١٢٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ السنة التي داوم عليها النَّبِيُّ ﷺ في السفر قصر الصلاة الرباعية.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في حكم القصر في السفر فذهب جمع من أهل العلم إلى وجوبه وهو مذهب أبي حنيفة، وذهب الأئمة الثلاثة إلى استحبابه.
واحتج من أوجبه بعدة حجج منها:
الحجة الأولى: ملازمته ﷺ للقصر في جميع أسفاره، ولم يثبت عنه ﷺ في حديث صحيح أنَّه أتم الرباعية في السفر البتة.
وقد أجاءت أحاديث تدل على إتمام النبي ﷺ، أو إقراره لمن أتم ولم تثبت فمن ذلك ما رواه الدارقطني (٢٢٩٨)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [المعرفة] (١٦٤٦) حَدَّثَنَا الْمَحَامِلِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوَابٍ، ثنا أَبُو عَاصِمٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ».
[ ٤ / ٤٣٣ ]
وقَالَ الدارقطني ﵀ بعد روايته للحديث: «وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ».
قُلْتُ: سعيد بن محمد بن ثواب ذكره ابن حبان في "الثقات"، وظاهر كلام الدارقطني هاهنا توثيقه، لكنهما رحمهما الله قد عرفا بتوثيق المجاهيل فلا يكتفى بما انفردا فيه من التوثيق، والمحاملي هو الحسين بن إسماعيل. وأبو عاصم هو النبيل الضحاك بن مخلد.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٢٠٨) فقَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أنبأ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثنا الْكُدَيْمِيُّ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، ثنا مُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ». وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مُغِيرَةَاهـ.
قُلْتُ: الكديمي هو محمد بن يونس بن موسى بن سليمان رماه غير واحد بالكذب واتهم بوضع الحديث.
والمغيرة بن زياد ضعيف الحديث.
لكن رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٧١) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَيَقْصُرُ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ، وَيُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ».
قُلْتُ: المغيرة الراجح فيه الضعف لكثرة منكراته. قَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [الْسِّيَرِ] (١٣/ ٢٢٧): «وقَالَ أحمد: ضعيف، كل حديث رفعه منكر» اهـ.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
وروى الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٥١٨)، ومِنْ طَرِيقِه رواه البيهقي في [المعرفة] (١٦٤٥)، والبغوي في [شرح السنة] (١٠٢٣) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَصَرَ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَأَتَمَّ».
قُلْتُ: إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى كذبه ابن معين، والقطان، وطلحة بن عمرو متروك الحديث.
ورواه الدارقطني (٢٢٩٧) مِنْ طَرِيقِ أخرى عن طلحة به.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٤٥):
«قُلْتُ: أمَّا ما رواه الثقة عن عطاء عَنْ عَائِشَةَ من "أنَّها كانت تصلي أربعًا" فهذا ثابت عَنْ عَائِشَةَ معروف عنها من رواية عروة وغيره عَنْ عَائِشَةَ وإذا كان إنَّما أسنده هؤلاء الضعفاء والثقاة وقفوه على عائشة: دل ذلك على ضعف الْمُسْنَدِ ولم يكن ذلك شاهدًا للمسند» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ فِي [تنقيح التحقيق] (٢/ ٥١٩):
«والصَّحيح عَنْ عَائِشَةَ أنَّها كانت تتمُّ موقوفًا» اهـ.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٢٠٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، ثنا دَلْهَمُ بْنُ صَالِحٍ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
[ ٤ / ٤٣٥ ]
عَنْهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا خَرَجْنَا إِلَى مَكَّةَ أَرْبَعًا حَتَّى نَرْجِعَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف دلهم.
وروى النسائي (١٤٥٦) أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَصَرْتَ، وَأَتْمَمْتُ، وَأَفْطَرْتَ، وَصُمْتُ، قَالَ: «أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ»، وَمَا عَابَ عَلَيَّ.
وروى الدارقطني (٢٢٩٣)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٢١١)
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الصُّورِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْغَزِّيُّ، قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ، فَأَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصُمْتُ وَقَصَرَ وَأَتْمَمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي وَأُمِّي أَفْطَرْتَ وَصُمْتُ وَقَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ، فَقَالَ: «أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ».
[ ٤ / ٤٣٦ ]
وروى الدارقطني (٢٢٩٤)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٢١٣) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ التُّبَّعِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ، ثنا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، فَقَصَرَ وَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ، وَأَفْطَرَ وَصُمْتُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ إِلَى مَكَّةَ، قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ، وَأَفْطَرْتَ وَصُمْتُ، فَقَالَ: «أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ»، وَمَا عَابَهُ عَلَيَّ.
قَالَ الشَّيْخُ: الْأَوَّلُ مُتَّصِلٌ وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ أَدْرَكَ عَائِشَةَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَهُوَ مُرَاهِقٌ وَهُوَ مَعَ أَبِيهِ وَقَدْ سَمِعَ مِنْهَا اهـ.
قُلْتُ: وقد خالف ذلك في كتابه [العلل] (١٤/ ٢٥٨) فقد سئل عن حديث الأسود، عَنْ عَائِشَةَ، قُلْتُ: «يا رسول الله أتممت وقصرت، وصمت وأفطرت، فقَالَ: أحسنت يا عائشة».
فقَالَ: «يرويه العلاء بن زهير، واختلف عنه. فرواه الفريابي عن العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ؛ وخالفه أبو نعيم، فرواه عن العلاء، عن عبد الرحمن بن الأسود، عَنْ عَائِشَةَ، والمرسل أشبه بالصواب، وعبد الرحمن قد دخل على عائشة، وسمع منها، كان أبوه يرسله إليها في الحاجة، فقَالَ: دخلت عليها عام احتلمت، وقَالَت: فعلتها يا لكع وأرسلت الحجاب» اهـ.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٨٠ - ٨١): «فهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتم وإنَّما فيه إذنه في الإتمام مع أنَّ هذا الحديث على هذا الوجه ليس بصحيح بل هو خطأ لوجوه:
أحدها: أنَّ الذي في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ: "أنَّ صلاة السفر ركعتان" وقد ذكر ابن أخيها وهو أعلم الناس بها: أنَّها إنَّما أتمت الصلاة في السفر بتأويل تأولته لا بنص كان معها. فعلم أنَّه لم يكن معها فيه نص.
الثاني: أنَّ في الحديث: "أنَّها خرجت معتمرة معه في رمضان عمرة رمضان وكانت صائمة" وهذا كذب باتفاق أهل العلم فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعتمر في رمضان قط وإنَّما كانت عمره كلها في شوال وإذا كان لم يعتمر في رمضان ولم يكن في عمرة عليه صوم بطل هذا الحديث.
الثالث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما سافر في رمضان غزوة بدر وغزوة الفتح. فأمَّا غزوة بدر فلم يكن معه فيها أزواجه ولا كانت عائشة.
وأمَّا غزوة الفتح فقد كان صام فيها في أول سفره ثم أفطر خلاف ما في هذا الحديث المفتعل.
الرابع: أنَّ اعتمار عائشة معه فيه نظر.
الخامس: أنَّ عائشة لم تكن بالتي تصوم وتصلي طول سفرها إلى مكة وتخالف فعله بغير إذنه بل كانت تستفتيه قبل الفعل فإنَّ الإقدام على مثل ذلك لا يجوز» اهـ.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
وقَالَ ﵀ (٢٤/ ١٤٦ - ١٤٧):
«قَالَ أبو بكر النيسابوري: هكذا قَالَ أبو نعيم عن عبد الرحمن عَنْ عَائِشَةَ. ومن قَالَ عن أبيه في هذا الحديث فقد أخطأ.
قُلْتُ: أبو بكر النيسابوري إمام في الفقه والحديث وكان له عناية بالأحاديث الفقهية وما فيها من اختلاف الألفاظ وهو أقرب إلى طريقة أهل الحديث والعلم التي لا تعصب فيها لقول أحد من الفقهاء مثل أئمة الحديث المشهورين؛ ولهذا رجح هذه الطريق وكذلك أهل السنن المشهورة لم يروه أحد منهم إلَّا النسائي ولفظه عَنْ عَائِشَةَ: "أنَّها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت قَالَتْ يا رسول الله: بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت فقَالَ أحسنت يا عائشة وما عاب علي" وهذا بخلاف من قد يقصد نصر قول شخص معين فينطق له من الأدلة ما لو خلا عن ذلك القصد لم يتكلفه ولحكم ببطلانها. والصواب ما قَالَه أبو بكر وهو أنَّ هذا الحديث ليس بمتصل وعبد الرحمن إنَّما دخل على عائشة وهو صبي ولم يضبط ما قَالَته …» اهـ.
قُلْتُ: وقد تكلم شيخ الإسلام على هذا الحديث بكلام طويل نفيس فارجع إليه.
وقَالَ الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ فِي [تنقيح التحقيق] (٢/ ٥٢٠):
«هذا حديث منكر، وَقَوْلُهُ: "في عمرة في رمضان" باطل، فإن نبي الله ﷺ لم يعتمر في رمضان قط.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
والعلاء بن زهير: قَالَ فيه ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات.
كذا قَالَ في كتاب "الضعفاء"، وذكره أيضا في كتاب "الثقات" فتناقض!
وقد وثقه يحيى بن معين في رواية إسحاق بن منصور» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [تنقيح التحقيق] (١/ ٢٧٠):
«قُلْتُ: العلاء وهاه ابن حبان، والخبر منكر، وَقَوْلُهُ: في عمرة في رمضان باطل، ما اعتمر نبي الله ﷺ في رمضان أبدًا» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُ ﵀ فِي [مِيْزَانِ الْاعْتِدالِ] (٣/ ١٠١):
«وقَالَ ابن حبان: كان ممن يروى عن الثقات مالا يشبه حديث الأثبات، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات.
قُلْتُ: العبرة بتوثيق يحيى» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث هو أقوى حديث للقائلين بمشروعية إتمام المسافر ولا يصح كما مضى وعلته الإرسال ونكارة اللفظ.
قَالَ الحافظ العراقي ﵀ [تحفة التحصيل] ص (١٩٤):
«عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد قَالَ أبو حاتم أدخل على عائشة وهو صغير ولم يسمع منها» اهـ.
قُلْتُ: وذكر ذلك أيضًا الحافظ ابن حجر ﵀ فِي "التهذيب"، و"التلخيص"
والذي في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٥/ ٢٠٩):
[ ٤ / ٤٤٠ ]
«عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد أبو حفص النخعي، أدخل على عائشة وهو صغير» اهـ. وليس فيه: «ولم يسمع منها». فلعلها سقطت في المطبوع.
الحجة الثانية: ما رواه الْبُخَارِيّ (٣٩٣٥)، ومُسْلِم (٦٨٥) عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ».
قَالَوا: هو دليل ناهض على الوجوب لأنَّ صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنَّها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
الحجة الثالثة: ما رواه مُسْلِم (٦٨٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً».
قَالَوا: هذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله تعالى أنَّه فرض صلاة السفر ركعتين وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكي أنَّ الله فرض ذلك بلا برهان.
واحتج القائلون بأن القصر رخصة والتمام أفضل بحجج منها:
الحجة الأولى: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء/ ١٠١].
قَالَوا: ونفي الجناح لا يدل على العزيمة بل على الرخصة.
[ ٤ / ٤٤١ ]
قَالَوا: وهذه العبارة إنَّما تستعمل في المباح: لا في الواجب كقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء/ ١٠٢] وَقَوْلُهُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة/ ٢٣٦].
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة/ ١٩٨].
وقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٢٠):
«فإنَّ نفي الجناح لبيان الحكم وإزالة الشبهة لا يمنع أن يكون القصر هو السنة. كما قَالَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ نفى الجناح لأجل الشبهة التي عرضت لهم من الطواف بينهما؛ لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من كراهة بعضهم للطواف بينهما والطواف بينهما مأمور به باتفاق المُسْلِمين وهو إمَّا ركن وإمَّا واجب وإمَّا سنَّة مؤكدة» اهـ.
الحجة الثانية: ما رواه مُسْلِم (٦٨٦) عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ
[ ٤ / ٤٤٢ ]
كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
قَالَوا: الظاهر من قوله "صدقة" أنَّ القصر رخصة فقط فإنَّ قبول الصدقة لا تجب.
وأجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٠٦ - ١٠٧):
«وإن كان ذلك صدقة من الله علينا أمرنا بقبولها. وقد قَالَ طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد إن شئنا قبلناها وإن شئنا لم نقبلها فإنَّ قبول الصدقة لا يجب؛ ليدفعوا بذلك الأمر بالركعتين. وهذا غلط؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمرنا أن نقبل صدقة الله علينا والأمر للإيجاب وكل إحسانه إلينا صدقة علينا فإن لم نقبل ذلك هلكنا» اهـ.
الحجة الثالثة: ما رواه أحمد (١٨٦٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: إِنَّا إِذَا كُنَّا مَعَكُمْ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا، وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: «تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل محمد بن عبد الرحمن الطفاوي فإنَّه حسن الحديث.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
قُلْتُ: وقد تابعه الحارث بن عمير كما ذكر ذلك الحافظ الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ] (٤/ ٣١١/ ٤٢٩٤) حيث قَالَ: «لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلَّا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي والحارث بن عمير» اهـ.
قُلْتُ: والحارث هذا من ثقات أصحاب أيوب.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب":
«وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير، ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الأخر» اهـ.
قُلْتُ: فَالْحَدِيْثُ صَحِيْحٌ بهذه المتابعة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ورواه مُسْلِم (٦٨٨) عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ».
قُلْتُ: ووجه الشاهد من هذا الحديث أنَّ القصر لو كان واجبًا في السفر كوجوب الإتمام في الحضر لما جاز متابعة المسافر للمقيم في الإتمام فلما جاز ذلك دلَّ على أنَّ القصر في حقه سنة من السنن المؤكدة ولا يصل إلى حد الوجوب فإنَّ الإمام لا يتابع في الزيادة في الأركان ولا في النقصان منها.
قُلْتُ: وهذا القول هو الذي يظهر لي صوابه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٩٢ - ٩٣):
[ ٤ / ٤٤٤ ]
«ولا ريب أنَّ تربيع المسافر ليس كصلاة الفجر أربعًا؛ فإنَّ المسافر لو اقتدى بمقيم لصلى خلفه أربعًا لأجل متابعة إمامه؛ فهذه الصلاة تفعل في حال ركعتين وفي حال أربعًا بخلاف الفجر فجاز أن تكون متابعة الإمام المسافر متابعة المسافر للمقيم لأنَّ كلاهما اتبع إمامه.
وهذا القول وهو القول بكراهة التربيع أعدل الأقوال وهو الذي نص عليه أحمد في رواية الأثرم» اهـ.
٢ - عموم قوله: «لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ». يقتضي أنَّه لم يكن يصلي السنن الرواتب في السفر خلا ركعتي الفجر فقد دلت السنة على صلاة النبي ﷺ لهما.
قُلْتُ: ويؤيده رواية مُسْلِم (٦٨٩) لهذا الحديث فقد رواه مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ، وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: «مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟» قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزِدْ
[ ٤ / ٤٤٥ ]
عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]».
قُلْتُ: وليس مراد ابن عمر ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يصلي في السفر نافلة مطلقًا، وإنِّما مراده أنَّه لم يكن يصلي السنن الرواتب المتعلقة بالصلوات. فقد روى الْبُخَارِيّ (١٠٠٠)، ومُسْلِم (٧٠٠) عنه أنَّه قَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ».
قُلْتُ: وأمَّا ركعتا الفجر الراتبة فقد كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يصليهما في الحضر والسفر.
وقد جاء في مُسْلِم (٦٨١) مِنْ حَدِيْثِ أبي قتادة الطويل في نوم النبي ﷺ ومن معه عن صلاة الصبح واستيقاظهم بعد طلوع الشمس في بعض الأسفار: «… فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ …».
وروى مُسْلِم (٦٨٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ»، قَالَ: فَفَعَلْنَا،
[ ٤ / ٤٤٦ ]
ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْغَدَاةَ.
وروى أحمد (١٦٧٩٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، وَعَفَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لَا نَرْقُدُ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ؟» فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا. فَاسْتَقْبَلَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ، فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَقَامُوا فَأَدَّوْهَا، ثُمَّ تَوَضَّئُوا فَأَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّوْا الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّوْا الْفَجْرَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد صلى أيضًا ﵊ في مكة يوم الفتح ثمان ركعات في الضحى فقد روى الْبُخَارِيّ (١١٠٣)، ومُسْلِم (٣٣٦) عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ».
وزاد مُسْلِم: «سُبْحَةَ الضُّحَى».
وهكذا كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يصلي في السفر صلاة الليل فروى الْبُخَارِيّ (١٠٠٠)، ومُسْلِم (٧٠٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٤٤٧ ]
وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ».
ورواه الْبُخَارِيّ (٩٩٩)، ومُسْلِم (٧٠٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ».
وفي لفظ لمُسْلِم: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ».
وروى الْبُخَارِيّ (١١٠٤)، ومُسْلِم (٧٠١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ».
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في صلاة الرواتب في السفر فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٢/ ٤٩٨): «وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٤٠٠ - ٤٠١):
«قَالَ أصحابنا يستحب صلاة النوافل في السفر سواء الرواتب مع الفرائض وغيرها: هذا مذهبنا ومذهب القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن ومالك وجماهير العلماء قَالَ الترمذي وبه قَالَتْ طائفة من الصحابة وأحمد وإسحق وأكثر أهل العلم قَالَ وقَالَت طائفة: لا يصلي الرواتب في السفر وهو مذهب ابن عمر» اهـ.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
قُلْتُ: والقول بعدم استحباب صلاة الرواتب في السفر غير راتبة الفجر هو القول الصحيح كما سبق تقريره، وقد نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٨٠):
«لكن النبي ﷺ في السفر لم يكن يصلي من الرواتب إلَّا ركعتي الفجر والوتر ولما نام عن الفجر صلى السنة والفريضة بعد ما طلعت الشمس وكان يصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة وهذا كله ثابت في الصحيح. فأما الصلاة قبل الظهر وبعدها وبعد المغرب فلم ينقل أحد عنه أنَّه فعل ذلك في السفر» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣١٥ - ٣٢٦):
«وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين ويقول: سافرت مع رسول الله ﷺ، ومع أبي بكر، وعمر ﵄، فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين، وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربعون، إلَّا أنهم لم يصلوا السنة، لكن قد ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّه سئل عن سنة الظهر في السفر، فقَالَ: لو كنت مسبحًا لأتممت. وهذا من فقهه ﵁، فإن الله ﷾ خفف عن
[ ٤ / ٤٤٩ ]
المسافر في الرباعية شطرها، فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها، لكان الإتمام أولى به» اهـ.
قُلْتُ: واختلفوا أيضًا في راتبة المغرب فاستحبها الإمام أحمد في رواية باعتبار أنَّ المغرب لا تقصر كالفجر.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩):
«وإنَّما اختلف العلماء في فعل السنن الرواتب في السفر؛ لأنَّها تابعة للفرائض، والفرائض تقصر في السفر تخفيفًا، فكيف يحذف شطر المفروضة ويحافظ على سُنَنِهِا؟
ولهذا قَالَ ابن عمر: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي.
وقد روي، أنه ﷺ كان يصلي في السفر ركعتي الفجر والمغرب؛ لأنَّ فريضتهما لا تقصر. وهو من مراسيل أبي جعفر محمد بن علي.
ونص عليه أحمد - في رواية المروذي -، أنَّه لا يدع في السفر ركعتي الفجر والمغرب» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول له حظ قوي من النظر، والأقوى عندي ألَّا تصلى لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ويدل على ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (١١٠٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ». قَالَ سَالِمٌ: «وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وَيُقِيمُ المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ بَيْنَهُمَا بِرَكْعَةٍ، وَلَا بَعْدَ العِشَاءِ بِسَجْدَةٍ، حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ».
وروى الْبُخَارِيّ (١٣٩، ١٦٧٢)، ومُسْلِم (١٢٨٠) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ فَقُلْتُ الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
وروى مُسْلِم (١٢٨٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ». فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي بِجَمْعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ تَعَالَى.
قُلْتُ: وهذا يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يصلي راتبة المغرب في السفر، ولو فعل ذلك لنقل، وهكذا كان ابن عمر ﵁.
٣ - ظاهر الحديث أنَّ عثمان استمر على القصر، وليس هذا بمراد فقد روى الحديث الْبُخَارِيّ (١٠٨٢)، ومُسْلِم (٦٩٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁،
[ ٤ / ٤٥١ ]
قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا».
هذا لفظ الْبُخَارِيّ، ولفظ مُسْلِم: «… ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا».
وفي رواية لمُسْلِم (٦٩٤) عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ»، أَوْ قَالَ: «سِتَّ سِنِينَ»، قَالَ حَفْصٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: «لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ».
واختلف العلماء في تأول عثمان للإتمام في السفر على أقوال كثيرة، والصواب في ذلك أنَّه تأول القصر في أثناء السير دون الإقامة، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (١٦٨٥٧) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ، حَاجًّا قَدِمْنَا مَعَهُ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى دَارِ النَّدْوَةِ، قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ وَأَقَامَ بِمِنًى أَتَمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ نَهَضَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، فَقَالَا لَهُ: مَا عَابَ أَحَدٌ ابْنَ عَمِّكَ بِأَقْبَحِ مَا عِبْتَهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُمَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: فَقَالَا لَهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ، قَالَ:
[ ٤ / ٤٥٢ ]
فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا، وَهَلْ كَانَ غَيْرُ مَا صَنَعْتُ؟ «قَدْ صَلَّيْتُهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»، ﵄ قَالَا: فَإِنَّ ابْنَ عَمِّكَ قَدْ كَانَ أَتَمَّهَا، وَإِنَّ خِلَافَكَ إِيَّاهُ لَهُ عَيْبٌ، قَالَ: «فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْعَصْرِ فَصَلَّاهَا بِنَا أَرْبَعًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وأمَّا ما رواه أحمد (٤٤٣) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، يَعْنِي مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلاةَ الْمُقِيمِ».
فهو حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فعكرمة لا يحتج به، وعبد الرحمن بن أبي ذباب مجهول وحديثه عن عثمان منقطع.
وجاء في [شَرِحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٢٢١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ به.
فجعل عكرمة أزديًا، وهكذا هو عند ابن البر في [الْتَمْهِيْدِ] (١٦/ ٣٠٥).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَعْجِيْلِ الْمَنْفِعَةِ] (٢/ ٢٣):
«وَاتَّفَقُوا على أنَّه أزدي فَينْظر فِيمَن نسبه باهليًا» اهـ.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
قُلْتُ: وقد أخذ بهذا الأثر الإمام أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢١٤):
«فَصْلٌ: وَإِنْ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى بَلَدٍ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ. فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَوْضِعٍ: يُتِمُّ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: يُتِمُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إذَا مَرَّ بِمَزْرَعَةٍ لَهُ أَتَمَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ فِيهَا أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ أَتَمَّ، إذَا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَقْصُرُ، مَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إقَامَةِ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى أَرْبَعٍ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ لَكَ أَوْ مَالٍ، فَصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ. وَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ بِبَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْبَلَدَ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٣٦٥):
«قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَحُكِيَ عن إسحاق بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا حَتَّى يَدْخُلَ وَطَنَهُ أَوْ بَلَدًا لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٩٧):
[ ٤ / ٤٥٤ ]
«وَكَذَا إنْ مَرَّ بِبَلَدٍ لَهُ فِيهِ امْرَأَةٌ أَوْ تَزَوَّجَ، وَعَنْهُ: أَوْ أَهْلٌ "خ" أَوْ مَاشِيَةٌ "خ" لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عباس أو هما "وم" وَقِيلَ: أَوْ مَالٌ، وَفِي "عُمَدِ الْأَدِلَّةِ" لَا مَنْقُولٌ وَقِيلَ: إنْ كَانَ بِهِ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ دَارٌ قَصَرَ.
وَفِي أَهْلِ غَيْرِهِمَا ومال وَجْهَانِ» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عبَّاس رواه ابن أبي شيبة ﵀ في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٢٣) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى مَاشِيَتِكَ فَأَتْمِمْ».
ورواه (٨٢٢٤) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [كَشَّافِ الْقِنَاعِ] (١/ ٥٠٩):
«الثَّالِثَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مَرَّ بِبَلَدٍ (تَزَوَّجَ فِيهِ أَتَمَّ) أَتَمَّ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي تَزَوَّجَ فِيهِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَقَارِبُ كَأُمٍّ وَأَبٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُمْنَعْ عَلَيْهِ الْقَصْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَبَقَ» اهـ.
وقال العلامة يحيى بن أبي الخير الشافعي ﵀ في [الْبَيَانِ] (٢/ ٤٧٢):
[ ٤ / ٤٥٥ ]
«فإن دخل المسافر في طريقه بلدًا له فيها أهل ومال، ولم ينو الإقامة فيها، فإن له أن يقصر فيها؛ لأنَّ الرسول ﷺ حج معه خلق كثير من المهاجرين، وكذلك حج أبو بكر ﵁ بالناس في زمان رسول الله ﷺ، وكذلك عمر وعثمان ﵄ حجًّا بالناس، وكان لهم بمكة دور، وأهل، وقرابة، ولم ينقل: أنَّ أحدًا منهم أتم الصلاة، بل نقل: أنَّهم قصروا فيها.
ولأنَّ الإقامة إنَّما تكون بنية الإقامة، أو بأن تحصل بدار إقامته، ولم يوجد شيء منهما» اهـ.
قُلْتُ: هذا هو القول الصحيح وحجته كما ترى ظاهرة.
وقد تأولت عائشة أيضًا الإتمام في السفر فروى الْبُخَارِيّ (١٠٩٠)، ومُسْلِم (٦٨٥) عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ».
قَالَ الزُّهْرِيُّ: «فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ».
وأمَّا ما رواه الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (١٠٣١٧) حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ، عِمْرَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، قَالَ: ثني عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ فِي السَّفَرِ: «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ. فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي
[ ٤ / ٤٥٦ ]
فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي حَرْبٍ وَكَانَ يَخَافُ، هَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ؟».
فهو حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لا يثبت لجهالة عمران فلم يذكره غير ابن حبان في "ثقاته"، وعمر بن عبد الله لم أعرفه، والقول بأنَّه تصحف من محمد إلى عمر فيه نظر، وذلك أنَّه رواه أيضًا في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٤٣٧) من طريق عمر بن عبد الله هذا.
وهكذا السيوطي ذكره في [الْدُّرِ الْمَنْثُورِ] (٢/ ٦٥٦) فقال:
«وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق عمر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق» اهـ.
والصحيح في تأولها ما رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٤٣٠)
من طريق وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا، فَقُلْتُ لَهَا: لَوْ صَلَّيْتِ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٤ - ويستثنى من القصر صلاة المغرب والفجر اتفاقًا.
وقد روى أحمد (٢٦٠٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «قَدْ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٤ / ٤٥٧ ]
ﷺ الْمَدِينَةَ زَادَ مَعَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَصَلَاةَ الْفَجْرِ لِطُولِ قِرَاءَتِهِا، قَالَ: وَكَانَ إِذَا سَافَرَ صَلَّى الصَّلَاةَ الْأُولَى».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٧٧٤) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبُ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ».
ورواه إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (١٦٣٥ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ زِيدَتْ رَكْعَتَانِ أُخْرَيَانِ وَتُرِكَ الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ فِي السَّفَرِ إِلَّا الْفَجْرَ فَإِنَّهُ يُطَالُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةُ».
قُلْتُ: أبو معاوية هو الضرير محمد بن خازم. وهذا إسناد مرسل، وقد جاء موصولًا فيما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٢٦٠)، وفي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٣٩١) مِنْ طَرِيقِ مرجى بن رجاء، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ. فذكره.
قُلْتُ: ومرجى هذا مختلف فيه، وقَالَ فيه الحافظ ابن حجر ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «صدوق ربما وهم» اهـ.
ورواه ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٤٤٧)، وابن مندة في [الْفَوائِد] (١٣) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، نا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا قَالَتِ: «افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ عَلَى
[ ٤ / ٤٥٨ ]
نَبِيِّهِ ﷺ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ اتَّخَذَهَا دَارَ هِجْرَةٍ، وَأَقَامَ بِهَا زَادَ إِلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِلَّا صَلَاةَ الْغَدَاةِ يُطِيلُ فِيهَا الْقِرَاءَةَ وَإِلَّا الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَصَلَاتَهَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَافَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصَّلَاةَ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ زَادَ إِلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ».
قُلْتُ: لكن علي بن عاصم ضعيف الحديث.
وتابعهما محبوب بن الحسن فيما رواه السراج في [مُسْنَدِهِ] (١٣٩٨) مِنْ طَرِيقِ محبوب بن الحسن ثنا داود عن الشعبي عن مسروق عَنْ عَائِشَةَ. بنحوه.
قُلْتُ: ومحبوب هذا اسمه محمد بن الحسن ومحبوب لقب له، وقد ضعفه النسائي، وقَالَ بن معين: ليس به بأس. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "الْتَقْرِيْب": «صدوق لين، ورمى بالقدر» اهـ.
قُلْتُ: فالصحيح في هذا الحديث الانقطاع بين الأعمش وعائشة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وروى أحمد (٥٥٥٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيُّ، حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقُلْنَا مَا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثَلَاثًا، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كُنَّا بِذِي الْمَجَازِ قَالَ: وَمَا ذُو الْمَجَازِ؟ قُلْتُ: مَكَانًا نَجْتَمِعُ فِيهِ، وَنَبِيعُ فِيهِ، وَنَمْكُثُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ
[ ٤ / ٤٥٩ ]
خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، قَالَ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ، كُنْتُ بِأَذْرَبِيجَانَ لَا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، فَرَأَيْتُهُمْ يُصَلُّونَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، «وَرَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نُصْبَ عَيْنِي يُصَلِّيهِمَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ نَزَعَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ.
قُلْتُ: يحيى بن قيس، وثمامة لم يوثقهما معتبر.
وروى أحمد في [الْمُسْنَدِ] (١٩٨٧٨) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، أَنَّ فَتًى سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَعَدَلَ إِلَى مَجْلِسِ الْعُوقَةِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا الْفَتَى سَأَلَنِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَاحْفَظُوا عَنِّي: مَا سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَفَرًا إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ زَمَانَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ».
وَحَدَّثَنَاهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِيهِ «إِلَّا الْمَغْرِبَ» ثُمَّ يَقُولُ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ قُومُوا فَصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ؛ فَإِنَّا سَفْرٌ». «ثُمَّ غَزَا حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى جِعِرَّانَةَ فَاعْتَمَرَ مِنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ غَزَوْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَحَجَجْتُ وَاعْتَمَرْتُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ يُونُسُ: إِلَّا الْمَغْرِبَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ يُونُسُ: إِلَّا الْمَغْرِبَ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا».
[ ٤ / ٤٦٠ ]
قُلْتُ: وفي إسناده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف الحديث.
وروى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٥٠٩) واللفظ له، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٥) فَقَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ صَلَّاهَا ثَلَاثًا، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ صَلَّاهَا ثَلَاثًا».
قُلْتُ: وفيه حجاج وهو ابن أرطأة ضعيف مدلس وقد عنعن، وأبو إسحاق هو الهمداني مختلط، والحارث هو الأعور ضعيف الحديث.
قُلْتُ: ويغني عن هذا ما رواه مُسْلِم (١٢٨٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ» فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي بِجَمْعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ تَعَالَى.
وروى الْبُخَارِيّ (١٠٩٢) معلقًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ».
قُلْتُ: وقد وصله البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٣٢٦).
[ ٤ / ٤٦١ ]
٥ - وَقَوْلُهُ في الحديث: «لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ». يقتضي القصر في كل سفر طال أم قصر.
وقد اختلف العلماء في المدة التي إذا أقامها المسافر يقصر فيها من الصلاة فذهب ابن عباس ﵄ إلى أنَّها تسعة عشر يومًا فروى الْبُخَارِيّ (٤٢٩٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ تِسْعَ عَشْرَةَ نَقْصُرُ الصَّلَاةَ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَنَحْنُ نَقْصُرُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ، فَإِذَا زِدْنَا أَتْمَمْنَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٨٨):
«المشهور عن أحمد ﵀ أنَّ المدة التي تلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. رواه الأثرم، والمروذي، وغيرهما، وعنه أنَّه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنَّ الثلاث حد القلة، بدليل قول النبي ﷺ: "يقيم المهاجر بعد قضاء منسكه ثلاثًا".
ولما أخلى عمر ﵁ أهل الذمة، ضرب لمن قدم منهم تاجرًا ثلاثًا، فدل على أنَّ الثلاث في حكم السفر، وما زاد في حكم الإقامة. ويروى هذا القول عن عثمان ﵁.
وقَالَ الثوري، وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يومًا مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر. وروي ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وسعيد بن جبير،
[ ٤ / ٤٦٢ ]
والليث بن سعد؛ لما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابن عباس، أنَّهما قَالَا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة. ولا يعرف لهم مخالف. وروي عن سعيد بن المسيب مثل هذا القول.
وروى عنه قتادة، قَالَ: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا.
وروي عن علي ﵁ قَالَ: يتم الصلاة الذي يقيم عشرًا، ويقصر الصلاة الذي يقول: أخرج اليوم، أخرج غدًا، شهرًا. وهذا قول محمد بن علي وابنه والحسن بن صالح.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذا قدمت بلدة، فلم تدر متى تخرج، فأتم الصلاة، وإن قُلْتُ: أخرج اليوم، أخرج غدًا. فأقمت عشرًا، فأتم الصلاة.
وعنه، أنه قَالَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين".
قَالَ ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإذا زدنا على ذلك أتممنا.
رواه الْبُخَارِيّ.
وقَالَ الحسن: صل ركعتين ركعتين، إلى أن تقدم مصرًا، فأتم الصلاة وصم.
وقَالَت عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة.
وكان طاووس إذا قدم مكة صلى أربعًا.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
ولنا، ما روى أنس، قَالَ: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة". متفق عليه.
وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قدم لصبح رابعة"، فأقام النبي ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها.
قَالَ: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم.
قَالَ الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر.
فقَالَ: هو كلام ليس يفقهه كل أحد.
وَقَوْلُهُ: أقام النبي ﷺ عشرًا يقصر الصلاة فقَالَ: قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة. ثم قَالَ: وثامنة يوم التروية، وتاسعة وعاشرة.
فإنَّما وجه حديث أنس أنَّه حسب مقام النبي ﷺ بمكة ومنى، وإلَّا فلا وجه له عندي غير هذا.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر، فهذا يدل على أن من أقام إحدى وعشرين صلاة يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام، وهذا صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام.
وقول أصحاب الرأي: لم نعرف لهم مخالفًا في الصحابة، غير صحيح، فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وذكرنا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نفسه خلاف ما حكوه عنه. رواه سعيد في سُنَنِهِ، ولم أجد ما حكوه عنه فيه.
وحديث ابن عباس في إقامة تسع عشرة، وجهه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يجمع الإقامة.
قَالَ أحمد: أقام النبي ﷺ بمكة ثماني عشرة زمن الفتح؛ لأنَّه أراد حنينًا، ولم يكن ثم إجماع المقام. وهذه هي إقامته التي رواها ابن عباس، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٣٦٤):
«قد ذكرنا أن مذهبنا أنَّه إن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج انقطع الترخص وإن نوى دون ذلك لم ينقطع وهو مذهب عثمان بن عفان وابن المسيب ومالك وأبي ثور» اهـ.
قُلْتُ: لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أتم في سفر من أسفاره ولا في حال نزوله في سفره.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
وقد مكث ﵊ في مكة في حجة الوداع أربعة أيام.
فروى الْبُخَارِيّ (٢٥٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵃، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ …».
وروى الْبُخَارِيّ (٧٣٦٧)، ومُسْلِم (١٢١٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الحِجَّةِ …».
قُلْتُ: ومكث النبي ﷺ حتى صلى الفجر في مكة في يوم الثامن وهو يوم التروية ثم انطلق إلى منى فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
ويدل على ذلك ما رواه مُسْلِم (١٢١٨) في حديث جابر الطويل في حجة الوداع وفيه: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ».
وروى الْبُخَارِيّ (١٦٥٣)، ومُسْلِم (١٣٠٩) عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قُلْتُ: «أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى …».
قُلْتُ: وقد بات النبي ﷺ قبل دخول مكة في ذي طوى وصلى بها الفجر ثم دخل مكة.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
فروى الْبُخَارِيّ (١٥٧٤)، مُسْلِم (١٢٥٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طِوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ».
وفي لفظ لمُسْلِم (١٢٥٩) «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوًى وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ».
وروى مُسْلِم (١٢٤٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ بِذِي طَوًى وَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ».
قُلْتُ: ومقتضى هذا أنَّه ﵊ صلى في مكة عشرين صلاة لا إحدى وعشرين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد أقام النبي ﷺ أيضًا عشرًا يقصر الصلاة.
فروى الْبُخَارِيّ (٤٢٩٧) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ».
ورواه مُسْلِم (٦٩٣) عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ»، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: «عَشْرًا».
وقد بوَّب عليه الْبُخَارِيّ بقوله: «بَابُ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ زَمَنَ الفَتْحِ».
[ ٤ / ٤٦٧ ]
قُلْتُ: والصحيح أنَّ هذا كان يوم حجة الوداع أمَّا يوم الفتح فقد مكث أكثر من ذلك فقد روى الْبُخَارِيّ (٤٢٩٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٢١):
«فظاهر هذين الحديثين التعارض والذي اعتقده أنَّ حديث أنس إنَّما هو في حجة الوداع فأنَّها هي السفرة التي أقام فيها بمكة عشرًا لأنَّه دخل يوم الرابع وخرج يوم الرابع عشر وأمَّا حديث ابن عباس فهو في الفتح» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء حديث ابن عباس بلفظ آخر فروى أبو داود (١٢٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. حفص هو ابن غياث، وعاصم هو الأحول. إلَّا أنَّ قوله: «سَبْعَ عَشْرَةَ». لفظة شاذة خالف فيها حفص بن غياث ثقات أصحاب عاصم.
قُلْتُ: وفي الحديث اختلاف آخر فروى أبو داود (١٢٣٣)، وابن ماجه (١٠٧٦) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ،
[ ٤ / ٤٦٨ ]
يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ.
قُلْتُ: ابن إسحاق مدلس وقد عنعن، والصحيح في هذا الحديث الإرسال.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ١٥١):
«هذا هو الصحيح مرسل ورواه أيضًا عبدة بن سليمان وأحمد بن خالد الوهبي وسلمة بن الفضل عن بن إسحاق ولم يذكروا فيه ابن عباس إلَّا محمد بن سلمة فإنه رواه عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس قَالَ أقام رسول الله ﷺ عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة» اهـ.
ورواه النسائي (١٤٥٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن الأسود لا يعرف حاله.
وروى أحمد (١٩٨٧٨، ١٩٨٨٤، ١٩٨٩١)، وأبو داود (١٢٣١) مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ: «صَلُّوا أَرْبَعًا؛ فَإِنَّا سَفْرٌ».
[ ٤ / ٤٦٩ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل علي بن زيد.
وقصر النبي ﷺ في تبوك أيامًا.
فروى أحمد (١٤١٧٢)، ومِنْ طَرِيقِه وأبو داود (١٢٣٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «غَيْرُ مَعْمَرٍ يُرْسِلُهُ، لَا يُسْنِدُهُ».
وقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ١٥٢):
«تفرد معمر بروايته مسندًا ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن بن ثوبان عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاءت آثار عن الصحابة تدل على القصر في الزمن الطويل.
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّا نُطِيلُ الْقِيَامَ بِالْغَزْوِ بِخُرَاسَانَ فَكَيْفَ تَرَى؟ فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ أَقَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٥١٠٠، ٨٢٠٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، «أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَقَامَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُجَمِّعُ».
[ ٤ / ٤٧٠ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى، ويونس هو ابن عبيد، والحسن هو البصري.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٨٢) من طريق أنس بن سيرين عن الحسن به.
وروى عبد الرزاق [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٥٢، ٤٣٥٣)
عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَهُ فِي بَعْضِ بِلَادِ فَارِسَ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يَجْمَعُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ».
ورواه أيضًا عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، مِثْلُهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٠٧) حَدَّثَنَا ابْنُ حَمِيدٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَرْدِ، وَلَمْ يُرِدِ الْإِقَامَةَ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٣٣٩) عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا أَزْمَعْتَ إِقَامَةً فَأَتِمَّ».
قُلْتُ: عبد الله بن عمر هو العمري ضعيف الحديث ويشهد له ما سبق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٤٢):
[ ٤ / ٤٧١ ]
«قَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يصلي رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٣) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنْ أَقَمْتَ فِي بَلَدٍ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ فَاقْصُرِ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: هذا إسناد رجاله ثقات جرير هو ابن عبد الحميد، والمغيرة هو ابن مقسم الضبي وهو مدلس وقد عنعن.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٨٤) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ، وَسُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِسْوَرٍ، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ شَهْرَيْنِ، قَالَ سُفْيَانُ: بِعُمَانَ، وَقَالَ مِسْعَرٌ: بِعُمَانَ أَوْ بِنَعْمَانَ، يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَنَحْنُ نُتِمُّ، فَقُلْنَا لَهُ: فَقَالَ: «نَحْنُ أَعْلَمُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن، وعبد الرحمن بن مسور لم أقف على من تكلم عليه بجرح ولا تعديل.
وروى الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٦٩٨) حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَوِ ابْنِ صَالِحٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَقُلْتُ: أَكُونُ فِي زَرْعِي وَغَنَمِي سِتَّةَ أَشْهُرٍ، كَيْفَ أُصَلِّي؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ. وَسَأَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مِثْلَ
[ ٤ / ٤٧٢ ]
ذَلِكَ. وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَكُونُ فِي زَرْعِي وَغَنَمِي فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ صَالِحٍ - أَوْ عَنِ ابْنِ صَالِحِ - قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: صالح، أو أبو صالح، أو ابن صالح لم أعرفه.
٦ - وفيه أنَّ القصر يكون في السفر ولا يكون في بلد الإقامة حتى لو دخل بلد إقامته مجتازًا إلى غيرها وجب عليه الإتمام على الصحيح، وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى أنَّ له أن يقصر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢١٤):
«قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَهَذَا يُصَلِّي بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ، فَهُوَ فِي سَفَرٍ مِنْ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَادَ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَرَّ بِبَغْدَادَ ذَاهِبًا إلَى الْكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِبَغْدَادَ مُجْتَازًا، لَا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا. وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِعَرَفَةَ، وَلِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُونَ» اهـ.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٩٧):
«ولو مر بوطنه أتم "وهـ م ق" وعنه: لا» اهـ.
وَقَاَل الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٣٣١)
«لَوْ مَرَّ بِوَطَنِهِ أَتَمَّ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَقْصُرُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ سِوَى الْمُرُورِ» اهـ.
* * *
[ ٤ / ٤٧٤ ]