١٠٣ - عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لا أَدْرِي: قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - تحريم المرور بين يدي المصلي وظاهره حتى ولو ازدحم الناس ولم يكن لهم مندوحة إلَّا بالمرور بين يديه.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٠ - ٦٧١):
«فإنَّه يدل على أنَّ وقوفه أربعين ينتظر مسلكًا يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي، وإن لم يجد طريقًا غيره.
وقد قَالَ بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه.
قَالَ أصحابنا: لكن يضع المار شيئًا يمر من ورائه، أو يخط خطًا إذا لم يجد.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
وكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلًا به أولى» اهـ.
قلت: يريد بالصحابي أبا سعيد الخدري وسيأتي حديثه بعد هذا.
واستثنى من ذلك جمع من العلماء المسجد الحرام فلا يُمنع فيه من المرور بين يدي المصلي لما في المنع من ذلك من الحرج وفي هذا الاستثناء نظر فقد روى أبو زرعة الرازي في [تاريخه] ص (٧٠)، ومِنْ طَرِيقِه ابن عساكر في [تاريخ دمشق] (٢٣/ ٣٦٧) قَالَ: حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قلت: وإسناد هذا الأثر حسن من أجل عبد العزيز بن أبي سلمة فإنَّه حسن الحديث.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٧٢٨٤)، ومِنْ طَرِيقِه أبو داود (٢٠١٦) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وِدَاعَةَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ: «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ».
قَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ. قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا كُثَيْرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِ أَهْلِي عَنْ جَدِّي.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
ورواه ابن حبان في [صحيحه] (٢٣٦٤)، والطبراني في [الكبير] (١٧٠٧٥)
مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا زُهَيْرٌ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَذْوَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَطُوفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ سُتْرَةٌ».
فإنَّ فيه كثير بن المطلب لم يوثقه معتبر.
قلت: رواية سفيان أصح ولا تصح من أجل الإبهام الذي فيها.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٤٢):
«وقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنَّها أصح من رواية ابن جريج، ولكن يصير في إسنادها من لا يعرف» اهـ.
وسئل الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٤/ ٤٢) عن حديث المطلب بن أبي وداعة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه صلى حين خرج من الكعبة ركعتين، والناس يمرون بين يديه، الرجال والنساء.
فقَالَ: «يرويه كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، واختلف عنه؛ فرواه سالم بن عبد الله الخياط البصري، وزهير بن محمد، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده.
ورواه ابن جريج، عن كثير، واختلف عنه؛ فرواه يحيى القطان، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو أسامة، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب؛.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
ورواه أبو معاوية الضرير، عن ابن جريج، فقَالَ: عن كثير بن أبي كثير، وإنَّما هو كثير بن كثير وقَالَ: عن بني المطلب بن أبي وداعة، عن أبيهم وقَالَ حماد بن زيد: عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، قَالَ:
حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب، كذلك قَالَ معاذ بن المثنى، عن المقدمي، عن حماد، وقَالَ يوسف القاضي: عن المقدمي، عن حماد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، قَالَ: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب.
ورواه ابن عيينة، عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده المطلب، وقَالَ ابن عيينة: كان ابن جريج، حدثنا أولًا عن كثير، عن أبيه، عن المطلب، فلما سألته عنه، فقَالَ: ليس هو عن أبي، إنما أخبرني بعض أهلي به سمعه من المطلب قَالَ ذلك:
الحميدي، عن ابن عيينة، وضبطه، وقول ابن عيينة أصحها، وروي عن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب، عن أبيه، عن جده.
ورواه عمر بن قيس، عن كثير بن المطلب، عن أبيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وروي عن عمرو بن دينار، عن عباد بن المطلب، عن المطلب، وهو غريب من حديث عمرو بن دينار، لا أعلم جاء به عنهم غير أحمد بن حاتم، عن حماد بن زيد، وقول ابن عيينة أصحها» اهـ.
قال العلامة ابن نجيم الحنفي المصري ﵀ في [البحر الرائق] (٢/ ٣٥٧):
[ ٣ / ٥٣٦ ]
«قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ فِي مَنْسَكِهِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ الْبَابِ السَّادِسِ رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَةِ الْكَمَالِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي حَاشِيَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَ الْمَارَّ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ أَنَّهُ "رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ". وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّائِفِينَ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَصَارَ كَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمُصَلِّينَ» اهـ.
وقال العلامة الحطاب الرعيني المالكي ﵀ في [مواهب الجليل] (١/ ٥٣٥ - ٥٣٦):
«وَأَمَّا الطَّائِفُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ مِنْ زِحَامٍ فَلْيَمُرَّ وَلَا يَدْرَؤُهُ الْمُصَلِّي عَنْ الْمُرُورِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَإِنْ مَرَّ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ وَلَا إثْمَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ وَأَنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِجَوَازِ الْمُرُورِ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ وَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ سُتْرَةٌ. قَالَ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي مُحَاذِيًا إلَى الْكَعْبَةِ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ وُجُوهَ بَعْضِ الْمُصَلِّينَ إلَيْهَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ وُجُوهَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَمُرُّوا بَيْنَ
[ ٣ / ٥٣٧ ]
يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُ بِذَلِكَ إلَّا خُدُودَهُمْ فَهُوَ أَخَفُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ» اهـ.
وقَالَ المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٦٩):
«تنبيه: ظاهر كلام المصنف وكثير من الأصحاب: أنَّ مكة كغيرها في السترة والمرور وهو إحدى الروايتين قَالَ في "النكت": قدمه غير واحد وقدمه هو في حواشيه وقدمه في "الرعاية الكبرى" في موضع.
والرواية الثانية: جواز المرور بين يديه في مكة من غير سترة ولا كراهة وهو الصحيح من المذهب: نص عليه وجزم به المجد في شرحه والشارح وصاحب التلخيص والبلغة والإفادات والرعاية الصغرى والحاويين ومجمع البحرين والنظم وبن رزين واختاره المصنف وغيره وقدمه ابن تميم وصاحب الفائق وأطلقهما في الفروع» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٤٠ - ٦٤٢):
«وقد اختلف العلماء في حكم مكة في السترة: هل حكمها كحكم سائر البلدان، أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّ حكمها في سترة الصلاة حكم سائر البلدان، وهو اختيار البخاري وقول […] والشافعي، وحكي رواية عن أحمد. وروي نحوه عن ابن عمر.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
قَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة": ثنا جعفر بن برقان، عن يزيد الفقير، قَالَ: كنت أصلي إلى جنب ابن عمر بمكة، فلم أر رجلًا اكره أن يمر بين يديه منه.
ثنا عبد العزيز الماجشون، عن صالح بن كيسان، قَالَ: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، يبادره - قَالَ: يرده.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن يحيى بن أبي كثير، قَالَ: رأيت أنس بن مالك في المسجد الحرام قد نصب عصا يصلي إليها.
القول الثاني: أنَّ مكة تجوز الصلاة فيها إلى غير سترة، والمرور بين يدي المصلي من غير كراهة في ذلك، وهو قول طاووس وعطاء وأحمد، نص عليه في رواية ابن الحكم وغيره.
وكان محمد بن الحنفية يصلي بمسجد منى، والناس يمرون بين يديه، فجاء فتى من أهله، فجلس بين يديه.
وروى ابن جريج، عن ابن أبي عمار، قَالَ: رأيت ابن الزبير طاف بالبيت، ثم جاء فصلى، والطواف بينه وبين القبلة. قَالَ: تمر بين يديه المرأة فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدميها.
واستدل الإمام أحمد بحديث المطلب بن أبي وداعة».
[ ٣ / ٥٣٩ ]
إلى أن قَالَ ﵀: «وقد نص أحمد على أنَّ مكة مخصوصة من بين البلدان بذلك ومن أصحابنا من قَالَ: إنَّ حكم الحرم كله كذلك، ولو قيل: إنَّ الصلاة إلى غير سترة مختص بالمسجد الحرام وحده دون بقاع مكة والحرم لكان جمعًا بين الحديثين متوجهًا، وكلام القاضي أبي يعلى في كتابه "الجامع الكبير" يدل عليه، وصرح به غيره من أصحابنا» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٢٤٨):
«وظاهر كلام المؤلف أيضًا: أنَّه لا فرق بين مكة وغيرها، وهذا هو الصحيح» اهـ.
وقَالَ العلامة عبد المحسن العباد في [شرح سنن أبي داود] (١٠/ ٣٢٢)
«ومكة كغيرها، وعلى الإنسان ألا يمر بين يدي المصلين، ويحرص على أن يبتعد، لكن في شدة الزحام الذي لا يمكن معه إلَّا المرور فإنه يمر، والإنسان يتقي الله ما استطاع، لكن لا يقَالَ: إن الإنسان يمشي في أي مكان من الحرم، بحيث إذا رأى إنسانًا يصلي مشى بينه وبين سترته، بحجة أن مكة لا يتخذ فيها سترة! فلم يثبت أن مكة لا يتخذ المصلي فيها سترة، بل النبي ﷺ اتخذ سترة في الأبطح» اهـ.
قلت: الحديث الذي أشار إليه الشيخ العباد هو ما رواه البخاري (٥٠١) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ
[ ٣ / ٥٤٠ ]
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ».
٢ - قلت: وظاهر الحديث أنَّه ليس له أن يمر ولو لم يتخذ المصلي سترة، وحديث أبي سعيد الآتي يشعر بجواز المرور إذا لم يتخذ سترة وذلك لأنَّه علق دفع المار بما إذا اتخذ المصلي سترة فمفهوم الشرط أنَّه إذا لم يتخذ سترة فليس له أن يدفع من يمر بين يديه، وأنَّ المار لا يمنع من المرور بين يديه إذ لو كان ممنوعًا من ذلك لأمر المصلي بدفعه مطلقًا.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧١ - ٦٧٢):
«وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في " الصحيحين": "إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بين يديه، فليدفعه": دليل من قبل مفهوم الشرط على أنَّ من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه، وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا. وأمَّا أكثر أصحابنا فعندهم: أنَّ رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه ما.
واستدلوا بعموم الأحاديث التي لم يذكر فيها هذا الشرط، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا يقتضي
[ ٣ / ٥٤١ ]
تخصيصه، إلَّا أن يكون له مفهوم، فيبنى على أنَّه: هل يخص العموم بالمفهوم، أم لا؟
وأمَّا الشافعية، فقَالَوا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته، على الصحيح عندهم، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه، ولم يحرم.
وهل يدفعه المصلي؟ لهم فيه وجهان: أصحها عندهم: لا يدفعه؛ لمفهوم قوله: "إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة"» اهـ.
قلت: وقد روى أحمد (٢٧٢٨٤)، ومِنْ طَرِيقِه أبو داود (٢٠١٦) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وِدَاعَةَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ: «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ».
قلت: هذا حديث ضعيف كما سبق قريبًا.
٣ - قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٦):
«ظاهر الحديث أنَّ الوعيد المذكور يختص بمن مرَّ لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي أو قعد أو رقد لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي فهو في معنى المار» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي عدم دخول القعود أو الوقوف أو الاضطجاع بين يدي المصلي في النهي عن المرور بين يدي المصلي لأنَّه ليس بمرور بين يديه ولاضطجاع عائشة بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، والقول بأنَّ
[ ٣ / ٥٤٢ ]
العلة هي التشويش فيها نظر إذ لو كانت هي العلة لمنع أيضًا المرور من وراء السترة إذا كان قريبًا منها ولا يمنع من ذلك قطعًا.
٤ - وظاهر الحديث عموم النهي عن المرور في حق الإمام والمأموم والمنفرد. وخصَّ مالك وأصحابه، وهي رواية عن أحمد والشافعي المأموم فأجازوا المرور بين يديه.
قلت: ويدل عليه ما رواه البخاري (٧٦)، ومسلم (١١٢٤) عن عبد الله بن عباس قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ».
ويدل عليه أيضًا ما رواه أبو داود (٧٠٨) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ - يَعْنِي فَصَلَّى إِلَى جِدَارٍ - فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتَّى لَصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ، وَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ»، أَوْ كَمَا قَالَ مُسَدَّدٌ.
قلت: هذا حديث حسن.
وروى أحمد (٢٠٩٥)، وأبو داود (٧١٦) مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ وَهُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ،
[ ٣ / ٥٤٣ ]
فَقَالَ: «جِئْتُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَنَزَلَ وَنَزَلْتُ وَتَرَكْنَا الْحِمَارَ أَمَامَ الصَّفِّ، فَمَا بَالَاهُ وَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَخَلَتَا بَيْنَ الصَّفِّ فَمَا بَالَى ذَلِكَ».
ورواه أحمد (٣١٦٧) مِنْ طَرِيقِ شعبة عن الحكم وليس في حديثه ذكر لأبي الصهباء.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١١):
«وصحح أبو حاتم الرازي - فيما نقله عنه ابنه - كلا القولين: إدخال صهيب في إسناده، وإسقاطه.
وفي "مسند الإمام أحمد": أن يحيى بن الجزار لم يسمعه من ابن عباس. والظاهر: أن ذلك من قول شعبة. وكلام أحمد يدل على أن الصحيح دخوله في الإسناد» اهـ.
قلت: إسناده ظاهره أنَّه صحيح وأبو الصهباء اسمه صهيب وثقه أبو زرعة وضعفه النسائي ولم يقم حجة على تضعيفه.
لكن قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١١):
«وأبو الصهباء، اسمه: صهيب المدني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة وغيره ويقَالَ أنه البكري، وهو مدني، لكن سئل عن صهيب هذا، فقَالَ: شيخ من أهل البصرة. وهذا يدل على أنَّه غير المدني» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀: «وذكر الإمام أحمد هذا الحديث، واستدل به على أنَّ الصلاة إلى غير سترة صحيحة، وقَالَ: ليس هو بذاك. يعني: من جهة إسناده، ولعله رأى
[ ٣ / ٥٤٤ ]
أنَّ صهيبًا هذا غير معروف، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس؛ فإن ذاك مدني» اهـ.
قلت: ورواه أبو يعلى في [مسنده] (٢٤٢٣) حدثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قَالَ: سمعت يحيى بن الجزار: عن ابن عباس قَالَ: «جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار فمررنا بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي فنزلنا عنه وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض - أو قَالَ: من نبات الأرض - فدخلنا معه في الصلاة فقَالَ رجل: أكان بين يديه عنزة؟ قَالَ: لا» اهـ.
قلت: وليس في هذا الإسناد ذكر لأبي الصهباء وقد سبق أنَّ الإمام أحمد صحح إثبات أبي الصهباء.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١٤ - ٦١٧):
«وأمَّا جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة إمامهم محفوظة ففيه قولان:
أحدهما: أنَّه منهي عنه - أيضًا - نص عليه في رواية الأثرم، في الرجل يكون خلف الإمام وبين يديه صف، فيكون في الصف الذي بين يديه خلل عن يساره ليس هو بحذائه، أيمشي إليه فيسده؟ قَالَ: إن كان بحذائه فعل فأمَّا أن يمشي معترضًا فيؤذي الذي إلى جنبه ويمر بين يديه فلا. وهذا يدل على أنَّ المشي بين يدي المأمومين داخل في النهي.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
ومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه، بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد. والكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضًا - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه.
وقَالَ سفيان: لا يعجبني ذلك. وذكر مالك في "الموطأ" أنَّه بلغه، أنَّ ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي النساء وهنَّ يصلين.
وحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخرة المسجد إذا صلين مع الإمام.
والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنَّه غير داخل في النهي، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد، إذا كان مشيه لحاجة؛ كمشيه إلى فرجة في الصف، أو إذا لم يجد موضعًا يصلي فيه.
وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا؛ فإنَّهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلًا على ذلك. وكلام ابن عباس يدل عليه - أيضًا - فإنَّه استدل بعدم الإنكار على الجواز. وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة، وهذا مذهب مالك وأصحابه.
ذكر مالك في " الموطأ": "باب: الرخصة في المرور بين يدي المصلي"، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا، ثم قَالَ: بلغني أنَّ سعد بن وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة.
قَالَ مالك: وأنا أرى ذلك واسعًا، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلًا إلى المسجد إلَّا بين الصفوف.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
وقد ذكر أبو داود في "سننه" بعض كلام مالك، عن القعنبي، عنه.
وقَالَ سفيان الثوري: إذ انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم، فإنَّه يمشي معترضًا حتى يدخل المسجد.
وفي "تهذيب المدونة " للبرادعي: ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضًا، والإمام سترة لهم، وإن لم يكونوا إلى ستر، وكذلك من رعف وأحدث فليخرج عرضًا، وليس عليه أن يرجع إلى عجز المسجد.
وذكر ابن عبد البر في " التمهيد" أنَّ المأموم لا يدفع من مر بين يديه، وقَالَ: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافًا.
وذكر في " الاستذكار" قول مالك الذي ذكره في " الموطأ"، وذكر أنَّ مالكًا يرخص في ذلك لمن لم يجد منه بدًا، وأنَّ غيره لا يرى به بأسًا - يعني: بكل حال، سواء اضطر إليه أو لا -؛ لحديث ابن عباس. قَالَ: وقد قدمنا أنَّ الإمام سترة لمن خلفه، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صف. قَالَ: ويحتمل هذا أن يكون المار لم يجد بدًا كما قَالَ مالك. ولكن الظاهر ما قدمنا من الآثار الدالة على أن الإمام سترة لمن خلفه.
وهذا الكلام يدل على أنَّ للعلماء اختلافًا: هل الرخصة تختص بحال الضرورة أم تعم؟.
[ ٣ / ٥٤٧ ]
وقد حكا بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد، بأنَّ من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عرضًا بين الصفوف حتى يقوم فيها.
وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه، وإن لم يكن ضرورة.
وذكر البيهقي في كتابه "المعرفة" عن الشافعي في القديم، أنَّه ذكر قول مالك في هذا، واعتراض من اعترض عليه ثم أخذ في الذب عنه، واحتج بحديث ابن عباس وغيره، وأشار إلى أنَّ ذلك إنمَّا قَالَه في المرور بين يدي المتنفلين الذين عليهم قطع النافلة للمكتوبة، ولا يجد الداخل طريقًا غير الممر بين أيديهم.
ومعنى هذا أنَّه إنَّما يجوز المرور للضرورة بين يدي من يصلي صلاة مكروهة، هو من يتنفل بعد إقامة الصلاة، أو يطيل في نافلته وقد أقيمت الصلاة.
ولكن أصحاب مالك حملوا كلام مالك على عمومه في حال الضرورة كما تقدم، وهذا الكلام من الشافعي يدل على أنَّ المأمومين لا يجوز المرور بين أيديهم إذا كانوا يقتدون بصلاة الإمام لضرورة ولا غيرها، كما قَالَه أحمد في غير حال الضرورة في رواية الأثرم.
وقَالَ أصحاب الشافعي: إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول، فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويصف فيها؛ لتقصير أهل الثاني بتركها.
وهذا موافق لكلام الشافعي، حيث لم يجز المرور إلَّا مع تقصير المصلين، لكنَّه يخصه بحال الضرورة وأصحابه لم يخصوه بذلك.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
ونص الشافعي في كتاب "مختلف الحديث" على أنَّ المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة مباح غير مكروه، واستدل بحديث ابن عباس هذا، وبحديث المطلب بن أبي وداعة» اهـ.
٥ - وأخذ من هذا بعض العلماء أنَّ المرور بين يدي المصلي من كبائر الذنوب وذلك مستفاد من التغليظ الوارد في الحديث.
٦ - في الحديث النهي عن المرور بين يدي المصلي واختلف العلماء في حد النهي عن المرور فذهب بعضهم إلى ثلاثة أذرع وذهب بعضهم إلى ستة أذرع وحد بعضهم ذلك بقذفة بحجر، ومنهم برمية بسهم ومنهم بطول السهم. وقد جاء في تقدير ذلك بقذفة بحجر حديث لا يصح رواه أبو داود (٧٠٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «فِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ كُنْتُ أُذَاكِرُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَاءَ بِهِ عَنْ هِشَامٍ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ هِشَامٍ وَأَحْسَبُ الْوَهْمَ مِنَ ابْنِ أَبِي سَمِينَةَ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيَّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَالْمُنْكَرُ فِيهِ ذِكْرُ الْمَجُوسِيِّ، وَفِيهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ، وَذِكْرُ الْخِنْزِيرِ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ»، قَالَ
[ ٣ / ٥٤٩ ]
أَبُو دَاوُدَ: «وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَمِينَةَ وَأَحْسَبُهُ وَهِمَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُنَا مِنْ حِفْظِهِ» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن القطان ﵀ في [بيان الوهم والإيهام] (٣/ ٣٥٥):
«وعلة هذا الحديث بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقَالَ: إنه مرفوع، وراويه قد قَالَ: أحسبه عن رسول الله ﷺ، وإلا فليس في إسناده متكلم فيه إلا عكرمة، وهو عندي من لا يوضع فيه نظر» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٧٠٣):
«وقد خرجه ابن عدي مِنْ طَرِيقِين، عن معاذ، وقَالَ: هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن.
وقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود، ولكنه منكر كما قَالَه ابن عدي» اهـ.
قلت: وقَالَ الحافظ الذهبي في [ميزان الاعتدال] (٣/ ٤٨٢) - بعد ذكره لبعض كلام أبي داود السابق في تعليل الحديث -:
«قلت صدوق، لأنَّه منكر جدًا، ولكنه قد شك في رفعه، ووقفه يحتمل إن كان محفوظًا» اهـ.
قلت: قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٢٢):
[ ٣ / ٥٥٠ ]
«الفرق عندي لمن صلي بغير سترة بين من يدرأه وبين من لا يدرأه هو المقدار الذي لا ينال المصلي فيه المار بين يديه إذا مد يده إليه ليدرأه ويدفعه لإجماعهم على أن المشي في الصلاة لا يجوز إلَّا إلى الفرج في الصف لمن ركع دونه» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨٣):
«وحكي عن الحنفية، أنه لا يمنع من المرور إلَّا في محل سجود المصلي خاصة.
وحكى أبو بكر ابن العربي، عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح، وعن آخرين أنهم قدروه برمية السهم، وقَالَوا: هو حريم للمصلي. قَالَ: وأخذوه من لفظ المقاتلة، ولم يفهموا المراد منها. قَالَ: والمقاتلة هنا: المنازعة بالأيدي خاصة.
وقَالَ الشافعي: قوله: "فليقاتله" - يعني: فليدفعه» اهـ.
وفي [طرح التثريب] (٣/ ٢٠٦):
«إذا قلنا بقطع المرأة ومن ذكر معها الصلاة بمروره أو استقباله فما مقدار المسافة بين يدي المصلي التي يحصل بها المحذور؟ والجواب أنَّه إنَّما يحرم أو يكره إذا كان على دون ثلاثة أذرع لأنَّه مقدار السترة فإن زاد على الثلاثة فلا يضر وقَالَ بعضهم ستة أذرع وقَالَ بعضهم قذفة بحجر» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٥):
[ ٣ / ٥٥١ ]
«قوله: "بين يدي المصلي" أي أمامه بالقرب منه وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما واختلف في تحديد ذلك فقيل إذا مر بينه وبين مقدار سجوده وقيل بينه وبين قدر ثلاثة أذرع وقيل بينه وبين قدر رمية بحجر» اهـ.
وقَالَ المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٦٩):
«ومنها: القرب هنا ثلاثة أذرع على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب.
قَالَ المجد في شرحه: هذا أقوى عندي وقدمه في "الفروع" و"الرعاية الكبرى" و"تجريد العناية" و"الفائق" وقيل العرف وقيل ماله المشي إليه لقتل الحية على ما يأتي قريبًا اختاره المصنف وغيره. وقَالَ في "الرعاية الصغرى و"الحاويين" وإن مر بقربه عن ثلاثة أذرع أو ماله المشي إليه» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أن تحديد من حدد ذلك بموضع السجود هو الصواب لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنَّ هذا التقدير هو الذي يصدق عليه أنَّه بين يديه.
والوجه الثاني: أنَّ هذا الموضع هو منتهي ما يحتاج إليه المصلي في صلاته فإنَّه لا يحتاج في صلاته إلى ما هو أكثر من ذلك.
الوجه الثالث: أنَّ هذا المقدار هو الذي يمكن المصلى أن يدفع فيه المار وما زاد على ذلك فيه تعسر كما لا يخفى.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٣٦):
[ ٣ / ٥٥٢ ]
«والفرق بين ما يدرأُ فيه المصلى من مرَّ بين يديه وما لا يدرأ من المسافة، هو المقدار الذي ينال المصلي فيه المار بين يديه إذا مرَّ ليدفه، لإجماعهم أن المشي في الصلاة لا يجوز ولو أجزنا له المشي إليه باعًا أو باعين من غير أثر لركبنا أكثر من ذلك، وهذا لا يجوز بإجماع» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٢٤٦):
«وقد اختلف في المراد بما بين يديه، فقيل: إنه بمقدار ثلاثة أذرع من قدمي المصلي. وقيل: بمقدار رمية حجر، يعني بالرمي المتوسط لا بالقوي جدًا ولا بالضعيف. وقيل: ما للمصلي أن يتقدم إليه بدون بطلان صلاته. وقيل: إن مرجع ذلك إلى العرف، فما كان يعد بين يديه، فهو بين يديه، وما كان لا يعد عرفًا بين يديه، فليس بين يديه.
وقيل: ما بين رجليه وموضع سجوده. وهذا أقرب الأقوال، وذلك لأن المصلي لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه» اهـ.
وقَالَ العلامة الألباني ﵀ في [السلسة الضعيفة] (٢/ ٤٣١) - عند كلامه على حديث المطلب السابق -: «الثالث: أن الحديث ليس فيه التصريح بأن الناس كانوا يمرون بينه ﷺ وبين موضع سجوده، فإن هذا هو المقصود من المرور المنهي عنه على الراجح من أقوال العلماء» اهـ.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
تنبيه: قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٨):
«وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري، ومسلم - أيضًا - بعد: "ماذا عليه": "من الإثم"، وهي غير محفوظة» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٥):
«قوله: "ماذا عليه" زاد الكشميهني "من الإثم" وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره والحديث في "الموطأ" بدونها وقَالَ ابن عبد البر لم يختلف على مالك في شيء منه وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا لكن في "مصنف" ابن أبي شيبة "يعني من الإثم" فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنها الكشميهني أصلًا لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ بل كان راوية وقد عزاها المحب الطبري في الأحكام للبخاري وأطلق فعيب ذلك عليه وعلى صاحب "العمدة" في إيهامه أنها في الصحيحين وأنكر بن الصلاح في "مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر فقَالَ: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا ولما ذكره النووي في "شرح المهذب" دونها قَالَ وفي رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الهروي "ماذا عليه من الإثم"» اهـ.
قلت: ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٩٢٧)، و[مسنده] (٥٧٤)، وأبو نعيم في [معرفة الصحابة] (٣٥٩٧) مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُهَيْمٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٣ / ٥٥٤ ]
وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي الْمَمَرِّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي - يَعْنِي مِنَ الْإِثْمِ - لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ».
قلت: والذي يظهر لي أنَّها مدرجة من باب التفسير. والله أعلم.
ثم رأيت الحافظ ابن رجب ﵀ يقول في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٩):
«وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري، مدرجة بلفظة: "يعني: من الإثم"، فدل على إنها مدرجة من قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هذا يفهم من قوله: "ماذا عليه"، فإن ابن آدم له عمله الصالح وعليه عمله السيئ، كما قَالَ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. وقَالَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته» اهـ.
فائدة/ روى ابن ماجه (٩٤٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ، مُعْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ، كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخَطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا».
قلت: ولا يصح هذا الحديث لجهالة حال عم عبيد الله واسمه عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٢٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، كَانَ يَقُومُ حَوْلًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي سُتْرَةٌ».
قلت: قتادة لم يدرك عمر فإنَّه ولد سنة ستين، ووفاة عمر كان سنة ثلاث وعشرين.
وروى البزار في [مسنده] (٣٧٨٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: نَا سُفْيَانُ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو جُهَيْمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ كَانَ لِأَنْ يَقُومَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (٢/ ٧٩ - ٨٠):
«وفيه فائدتان: إحداهما: قوله: "أربعين خريفًا". الثانية: إن متنه عكس متن "الصحيحين"، فالمسئول في لفظ "الصحيحين" هو أبو الجهيم، وهو الراوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والمسئول الراوي عند البزار زيد بن خالد، ونسب ابن القطان. وابن عبد البر الوهم فيه إلى ابن عيينة، قَالَ ابن القطان في "كتابه" بعد أن ذكرهم من جهة البزار: وقد خطأ الناس ابن عيينة في ذلك، لمخالفته رواية مالك، وليس خطؤه بمتعين، لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بشر بن سعيد إلى زيد بن خالد، وزيد بن خالد بعثه إلى أبي جهيم، بعد أن أخبره بما عنده، ليستثبته
[ ٣ / ٥٥٦ ]
فيما عنده، فأخبر كل واحد منهما بمحفوظه، وشك أحدهما، وجزم الآخر بأربعين خريفًا، واجتمع ذلك كله عند أبي النضر، وحدث به الإمامين: مالك. وابن عيينة، فحفظ مالك حديث أبي جهيم، وحفظ سفيان حديث زيد بن خالد، انتهى كلامه.، وقَالَ ابن عبد البر في "التمهيد": روى ابن عيينة هذا الحديث مقلوبًا، فجعل في موضع زيد بن خالد، أبا جهيم، وفي موضع أبي جهيم، زيد بن خالد، والقول عندنا قول مالك، وقد تابعه الثوري وغيره، انتهى كلامه. قلت: وحديث ابن عيينة في "سنن ابن ماجه" بمثل حديث البزار، إلا أنه لم يسم أبا جهيم، ولفظه: حدثنا هشام بن عمار ثنا سفيان بن عيينة عن سالم أبي النضر عن بشر بن سعيد، قَالَ: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي، فأخبرني عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنه قَالَ: "لأن يقوم أربعين، خير له من أن يمر بين يديه"، قَالَ سفيان: لا أدري، أربعين سنة. أو شهرًا. أو صباحًا. أو ساعة، انتهى. ثم أخرجه عن وكيع ثنا سفيان عن سالم أبي النضر به، بمتن "الصحيحين"، ولا أدري سفيان هذا الذي في السند الثاني، أهو الثوري. أو ابن عيينة، فإن كان الثوري، فقد وافق كلام ابن عبد البر، وإن كان ابن عيينة، فقد خالفه، والذي يظهر أنه ابن عيينة، يدل عليه السند الأول، والله أعلم» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ رواية الإمام مالك هي الصواب وأنَّ سفيان ﵀ أخطأ في هذا الحديث.
[ ٣ / ٥٥٧ ]
وقد قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢١/ ١٤٨):
«قَالَ أحمد بن زهير سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقَالَ خطأ إنما هو زيد إلى أبي جهيم كما روى مالك» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٨):
«وهذا كله وهم. وممن نص على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهم من ابن عيينة، وخطأ: ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيدًا. وقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب. خرجه ابن خزيمة، عن علي بن خشرم، عنه.
ومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم يأت بأمر يقبل منه» اهـ.
فائدة/ والمرور بين يدي المصلي لا يبطل الصلاة بل ينقص من أجرها.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٤/ ١٣):
«فصل: والمرور بين يدي المصلي ينقص الصلاة ولا يقطعها. قَالَ أحمد: يضع من صلاته، ولكن لا يقطعها.
وروي عن ابن مسعود، أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة.
وكان عبد الله إذا مر بين يديه رجل التزمه حتى يرده. رواه البخاري بإسناده.
[ ٣ / ٥٥٨ ]
قَالَ القاضي: ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله، أما إذا رد فلم يمكنه الرد فصلاته تامة؛ لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة، فلا يؤثر فيها ذنب غيره» اهـ.
قلت: أثر ابن مسعود رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٩٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، إِذَا مَرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الْتَزَمَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَيَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاةِ الْمَرْءِ مُرُورُ الْمَرْءِ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قلت: وفيه عنعنة ابن إسحاق.
ورواه ﵀ (٢٩٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي أَنْقَصُ مِنَ الْمُمَرِّ عَلَيْهِ».
قلت: هذا أثر صحيح وله حكم الرفع كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٨٤).
قلت: وليس فيه مقدار النقص.
* * *
[ ٣ / ٥٥٩ ]
١٠٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ. فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ. فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧٦):
«وقوله ﷺ: "فإنَّما هو شيطان". تعليل للإذن في قتاله. وقد اختلف في معناه:
فقيل: المعنى: أنَّ معه الشيطان المقترن به، وهو يأمره بذلك وهو اختيار أبي حاتم وغيره. ويدل عليه: حديث ابن عمر: "فإن معه القرين".
وقيل: المراد: أنَّ فعله هذا فعل الشيطان، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني وغيره.
وروى الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أنَّه كان يصلي ومر بين يديه ابن لمروان، فضربه، فقَالَ مروان: ضربت ابن أخيك؟ فقَالَ: ما ضربت إلَّا شيطانًا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أبى فرده، فإن أبى فقاتله؛ فإنَّما هو شيطان"» اهـ.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
قلت: حديث: «فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ». رواه مسلم (٥٠٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - منع المار بين يدي المصلي.
ويكون ذلك بالرفق في أول الأمر فإن أبي فبالمقاتلة وهي الدفع الشديد.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٣):
«معنى يدرأ يدفع وهذا الأمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنَّه مندوب غير واجب» اهـ.
قلت: قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٧١):
«وقول النبي ﷺ: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع". أمر بدفع المار، ونهى عن تمكينه من المرور، وظاهره الوجوب.
وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه، وأنَّه لا يعلم فيه خلافًا ووقع في كلامه - أيضًا - ما يقتضي أنَّه على الندب دون الوجوب، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم.
[ ٣ / ٥٦١ ]
وروي أبو نعيم: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، قَالَ: إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده.
ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى، فإنَّه لا يرده من حيث جاء، فإنَّه يصير مرورًا ثانيًا. وهذا قول الجمهور، وخالف فيه بعض السلف، منهم ابن مسعود وسالم.
وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلى قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ٢٠٦):
«ويستحب رد المار (و) وينقص صلاته نص عليه، وحمله القاضي إن تركه قادرًا، وعنه يجب رده» اهـ.
قلت: القول بالوجوب هو ظاهر الأدلة. والله أعلم.
٢ - أنَّ من أبى إلَّا المرور فللمصلي أن يقاتله بمعنى يدافعه بالأسهل فالأشد ولو أدى ذلك إلى قتله فدمه هدر ولا تكون المقاتلة إلَّا بالأيدي ولا يجوز استعمال السلاح اتفاقًا.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٣٦):
«والمقاتلة هاهنا: المدافعة في لطف، وأجمعوا أنَّه لا يقاتله بسيف ولا يخاطفه» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٣):
[ ٣ / ٥٦٢ ]
«قَالَ القاضي عياض: واجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء وهل يجب ديته أم يكون هدرًا فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك ﵁» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ دمه هدر لأنَّه ناتج عن فعل مأذون فيه.
٣ - واحتج بعض العلماء في قوله: «فَلْيُقَاتِلْهُ». على أنَّ حد المرور بين يدي المصلي المنهي هو مقدار رمية بسهم لأنَّ أبلغ ما في المقاتلة الرمي بالسهام.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨٣):
«وحكي عن الحنفية، أنَّه لا يمنع من المرور إلَّا في محل سجود المصلي خاصة.
وحكى أبو بكر ابن العربي، عن قوم أنَّهم قدروه بمثل طول الرمح، وعن آخرين أنَّهم قدروه برمية السهم، وقَالَوا: هو حريم للمصلي. قَالَ: وأخذوه من لفظ المقاتلة، ولم يفهموا المراد منها. قَالَ: والمقاتلة هنا: المنازعة بالأيدي خاصة.
وقَالَ الشافعي: قوله: "فليقاتله" - يعني: فليدفعه» اهـ.
قلت: وقد سبق الكلام في هذه المسألة في الحديث الماضي.
٤ - وقوله: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ». احتج به من قَالَ: إنَّ المصلي إذا لم يتخذ سترة فليس له أن يدافع المارين.
قَالَ العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ١٨٨):
[ ٣ / ٥٦٣ ]
«قلت: وهذا إذا كان المصلي يصلي إلى سترة فإن لم تكن سترة يصلي إليها وأراد المار أن يمر بين يديه فليس له درؤه ولا دفعه» اهـ.
قلت: وقد سبق الكلام في هذه المسألة في الحديث الماضي.
٥ - الحديث احتج به الإمام البخاري على جواز التأديب في بعض الأوقات من غير إذن السلطان فقَالَ ﵀: «باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان».
٦ - وفيه جواز الحركة في الصلاة للحاجة.
٧ - وفيه الدنو من السترة فإنَّه لا يتمكن من مدافعة المار بينه وبين السترة إلَّا إذا كان في دنو منها.
وقد جاء في الأمر بالدنو من السترة ما رواه أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قلت: وهو حديث صحيح وسيأتي الكلام عليه في شرح الحديث الآتي.
وأمَّا مقدار الدنو من السترة فقد دلك على ذلك ما رواه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٥٠٨) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ».
وروى البخاري (٥٠٦) عن نافع: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ
[ ٣ / ٥٦٤ ]
الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ قَالَ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَىِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ».
ورواه أحمد (٥٩٢٧)، وأبو داود (٢٠٢٦)، والنسائي (٧٤٩) مِنْ طَرِيقِ مالك عن نافع عن بن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ، فَأَغْلَقَهَا فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُ بِلَالًا مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: تَرَكَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّى، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٣٠):
«هذا أقل ما يكون بين المصلى وسترته، وأكثر ذلك عند قوم من الفقهاء، وقَالَ آخرون: أقل ذلك ثلاثة أذرع؛ لحديث بلال أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حين صلى في الكعبة بينه وبين القبلة قريبًا من ثلاثة أذرع، هذا قول عطاء، وبه قَالَ الشافعي، وأحمد بن حنبل، ولم يَحُدّ مالك في ذلك حدًا» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧):
«وروى وكيع بإسناده عن ابن مسعود، قَالَ: يصلي وبينه وبين القبلة مقدار ممر رجل. وعنه: قَالَ: لا يصلين أحدكم وبينه وبين القبلة فجوة.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
وسئل الحسن: هل كانوا يرقبون في البعد شيئًا؟ قَالَ: لا أعلمه.
وقَالَ ابن المنذر: كان عبد الله بن معقل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع.
وقَالَ عطاء: أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع، وبه قَالَ الشافعي.
وقَالَ مهنأ: سألت أحمد عن الرجل يصلي، كم يكون بينه وبين القبلة؟ قَالَ: يدنو من القبلة ما استطاع، ثم قَالَ: إنَّ ابن عمر قَالَ: صلى رسول الله عليه وسلم في الكعبة، فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع.
وقَالَ الأثرم: سئل أبو عبد الله عن مقدار ما بين المصلي وبين السارية؟ فذكر حديث ابن عمر هذا. قيل له: يكون بينه وبين الجدار إذا سجد شبر؟ قَالَ: لا أدري ما شبر.
قَالَ الأثرم: ورأيته يتطوع وبينه وبين القبلة كثير، أذرع ثلاثة أو أكثر.
قَالَ ابن عبد البر: ولم يحد مالك في ذلك حدًا.
ثم أشار ابن عبد البر إلى أنَّ الآخذين بحديث سهل بن سعد الذي خرجه البخاري في قدر ممر الشاة أولى.
وقَالَ في موضع آخر: حديث ابن عمر أصح إسنادًا من حديث سهل، وكلاهما حسن.
قلت: ولو جمع بين حديث سهل وابن عمر فأخذ بحديث ابن عمر في النافلة وحديث سهل في الفريضة لكان له وجه؛ فإنَّ صلاة النبي في الكعبة كانت تطوعًا،
[ ٣ / ٥٦٦ ]
وسهل إنَّما أخبر عن مقام النبي ﷺ في مسجده الذي كان يصلي فيه بالناس الفرائض.
وقَالَ القرطبي: قدره بعض الناس بقدر شبر.
قلت: هذا فيما يفصل عن محل سجوده، لا عن محل قيامه، كما سئل عنه الإمام أحمد فيما سبق.
قَالَ: ولم أحد في ذلك حدًا، إلَّا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه.
قَالَ: وقد حمل بعض شيوخنا حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد.
كذا وجدته، وينبغي أن يكون بالعكس؛ فإنَّ الراكع والساجد يدنوان من السترة أكثر من القائم كما لا يخفى.
وذكر صاحب "المهذب" من الشافعية: أنَّ ممر العنز قدر ثلاثة أذرع، فعلى قوله يتحد معنى حديث سهل وحديث ابن عمر، وهو بعيد جدًا.
ومتى صلى إلى سترة وتباعد عنها، فقَالَ أصحاب الشافعي: هو كما لو صلى إلى غير سترة، في المرور بين يديه ودفعه للمار، على ما سبق حكاية مذهبهم» اهـ.
[ ٣ / ٥٦٧ ]
قلت: أثر عبد الله بن مغفل جاء بذكر السبعة الأذرع فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٠٧) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: «رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يُصَلِّي وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِ أَذْرُعٍ».
قلت: إسناده صحيح.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٧٥):
«قَالَ ابن بطال: هذا أقل ما يكون بين المصلي وسترته يعني قدر ممر الشاة، وقيل أقل ذلك ثلاثة أذرع لحديث بلال أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع كما سيأتي قريبًا بعد خمسة أبواب وجمع الداودي بأنَّ أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع وجمع بعضهم بأنَّ الأول في حال القيام والقعود والثاني في حال الركوع والسجود، وقَالَ ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة بثلاثة أذرع.
قلت: ولا يخفى ما فيه. وقَالَ البغوي استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود وكذلك بين الصفوف» اهـ.
قلت: روى أبو داود (٦٩٦) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، وَالنُّفَيْلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: «وَكَانَ بَيْنَ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ عَنْزٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْخَبَرُ لِلنُّفَيْلِيِّ.
قلت: سنده صحيح.
[ ٣ / ٥٦٨ ]
قَالَ العلامة الألباني ﵀ في [صحيح أبي داود] (٣/ ٢٧٩):
«قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه البخاري (١/ ٤٥٥)، ومسلم (٢/ ٥٨ - ٥٩)، وابن خزيمة
(٨٠٤)، والبيهقي (٢/ ٢٧٢) من طرق أخرى عن عبد العزيز … به؛ بلفظ: مصلى؛ بدل: مقام.
وكذلك أخرجه أبو عوانة (٢/ ٥٥ - ٥٧).
فهذا اللفظ- الذي عند المصنف- شاذ عندي! ويؤيد ذلك: أنَّ "المقام": هو المكان الذي كان يقوم فيه ﵊؛ فعلى هذا؛ لا يمكنه ﷺ أن يسجد وبينه وبين الجدار ممر عنز أو شاة، كما عند الآخرين؛ لأنَّها مسافة ضيقة قدر ذراع، وأمَّا على رواية الجماعة: مصلى؛ فلا إشكال فيه؛ لأنَّه يمكن تفسيره بموضع السجود. وبذلك جزم النووي في "شرح مسلم".
وأمَّا الحافظ؛ فقد أبعد النجعة، وأفسد معنى هذه الرواية؛ حيث جعل الرواية الشاذة مفسرة لها! وقد ثبت في "البخاري " وغيره:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما صلى في الكعبة؛ كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع.
وهذا هو الممكن المعقول» اهـ.
قلت: نص كلام العلامة النووي في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٥):
[ ٣ / ٥٦٩ ]
«يعني بالمصلى موضع السجود وفيه أنَّ السنة قرب المصلى من سترته» اهـ.
٨ - قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٧٦):
«وَمِنْ بَابِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مُنَاوَلَةُ الشَّيْءِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ الْإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَنْ عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ قَالَ وَحَسَنٌ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُمَا وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ بِمَا يَجْرِي بَيْنَ يَدَيْهِ» اهـ.
٩ - وفيه أنَّ الشيطان يدفع من يمر بين يدي المصلي.
وهل يقطع الصلاة بنفسه.
الأظهر أنَّه يمكنه ذلك إذا لم يتخذ المصلي سترة لما رواه أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قلت: وهو حديث صحيح كما سبق.
وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٨٧٧) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا كَيْ لَا يَمُرَّ الشَّيْطَانُ أَمَامَهُ».
[ ٣ / ٥٧٠ ]
قلت: إسناده صحيح.
١٠ - وقوله: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ». يدل على أنَّ السترة لا بد أن تكون سميكة مرئية، وذلك لأنَّ الشيء الدقيق الذي لا يكاد يشاهد لا يحصل به مقصود الاستتار، وذلك لأنَّ المار لا يشعر به، ومثل ذلك الاستتار بالزجاج الصافي الذي لا يكاد أن يرى.
* * *
[ ٣ / ٥٧١ ]
١٠٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ. وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من قَالَ إنَّ مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة.
وهذه مسألة تنازع فيها العلماء وقد بسط الكلام فيها الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٩٦ - ٧١٨).
قلت: ولنفاسة ما ذكره من الأبحاث والمسائل سوف أسوق كلامه بجملته مع طوله فقد قَالَ ﵀:
«وقد اختلف العلماء في هذا: فقَالَت طائفة - كما قَالَه الزهري -: لا يقطع الصلاة شيء.
وروي ذلك عن عثمان وعلي وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس، على اختلاف عن بعضهم.
وروي عن أبي بكر وعمر من وجه لا يصح، وسيأتي ذكره إن شاء الله.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
وممن قَالَ ذلك بعد الصحابة: سعيد بن المسيب وعبيدة السلماني والشعبي والقاسم بن محمد وعروة والزهري، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور وغيرهم.
وروى شعبة، عن عبيد الله بن عمر، عن سالم ونافع، عن ابن عمر، قَالَ: كان يقَالَ: لا يقطع صلاة المسلم شيء.
ورواه إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن سالم، عن أبيه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر قَالَوا: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرأ ما استطعت". خرجه الدارقطني. والخوزي: ضعيف جدًا.
وصحح الدارقطني في كتاب "العلل" وقفه، وأنكر رفعه.
وخرج أبو داود من رواية أبي أسامة، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم".
وخرجه - أيضًا - من رواية عبد الواحد بن زياد، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، قَالَ: إنَّ الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قَالَ رسول الله ﷺ: "ادرءوا ما استطعتم".
فجعل أوله موقوفًا. ومجالد، فيه ضعف مشهور. وقَالَ أحمد: كم من أعجوبة لمجالد.
[ ٣ / ٥٧٣ ]
وروى إدريس بن يحيى الخولاني، عن بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله بن حرملة، سمع عمر بن عبد العزيز يقول: عَنْ أَنَسٍ بن مالك، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقَالَ عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله، سبحان الله، فلما سلم رسول الله ﷺ قَالَ: "من المسبح آنفًا: سبحان الله وبحمده؟ " قَالَ: أنا يا رسول الله؛ إني سمعت أنَّ الحمار يقطع الصلاة. قَالَ: "لا يقطع الصلاة شيء". خرجه الدارقطني.
وقَالَ في كتاب "العلل": خالف إدريس في رواية هذا الحديث الوليد بن مسلم، فرواه عن بكر بن مضر، عن صخر، عن عمر بن عبد العزيز، عن عياش بن أبي ربيعة. وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر، عن صخر، عن عمر ابن عبد العزيز - مرسلًا. والمرسل أصح. وقد روي هذا المتن من حديث علي وأبي هريرة وعائشة وأبي أمامة، ولا يثبت منها شيء.
قَالَ العقيلي: الرواية في هذا الباب فيها لين وضعف.
وقَالَت طائفة: يقطع الصلاة مرور بعض الحيوانات.
ثم اختلفوا: فمنهم من قَالَ: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ومكحول والحسن وأبي الأحوص.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
ومنهم من قَالَ: يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار والكافر، رواه جابر بن زيد، عن ابن عباس. وروي عن الحكم الغفاري، أنَّه أعاد الصلاة من مرور حمار بين يديه.
وروي عن عكرمة، قَالَ: يقطع الصلاة الكلب والمرأة والخنزير والحمار والكافر.
وعن عطاء، قَالَ: يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود. واختاره أبو بكر ابن خزيمة، وزاد عليهما: الحمار.
والمشهور: عن عطاء، أنَّه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. وهو قول ابن جريج وأحمد في رواية عنه.
وروت صفية بنت شيبة، عن عائشة، قَالَتْ: إنَّما يقطع الصلاة الكلب والحمار والسنور.
وفي رواية أخرى عن عائشة، أنَّها قَالَتْ: والسنور الأسود. وحكي رواية عن أحمد في السنور الأسود.
وقَالَت طائفة: لا يقطع الصلاة سوى الكلب، وروي ذلك عن ابن عمر.
وروي عنه أنَّه أعاد صلاته من مرور كلب أصفر بين يديه، رواه مطر الوراق، عن نافع، عنه.
وروى بكر المزني، أنَّ ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يديه.
وهذا يدل على أنَّه تختص الإعادة بالركعة التي مر فيها الكلب.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
وروى ليث، عن طاووس، عن ابن عباس، قَالَ: ادرءوا عن صلاتكم ما استطعتم، وأشد ما يتقى عليها مرابض الكلاب.
وقَالَ ابن طاووس: كان أبي يشدد في الكلاب.
ومن هؤلاء من خص القطع بالكلب الأسود دون غيره من سائر الألوان.
وروى شعبة، عن الحكم، عن خيثمة، عن الأسود، عن عائشة، قَالَتْ: لا يقطع الصلاة إلَّا الكلب الأسود.
وقَالَ أبو نعيم: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قَالَ: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
حدثنا ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، عن معاذ مثله.
وهو المشهور عن أحمد، وقول إسحاق وأبي خيثمة زهير بن حرب وسليمان ابن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء أهل الحديث.
واستدل من قَالَ: تقطع الصلاة بشيء من ذلك بأحاديث رويت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وليس شيء منها على شرط البخاري، ولا مما يحتج به.
وقد خرج مسلم منها حديثين: حديث: أبي ذر، وحديث أبي هريرة.
فحديث أبي ذر: خرجه مِنْ طَرِيقِ حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: "إذا قام أحدكم يصلي فإنَّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنَّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب
[ ٣ / ٥٧٦ ]
الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ فقَالَ: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقَالَ: "الكلب الأسود شيطان".
وحديث أبي هريرة خرجه مِنْ طَرِيقِ عبيد الله بن عبد الله بن الأصم: ثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ: رسول الله ﷺ: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل".
فأمَّا حديث أبي ذر، فقد قَالَ الإمام أحمد - في رواية المروذي -: إليه أذهب، وهو صحيح الإسناد، وقَالَ - في رواية علي بن سعيد -: هو حديث ثبت، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة - يعني: عن حميد بن هلال -، ثم قَالَ: ما في نفسي من هذا الحديث شيء.
وقَالَ الترمذي: حديث أبي ذر حسن صحيح.
وقَالَ البيهقي في "كتاب المعرفة": هذا الحديث صحيح إسناده، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات، وإن كان البخاري لا يحتج به.
وقوله: "إنَّ البخاري لا يحتج به"، يشير إلى أنَّه لا يحتج بحديث عبد الله بن الصامت بن أخي أبي ذر، ولم يخرج له في "كتابه" شيئًا.
وقَالَ الشافعي في كتاب "مختلف الحديث" - في الحديث الذي فيه المرأة والحمار والكلب -: إنَّه عندنا غير محفوظ.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
ورده لمخالفته لحديث عائشة وغيره، ولمخالفته لظاهر قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وفي مسائل الحسن بن ثواب عن الإمام أحمد: قيل له: ما ترى في الحمار والكلب والمرأة؟ قَالَ: الكلب الأسود يقطع؛ أنَّه شيطان. قيل له حديث أبي ذر؟ قَالَ: هاتوا غير حديث أبي ذر، ليس يصح إسناده، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس، أنَّه مر على بعض الصف وهو على حمار. قيل له: إنَّه كان بين يديه عنزة؟ قَالَ: هذا الحديث في فضاء.
وأمَّا حديث أبي هريرة، فلم يخرج البخاري ليزيد بن الأصم، ولا بني أخيه:
عبد الله بن عبد الله أبي العنبس، وأخيه عبيد الله شيئًا.
وهذا الحديث من رواية عبيد الله كما وجد في بعض النسخ، وقيل: إنَّ الصواب: أنَّه من رواية عبد الله.
وقد روى حديث أبي هريرة من وجه آخر: من رواية هشام الدستوائي، عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ:
"يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار". خرجه الإمام أحمد وابن ماجه. وفي إسناده اختلاف على هشام في رفعه ووقفه، وفي ذكر: "سعد بن هشام" في إسناده
[ ٣ / ٥٧٨ ]
وإسقاطه منه، والصحيح: ذكره -: قَالَه الدارقطني. ورواه ابن أبي عروبة وغير واحد، عن قتادة، فوقفوه، وذكروا في إسناده:
"هشامًا". ولعل وقفه أشبه.
وقد روي عن أبي هريرة مرفوعًا من وجه أخر لا يصح.
وروى يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة؛ قَالَ: سمعت جابر بن زيد يحدث، عن ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب".
خرجه أبو داود، وابن ماجه وابن خزيمة في "صحيحة"، وعندهما: "الكلب الأسود".
قَالَ أبو داود: وقفه سعيد وهشام وهمام، عن قتادة، عن ابن عباس. انتهى.
وكذا وقفه غندر، عن شعبة. ورفعه سفيان بن حبيب، عن شعبة.
وذكر الحافظ أبو نعيم بإسناده، عن يحيى بن سعيد، قَالَ: لم يرفعه عن قتادة غير شعبة. قَالَ يحيى: وأنا أفرقه. وحكى غيره عن يحيى، أنَّه قَالَ: أخاف أن يكون وهم - يعني: شعبة.
وقَالَ الإمام أحمد: ثنا يحيى، قَالَ شعبة رفعه. قَالَ: وهشام لم يرفعه. قَالَ أحمد: كان هشام حافظًا.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
وهذا ترجيح من أحمد لوقفه، وقد تبين أنَّ شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه. ورجح أبو حاتم الرازي رفعه. وخرج أبو داود، عن محمد بن إسماعيل البصري - هو: ابن أبي سمينة -، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى - هو: ابن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس - قَالَ: أحسبه عن رسول الله ﷺ، قَالَ: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفه بحجر".
وقَالَ أبو داود: لم أر أحدًا يحدث به عن هشام، واحسب الوهم فيه من ابن أبي سمينة؛ لأنَّه يحدثنا من حفظه. انتهى. وهو مشكوك في رفعه.
وقد خرجه ابن عدي مِنْ طَرِيقِين، عن معاذ، وقَالَ: هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن.
وقد تبين بذلك أنَّ ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود، ولكنه منكر كما قَالَه ابن عدي.
وخرجه ابن أبي شيبة عن أبي داود، عن هشام، عن يحيى، عن عكرمة - من قوله.
ورواه عبيس بن ميمون، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ أبو زرعة الرازي، هو حديث منكر، وعبيس شيخ ضعيف الحديث.
وقَالَ الأثرم: هذا إسناد واه.
[ ٣ / ٥٨٠ ]
وروى سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب".
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في "صحيحة".
وقد اختلف فيه على قتادة، وعلى الحسن:
فقيل: عن قتادة، كما ترى في الإسناد، وهو الصحيح عند الدارقطني وغيره.
وقيل عن سعيد، عن قتادة، عَنْ أَنَسٍ. وقيل عنه، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - من قوله كما سبق.
وقَالَ هشام: عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة كما سبق.
واختلف فيه عن الحسن:
فقيل: عنه كما ترى. وقَالَ حوشب: عن الحسن، عن الحكم بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وذكر هذا الاختلاف الدارقطني، وقَالَ: الصحيح من ذلك: قتادة، عن الحسن، عن ابن مغفل.
وروى يحيى بن أبي كثير، عن شعبة: عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار". خرجه البزار.
وكذا رواه أبو زيد الهروي سعد بن الربيع، عن شعبة - مرفوعًا.
[ ٣ / ٥٨١ ]
ورواه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير، عن شعبة، عن عبيد الله، عَنْ أَنَسٍ موقوفًا.
قَالَ الدارقطني: والموقوف أصح.
وخرج الإمام أحمد ثنا أبو المغيرة: ثنا صفوان: ثنا راشد بن سعد، عن عائشة، قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، إلَّا الحمار والكافر والكلب والمرأة". قَالَتْ عائشة: يا رسول الله، لقد قرنا بدواب سوء.
هذا منقطع؛ راشد لم يسمع من عائشة بغير شك. ووهم في ذلك، وإنَّما الصحيح: ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ، عنها، أنَّه ذكر عندها ذلك، فقَالَت: لقد قرنتمونا بقرناء سوء، ونحو هذا المعنى.
وقد ذكر الميموني أن أحمد ذكر له أنَّ الحوضي روى مِنْ طَرِيقِ الأسود، عن عائشة - مرفوعًا -: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود". فقَالَ أحمد: غلط الشيخ عندنا؛ هذا عن رسول الله ﷺ وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحمار؟.
يعني: لو كان هذا عندها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لما قَالَتْ ما قَالَتْ.
وخرج أبو داود من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران، قَالَ، رأيت رجلًا بتبوك مقعدًا، فقَالَ: مررت بين يدي النبي صَلَّى
[ ٣ / ٥٨٢ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على حمار وهو يصلي، فقَالَ: "اللهم اقطع أثره"، فما مشيت عليها بعد.
وفي رواية له: فقَالَ: "قطع صلاتنا قطع الله أثره". وفي إسناده جهالة.
فالقائلون: بأنَّ الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة تعقلوا بظواهر هذه الأحاديث.
وأمَّا من قَالَ: لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود، كما قَالَه أحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، فقَالَوا: المرأة والحمار قد تعارضت فيهما الأحاديث، فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة، وحديث ابن عباس دل على أنَّ الحمار لا يقطع الصلاة، وبقي الكلب الأسود لا معارض له فيؤخذ به.
وهذا هو جادة مذهب أحمد وأصحابه، وما قَالَوه في ذلك.
ولهم في ذلك مسلكان آخران:
أحدهما: أنَّ حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر؛ فإنَّ حديث عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي، وأنَّه لا يبطل صلاته، وحديث أبي ذر في مرور المرأة، وأنَّه مبطل للصلاة، فيعمل بكلا الحديثين، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي، وهو رواية عن أحمد.
وهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
وقد تقدم قول عائشة: "فأكره أن أسنحه"- أي: أعترض بين يديه مارة، فدل على أنَّ مرورها بين يديه مما يكره ويتقى، بخلاف نومها معترضة.
وروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قَالَتْ: كنت أكون بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أمر بين يديه، فأنسل انسلالًا.
ويدل على أنَّه يفرق بين المرور والوقوف: أنَّ المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيوانًا، وقد وردت السنة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة، فدل على الفرق بين الأمرين.
وقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف.
والثاني: أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل، فلا تقطعها المرأة، وحديث أبي ذر على الفريضة.
وهذا مسلك آخر لأصحابنا، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة.
ومما استدل به أحمد على الفرق بين الفريضة والنافلة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أو يوتر أيقظ عائشة، ولم يوتر وهي معترضة بين يديه.
وفي رواية خرجها أبو داود من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أن يوتر قَالَ لها: "تنحي".
وبهذه الرواية احتج أحمد في هذه المسألة.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
وخرج الجوزجاني من رواية موسى بن أيوب الغافقي، أنَّ عمه إياس بن عامر حدثه، أنَّه سمع علي بن أبي طالب يقول: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا أراد أن يوتر أمرها - يعني: عائشة - أن تتنحى عنه، وقَالَ: إنَّها صلاة ازددتموها. فإذا فرق بين النفل المطلق والوتر في الصلاة إلى المرأة، فالفريضة أولى.
وقد سلك بعضهم مسلكًا آخر، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس؛ لأنَّ حديث ابن عباس كان في حجة الوداع في آخر عمر النبي ﷺ، وحديث عائشة يدل بظاهره على استمرار النبي ﷺ على ما أخبرت به عنه إلى آخر عمره، ولو كان قد ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له.
وهذا المسلك فيه نظر، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب، وأنكره - أيضًا - الشافعي في "كتاب مختلف الحديث". وعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة.
وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ، فلا يطلقه إلَّا عن يقين وتحقيق؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار، والأخذ بأصحها إسنادًا، فأخذ بحديث عائشة في المرأة، وحديث ابن عباس في الحمار، فبقي الكلب الأسود من غير معارض.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
وهذا إنَّما يتوجه على القول بالفرق بين الوقوف والمرور، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد.
فأمَّا على الرواية الثانية عنه بالتسوية بينهما، فلا تعارض بين حديث عائشة وحديث أبي ذر في المرأة، وإنَّما التعارض بين حديث ابن عباس في مرور الحمار وبين حديث أبي ذر، فمقتضى ذلك حينئذ أن تبطل الصلاة بمرور الكلب والمرأة دون الحمار، ولا يعرف هذا عن أحمد.
وعلى رواية التفريق بين الفرض والنفل، فلا تعارض بين حديث عائشة وأبي ذر في حق المرأة، وإن قلنا: إنَّ الوقوف كالمرور، وأمَّا إن فرقنا بينهما انتفى التعارض حينئذ من وجهين، وتبقى المعارضة بين حديث أبي ذر وحديث ابن عباس في مرور الحمار، فإنَّ حديث ابن عباس في الفرض وحديث أبي ذر عام في الفرض والنفل، فيخرج من هذا أن يقَالَ: حديث أبي ذر عام في الفرض والنفل في مرور الثلاثة، خص من عمومه النفل بمرور المرأة إن سوينا بينه وبين الوقوف، وإن فرقنا بينهما فالوقوف غير داخل في لفظ حديث أبي ذر ولا في معناه.
فأمَّا الحمار فقد عارضه حديث ابن عباس، وهو في الفرض، وهو أصح من حديث أبي ذر، ولكن يلزم من العمل بحديث ابن عباس وترك حديث أبي ذر في الفرض إبطال حكم مرور الحمار جملة، وذلك نسخ.
[ ٣ / ٥٨٦ ]
ويخص - أيضًا - من عموم حديث أبي ذر في الكلب النفل بالقياس على المرأة، فيقتضي هذا التقرير أن يقَالَ: إنَّ مرور الكلب والمرأة يبطل الصلاة المفروضة دون النافلة، ومرور الحمار لا يبطل شيئًا.
وهذا - أيضًا - قول غريب لا يعرف عن أحمد ولا غيره.
وإنَّما حكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أنَّ هذه الثلاثة يبطل مرورها الفرض دون النفل.
وأخذه مما رواه بكر بن محمد وغيره، عن أحمد: يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار، فذكر حديث عائشة، فقَالَ: هو عندي في المار بين يدي المصلي، فإذا كانت بين يديه كان أسهل، وهذا في التطوع، فأمَّا الفرض فهو آكد، أليس النبي ﷺ حين أراد أن يوتر قَالَ: "تنحي"؟
قَالَ: هذا إنَّما يدل على تفريق أحمد بين الفرض والتطوع في استقبال المرأة في الصلاة دون مرورها، أمَّا في المرور فلم يفرق، وإنَّما فرق في الصلاة إلى المرأة النائمة ونحوها بين الفرض والنفل، فجوزه في النفل وكرهه في الفرض، وفرق بين المرور والوقوف في إبطال الصلاة بالمرور دون الوقوف، فما يبطل الصلاة - وهو المرور - لم يفرق فيه بين فرض ونفل، إنَّما فرق بينهما فيما يكره في الصلاة، وهو الصلاة إلى المرأة، فكرهه في الفرض دون النفل، هذا هو الذي دل عليه كلام أحمد هذا. والله أعلم.
[ ٣ / ٥٨٧ ]
وظاهر قول عائشة ﵂: "عدلتمونا بالحمر والكلاب"، واستدلالها بصلاة النبي ﷺ إليها: يدل على أنَّها رأت المرور والوقوف سواء، وإلَّا فلو كان الحكم عندها مختصًا بالمرور لم يكن لها في حديثها دليل.
ومتى قيل: إنَّ حديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي بعض الصف لم يكن مرورًا بين يدي النبي ﷺ، بل كانت سترته محفوظة، فلا دليل في حديثه هذا على أنَّ مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وإن انضم إلى ذلك التفريق بين مرور المرأة ووقوفها وجلوسها ونومها لم يبق في حديثها دليل على أنَّ المرأة لا يقطع مرورها، فيسلم حينئذ حديث أبي ذر وما أشبهه من معارض في الكلب والمرأة والحمار.
وأمَّا جمهور أهل العلم الذين لم يروا قطع الصلاة وبطلانها بمرور شيء بين يدي المصلي، فاختلفت مسالكهم في هذه الأحاديث المروية في قطع الصلاة:
فمنهم: من تكلم فيها من جهة أسانيدها، وهذه تشبه طريقة البخاري؛ فإنَّه لم يخرج منها شيئًا، وليس شيء منها على شرطه كما سبق بيانه.
ومنهم: من ادعى نسخها بحديث مرور الحمار وهو في حجة الوداع، وهي في آخر عمر النبي ﷺ، وإذا نسخ منها شيء دل على نسخ الباقي، وسلك هذا الطحاوي وغيره من الفقهاء.
[ ٣ / ٥٨٨ ]
وفيه ضعف، وقد أنكر الشافعي وأحمد دعوى النسخ في شيء من هذه الأحاديث؛ لعدم العلم بالتاريخ.
ومنهم من قَالَ: حديث أبي ذر ونحوه قد عارضه ما هو أصح منه إسنادًا، كحديث ابن عباس وعائشة، وقد أعضدهما أحاديث أخر تشهد لهما:
فروى شعبة، أنَّ الحكم أخبره، قَالَ: سمعت يحيى - هو: ابن الجزار - يحدث، عن صهيب، قَالَ: سمعت ابن عباس يحدث، أنَّه مر بين يدي رسول الله ﷺ هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فنزلوا ودخلوا معه، فصلوا فلم ينصرف، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب، فأخذنا بركبتيه، ففرع بينهما ولم ينصرف.
خرجه الإمام أحمد والنسائي، وهذا لفظه، وقد سبق ذكر إسناده.
وخرج النسائي - أيضًا - من رواية ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب، قَالَ: زار رسول الله ﷺ عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر وهما بين يديه، فلم يزجرا ولم يؤخرا.
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود، ولفظه: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلى في صحراء، ليس بين يديه سترة، وحمارة
[ ٣ / ٥٨٩ ]
لنا وكليبة تعبثان - أو تعيثان - بين يديه، فما بالى ذاك. ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وثقه الدارقطني وغيره.
وعباس بن عبيد الله بن عباس، روى عنه أيوب السختياني مع جلالته، انتقاده للرجال، حتى قَالَ أحمد: لا تسأل عمن روى عنه أيوب. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقد اختلف قول أحمد في هذا: فمرة، قَالَ: حديث أبي ذر يخالفه، ولم يعتد به -: نقله عنه علي بن سعيد. ومرة، عارض به حديث أبي ذر، وقدمه عليه -: نقله عنه الحسن بن ثواب.
لكن ليس في هذا الحديث أنَّ الكلب كان أسود؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود، ولم يجعله معارضًا له.
وروى أسامة بن زيد، عن محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز -، عن أبيه، عن أم سلمة، قَالَتْ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله - أو عمر بن أبي سلمة -، فقَالَ بيده فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة، فقَالَ بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ قَالَ: "هنَّ أغلب". خرجه ابن ماجه.
وقد يفرق من يقول ببطلان الصلاة بمرور المرأة بين الجارية التي لم تبلغ وبين البالغ، ويقول: إذا أطلقت المرأة لم يرد بها إلَّا البالغ، وزينب حينئذ كانت صغيرة، والصغيرة لا تسمى امرأة في الحال؛ ولهذا قَالَتْ عائشة: إذا بلغت الجارية تسع
[ ٣ / ٥٩٠ ]
سنين فهي امرأة. وفي دخول الصغيرة في مسمى النساء خلاف ذكره الماوردي وغيره من المفسرين، فكذا ينبغي أن يكون في دخولها في مسمى المرأة.
وقد سلك الشافعي في "كتاب مختلف الحديث" هذا المسلك في ترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث قطع الصلاة، وعضدها بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وسلك آخرون مسلكًا آخر، وهو: أنَّ الأحاديث إذا تعارضت نظر إلى ما عمل به الصحابة فيرجح، وقد عمل الصحابة بأنَّ الصلاة لا يقطعها شيء، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم.
وقد سلك هذا أبو داود في "سننه"، وهو من أجل أصحاب الإمام أحمد.
وسلك آخرون مسلكًا آخر، وهو: تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث، وأنَّه ليس المراد به إبطال الصلاة وإلزام إعادتها، وإنَّما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها، والالتفات إليها، وهذا هو الذي قَالَه الشافعي في رواية حرملة، ورجح هذا الخطابي والبيهقي وغيرهما من العلماء.
وقد تعرض عليه بأنَّ المصلي قد يكون أعمى، وقد يكون ذلك ليلًا بحيث لا يشعر به المار ولا من مرَّ عليه، والحديث يعم هذه الأحوال كلها.
وأيضًا؛ فقد يكون غير هذه الثلاثة أكثر إشغالًا للمصلي كالفيل والزرافة والوحوش والخيل المسومة، ولا يقطع الصلاة مرور شيء من ذلك.
[ ٣ / ٥٩١ ]
وأقرب من هذا التأويل: أن يقَالَ: لما كان المصلي مشتغلًا بمناجاة الله، وهو في غاية القرب منه والخلوة به، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة، والقرب الخاص؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب؛ فإنَّ الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي أوجب تخلله بعدًا وقطعًا لمواد الرحمة والقرب والأنس.
فلهذا المعنى - والله أعلم - خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها، وهي: المرأة؛ فإنَّ النساء حبائل الشيطان، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنَّما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء. والكلب الأسود: شيطان، كما نص عليه الحديث. وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل، لأنَّه يرى الشيطان؛ فلهذا أمر ﷺ بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته، وليس ذلك موجبًا لإبطال الصلاة وإعادتها. والله أعلم.
وإنَّما هو منقص لها، كما نص عليه الصحابة، كعمر وابن مسعود، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي، وقد أمر النبي ﷺ بدفعه وبمقاتلته، وقَالَ: "إنَّما هو شيطان".
وفي رواية: "أنَّ معه القرين".
[ ٣ / ٥٩٢ ]
لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص أكثر وأكثر، فهذا هو المراد بالقطع، دون الإبطال والإلزام بالإعادة. والله أعلم.
وقد ذكرنا فيما سبق حديث أبي داود في مرور الغلام بتبوك بين يدي النبي ﷺ، وأنه قَالَ: "قطع علينا صلاتنا"، ودعا عليه، فهذا قطع لا يقتضي البطلان.
ويدل على ذلك - أيضًا -: أنَّ ابن عباس قد قَالَ: يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود والحمار، كما سبق عنه.
وروي عنه إنكار بطلان الصلاة بذلك: فروى الحسن العرني، قَالَ: ذكر عند ابن عباس: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة. قَالَ: بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلبًا وحمارًا، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله ﷺ يصلي بالناس، حتى إذا كنت قريبًا منه نزلت عنه، وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله ﷺ في صلاته، فما أعاد صلاته ولا نهاني عمَّا صنعت، ولقد كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي بالناس، فجاءت وليدة تخلل الصفوف، حتى عاذت برسول الله ﷺ، فما أعاد رسول الله ﷺ صلاته، ولا نهاها عمَّا صنعت، ولقد كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي في مسجد، فخرج جدي من بعض حجراته، فذهب يجتاز بين يديه، فمنعه رسول الله ﷺ.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
قَالَ ابن عباس: أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة؟ خرجه الإمام أحمد.
ومراد ابن عباس، أنَّه ليس كل ما أمر بدفعه ومنعه من المرور تبطل الصلاة بمروره، ولا يقطعها بمعنى أنَّه يبطلها، وإن كان قد يسمى قطعًا باعتبار أنَّه ينقصها.
وروى سفيان، عن سماك، عن عكرمة، قَالَ: قيل لابن عباس: أيقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب؟ فقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، فما يقطع هذا، ولكن يكره. خرجه البيهقي.
وقد أشار طائفة من السلف إلى أنَّ الشيطان لا سبيل له إلى قطع قرب المصلي، ولا أن يحول بين المصلي وبين تقريب الله له، واختصاصه بما اختصه به.
قَالَ ابن أبي شيبة: ثنا ابن نمير: ثنا حنظلة، عن القاسم، قَالَ: لا يقطع الصلاة شيء، الله أقرب من كل شيء.
وقَالَ الحكيم الترمذي في "تفسيره": ثنا مؤمل بن هشام اليشكري: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن القاسم بن محمد، قَالَ: لا يقطع الصلاة شيء؛ فإنَّ الله دون كل شيء إلى العبد.
قَالَ الحكيم: يعني: أدنى إليه من كل شيء، كما قَالَ تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
وحينئذ فيتوجه أن يقَالَ: إنَّ المصلي وجد منه تفريط في حصول مرور الشيطان بين يديه، إمَّا بصلاته في موضع تجتاز فيه المرأة والحمار والكلب من غير سترة، أو مر ذلك وفرط في دفعه ورده، فإنَّه ينقص أجر صلاته.
وربما يقَالَ: أنَّه يستحب له إعادتها، كما أعاد ابن عمر صلاته من مرور جرو الكلب. وكذلك الحكم الغفاري، أعاد من مرور حمار.
وإمَّا إن لم يحصل منه تفريط في ذلك بالكلية، فإنَّه لا ينقص صلاته، كمن صلى ومر بين يديه رجل فدفعه ولم يندفع، فإنَّه لا تبطل صلاته، بل ولا تنقص مع إخبار النبي ﷺ أنَّ المار بين يديه شيطان.
وهو بمنزلة من صلى وهو يدافع وساوس الشيطان، فإنَّه لا يضره ذلك، ولا يكون به محدثًا لنفسه في صلاته، وإنَّما يكون محدثًا لنفسه إذا استرسل مع وساوسه وخواطره.
وقد ألحق طائفة من أصحابنا بمرور الكلب والمرأة والحمار: مرور الشيطان حقيقة، وقَالَوا: إنَّ حكم مروره حكم مرور الكلب.
وقد صح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "إنَّ الشيطان تفلت علي البارحة؛ ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه".
وقد خرجه البخاري فيما سبق في "باب: ربط الأسير ونحوه في المسجد".
والظاهر: أنَّه ﷺ أراد بقطع صلاته ما ذكرناه.
[ ٣ / ٥٩٥ ]
وقد خرج البخاري حديث عائشة، قَالَتْ: سألت النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقَالَ: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
وفي حديث أبي ذر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لا يزال الله مقبلًا على العبد وهو مقبل عليه في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه". خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في "صحيحة".
وفي حديث الحارث الأشعري، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إنَّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن"- فذكر الحديث - وفيه: "وآمركم بالصلاة؛ فإنَّ الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا".
خرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه.
والالتفات - أيضًا - مما يسرقه الشيطان من صلاة العبد، فتنقص به صلاته.
وقد روي: "لا صلاة لملتفت"، وإنَّما أريد نفي كمالها وتمامها؛ فإنَّه يوجب إعراض الله من عبده في تلك الحال.
وكذلك تنخم المصلي أمامه في صلاته يوجب إعراض الله عن عبده المصلي له في حال تقريبه له وخلوته بمناجاته.
فالشيطان يحمل المصلي على هذا كله ليقطع عليه صلاته، بمعنى: أنَّه ينقص عليه كمالها وفوائدها وثمراتها من خشوعها وحضورها، وما يتنعم به المصلي وتقر به عينه من ذكر الله فيها، ومناجاته بتلاوة كتابه.
[ ٣ / ٥٩٦ ]
وكذلك ما يقذفه الشيطان في قلب المصلي من الوساوس ويذكره به حتى ينسيه كم صلى وقد أمر المصلي حينئذ بان يسجد سجدتين، فتكونا ترغيمتين للشيطان، ولا تبطل الصلاة، ولا تجب إعادتها بشيء من ذلك كله. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٥٠):
«إذا صلي إلي سترة فمر بينه وبينها رجل أو امرأة أو صبي أو كافر أو كلب أسود أو حمار أو غيرها من الدواب لا تبطل صلاته عندنا قَالَ الشيخ أبو حامد والأصحاب وبه قَالَ عامة أهل العلم إلَّا الحسن البصري فإنَّه قَالَ تبطل بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود. وقَالَ أحمد وإسحاق تبطل بمرور الكلب الأسود فقط» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٤/ ١٧):
«مسألة؛ قَالَ: "ولا يقطع الصلاة إلَّا الكلب الأسود البهيم".
يعني إذا مر بين يديه. هذا المشهور عن أحمد ﵀، نقله الجماعة عنه.
قَالَ الأثرم: سئل أبو عبد الله ما يقطع الصلاة؟ قَالَ: لا يقطعها عندي شيء إلَّا الكلب الأسود البهيم.
وهذا قول عائشة وحكي عن طاووس وروى عن معاذ ومجاهد أنَّهما قَالَا: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة.
ومعنى البهيم الذي ليس في لونه شيء سوى السواد.
[ ٣ / ٥٩٧ ]
وعن أحمد رواية أخرى، أنَّه يقطعها الكلب الأسود، والمرأة إذا مرت، والحمار.
قَالَ: وحديث عائشة من الناس من قَالَ: ليس بحجة على هذا؛ لأنَّ المار غير اللابث، وهو في التطوع، وهو أسهل، والفرض آكد.
وحديث ابن عباس: مررت بين يدي بعض الصف. ليس بحجة؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه وروي هذا القول عَنْ أَنَسٍ وعكرمة، والحسن، وأبي الأحوص» اهـ.
قلت: ومن جملة ما احتج به على عدم قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار بين يدي المصلي ما رواه البخاري (٤٩٥) عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ».
قلت: ولا حجة فيه فإنَّ المرور كان من وراء السترة كما جاء ذلك صريحًا في رواية للبخاري (٤٩٩) بلفظ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا».
وعند مسلم (٥٠٣): «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ».
قَالَ شُعْبَةُ وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ: «وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ».
[ ٣ / ٥٩٨ ]
وروى أحمد (٢٦٥٦٦)، وابن ماجه (٩٤٨) من طريق وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللهِ أَوْ عُمَرُ، فَقَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا، قَالَ: فَرَجَعَ، قَالَ: فَمَرَّتْ ابْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، قَالَ: فَمَضَتْ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "هُنَّ أَغْلَبُ"».
هذه رواية أحمد وعند ابن ماجه عن محمد بن قيس عن أبيه عن أم سلمة.
قلت: ولا يصح هذا الحديث فوالد محمد بن قيس وأمه لا يعرفان.
ولو صح فليس فيه حجة فإنَّه وارد في مرور الجارية الصغيرة والأحاديث الواردة بالقطع واردة بذكر المرأة. والله أعلم.
وقد جاء أيضًا ما يدل على قطع الصلاة بمرور الحمار ما رواه مسلم (٥١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».
وما رواه مسلم (٥١٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ قُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ
[ ٣ / ٥٩٩ ]
الْأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».
وروى أحمد (٣٢٤١)، وأبو داود (٧٠٣)، والنسائي (٧٥١)، وابن ماجه (٩٤٩) مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ سَعِيدٌ، وَهِشَامٌ، وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٢٧٤):
«قَالَ يحيى وهو القطان لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غير شعبة قَالَ يحيى وأنا أفرقه قَالَ ورواه بن أبي عروبة وهشام عن قتادة يعني موقوفًا. قَالَ يحيى: وبلغني أن همامًا يدخل بين قتادة وجابر بن زيد أبا الخليل. قَالَ علي: ولم يرفع همام الحديث» اهـ.
قلت: وقد سبق أن ذكرنا قول الحافظ ابن رجب ﵀: «وقَالَ الإمام أحمد: ثنا يحيى، قَالَ شعبة رفعه. قَالَ: وهشام لم يرفعه. قَالَ أحمد: كان هشام حافظًا.
وهذا ترجيح من أحمد لوقفه، وقد تبين أنَّ شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه. ورجح أبو حاتم الرازي رفعه» اهـ.
[ ٣ / ٦٠٠ ]
وروى أحمد (١٦٨٤٣، ٢٠٥٩١)، وابن ماجه (٩٥١) مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ».
قلت: الحسن لا يصح له سماع من ابن المغفل والحديث حسن بشواهده.
والذي يظهر لي أنَّ المراد بالقطع في الثلاثة هو بطلان الصلاة فإنَّ هذا هو ما يتبادر للذهن من هذه الكلمة فإنَّه إذا قَالَ شخص قطع فلان صلاته فلا يفهم من ذلك إلاَّ بطلانها. نعم قد يأتي القطع بمعنى نقصان الأجر كما روى أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قلت: وهو حديث صحيح كما سيأتي بيان ذلك. لكن تخصيص هذه الثلاثة بالذكر دون غيرها مما يقوي إجراء القطع على حقيقته وهو البطلان. والله أعلم.
وأمَّا ما احتج به الحافظ ابن رجب ﵀ من أنَّ القطع لا يلزم منه البطلان وهو ما رواه أبو داود (٧٠٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ نَزَلَ بِتَبُوكَ وَهُوَ حَاجٌّ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُقْعَدٍ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالَ لَهُ: سَأُحَدِّثُكَ
[ ٣ / ٦٠١ ]
حَدِيثًا فَلَا تُحَدِّثْ بِهِ مَا سَمِعْتَ أَنِّي حَيٌّ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بِتَبُوكَ إِلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ: «هَذِهِ قِبْلَتُنَا»، ثُمَّ صَلَّى إِلَيْهَا فَأَقْبَلْتُ وَأَنَا غُلَامٌ أَسْعَى حَتَّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَقَالَ: «قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ» فَمَا قُمْتُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِي هَذَا.
قلت: هذا حديث ضعيف سعيد بن غزوان لا يعرف حاله وأبوه مجهول.
ورواه أحمد (١٦٦٥٩، ٢٣٢٤٥)، وأبو داود (٧٠٥) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلًى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ نِمْرَانَ، قَالَ: «لَقِيتُ رَجُلًا مُقْعَدًا شَوَّال فَسَأَلْتُهُ قَالَ: "قَطَعَ عَلَيْنَا صَلَاتَنَا قَطَعَ اللهُ أَثَرَهُ"، فَأُقْعِدَ».
قلت: هذا حديث ضعيف لإبهام مولى ليزيد بن نمران ويختلف عما قبله فإنَّ في الذي قبله ليس فيه ذكر الحمار.
٢ - احتج به من قَالَ أنَّ السترة لا تجب وهذا مبني على أنَّ نفي الجدار نفي للسترة.
قلت: والذي يظهر لي أنَّه لا يلزم منه ذلك فقد كان المعروف من هديه ﵊ في السفر الصلاة إلى العنزة وقد روى ذلك أيضًا ابن عباس ﵁.
فروى الإمام أحمد ﵀ في [مسنده] (٢١٧٥) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ يَعْنِي ابْنَ أَبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
[ ٣ / ٦٠٢ ]
«رُكِزَتِ الْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، بِعَرَفَاتٍ، فَصَلَّى إِلَيْهَا وَالْحِمَارُ يَمُرُّ مِنْ وَرَاءِ الْعَنَزَةِ».
قلت: وإسناده حسن.
وهذا مما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد اتخذ العنزة في حجته.
وأمَّا ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٥٧)، والبزار في [مسنده] (٤٩٥١)، وابن خزيمة في [صحيحه] (٨٣٩) مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ ابنِ جُرَيجٍ، قال: أَخْبَرنا عَبد الْكَرِيمِ، أنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ:
«أَتَيْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ عَلَى أَتَانٍ، فَمَرَرْنَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، وهُو يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، لَيْسَ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ». هذا لفظ البزار،
ولفظ عبد الرزاق: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَجَزْتُ أَنَا وَالفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ مُرْتَدِفِينَ أَتَانًا، وَهُوَ يُصَلِّي يَوْمَ عَرَفَةَ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِمَّنْ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ».
قلت: اختلف العلماء في عبد الكريم هذا من هو هل هو الجزري الثقة أم ابن أبي المخارق الذي قَالَ فيه قَالَ فيه النسائي والدارقطني: «متروك». وذلك لاشتراكهما في الرواية عن مجاهد، وهكذا ابن جريج قد روى عنهما. فقَالَ الحافظ ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (٢/ ٢٥):
[ ٣ / ٦٠٣ ]
«وغير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد على الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وهذه اللفظة قد رويت عن ابن عباس خلاف هذا المعنى» اهـ.
قلت: وهذا يشعر أنَّه يراه ابن أبي المخارق فإنَّ الجزري ثقة يحتج به. وأصرح من هذا قوله ﵀ بعد ذلك في [صحيحه] (٢/ ٢٦): «وخبر عبد الكريم وخبر الحكم بن أبان قريب من جهة النقل لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره» اهـ. فإنَّ المتكلم فيه هو ابن أبي المخارق.
وقَالَ العلامة الألباني ﵀ في [السلسة الضعيفة] (١٢/ ٦٧٧):
«والأرجح عندي أنَّه هذا الضعيف، وذلك لسببين:
الأول: أنَّه لو كان الثقة لبادر ابن جريج إلى التصريح بنسبته.
الثاني: أنَّ ابن خزيمة جزم بأنَّه هو؛ كما تقدم نقله عنه» اهـ.
قلت: وأمَّا الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦١١) فقد صرح بأنَّه عبد الكريم الجزري الثقة.
وهكذا أيضًا العلامة بدر الدين العيني ﵀ فقد قَالَ في [شرح أبي داود]
(٣/ ٢٨٤): «وعند البزار بسند صحيح، عن ابن عباس» اهـ. فذكره.
قلت: مع هذا التردد والاحتمال فلا يجزم بصحة الحديث لا سيما وهو مخالف لحديث ابن عباس الصحيح.
وقد ذهب جماهير علماء السلف إلى استحباب السترة وعدم وجوبها، وذهب إلى القول بوجوبها جماعة من أهل العلم وقد بوَّب ابن خزيمة على حديث ابن عمر
[ ٣ / ٦٠٤ ]
الآتي بقوله: «باب النهي عن الصلاة إلى غير سترة». وهذا يشعر بإيجابه لها وبوب أبو عوانة على حديث ابن عمر وغيره فقَالَ: «بيان إيجاب تقدم المصلي إلى سترة، وأن لا يدع أحدًا يمر بين يديه». وذهب إلى القول بوجوب السترة أيضًا العلامة الشوكاني ﵀ وغيره من العلماء واحتج الموجبين للسترة بأدلة:
الدليل الأول: ما رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٨٠٠، ٨٢٠)، ومِنْ طَرِيقِه ابن حبان في [صحيحه] (٢٣٦٢) ثنا بُنْدَارٌ، ثنا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي الْحَنَفِيَّ، ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُصَلِّ إِلَّا إِلَى سُتْرَةٍ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنْ أَبَى فَلْتُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ».
قلت: هذا حديث صحيح والضحاك بن عثمان وثقه جماعة من علماء الحديث ولم يأت من جرحه بحجة على جرحه.
ورواه مسلم (٥٠٦) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ».
قلت: والذي يظهر لي هو ثبوت الحديث بالوجهين فأبو بكر الحنفي إن لم يكن أوثق من ابن أبي فديك فليس بدونه. والله أعلم.
[ ٣ / ٦٠٥ ]
الدليل الثاني: ما رواه أحمد (١٦١٣٤)، وأبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) مِنْ طَرِيقِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، مَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: بَعْضُهُمْ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ اهـ.
قلت: حديث واقد رواه البيهقي في [الكبرى] (٣٢٩٠) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْغَضَائِرِيُّ بِبَغْدَادَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ، أنبأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ صَفْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ فَلْيَدْنُ مِنْهُ لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ صَلَاتَهُ». قَالَ الشَّيْخُ وَرَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا اهـ.
ثم رواه ﵀ (٣٢٩١) أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَكَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْمَدَنِيُّ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
[ ٣ / ٦٠٦ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْ سُتَرْتِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا». قَالَ الشَّيْخُ قَدْ أَقَامَ إِسْنَادَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ حَافِظٌ حُجَّةٌ اهـ.
قلت: وحديث داود بن قيس أخرجه أيضًا عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٣٠٣)
قلت: وصله صفوان والوصل زيادة ثقة مقبولة فالحديث صحيح والله أعلم.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٢٤):
«وقَالَ العقيلي: حديث سهل هذا ثابت.
وقَالَ الميموني: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد -: كيف إسناد حديث النبي ﷺ: "إذا صلى أحدكم فليدن من سترته"؟ قَالَ: صالح، ليس بإسناده بأس» اهـ.
قلت: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علل الأمر من الدنو إلى السترة بقطع الشيطان لصلاة المصلي - والقطع هاهنا نقصان في الصلاة وليس بإبطال لها - وليس أن يفعل ما فيه سبب لنقصان صلاته فإذا صلى المصلي إلى غير سترة كان ذلك من أسباب نقصان صلاته. وأيضًا الحديث فيه الأمر بالدنو من السترة وهذا أمر بالسترة بطريق الأولى.
الدليل الثالث: ما رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٨٤٣)، وأبو يعلى في [مسنده] (٦٢٩)، وابن الجارود في [المنتقى] (١٦٦)، والسراج في [مسنده] (٣٥٨)،
[ ٣ / ٦٠٧ ]
وأبو نعيم في [مستخرجه] (١١٠٠)، وعبد بن حميد في [منتخبه] (١٠٠) مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِيَجْعَلْ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قلت: هذا حديث حسن من أجل سماك.
الدليل الرابع: ما رواه أبو داود (٦٩٨)، وابن ماجه (٩٥٤) مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ وَهُوَ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا».
قلت: الحديث رواه مسلم (٥٠٥) مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
قلت: وتابع مالكًا زهير بن محمد العنبري كما روى ذلك أبو يعلى في [مسنده] (١٢٤٨).
والدراوردي كما روى ذلك أبو عوانة في [مستخرجه] (١٠٩٥)، والسراج في [مسنده] (٣٨٥)، وابن عساكر في [معجم شيوخه] (١١٠٥)
قلت: وحديثهم أصح من حديث ابن عجلان. والله أعلم.
[ ٣ / ٦٠٨ ]
وقد صرف الجمهور هذه الأوامر بحديث الباب وليس هو بصريح في نفي السترة كما سبق بيان ذلك.
وبما رواه أحمد (١٩٦٥) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ».
قلت: الحجاج هو ابن أرطأة ضعيف الحديث ومع ضعفه فهو مدلس وقد عنعن.
والحديث إنَّما هو معروف من رواية الجزار عن أبي الصهباء عن ابن عباس كما سبق ذلك في شرح أول أحاديث الباب.
٣ - واحتج به من قَالَ: إنَّ المرور بين يدي المأمومين لا يقطع الصلاة وقد سبق الكلام في ذلك في أول أحاديث الباب.
٤ - واحتج به من قَالَ إنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه. وهذا مبني على أنَّ نفي الجدار لا يلزم منه نفي السترة.
قلت: ويدل على ذلك أيضًا أنَّه لا يعلم عن الصحابة أنَّهم كانوا يتخذون الستر وهم يصلون خلف رسول الله ﷺ.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٠٨):
[ ٣ / ٦٠٩ ]
«وبهذا استدل البخاري وغيره من العلماء على أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلف؛ لأنَّ سترة الإمام إذا كانت محفوظة كفى ذلك المأمومين، ولم يضرهم مرور من مر بين أيديهم؛ ولذلك لا يشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمام» اهـ.
٥ - جواز رعي الدواب في الحرم.
٦ - إقامة الجماعة في السفر.
* * *
[ ٣ / ٦١٠ ]
١٠٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ - فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ. فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه احتج به على أنَّ المرأة لا تقطع الصلاة. وليس فيه دلالة على ذلك فالحديث وارد في الاضطجاع وأحاديث القطع واردة في مرور المرأة وبينهما فرق.
٢ - واستدل بقولها: "غَمَزَنِي" على أنَّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء. وليس فيه حجة لاحتمال الحائل.
قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢١/ ١٧١):
«قَالَ المزني فإنِّي أقول: إنَّه كان على قدمه حائل شيء كالثوب يسترها أو نحوه. قَالَ قاسم فقلت له: القدم بلا حائل حتى يثبت الحائل.
قَالَ أبو عمر: ما أدري كيف يجوز على مثل المزني مع جلالته وفقهه وسعة فهمه مثل هذا الإدخال والاحتجاج والأغلب أنَّ النائم مشتمل في ثوبه ملتحف به وإذا أمكن ذلك وهو الأغلب لم يجب أن يقطع بملامسة فيها مباشرة إلَّا بيقين ولا يقين في هذا الحديث لإمكان ستر القدم واحتماله وإذا احتمل لم تكن فيه حجة لأنَّ الحجة ما لا تنازع فيه ولا يحتمل تأويل الخصم» اهـ.
[ ٣ / ٦١١ ]
قلت: والصحيح أنَّ مس المرأة لا ينقض الوضوء.
٣ - وفي قولها: «وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ». رد على من قَالَ من الصوفية أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان نورًا حسيًا لا ظل له إذ لو كان كذلك لما اعتذرت بعدم وجود المصابيح.
٤ - وفيه أنَّ مرور بعض الجسد بين يدي المصلي لا يؤثر في صلاته.
ومن هذا الباب تناول الشيء باليد بين يدي المصلي.
٥ - وفيه مشروعية الصلاة إلى المرأة.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٤٠ - ١٤١):
«كره كثير من أهل العلم أن تكون المرأة سترة للمصلى، قَالَ مالك في "المختصر": لا يستتر بالمرأة، وأرجو أن يكون السترة بالصبي واسعًا. وقَالَ في "المجموعة": ولا يصلى وبين يديه امرأة وإن كانت أمه أو أخته إلَّا أن يكون دونها سترة، وقَالَ الشافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة ووجه كراهيتهم لذلك، والله أعلم؛ لأنَّ الصلاة موضوعة للإخلاص والخشوع، والمصلى خلف المرأة الناظر إليها يخشى عليه الفتنة بها والاشتغال عن الصلاة بنظره إليها؛ لأنَّ النفوس مجبولة على ذلك، والناس لا يقدرون من ملك آرابهم على مثل ما كان يقدر عليه الرسول، فلذلك صلى هو خلف المرأة حين آمن شغل باله بها، ولم تشغله عن الصلاة» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٩٣):
«وقد نص على ذلك سفيان وأحمد وإسحاق، ولا نعلم فيه خلافًا.
[ ٣ / ٦١٢ ]
وإنَّما اختلفوا: إذا كانا في صلاة واحدة، وليس بينهما سترة».
إلى أن قَالَ ﵀: «وكره الشافعي أن يستتر الرجل بالمرأة في صلاته؛ لما يخشى من فتنتها للمصلي، وشغلها لقلبه.
وهذا إذا كان بحيث ينظر إليها، فأمَّا إن كان ذلك في ظلمة الليل، كما في حديث عائشة، فقد أمن من ذلك» اهـ.
قلت: وهذا تفريق وجيه فقد نزع النبي ﷺ الخميصة التي ألهته في صلاته والمرأة أشد من ذلك والله أعلم.
روى البخاري (٣٧٣)، ومسلم (١٢٣٨) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي"».
٦ - وفيه مشروعية الصلاة إلى النائم.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٤٠):
«الصلاة خلف النائم جائزة إلَّا أنَّ طائفة من العلماء كرهها خوف ما يحدث من النائم فيشغل المصلى أو يضحكه، فتفسد صلاته، قَالَ مالك: لا يصلى إلى النائم إلَّا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاووس. وقَالَ مجاهد: أصلى وراء قاعد أحب إلى من أن أصلى وراء نائم، والقول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة بجوازه، والله
[ ٣ / ٦١٣ ]
الموفق» اهـ.
٧ - وفيه مشروعية الصلاة على فراش النوم.
وقَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٤٥ - ٤٦):
«وقد اختلف العلماء في اختيارهم بعض ما يصلى عليه دون غيره، فروى عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنَّه صلى على عبقري وهي الطنفسة، وعن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس أنَّهم صلوا على المسوح، وصلى ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، والنخعي، والحسن على طنفسة. وصلى قيس بن عبادة على لِبْدِ دابة، وقَالَ الثوري: يصلى على البساط الطنفسة واللِّبْد، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وروى عن ابن مسعود أنَّه لا يسجد إلَّا على الأرض، وعن عروة مثله، وكرهت طائفة الصلاة إلَّا على الأرض أو نباتها، روى ذلك عن جابر بن زيد وقَالَ: أكره الصلاة على كل شيء من الحيوان، وأستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض، وهو قول مجاهد، وقَالَ قتادة: قَالَ سعيد بن المسيب: الصلاة على الطنفسة محدث، وقَالَه ابن سيرين أيضًا، وقَالَ مالك في بساط الصوف والشعر: إذا وضع المصلى جبهته ويديه على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأسًا، وعن عطاء مثله. وقَالَ مغيرة: قلت لإبراهيم حين ذكر كراهية الصلاة على الطنفسة: إن أبا وائل يصلى عليها، قَالَ: أما إنَّه خير مني» اهـ.
٨ - وفيه استحباب النوم إلى جهة القبلة.
٩ - وفيه دليل على أنَّ العمل اليسير لا يفسد الصلاة.
[ ٣ / ٦١٤ ]
١٠ - واحتج به من قال بمشروعية الصلاة إلى الجنازة.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
وقد منع من ذلك العلامة الألباني ﵀ فقال في [تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد] (ص: ٣٤ - ٣٥):
«قال الشيخ علي القاري في "المرقاة" (٢/ ٣٧٢) معللًا النهي: "لما فيه من التعظيم البالغ كأنَّه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم. وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة -يعني قبلة المصلين- وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها".
قلت: يعني في صلاة الفريضة وهذا بلاءٌ عامٌ قد تعداه إلى بلاد الشام والأناضول وغيرها، وقد وقفنا منذ شهر على صورة شمسية قبيحة جدًا تمثل صفًا من المصلين ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم فيها جثث جماعة من الأتراك كانوا ماتوا غرقًا في باخرة.
وبهذه المناسبة نلفت النظر إلى أنَّ الغالب من هديه ﷺ هو الصلاة على الجنائز في "المصلى" خارج المسجد، ولعل من حكمة ذلك إبعادُ
[ ٣ / ٦١٥ ]
المصلين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة التي نبه عليها العلامة القاري ﵀» اهـ.
ومن أجاز ذلك احتج بالحديث السابق وما رواه مسلم (٥١٢) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ».
ورواه البخاري (٥١٢)، ومسلم (٥١٢) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ».
ووجه الشاهد أنَّ النائم كالميت فإنَّ النوم موت أصغر فإذا جازت الصلاة إلى النائم فتجوز إلى الميت إذ لا فرق بين الصورتين.
وقد أجاز ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀.
والأظهر عندي المنع وذلك أنَّ هنالك فرقًا بين الحي والميت، وذلك أنَّ عبادة الأموات من الفتن المنتشرة منذ الأزمان القديمة ولا فرق ظاهر بين النهي عن الصلاة إلى القبر وبين الصلاة إلى الميت.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٠٣):
[ ٣ / ٦١٦ ]
«ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري: وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه. إنَّما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت، فإن صلى إليها فلا باس» اهـ.
* * *
[ ٣ / ٦١٧ ]