكنه لم يصح من الحديث إلَّا حديث زيد الذي رواه البخاري وليس فيه محل الشاهد.
وروى مسلم (١٠٢٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ أَوْ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ أَخَذَتْ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرٌ ذَلِكَ.
ورواه البخاري معلقًا.
وهذا الحديث يدل على جواز الاقتصار على بعض السورة في الركعة. لكن قد يقَالَ: إنَّ الحاجة ألجأته إلى ذلك وإلاَّ لعله يستمر بها حتى يتمها.
وقد جاء ما يدل على القراءة من أثناء السورة في الركعتين جميعًا في ركعتي سنة الفجر.
فروى مسلم (٧٢٧) عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾
الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾».
[ ٣ / ٣٦١ ]
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٦٥):
«وأكثر العلماء على أنَّه لا يكره قراءة أوائل السور وأوساطها وخواتمها في الصلاة.
وقد روي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ في المفروضة بخواتيم السور وعن أحمد، يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها.
وعنه، أنَّه يكره قراءة أواخر السور.
كذا حكاها طائفة من أصحابنا عن أحمد، ومنهم من حملها على كراهة المداومة على ذلك دون فعله أحيانًا؛ لأنَّ أصحاب النبي كان الغالب عليهم قراءة السورة التامة، فيكره مخالفتهم في أفعالهم» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي عدم كراهة ذلك لعدم الدليل على الكراهة لكن الأفضل أن يقرأ سورة تامة في ركعة كما هو الأمر الغالب من فعل النبي ﷺ.
٣ - استحباب تطويل الأولى على الثانية دفعًا للملل وحتى يدرك الناس الصلاة من أولها.
قلت: ومما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يطيل الركعة الأولى أطول من الثانية ما رواه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠) عن أبي هريرة، ﵁، قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾».
[ ٣ / ٣٦٢ ]
قلت: وقد جاء ما قد يدل على التسوية بينهما في الإطالة فروى البخاري (٧٧٠)، ومسلم (٤٥٣) عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: «لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: صَدَقْتَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ».
قلت: والذي يقوى عندي هو حمل الحديث على تطويلهما على الأوليين لا التسوية بينهما في الطول.
وروى مسلم (٤٥٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً أَوْ قَالَ نِصْفَ ذَلِكَ وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ».
واحتج بهذا من قَالَ: إنَّما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ وأمَّا في القراءة فهما سواء.
وجاء ما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسوي بين الركعتين في بعض الصلوات فروى مسلم (٨٧٩) عن ابن عباس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ
[ ٣ / ٣٦٣ ]
مِنْ الدَّهْرِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ».
قلت: وكلًا من السورتين إحدى عشرة آية.
وروى أبو داود (٨١٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنِ ابْنِ أَبِى هِلَالٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولُ اللهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا عمدًا».
قلت: هذا حديث صحيح.
وجاء ما يدل على تطويل الركعة الثانية على الأولى فيما رواه مسلم (٨٧٨) عن النعمان بن بشير قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ».
قلت: سورة الأعلى ثمانية عشر آية، وأمَّا الغاشية فستة وعشرون آية.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤١٨ - ٤٢٠):
[ ٣ / ٣٦٤ ]
«وقد ذهب إلى القول بظاهره في استحباب تطويل الركعة الأولى على ما بعدها من جميع الصلوات طائفة من العلماء، منهم: الثوري وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وطائفة من أصحاب الشافعي، وروى عن عمر.
وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود حديث أبي قتادة، وزاد فيه: فظننا أنَّه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قَالَ: لقد كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله في الركعة الأولى؛ مما يطولها.
وقد سبق حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم، أنَّ قراءته في الثانية كانت على النصف من قراءته في الأولى.
وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري: "أَنَّ النَّبِيَّ كان يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن، لكي يثوب الناس".
وقَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يطيل سوى الركعة من الفجر؛ لأنه وقت غفلة ونوم، ويسوي بين الركعات في سائر الصلوات.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
وقَالَ مالك والشافعي: يسوى بين الركعتين الأولتين في جميع الصلوات واستدل لذلك بقول سعد: "أركد في الأوليين"، وليس بصريح ولا ظاهر في التسوية بينهما.
واستدل أيضًا - بحديث أبي سعيد، أنهم حزروا قيام النبي في الظهر في الركعتين الأوليين قدر قراءة ثلاثين آية، وقد سبق.
ولكن في رواية أحمد وابن ماجه: أنَّ قيامه في الثانية كان على النصف من ذلك، وهذه الرواية توافق أكثر الأحاديث الصحيحة، فهي أولى.
واستدل لهم بقراءة النبي: "سبح" و"الغاشية" و"الجمعة" و"المنافقين" و"تنزيل السجدة" و"هل أتى" و"ق" و"اقتربت"، هي سور متقاربة.
وأمَّا تطويل الركعة الثالثة على الرابعة، فالأكثرون على أنَّه لا يستحب، ومن الشافعية من نقل الاتفاق عليه، ومنهم من حكى لأصحابهم فيه وجهين.
وهذا إنما يتفرع على أحد قولي الشافعي باستحباب القراءة في الأخريين بسور مع الفاتحة.
وقد خرج البزار والبيهقي من حديث عبد الله بن أبي أوفي، قَالَ: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يطيل الركعة الأولى من الظهر، فلا يزال يقرأ قائمًا ما دام يسمع خفق نعال القوم، ويجعل الركعة الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة أقصر من الثالثة" وذكر مثل ذلك في صلاة العصر والمغرب وفي إسناده: أبو إسحاق الحميسي، ضعفوه.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
وقد خرجه بقي بن مخلد في " مسنده" بإسناد أجود من هذا، لكن ذكر أبو حاتم الرازي أنَّ فيه انقطاعًا، ولفظه في الظهر: ويجعل الثانية أقصر من الأولى، والثالثة أقصر من الثانية، والرابعة كذلك، وقَالَ في العصر: يطيل في الأولى، ويقصر الثانية والثالثة والرابعة كذلك. وقَالَ في المغرب: يطيل في الأولى، ويقصر في الثانية والثالثة.
وهذا اللفظ لا يدل على تقصير الرابعة عن الثالثة» اهـ.
٤ - قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٨٤ - ٤٨٧):
«قوله: " كان يسمعنا الآية أحيانًا" ظاهره أنَّه كان يقصد ذلك، وقد يكون فعله ليعلمهم أنَّه يقرأ في الظهر والعصر، فإنَّه حصل لبعضهم شك في ذلك كما تقدم.
وقد يكون فعله ليعلمهم هذه السورة المعينة، كما روي ذلك عَنْ أَنَسٍ وغيره؛ أو ليبين جواز الجهر في قراءة النهار، وأنَّ الصلاة لا تبطل به.
وقَالَت طائفة من العلماء: لم يكن إسماعهم الآية أحيانًا عن قصد، إنَّما كان يقع اتفاقًا عن غير قصد؛ فإنَّه كان يقرأ لنفسه سرًا، فربما استغرق في تدبر ما يقرأه، أو لعله كان يقصد تحقيق القراءة، فيقع سماع قراءته للآية أحيانًا لذلك من غير أن يتعمد إسماعهم، أو أن يكون وقع الإسماع منه على وجه السهو وفي هذا نظر.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
قَالَ الشافعي: لا نرى بأسًا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن ليعلم من خلفه أنَّه يقرأ. قَالَ: وهم يكرهون هذا، ويوجبون السهو على من فعله. يشير إلى أهل الكوفة.
واختلف كلام الإمام أحمد في ذلك:
فنقل عنه حنبل في قراءة النهار: ترى للرجل أن يسمع من يليه؟ قَالَ: الحرف ونحو ذلك، ولا يغلط صاحبه؛ كَانَّ النَّبِيُّ يسمعهم الآية أحيانًا وقَالَ: صلاة النهار عجماء لا يجهر فيما.
ونقل عنه إسماعيل بن سعيد الشالنجي في الإمام يسمع من يليه، فكره ذلك في صلاة النهار، وقَالَ: لا أرى عليه سهوًا في ذلك - أي: سجود سهو.
وروى الشافعي بإسناده، عن ابن مسعود، أنه سمع قراءة في الظهر والعصر.
قَالَ الشافعي: وهذا عندنا لا يوجب سهوًا - يعني: سجودًا.
وروى وكيع في كتابه عن سيف المكي، عن مجاهد، أنَّه سمع عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بـ ﴿كهيعص﴾.
وروى الجوزجاني بإسناده، عن أبي عثمان النهدي، قَالَ: سمعت من ابن عمر نغمة من ﴿ق﴾ في صلاة الظهر.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وروى حماد بن سلمة، عن حميد وثابت وقتادة والتيمي، أن أنسًا صلى بهم الظهر والعصر، وكان يسمعهم النغمة أحيانًا. وروى عنه مرفوعًا. ووقفه أصح -: قَالَه أبو حاتم والدار قطني وغيرهما.
وروي عن خباب بن الأرت، أنَّه قرأ بهم في الظهر بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، فسمع قراءته حتى تعلمها من خلفه.
وعنه: قرأ بهم في العصر ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فجهر بها.
وقَالَ علقمة: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود بالنهار، فلم أدر أي شيء قرأ، حتى سمعته يقول:
﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فظننته يقرأ "طه".
وقَالَ النخعي: كان بعضهم يسمعهم الآية في الظهر والعصر.
وخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب، قَالَ: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات".
واختلفوا فيمن جهر فيما يخافت فيه: هل يسجد للسهو، أم لا؟.
فقَالَت طائفة: لا يسجد، وروي عَنْ أَنَسٍ وعلقمة والأسود، أنَّهم فعلوه ولم يسجدوا. وهو قول الأوزاعي والشافعي. وقَالَ النخعي والثوري وأبو حنيفة: يسجد لذلك. وعن أحمد فيه روايتان.
وقَالَ مالك: إن تطاول ذلك سجد للسهو، ولا أرى عليه في السر سهوًا.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
واستدل أحمد بأنَّه لا يجب السجود لذلك بأَنَّ النَّبِيَّ كان يسمع منه نغمة في صلاة الظهر، وبأنَّ أنسًا جهر فلم يسجد.
قلت: المروي عن الصحابة قد تقدم أنَّه كان عمدًا منهم فعلوه؛ لتعليم من وراءهم سنة القراءة، والعمد لا يسجد له.
وفيه رد على من قَالَ: تبطل صلاته بتعمد الجهر فيما يسر فيه، كما تقدم.
فقد حكي عن ابن أبي ليلى، أنَّه تبطل الصلاة بتركه عمدًا ونسيانًا وهو بعيد جدًا» اهـ.
قلت: إذا كان تعمد فعل ذلك لا يؤثر في الصلاة فإذا كان سهوًا فهو أولى بعدم التأثير فلا يحتاج إلى سجود سهو والله أعلم.
٥ - ويدل الحديث على الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٧٦ - ٤٧٨):
«وقد ذهب أكثر العلماء إلى القول بذلك، وأنَّه لا يزيد في الركعتين الأخريين والثالثة من المغرب على فاتحة الكتاب.
وروي نحو ذلك عن علي وابن مسعود وعائشة وأبي هريرة وجابر وأبي الدرداء.
وعن ابن سيرين، قَالَ: لا أعلمهم يختلفون أنَّه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
وقد دل على ذلك - أيضًا -: حديث سعد في الحذف في الأخريين. وقد تقدم في مواضع من الكتاب.
وروى مالك عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا، في كل ركعة بأم القرآن وسورة.
وذهب الشافعي - في أحد قوليه - أنَّه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في الركعات كلها.
ومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد، وأكثر أصحابنا قَالَوا: لا يستحب -: رواية واحدة.
وفي كراهيته عنه روايتان.
وقد تقدم عن أبي بكر الصديق، أنَّه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
وقد استحب أحمد ذلك في رواية.
قَالَ القاضي أبو يعلى: يحتمل أنَّه استحبه؛ لأنَّه دعاء، فإنَّه قَالَ في رواية الأثرم: إن شاء قَالَه. قَالَ: ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء.
وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأخريين على قدر نصف قراءته في الأوليين.
[ ٣ / ٣٧١ ]
وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أنَّ هذا كان يفعله أحيانًا لبيان الجواز، فيدل على أنَّه غير مكروه، خلافًا لمن كرهه. والله أعلم» اهـ.
قلت: قراءة أبي بكر للآية من سورة آل عمران رواها مالك في [الموطأ] (٢٠٩)
عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَوُلَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ: سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ، فَسَمِعْتُهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾».
قلت: إسناده صحيح.
وحديث أبي سعيد الخدري قد سبق رواه مسلم (٤٥٢) ولفظه: «كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ».
قلت: وظاهره الاقتصار في الركعتين الأخيرتين من العصر بفاتحة الكتاب. والله أعلم.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
والذي يظهر لي جواز الزيادة على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية، والركعة الثالثة من الثلاثية في بعض الأوقات على أن يكون الأمر الغالب هو عدم القراءة كما كان هدي النبي ﷺ.
* * *
[ ٣ / ٣٧٣ ]
٩٦ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - جواز الإطالة بالقراءة في صلاة المغرب في بعض الأوقات. وتأويل من تأول ذلك بأنَّه قرأ ببعضها تأويل خلاف الظاهر.
وقد قرأ النبي ﷺ فيها بالمرسلات. فروى البخاري (٤٤٢٩)، ومسلم (٤٦٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ».
وقرأ بما هو أطول من ذلك فروى البخاري (٧٦٤) عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ:
«قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ».
قلت: والمراد بها الأعراف وسميت بذلك لأنَّها أطول سورة بعد سورة البقرة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣٥):
«فإن قرأ في المغرب بهذه السور الطوال ففي كراهته قولان:
أحدهما: يكره، وهو قول مالك.
والثاني: لا يكره، بل يستحب، وهو قول الشافعي؛ لصحة الحديث بذلك، حكى ذلك الترمذي في "جامعه"، وكذلك نص أحمد على أنَّه لا بأس به» اهـ.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
قلت: وقد كان الأمر الغالب من فعل النبي ﷺ في صلاة المغرب القراءة بصغار المفصل.
فقد روى أحمد (٧٩٧٨، ١٠٨٩٥)، والنسائي (٩٨٢، ٩٨٣) مِنْ طَرِيقِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
«مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ».
قلت: هذا حديث حسن.
وروى البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧) عن رافع بن خديج يقول: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ».
قلت: وهذا لا يكون إلَّا مع تقصير الصلاة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣١):
«وذكر الترمذي: أنَّ العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل. وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه.
وممن استحب ذلك ابن مبارك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقَالَ: كانوا يستحبون ذلك» اهـ.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
٢ - ويدل الحديث على أنَّ وقت المغرب موسع خلافًا لمن قَالَ بأنَّه مضيق. وقد سبق الكلام على هذه المسألة.
٣ - وفيه دليل على قبول رواية المسلم لما تحمله من العلم قبل إسلامه. فإنَّ جبير سمع ذلك قبل إسلامه.
٤ - ويدل على الجهر بالقراءة في صلاة المغرب.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٣٨):
«والجهر بالقراءة في المغرب إجماع المسلمين رأيًا وعملًا به لم يزل المسلمون يتداولونه بينهم، من عهد نبيهم حتى الآن» اهـ.
وقَالَ ﵀ أيضًا في [فتح الباري] (٤/ ٤٣٩):
«وإنَّما يجهر الإمام إذا صلى من يأتم به، فأمَّا المنفرد، فاختلفوا: هل يسن له الجهر، أم لا؟
فقَالَ الشافعي وأصحابه: يسن له الجهر. وحكاه بعضهم عن الجمهور.
ومذهب أبي حنيفة وأحمد: إنَّما يسن الجهر لإسماع من خلفه؛ ولهذا أمر من خلفه بالإنصات له، كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقد سبق أنَّها نزلت في الصلاة وأمَّا المنفرد فيجوز له الجهر ولا يسن.
قَالَ أحمد: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر؛ إنَّما الجهر للجماعة. وكذا قَالَ طاووس: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
ومن أصحابنا من كرهه للمنفرد. ونص أحمد على أنَّ المنفرد إذا صلى الكسوف جهر فيها بالقراءة، فخرج القاضي أبو يعلى من ذلك رواية باستحباب الجهر للمنفرد في الفرائض» اهـ.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠):
«وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ جَهْرُ المنفرد وَإِسْرَارُهُ سَوَاءٌ دَلِيلُنَا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ كَالْإِمَامِ فِي الْحَاجَةِ إلَى الْجَهْرِ لِلتَّدَبُّرِ فَسُنَّ لَهُ الْجَهْرُ كَالْإِمَامِ وَأَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَدَبُّرًا لِقِرَاءَتِهِ لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ غَيْرِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى إطَاقَةِ الْقِرَاءَةِ وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّدَبُّرِ كَيْفَ شَاءَ وَيُخَالِفُ الْمُنْفَرِدُ الْمَأْمُومَ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِمَاعِ وَلِئَلَّا يُهَوِّشَ عَلَى الْإِمَامِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يُسَنُّ لَهُ الاسرار ويكره له الجهر سواء سمع قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَمْ لَا» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٠٧):
«وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَامَ لِيَقْضِيَهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ، فَقَامَ لِيَقْضِيَ، أَيَجْهَرُ أَوْ يُخَافِتُ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ.
ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ، قُلْت لَهُ: وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ،
[ ٣ / ٣٧٧ ]
فِيمَنْ فَاتَتْهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ الْجَهْرُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْإِنْصَاتِ إلَى أَحَدٍ، فَأَشْبَهَ الْإِمَامَ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَأْمُومَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُ إسْمَاعَ الْمَأْمُومِينَ، وَيَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُمْ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ، فَقَدْ تَوَسَّطَ الْمُنْفَرِدُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَفَارَقَهُمَا فِي كَوْنِهِ لَا يَقْصِدُ إسْمَاعَ غَيْرِهِ، وَلَا الْإِنْصَاتَ لَهُ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْحَالَيْنِ» اهـ.
قلت: الصحيح استحباب الجهر في الصلاة الجهرية للإمام والمنفرد لعموم قول النبي ﷺ:
«وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رواه البخاري (٦٣١) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ.
* * *
[ ٣ / ٣٧٨ ]
٩٧ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - القراءة بقصار المفصل في صلاة العشاء وهذا وارد في السفر، وأما في الحضر فالغالب من قراءة النبي ﷺ أنَّه كان يقرأ فيه بأواسط المفصل.
فقد روى أحمد (٧٩٧٨، ١٠٨٩٥)، والنسائي (٩٨٢، ٩٨٣) مِنْ طَرِيقِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
«مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ».
قلت: هذا حديث حسن. وقد سبق قريبًا.
وروى البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥) عن جابر أنَّه قَالَ: «صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا فَصَلَّى فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٣ / ٣٧٩ ]
وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى"».
قلت: هذا لفظ مسلم وزاد البخاري: «فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ».
ورواه البخاري (٧٠١) عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ" ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَوْ قَالَ: "فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنٌ" وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ». قَالَ عَمْرٌو لَا أَحْفَظُهُمَا.
وروى أحمد (٢٣٠٤٤)، والترمذي (٣٠٩)، والنسائي في [المجتبى] (٩٩٩) و[الكبرى] (١٠٧١) مِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْعِشَاء الآخِرَةِ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وَأَشْبَاهِهَا مِنَ السُّوَرِ».
قلت: هذا حديث حسن. فالحسن بن واقد الأكثر على تحسين حديثه.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
فائدة/ قَالَ السيوطي ﵀ في [الإتقان في علوم القرآن] (١/ ١٧٤):
«للمفصل طوال وأوساط وقصار قَالَ ابن معن فطواله إلى عم، وأوساطه منها إلى الضحى ومنها إلى آخر القرآن قصاره هذا أقرب ما قيل فيه» اهـ.
قلت: والمشهور عند كثير من علماء الحنابلة أنَّ طوال المفصل من سورة "ق" إلى "عم" وأوساطه منها إلى "الضحى" ومنها إلى آخر القرآن.
وعند الحنفية طوال المفصّل من سورة الحجرات إلى سورة والسماء ذات البروج، والأوساط من سورة والسماء ذات البروج إلى سورة لم يكن، والقصار من سورة لم يكن إلى الآخر.
وعند المالكية طوال المفصل: من الحجرات إلى سورة النازعات. وأوسط المفصل من عبس إلى سورة: والليل. وقصاره من سورة الضحى إلى آخر القرآن.
وعند جمع من علماء الشافعية طوال المفصل من الحجرات إلى عم، والأوساط من عم إلى الضحى، والقصار من الضحى إلى الآخر.
٢ - وفي الحديث التخفيف في القراءة في السفر لأنَّه موطن المشقة غالبًا.
٣ - الجهر في صلاة العشاء.
٤ - تحسين الصوت بتلاوة القرآن.
[ ٣ / ٣٨١ ]
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢) من حديث أبي هريرة أنَّه سمع النبي ﷺ يَقُول: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ».
وروى البخاري (٧٥٢٧) عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ».
روى أحمد (١٨٥١٧، ١٨٥٣٩، ١٨٧٢٦، ١٨٧٣١)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥، ١٠١٦)، وابن ماجه (١٣٤٢)
كلهم مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه الدارمي (٣٥٠١)، والحاكم (٢١٢٥)، والبيهقي في [شعب الإيمان] (١٩٥٥)، وابن الأعرابي [معجمه] (١٥٤٣)، وتمام في [الفوائد] (٩٨٩)
مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، حدثنا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا».
قلت: وإسناده حسن.
وروى البخاري (٤٢٨١)، ومسلم (٧٩٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ يَقُولُ:
[ ٣ / ٣٨٢ ]
«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ».
وفي رواية للبخاري (٧٥٤٠) عن معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مغفل المزني قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ، أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا». قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ قَالَ آ آ آ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قلت: وقد ضبط هذه الألفات الحافظ ابن حجر ﵀ فقَالَ في [فتح الباري] (٩/ ٩٢): «بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى» اهـ.
قلت: واختلف العلماء في هذا الترجيع هل فعله النبي ﷺ عمدًا أم حصل له ذلك من هز الناقة له.
فذهب بعض العلماء إلى هذا ولم يستحبوا الترجيع. وإلى هذا ذهب العلامة القرطبي.
وذهب آخرون إلى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فعل ذلك عمدًا. وإلى هذا ذهب العلامة ابن بطال فقد قَالَ ﵀ في [شرح البخاري] (١٠/ ٥٣٧):
«في هذا الباب التنبيه على أنَّ القرآن، بالترجيع، والألحان الملذة للقلوب بحسن الصوت المنشود لا المكفوف عن مداه الخارج عن مساق المحادثة، ألا ترى أَنَّ
[ ٣ / ٣٨٣ ]
النَّبِيَّ ﷺ أراد أن يبالغ في تزيين قراءته لسورة الفتح التي كان وعده الله فيها بفتح مكة، فأنجزه له ليستمل قلوب المشركين العتاة على الله، بفهم ما يتلوه من إنجاز وعد الله له فيهم، بإلذاذ أسماعهم بحسن الصوت المرجَّع فيه بنغم، ثلاث».
ومنهم العلامة ابن العربي ﵀ فقد قَالَ في [أحكام القرآن] (٦/ ٤٥١):
«واستحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالألحان والترجيع، وكرهه مالك. وهو جائز لقول أبي موسى للنبي ﵇: "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا"؛ يريد لجعلته لك أنواعًا حسانًا، وهو التلحين، مأخوذ من الثوب المحبر، وهو المخطط بالألوان.
وقد سمعت تاج القراء ابن لفتة بجامع عمرو يقرأ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾. فكأني ما سمعت الآية قط.
وسمعت ابن الرفاء وكان من القراء العظام يقرأ، وأنا حاضر بالقرافة: فكأني ما سمعتها قط.
وسمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين يقرأ في دار بها الملك: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ فكأني ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فكأن الإيوان قد سقط علينا.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
والقلوب تخشع بالصوت الحسن كما تخضع للوجه الحسن، وما تتأثر به القلوب في التقوى فهو أعظم في الأجر وأقرب إلى لين القلوب وذهاب القسوة منها» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ٤٠٤):
«وكلام أحمد في هذا محمول على الإفراط في ذلك، بحيث يجعل الحركات حروفًا، ويمد في غير موضعه، فأمَّا تحسين القراءة والترجيع فغير مكروه» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٤٨٣):
«وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم". وقوله: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". وقوله: "ما أذن الله لشيء، كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقران". علمت أن هذا الترجيع منه ﷺ، كان اختيارًا لا اضطرارًا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة، لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارًا ليؤتسى به، وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول؟ كان يرجع في قراءته، فنسب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هز الراحلة، لم يكن منه فعل يسمى ترجيعًا» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٩/ ٩٢):
«ثم قَالَوا يحتمل أمرين:
[ ٣ / ٣٨٥ ]
أحدهما: أنَّ ذلك حدث من هز الناقة. والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك وهذا الثاني أشبه بالسياق فإن في بعض طرقه: "لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن" أي النغم.
وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في "الشمائل" والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ: "كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن".
والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل فعند بن أبي داود مِنْ طَرِيقِ أبي إسحاق عن علقمة قَالَ: " بت مع عبد الله بن مسعود في داره فنام ثم قام فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله ويرتل ولا يرجع".
وقَالَ الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة» اهـ.
قلت: قوله في حديث أم هانئ: «يرجع القران». هذه الزيادة ليست مذكورة عند أكثرهم وهي موجودة أيضًا عند الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٠٢٤)
حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَنَا نَائِمَةٌ عَلَى عَرِيشِي وَهُوَ يُصَلِّي يُرَجِّعُ بِالْقُرْآنِ».
[ ٣ / ٣٨٦ ]
قلت: وقيس هذا في حفظه ضعف وقد خالفه في هذه الزيادة:
ثابت بن يزيد وهو ثقة ثبت فروى أحمد (٢٦٩٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ يَعْنِي ابْنَ خَبَّابٍ، قَالَ: نَزَلْتُ أَنَا وَمُجَاهِدٌ عَلَى يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ابْنِ أُمِّ هَانِئٍ، فَحَدَّثَنَا عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: «أَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي هَذَا، وَهُوَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ».
ومسعر بن كدام وهو ثقة ثبت أخرج حديثه أحمد (٢٦٩٥٠، ٢٧٤٢٢)، والنسائي (١٠١٣)، وابن ماجه (١٣٤٩).
قلت: وهذا أصح من حديث قيس على أنَّ الرواية عنه مختلفة فرواه عنه أسد بن موسى كما سبق في رواية الطحاوي.
ورواه البيهقي في [شعب الإيمان] (١٩٤٥) مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقِ بْنِ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حدثنا قَيْسٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِاللَّيْلِ، وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي بِمَكَّةَ وَهُوَ يَرْفَعُ».
قلت: ولعل هذا الاضطراب من قيس. والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في القراءة بالألحان بين مانع ومجيز وقد فصل فيها العلامة ابن القيم ﵀ في كلام نفيس فقَالَ ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٤٩٢ - ٤٩٣) -
[ ٣ / ٣٨٧ ]
بعد ذكره لحجج المجيزين للقراءة بالألحان وحجج المانعين من ذلك -: «وفصل النزاع، أن يقَالَ: التطريب والتغني على وجهين:
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خلي وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين، كما قَالَ أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ: "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا" والحزين ومن هاجه الطرب، والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف، وعابوها، وذموها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف، يعلم قطعًا أنَّهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة، التي هي
[ ٣ / ٣٨٨ ]
إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها، ويسوغوها، ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقَالَ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني: أنَّه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته ﷺ» اهـ.
وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [جامع المسائل لابن تيمية - جمع عزير شمس -] (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٥):
«وقد تنازع الناس في قراءة الألحان، منهم من كرهها مطلقا بل حرمها، ومنهم من رخص فيها، وأعدل الأقوال فيها أنها إن كانت موافقة لقراءة السلف كانت مشروعة، وإن كانت من البدع المذمومة نهي عنها. والسلف كانوا يحسنون القرآن بأصواتهم من غير أن يتكلفوا أوزان الغناء، مثل ما كان أبو موسى الأشعري يفعل، فقد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود". وقَالَ لأبي موسى الأشعري: "مررت بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلت أستمع لقراءتك"، فقَالَ: لو علمت أنك تسمع
[ ٣ / ٣٨٩ ]
لحبرته لك تحبيرًا. أي لحسنته لك تحسينًا. وكان عمر يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون لقراءته.
وقد قَالَ النبي ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم". وقَالَ: "لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته". وقَالَ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
وتفسيره عند الأكثرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما هو تحسين الصوت به. وقد فسره ابن عيينة ووكيع وأبو عبيد على الاستغناء به. فإذا حسن الرجل صوته بالقرآن كما كان السلف يفعلونه -مثل أبي موسى الأشعري وغيره- فهذا حسن.
وأمَّا ما أحدث بعدهم من تكفف القراءة على ألحان. الغناء فهذا ينهى عنه عند جمهور العلماء، لأنه بدعة، ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء، لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحن كما يصغى إلى الغناء، لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به. والله سبحانه أعلم» اهـ.
قلت: وقد جاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الترجيع في غير القرآن.
فروى البخاري (٤١٠٤) عَنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ، أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ، يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ
[ ٣ / ٣٩٠ ]
لَاقَيْنَا، إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا» وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: «أَبَيْنَا أَبَيْنَا».
وقد رواه مسلم (٤٦٤٦) من غير الترجيع في آخره.
٥ - فيه ما يدل على أنَّ صوت القارئ بالقرآن مخلوق وأمَّا القرآن فغير مخلوق فالصوت صوت القارئ والقرآن كلام الباري. ووجه الشاهد من الحديث إضافة الصوت إلى النبي ﷺ.
٦ - وفي تسمية العشاء بالعشاء الآخرة يدل على أنَّ المغرب هي العشاء الأولى.
وقد جاء النهي عن تسمية المغرب بالعشاء على سبيل الغلبة.
فروى البخاري (٥٦٣) عَنْ عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ قَالَ الأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ».
* * *
[ ٣ / ٣٩١ ]
٩٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ صَنَعَ ذَلِكَ؟». فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ﷿، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ».
قلت: الأظهر أنَّ هذا الرجل كان يختم قراءته في كل ركعة بسورة الإخلاص، وليس المراد أنَّه كان يختم آخر ركعة من صلاته بها.
وجاء ما يخالف ذلك فيما رواه البخاري (٧٧٤) فقال: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: "يَا فُلَانُ
[ ٣ / ٣٩٢ ]
مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّهَا فَقَالَ حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ"».
قلت: وقد وصله الترمذي (٢٩٠١) مِنْ طَرِيقِ البخاري، وقد اختلف في وصله وإرساله ورجح الدارقطني الإرسال.
وهذه قصة أخرى غير قصة صاحب السرية
وفي الحديث مسائل منها:
١ - جواز الجمع بين سورتين في صلاة الفريضة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٧١):
«وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ فأَنَّ النَّبِيَّ- ﷺ لم ينهه عن ذلك.
ويدل على أنَّه ليس هو الأفضل؛ لأنَّ أصحابه استنكروا فعله وإنَّما استنكروه لأنَّه مخالف لما عهدوه من عمل النبي وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قَالَ له النبي ﷺ: "ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ ".
فدل على أنَّ موافقتهم فيما أمروه به كان حسنًا، وإنَّما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
وأكثر العلماء على أنَّه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، وروي فعله عن عمر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعلقمة، وهو قول قتادة والنخعي ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان. وكرهه أصحاب أبي حنيفة» اهـ.
قلت: ويدل على هذا ما رواه البخاري (٧٧٥)، ومسلم (٨٢٢) عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ».
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٦١):
«ولا بأس بالجمع بين السور في صلاة النافلة؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء.
وقَالَ ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرن بينهن.
فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في ركعة. متفق عليه. وكان عثمان، ﵁، يختم القرآن في ركعة. وروي ذلك عن جماعة من التابعين.
وأمَّا الفريضة فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة، من غير زيادة عليها، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هكذا كان يصلي أكثر صلاته، وأمر معاذًا أن يقرأ في صلاته كذلك.
وإن جمع بين سورتين في ركعة، ففيه روايتان: إحداهما، يكره؛ لذلك.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
والثانية: لا يكره؛ لأنَّ حديث عبد الله بن مسعود مطلق في الصلاة، فيحتمل أنَّه أراد الفرض.
وقد روى الخلال، بإسناده عن ابن عمر، أنَّه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في ركعة» اهـ.
٢ - جواز تكرار سورة بعينها في جميع الركعات من أجل محبتها.
٣ - فيه فضل سورة الإخلاص وأنَّ من أحبها أحبه الله ﷿.
٤ - قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [إقامة الدليل على إبطال التحليل] (١/ ٣٧٦):
«وهذا يقتضي أنَّ ما كان صفة لله من الآيات فإنَّه يستحب قراءته، والله يحب ذلك، ويحب من يحب ذلك» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الكلام الذي فيه خبر عن الله داخل في مسمى الصفة.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٦/ ٣٤٠ - ٣٤١):
«وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ بقل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ - وَهُوَ إمَامٌ - فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ" فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَسْمِيَتِهَا صِفَةَ الرَّحْمَنِ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا آثَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يُخْبَرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ فَإِنَّ الْوَصْفَ هُوَ الْإِظْهَارُ وَالْبَيَانُ لِلْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ كَمَا يَقُولُ
[ ٣ / ٣٩٥ ]
الْفُقَهَاءُ ثَوْبٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ أَوْ لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ: "لَا تَنْعَتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا" وَالنَّعْتُ الْوَصْفُ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَالصِّفَةُ مَصْدَرُ وَصَفْت الشَّيْءَ أَصِفُهُ وَصْفًا وَصِفَةً مِثْلُ وَعَدَ وَعْدًا وَعِدَةً وَوَزَنَ وَزْنًا وَزِنَةً؛ وَهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ كَمَا يُسَمُّونَ الْمَخْلُوقَ خَلْقًا وَيَقُولُونَ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ فَإِذَا وُصِفَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا: سُمِّيَ الْمَعْنَى الَّذِي وُصِفَ بِهِ بِهَذَا الْكَلَامِ صِفَةً. فَيُقَالُ لِلرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ: صِفَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ.
ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ "الْمُعْتَزِلَةِ" وَنَحْوِهِمْ يَقُولُونَ: الْوَصْفُ وَالصِّفَةُ اسْمٌ لِلْكَلَامِ فَقَطْ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ مَعَانٍ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ " مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية " يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالصِّفَةِ فَيَقُولُونَ: الْوَصْفُ هُوَ الْقَوْلُ وَالصِّفَةُ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْمَوْصُوفِ؛ وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ تَارَةً وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ صَرَّحَا بِثُبُوتِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَغَيْرُهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ من أسباب محبة الله محبة صفاته.
قال العلامة ابن القيم ﵀ فس [مفتاح دار السعادة] (١/ ٧٧):
[ ٣ / ٣٩٦ ]
«فَدلَّ على أنَّ من أحب صِفَات الله أحبه الله وَأدْخلهُ الْجنَّة، والجهمية أشد النَّاس نفرة وتنفيرًا عَنْ صِفَاته ونعوت كَمَاله» اهـ.
٧ - وفيه السؤال قبل الإنكار إذا ظُن وجود عذر لمن وقع في شيء ظاهره الخطأ.
* * *
[ ٣ / ٣٩٧ ]
٩٩ - عَنْ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لمعاذ:
«فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وَ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - فيه استحباب تخفيف الإمام الصلاة بالمأمومين وقد مضى الكلام على هذه المسألة.
٢ - القراءة في صلاة العشاء بأوسط المفصل فإنَّ الصلاة التي كان يؤم بها معاذ هي صلاة العشاء.
٣ - أنَّ الحاجة الدنيوية عذر من الأعذار في تخفيف الصلاة.
٤ - أنَّ سياسة الناس بالرفق هي الأصل وتجوز الشدة في موطنها.
ويدل على هذا ما رواه البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣) عن أبي موسى الأشعري أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعثه ومعاذًا فقَالَ: «يَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا، وَلَا تَخْتَلِفَا».
وروى البخاري (٦٩٢٧)، ومسلم (٢٥٩٣) عن عائشة، ﵂، قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ
[ ٣ / ٣٩٨ ]
فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ" قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا، قَالَ: "قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ"».
وروى مسلم (٢٥٩٤) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».
* * *
[ ٣ / ٣٩٩ ]
١٠٠ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾».
وَفِي رِوَايَةٍ: «صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
وَلِمُسْلِمٍ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا».
الرواية الأولى عند البخاري (٧٤٣) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾».
والرواية الثانية عند مسلم (٣٩٩) لكن بلفظ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وفي الحديث مسائل منها:
[ ٣ / ٤٠٠ ]
١ - احتج به من لا يرى الاستفتاح والاستعاذة كما هو مذهب الإمام مالك ﵀.
قلت: ولا حجة في ذلك فإنَّ المراد باستفتاح الصلاة استفتاح القراءة.
فروى أحمد (١٢٠١٠، ١٢١٥٦، ١٢٩١٠)، وأبو داود (٧٨٢)، والترمذي (٢٤٦)، والترمذي (٨١٣)، وابن ماجه (٨١٣) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾».
قلت: وهو حديث صحيح.
٢ - واحتج به من لا يرى قراءة البسملة لا سرًا ولا جهرًا. وهو مذهب الإمام مالك ﵀.
قلت: ولا حجة في ذلك فإنَّ المراد بالنفي في هذا الحديث نفي الجهر بها دون الإسرار بها.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (١٢٨٦٨) ثنا وكيع ثنا شعبة عن قتادة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
قلت: هذا حديث صحيح.
[ ٣ / ٤٠١ ]
وروى النسائي (٩٠٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا».
قلت: هذا إسناد صحيح إن كان منصور سمع من أنس فقد قَالَ الحافظ العلائي ﵀ في [جامع التحصيل] ص (٢٨٧): «ووجدت بخط الحافظ الضياء قيل لم يسمع من أنس بن مالك شيئًا والله أعلم» اهـ.
٣ - واحتج به القائلون بالإسرار في قراءة البسملة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد من الأئمة الأربعة وذلك بناءً على أنَّ المراد بنفي القراءة نفي الجهر بها كما جاءت مصرحًا به في بعض الروايات كما مضى.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فذهب بعضهم إلى الجهر بها في حين الجهر بالقراءة والإسار بها حين الإسرار بالقراءة وهذا مذهب الإمام الشافعي من الأئمة الأربعة.
قلت: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في هذه المسألة مدون في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤١٠ - ٤٢١) قَالَ فيه ﵀:
«الحمد لله رب العالمين، أمَّا حديث أنس في نفي الجهر فهو صريح لا يحتمل هذا التأويل فإنَّه قد رواه مسلم في صحيحه فقَالَ فيه: "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا
[ ٣ / ٤٠٢ ]
يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" وهذا النفي لا يجوز إلَّا مع العلم بذلك لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع. واللفظ الآخر الذي في صحيح مسلم: "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يجهر- أو قَالَ-: يصلي بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " فهذا نفي فيه السماع ولو لم يرو إلَّا هذا اللفظ لم يجز تأويله بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأ جهرًا ولا يسمع أنس لوجوه:
أحدها: أنَّ أنسًا إنَّما روى هذا ليبين لهم ما كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يفعله إذ لا غرض للناس في معرفة كون أنس سمع أو لم يسمع إلا ليستدلوا بعدم سماعه على عدم المسموع فلو لم يكن ما ذكره دليلًا على نفي ذلك لم يكن أنس ليروي شيئًا لا فائدة لهم فيه ولا كانوا يروون مثل هذا الذي لا يفيدهم.
الثاني: أنَّ مثل هذا اللفظ صار دالًا في العرف على عدم ما لم يدرك فإذا قَالَ: ما سمعنا أو ما رأينا لما شأنه أن يسمعه ويراه كان مقصوده بذلك نفي وجوده وذكر نفي الإدراك دليل على ذلك. ومعلوم أنه دليل فيما جرت العادة بإدراكه. وهذا يظهر.
بالوجه الثالث: وهو أنَّ أنسًا كان يخدم النبي ﷺ حين قدم النبي ﷺ المدينة إلى أن مات وكان يدخل على نسائه قبل الحجاب ويصحبه حضرًا وسفرًا وكان حين حج النبي ﷺ تحت ناقته
[ ٣ / ٤٠٣ ]
يسيل عليه لعابها أفيمكن مع هذا القرب الخاص والصحبة الطويلة أن لا يسمع النبي ﷺ يجهر بها مع كونه يجهر بها هذا مما يعلم بالضرورة بطلانه في العادة. ثم إنَّه صحب أبا بكر وعمر وعثمان وتولى لأبي بكر وعمر ولايات ولا كان يمكن مع طول مدتهم أنهم كانوا يجهرون وهو لا يسمع ذلك فتبين أن هذا تحريف لا تأويل. لو لم يرو إلَّا هذا اللفظ فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها وهو يفضل هذه الرواية الأخرى. وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: "يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " أنَّه أراد السورة فإنَّ قوله: "يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها" صريح أنَّه في قصد الافتتاح بالآية لا بسورة الفاتحة التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه.
وأيضًا: فإن افتتاح الصلاة بالفاتحة قبل السورة هو من العلم الظاهر العام الذي يعرفه الخاص والعام كما يعلمون أنَّ الركوع قبل السجود وجميع الأئمة غير النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هذا ليس في نقل مثل هذا فائدة ولا هذا مما يحتاج فيه إلى نقل أنس وهم قد سألوه عن ذلك وليس هذا مما يسأل عنه وجميع الأئمة من أمراء الأمصار والجيوش وخلفاء بني أمية وبني الزبير وغيرهم ممن أدركه أنس كانوا يفتتحون بالفاتحة ولم يشتبه هذا على أحد ولا شك؛
[ ٣ / ٤٠٤ ]
فكيف يظن أنَّ أنسًا قصد تعريفهم بهذا وأنَّهم سألوه عنه. وإنَّما مثل ذلك مثل أن يقَالَ: فكانوا يصلون الظهر أربعًا والعصر أربعًا والمغرب ثلاثًا أو يقول: فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر ويخافتون في صلاتي الظهرين أو يقول: فكانوا يجهرون في الأوليين دون الأخيرتين. ومثل حديث أنس حديث عائشة الذي في الصحيح أيضًا:
"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "إلى آخره وقد روى: "يفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ". وهذا صريح في إرادة الآية؛ لكن مع هذا ليس في حديث أنس نفي لقراءتها سرًا؛ لأنَّه روى "فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " وهذا إنَّما نفى هنا الجهر. وأمَّا اللفظ الآخر: "لا يذكرون" فهو إنَّما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه وذلك موجود في الجهر فإنَّه إذا لم يسمع مع القرب علم أنَّهم لم يجهروا. وأمَّا كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلَّا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة يمكن فيها القراءة سرًا؛ ولهذا استدل بحديث أنس على عدم القراءة من لم ير هناك سكوتًا كمالك وغيره؛ لكن قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قَالَ: يا رسول الله: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قَالَ: أقول: كذا وكذا إلى آخره.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وفي السنن من حديث عمران وأبي وغيرهما: أنه كان يسكت قبل القراءة. وفيها أنَّه كان يستعيذ وإذا كان له سكوت لم يمكن أنسًا أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت فيكون نفيه للذكر وإخباره بافتتاح القراءة بها إنَّما هو في الجهر وكما أنَّ الإمساك عن الجهر مع الذكر سرًا يسمى سكوتًا كما في حديث أبي هريرة فيصلح أن يقَالَ: لم يقرأها ولم يذكرها؛ أي جهرًا؛ فإنَّ لفظ السكوت ولفظ نفي الذكر والقراءة: مدلولهما هنا واحد ويؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل. الذي في السنن: أنَّه سمع ابنه يجهر بها فأنكر عليه وقَالَ: "يا بني إياك والحدث" وذكر أنَّه صلى خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يجهرون بها. فهذا مطابق لحديث أنس وحديث عائشة اللذين في الصحيح.
وأيضًا فمن المعلوم أنَّ الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فلو كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة لم يكن في العادة ولا في الشرع ترك نقل ذلك بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه. ويمثل هذا بكذب دعوى الرافضة في النص على علي في الخلافة وأمثال ذلك.
وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنَّه ليس في الجهر بها حديث صريح ولم يرو أهل السنن المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئًا من ذلك وإنَّما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير. أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره بل
[ ٣ / ٤٠٦ ]
يحتجون بمثل حديث الحميراء وأعجب من ذلك أنَّ من أفاضل الفقهاء من لم يعز في كتابه حديثًا إلى البخاري إلَّا حديثًا في البسملة وذلك الحديث ليس في البخاري ومن هذا مبلغ علمه في الحديث كيف يكون حالهم في هذا الباب أو يرويها من جمع هذا الباب: كالدارقطني والخطيب وغيرهما فإنَّهم جمعوا ما روي وإذا سئلوا عن صحتها قَالَوا: بموجب علمهم. كما قَالَ الدارقطني لما دخل مصر. وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها فجمعها قيل له: هل فيها شيء صحيح؟ فقَالَ: أما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فلا وأمَّا عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديثين حديث معاوية لما صلى بالمدينة وقد رواه الشافعي ﵁ قَالَ: حدثنا عبد المجيد عن ابن جريج قَالَ أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره. أن أنس بن مالك قَالَ: صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بأم القرآن فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجدًا.
وقَالَ الشافعي أنبأنا إبراهيم بن محمد قَالَ: حدثني ابن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أنَّ معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
[ ٣ / ٤٠٧ ]
الرَّحِيمِ﴾ ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أي معاوية؟ سرقت الصلاة؟ وذكره. وقَالَ الشافعي أنبأنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده عن معاوية والمهاجرين والأنصار بمثله أو مثل معناه لا يخالفه وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول وهو في كتاب إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده عن معاوية. وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به وليس بحجة كما يأتي بيانه. فإذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح فضلا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها كما يمتنع أن يكون كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل. فإن قيل: هذا معارض بترك الجهر بها فإنه مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله ثم هو مع ذلك ليس منقولا بالتواتر بل قد تنازع فيه العلماء كما أن ترك الجهر بتقدير ثبوته كان يداوم عليه ثم لم ينقل نقلًا قاطعًا بل وقع فيه النزاع.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة ويجب نقله شرعًا: هو الأمور الوجودية فأما الأمور العدمية فلا خبر لها ولا ينقل منها إلا ما ظن وجوده أو احتيج إلى معرفته فينقل للحاجة؛ ولهذا قَالَوا لو نقل ناقل افتراض صلاة سادسة أو زيادة على صوم رمضان أو حجا غير حج البيت أو زيادة في القرآن أو
[ ٣ / ٤٠٨ ]
زيادة في ركعات الصلاة أو فرائض الزكاة ونحو ذلك لقطعنا بكذبه فإن هذا لو كان لوجب نقله نقلًا قاطعًا عادة وشرعًا وإن عدم النقل يدل على أنه لم ينقل نقلًا قاطعًا عادة وشرعًا؛ بل يستدل بعدم نقله مع توافر الهمم والدواعي في العادة والشرع على نقله أنه لم يكن. وقد مثل الناس ذلك بما لو نقل ناقل: أنَّ الخطيب يوم الجمعة سقط من المنبر ولم يصل الجمعة أو أن قومًا اقتتلوا في المسجد بالسيوف فإنه إذا نقل هذا الواحد والاثنان والثلاثة دون بقية الناس علمنا كذبهم في ذلك؛ لأن هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله في العادة؛ وإن كانوا لا ينقلون عدم الاقتتال ولا غيره من الأمور العدمية. يوضح ذلك أنهم لم ينقلوا الجهر بالاستفتاح والاستعاذة واستدلت الأمة على عدم جهره بذلك وإن كان لم ينقل نقلًا عامًا عدم الجهر بذلك فبالطريق الذي يعلم عدم جهره بذلك يعلم عدم جهره بالبسملة وبهذا يحصل الجواب عما يورده بعض المتكلمين على هذا الأصل وهو كون الأمور التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها يمتنع ترك نقلها فإنهم عارضوا أحاديث الجهر والقنوت والأذان والإقامة فأما الأذان والإقامة فقد نقل فعل هذا وهذا وأما القنوت فإنه قنت تارة وترك تارة وأما الجهر فإن الخبر عنه أمر وجودي ولم ينقل فيدخل في القاعدة.
الوجه الثاني: أن الأمور العدمية لما احتيج إلى نقلها نقلت فلما انقرض عصر الخلفاء الراشدين وصار بعض الأئمة يجهر بها كابن الزبير ونحوه سأل بعض
[ ٣ / ٤٠٩ ]
الناس بقايا الصحابة كأنس فروى لهم أنس ترك الجهر بها وأما مع وجود الخلفاء فكانت السنة ظاهرة مشهورة ولم يكن في الخلفاء من يجهر بها فلم يحتج إلى السؤال عن الأمور العدمية حتى ينقل.
الثالث: أن نفي الجهر قد نقل نقلًا صحيحًا صريحًا في حديث أبي هريرة والجهر بها لم ينقل نقلًا صحيحًا صريحًا مع أن العادة والشرع يقتضي أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية. وهذه الوجوه من تدبرها وكان عالمًا بالأدلة القطعية قطع بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بها بل ومن لم يتدرب في معرفة الأدلة القطعية من غيرها يقول أيضًا: إذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح صريح فكيف يمكن بعد هذا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها ولم تنقل الأمة هذه السنة بل أهملوها وضيعوها؟ وهل هذه إلا بمثابة أن ينقل ناقل: أنه كان يجهر بالاستفتاح والاستعاذة كما كان فيهم من يجهر بالبسملة ومع هذا فنحن نعلم بالاضطرار أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بالاستفتاح والاستعاذة كما كان يجهر بالفاتحة كذلك نعلم بالاضطرار أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يجهر بالبسملة كما كان يجهر بالفاتحة ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحيانًا أو أنه كان يجهر بها قديمًا ثم ترك ذلك كما روى أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير ورواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها بمكة فكان المشركون إذا سمعوها سبوا الرحمن فترك الجهر فما جهر بها حتى مات" فهذا محتمل.
[ ٣ / ٤١٠ ]
وأما الجهر العارض، فمثل ما في الصحيح أنه كان يجهر بالآية أحيانًا ومثل جهر بعض الصحابة خلفه بقوله: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" ومثل جهر عمر بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" ومثل جهر ابن عمر وهريرة بالاستعاذة ومثل جهر ابن عباس بالقراءة على الجنازة ليعلموا أنها سنة. ويمكن أن يقَالَ جهر من جهر بها من الصحابة كان على هذا الوجه ليعرفوا أن قراءتها سنة؛ لا لأن الجهر بها سنة. ومن تدبر عامة الآثار الثابتة في هذا الباب علم أنها آية من كتاب الله وأنهم قرءوها لبيان ذلك لا لبيان كونها من الفاتحة وأن الجهر بها سنة مثل ما ذكر ابن وهب في "جامعه" قَالَ أخبرني رجال من أهل العلم عن ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن أسلم؛ وابن شهاب: مثله بغير هذا الحديث عن ابن عمر أنه كان يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ ابن شهاب: يريد بذلك أنها آية من القرآن فإن الله أنزلها قَالَ: وكان أهل الفقه يفعلون ذلك فيما مضى من الزمان وحديث ابن عمر معروف من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا صلى جهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فإذا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذا الذي ذكره ابن شهاب الزهري هو أعلم أهل زمانه بالسنة بين حقيقة الحال. فإنَّ العمدة في الآثار في قراءتها إنَّما هي عن
[ ٣ / ٤١١ ]
ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر. وقد عرف حقيقة حال أبي هريرة في ذلك وكذلك غيره ﵃ أجمعين.» اهـ.
قلت: واحتج القائلون بالجهر بحجج منها:
الحجة الأولى: - وهي أقوى حجة لهم - ما رواه النسائي (٩٠٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقَالَ: «آمِينَ». فَقَالَ النَّاسُ: آمِينَ وَيَقُولُ: كُلَّمَا سَجَدَ «اللَّهِ أَكْبَرُ»، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ قَالَ: «اللَّهِ أَكْبَرُ»، وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهُ ﷺ».
قلت: قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكره لحديث أبي هريرة:
«قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». - كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٢٣ - ٤٢٥):
«فحديث أبي هريرة دليل على أنَّها ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة المقسومة وهو على نفي القراءة مطلقًا أظهر من دلالة حديث نعيم المجمر على الجهر؛ فإنَّ في حديث نعيم المجمر أنَّه قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ أم القرآن وهذا دليل على أنَّها ليست من القرآن عندهم وحديث أبي هريرة الذي في
[ ٣ / ٤١٢ ]
مسلم يصدق ذلك فإنَّه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج؛ فهي خداج" فقَالَ له رجل: يا أبا هريرة أنا أحيانًا أكون وراء الإمام فقَالَ: اقرأ بها في نفسك يا فارسي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قَالَ الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" الحديث. وهذا صريح في أنَّ أم القرآن التي يجب قراءتها في الصلاة عند أبي هريرة القراءة المقسومة التي ذكرها مع دلالة قول النبي ﷺ على ذلك؛ وذلك ينفي وجوب قراءتها عند أبي هريرة فيكون أبو هريرة وإن كان قرأ بها؛ قرأ بها استحبابًا لا وجوبًا. والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة قول لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة؛ وغيرهم من الأئمة المشهورين؛ ولا أعلم به قائلًا؛ لكن هي من الفاتحة وإيجاب قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل الحديث؛ وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ وإذا كان أبو هريرة إنَّما قرأها استحبابًا لا وجوبًا؛ وعلى هذا القول لا تشرع المداومة على الجهر بها؛ كان جهره بها أولى أن يثبت دليلًا على أنَّه ليعرفهم استحباب قراءتها؛ وأنَّ قراءتها مشروعة؛ كما جهر عمر بالاستفتاح: وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة؛ ونحو ذلك؛ ويكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنَّها تقرأ في الجملة؛ وإن لم يجهر بها وحينئذ فلا يكون هذا مخالفًا لحديث أنس الذي في الصحيح؛ وحديث عائشة الذي في
[ ٣ / ٤١٣ ]
الصحيح؛ وغير ذلك. هذا إن كان الحديث دالًا على أنَّه جهر بها؛ فإنَّ لفظه ليس صريحًا بذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّه قَالَ قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ أم القرآن ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سرًا ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه؛ فإن قراءة السر إذا قويت يسمعها من يلي القارئ ويمكن أنَّ أبا هريرة أخبره بقراءتها وقد أخبر أبو قتادة بأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب وهي قراءة سر كيف وقد بين في الحديث أنَّها ليست من الفاتحة فأراد بذلك وجوب قراءتها فضلًا عن كون الجهر بها سنة فإنَّ النزاع في الثاني أضعف.
الثاني: أنَّه لم يخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قرأها قبل أم الكتاب وإنَّما قَالَ في آخر الصلاة: إنِّي لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ. وفي الحديث أنَّه أمن وكبر في الخفض والرفع وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة فيكون أشبههم برسول الله ﷺ من هذه الوجوه التي فيها ما فعله رسول الله ﷺ وتركوه هم ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة رسول الله ﷺ أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه. ولعل قراءتها مع الجهر أمثل من ترك قراءتها بالكلية عند أبي هريرة؛ وكان أولئك لا
[ ٣ / ٤١٤ ]
يقرءونها أصلًا؛ فيكون قراءتها مع الجهر أشبه عنده بصلاة رسول الله ﷺ وإن كان غيره ينازع في ذلك» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨):
«وسعيد وخالد، وإن كانا ثقتين، لكن قَالَ أبو عثمان البرذعي في "علله عن أبي زرعة الرازي"، أنَّه قَالَ فيهما: ربما وقع في قلبي من حسن حديثهما.
قَالَ: وقَالَ أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل، عن ابن أبي فروة وابن سمعان. يعني: مدلسة عنهما.
ثم هذا الحديث ليس بصريح في الجهر، إنَّما فيه أنَّه قرأ البسملة، وهذا يصدق بقراءتها سرًا. وقد خرجه النسائي في "باب: ترك الجهر بالبسملة".
وعلى تقدير أن يكون جهر بها، فيحتمل أن يكون جهر بها ليعلم الناس استحباب قراءتها في الصلاة، كما جهر عمر بالتعوذ لذلك» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀:
«وأيضًا؛ فليس في الحديث تصريح بأنَّ جميع ما فعله أبو هريرة في هذه الصلاة نقله صريحًا عَنِ النَّبِيِّ، وإنَّما فيه أنَّ صلاته أشبه بصلاة النبي من غيره» اهـ.
وقَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (١/ ٣٣٥ - ٣٤١):
«ملخص ما ذكره ابن عبد الهادي في الجهر بالبسملة مستدركًا على الخطيب، قَالَ: وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف جماعة: منهم ابن خزيمة. وابن حبان.
[ ٣ / ٤١٥ ]
والدارقطني. والبيهقي. وابن عبد البر. وآخرون، وللقائلين بالجهر أحاديث: أجودها حديث نعيم المجمر، قَالَ: "صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: آمين، وفي آخره، فلما سلم، قَالَ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ". رواه النسائي في "سننه"، فقَالَ: باب الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم ثنا شعيب ثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر، فذكره، ورواه ابن خزيمة في صحيحه. وابن حبان في صحيحه. والحاكم في مستدركه وقَالَ: إنَّه على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والدارقطني في سننه، وقَالَ: حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات. والبيهقي في سننه، وقَالَ: إسناده صحيح، وله شواهد، وقَالَ في "الخلافيات": رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، محتج بهم في الصحيح، انتهى.
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنَّه حديث معلول، فإنَّ ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنَّه حدث عن أبي هريرة أنَّه ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، وقد أعرض عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة صاحبا الصحيح،
[ ٣ / ٤١٦ ]
فرواه البخاري من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا لك الحمد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، وذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إنِّي لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا"، ورواه مسلم بنحو ذلك هذا هو الصحيح الثابت عن أبي هريرة، قَالَ ابن عبد البر: وكأنَّه كان ينكر على من ترك التكبير في رفعه وخفضه، قَالَ: ويدل على أنَّهم كانوا يفعلون ذلك، ما رواه النسائي مِنْ طَرِيقِ ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة أنه قَالَ: "ثلاث كان يفعلهن رسول الله ﷺ تركهن الناس، كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا، وكان يقف قبل القراءة هنيهة، وكان يكبر في كل خفض ورفع"، ورواه ابن أبي ذئب في موطئه كذلك باللفظ المذكور، ورواه البخاري في "القراءة خلف الإمام"، وأبو داود الطيالسي في مسنده، وهذا حديث حسن، ورواته ثقات، وسعيد بن سمعان الأنصاري صدوق، وثقه النسائي. وابن حبان، ولا التفات إلى قول أبي الفتح الأزدي فيه: ضعيف، فإنَّ الأزدي متكلم فيه، والنسائي أعلم منه، وليس للتسمية
[ ٣ / ٤١٧ ]
في هذا الحديث. ولا في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة ذكر، وهذا مما يغلب على الظن أنَّه وهم على أبي هريرة فإن قيل: قد رواها نعيم المجمر، وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، قلنا: ليس ذلك مجمعًا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنَّها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: "من المسلمين" في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكما عامًا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها، كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها، كزيادة سعد بن طارق في حديث: "جعلت الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا"، وكزيادة سليمان التيمي في حديث أبي موسى: "وإذا قرأ فأنصتوا"، وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة، كزيادة معمر، ومن وافقه، قوله: "وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، وكزيادة عبد الله بن زياد - ذكر البسملة - في حديث "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، وإن كان معمر ثقة. وعبد الله بن زياد ضعيفًا، فإنَّ الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطأها، كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاري في صحيحه، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقَالَ: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقَالَ فيه: ولم يصل عليه، فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق
[ ٣ / ٤١٨ ]
وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب أنه قَالَ: ولم يصل عليه، وفي موضع يتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة، وزياد نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها، فلا حجة فيها لمن قَالَ بالجهر، لأنه قَالَ: فقرأ، أو فقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وذلك أعم من قراءتها سرًا أو جهرًا، وإنَّما هو حجة على من لا يرى قراءتها، فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة لم يعبر عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة الفاتحة والبسملة تناولًا واحدًا، ولقَالَ: فأسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة، والصلاة كانت جهرية بدليل تأمينه، وتأمين المأمومين، قلنا: ليس للجهر فيه تصريح ولا ظاهر يوجب الحجة، ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنَّها ليست من أم القرآن، فإنَّه قَالَ: فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ أم القرآن، والعطف يقتضي المغايرة.
الوجه الثاني: أنَّ قوله: فقرأ، أو قَالَ، ليس بصريح أنَّه سمع منه، إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيمًا بأنَّه قرأها سرًا، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتة لقربه منه، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح، وألفاظ الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده، فلمسلم في "صحيحه" عن علي بن أبي طالب أنه ﵇ كان يقول إذا قام في الصلاة: "وجهت وجهي"، إلى آخرها، وإذا ركع قَالَ: "اللهم لك
[ ٣ / ٤١٩ ]
ركعت وبك آمنت ولك أسلمت"، ويقول في سجوده نحو ذلك، وإذا تشهد، قَالَ: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت"، إلى آخره، ولم يكن سماع الصحابة ذلك منه دليلًا على الجهر، وكان يسمعنا الآية أحيانًا، وأيضًا فلو ساغ التمسك على الجهر بمجرد قوله: فقرأ، لساغ لمن لا يرى قراءتها بالكلية، الاعتماد على ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قَالَ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت، قَالَ الطحاوي: في هذا الحديث دليل على أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست من فاتحة الكتاب، ولو كانت من فاتحة الكتاب لقرأها في الثانية كما قرأ فاتحة الكتاب، والذي استحبوا الجهر بها في الركعة الأولى، لأنَّها عندهم من فاتحة الكتاب، استحبوا ذلك أيضًا في الثانية، فلما انتفى بهذا أن يكون قرأها في الثانية انتفى أن يكون قرأها في الأولى، وعارض هذا حديث نعيم المجمر، بل هو أولى لاستقامة طريقه، وفضل صحته على حديث نعيم، فإن قيل: إنَّما أراد أبو هريرة الاستفتاح بالسورة لا الآية، قلنا: هذا فيه صرف اللفظ عن حقيقته وظاهره، وذلك لا يسوغ إلَّا لموجب، وأيضًا فلو أراد اسم السورة لقَالَ: بفاتحة الكتاب. أو بسورة الحمد، أو بأم القرآن، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم، كما في البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا: "أم القرآن هي السبع المثاني"، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وفي
[ ٣ / ٤٢٠ ]
رواية: بفاتحة الكتاب، وأما تسميتها بجملة الحمد لله رب العالمين. فلا يعرف ذلك عندهم، فدل على أنَّه أراد استفتاحه بهذه الآية دون البسملة، وهذا الحديث إسناده أصرح دلالة من حديث نعيم، والله أعلم.
الوجه الثالث: أنَّ قوله: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ"، إنَّما أراد به أصل الصلاة ومقاديرها وهيئتها، وتشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك متحقق في التكبير وغيره، دون البسملة، فإنَّ التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان مقصوده الرد على من تركه، وأمَّا التسمية، ففي صحتها عنه نظر، فلينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه عن كل وجه ما في الصحيحين، عن ثابت عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "إني لا آلو أن أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ، قَالَ: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: فد نسي، وإذا رفع من السجود مكث حتى يقول القائل: قد نسي"، فهذا أنس قد أخبر بشبه صلاته بصلاة النبي ﷺ، فكان يطيل ركعتي الاعتدال والفصل إلى غاية يظن به النسيان، ومع ذلك، فالشافعية يكرهون إطالتهما، وعندهم وجهان في بطلان الصلاة بها، فهلا كان حديث أنس هذا دليلًا على وجوب إطالتهما مع
[ ٣ / ٤٢١ ]
صحته وموافقته للأحاديث الصحيحة، كما كان حديث أبي هريرة دليلًا على وجوب قراءة البسملة والجهر بها، مع علة مخالفته للأحاديث الصحيحة.
وأيضًا، فيلزمهم أن يقولوا بالجهر بالتعوذ، لأنَّ الشافعي روى: أخبرنا ابن محمد الأسلمي عن ربيعة بن عثمان عن صالح بن أبي صالح، أنه سمع أبا هريرة، وهو يؤم الناس رافعًا صوته في المكتوبة إذا فرغ من أم القرآن: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، فهلا أخذوا بهذا، كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في الصحيح عنه، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير، وكيف يظن بأبي هريرة أنَّه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة، وهو الراوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "يقول الله تعالى: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قَالَ العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قَالَ الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ الله تعالى: أثنى على عبدي. وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قَالَ: مجدني عبدي - وقَالَ مرة فوض إلى عبدي - فإذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"، انتهى. أخرجه مسلم في صحيحه عن سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة،
[ ٣ / ٤٢٢ ]
فذكره، وعن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب عن أبي هريرة، وعن ابن جريج عن العلاء بن عبد الرحمن به، وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلَّا لابتدأ بها، لأنَّ هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، حتى إنَّه لم يخل منهما بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمس ليرتفع الإشكال، قَالَ ابن عبد البر: حديث العلاء هذا قاطع تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثًا في سقوط البسملة أبيَّن منه، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين:
أحدهما: قَالَ: لا يعبأ بكون هذا الحديث في مسلم، فإنَّ العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين، فقَالَ: الناس يتقون حديثه، ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث، ليس بذاك، هو ضعيف، روي عنه جميع هذه الألفاظ، وقَالَ ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث، فلا يحتج به.
الثاني: قَالَ: وعلى تقدير صحته، فقد جاء إلى بعض الروايات عنه ذكر التسمية، كما أخرجه الدارقطني عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، قَالَ: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج غير تام"، فقلت: يا أبا هريرة، إنِّي ربما كنت مع الإمام، قَالَ: فغمز ذراعي، فقَالَ: اقرأ بها في نفسك، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: قَالَ الله: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها
[ ٣ / ٤٢٣ ]
لي. ونصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيذكرني عبدي، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فأقول: حمدني عبدي" إلى آخره، وهذه الرواية، وإن كان فيها ضعف، ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنَّه أراد السورة لا الآية، وهذا القائل حمله الجهل، وفرط التعصب على أن ترك الحديث الصحيح وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه، وقَالَ: لا يعبأ بكونه في مسلم، مع أنَّه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات، كمالك. وسفيان بن عيينة. وابن جريج. وشعبة. وعبد العزيز الدراوردي. وإسماعيل بن جعفر. ومحمد بن إسحاق. والوليد بن كثير. وغيرهم. والعلاء نفسه ثقة صدوق، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه، وهذه الرواية انفرد بها عنه ابن سمعان، وهو كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا في المصنفات المشهورة. ولا المسانيد المعروفة، وإنَّما رواه الدارقطني في سننه التي يروي فيها غرائب الحديث، وقَالَ عقيبه: وعبد الله بن زياد بن سمعان متروك الحديث، وذكره في علله وأطال فيه الكلام، وملخصه: أنَّه رواه عن العلاء جماعة أثبات يزيدون على العشرة، ولم يذكر أحد منهم فيه البسملة، وزادها ابن سمعان، وهو ضعيف الحديث، وحسبك بالأول قد أودعه مسلم في صحيحه، والاختلاف الذي فيه ليس بعلة، فإنَّ بعضهم يقول: عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، ومنهم من يقول: عن العلاء عن أبي السائب عن أبي هريرة، فإنَّ العلاء سمعه من أبيه، ومن أبي السائب، ولهذا
[ ٣ / ٤٢٤ ]
يجمعهما تارة، ويفرد أباه تارة، ويفرد أبا السائب تارة، وكل ذلك عند مسلم، وزيادة البسملة في حديث العلاء باطلة قطعًا، زادها ابن سمعان خطأ أو عمدًا، فإنَّه متهم بالكذب، مجمع على ضعفه، قَالَ عمر بن عبد الواحد: سألت مالكًا عنه، فقَالَ: كان كذابًا، وقَالَ يحيى بن بكير: قَالَ هشام بن عروة فيه: لقد كذب عليَّ، وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها، وعن أحمد بن حنبل: متروك الحديث، وسئل يحيى بن معين عنه، فقَالَ: كان كذابًا، وقيل لابن إسحاق: إنَّ ابن سمعان يقول: سمعت مجاهدًا، فقَالَ: لا إله إلا الله، أنا والله أكبر منه ما رأيت مجاهدًا، ولا سمعت منه، وقَالَ ابن حبان: كان يروي عمن لم يره، ويحدث بما لم يسمع، وقَالَ أبو داود: متروك الحديث، كان من الكذابين، وقَالَ النسائي: متروك، وقَالَ البخاري: سكتوا عنه، وقَالَ أبو زرعة: لا شيء، انتهى.
وأيضًا، فلا ريب أنَّ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من أئمة الصحابة كانوا أعلم بصلاة رسول الله ﷺ، وأشد تحريًا لها من أبي هريرة، وقد كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم من أئمة أصحابه لا يرون الجهر بالبسملة في الصلاة، قَالَ الترمذي: في جامعه بعد ذكره ترك الجهر: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة: منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وكيف يعلل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني؟! وهلا جعلوا
[ ٣ / ٤٢٥ ]
الحديث الصحيح علة للضعيف، ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات الأثبات لنعيم موجبًا لرده؟، إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح، كما فعلنا نحن» اهـ.
وقَالَ العلامة بدر الدين العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (٣/ ٤٠٧ - ٤١٠):
«والجواب عنه من وجوه:
الأول: أنَّه معلول، فإنَّ ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمع من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب، وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنَّه حدث عن أبي هريرة، أنَّه- ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، ألا ترى كيف أعرض صاحبا الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة: " كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها " الحديث؟
فإن قيل: قد رواها نعيم المجمر وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. قلنا: ليس ذلك مجمعًا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمنهم من يقبلها مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة، حافظًا، ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: "من المسلمين" في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، ومن حكم في ذلك حكما عاما فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن
[ ٣ / ٤٢٦ ]
صحتها كزيادة سعد بن طارق في حديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا". وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة كزيادة معمر ومن وافقه قوله: "وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، وإن كان معمر ثقة، وعبد الله بن زياد ضعيف، فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز: "الصلاة عليه"، رواه البخاري في "صحيحه"، وسئل هل رواها غير معمر؟ فقَالَ: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقَالَ فيه: "ولم يصل علي" فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو: عبد الرزاق، وقد اختلف علي أيضًا، والصواب أنَّه قَالَ: "ولم يصل عليه".
وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها لمن قَالَ بالجهر، لأنَّه قَالَ: "فقرأ" أو" فقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وذلك أعم من قراءتها سرًا أو جهرًا، وإنَّما هو حجة على من لا يرى قراءتها.
فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة لم يعبر عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة للفاتحة والبسملة تناولًا واحدًا، ولقَالَ: "فأسر بالبسملة، ثم جهر بالفاتحة"، والصلاة كانت جهرية بدليل تأمينه، وتأمين المأمومين.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
قلنا: ليس الجهر فيه بصريح ولا ظاهر يوجب الحجة، ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست من أم القرآن، فإنه قَالَ: "فقرأ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ أم القرآن"، والعطف يقتضي المغايرة.
الوجه الثاني: أن قوله: "فقرأ" أو "قَالَ" ليس بصريح أنَّه سمعها منه إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيمًا بأنَّه قرأها سرًا، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذكر في: قيامه، وقعوده، وركوعه، وسجوده، ولم يكن ذلك منه دليلًا على الجهر.
الوجه الثالث: أنَّ التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة، فإنَّ التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان مقصوده الرد على من تركه، وأمَّا التسمية ففي صحتها عنه نظر فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ، لأنَّ الشافعي روى: أخبرنا ابن محمد الأسلمي، عن ربيعة بن عثمان، عن صالح بن أبي صالح، أنَّه سمع أبا هريرة: "وهو يؤم الناس، رافعًا صوته في المكتوبة، إذا فرخ من أم القرآن: ربنا إنَّا نعوذ بك من الشيطان الرجيم".
[ ٣ / ٤٢٨ ]
فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في "الصحيحين" عنه "فما أسمعنا- ﵇ أسمعناكم وما أخفانا أخفيناكم".
وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عَنِ النَّبِيِّ- ﵇ قَالَ: يقول الله تعالى: " قَالَ الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قَالَ العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قَالَ الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ الله تعالى: أثنى على عبدي. وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قَالَ: مجدني عبدي - وقَالَ مرة فوض إلى عبدي - فإذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" أخرجه مسلم في "صحيحه"، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وعن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة، وعن ابن جريج، عن العلاء بن عبد الرحمن به، وهذا الحديث ظاهر في أنَّ البسملة ليست من الفاتحة وإلَّا لابتدأ بها، لأنَّ هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، حتى إنَّه لم يخل منها بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمَس ليرتفع الإشكال.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
قَالَ ابن عبد البر: حديث العلاء هذا قاطعُ تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثًا في سقوط البسملة أبين منه» اهـ.
قلت: وبهذا يتبين عدم صحة حديث أبي هريرة وعلى فرض صحته فليس بصريح على جهر النبي ﷺ بالبسملة كما سبق بيانه.
الحجة الثانية: ما رواه البخاري (٥٠٤٦) عن قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: «كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ يَمُدُّ بـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ وَيَمُدُّ بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾».
قالوا: وهذا يعم القراءة في الصلاة وفي خارج الصلاة.
قلت: وقد أجاب على ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ فقَالَ في [فتح الباري] (٤/ ٣٥٨ - ٣٦٠):
«وفي الجملة؛ فتفرد عمرو بن عاصم عن همام بذكر البسملة في هذا الحديث.
وعلى تقدير أن تكون محفوظة، فليس في الحديث التصريح بقراءته في الصلاة، فقد يكون وصف قراءته في غير الصلاة، ويحتمل - وهو أشبه -: أن يكون أنس أو قتادة قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على هذا الوجه، وأراد تمثيل قراءته بالمد، ولم يرد به حكاية عين قراءته للبسملة.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
ويشهد بهذا: ما خرجه أبو داود من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، ذكرت قراءة رسول الله " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ () الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ () الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ () مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقطع قراءته آية آية".
وخرجه الترمذي ولم يذكر في أوله البسملة، وزاد: وكان يقرأها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وقراءة هذه الآيات على هذا الوجه إنَّما هو من حكاية ابن جريج لحديث أم سلمة، وقولها: كَانَّ النَّبِيُّ يقطع قراءته آية آية، كذلك قَالَه النسائي وأبو داود السجستاني، حكاه عنهما أبو بكر بن أبي داود في كتابه "المصاحف".
وكذا قَالَ الإمام أحمد في رواية ابن القاسم، وقَالَوا: ابن جريج هو الذي قرأ
﴿مَالِكِ﴾، وليس ذلك في حديث أم سلمة. يدل على صحة هذا: ما خرجه الإمام أحمد مِنْ طَرِيقِ نافع، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي قَالَ نافع: أراها حفصة -، "أنها سئلت عن قراءة النبي؟ فقَالَت: إنكم لا تستطيعونها، فقيل: أخبرينا بها، فقرأت قراءة ترسلت فيها. قَالَ نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم قطع ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم قطع ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ".
ففي هذه الرواية: تصريح ابن جريج بأنَّ هذه القراءة إنَّما هي حكاية ما قرأ لهم ابن أبي مليكة.
[ ٣ / ٤٣١ ]
وفي لفظ الحديث اختلاف في ذكر البسملة وإسقاطها. وفي إسناده - أيضًا - اختلاف؛ فقد أدخل الليث بن سعد في روايته عن ابن أبي مليكة بينه وبين أم سليمة: يعلى بن مملك، وصحح روايته الترمذي وغيره. وقَالَ النسائي في يعلى هذا: ليس بمشهور. وقَالَ بعضهم: عن يعلى، عن عائشة.
وقد ذكر الاختلاف فيه الدارقطني في " علله"، وذكر أن عمر بن هارون زاد فيه: عن ابن جريج، وعد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. آية. وعمر بن هارون، لا يلتفت إلى تفرد به. وقد يكون ابن جريج عدها آية - أو ابن أبي مليكة.
ومن زعم: أنَّه صحيح؛ لتخريج ابن خزيمة له، فقد وهم.
ومن زعم من متقدمي الفقهاء أن حفص بن غياث رواه عن ابن جريج كذلك وأنَّه أخبره به عنه غير واحد، فقد وهم، ورواه بالمعنى الذي فهمه هو، وهو وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الذي يفهمونه، فيغيرون معنى الحديث.
وحديث حفص مشهور، مخرج في المسانيد والسنن باللفظ المشهور» اهـ.
الحجة الثالثة: ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٦١٨)، ومِنْ طَرِيقِه رواه الدارقطني (١١٨٧)، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ لِلنَّاسِ الْعَتَمَةَ، فَلَمْ يَقْرَأْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَلَمْ يُكَبِّرْ بَعْضَ هَذَا التَّكْبِيرِ الَّذِي يُكَبِّرُ النَّاسُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
[ ٣ / ٤٣٢ ]
وَالْأَنْصَارِ فَقَالُوا: " يَا مُعَاوِيَةُ، أَسَرَقْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ؟ أَيْنَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ وَاللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى تَهْوِيَ سَاجِدًا؟ فَلَمْ يَعُدْ مُعَاوِيَةُ لِذَلِكَ بَعْدُ».
ورواه الدارقطني (١١٨٨) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ به.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٢٢٣٩) وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أنبأ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنبأ الشَّافِعِيُّ، أنبأ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ به.
قَالَ الحافظ البيهقي ﵀: «وبإسناده قَالَ أنبأ الشافعي أنبأ يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن معاوية والمهاجرين والأنصار مثله أو مثل معناه.
قَالَ الشافعي ﵀: وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول قَالَ.
الشيخ ﵀: ورواه إسماعيل بن عياش عن بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده أنَّ معاوية قدم المدينة ويحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما والله أعلم» اهـ.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
قلت: إسماعيل مجهول، وأبوه لم يوثقه معتبر. وكلام الشافعي في [المسند] (ص: ٣٧).
ورواه الشافعي في [المسند] (٢٢٣)، ومِنْ طَرِيقِه الحاكم في [المستدرك] (٨٥١)، والدارقطني في [سننه] (١١٨٧)، والبيهقي في [الصغرى] (٣٩٢)، و[الكبرى] (٢٤٠٨)، و[المعرفة] (٣٠٨٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةً فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، حَتَّى قَضَى تِلْكَ الْقِرَاءَةَ، وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ. فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَسَرَقْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ؟ فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا».
ورواه الشافعي في [السنن المأثورة] (٤٣) وَأَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ قَالَ وذكره.
وقال ﵀ بعد روايته: «قَدْ خُولِفَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ» اهـ.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
ورواه الشافعي (٢٢٤) في [المسند] أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ به.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢):
«ومثل هذا أيضًا يظهر ضعف حديث معاوية الذي فيه أنَّه صلى بالصحابة بالمدينة فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة في أول الفاتحة وأول السورة حتى عاد يعمل ذلك فإنَّ هذا الحديث وإن كان الدارقطني قَالَ: إسناده ثقات وقَالَ الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذه المسألة كما نقل ذلك عنه نصر المقدسي فهذا الحديث يعلم ضعفه من وجوه:
أحدها: أنَّه يروي عَنْ أَنَسٍ أيضًا الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يرد هذا.
الثاني: أنَّ مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم وقد ضعفه طائفة وقد اضطربوا في روايته إسنادًا ومتنًا: كما تقدم. وذلك يبين أنَّه غير محفوظ.
الثالث: أنَّه ليس فيه إسناد متصل السماع؛ بل فيه من الضعف والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع أو سوء الحفظ.
الرابع: أنَّ أنسًا كان مقيمًا بالبصرة ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أنَّ أنسًا كان معه بل الظاهر أنَّه لم يكن معه.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
الخامس: أنَّ هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة والراوي لها أنس وكان بالبصرة وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. ومن المعلوم أنَّ أصحاب أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك؛ بل المنقول عَنْ أَنَسٍ وأهل المدينة نقيض ذلك والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء.
السادس: أنَّ معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة لكان هذا أيضًا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه ولم ينقل هذا أحد عن معاوية؛ بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها؛ بل الأوزاعي مذهبه فيها مذهب مالك لا يقرؤها سرًا ولا جهرًا. فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأنَّ حديث معاوية إمَّا باطل لا حقيقة له وإمَّا مغير عن وجهه وأنَّ الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح فحصلت الآفة من انقطاع إسناده.
وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذًا؛ لأنَّه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عَنْ أَنَسٍ وعن أهل المدينة وأهل الشام ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا ولا معللًا وهذا شاذ معلل إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته» اهـ.
وقَالَ العلامة العيني في [شرح أبي داود] (٣/ ٤٢٣ - ٤٢٥): «والجواب عنه من وجوه:
[ ٣ / ٤٣٦ ]
الأول: أنَّ مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو وإن كان من رجال مسلم، لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قَالَ: أحاديثه غير قوية. وقَالَ النسائي: لين الحديث، ليس بالقوي فيه. وقَالَ الدارقطني: لَينوه. وقَالَ ابن المديني: منكر الحديث. وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرَّد به، مع أنَّه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضًا من أسباب الضعف، أمَّا في إسناده فإنَّ ابن خثيم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص، عَنْ أَنَسٍ، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، وقد رجح البيهقي الأولى في "المعرفة"، لجلالة رواتها، وهو ابن جريج، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية.
ورواه ابن خثيم أيضًا عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، فزاد ذكر الجد، كذلك رواه عن إسماعيل بن عياش، وهي عند الدارقطني، والأولى عنده، وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي.
وأمَّا الاضطراب في متنه فتارة يقول: "صلى فبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها". كما تقدم عند الحاكم، وتارة يقول: "فلم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب"، كما هو عند الدارقطني في رواية إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: "فلم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها". كما هو عند
[ ٣ / ٤٣٧ ]
الدارقطني في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند، والمتن مما يوجب ضعف الحديث، لأنَّه مشعر بعدم ضبطه.
الوجه الثاني: إنَّ شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا، ولا معللًا، وهذا شاذ ومعلل، فإنَّه مخالف رواه الثقات الأثبات، عَنْ أَنَسٍ، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجًا به وهو مخالف رواه، عَنِ النَّبِيِّ- ﵇ وعن خلفائه الراشدين؟ ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنَّه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا أنَّ أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أنَّ أنسأ كان معه، بل الظاهر أنَّه لم يكن معه.
الوجه الثالث: إنَّ مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا. قَالَ عروة بن الزبير- أحد الفقهاء السبعة-: "أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلاَّ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ".
وقَالَ عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها. وقَالَ عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلَّا بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنَّه كان يجهر بها إلَّا شيء يسير وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟ هذا باطل.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
الرابع: إنَّ معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة، كما نقلوه لكان هذا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم، وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل، لا أصل له، والأوزاعي إمام الشام، ومذهبه في ذلك مذهب مالك: لا يقرأها سرًا ولا جهرًا، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي- ﵇ فلو سمع النبي- ﵇ يجهر بالبسملة تركها حين يُنكر عليه رعيتُه أنَّه لا يحسن يصلي، وهذه الوجوه من تدبرها علم أنَّ حديث معاوية باطل، ومغير عن وجهه، وقد يتمحل فيه، ويقَالَ: إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظًا فإنَّما هو إنكار لترك إتمام التكبير لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أنَّ ترك إتمام التكبير كان مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد، حتى أنَّه كان مذهب عمر بن عبد العزيز وهو: عدم التكبير حين يهوي ساجدًا بعد الركوع، وحين يسجد بعد القعود، وإلَّا فلا وجه لإنكارهم علي ترك الجهر بالبسملة، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، وغيرهم من أكابر الصحابة، ومذهب أهل المدينة أيضًا» اهـ.
الحجة الرابعة: ما رواه الحاكم (٨٥٤)، والدارقطني (١١٧٩)، ومِنْ طَرِيقِ الحاكم أخرجه البيهقي في [المعرفة] (٧٩٣) مِنْ طَرِيقِ محمد بن المتوكل بن أبي السري قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَا لَا أُحْصِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَالْمَغْرِبِ
[ ٣ / ٤٣٩ ]
فَكَانَ يَجْهَرُ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا. وَسَمِعْتُ الْمُعْتَمِرَ يَقُولُ: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَبِي، وَقَالَ أَبِي: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قلت: وقد جاء الحديث عنه بخلاف هذا فرواه الطبراني في [المعجم الكبير] (٧٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وُهَيْبٍ الْغَزِّيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ، ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسِرُّ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄».
ورواه الطبراني في [الأوسط] (٨٢٧٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ جُمْهُورٍ، نا أَبُو تَقِيٍّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ، نا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَصِيرِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسِرُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
ورواه الحاكم (٨٥٥) حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مَكِّيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبَرْدَعِيُّ، ثنا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ عِمْرَانَ الْقَاضِي، ثنا أَبُو جَابِرٍ سَيْفُ بْنُ عَمْرٍو، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، ثنا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَخَلْفَ عُمَرَ، وَخَلْفَ عُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِقِرَاءَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
[ ٣ / ٤٤٠ ]
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٢٦ - ٤٣٠):
«وأمَّا حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه؛ فيعلم أولًا: أنَّ تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا؛ فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم. وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في الصحيح خلافه؛ فإنَّ أهل العلم متفقون على أنَّ الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح حتى إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع فكيف بتصحيح البخاري ومسلم. بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر ابن خزيمة وأبي حاتم بن حبان البستي وأمثالهما بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "مختاره" خير من تصحيح الحاكم فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث وتحسين الترمذي أحيانًا يكون مثل تصحيحه أو أرجح وكثيرًا ما يصحح الحاكم أحاديث يجزم بأنها موضوعة لا أصل لها فهذا هذا. والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنَّهما كانا يجهران بالبسملة لكن نقله عَنْ أَنَسٍ هو المنكر كيف وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك حتى إنَّ شعبة سأل قتادة عن هذا قَالَ: أنت سمعت أنسًا يذكر ذلك؟ قَالَ: نعم وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر. ونقل
[ ٣ / ٤٤١ ]
شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة وأرفع درجات الصحيح عند أهله إذ قتادة أحفظ أهل زمانه أو من أحفظهم وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم وهذا مما يرد به قول من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه وأنه لم يكن في لفظه إلَّا قوله: يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها فرواه من عنده فإنَّ هذا القول لا يقوله إلَّا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة أو أنَّه مكابر صاحب هوى يتبع هواه ويدع موجب العلم والدليل.
ثم يقَالَ: هب أنَّ المعتمر أخذ صلاته عن أبيه وأبوه عَنْ أَنَسٍ وأنس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فهذا مجمل ومحتمل؛ إذ ليس يمكن أن يثبت كل حكم جزئي من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد المجمل؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط الجزئيات في أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط؛ إلَّا بنقل مفصل لا مجمل وإلَّا فمن المعلوم أنَّ مثل منصور بن المعتمر وحماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه وإبراهيم أخذها عن علقمة والأسود ونحوها وهم أخذوها عن ابن مسعود وابن مسعود عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وهذا الإسناد أجل رجالًا من ذلك الإسناد وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وأمثالهم من فقهاء الكوفة
[ ٣ / ٤٤٢ ]
فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة هؤلاء هي صلاة رسول الله ﷺ بهذا الإسناد حتى في موارد النزاع فإن جاز هذا كان هؤلاء لا يجهرون ولا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح ويسفرون بالفجر وأنواع ذلك مما عليه الكوفيون. ونطير هذه احتجاج بعضهم على الجهر بأن أهل مكة من أصحاب ابن جريج كانوا يجهرون وأنهم أخذوا صلاتهم عن ابن جريج وهو أخذها عن عطاء وعطاء عن ابن الزبير وابن الزبير عن أبي بكر الصديق وأبو بكر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ولا ريب أن الشافعي ﵁ أول ما أخذ الفقه في هذه المسألة وغيرها عن أصحاب ابن جريج. كسعيد بن سالم القداح ومسلم بن خالد الزنجي لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع الناس فيها. ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء فإنه لا يستريب عاقل أنَّ الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجل قدرًا وأعلم بالسنة وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة. وقد احتج أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل المستمر بالمدينة فقَالَوا: هذا المحراب الذي كان يصلي فيه رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم الأئمة وهلم جرًا. ونقلهم لصلاة رسول الله ﷺ نقل متواتر كلهم شهدوا صلاة رسول الله ﷺ ثم صلاة خلفائه وكانوا أشد محافظة على السنة وأشد إنكارًا على من خالفها من غيرهم فيمتنع أن يغيروا صلاة رسول الله ﷺ
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء كلهم من بني أمية وبني العباس فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على تغيير السنة في مثل هذا ولا يمكن أنَّ الأئمة كلهم أقرتهم على خلاف السنة بل نحن نعلم ضرورة أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سنة لا تتعلق بأمر ملكهم وما يتعلق بذلك من الأهواء وليست هذه المسألة مما للملوك فيها غرض. وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم تكن دون تلك بل نحن نعلم أنها أقوى منها فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو شخصين أشبه بصلاة آخر حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ولهذا لم يذهب ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة أو إجماعهم حجة وإنما تنوزع في عمل أهل المدينة وإجماعهم: هل هو حجة أم لا؟ نزاعًا لا يقصر عن عمل غيرهم وإجماع غيرهم إن لم يزد عليه. فتبين دفع ذلك العمل عن سليمان التيمي وابن جريج وأمثالهما بعمل أهل المدينة لو لم يكن المنقول نقلًا صحيحًا صريحا عَنْ أَنَسٍ يخالف ذلك فكيف والأمر في رواية أنس أظهر وأشهر وأصح وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت وإنما صححه مثل الحاكم وأمثاله» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٧):
[ ٣ / ٤٤٤ ]
«وخرج الدارقطني - أيضًا - مِنْ طَرِيقِ معتمر بن سليمان، عن أبيه، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "كَانَّ النَّبِيُّ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون.
وخرج - أيضًا - بإسناد منقطع وجادة وجدها في كتاب عن محمد بن المتوكل بن أبي السري العسقلاني، "أنه صلى خلف المعتمر بن سليمان، فكان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقَالَ: إني ما آلو أن اقتدي بصلاة المعتمر، وقَالَ أنس: ما آلو أن اقتدي بصلاة رسول الله".
وهذا لا يثبت؛ لوجوه:
منها: انقطاع أول إسناده.
ومنها: أنَّه ليس فيه تصريح برواية معتمر للجهر بالبسملة بهذا الإسناد، وإنَّما فيه اقتداء كلي في الصلاة، ومثل هذا لا يثبت به نقل تفاصيل أحكام الصلاة الخاصة.
ومنها: أنَّ المعتمر بن سليمان إنَّما كان يروي حديث البسملة بإسناد آخر عن إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ كان يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
خرجه مِنْ طَرِيقِه كذلك أبو داود، وقَالَ: هذا حديث ضعيف.
والترمذي، وقَالَ: إسناده ليس بذاك. وقَالَ: إسماعيل بن حماد، هو: ابن أبي سليمان، وأبو خالد، هو: الوالبي، كذا قَالَ.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
وقَالَ الإمام أحمد - في رواية حنبل -: إسماعيل بن حماد: ليس به بأس، ولا أعرف أبا خالد - يعني: أنه غير الوالبي.
كذا قَالَ العقيلي، قَالَ: إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان حديثه غير محفوظ - يعني: هذا الحديث-، ويحكيه عن مجهول كوفي.
وخرجه ابن عدي في " كتابه" مِنْ طَرِيقِ معتمر، كما خرجه أبو داود وغيره.
وخرج - أيضًا - مِنْ طَرِيقِ آخر عن معتمر، قَالَ: سمعت ابن حماد، عن عمران بن خالد، عن ابن عباس.
ثم قَالَ: هذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ، سواء قَالَ: عن أبي خالد، أو عمران بن خالد؛ جميعا مجهولان.
وقَالَ ابن عبد البر: هذا الحديث - والله أعلم - إنه روي عن ابن عباس من فعله لا مرفوعًا إلى النبي.
ومنها: أنَّ محمد بن المتوكل لم يخرج له في " الصحيح"، وقد تكلم فيه أبو حاتم الرازي وغيره ولينوه، وهو كثير الوهم.
وقد روي عنه هذا الحديث على وجه آخر:
خرجه الطبراني عن عبد الله بن وهيب الغزي، عن محمد بن أبي السري، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأبو بكر وعمر.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
فهذه الرواية المتصلة الإسناد أولى من تلك المنقطعة.
وأعجب من هذا: ما خرجه الحاكم مِنْ طَرِيقِ سيف بن عمرو أبي جابر، عن محمد بن أبي السري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وتخريج هذا في " المستدرك" من المصائب، ومن يخفى عليه أن هذا كذب على مالك، وأنَّه لم يحدث به على هذا الوجه قط؛ إنما روى عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يقرأون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
هكذا خرجه في " الموطأ"، ورواه عنه جماعة، وذكروا فيه النبي ﷺ أيضًا - وقد سبق ذكر ذلك.
فمن اتقى وأنصف علم أن حديث أنس الصحيح الثابت لا يدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ التي لم يرض بتخريجها أصحاب الصحاح، ولا أهل السنن مع تساهل بعضهم فيما يخرجه، ولا أهل المسانيد المشهورة مع تساهلهم فيما يخرجونه.
وإنَّما جمعت هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لما اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بها، ودخل في ذلك نوع من الهوى والتعصب، فإن أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباع ما ظهر لهم من الحق وسنة رسول الله ﷺ، لم
[ ٣ / ٤٤٧ ]
يكن لهم قصد في غير ذلك، ثم حدث بعدهم من كان قصده أن تكون كلمة فلان وفلان هي العليا، ولم يكن ذلك قصد أولئك المتقدمين، فجمعوا وكثروا الطرق والروايات الضعيفة والشاذة والمنكرة والغريبة، وعامتها موقوفات رفعها من ليس بحافظ، أو من هو ضعيف لا يحتج به، أو مرسلات وصلها من لا يحتج به، مثلما وصل بعضهم مرسل الزهري في هذا، فجعله عنه، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، ووصله باطل قطعًا.
والعجب ممن يعلل الأحاديث الصحيحة المخرجة في " الصحيح" بعلل لا تساوي شيئًا، إنما هي تعنت محض، ثم يحتج بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة، ويزعم أنها صحيحة لا علة لها.
وقد اعتنى بهذه المسألة وأفرادها بالتصنيف كثير من المحدثين، منهم: محمد بن نصر وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وأبو بكر الخطيب والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم من المتأخرين.
ولولا خشية الإطالة لذكرنا كل حديث احتجوا به، وبيان أنه لا حجة فيه على الجهر؛ فإنها دائرة بين أمرين: إما حديث صحيح غير صريح، أو حديث صريح غير صحيح» اهـ.
وقَالَ الحافظ العراقي ﵀ في [المستخرج على المستدرك] (١/ ٤٥ - ٥١):
[ ٣ / ٤٤٨ ]
«واختلف على المعتمر بن سليمان وعلى محمد بن أبي السري في إسناد الحديث المتقدم ومتنه وقيل عن ابن أبي السري وإبراهيم بن محمد الذراع عن المعتمر عن أبيه عَنْ أَنَسٍ في الجهر بها كما تقدم.
وقيل عن ابن أبي السري عن المعتمر عن أبيه عن الحسن عَنْ أَنَسٍ في الإسرار بها وقيل عن ابن أبي السري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن حميد عَنْ أَنَسٍ في الجهر بها. وقيل عن المعتمر عن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد عن ابن عباس في الجهر بها.
أخبرنا الإمام أبو محمد عبد القادر بن محمد بن محمد القرشي ﵀ أنا محمد بن عبد الحميد المهلبي وعبد الله ابن علي الصنهاجي قَالَا أنا إسماعيل بن عبد القوي بن أبي العز ابن عزون.
وأخبرنا عاليًا محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي مشافهة عن ابن عزون قَالَ أتنا فاطمة بنت سعد الخير أتنا فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية أنا أبو بكر بن ريدة أنا أبو القاسم الطبراني ثنا عبد الله بن وهيب الغزي ثنا محمد بن أبي السري ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عَنْ أَنَسٍ ﵁:
"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأبو بكر وعمر".
ورجاله ثقات وهو دال على انقطاع رواية سليمان التيمي عَنْ أَنَسٍ.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
وأمَّا رواية المعتمر عن حماد بن أبي سليمان فأخبرني بها أبو الفضل محمد بن إسماعيل بن عمر بن الحموي ﵀ بقراءتي عليه بجامع دمشق عمرها الله أنا علي بن أحمد بن البخاري أنا منصور بن عبد المنعم في كتابه أنا محمد بن إسماعيل الفارسي أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي أنا أبو نصر بن قتادة أنا أبو أحمد الحسين ابن علي التميمي أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي ثنا إسحق بن إبراهيم الحنظلي ثنا المعتمر بن سليمان قَالَ سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان يحدث عن أبي خالد عن ابن عباس ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يقرأ يسر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة يعني كان يجهر بها.
ورواه يحيى بن معين عن المعتمر عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد عن ابن عباس رواه البيهقي أيضًا ويحتمل أن هذا ليس اختلافًا على المعتمر وإنما كان عنده حديث آخر من حديث ابن عباس في ذلك» اهـ.
وقَالَ الحافظ العلائي ﵀ في ﵀ [نصب الراية] (١/ ٣٥١ - ٣٥٣):
«وهو معارض بما رواه ابن خزيمة في "مختصره". والطبراني في "معجمه" عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عَنْ أَنَسٍ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، في الصلاة. وأبو بكر وعمر، انتهى. وفي الصلاة زادها ابن خزيمة، وله طريق آخر عند الحاكم أيضًا أخرجه
[ ٣ / ٤٥٠ ]
عن محمد بن أبي السري ثنا إسماعيل بن أبي أويس ثنا مالك عن حميد عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر. وعمر. وعثمان. وعلي، فكلهم كانوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ الحاكم: وإنَّما ذكر به شاهدًا، قَالَ الذهبي في "مختصره": أمَّا استحى الحاكم يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع، فأنا أشهد بالله، والله إنَّه لكذب، وقَالَ ابن عبد الهادي: سقط منه لا، ومحمد بن أبي السري، قَالَ ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقَالَ: لين الحديث، مع أنَّه قد اختلف عليه فيه، فقيل عنه كما تقدم، وقيل عنه: عن المعتمر عن أبيه عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأبو بكر. وعمر، هكذا أخرجه الطبراني، وقيل عنه: بهذا الإسناد، وفيه الجهر، كما رواه الحاكم، وقَالَ: رجاله ثقات، وتوثيق الحاكم لا يعارض ما يثبت في الصحيح خلافه، لما عرف من تساهله، حتى قيل: إنَّ تصحيحه دون تصحيح الترمذي. والدارقطني، بل تصحيحه كتحسين الترمذي، وأحيانًا يكون دونه، وأما ابن خزيمة. وابن حبان فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع، فكيف تصحيح البخاري. ومسلم، كيف! وأصحاب أنس الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك، حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا، فقَالَ: أنت سمعت أنسًا يذكر ذلك؟ فقَالَ: نعم، وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر، ونقل شعبة عن قتادة: ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله،
[ ٣ / ٤٥١ ]
فإن قتادة أحفظ أهل زمانه، وإتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم، وهذا مما يرد به قول من يزعم أن بعض الرواة روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه من قوله: كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، ففهم من هذا نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا قول من هو أبعد الناس علما برواية هذا الحديث، وألفاظهم الصريحة التي لا تقبل التأويل. وبأنهم من العدالة والضبط من الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنَّه مكابر صاحب هوى، فيتبع هواه، ويدع موجب الدليل، والله أعلم.
وله طريق آخر عند الخطيب عن ابن أبي داود عن ابن أخي ابن وهب عن عمه العمري. ومالك، وابن عيينة عن حميد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الفريضة، انتهى. قَالَ ابن عبد الهادي: سقط منه لا كما رواه الباغندي. وغيره عن ابن أخي ابن وهب، هذا هو الصحيح، وأما الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط، ويوضحه أن مالكًا رواه في الموطأ عن حميد عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "قمت وراء أبي بكر الصديق. وعمر. وعثمان، فكلهم لا يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افتتحوا الصلاة"، قَالَ ابن عبد البر في "التقصي": هكذا رواه عن جماعة موقوفًا، ورواه ابن أخي ابن وهب عن مالك. وابن عيينة. والعمري عن حميد عَنْ أَنَسٍ مرفوعًا فقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. وأبا بكر. وعمر. وعثمان لم يكونوا يقرؤون، قَالَ: وهذا خطأ من ابن
[ ٣ / ٤٥٢ ]
أخي ابن وهب في رفعه ذلك عن عمه عن مالك، فصار هذا الذي رواه الخطيب خطأ على خطأ، والصواب فيه عدم الرفع. وعدم الجهر، والله أعلم، وذكر الخطيب، وغيره لحديث أنس طرقًا أخرى: فيها الجهر، إلا أنه ليس فيها قوله: في الصلاة، فلا حجة فيها، وهو الصحيح عَنْ أَنَسٍ، كما رواه البخاري عَنْ أَنَسٍ أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ، فقَالَ: "كانت مدًا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بمد بسم الله وبمد الرحمن ويمد الرحيم.
وروى مسلم عنه أيضًا، قَالَ: "نزلت علي آنفًا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ " إلى آخرها، وهذا هو الصحيح عَنْ أَنَسٍ أنه روى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قراءة البسملة، وليس فيه ذكر الصلاة أصلًا» اهـ.
الحجة الخامسة: ما رواه الحاكم (٨٥٣) مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، ثنا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، ثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ اهـ.
قلت: قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٦٣):
[ ٣ / ٤٥٣ ]
«قلت: هذا لا يثبت؛ فقد خرجه الدارقطني مِنْ طَرِيقِ آخر عن حاتم بن إسماعيل، عن شريك بن عبد الله، عن إسماعيل المكي، عن قتادة، عَنْ أَنَسٍ - فذكره.
فتبين بهذه الرواية أنَّه سقط من رواية الحاكم من إسناده رجلان: أحدهما إسماعيل المكي، وهو: ابن مسلم، متروك الحديث، لا يجوز الاحتجاج به» اهـ.
الحجة السادسة: ما رواه الدارقطني (١١٨٣)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٢٢٢٥)، والخطيب في [تاريخ بغداد] (٢٤٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ الْحَافِظُ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ، ثنا جَدِّي، ثنا أَبُو أُوَيْسٍ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ خُرَّزَاذَ، ثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ مِنْ كِتَابِهِ ثُمَّ مَحَاهُ بَعْدَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «هِيَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَإِنَّهَا الْآيَةُ السَّابِعَةُ». وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَمَّ النَّاسَ قَرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا».
قلت: هذا حديث منكر أبو أويس هو عبد الله بن عبد الله المدني أكثر العلماء على تليينه.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
وهذا الحديث خلاف ما دلت عليه الأدلة الصحيحة كحديث أنس هذا وحديث عائشة فإنَّ فيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.
وخلاف حديث أبي هريرة الذي فيه قول الله ﷿: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». الحديث.
قلت: وعلى افتراض صحة هذا الحديث فليس فيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجهر بها وهذا هو موطن النزاع.
الحجة السابعة: ما رواه الدارقطني (١١٩٠)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٢٢١٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَا: نا جَعْفَرُ بْنُ مُكْرَمٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي نُوحُ بْنُ أَبِي بِلَالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَرَأْتُمِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاقْرَءُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِحْدَاهَا».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ: ثُمَّ لَقِيتُ نُوحًا فَحَدَّثَنِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قلت: قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٨/ ١٤٨ - ١٤٩):
[ ٣ / ٤٥٥ ]
«يرويه نوح بن أبي بلال، واختلف عنه؛ فرواه عبد الحميد بن جعفر، عنه، واختلف عنه؛ فرواه المعافى بن عمران، عن عبد الحميد، عن نوح بن أبي بلال، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وخالفه علي بن ثابت، وأبو بكر الحنفي روياه، عن عبد الحميد، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعًا أيضًا.
ورواه أسامة بن زيد، وأبو بكر الحنفي، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة موقوفًا، وهو أشبهها بالصواب» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن القطان ﵀ في [بيان الوهم والإيهام] (٥/ ١٤١ - ١٤٢):
«والمسألة أشنع من هذا، إنما رواه لأبي بكر الحنفي مرفوعًا، فمر أبو بكر الحنفي إلى الشيخ الذي رواه لهم عنه، فحدثه به موقوفًا، فما ظاهر القصة إلا أنه أنكر أن يكون حدث به مرفوعًا، بعد أن عرفه أبو بكر الحنفي أنه قد حدث به عبد الحميد عنه فرفعه.
وإذا كان الأمر هكذا، صارت المسألة مسألة ما إذا روي عن رجل حديث فأنكر أن يكون حدث به، وإن لم يسلم هذا التنزيل، فالمسألة مسألة رجل مضعف أو مختلف فيه، رفع ما وقفه غيره من الثقات، وذلك أن أبا بكر الحنفي، ثقة بلا خلاف، وهو قد لقي نوحًا فحدثه به موقوفًا، ولم يعتمد على ما رواه له عند عبد الحميد بن جعفر من ذلك مرفوعًا، لأن عبد الحميد ينسب إلى القول بالقدر، وكان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن بن حسن، ابن علي بن أبي طالب.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
وقد قدمنا لتنبيه على هذا الحديث في باب الأحاديث المغيرة» اهـ.
وقَالَ الحافظ الذهبي ﵀ في [الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام] ص (٥٤):
«قلت: فوهم في رفعه عبد الحميد، وليس بذاك الثبت، وقد نسب إلى القدر، وخرج بالمدينة مع أبي الحسن» اهـ.
وقَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤):
«قَالَ عبد الحق في "أحكامه الكبرى": رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، هو ثقة، وثقه أحمد. وابن معين، وكان سفيان الثوري يضعفه، ويحمل عليه، ونوح ثقة مشهور، انتهى. وهذا ليس فيه دلالة على الجهر، ولئن سلم فالصواب فيه الوقف، كما هو في متن الحديث، وقَالَ الدارقطني في "علله": هذا حديث يرويه نوح بن أبي بلال، واختلف عليه فيه، فرواه عبد الحميد بن جعفر عنه، واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران عن عبد الحميد عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا، رواه أسامة بن زيد. وأبو بكر الحنفي عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة موقوفًا، وهو الصواب، فإن قيل: إن هذا موقوف في حكم المرفوع، إذ لا يقول الصحابي: إن البسملة - أحد آيات الفاتحة - إلا عن توقيف، أو دليل قوي ظهر له، وحينئذ يكون لها حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي ﷺ يقرأها فظنها من الفاتحة، قَالَ: "إنها إحدى آياتها"، ونحن لا ننكر أنها من القرآن، ولكن النزاع وقع في مسألتين: إحداهما: أنها آية من الفاتحة. والثانية: أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهرًا وسرًا، ونحن نقول: إنها آية مستقلة قبل السورة، وليست منها، جمعًا بين الأدلة، وأبو هريرة لم يخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "هي إحدى آياتها"، وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مسند أبي هريرة قراءة النبي ﷺ لها، وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة. وأيضًا فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقري عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة، كما رواه البخاري في "صحيحه" من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم"، ورواه أبو داود. والترمذي، وقَالَ: حسن صحيح، هذا، مع أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه، ولكن وثقه أكثر العلماء، واحتج به مسلم في صحيحه، وليس تضعيف من ضعفه مما يوجب رد حديثه، ولكن الثقة قد يغلط، والظاهر أن غلط هذا الحديث، والله أعلم» اهـ.
وقَالَ العلامة العيني ﵀ في [شرح أبي داود] (٣/ ٤١٤ - ٤١٥):
[ ٣ / ٤٥٨ ]
«وأيضًا فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في "صحيحه " من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم"، ورواه أبو داود، والترمذي، وقَالَ: حسن صحيح على أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه، ولكن وثَّقه أكثر العلماء، واحتج به مسلم في "صحيحه"، وليس تضعيف مَنْ ضعفه مما يوجب رد حديثه، ولكن الثقة قد يغلط، والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث، والله أعلم».
قلت: وكلامه هذا مأخوذ من كلام الحافظ الزيلعي ﵀.
وليس في الحديث على فرض صحته ما يدل على الجهر بالبسملة بل غاية ما فيه الأمر بقراءة البسملة.
الحجة الثامنة: ما رواه أحمد (٢٦٧٨٥) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ، فَوَصَفَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حَرْفًا حَرْفًا، قِرَاءَةً بَطِيئَةً» قَطَّعَ عَفَّانُ، قِرَاءَتَهُ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٨٨٢١، ٣٠٧٧٧)، أبو يعلى (٦٩٢٠)، والطبراني في [الكبير] (١٩٣٧٣)، الحاكم في [المستدرك] (٨٤٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٢٢٥١) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،
[ ٣ / ٤٥٩ ]
قَالَتْ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقْطَعُهَا حَرْفًا حَرْفًا».
وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ اهـ.
قلت: ابن جريج مدلس وقد عنعن.
وقد رواه اللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: «وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟ كَانَ يُصَلِّي وَيَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ، وَنَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا».
رواه أحمد (٢٦٥٦٩، ٢٦٦٠٦) أبو داود (١٤٦٨)، والترمذي (٢٩٢٣)، والنسائي (١٠٢٢، ١٦٢٩).
قَالَ الترمذي ﵀: «وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي ملكية عن أم سلمة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقطع قراءته وحديث الليث أصح» اهـ.
قلت: وفي إسناد حديث الليث يعلى بن مملك وهو مجهول فالحديث لا يثبت بحال، وعلى فرض صحته فليس فيه دلالة على الجهر، ولو سلمنا دلالته على الجهر فليس فيه أنَّ ذلك كان في الصلاة.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
قلت: هذه أقوى ما عند القائلين بالجهر بالبسملة من الحجج وقد تبين أنه لا يستقيم لهم في ذلك حجة من الحجج فالذي يظهر لي أنَّ الإسرار بالبسملة هي السنة وأما الجهر فالأحاديث فيه دائر بين ما هو صريح وليس بصحيح أو صحيح وليس بصريح ومنها ما ليس بصحيح ولا صريح. والله أعلم.
وهناك أدلة أخرى واهية أعرضت عن ذكرها وإنَّما ذكرت ما قد يغتر به من الأدلة الصحيحة التي لا يستقيم الاستدلال بها وهكذا ما ظاهرها الصحة وهي معلة. والحمد لله رب العالمين.
٤ - فيه دليل على أنَّ البسملة ليست بآية من الفاتحة إذ لو كانت منها لجهر بها كما يجهر بسائر آيات الفاتحة.
* * *
[ ٣ / ٤٦١ ]