٢١ - عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا».
قوله: «فَأَهْوَيْتُ» أي مددت يدي، أو قصدت الهوي من القيام إلى القعود، أو ملت.
قوله: «خُفَّيْهِ» مثنى خف وهو ما يلبس على القدمين ساترًا للكعبين، وسمي بذلك لخفته، وليس في الحيوان شيء له خف إلَّا البعير والنعامة.
وفي الحديث مسائل:
١ - الحديث يدل على مشروعية المسح على الخفين بشرط تقدم الطهارة الكاملة للقدمين قبل إدخالهما في الخفين. وهذا مذهب جمهور العلماء. والمراد بالطهارة طهارة الماء لا التيمم، لأنَّ التيمم لا يقوم بالقدمين، ولا يظهر لي فرق بين من تيمم لإعواز الماء أو لغير ذلك كالمريض.
وهذا مذهب الجمهور، وذهبت الشافعية إلى التفصيل في ذلك، وهو أنَّ التيمم إن كان لفقدان الماء فلا يجوز المسح بعد وجود الماء لأنَّ طهارة التيمم تزول بوجدان الماء والواجب عليه حينئذ نزع الخفين والوضوء الكامل، وإن كان بغير ذلك فيصح المسح على الخفين لأنَّ طهارته لا تزول بوجود الماء.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٥١٦):
[ ١ / ٣٣٧ ]
«وَحُكْمُ سَلِسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَمَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ وَجُرْحٌ سَائِلٌ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى مَا سَبَقَ وَكَذَا الْوُضُوءُ الْمَضْمُومُ إلَيْهِ التَّيَمُّمَ لِجُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ لَهُ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَإِذَا شُفِيَ الْجَرِيحُ لَزِمَهُ النَّزْعُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الحرمين وغيرهما: وأمَّا التيمم الَّذِي مَحَّضَ التَّيَمُّمَ وَلَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ فَإِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ لَا بِإِعْوَازِ الْمَاءِ بَلْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَثَّرُ بِوُجُودِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بَلْ إذَا وُجِدَ الْمَاءُ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ هُوَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فَتَسْتَبِيحُ فَرِيضَةً وَنَوَافِلَ كَمَا سَبَقَ وَالْمَذْهَبُ الْفَرْقُ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ لَا تَسْتَمِرُّ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ فَنَظِيرُهُ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ يَنْقَطِعَ دَمُهَا والله أعلم» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٨٣)
«وأمَّا إذا لبسه على طهارة تيمم لم يكن له المسح عليه؛ لأنَّ التيمم لا يرفع الحدث بعد لبسه مع بقاء الحدث؛ ولأنَّه إذا وجد الماء ظهر حكم الحدث السابق قبل لبسه فيكون في التقدير قد لبس وهو محدث؛ لأنَّه إنَّما جعلناه متطهرًا في ما لا يستمر حكمه كالصلاة والطواف ومس المصحف للضرورة، ولا إلى المسح بعد وجود الماء؛ لأنَّه يتمكن من غسل رجليه ولبس الخف حينئذ، وهذا إنَّما يكون فيمن يتيمم لعدم الماء، وأمَّا من تيمم خوف الضرر باستعماله لجرح أو قرح فإنَّه إذا لبس الخف على هذه الطهارة ينبغي أن يكون كالمستحاضة، وتعليل أصحابنا يقتضي ذلك» اهـ.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قلت: وأمَّا المسح على طهارة ممسوح فله صور:
الصورة الأولى: أن يمسح الخف على طهارة مسح فيها على العمامة.
الصورة الثانية: أن يمسح الخف على طهارة مسح فيها على الجبيرة.
الصورة الثالثة: أن يمسح خفًا ثم يلبس عليه خفًا آخر ثم يمسح على الأعلى الذي لبسه على طهارة ممسوح.
الصورة الرابعة: أن ينزع خفه بعد المسح على الحدث ثم يلبسه قبل أن يحدث وقلنا هذا النزع لا يبطل الطهارة وهو الصحيح فيكون حينئذ لبس خفه على طهارة مسح.
والذي يظهر لي صحة الصورة الأولى والثانية وفساد غيرها.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠٨):
«فَصْلٌ: إذَا لَبِسَ خُفَّيْنِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ أَوْ جُرْمُوقَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى حَدَثٍ. وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَيْضًا. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ فِي تَجْوِيزِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْقَدَمِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لَمْ يُزِلْ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ، فَكَأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى حَدَثٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَدَلٌ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ» اهـ.
وقد صحح العلامة النووي ﵀ والعلامة ابن عثيمين رحمهما الله الصورة الثالثة فقال النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٥٠٦):
[ ١ / ٣٣٩ ]
«وإن لبس الخف على طهارة ثم أحدث ومسح عليه ثم لبس الجرموق علي طهارة المسح ففي جواز المسح عليه وجهان مشهوران وقد ذكرهما المصنف بعد هذا أحدهما: يجوز المسح لأنَّه لبسهما على طهارة، والثاني: لا لأنَّها طهارة ناقصة هكذا علله الأكثرون قال المحاملى وغيره: الوجهان مبنيان علي الخلاف في المسح على الخف هل يرفع الحدث عن الرجل. قال الروياني: الأصح منع المسح وهو قول الداركي. وقال غيره: الأصح الجواز وهو قول الشيخ أبي حامد ومقتضى كلام الرافعى وغيره ترجيحه وهو الأظهر المختار لأنَّه لبس على طهارة وقولهم إنَّها طهارة ناقصة غير مقبول» اهـ.
وقال العثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (١/ ٢٥٧):
«فإِن لَبِسَ الأعلى بعد أن أحدث، ومسح الأسفل فالحكم للأسفل، كما لو لبس خُفًّا ثم أحدث، ثم مسح عليه، ثم لبس خفًّا آخر فوق الأوَّل وهو على طهارةِ مَسْحٍ عند لبسه للثاني، فالمذهب أنَّ الحكم للتَّحتاني؛ لأنَّه لبس الثاني بعد الحَدَث.
وقال بعض العلماء: إِذا لبس الثَّاني على طهارة؛ جاز له أن يمسح عليه؛ لأنَّه يصدق عليه أنَّه أدخل رجليه طاهرتين، وقد قال النبيُّ ﷺ: "فإني أدخلتهما طاهرتين"، وهو شامل لطهارتهما بالغسل والمسح، وهذا قول قويٌّ كما ترى. ويؤيِّدُه: أنَّ الأصحاب ﵏ نَصُّوا على أن المسح على الخُفَّين رافع للحدث، فيكون قد لَبِسَ الثَّاني على طهارة تامَّة، فلماذا لا يمسح؟» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع] (١١/ ١٧٦ - ١٧٧):
[ ١ / ٣٤٠ ]
«المعروف عند أهل العلم أنَّه إذا مسح أحد الخفين الأعلى أو الأسفل تعلق الحكم به ولا ينتقل إلى ثانٍ، ومنهم من يرى أنَّه يجوز الانتقال إلى الثاني إذا كان الممسوح هو الأسفل ما دامت المدة باقية.
وهذا هو القول الراجح. وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب ثم لبس عليها جوارب أخرى، أو كنادر ومسح العليا، فلا بأس به على القول الراجح ما دامت المدة باقية، لكن تُحسب المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني» اهـ.
قلت: إذا جاز المسح على الجورب الملبوس على جورب قد مسح عليه ابتداءً لجاز لمن لبس جوربًا أو خفًا ثم مسح عليه ثم خلعه ولبس آخر أن يمسح عليه باعتبار أنَّه لبسه على طهارة مسح - وهذا مبني على أنَّ نزع الخف لا ينقض الطهارة وهو الصحيح - والقول بجواز ذلك مؤداه المسح على الخفين من غير تقدير مدة بل على الدوام وهذا خلاف الأدلة.
وجاء في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١١/ ١٧٨ - ١٧٩):
«وسُئل فضيلة الشيخ: إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعاداها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها؟
فأجاب بقوله: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول، أي أنَّه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ.
[ ١ / ٣٤١ ]
الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءًا مسح فيه على شرابه، فإنَّه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها، لأنَّه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء، وهذه طهارة بالمسح، هذا ما يعلم من كلام أهل العلم ولكن إن كان أحد قال بأنَّه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح، له أن يمسح ما دامت المدة باقية، فإنَّ هذا قول قوي، ولكنني لم أعلم أن أحدًا قال به، فالذي يمنعني من القول به هو أنني لم أطَّلع على أحد قال به، فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي، لأن طهارة المسح طهارة كاملة، فينبغي أن يُقال إنه إذا كان يمسح على ما لبسه على طهارة غسل، فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح، لكنني ما رأيت أحدًا قال بهذا. والعلم عند الله» اهـ.
قلت: مؤدى هذا كما سبق أنَّ المسح ليس له مدة ينتهي إليه، وبيان ذلك أنَّ كل شخص يستطيع أن يخلع خفيه قبل انتهاء مدة المسح أو بعد انتهائها ثم يعيده قبل أن يحدث وتبتدئ له مدة جديدة، ويفعل هذا باستمرار إلى أن يأتيه الموت فلا يغسل قدميه أبدًا.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠٩):
«فَصْلٌ: وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْعِمَامَةِ، أَوْ الْعِمَامَةَ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْخُفِّ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ مَمْسُوحٍ فِيهَا عَلَى بَدَلٍ، فَلَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ بِاللُّبْسِ فِيهَا، كَمَا لَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى خُفٍّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَى خُفٍّ مَمْسُوحٍ عَلَيْهِ» اهـ.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٨١ - ١٨٤):
«وَالطَّهَارَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: غَسْلٌ، وَمَسْحٌ، وَتَيَمُّمٌ، وَطَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ غَسْلٍ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ وَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ مَسْحٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْخُفِّ مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا أَوْ جَوْرَبًا فَيَمْسَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَلْبَسَ فَوْقَهُ خُفًّا أَوْ جُرْمُوقًا فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ لَا يُمْسَحُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مَحْسُوبٌ مِنَ الْمُدَّةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا أَبَاحَ الْمَسْحَ عَلَى طُهْرٍ مَسْحَ ثَلَاثٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ التَّحْتَانِيَّ بَدَلٌ عَنِ الرِّجْلِ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ أَنْ " يُحْدِثَ " فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ الْبَدَلِ فَجَازَ أَنْ يَمْسَحَ وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَمْسَحَ التَّحْتَانِيَّ وَيَدَعَهُ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَغْسِلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ، وَإِذَا مَسَحَ الْفَوْقَانِيَّ ثُمَّ نَزَعَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَدَتْ رِجْلُهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لَأَنَّ الْمَسْحَ تَعَلَّقَ بِالْفَوْقَانِيِّ وَحْدَهُ فَصَارَ التَّحْتَانِيُّ "كَاللِّفَافَةِ" بِخِلَافِ مَا إِذَا نَزَعَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ، فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ جَائِزٌ وَلُبْسُ الْفَوْقَانِيِّ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ بَلْ يَتَطَهَّرُ عَلَيْهِ إِمَّا بِمُجَرَّدِ مَسْحِهِ أَوْ تَكْمِيلِ الطَّهَارَةِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمَمْسُوحَ دُونَ الْفَوْقَانِيِّ، وَلَوْ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ وَقَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى التَّحْتَانِيِّ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ "عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ".
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَلَا يُشَبَّهُ بِهَذَا أَنْ يَخِيطَ عَلَى الْخُفِّ جِلْدَةً؛ لِأَنَّ هُنَا خُفَّيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْخُفَّانِ صَحِيحَيْنِ، فَإِنْ كَانَ التَّحْتَانِيُّ مُخَرَّقًا وَالْفَوْقَانِيُّ صَحِيحًا مَسَحَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَبِسَهُ عَلَى لِفَافَةٍ، وَإِنْ كَانَ التَّحْتَانِيُّ صَحِيحًا وَالْفَوْقَانِيُّ مُخَرَّقًا فَالْمَنْصُوصُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ خُرُوقَهُ مَسْتُورَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْجَوَارِبِ مَعَ النَّعْلِ فَإِنْ ثَبَتَ الصَّحِيحُ بِالْمَخْرُوقِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَوْرَبِ مَعَ النَّعْلِ، وَإِنْ ثَبَتَ الصَّحِيحُ بِنَفْسِهِ مَسَحَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَا مُخَرَّقَيْنِ، وَقُلْنَا يَمْسَحُ عَلَى الْمُخَرَّقِ فَوْقَ الصَّحِيحِ فَهُنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُمْسَحُ أَيْضًا كَالْجَوْرَبِ الثَّابِتِ بِنَعْلٍ.
وَالثَّانِي: لَا يُمْسَحُ كَالْمُخَرَّقِ فَوْقَ اللِّفَافَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا أَوْ عِمَامَةً عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْغَسْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَيْهَا وَالْجَبِيرَةُ بِمَنْزِلَةِ جِلْدِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْعِمَامَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ يَشُدَّ جَبِيرَةً عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ أَحَدِهِمَا، وَنَقُولُ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الْجَبِيرَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لُبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى خُفٍّ مَمْسُوحٍ أَوْ لَبِسَ الْعِمَامَةَ عَلَى قَلَنْسُوَةٍ مَمْسُوحَةٍ، وَجَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَيْهَا.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْحِ تَرْفَعُ الْحَدَثَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالنَّصُّ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ بِعُمُومِهِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي الْمَلْبُوسِ مَعَ الْمَمْسُوحِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْبَدَلِ، وَلِبَعْضِ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا إِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ تَيَمُّمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بَعْدَ لُبْسِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ قَبْلَ لُبْسِهِ فَيَكُونُ فِي التَّقْدِيرِ قَدْ لَبِسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُتَطَهِّرًا فِي مَا لَا يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا إِلَى الْمَسْحِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ غَسْلِ رِجْلَيْهِ وَلُبْسِ الْخُفِّ حِينَئِذٍ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ يَتَيَمَّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ تَيَمَّمَ خَوْفَ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ لِجُرْحٍ أَوْ قُرْحٍ فَإِنَّهُ إِذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى هَذِهِ الطَّهَارَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَعْلِيلُ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الطُّهْرُ الَّذِي مَعَهُ حَدَثٌ دَائِمٌ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا إِذَا لَبِسَتِ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَتِهَا تَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فِي السَّفَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ كَطَهَارَةِ ذِي الْحَدَثِ الْمُنْقَطِعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ كَامِلَةٌ فِي حَقِّهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فَرْضٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ حِينَ ابْتَدَأَهُ وَقَدْ كَانَتْ طَهَارَتُهُ حُكْمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ الْمَاءُ زَالَتْ ضَرُورَتُهُ فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْقَطِعَ دَمُهَا فِي ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ الِانْقِطَاعَ الْمُعْتَبَرَ فَإِنَّ ضَرُورَتَهَا قَدْ زَالَتْ فَكَذَلِكَ قُلْنَا
[ ١ / ٣٤٥ ]
هُنَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهَا مِنْ أَصْلِهَا حَتَّى يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ ظَهَرَ عَمَلُهُ كَمَا يَلْزَمُ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: "إِنَّمَا تَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ مَا دَامَتْ فِي الْوَقْتِ فَتَنْتَفِعُ بِذَلِكَ لَوْ أَحْدَثْتَ بِغَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ، فَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا تَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ كَمَا لَا تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ".
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَ أَحْمَدُ: " الْمُسْتَحَاضَةُ تَمْسَحُ عَلَى خُفِّهَا " وَقَالَ أَيْضًا: " الَّذِي بِهِ الرُّعَافُ إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ "» اهـ.
قلت: ومذهب الشافعي في مسح المستحاضة حرره العلامة النووي ﵀ فقال في [المجموع] (١/ ٥١٤ - ٥١٦):
«هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَفِي صُورَتِهَا فِي الْمُهَذَّبِ بَعْضُ الْخَفَاءِ فَصُورَتُهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنْ تَتَوَضَّأَ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ وَتَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ ثُمَّ تُحْدِثُ بِغَيْرِ حَدَثِ الِاسْتِحَاضَةِ كَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَلَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ تِلْكَ الْفَرِيضَةَ فَإِذَا تَوَضَّأَتْ جَازَ لَهَا الْمَسْحُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ وَتُصَلِّي بِالْمَسْحِ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ وَمَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ فَإِنْ أَحْدَثَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَلَهَا الْمَسْحُ لِاسْتِبَاحَةِ النَّوَافِلِ وَلَا يَجُوزُ لِفَرِيضَةٍ أُخْرَى وَلَوْ تَوَضَّأَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ وَصَلَّتْ فَرِيضَةَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَحْدَثَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَمْسَحَ فِي حَقِّ فَرِيضَةٍ أَصْلًا لَا فَائِتَةٍ وَلَا مُؤَدَّاةٍ وَلَكِنْ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ لِمَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ.
وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِكَوْنِهَا لَا تَمْسَحُ لِغَيْرِ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ بِأَنَّ طَهَارَتَهَا فِي الْحُكْمِ مَقْصُورَةٌ عَلَى اسْتِبَاحَةِ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ وَهِيَ مُحْدِثَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ
[ ١ / ٣٤٦ ]
فَكَأَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى حَدَثٍ بَلْ لَبِسَتْ عَلَى حَدَثٍ حَقِيقَةً فَإِنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْمَذْهَبِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فِي الطُّرُقِ وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ لَهَا الْمَسْحُ أَصْلًا لَا لِفَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالدَّارِمِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ لِأَنَّهَا مُحْدِثَةٌ وَإِنَّمَا جُوِّزَتْ لَهَا الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى مَسْحِ الْخُفِّ بَلْ هِيَ رُخْصَةٌ بِشَرْطِ لُبْسِهِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ: وَالْوَجْهُ الْآخَرُ إنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ وَلَكِنَّهَا تجدد الطهارة ما سحة لِكُلِّ فَرِيضَةٍ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَاحْتِمَالٍ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى فَرِيضَةٍ وَمَذْهَبُ زُفَرَ وَأَحْمَدَ ﵄ أَنَّهَا تَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَفَرًا وَيَوْمًا وَلَيْلَةً حَضَرًا وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ لَا تَزِيدُ عَلَى فَرِيضَةٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَذْهَبُ زُفَرَ وَأَحْمَدَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي جَوَازِ مَسْحِهَا لِفَرِيضَةٍ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ طَهَارَتَهَا هَلْ تَرْفَعُ الْحَدَثَ وَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَخْرِيجُهُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا مَعَ جَرَيَانِهِ دَائِمًا وَكَذَا قَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْمُسْتَظْهَرَيْ هَذَا الْبِنَاءُ فَاسِدٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا مَعَ دَوَامِهِ وَاتِّصَالِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ» اهـ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك أنَّهم يرون إذا لبست المستحاضة الخفين فإن كان الدم منقطعًا من حين توضأت إلى أن لبست الخفين فلها أن تمسح كمال مدة المسح؛ لأنَّ وضوءها رفع الحدث السابق ولم يقترن الحدث بالوضوء ولا باللبس فإنَّما طرأ أول الحدث بعد اللبس على طهارة تامة فأمَّا إذا توضأت والدم سائل أو سال بعد الوضوء قبل اللبس فلبست الخفين كان لها أن تمسح في الوقت إذا أحدثت حدثًا آخر ولم يكن لها أن تمسح بعد خروج الوقت.
ومذهب المالكية مشروعية مسح المستحاضة للخفين كغير المستحاضة.
والذي يظهر لي هو صحة المسح على طهارة الغسل ومن ذلك طهارة المستحاضة ويكون ذلك يومًا وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهنَّ للمسافر، وكون المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة لا يمنع من أخذها بمدة المسح المرخص فيه.
ولا يظهر لي صحة المسح على طهارة التيمم ولا المسح كما سبق.
٢ - ذهب أبو حنيفة إلى أنَّ من قدم غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أتم وضوءه أنَّ له أن يمسح على خفيه إن أحدث بعد ذلك.
قلت: ولا متمسك له بهذا الحديث، فإنَّه لا طهارة للقدمين إلَّا برفع الحدث عنهما، وتقديم غسلهما على سائر الأعضاء لا يرفع الحدث عنهما. والله أعلم.
٣ - واختلفوا فيمن لبس الخف اليمنى قبل أن يغسل الرجل اليسرى.
فعند مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق: لا يمسح، لأنَّه لبس الخف الأولى قبل تمام طهارته. وقد قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ».
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والمزني، ويحيى بن آدم، وأبو ثور، وداود، ورواية عن أحمد: يجوز له أن يمسح عليهما، وهو قول مطرف.
وقال سحنون: لا يمسح إلَّا أن يخلع اليمنى فقط.
قلت: الصحيح مشروعية المسح في هذه الصورة، فإنَّ إيجاب نزع اليمنى بعد ذلك وإدخالها ليصح المسح عبث لا تأتي به الشريعة.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ١٠٠): «مسألة - ومن توضأ فلبس أحد خفيه بعد أن غسل تلك الرجل ثم أنَّه غسل الأخرى بعد لباسه الخف على المغسولة ثم لبس الخف الآخر ثم أحدث فالمسح له جائز، كما لو ابتدأ لباسهما بعد غسل كلتي رجليه، وبه يقول أبو حنيفة وداود وأصحابهما، وهو قول يحيى بن آدم وأبي ثور والمزني، وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: لا يمسح لكن إن خلع التي لبس أولًا ثم أعادها من حينه فإنَّ له المسح.
قال على: كلا القولين عمدة أهله علي قول رسول الله ﷺ: "دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" فوجب النظر في أي القولين هو أسعد بهذا القول، فوجدنا من طهر إحدى رجليه ثم ألبسها الخف فلم يلبس الخفين، إنَّما لبس الواحد، ولا أدخل القدمين الخفين، إنَّما أدخل القدم الواحدة فلما طهر الثانية ثم ألبسها الخف الثاني صار حينئذ مستحقًا لأن يخبر عنه أنَّه ادخلهما طاهرتين ولم يستحق هذا الوصف قبل ذلك، فصح أنَّ له أن يمسح، ولو أراد رسول الله ﷺ ما ذهب إليه مالك والشافعي لما قال هذا اللفظ، وإنَّما كان يقول: دعهما فإنِّي ابتدأت إدخالهما في الخفين بعد تمام طهارتهما جميعًا، فإذ لم يقل عليه
[ ١ / ٣٤٩ ]
السلام هذا القول فكل من صدق الخبر عنه بأنَّه أدخل قدميه جميعًا في الخفين وهما طاهرتان فجائز له أن يمسح إذا أحدث بعد الادخال، وما علمنا خلع خف وإعادته في الوقت يحدث طهارة لم تكن، ولا حكما في الشرع لم يكن، فالموجب له مدع بلا برهان.
وبالله تعالى التوفيق» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٠٩ - ٢١١):
«ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: إحداهما: يجوز المسح. وهو مذهب أبي حنيفة. والثانية: لا يجوز. وهو مذهب مالك والشافعي.
قال هؤلاء: لأنَّ الواجب ابتداء اللبس على الطهارة؛ فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما: لم يجز له المسح حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده. وكذلك في تلك الصورة قالوا: يخلع الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف واحتجوا بقوله: "إني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" قالوا: وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين. والقول الأول هو الصواب بلا شك. وإذا جاز المسح لمن توضأ خارجًا ثم لبسهما فلأن يجوز لمن توضأ فيهما بطريق الأولى؛ فإن هذا فعل الطهارة فيهما واستدامها فيهما وذلك فعل الطهارة خارجًا عنهما وإدخال هذا قدميه الخف مع الحدث وجوده كعدمه لا ينفعه ولا يضره. وإنَّما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ذلك فإنَّ هذا ليس بفعل محرم كمس المصحف مع الحدث. وقول النبي ﷺ: "إنِّي أدخلتهما الخف وهما طاهرتان" حق؛ فإنَّه بيَّن أنَّ هذا علة لجواز
[ ١ / ٣٥٠ ]
المسح فكل من أدخلهما طاهرتين فله المسح. وهو لم يقل: إنَّ من لم يفعل ذلك لم يمسح لكن دلالة اللفظ عليه بطريق المفهوم والتعليل فينبغي أن ينظر حكمة التخصيص: هل بعض المسكوت أولى بالحكم؟ ومعلوم أنَّ ذكر إدخالهما طاهرتين هو المعتاد؛ وليس غسلهما في الخفين معتادًا؛ وإلَّا فإذا غسلهما في الخف فهو أبلغ؛ وإلَّا فأي فائدة في نزع الخف ثم لبسه من غير إحداث شيء فيه منفعة؟ وهل هذا إلَّا عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به؟ ولو قال الرجل لغيره: أدخل مالي وأهلي إلى بيتي - وكان في بيته بعض أهله وماله - هل يؤمر بأن يخرجه ثم يدخله ويوسف لما قال لأهله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ [يوسف: ٩٩]، وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ (٢١)﴾ [المائدة: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧] فإذا قدر أنَّه كان بمصر بعضهم أو كان بالأرض المقدسة بعض؛ أو كان بعض الصحابة قد دخل الحرم قبل ذلك: هل كان هؤلاء يؤمرون بالخروج ثم الدخول؟ فإذا قيل: هذا لم يقع. قيل: وكذلك غسل الرجل قدميه في الخف ليس واقعًا في العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره لأنَّه ليس إذا فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال. فهذا وأمثاله من باب الأولى» اهـ.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ٤٦١): «إذا توضأ ولبس إحدى خفيه قبل غسل رجله الأخرى، ثم غسل رجله الأخرى وأدخلها في الخف، جاز له المسح على أصح القولين، وفيه قول آخر أنَّه لا يجوز؛ لأنَّه لم يلبس الأولى على طهارة كاملة؛ فالحيلة في جواز المسح أن ينزع خف الرجل
[ ١ / ٣٥١ ]
الأولى ثم يلبسه، وهذا نوع عبث لا غرض للشارع فيه، ولا مصلحة للمكلف؛ فالشرع لا يأمره به» اهـ.
٤ - ويحتج بالحديث على أنَّ من لبس خفين بعضهما على بعض أو جوربين ثم مسح على الأعلى منهما ثم خلع الأعلى أنَّ له أن يمسح على الأسفل لأنَّه أدخل نعليه فيهما طاهرتين.
وقد اختلف العلماء في مشروعية لبس خف على خف والأظهر جواز ذلك لأنَّ الحاجة داعية إليه لتدفئة القدم في المناطق الباردة وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، ومنع من ذلك مالك في إحدى الروايتين، والشافعي في الجديد.
وإذا كان الأسفل مخرقًا جاز المسح على الأعلى قولًا واحدًا في مذهب الشافعي.
والذي يظهر لي أيضًا جواز مسح التحتاني لأنَّه لبسهما على طهارة غسل، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد القولين لأحمد، وأحد الوجهين للشافعية.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠٨):
«وَإِنْ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ صَحِيحًا أَوْ مُخَرَّقًا. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ فِي الْغَالِبِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ، كَالْجَبِيرَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْمُفْرَدَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ مُخَرَّقًا، وَقَوْلُهُ: " الْحَاجَةُ لَا تَدْعُو إلَيْهِ ". مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْبِلَادَ الْبَارِدَةَ لَا يَكْفِي فِيهَا خُفٌّ وَاحِدٌ
[ ١ / ٣٥٢ ]
غَالِبًا، وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِدَلِيلِهَا، وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى اللُّبْسِ، لَا بِنَفْسِهَا، فَهُوَ كَالْخُفِّ الْوَاحِدِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَكَانَ لُبْسُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ نَزَعَهُ بَعْدَ مَسْحِهِ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَوَجَبَ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؛ لِزَوَالِ مَحَلِّ الْمَسْحِ. وَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا، فَصَارَ كَانْكِشَافِ الْقَدَمِ، وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ، وَمَسَحَ الَّذِي تَحْتَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، كَمَا يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمِهِ فِي الْخُفِّ، مَعَ أَنَّ لَهُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي إحْدَى الرِّجْلَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ» اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (١/ ٢١٦):
«وَإِنْ نَزَعَ خُفًّا فَوْقَانِيًّا مَسَحَهُ، فَعَنْهُ يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ، اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ فَيَتَوَضَّأُ، أَوْ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ عَلَى الْخِلَافِ "م" وعنه لا يلزمه "وهـ م" فيتوضأ أو يمسح التحتاني» اهـ.
وقال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي الكبير] (١/ ٣٦٧):
«فَصْلٌ: وَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى فَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَلْبَسَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِنْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَالْأَعْلَى عَلَى حَدَثٍ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَلْبَسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ، فَيَمْسَحُ حِينَئِذٍ عَلَى الْأَعْلَى، فَلَوْ مَسَحَ
[ ١ / ٣٥٣ ]
عَلَى الْأَعْلَى عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ، ثُمَّ نَزَعَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ طَهَارَتَهُ صَحِيحَةٌ كَمَنْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ مُبَطَّنٍ، ثُمَّ كَشَطَ أَعْلَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَهَارَتَهُ قَدْ فَسَدَتْ بِنَزْعِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِحُكْمِهِ، وَصَارَ كَمَنْ نَزَعَ خُفَّهُ مِنْ رِجْلِهِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ وَالْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ الْأَسْفَلِ.
وَالثَّانِي: يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ الْأَسْفَلِ وَحْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٥ - وقوله: «فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» فيه أنَّ المسح يكون في أعلى الخف.
وقد روى أبو داود (١٦٢) عن علي ﵁، قال: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وهذا مذهب الإمامين أحمد وأبي حنيفة رحمهما الله.
وذهب الإمامان مالك والشافعي رحمهما الله إلى استحباب مسح أسفل الخف مع أعلاه.
واحتجا بما رواه أحمد (١٨٢٢٢)، وأبو داود (١٦٥)، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠) من طريق الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ».
قلت: هذا حديث معل لا يثبت.
[ ١ / ٣٥٤ ]
قال الحافظ الترمذي ﵀ بعد روايته له: «وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ غَيْرُ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ.
وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ، وَمُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَوَى هَذَا عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَجَاءٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، مُرْسَلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ» اهـ.
وقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ٣٨):
«وسألت أبي وأبا زرعة، عن حديث، رواه الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله وسلم.
فقالا: رواه الوليد هكذا! ورواه غيره، ولم يذكر المغيرة وأفسد هذا الحديث حديث الوليد وهذا أشبه والله أعلم» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ٥٤):
«وسمعت أبي يقول في حديث؛ الوليد، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، أنَّ النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله.
فقال: ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٧/ ١٠٩ - ١١١):
«يَروِيهِ ثَورُ بن يَزِيد، واختُلِف عَنهُ؛ فَرَواهُ الوَلِيد بن مُسلِمٍ، ومُحَمد بن عِيسَى بنِ سُمَيعٍ، عَنْ ثَورِ بنِ يَزِيد، عَنْ رَجاءِ بنِ حَيوَة، عَنْ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عَنِ المُغِيرَةِ.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وَكَذَلِك رَواهُ الإِمامُ الشّافِعِيُّ، عَنْ بَعضِ أَصحابِهِ عَنْ ثَورٍ.
ورَواهُ عَبد الرَّحمَنِ بن مَهدِيٍّ، عَنِ ابنِ المُبارَكِ، عَنْ ثَورٍ، قال: حَدَّثتُ عَنْ رَجاءِ بنِ حَيوَة، عَنْ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرسَلًا.
وَرُوِي هَذا الحَدِيثُ عَنْ عَبدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، عَنْ ورّادٍ، عَنِ المُغِيرَةِ، لَم يَذكُر فِيهِ أَسفَل الخُفِّ.
وَرَواهُ الحَكَمُ بن هِشامٍ، وإِسماعِيلُ بن إِبراهِيم بنِ المُهاجِرِ، عَنْ عَبدِ المَلِكِ.
وَحَدِيثُ رَجاءِ بنِ حَيوَة الَّذِي فِيهِ ذَكَر أَعلَى الخُفِّ وأَسفَلَهُ لا يَثبُتُ لأَنّ ابن المُبارَكِ رَواهُ عَنْ ثَورِ بنِ يَزِيد مُرسَلًا» اهـ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ - بعد روايته للحديث -: «وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَجَاءٍ» اهـ.
قلت: وأمَّا مقدار المسح فالأظهر المسح على أكثر أعلى الخف كما هو مذهب مالك وأحمد.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٥٢٢):
«وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ جُزْءٍ مِنْ أَعْلَاهُ فَوَافَقَنَا عَلَيْهِ الثوري وأبو ثور وداود: وقال أبو حَنِيفَةَ ﵁ يَجِبُ مَسْحُ قَدْرِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ. وَقَالَ أَحْمَدُ ﵁ يَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ ظَاهِرِهِ وَعَنْ مَالِكٍ مَسْحُ جَمِيعِهِ إلَّا مَوَاضِعَ الْغُضُونِ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦):
«وَالْوَاجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ فَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيُسَمَّى مَسْحًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَوْلُهُ: "إِنَّمَا أُمِرْتُ هَكَذَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى أَصْلِ
[ ١ / ٣٥٦ ]
السَّاقِ". وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْبَيَانِ لِلْمَسْحِ الْمُسْقِطِ لِفَرْضِ الْغَسْلِ.
وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ "أَنَّهُ مَسَحَ بِكَفِّهِ" وَفِعْلُهُ هُوَ الْمُفَسِّرُ لِلْمَسْحِ الْمَفْرُوضِ، وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مَسْحَ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَغْسُولٍ فَكَانَ كَالْجَبِيرَةِ وَعُضْوَيِ التَّيَمُّمِ لَكِنْ سَقَطَ أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فَبَقِيَ ظَاهِرُهُ، وَالْأَكْثَرُ يُقَامُ مَقَامَ الْجَمِيعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ، وَالْمَفْرُوضُ مَسْحُ أَكْثَرِ ظَهْرِ الْقَدَمِ، فَلَوْ مَسَحَ بَدَلَ ذَلِكَ أَسْفَلَهُ أَوْ عَقِبَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «عَنْ عُمَرَ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ إِذَا لَبِسَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ".
وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ؛ وَلِأَنَّ عَلِيًّا بَيَّنَ أَنَّ السُّنَّةَ قَدَّمَتْ ظَهْرَ الْخُفِّ عَلَى أَسْفَلِهِ مُخَالِفَةً لِلرَّأْيِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْدِيمَ أَسْفَلِهِ، فَمَتَى مَسَحَ أَسْفَلَهُ فَقَدْ وَافَقَ الرَّأْيَ الْفَاسِدَ؛ وَلِأَنَّ فِعْلَهُ خَرَجَ امْتِثَالًا وَبَيَانًا لِسُنَّةِ الْمَسْحِ الْمَفْرُوضَةِ بَدَلًا عَنِ الْغَسْلِ» اهـ.
قلت: حديث جابر رواه ابن ماجه (٥٥١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُنْذِرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ يَتَوَضَّأُ، وَيَغْسِلُ خُفَّيْهِ، فَقَالَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ دَفَعَهُ، "إِنَّمَا أُمِرْتَ بِالْمَسْحِ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا مِنْ أَطْرَافِ الأَصَابِعِ، إِلَى أَصْلِ السَّاقِ، وَخَطَّطَ بِالأَصَابِعِ».
[ ١ / ٣٥٧ ]
وهذا حديث شديد الضعف.
قال العلامة ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (١/ ٣٤٢):
«جرير- هذا-: ليس بمشهور، ولم يرو عنه غير بقية.
ومنذر: كأنَّه ابن زياد الطائي، وقد كذبه الفلاس، وقال الدارقطني: متروك.
ولم يخرج ابن ماجه لجرير ومنذر غير هذا الحديث، والله أعلم» اهـ.
تنبيه: ذُكر في الحديث شرط من شروط المسح على الخفين وهو أن يدخل قدميه الخفين وهما طاهرتان، وهناك شروط أخرى يذكرها العلماء منها:
١ - أن يكون الخف طاهرًا فلا يجوز المسح على الخف النجس كالمصنوع من جلد الميتة قبل الدباغ، وهذا الشرط متفق عليه بين الأئمة الأربعة.
٢ - أن يكون الخف ساتر لمحل الفرض، وهو الموضع الذي يجب غسله من القدم.
واختلف العلماء في الخف المخرق، والأصح جواز المسح عليه ما دام يسمى خفًا ولا يضر كونه مخرقًا حتى لو كان الخرق في موضع المسح وذلك أنَّ كثيرًا من الصحابة كانوا فقراء، والغالب في خفافهم أن تكون مخرقة ولم ينههم النبي ﷺ عن المسح عليها.
قال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي الكبير] (١/ ٣٦٢ - ٣٦٤):
«اعْلَمْ أَنَّ خَرْقَ الْخُفِّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَدَمِ وَهُوَ أَنْ يكون من فوق الكعبين في ساق الخف، فَجَائِزٌ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ هَذَا الْخَرْقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا لَا سَاقَ لَهُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْقَدَمِ، رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
[ ١ / ٣٥٨ ]
عَوْفٍ يَسْأَلُ بِلَالًا عَنْ وضوء رسول الله ﷺ، فَقَالَ كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ، فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ، وَالْمُوقَانِ: خُفَّانِ قَصِيرَانِ لَيْسَ لَهُمَا سَاقٌ، فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَمْ يَتَفَاحَشِ الْخَرْقُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَفَاحَشَ لَمْ يَجُزْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ يَمْسَحُ مَا أَمْكَنَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ أبو حنيفة يَمْسَحُ إِنْ كَانَ الْخَرْقُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ فَأَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ أبو يوسف: سَأَلْتُ أبا حنيفة عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: لِأَنَّ الثَّلَاثَ أَكْثَرُ الْأَصَابِعِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ إِذَا ظَهَرَ مِنَ الْخَرْقِ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ، وَإِنْ قَلَّ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ مَعَ خَرْقِهِ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا "، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا أَطْلَقَ اسْمَ الْخُفِّ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ خَرْقٌ لَا يُبِيحُ لُبْسَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، قِيَاسًا عَلَى خُرُوقِ الْخَرَزِ، وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، رِفْقٌ وَتَرْفِيهٌ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى لُبْسِهِ وَالْمَشَقَّةَ لَاحِقَةٌ فِي نَزْعِهِ، فَلَوْ كَانَتْ خُرُوقُ الْخُفِّ تَمْنَعُ مِنْ لُبْسِهِ وَتَدْعُو إِلَى نَزْعِهِ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِفَافِ لَزَالَ مَعْنَى الرِّفْقِ، بِالتَّغْلِيظِ وَالتَّرْفِيهِ بِالْمَشَقَّةِ».
إلى أن قال ﵀: «فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَرْقَ الْخُفِّ يَمْنَعُ مِنَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَدَّمِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ
[ ١ / ٣٥٩ ]
﵁ خَرْقَ الْمُقَدَّمِ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ خَرْقِ الْخُفِّ، لَا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْعِ مِنَ الْمَسْحِ هَذَا إِذَا كَانَ فِي ظِهَارَةِ الْخُفِّ وَبِطَانَتِهِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْبِطَانَةِ دُونَ الظِّهَارَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا بِلَا بِطَانَةٍ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْخَرْقُ فِي ظِهَارَةِ الْخُفِّ دُونَ بِطَانَتِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْبِطَانَةُ جلودًا جاز مسحه عليه، وإن كانت خَرْقًا لَمْ يَجُزْ فَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُخَرَّقًا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُ خُفًّا صَحِيحًا جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ، وَكَانَ الْأَسْفَلُ كَاللِّفَافَةِ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا صَحِيحًا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُ مُخَرَّقًا مَسْحَ عَلَى الْأَسْفَلِ وَحْدَهُ دُونَ الْأَعْلَى» اهـ.
قلت: وقد حرر القول في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تحريرًا نفيسًا فقد جاء في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٧٢ - ١٨٣):
«سُئِلَ ﵀ عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ غَيْرَ مُخَرَّقٍ حَتَّى لَا يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ؟ وَهَلْ لِلتَّخْرِيقِ حَدٌّ؟ وَمَا الْقَوْلُ الرَّاجِحُ بِالدَّلِيلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] فَإِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ؟.
الْجَوَابُ:
فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا فِيهِ خَرْقٌ يَسِيرٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي حَدِّ ذَلِكَ وَاخْتَارَ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ لَا
[ ١ / ٣٦٠ ]
يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ مَحَلِّ الْغَسْلِ. قَالُوا: لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ بَعْضُ الْقَدَمِ كَانَ فَرْضُ مَا ظَهَرَ الْغَسْلَ؛ وَفَرْضُ مَا بَطَنَ الْمَسْحَ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ أَيْ: بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَغْسِلَ الْقَدَمَيْنِ وَإِمَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ قِيَاسُ أَصْلِ أَحْمَد وَنُصُوصِهِ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْعَوْرَةِ وَعَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا قَوْلًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلًا كَقَوْلِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ أَخِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ لَا نَنْزِعُ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ؛ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّتَهُ أَنْ لَا يَنْزِعُوا أَخِفَافَهُمْ فِي السَّفَرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ؛ وَلَكِنْ يَنْزِعُوهَا مِنْ الْجَنَابَةِ.
وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى التَّسَاخِينِ وَالْعَصَائِبِ؛ وَالتَّسَاخِينُ هِيَ الْخُفَّانِ فَإِنَّهَا تُسَخِّنُ الرِّجْلَ وَقَدْ اسْتَفَاضَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ وَتَلَقَّى أَصْحَابُهُ عَنْهُ ذَلِكَ فَأَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَقَلُوا أَيْضًا أَمْرَهُ مُطْلَقًا: كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ شريح بْنِ هَانِئٍ قَالَ: أَتَيْت عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَتْ عَلَيْك بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: "جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ". أَيْ: جَعَلَ لَهُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ
[ ١ / ٣٦١ ]
فَأَطْلَقَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخِفَافَ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو كَثِيرٌ مِنْهَا عَنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَقَادُمِ عَهْدِهَا وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقُرَّاءَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمْ تَجْدِيدُ ذَلِكَ.
وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ" وَهَذَا كَمَا أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَ يَكْثُرُ فِيهَا الْفَتْقُ وَالْخَرْقُ حَتَّى يَحْتَاجَ لِتَرْقِيعِ: فَكَذَلِكَ الْخِفَافُ. وَالْعَادَةُ فِي الْفَتْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفِّ أَنَّهُ لَا يُرَقَّعُ وَإِنَّمَا يُرَقَّعُ الْكَثِيرُ وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الضَّيِّقِ حَتَّى إنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَجَدُوا تَقَلَّصَ الثَّوْبُ فَظَهَرَ بَعْضُ الْعَوْرَةِ وَكَانَ النِّسَاءُ نُهِينَ عَنْ أَنْ يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ لِئَلَّا يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مَنْ ضِيقِ الْأُزُرِ مَعَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ؛ بِخِلَافِ سَتْرِ الرِّجْلَيْنِ بِالْخُفِّ فَلَمَّا أَطْلَقَ الرَّسُولُ ﷺ الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ؛ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ: وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ. وَكَانَ مُقْتَضَى لَفْظِهِ أَنَّ كُلَّ خُفٍّ يَلْبَسُهُ النَّاسُ وَيَمْشُونَ فِيهِ: فَلَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَفْتُوقًا أَوْ مَخْرُوقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِمِقْدَارِ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّحْدِيدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَحُدُّهُ بِالرُّبُعِ كَمَا يُحَدُّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ قَالُوا: لِأَنَّهُ يُقَالُ رَأَيْت الْإِنْسَانَ إذَا رَأَيْت أَحَدَ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ فَالرُّبُعُ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يُنَازِعُونَ فِي هَذَا وَيَقُولُونَ: التَّحْدِيدُ بِالرُّبُعِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَأَيْضًا فَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ بَلَّغُوا سُنَّتَهُ وَعَمِلُوا بِهَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَقْيِيدُ الْخُفِّ بِشَيْءِ مِنْ الْقُيُودِ بَلْ أَطْلَقُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْخِفَافِ وَأَحْوَالِهَا فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ فَهِمُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا. وَأَيْضًا فَكَثِيرٌ مِنْ خِفَافِ النَّاسِ
[ ١ / ٣٦٢ ]
لَا يَخْلُو مِنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ يَظْهَرُ مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ؛ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بَطَلَ مَقْصُودُ الرُّخْصَةِ لَا سِيَّمَا وَاَلَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى لُبْسِ ذَلِكَ هُمْ الْمُحْتَاجُونَ؛ وَهُمْ أَحَقُّ بِالرُّخْصَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُحْتَاجِينَ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ هُوَ الْحَاجَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ: "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ" بَيَّنَ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ لَا يَجِدُ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا فَلَوْ أَوْجَبَ الثَّوْبَيْنِ لَمَا أَمْكَنَ هَؤُلَاءِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ. ثُمَّ إنَّهُ أَطْلَقَ الرُّخْصَةَ فَكَذَلِكَ هُنَا لَيْسَ كُلُّ إنْسَانٍ يَجِدُ خُفًّا سَلِيمًا فَلَوْ لَمْ يُرَخِّصْ إلَّا لِهَذَا لَزِمَ الْمَحَاوِيجَ خَلْعُ خِفَافِهِمْ وَكَانَ إلْزَامُ غَيْرِهِمْ بِالْخَلْعِ أَوْلَى. ثُمَّ إذَا كَانَ إلَى الْحَاجَةِ فَالرُّخْصَةُ عَامَّةٌ. وَكُلُّ مَنْ لَبِسَ خُفًّا وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْخُفُّ سَلِيمًا أَوْ مَقْطُوعًا؛ فَإِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى - كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ - حَتَّى تُشْتَرَطُ فِيهِ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُنَازِعِ: إنَّ فَرْضَ مَا ظَهَرَ الْغَسْلُ وَمَا بَطَنَ الْمَسْحُ. فَهَذَا خَطَأٌ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا بَطَنَ مِنْ الْقَدَمِ يُمْسَحُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُلَاقِيهِ مِنْ الْخُفِّ بَلْ إذَا مَسَحَ ظَهْرَ الْقَدَمِ أَجْزَأَهُ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَسْتَحِبُّ مَسْحَ أَسْفَلِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَمْسَحُ خُطَطًا بِالْأَصَابِعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ جَمِيعَ الْخُفِّ كَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ الْجَبِيرَةَ فَإِنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ نَفْسِ الْعُضْوِ فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهَا إلَّا بِضَرَرِ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ وَشَعْرِ الرَّأْسِ وَظُفْرِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ نَزْعُهُ وَغَسْلُ الْقَدَمِ وَلِهَذَا كَانَ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَاجِبًا وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ جَائِزًا إنْ شَاءَ مَسَحَ وَإِنْ شَاءَ خَلَعَ».
[ ١ / ٣٦٣ ]
إلى أن قال ﵀: «وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ لَا يُسْتَوْعَبُ فِيهِ الْخُفُّ بَلْ يَجْزِي فِيهِ مَسْحُ بَعْضِهِ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ قَاطِبَةً فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا بَطَنَ مِنْ الْقَدَمِ مُسِحَ مَا يَلِيهِ مِنْ الْخُفِّ بَلْ إذَا مَسَحَ ظَهْرَ الْقَدَمِ كَانَ هَذَا الْمَسْحُ مُجْزِئًا عَنْ بَاطِنِ الْقَدَمِ وَعَنْ الْعَقِبِ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي مَوْضِعٍ وَمَسَحَ مَوْضِعًا آخَرَ: كَانَ ذَلِكَ مَسْحًا مُجْزِئًا عَنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْقَدَمِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي مُؤَخِّرِ الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ فَإِنَّ مَسْحَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا يَجِبُ بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ كَانَ الْخَرْقُ فِي الْمُقَدِّمِ فَالْمَسْحُ خُطُوطٌ بَيْنَ الْأَصَابِعِ. فَإِنْ قِيلَ: مُرَادُنَا أَنَّ مَا بَطَنَ يَجْزِي عَنْهُ الْمَسْحُ وَمَا ظَهَرَ يَجِبُ غَسْلُهُ. قِيلَ هَذَا: دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا تَكُونُ حُجَّةً فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ فَرْضُهُ غَسْلُهُ فَهَذَا رَأْسُ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ احْتَجَّ بِهِ كَانَ مُثْبِتًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
وَإِنْ قَالُوا بِأَنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَسْتُورٍ أَوْ مُغَطًّى وَنَحْوَ ذَلِكَ: كَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا عِبَارَاتٍ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ دَعْوَى رَأْسِ الْمَسْأَلَةِ بِلَا حُجَّةٍ أَصْلًا. وَالشَّارِعُ أَمَرَنَا بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي: أَنَّهُ لَا يُقَيَّدُ» اهـ.
قلت: وبناء على هذا الشرط لا يشرع المسح على النعلين.
وقد جاء في المسح على النعلين بعض الأحاديث والآثار منها:
الحديث الأول: حديث المغيرة بن شعبة.
وقد رواه أحمد (١٨٢٣١)، وأبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩)، وابن ماجه (٥٥٩)، والنسائي (١٢٥).
[ ١ / ٣٦٤ ]
من طريق وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الأَوْدِيِّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀: «كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» اهـ.
وقال الحافظ النسائي ﵀: «مَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ أَبَا قَيْسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ عَنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٧/ ١١٢):
«يَروِيهِ الثَّورِيُّ، عَنْ أَبِي قَيسٍ الأَودِيِّ، عَنْ هُزَيلِ بنِ شُرَحبِيل، عَنِ المُغِيرَةِ.
وَرَواهُ كُلَيبُ بن وائِلٍ، عَنْ أَبِي قَيسٍ، عَمَّن أَخبَرَهُ عَنِ المُغِيرَةِ وهُو هُزَيلٌ، ولَكِنَّهُ لَم يُسَمِّهِ، ولَم يَروِهِ غَيرُ أَبِي قَيسٍ، وهُو مِمّا يُعَدُّ عَلَيهِ بِهِ لأَنّ المَحفُوظ عَنِ المُغِيرَةِ المَسحُ عَلَى الخُفَّينِ» اهـ.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٢/ ١٢٢):
«وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ، عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: "مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ، وَنَعْلَيْهِ"، وَذَاكَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، ضَعَّفَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ،
وَالْمَعْرُوفُ عَنِ الْمُغِيرَةِ، حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَيُرْوَى عَنْ جَمَاعَةٍ، مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ١ / ٣٦٥ ]
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٥٠٠):
«وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَنُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدَ ابن حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فهؤلاء مقدمون عليه بل كل واحد من هؤلاء لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
الثَّانِي: لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
الثَّالِثُ: حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ لَا أَنَّهُ جَوْرَبٌ مُنْفَرِدٌ ونعل منفردة فكأنَّه قال: مسح على جوربيه الْمُنَعَّلَيْنِ» اهـ.
الحديث الثاني: حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
وقد رواه ابن ماجه (٥٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، وَبِشْرُ بْنُ آدَمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عِيسَى بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ».
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٢٨٤):
«الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِى مُوسَى وَعِيسَى بْنُ سِنَانٍ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ يَعْقُوبَ
[ ١ / ٣٦٦ ]
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: عِيسَى بْنُ سِنَانٍ ضَعِيفٌ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (١/ ٨٨ - ٨٩):
«وَهَذَا الْحَدِيث لَهُ عِلَّتَانِ ذَكَرهمَا الْبَيْهَقِيُّ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَثْبُت سَمَاعه مِنْ أَبِي مُوسَى. وَالثَّانِيَة: أَنَّ عِيسَى بْنَ سِنَانٍ ضَعِيف.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَتَأَوَّلَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْوَلِيدِ حَدِيث الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ: عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ، لَا أَنَّهُ جَوْرَب عَلَى الِانْفِرَاد، وَنَعْل عَلَى الِانْفِرَاد. قُلْت: هَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ مَسْح أَعْلَى الْخُفّ وَأَسْفَله، وَالْبَيَان فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِر أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الْمَلْبُوس عَلَيْهِمَا نَعْلَانِ مُنْفَصِلَانِ. هَذَا الْمَفْهُوم مِنْهُ، فَإِنَّهُ فَصَلَ بَيْنهمَا وَجَعَلَهُمَا سُنَّتَيْنِ. وَلَوْ كَانَا جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ لَقَالَ: مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الْمُنَعَّلَيْنِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْجِلْد الَّذِي فِي أَسْفَل الْجَوْرَب لَا يُسَمَّى نَعْلًا فِي لُغَة الْعَرَب، وَلَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَحَد هَذَا الِاسْم.
وَأَيْضًا: فَالْمَنْقُول عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى سُيُور النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَم مَعَ الْجَوْرَب، فَأَمَّا أَسْفَله وَعَقِبه فَلَا.
وَفِيهِ وَجْه آخَر: أَنَّهُ يَمْسَح عَلَى الْجَوْرَب وَأَسْفَل النَّعْل وَعَقِبه. وَالْوَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ تَجْلِيد أَسَافِل الْجَوْرَبَيْنِ لَا يُخْرِجهُمَا عَنْ كَوْنهمَا جَوْرَبَيْنِ وَلَا يُؤَثِّر اِشْتِرَاط ذَلِكَ فِي الْمَسْح وَأَيّ فَرْق بَيْن أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ غَيْر مُجَلَّدَيْنِ؟ وَقَوْل
[ ١ / ٣٦٧ ]
مُسْلِمٍ ﵀: لَا يُتْرَك ظَاهِر الْقُرْآن بِمِثْلِ أَبِي قَيْسٍ وَهُزَيْلٍ، جَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّ ظَاهِر الْقُرْآن لَا يَنْفِي الْمَسْح عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِلَّا كَمَا يَنْفِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمَا كَانَ الْجَوَاب عَنْ مَوْرِد الْإِجْمَاع فَهُوَ الْجَوَاب فِي مَسْأَلَة النِّزَاع.
الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ سَمِعُوا الْقُرْآن مِنْ النَّبِيّ ﷺ، وَعَرَفُوا تَأْوِيله مَسَحُوا عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَهُمْ أَعْلَم الْأُمَّة بِظَاهِرِ الْقُرْآن وَمُرَاد اللَّه مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَم» اهـ.
الحديث الثالث: حديث أوس بن أبي أوس الثقفي.
وقد رواه أبو داود (١٦٠) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ - قَالَ عَبَّادٌ - قَالَ: أَخْبَرَنِي أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ».
وَقَالَ عَبَّادٌ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى كِظَامَةَ قَوْمٍ - يَعْنِي الْمِيضَأَةَ - وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ الْمِيضَأَةَ وَالْكِظَامَةَ ثُمَّ اتَّفَقَا فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ».
قلت: وقد أُعل الحديث بعلتين:
الأولى: عنعنة هشيم.
والأخرى: أنَّ حماد بن سلمة رواه عن يعلى بن عطاء ولم يذكر عن أبيه فهو منقطع.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٢٨٧):
«وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِىِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ. وَهُوَ مُنْقَطِعٌ» اهـ.
[ ١ / ٣٦٨ ]
قلت: الأظهر ثبوت قوله "عن أبيه" فقد تابع هشيمًا فيه شعبة عند أحمد (١٦٢٥٨).
قلت: عطاء العامري والد يعلى مجهول.
وثم اختلاف آخر في الحديث.
فروى أحمد (١٦٢٦٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ».
قلت: شريك هو القاضي سيء الحفظ، وقد خالف في موضعين:
الأول: لم يذكر في الإسناد والد يعلى.
والآخر: وجعل الحديث من مسند أبي أوس ولم يجعله من مسند أوس.
ورواه أحمد (١٦٢٨٢) من وجه آخر عن شريك، وقد جعل الحديث من مسند أوس.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (١/ ٧٤):
«فَقَوْله: "مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ" كَقَوْلِهِ: "مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ". وَالنَّعْل لَا تَكُون سَاتِرَة لِمَحَلِّ الْمَسْح إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهَا جَوْرَب، فَلَعَلَّهُ مَسَحَ عَلَى نَعْل الْجَوْرَب فَقَالَ: "مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ"» اهـ.
الحديث الرابع: حديث عبد الله بن عباس ﵄.
وقد رواه ابن عدي في [الكامل] (٣/ ١٧٧)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١٤١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْرٍ حَدَّثَنَا رَوَّادٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ
[ ١ / ٣٦٩ ]
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ».
هَكَذَا رَوَاهُ رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَهُوَ يَنْفَرِدُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِمَنَاكِيرَ هَذَا أَحَدُهَا، وَالثِّقَاتُ رَوَوْهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ دُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ.
وَرُوِىَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنِ الثَّوْرِيِّ هَكَذَا وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدَانَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى النَّعْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَحَكَيَا فِي الْحَدِيثِ رَشًّا عَلَى الرِّجْلِ وَفِيهَا النَّعْلُ وَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَسَلَهَا فِي النَّعْلِ. فَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ وَوَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَحَكَوْا فِي الْحَدِيثِ غَسْلَهُ رِجْلَيْهِ وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ. وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْعَدَدِ الْيَسِيرِ مَعَ فَضْلِ حِفْظِ مَنْ حَفِظَ فِيهِ الْغَسْلَ بَعْدَ الرَّشِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ اهـ.
الحديث الخامس: حديث عبد الله بن عمر ﵄.
وقد رواه البزار في [مسنده] (٥٩١٨) حَدَّثنا إبراهيم بن سَعِيد، حَدَّثنا روح بن عبادة، عَنْ ابن أبي ذئب، عَنْ نافعٍ أن ابن عُمَر كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول: «كذلك كان رسول الله ﷺ يفعل».
[ ١ / ٣٧٠ ]
وهذا الحديث لا نعلَمُ رواه عَنْ نافعٍ إلَّا ابن أبي ذئب، ولَا نَعلم رواه عنه إلَّا روح، وَإنَّما كان يمسح عليهما لأنَّه توضأ من غير حدث، وَكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث فهذا معناه عندنا اهـ.
قلت: هذا حديث ظاهره الصحة.
وروى ابن خزيمة في [صحيحه] (١٩٩)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١٤١٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: «قِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْنَاكَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ نَرَ أَحَدًا يَفْعَلُهُ غَيْرَكَ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ تَلْبَسُ هَذِهِ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا».
قلت: هذا حديث ظاهره الحُسن.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٢٨٧):
«وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَلَا تُنَافِي غَسْلَهُمَا، فَقَدْ يَغْسِلُهُمَا فِي النَّعْلِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: الحديث رواه البخاري في [صحيحه] (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) من طريق مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ. قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلاَّ الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا
[ ١ / ٣٧١ ]
الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلاَّ الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
قلت: وهذا هو المحفوظ في الحديث.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٨/ ٩٥):
«وَقَوْلُهُ "وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا" مَعْنَاهُ يَتَوَضَّأُ وَيَلْبَسُهَا وَرِجْلَاهُ رَطْبَتَانِ» اهـ.
قلت: وبوَّب عليه البخاري في بعض النسخ بقوله: «بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ» اهـ.
قلت: وقد أجاب العلماء عن أحاديث المسح على النعلين بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أنَّ النبي ﷺ فعل ذلك في وضوء التجديد لا الحدث.
ويدل عليه ما رواه أحمد (٩٧٠) حَدَّثَنَا ابْنُ الأَشْجَعِيِّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ دَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا؟ قَالَ: فَأَخَذَهُ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِلطَّاهِرِ مَا لَمْ يُحْدِثْ».
قلت: هذا حديث إسناده حسن.
[ ١ / ٣٧٢ ]
ورواه أحمد (٥٨٣)، والنسائي (١٣٠) من طريق عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أُتِيَ بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ كَفًّا فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ فَضْلَهُ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ هَذَا، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ وَهَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ».
ورواه البخاري (٥٦١٦) حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهْوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ:
«إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ».
وليس فيه: «هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ»، وليس فيه المسح على النعلين.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٧٥):
«وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا رُوِىَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ فِي وُضُوءٍ مُتَطَوَّعٍ بِهِ لَا فِي وُضُوءٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ حَدَثٍ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، أَوْ أَرَادَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ، أَوْ أَرَادَ الْمَسْحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ مُقَيَّدًا بِالْجَوْرَبَيْنِ، وَأَرَادَ بِهِ جَوْرَبَيْنِ مُنْعَلَيْنِ فَثَابِتٌ عَنْهُ ﵁ غَسْلُ
[ ١ / ٣٧٣ ]
الرِّجْلَيْنِ، وَثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَالْوَعِيدُ عَلَى تَرْكِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ» اهـ.
قلت: ويشكل على هذا أنَّ عليًا مسح على النعلين في وضوء الحدث وهو ما رواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٦١٥) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ: «أَنَّهُ رَأَى عَلِيًّا ﵁ بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى».
قلت: هذا أثر صحيح.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (١٤١٨) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ عَفَّانَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى ظَبْيَانَ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِىَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِالرَّحَبَةِ بَالَ قَائِمًا حَتَّى أَرْغَى، فَأُتِىَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَاسْتَنْشَقَ وَتَمَضْمَضَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْحَدِرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَأَمَّ النَّاسَ».
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ الأَعْمَشُ فَحَدَّثْتُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُ أَبَا ظَبْيَانَ فَأَخْبِرْنِي. فَرَأَيْتُ أَبَا ظَبْيَانَ قَائِمًا فِي الْكُنَاسَةِ فَقُلْتُ: هَذَا أَبُو ظَبْيَانَ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حِينَ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لَا يُخَالِفُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَّا مَسْحُهُ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَالْمَسْحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ لأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ لِمَنْ تَغَطَّتْ رِجْلَاهُ بِالْخُفَّيْنِ فَلَا يَعْدِى بِهَا مَوْضِعَهَا، وَالأَصْلُ
[ ١ / ٣٧٤ ]
وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ وَلَا عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٠١٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٧٨٣) من طريق أخرى عن أبي ظيبان.
قلت: الذي يظهر أنَّه مسح على جوربين منعلين.
ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٩٩٢، ٣٧٥١٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ خِلاسٍ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ».
قلت: هذا أثر إسناده حسن، وعبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٧٧٣) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ فَمَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي».
ورواه البيهقي في [الكبرى] (١٤٠٣) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي وَرْقَاءِ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ يَقُولُ:
«رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ».
والجواب الآخر: أنَّ المراد بذلك مسح النعلين الملبوسة مع الجوربين.
[ ١ / ٣٧٥ ]
وقد جاء هذا عن جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب ﵁ كما مضى.
وجاء هذا أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁.
فروى الطبراني في [الكبير] (٩١٣٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بن الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ،
«أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ».
قلت: إسناده حسن.
وجاء أيضًا عن البراء بن عازب ﵁.
فروى الطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (١٠/ ٢٤٠):
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، عَنْ رَجَاءٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ: «أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ».
ورواه ابن المنذر في [الأوسط] (٤٦٢) من طريق إسماعيل بن رجاء الزُبيدي عن أبيه به.
قلت: إسناده حسن.
وجاء أيضًا عن أبي مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو ﵁.
فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٧٧٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ «أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ».
قلت: إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٧٦ ]
والذي يظهر لي أنَّه لا يشرع الاقتصار على المسح على النعلين، فإنَّ الأحاديث المتواترة جاءت بالمسح على الخفين، وما جاء في المسح على النعلين فهو متأول بما سبق ذكره. والله أعلم.
قال العلامة الشنقيطي ﵀ في [أضواء البيان] (١/ ٣٤٦):
«وإن كان المراد المسح على النعلين بانفرادهما، ففي النفس منه شيء; لأنَّه حينئذ لم يغسل رجله، ولم يمسح على ساتر لها، فلم يأت بالأصل، ولا بالبدل.
والمسح على نفس الرجل ترده الأحاديث الصحيحة المصرحة بمنع ذلك بكثرة كقوله ﷺ: "ويل للأعقاب من النار"، والله تعالى أعلم» اهـ.
٣ - ومن شروط المسح على الخفين عند جماعة من العلماء أن يثبت بنفسه.
وهذا الشرط لا دليل عليه في الكتاب والسنة ولا آثار الصحابة ﵃ أجمعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥):
«وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ. وَقَدْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَدِّهِ بِشَيْءِ يَسِيرٍ أَوْ خَيْطٍ مُتَّصِلٍ بِهِ أَوْ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ يُمْسَحْ وَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ إلَّا بِالشَّدِّ - كالزربول الطَّوِيلِ الْمَشْقُوقِ: يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ لَا يَسْتُرُ إلَى الْكَعْبَيْنِ إلَّا بِالشَّدِّ - فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِ.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وَهَذَا الشَّرْطُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَد بَلْ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ بِنَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا وَأَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ. فَإِذَا كَانَ أَحْمَد لَا يَشْتَرِطُ فِي الْجَوْرَبَيْنِ أَنْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ إذَا ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ جَازِ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا: فَغَيْرُهُمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَهُنَا قَدْ ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ وَهُمَا مُنْفَصِلَانِ عَنْ الْجَوْرَبَيْنِ. فَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِشَدِّهِمَا بِخُيُوطِهِمَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْجَوْرَبَيْنِ: فالزربول الَّذِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَيْرِ يَشُدُّهُ بِهِ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوْرَبَيْنِ. وَهَكَذَا مَا يُلْبَسُ عَلَى الرِّجْلِ مِنْ فَرْوٍ وَقُطْنٍ وَغَيْرِهِمَا: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَدِّهِمَا بِخَيْطِ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ مَسَحَ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى اللَّفَائِفِ وَهُوَ: أَنْ يُلَفَّ عَلَى الرِّجْلِ لَفَائِفُ مِنْ الْبُرْدِ أَوْ خَوْفَ الْحِفَاءِ أَوْ مِنْ جِرَاحٍ بِهِمَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قِيلَ: فِي هَذَا وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْحَلْوَانِيّ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَهِيَ بِالْمَسْحِ أَوْلَى مِنْ الْخُفِّ وَالْجَوْرَبِ فَإِنَّ تِلْكَ اللَّفَائِفَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْحَاجَةِ فِي الْعَادَةِ وَفِي نَوْعِهَا ضَرَرٌ: إمَّا إصَابَةُ الْبَرْدِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْحِفَاءِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْجُرْحِ. فَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ فَعَلَى اللَّفَائِفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُلَ الْمَنْعَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فَضْلًا عَنْ الْإِجْمَاعِ. وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ» اهـ.
٤ - أن يكون مما يمكن متابعة المشي فيه.
[ ١ / ٣٧٨ ]
وحد الحنفية ذلك بالفرسخ فأكثر، وفي قول أنَّ ذلك يحد بالسفر الشرعي فما أمكن متابعة المشي فيه في ذلك جاز المسح عليه وإلَّا لم يجز.
وحد المالكية ذلك بالعادة.
وحد ذلك الحنابلة بالعرف.
وحد الشافعية ذلك بما أمكن قضاء الحاجة فيه في السفر والحضر مقدار مدة المسح.
واختلف العلماء في المسح على الجوارب هل يشترط في جواز المسح عليها
أن تكون منعلة أو مجلدة لأنَّه لا يمكن متابعة المشي عليها إلّاَ بذلك؟ أو لا؟.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٩٩):
«هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ وَفِيهَا كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ لِلْأَصْحَابِ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَيْهَا فِي "الْأُمِّ" كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا مُنَعَّلًا وَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْ الْقَدَمَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ مِنْ قَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْ الْقَدَمَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْجَوْرَبَ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ مُجَلَّدَ الْقَدَمَيْنِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وَذَكَرَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِثْلَهُ وَنَقَلَ صَاحِبَا "الْحَاوِي" وَ"الْبَحْرِ" وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ وَإِنْ كَانَ صَفِيقًا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مُجَلَّدَ الْقَدَمَيْنِ وَالصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَفَّالُ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَازَ كَيْفَ كَانَ وَإِلَّا فَلَا وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْفُورَانِيُّ فِي "الْإِبَانَةِ" عَنْ الْأَصْحَابِ أَجْمَعِينَ فَقَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ أَمْكَنَ مُتَابَعَةُ المشي على الجوربين جاز المسح عليهما وَإِلَّا فَلَا وَالْجَوْرَبُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠):
«"فَرْعٌ" فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَوْرَبِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْجَوْرَبَ إنْ كَانَ صَفِيقًا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إبَاحَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِلَالٍ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَعْمَشِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَابْنِ المبارك وزفر وأحمد وإسحاق وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
قَالَ وَكَرِهَ ذلك مجاهد وعمر وابن دِينَارٍ وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وَدَاوُد وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْإِبَاحَةِ.
* وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا: بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُفًّا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالنَّعْلِ.
[ ١ / ٣٨٠ ]
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ وَلَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّعْلِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ.
* وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى مِثْلُهُ مَرْفُوعًا.
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ كَالْخِرْقَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ: مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَنُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدَ ابن حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فهؤلاء مقدمون عليه بل كل واحد من هؤلاء لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
الثَّانِي: لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
الثَّالِثُ: حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ لَا أَنَّهُ جَوْرَبٌ مُنْفَرِدٌ ونعل منفردة فكأنَّه قال: مسح على جوربيه الْمُنَعَّلَيْنِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
[ ١ / ٣٨١ ]
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ ضَعْفًا وَفِيهِ أَيْضًا إرْسَالٌ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢١٥ - ٢١٦):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْجَوْرَبُ الصَّفِيقُ الَّذِي لَا يَسْقُطُ إذَا مَشَى فِيهِ) إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ بِالشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْخُفِّ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا، لَا يَبْدُو مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ.
الثَّانِي: أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ: إذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا، وَيَثْبُتَانِ فِي رِجْلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ.
وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إذَا ثَبَتَا فِي الْعَقِبِ. وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: إنْ كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي، فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ. وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ، قَالَ أَحْمَدُ: يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ، أَوْ ثَمَانِيَةٍ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَيُرْوَى إبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالْبَرَاءِ، وَبِلَالٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، إلَّا أَنْ يُنْعَلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ
[ ١ / ٣٨٢ ]
عَلَيْهِمَا، كَالرَّقِيقِينَ وَلَنَا: مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ".
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّعْلَيْنِ لَمْ يَكُونَا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: مَسَحْت عَلَى الْخُفِّ وَنَعْلِهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃، مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، يَثْبُتُ فِي الْقَدَمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالنَّعْلِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. فَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَيْسَ بِسَاتِرٍ.
فَصْلٌ: وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جَوْرَبِ الْخِرَقِ، يُمْسَحُ عَلَيْهِ؟ فَكَرِهَ الْخِرَقَ. وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْخِفَّةُ، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِأَنْفُسِهَا. فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ فِي الصَّفَاقَةِ وَالثُّبُوتِ، فَلَا فَرْقَ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَوْضِعٍ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ حَتَّى يَكُونَ جَوْرَبًا صَفِيقًا، يَقُومُ قَائِمًا فِي رِجْلِهِ لَا يَنْكَسِرُ مِثْلَ الْخُفَّيْنِ، إنَّمَا مَسَحَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفِّ فِي رِجْلِ الرَّجُلِ، يَذْهَبُ فِيهِ الرَّجُلُ وَيَجِيءُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ بِالنَّعْلِ مَسَحَ، فَإِذَا خَلَعَ النَّعْلَ انْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ). يَعْنِي أَنَّ الْجَوْرَبَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِنَفْسِهِ، وَثَبَتَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَتَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِخَلْعِ النَّعْلِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْجَوْرَبِ أَحَدُ شَرْطَيْ جَوَازِ الْمَسْحِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، فَإِذَا خَلَعَهَا زَالَ الشَّرْطُ، فَبَطَلَتْ الطَّهَارَةُ. كَمَا لَوْ ظَهَرَ
[ ١ / ٣٨٣ ]
الْقَدَمُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ. وَقَوْلُهُ: "مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ". قَالَ الْقَاضِي: وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَالنَّعْلِ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ، فَأَمَّا أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ مِنْ الْخُفِّ، فَكَذَلِكَ مِنْ النَّعْلِ» اهـ.
وقال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي] (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥):
«"مسألة": قال الشافعي ﵁: "وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبَانِ مُجَلَّدِي الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ حَتَى يَقُومَا مَقَامَ الْخُفَّيْنِ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْجَوْرَبَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُجَلَّدَ الْقَدَمِ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الْخُفِّ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالنَّعْلِ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ عَنْ هُذَيلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعبة أنَّ النبي ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَلِأَنَّ مَا أَمْكَنَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ إِذَا اسْتَتَرَ بِهِ مَحَلُّ الْفَرْضِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالْخُفِّ، وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِلِبَاسِ الْخُفِّ تَعَلَّقَ بِلِبَاسِ الْجَوْرَبِ المجلد كالفدية على الحرم فَأَمَّا النَّعْلُ فَلَا يَسْتُرُ الْقَدَمَ فَلَمْ يَجُزِ المسح عليها.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبُ غَيْرَ مُجَلَّدٍ الْقَدَمَ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبُ غَيْرَ مُنَعَّلٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، اسْتِدْلَالًا بِالْخَبَرِ أَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُجَلَّدَيْنِ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ وَارَى قَدَمَيْهِ بِمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَاللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُجَلَّدَيْنِ وَالْمَعْنَى فِي الْمُجَلَّدَيْنِ أَنَّ مُتَابَعَةَ المشي عليهما ممكن.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنَعَّلَ الْأَسْفَلِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَشِفُّ وَيَصِلُ بَلَلُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ إِلَى الْقَدَمِ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَشِفُّ وَيَمْنَعُ صِفَاقُهُ مِنْ وُصُولِ بَلَلِ الْمَسْحِ إِلَى قَدَمَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، وَهِيَ رواية الربيع» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٥١) - عند ذكره لمذهب أحمد في المسح على الجوربين-:
«وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَتَخَرَّقُ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُمْشَى فِيهِ عَادَةً وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِنَعْلَيْنِ يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» اهـ.
وقال العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٨٦):
«وَأما الْمسْح على الجوربين فَهُوَ على أَقسَام ثَلَاثَة إِنْ كَانَا مجلدين أَوْ منعلين جَازَ الْمسْح بِإِجْمَاع بَين أَصْحَابنَا.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وَأما إِذا كَانَا غير منعلين فَإِنْ كَانَا رقيقين بِحَيْثُ يرى مَا تحتهما لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَا ثخينيين قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يجوز.
وَرُوِيَ عَنْ أبي حنيفَة أَنَّه رَجَعَ إِلَى قَوْلهمَا فِي آخر عمره» اهـ.
قلت: الآثار التي جاءت عن الصحابة في بعضها المسح على الجوارب المنعلة، وفي بعضها المسح على الجوارب مطلقًا، فالأظهر أنَّه لا يشترط في الجوارب أن تكون منعلة ولا مجلدة، لكن إذا كانت مما لا يمشى عليها عادة بمفردها كالجوارب الموجودة في هذه الأزمان فإنَّها تتخرق سريعًا فمقتضى كلام من مضى أنَّه لا يمسح عليها بمفردها، وإن مسح عليها وعلى النعلين معها فلا ينزع النعلان حتى ينتهي وقت المسح، وإن نزع قبل انتهاء المدة فلا يشرع متابعة المسح.
والأصل في مشروعية المسح على الجوارب ما رواه أحمد (٢٢٢٨٣)، وأبو داود (١٤٦) عن ثوبان ﵁ قال:
«بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ».
وهو حديث صحيح.
وقوله: «الْعَصَائِبِ» قيل: المراد بها العمامة، وقيل: وهي ما يشد به الرأس من عمامة، أو منديل.
و«التَّسَاخِينِ» كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، وقيل: هما الخفان.
[ ١ / ٣٨٦ ]
قلت: وفي حديث الباب أنَّ مسح النبي ﷺ كان في سفر، والمسح في السفر يقيد بثلاثة أيام بلياليهن.
فروى مسلم (٢٧٦) عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ».
والأحاديث في ذلك كثيرة.
وهذا الذي عليه أكثر العلماء خلافًا لأبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي وربيعة والليث مالك في المشهور عنه فإنَّهم لم يحدوا للمسح وقتًا ينتهي إليه.
وقد يحتج لذلك بما رواه الدارقطني (٧٦٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ حَدَّثَهُ: «أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بِفَتْحِ دِمَشْقَ قَالَ وَعَلَيَّ خُفَّانِ فَقَالَ لِي عُمَرُ كَمْ لَكَ يَا عُقْبَةُ مُنْذُ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ فَتَذَكَّرْتُ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ مُنْذُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ قَالَ أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ».
قلت: هذا أثر صحيح.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٩٤٩) من طريق يزيد بن أبي حبيب منقطعًا.
وقد حمل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الأثر على حال الضرورة فقال كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٧٧ - ١٧٨):
[ ١ / ٣٨٧ ]
«لَكِنْ لَوْ كَانَ فِي خَلْعِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ ضَرَرٌ - مِثْلُ: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ مَتَى خَلَعَ خُفَّيْهِ تَضَرَّرَ كَمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الثُّلُوجِ وَغَيْرِهَا؛ أَوْ كَانَ فِي رُفْقَةٍ مَتَى خَلَعَ وَغَسَلَ لَمْ يَنْتَظِرُوهُ فَيَنْقَطِعُ عَنْهُمْ فَلَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ؛ أَوْ يَخَافُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ؛ أَوْ كَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَاتَهُ وَاجِبٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَهُنَا قِيلَ: إنَّهُ يَتَيَمَّمُ: وَقِيلَ: إنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا لِلضَّرُورَةِ. وَهَذَا أَقْوَى لِأَنَّ لُبْسَهُمَا هُنَا صَارَ كَلُبْسِ الْجَبِيرَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَأَحَادِيثُ التَّوْقِيتِ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْمَسْحِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلَيْسَ فِيهَا النَّهْيُ عَنْ الزِّيَادَةِ إلَّا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَالْمَفْهُومُ لَا عُمُومَ لَهُ؛ فَإِذَا كَانَ يَخْلَعُ بَعْدَ الْوَقْتِ عِنْدَ إمْكَانِ ذَلِكَ عُمِلَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ لَمَّا خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ إلَى الْمَدِينَةِ يُبَشِّرُ النَّاس بِفَتْحِ دِمَشْقَ وَمَسَحَ أُسْبُوعًا بِلَا خَلْعٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَصَبْت السُّنَّةَ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ» اهـ.
واختلف العلماء في ابتداء مدة المسح على ثلاثة أقوال وهي:
القول الأول: من اللبس بعد غسل القدمين في الوضوء، ويحكى عن الحسن البصري.
وحجة من قال ذلك ما رواه أحمد (١٨٢٦٠)، والترمذي (٩٦، ٣٥٣٥)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨) من طريق عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: «كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ».
قلت: هذا حديث حسن.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ووجه الشاهد أنَّ النبي ﷺ جعل المدة متعلقة باللبس.
القول الثاني: من الحدث بعد لبس الخفين.
وهو مذهب الجمهور.
وحجة هؤلاء أنَّ الحدث هو الزمن الذي يشرع فيه المسح فتبتدأ المدة به كالوقت بالنسبة للصلوات فإنَّه يبتدئ من الزمن الذي يشرع فيه الصلاة.
القول الثالث: من المسح بعد الحدث.
وهو مذهب الأوزاعي ورواية عن أحمد، واختيار ابن المنذر، وداود الظاهري، ويحكى عن عمر بن الخطاب ﵁.
وهذا هو القول الصحيح، وذلك أنَّ الأدلة جاءت بذكر المسح ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم، وحديث صفوان محمول على اللبس بعد المسح جمعًا بين الأدلة.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨٧):
«وَهُوَ الْمُخْتَارُ الرَّاجِحُ دَلِيلًا» اهـ.
قلت: ولا عبرة بمسح التجديد ولا تبتدئ به المدة لأنَّه مسح قبل حصول الحدث.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨٧)
«وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَبِسَهُ ثُمَّ أَرَادَ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ فَلَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ حَتَّى يُحْدِثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ١ / ٣٨٩ ]
قلت: واختلف العلماء فيمن ابتدأ المسح في الإقامة ثم طرأ عليه السفر قبل أن يتم المسح في الإقامة هل يتم مسح مقيم أم يتم مسح مسافر.
فذهب الجمهور إلى أنَّه يتم مسح مقيم، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه يتم مسح مسافر، وقد رجع الإمام أحمد إلى هذا القول بعد أن كان يرى القول الأول.
والقول الأول أصح فقد اتفقوا أنَّ المصلى إذا افتتح الصلاة في بلد الإقامة وكان في سفينة، ثم صار مسافرًا في أثناء الصلاة أنَّه يتم صلاة مقيم، وإذا افتتح الصلاة في السفر وكان في سفينة، ثم صار مقيمًا في أثناء الصلاة أنَّه يتم صلاة مقيم فغلبوا في الصلاة حكم الحضر في الصورتين، وهكذا المسح مقيس على ذلك.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨٨):
«وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرَهُ المصنف وَهُوَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ فَتَغَلَّبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَلَدِ فَسَارَتْ وَفَارَقَتْ الْبَلَدَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا صَلَاةَ حَضَرٍ باجماع المسلمين» اهـ.
قلت: هذا إذا ابتدأ المسح في الحضر، وأمَّا إذا لم يمسح في الحضر فإنَّه يتم مسح مسافر.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨٨):
«فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا: لَبِسَ الْخُفَّ فِي الْحَضَرِ وَسَافَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ فَيَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ بِالْإِجْمَاعِ.
الثَّانِيَةُ: لَبِسَ وَأَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَيَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ أَيْضًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ مَسْحُ مُقِيمٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَذَا حَكَاهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ بَلْ مَذْهَبُ
[ ١ / ٣٩٠ ]
الْمُزَنِيِّ كَمَذْهَبِنَا مَسْحُ مُسَافِرٍ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَلَبَّسَ بِالْمُدَّةِ فِي الْحَضَرِ قُلْنَا الْحَضَرُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ وَهِيَ الْمَسْحُ لَا فِي الْمُدَّةِ.
الثَّالِثَةُ: أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَهَلْ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ أَمْ مُقِيمٍ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الصَّحِيحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ صَحَّحَهُ جَمِيعُ الْمُصَنِّفِينَ وَقَالَهُ مَعَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ جُمْهُورُ الْمُتَقَدِّمِينَ.
الرَّابِعَةُ: أَحْدَثَ وَمَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ حِينِ أحدث وبه قال مالك واسحق وَأَحْمَدُ وَدَاوُد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَدَاوُد» اهـ.
قلت: وهذا إذا بقى شيء من وقت المسح في الحضر، وأمَّا إن كمل الوقت فالواجب نزع الخفين، فإن أراد المسح فعليه أن يتوضأ ويغسل القدمين ثم يستأنف مدة جديدة في السفر.
وإن ابتدأ المسح في السفر ثم أقام فإن كان مسح في السفر يومًا وليلة فإنَّ المدة تنتهي بمجرد إقامته، وإن كان مسح في السفر أقل من يوم وليلة أتم ما بقي من مدة مسح المقيم.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨٩):
«مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى بَعْدَ الْحَدَثِ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَهُمَا وَإِنْ كَانَ مَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُ فِي السَّفَرِ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بِمُجَرَّدِ قُدُومِهِ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢١٣):
[ ١ / ٣٩١ ]
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ وَخَلَعَ، وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ خَلَعَ" وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا ابْتَدَأَهَا فِي السَّفَرِ ثُمَّ حَضَرَ» اهـ.
قلت: نازع في ذلك ابن حزم ﵀ فقال في [المحلى] (١/ ٣٤١):
«فَإِنْ مَسَحَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أَقَامَ أَوْ دَخَلَ مَوْضِعَهُ ابْتَدَأَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ كَانَ قَدْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ فَأَقَلَّ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ كَانَ مَسَحَ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ مَسَحَ بَاقِيَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَيْلَتِهِ فَقَطْ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا خَلَعَ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ».
إلى أن قال (١/ ٣٤٢):
«وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا قُلْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا مَسَحَ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا لَا أَكْثَرَ وَقَدِمَ اسْتَأْنَفَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى سَافَرَ اسْتَأْنَفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا» اهـ.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وقال المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (١/ ١٧٧):
«قَوْلُهُ: "وَإِنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ: أُتَمّ مَسَحَ مُقِيمٌ" هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ، إنْ كَانَ مَسَحَ مُسَافِرًا فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَشَذَّذَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: وَهُوَ غَرِيبٌ» اهـ.
٦ - وفي الحديث مشروعية المسح على الخفين، واختلف العلماء أيهما أفضل فذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى أنَّ الأفضل المسح مخالفة لأهل البدع وأخذًا بالرخصة، وذهب جمهور العلماء إلى استحباب غسل القدمين لأنَّ ذلك الأصل، ولأنَّه الغالب من حال رسول الله ﷺ، وفصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ذلك فقال كما في [الاختيارات الفقهية] (ص: ٣٩٠):
«والأفضل في حق كل أحد بحسب قدمه فللابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه اقتداء به ﷺ وأصحابه ولمن قدماه مكشوفتان الغسل ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه وكان ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابس الخفين» اهـ.
قلت: وهذا تفصيل حسن.
تنبيه: الصحيح من أقوال العلماء أنَّ خلع الخف بعد المسح لا ينتقض به الوضوء لأنَّه لا دليل على النقض.
ومما يدل على ذلك ما رواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٦١٥) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ: «أَنَّهُ رَأَى عَلِيًّا ﵁ بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى».
قلت: هذا أثر صحيح.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٠١٠)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (٧٨٣)
والبيهقي في [الكبرى] (١٤١٨). وقد مضى هذا الأثر.
ومثل هذا أيضًا انقضاء المدة.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢١٠ - ٢١١):
«فَصْلٌ: إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ الْوُضُوءُ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُمَا ثُمَّ يَلْبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، كَمَا لَوْ خَلَعَهُمَا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ وَالْخِلَافَ فِيهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ، وَيُصَلِّي حَتَّى يُحْدِثَ؛ ثُمَّ لَا يَمْسَحُ بَعْدُ حَتَّى يَنْزِعَهُمَا. وَقَالَ دَاوُد: يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَلَا يُصَلِّي فِيهِمَا، فَإِذَا نَزَعَهُمَا صَلَّى حَتَّى يُحْدِثَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِحَدَثٍ، وَنَزْعُ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَكَذَلِكَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ.
وَلَنَا أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قَامَ الْمَسْحُ مَقَامَهُ فِي الْمُدَّةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا، فَيُمْنَعُ مِنْ اسْتَدَامَتْهَا، كَالْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ خَلَعَ قَبْلَ ذَلِكَ أَعَادَ الْوُضُوءَ) يَعْنِي قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، بَطَلَ وُضُوءُهُ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ نَابَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً، فَطُهُورُهُمَا يُبْطِلُ مَا نَابَ عَنْهُ، كَالتَّيَمُّمِ إذَا بَطَلَ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَجَبَ مَا نَابَ عَنْهُ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ، فَمَنْ أَجَازَ التَّفْرِيقَ جَوَّزَ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْضَائِهِ مَغْسُولَةٌ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا غَسْلُ قَدَمَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَهُمَا كَمَّلَ وُضُوءَهُ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وَمَنْ مَنَعَ التَّفْرِيقَ أَبْطَلَ وُضُوءَهُ؛ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَعَلَى هَذَا، لَوْ خَلَعَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ جَفَافِ الْمَاءِ عَنْ يَدَيْهِ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ خَلَعَهُمَا قَبْلَ مَسْحِهِ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: لَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ غَسْلِهَا؛ وَلِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَالطَّهَارَةُ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِالْحَدَثِ. وَلَنَا أَنَّ الْوُضُوءَ بَطَلَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، فَبَطَلَ فِي جَمِيعِهَا، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ فِي الْقَدَمَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا نَابَ مَسْحُهُ عَنْ إحْدَاهُمَا. وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ إذَا بَطَلَ، فَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ، غَسَلَ قَدَمَيْهِ مَكَانَهُ، وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ. وَإِنْ أَخَّرَهُ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ إلَى حِينِ نَزْعِ الْخُفَّيْنِ، أَوْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ فِي الْقَدَمَيْنِ خَاصَّةً، فَإِذَا غَسَلَهُمَا عَقِيبَ النَّزْعِ، لَمْ تَفُتْ الْمُوَالَاةُ؛ لِقُرْبِ غَسْلِهِمَا مِنْ الطَّهَارَةِ الصَّحِيحَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَاخَى غَسْلُهُمَا.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَدْ بَطَلَ حُكْمُهُ، وَصَارَ إلَى أَنْ نُضِيفَ الْغَسْلَ إلَى الْغَسْلِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَسْحِ حُكْمٌ؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمُوَالَاةِ إنَّمَا هُوَ لِقُرْبِ الْغَسْلِ مِنْ الْغَسْلِ، لَا مِنْ حُكْمِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى زَالَ حُكْمُ الْغَسْلِ بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَلَمْ يَنْفَعْ قُرْبُ الْغَسْلِ شَيْئًا؛ لِكَوْنِ الْحُكْمِ لَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ» اهـ.
* * *
[ ١ / ٣٩٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٢ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
قلت: الحديث رواه البخاري (٢٤٧١، ٢٢٦، ٢٢٥، ٢٢٤)، ومسلم (٢٧٣) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ».
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم عن أبي وائل قال:
«كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَتَمَاشَى فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ».
وأمَّا الرواية التي أوردها صاحب العمدة لا وجود لها في الصحيحين، لكن روى مسلم (٢٧٣) قريبًا من هذا اللفظ، ونص روايته: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:
«كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
قوله: «سُبَاطَةِ قَوْمٍ» بضم المهملة بعدها موحدة هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور.
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٩١):
«وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش أنَّ ذلك كان بالمدينة أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" بإسناد صحيح» اهـ.
قلت: وهذه الرواية صريحة في بيان أنَّ ذلك كان في الحضر فيحتج بها على مشروعية مسح الخفين في الحضر، وهو قول أكثر العلماء خلافًا للإمام مالك ﵀ في رواية عنه.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٧٦):
«مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَقَالَتْ الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ: لَا يَجُوزُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد وَحَكَى الْمَحَامِلِيُّ فِي "الْمَجْمُوعِ" وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عن مالك ستة رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ: الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لكنه يُكْرَهُ: الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ أَبَدًا وَهِيَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ مُؤَقَّتًا: الْخَامِسَةُ: يجوز للمسافر دون الحاضر: السادس: عَكْسُهُ. وَكُلُّ هَذَا الْخِلَافِ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ "الْإِجْمَاعِ" إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَيَدُلُّ عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في حديث مَسْحِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَأَمْرُهُ بِذَلِكَ وَتَرْخِيصُهُ فِيهِ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ» اهـ.
وفي الحديث على جميع هذه الألفاظ مسائل منها:
١ - مشروعية المسح على الخفين في الحضر.
[ ١ / ٣٩٧ ]
٢ - عدم الإبعاد في البول لكونه أخف من الغائط، لنتانة الغائط واحتياجه إلى كثرة التكشف.
٣ - مشروعية التستر بالأشخاص عند البول قائمًا، وأمَّا إذا كان قاعدًا فذكر بعض العلماء أنَّه لا يفعل ذلك لأنَّه لا يأمن من خروج الريح أثناء جلوسه.
٤ - مشروعية البول قائمًا إذا أمن من ارتداد البول عليه.
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٥٩):
«واختلف العلماء في البول قائمًا، فروى عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وأبى هريرة، وسعد بن عبادة: أنَّهم بالوا قيامًا.
وروى مثله عن ابن المسيب، وابن سيرين، وعروة بن الزبير.
وكرهت طائفة البول قائمًا، ذكر ابن أبي شيبة، في "مصنفه" إنكار عائشة أن يكون رسول الله ﷺ بال قائمًا.
وعن عمر بن الخطاب، أنَّه قال: ما بلت قائمًا منذ أسلمت.
وعن مجاهد أنَّه قال: ما بال رسول الله ﷺ قائمًا قط إلَّا مرة في كثيب أعجبه.
وروى عن ابن مسعود أنَّه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم. وهو قول الشعبي.
وكرهه الحسن، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائمًا.
وفيه قول ثالث: أنَّ البول إذا كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإن كان في مكان يتطاير عليه، فهو مكروه.
[ ١ / ٣٩٨ ]
هذا قول مالك، وهو دليل الحديث، لأنَّه ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا. والسباطة: المزبلة، والبول فيها لا يكاد يتطاير منه كبير شيء، فلذلك بال قائمًا ﷺ. ومن كره البول قائمًا، فإنَّما كرهه خشية ما يتطاير إليه من بوله، ومن أجازه قائمًا، فإنَّما أجازه خوف ما يحدثه البائل جالسًا في الأغلب من الصوت الخارج عنه إذا لم يمكنه التباعد عمن يسمعه.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: البول قائمًا أحصن للدبر» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٦١):
«قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ أَجَازَ الْبَوْلَ قَائِمًا فَإِنَّمَا أَجَازَهُ خَوْفَ مَا يُحْدِثُهُ الْبَائِلُ جَالِسًا فِي الْأَغْلَبِ مِنَ الصَّوْتِ الْخَارِجِ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنُهُ التَّبَاعُدُ عَمَّنْ يَسْمَعُهُ وَيَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَرْتَادَ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا دَمِثًا لِئَلَّا يَطِيرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَوْلِهِ فَهَذَا وَجْهُ الْبَوْلِ قَائِمًا
وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "الْبَوْلُ قَائِمًا أَحْصَرُ لِلدُّبُرِ"
وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَالَ قَائِمًا لَمْ يَبْعُدْ عَنِ النَّاسِ وَلَا أَبْعَدَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ أَمَرَ حُذَيْفَةَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ إِذْ بَالَ قَائِمًا» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٨): «وأمَّا سبب بوله ﷺ قائمًا فذكر العلماء فيه أوجهًا حكاها الخطابي والبيهقي وغيرهما من الأئمة أحدها: قالا: وهو مروي عن الشافعي أنَّ العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، قال: فنرى أنَّه كان به ﷺ وجع الصلب إذ ذاك؟ والثاني: أنَّ سببه ما روي في رواية ضعيفة رواها البيهقي وغيره: أنَّه ﷺ بال قائمًا لعلة بمأبضه و"المأبض" بهمزة ساكنة
[ ١ / ٣٩٩ ]
بعد الميم ثم موحدة وهو باطن الركبة، والثالث: أنَّه لم يجد مكانًا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي من السباطة كان عاليًا مرتفعًا، وذكر الإمام أبو عبد الله المازري والقاضي عياض - رحمهما الله تعالى - وجهًا رابعًا وهو: أنَّه بال قائمًا لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر: البول قائمًا أحصن للدبر، ويجوز وجه خامس: أنَّه ﷺ فعله للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة يبول قاعدًا، يدل عليه حديث عائشة ﵂ قالت: "من حدثكم أنَّ النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه ما كان يبول إلاَّ قاعدا ". رواه أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وآخرون، وإسناده جيد. والله أعلم» اهـ.
قلت: رواه أحمد (٢٥٠٨٩)، والترمذي (١٢)، والنسائي (٢٩)، وابن ماجه (٣٠٧) من طريق الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلاَّ قَاعِدًا».
٥ - مشروعية البول في السباطة وإن كانت لقوم بأعيانهم لأنَّها أعدت لإلقاء النجاسات والمستقذرات.
٦ - قول حذيفة: «لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَتَمَاشَى فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ». احتج به من عفى عن تتطاير رءوس الإبر من البول.
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٦١):
[ ١ / ٤٠٠ ]
«واختلف العلماء في مقدار رءوس الإبر تتطاير من البول، فقال مالك، والشافعي، وأبو ثور: يغسل قليله وكثيره.
وقال إسماعيل بن إسحاق: غسل ذلك عند مالك على سبيل الاستحسان والتنزه.
وقال الكوفيون: ليس مقدار رءوس الإبر بشيء، وسهلوا في يسير النجاسة.
وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول.
وقول حذيفة: ليته أمسك -، يرد عليه تشديده في البول، وهو حجة لمن رخص في يسيره، لأنَّ المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رءوس الإبر.
وفيه: يسر وسماحة، إذ كان من قبلنا يقرض ما أصاب البول من ثوبه. وحديث حذيفة موافق لمذهب الكوفيين» اهـ.
قلت: وممن لم يرخص بيسير ذلك أيضًا الإمام أحمد ﵀.
٧ - أنَّ المسح على الخفين يكون في الحدث الأصغر دون الأكبر.
وقد روى أحمد (١٨٢٦٠)، والترمذي (٩٦، ٣٥٣٥)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨) من طريق عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: «كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ».
قلت: هذا حديث حسن.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨١):
[ ١ / ٤٠١ ]
«أَمَّا حُكْمُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ دَمِيَتْ رِجْلُهُ فِي الْخُفِّ فَوَجَبَ غَسْلُهَا لَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَكُلُّ هَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا لَزِمَهُ غُسْلُ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ فَصَبَّ الْمَاءَ فِي الْخُفِّ فَانْغَسَلَتْ الرِّجْلَانِ ارْتَفَعَتْ الْجَنَابَةُ عَنْهُمَا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَكِنْ لَوْ أَحْدَثَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَنْزِعَ الْخُفَّ فَيَلْبَسَهُ طَاهِرًا وَكَذَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَوْ غَسَلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ صَحَّ وُضُوءُهُ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بَعْدَهُ حَتَّى يَنْزِعَهُ وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ» اهـ.
قلت: قوله: «وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ». لعله يريد في المذهب وإلَّا فإنَّ أبا حنيفة يرى أنَّ من توضأ وغسل رجليه في الخفين جاز له المسح بناء على ذلك، ولا فرق بين الوضوء وغسل الجنابة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢١٠ - ٢١١):
«وَلَيْسَ غَسْلُهُمَا فِي الْخُفَّيْنِ مُعْتَادًا؛ وَإِلَّا فَإِذَا غَسَلَهُمَا في الْخُفِّ فَهُوَ أَبْلَغُ؛ وَإِلَّا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي نَزْعِ الْخُفِّ ثُمَّ لُبْسِهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ شَيْءٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا عَبَثٌ مَحْضٌ يُنَزَّهُ الشَّارِعُ عَنْ الْأَمْرِ بِهِ» اهـ.
* * *
[ ١ / ٤٠٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: