٤٥ - عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ إيَاسٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:
سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ:
«الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
قوله: «كِتَابُ الصَّلَاةِ». الصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩].
وقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقول النبي ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». رواه مسلم (١٤٣١).
[ ٢ / ٣ ]
والصلاة شرعًا: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال ونية مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم.
وقوله: «بَابُ المَوَاقِيْتِ» المواقيت جمع ميقات وهو مفعال من الوقت وهو القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان.
والزمان كمواقيت الصلوات، والصيام وغيرهما، والمكان كمواقيت الحج وهي أماكن الإحرام، والحج فيه مواقيت زمانية ومكانية، والمواقيت الزمانية هي أشهر الحج.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - في بيان أنَّ الصلاة أفضل العبادات البدنية المتعلقة بحقوق الله تعالى.
فإن قيل: روى البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». ولم يذكر في الحديث الصلاة.
والجواب عن ذلك أنَّ الصلاة داخلة في مسمى الإيمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠): «وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا". قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ". قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْته لَزَادَنِي.
[ ٢ / ٤ ]
وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ: أَيْ صَلَاتُكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ كَالْإِيمَانِ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ بِحَالِ فَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ الْفَرْضَ لَا لِعُذْرِ وَلَا لِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَا لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ عَنْهُ وَلَا تَسْقُطُ بِحَالِ كَمَا لَا يَسْقُطُ الْإِيمَانُ» اهـ.
قلت: فإن قيل: لما اقتصر النبي ﷺ على الصلاة ولم يذكر سائر أركان الإسلام وهي أعظم من بر الوالدين ومن الجهاد.
فالجواب: أنَّ النبي ﷺ أراد التمثيل بأعلى الأعمال من كل نوع والله أعلم.
والمعنى أنَّ النبي ﷺ ذكر أفضل العبادات البدنية المتعلقة بحقوق الله تعالى وهي الصلاة، ثم ذكر أفضل العبادات المتعلقة بحقوق الخلق، وهو بر الوالدين، ثم ذكر أفضل التطوعات وهو الجهاد.
فإن قيل: فلما أخَّر الحج في حديث أبي هريرة وقدم عليه الجهاد.
فالجواب: لعل ذلك كان قبل فرضية الحج، أو المراد بذلك التنفل بالحج دون الفرض. والله أعلم.
٢ - استدل به الإمام أحمد ومن وافقه على أنَّ أفضل أعمال التطوع الجهاد.
قال العلامة ابن هبيرة ﵀ في [اختلاف الأئمة العلماء] (١/ ٢٥٩):
«وَاخْتلفُوا فِي أفضل الْأَعْمَال بعد الْفَرَائِض.
[ ٢ / ٥ ]
فَقَالَ الشَّافِعِي: الصَّلَاة أفضل أَعمال الدّين وتطوعها أفضل التَّطَوُّع.
وَقَالَ أَحْمد: لَا أعلم شَيْئا بعد الْفَرَائِض أفضل من الْجِهَاد.
وَأمَّا مَالك وَأَبُو حنيفَة فمذهبهما أَنَّه لَا شَيْء بعد فروض الْأَعْيَان من أَعمال الْبر أفضل من الْعلم ثمَّ الْجِهَاد» اهـ.
قلت: وهناك رواية عن أحمد بتقديم العلم على غيره.
قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ٣٣٩):
«وَعَنْهُ الْعِلْمُ: تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ» اهـ.
قلت: وهذا الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ العلم هو أصل جميع الأعمال ومنها الجهاد.
وقد تنوعت الأحاديث في ذكر أفضل الأعمال، وقد خاض العلماء في التوفيق بينها بأقوال متعددة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٩):
«قَوْلُهُ: "أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ". فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: "أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ". وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ فَلَفْظُ حَدِيثِ الْبَابِ مَلْزُومٌ عَنْهُ وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ أَدَائِهَا وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَمَعَ
[ ٢ / ٦ ]
ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فحذفت من وَهِي مُرَادة. وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ" الْحَدِيثَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بِرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ» اهـ.
وقد بسط القول في ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢١٠ - ٢٢٠) فقال:
«فإن قيل: فقد روي خلاف ما يفهم منه ما دل عليه حديث ابن مسعود هذا؛ ففي "الصحيحين"، عن أبي هريرة، أنَّ النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: ثم أي؟ قال: "حج مبرور".
وفيهما - أيضًا - عن أبي ذر، أنَّه سأل النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله".
ولم يذكر في هذين الحديثين الصلاة ولا بر الوالدين، وروي نصوص أُخر بأنَّ الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا، وروي ما يدل على أنَّ أفضل الأعمال ذكر الله ﷿، وجاء ذلك صريحًا عن جماعة كثيرة من الصحابة ﵃.
[ ٢ / ٧ ]
قيل: هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوهًا غير مرضية.
فمنهم من قال: أراد بقوله: "أفضل الأعمال كذا" أي: أنَّ ذلك من أفضل الأعمال، لا أنَّه أفضلها مطلقًا.
وهذا في غاية البعد.
ومنهم من قال: أجاب كل سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصة كما خص ابن مسعود بذكر الوالدين لحاجته إليه، ولم يذكر ذلك لغيره.
لكن أبو هريرة كانت له أم - أيضًا.
وظهر لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد الله وفضله، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، فنقول:
لا ريب أنَّ أفضل الأعمال ما افترضه الله على عباده، كما ذكرنا الدليل عليه في أول الكلام على هذا الحديث، وأولى الفرائض الواجبة على العباد وأفضلها الإيمان بالله ورسوله، تصديقًا بالقلب، ونطقًا باللسان، وهو النطق بالشهادتين، وبذلك بعث النبي ﷺ، وأمر بالقتال عليه، وقد سبق ذلك مبسوطًا في " كتاب الإيمان".
ثم بعد ذلك: الإتيان ببقية مباني الإسلام الخمس التي بني عليها، وهي: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
وقد كان النبي ﷺ يأمر من يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أولًا إلى الشهادتين، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الصيام، ثم إلى الزكاة، كما أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن، وكان يعلم من يسأله عن الإسلام مبانيه
[ ٢ / ٨ ]
الخمس، كما في حديث سؤال جبريل ﵇ له عن الإسلام، وكما في حديث طلحة، أنَّ النبي ﷺ علم الأعرأبي الذي سأله عن الإسلام المباني.
فإذا تقرر هذا، فقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة لما سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" فهذا وجه ظاهر، لا إشكال فيه؛ فإنَّ الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقًا، وسمى الشهادتين مع التصديق بهما عملًا، لما في ذلك من عمل القلب واللسان.
وقد قرر البخاري ذلك في " كتاب الإيمان" وسبق الكلام عليه في موضعه.
وقوله في حديث أبي هريرة: "ثم الجهاد في سبيل الله"، وفي حديث أبي ذر: "والجهاد" - بالواو - يشهد له أنَّ الله قرن بين الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله في مواضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١] الآية.
فالإيمان بالله ورسوله: التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان. والجهاد هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسنان، بعد دعائهم بالحجة والبيان، ولهذا يشرع الدعاء إلى الإسلام قبل القتال.
وقد قيل: إنَّ الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين على المسلمين كلهم، لا يسع أحدًا التخلف عنه، كما قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]،
[ ٢ / ٩ ]
ثم بعد ذلك رخص لأهل الأعذار، ونزل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، روي ذلك عن ابن عباس وغيره، وحينئذ فيحتمل جعل النبي ﷺ أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين:
أحدهما: أن يقال: إنَّما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان، وقرينًا له، فلما نزلت الرخصة وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان.
وقد اختلف ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في عد الجهاد من فرائض الإسلام، فعده عبد الله بن عمرو منها بعد الحج، وأنكر ذلك ابن عمر عليه، وقال: فرائضه تنتهي إلى الحج.
وقد روى اختلافهما في ذلك أبو عبيد في " كتاب الناسخ والمنسوخ" وغيره.
وعدَّ حذيفة بن اليمان الجهاد من سهام الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضافهما إلى مباني الإسلام الخمس، وجعلها ثمانية سهام، وكأنَّه جعل الشهادتين سهمين.
والثاني - وهو أشبه -: أنَّ النبي ﷺ كان إذا سئل عن أفضل الأعمال، فتارةً يذكر الإيمان بالله ورسوله لدخوله في مسمى الأعمال، كما سبق تقريره، وتارة يذكر أعمال الجوارح؛ لأنَّ المتبادي إلى الفهم عند ذكر الأعمال مع الإطلاق أعمال الجوارح، دون عمل القلب واللسان، فكان إذا تبين له أنَّ ذلك هو مراد السائل ذكر الصلاة له، كما ذكرها في حديث ابن مسعود هذا؛ فإنَّ الصلاة أفضل أعمال الجوارح، وحيث أجاب بذكر الإيمان أو بذكر الصلاة، فإنَّما
[ ٢ / ١٠ ]
مقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده المباني بجملتها؛ فإنَّ المباني الخمس كالشيء الواحد، وكل من دخل في الإسلام بالإقرار بالشهادتين أو بالصلاة - على رأي من يرى فعلها إسلامًا -، فإنَّه يؤمر ببقية المباني، ويلزم بذلك، ويقاتل على تركه.
وفي حديث خرجه الإمام أحمد. أنَّ النبي ﷺ قال: "أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئًا حتى يأتي بهنَّ جميعًا: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت".
وفي حديث آخر: "الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئًا دون شيء" - فذكر مباني الإسلام الخمس، وأنَّ من أتى ببعضها دون بعض لم يقبل منه.
ونفي القبول لها بمعنى نفي الرضا بذلك واستكمال الثواب عليه، وحينئذٍ فذكر بعض المباني مشعر بالباقي منها، فكان النبي ﷺ تارة يكتفي في جواب من ساله عن أفضل الأعمال بالشهادتين، وتارة بالصلاة، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني، لكنه خص بالذكر أشرفها، فكأنَّه قال: الشهادتان وتوابعهما، والصلاة وتوابعها ولوازمها، وهو بقية المباني الخمس.
ويشهد لهذا: قول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم".
فتوهم طائفة من الصحابة أنَّ مراده أن مجرد هذه الكلمة يعصم الدم حتى توقفوا في قتال من منع الزكاة، حتى بين لهم أبو بكر - ورجع الصحابة إلى قوله: أنَّ المراد: الكلمتان بحقوقهما ولوازمهما، وهو الإتيان ببقية مباني الإسلام.
[ ٢ / ١١ ]
وقد تبين صحة قولهم بروايات أخر تصرح بإضافة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى الشهادتين في شرط عصمة الدم.
وكذلك قوله ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله لم تمسه النار - أو دخل الجنة".
إنَّما أراد الشهادتين بلوازمهما وتوابعهما، وهو الإتيان ببقية أركان الإسلام ومبانيه.
وفي حديث ابن مسعود قدم بر الوالدين على الجهاد إشارة إلى أنَّ حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تقدم على التطوع بالجهاد.
وحديث أبي هريرة وأبي ذر فيهما اقتران الجهاد بالإيمان، لكنه في حديث أبي هريرة جعله بعد الإيمان، وجعل بعده الحج المبرور، فيحتمل أن يقال: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدمًا على الحج، ويحتمل أن يقال: قد فهم دخول الحج من ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأنَّ ذلك يتبعه بقية مباني الإسلام، ومنها الحج، لا سيما وقد تقرر في أول الكتاب أن الإيمان قول وعمل ويكون المراد به جهاد المتطوع.
وهذا أشبه بقواعد الشريعة؛ فإنَّ من معه مال، وعليه زكاة أو حج، وأراد التطوع بالجهاد، فإنَّه لا خلاف أنَّه يقدم الزكاة والحج على التطوع بالجهاد، كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات.
وروي - مرفوعا - من وجوه في أسانيدها مقال.
[ ٢ / ١٢ ]
فتبين بهذا التقرير أنَّ الأحاديث كلها دالة على أنَّ أفضل الأعمال الشهادتان مع توابعهما، وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعها - أيضًا - من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ﷿، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان، كبر الوالدين، ثم بعد ذلك أعمال التطوع المقربة إلى الله، وأفضلها الجهاد.
وفي حديث أبي هريرة تأخير الحج عن الجهاد، ولعله إنَّما ذكره بعد الجهاد حيث كان الحج تطوعًا، فإنَّ الصحيح أنَّ فرضه تأخر إلى عام الوفود.
وقد يقال: حديث أبي هريرة دل على أنَّ جنس الجهاد أشرف من جنس الحج، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين، كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلَّا فالجهاد أفضل منه.
فهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث هي رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، كما في حديث معاذ: فرأسه الشهادتان، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.
والجهاد أفضل ما تطوع به من الأعمال، على ما دلت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة، وهو مذهب الإمام أحمد.
وفي " الصحيحين" عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: "أفضل الناس مؤمن آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره".
[ ٢ / ١٣ ]
فهذا نص في أنَّ المجاهد أفضل من المتخلي لنوافل العبادات من الصلاة والذكر وغير ذلك.
فأمَّا النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد وغيره من الأعمال، وأنَّ الذاكرين لله أفضل الناس عند الله مطلقًا فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات.
وليس الذكر مما يقطع عن غيره من الأعمال كبقية الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال، فمن عمل عملًا صالحًا، وكان أكثر لله ذكرًا فيه من غيره فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه.
وقد ورد في نصوص متعددة أنَّ أفضل المصلين والمتصدقين والمجاهدين والحاج وغيرهم من أهل العبادات أكثرهم لله ذكرًا.
وقد خرجه الإمام أحمد متصلًا، وخرجه ابن المبارك وغيره مرسلًا.
فهؤلاء أفضل الناس عند الله، ثم يليهم الذين يذكرون الله كثيرًا وليس لهم نوافل من غير الذكر كالجهاد وغيره، بل يقتصرون مع الذكر على فرائض الأعيان، فهؤلاء هم الذاكرون لله كثيرًا، المفضلون على المجاهدين، ويليهم قوم يقومون بالفرائض وبالنوافل كالجهاد وغيره من غير ذكر كثير لهم.
وإنَّما قال النبي ﷺ لمن سأله عما يعدل الجهاد: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وتقوم ولا تفتر". قال: لا. قال: "فذلك الذي يعدل الجهاد"؛ لأنَّه سأله عن عمل ينشؤه عند خروج المجاهد يعادل فضل جهاده.
[ ٢ / ١٤ ]
وأمَّا الذاكرون لله كثيرًا، فإنما فضلوا على المجاهدين بغير ذكر؛ لأنَّ لهم عملًا مستمرًا دائمًا قبل جهاد المجاهدين، ومعه وبعده، فبذلك فضلوا على المجاهدين بغير ذكر كثير.
وبهذا تجتمع النصوص الواردة في ذلك.
وأماحديث: "خير الإسلام إطعام الطعام وافشاء السلام" فقد سبق الكلام عليه في أول الكتاب، وأنَّه ليس المراد به تفضيل هاتين الخصلتين على سائر خصال الإسلام من الشهادتين والصلاة وغيرهما، بل المراد أنَّ أفضل أهل الإسلام القائمين بخصاله المفروضة من الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج من قام بعد ذلك بإطعام الطعام وافشاء السلام.
فإن قيل: فيكون التطوع بذلك أفضل من التطوع بالجهاد والحج.
قيل: فيه تفصيل: فإن كان إطعام الطعام فرض عين كنفقة من تلزم نفقته من الأقارب فلا ريب أنَّه أفضل من التطوع بالنفقة في الجهاد والحج، فإن كان تطوعًا، فإن كان صلة رحم فهو أفضل من الجهاد والحج، نص عليه أحمد وكذا إن كان في عام مجاعة ونحوها، فهو أفضل من الحج عند الإمام أحمد، وقد يقال في الجهاد كذلك إذا لم يتعين.
وهذا الكلام كله في تفضيل بعض الأعمال على بعض لذاتها، فأمَّا تفضيل بعض الأعمال على بعض لزمانها أو مكانها فإنَّه قد يقترن بالعمل المفضول من زمان أو مكان ما يصير به فاضلًا، فهذا فيه كلام آخر نذكره في موضع آخر - إن شاء الله ﷾» اهـ.
[ ٢ / ١٥ ]
٣ - قدم في الحديث بر الوالدين على الجهاد إشارة إلى أنَّ حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تقدم على التطوع بالجهاد.
٤ - الحديث يدل على استحباب الصلاة في أول وقتها وهو مأخوذ من لفظة "على" لأنَّها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فتعين أوله. وجاء في لفظ عند البخاري (٧٠٩٦)، ومسلم (٢٤٨): «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا».
قال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٨/ ٢٤): «قال القرطبي وغيره: أنَّ اللام في لوقتها للاستقبال مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي مستقبلات عدتهن. وقيل: للابتداء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقيل: بمعنى في أي: في وقتها، وقيل: إنَّها لإرادة الاستعلاء على الوقت» اهـ.
قلت: لو جعلنا اللام للاستقبال أو الابتداء أو الاستعلاء فهو يدل على استحباب فعل الصلاة في أول وقتها، وأمَّا إذا جعلناها للظرفية فقد قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٧ - ١٨):
«وفي قول النبي ﷺ: "الصلاة على وقتها- أو على مواقيتها": دليل - أيضًا- على فضل أول الوقت للصلاة؛ لأنَّ "على" للظرفية، كقولهم: "كان كذا على عهد فلان"، والأفعال الواقعة في الأزمان المتسعة عنها لا تستقر فيها، بل تقع في جزء منها، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت فقد صار الوقت كله ظرفًا لها حكمًا.
ولهذا سمى المصلي مصليًا في حال صلاته وبعدها أمَّا حقيقة أو مجازًا على اختلاف في ذلك، وأمَّا قبل الفعل في الوقت فليس بمصل حقيقة ولا حكمًا، وإنَّما
[ ٢ / ١٦ ]
هو مصل بمعنى استباحة الصلاة فقط، فإذا صلى في أول الوقت فإنَّه لم يسم مصليًا إلاَّ في آخر الوقت» اهـ.
وقال ﵀ (٤/ ١٧): «وقد روي في هذا الحديث زيادة، وهي: "الصلاة في أول وقتها"، وقد خرجها ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما" والحاكم والدارقطني من طرق متعددة.
ورويت من حديث عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، ومن حديث علي بن حفص المدائني، عن شعبة، ورويت عن شعبة من وجه آخر، وفيه نظر، ورويت من وجوه أخر.
واستدل بذلك على أنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل، كما استدل لحديث أم فروة، عن النبي ﷺ، أنَّه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لأول وقتها".
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.
وفي إسناده اضطراب-: قاله الترمذي والعقيلي.
وقد روي نحوه من حديث ابن عمر، إلَّا أن إسناده وهم، وإنَّما هو حديث أم فروة-: قاله الدارقطني في " العلل". وروي نحوه من حديث الشفاء بنت عبد الله» اهـ.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠):
[ ٢ / ١٧ ]
«ومعلوم أنَّ الصلاة أفضل العبادات كما في الصحيحين عن ابن مسعود أنَّه قال: قلت للنبي ﷺ: "أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد". قال حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني".
وثبت أيضًا في الصحيحين عنه أنَّه جعل أفضل الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيله ثم الحج المبرور.
ولا منافاة بينهما؛ فإنَّ الصلاة داخلة في مسمى الإيمان بالله كما دخلت في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، قال البراء بن عازب وغيره من السلف: أي صلاتكم إلى بيت المقدس. ولهذا كانت الصلاة كالإيمان لا تدخلها النيابة بحال فلا يصلي أحد عن أحد الفرض لا لعذر ولا لغير عذر كما لا يؤمن أحد عنه ولا تسقط بحال كما لا يسقط الإيمان؛ بل عليه الصلاة ما دام عقله حاضرًا وهو متمكن من فعل بعض أفعالها» اهـ.
٥ - وفي الحديث إثبات صفة المحبة لله ﷿.
٦ - وفيه بيان أنَّ الأعمال تتفاضل عند الله ﷿.
٧ - وفيه بيان أنَّ الوقت أعظم شروط الصلاة ولهذا نصَّ عليه النبي ﷺ دون غيره من الشروط.
٨ - وفيه ما كان عليه الصحابة من الهمم العالية حيث كانوا يسألون عن أفضل الأعمال ليبادروا إلى فعله.
٩ - وفيه بيان لعظم بر الوالدين.
[ ٢ / ١٨ ]
وقد قرن النبي ﷺ بين حق الله وحق الوالدين في هذا الحديث وشبيه بذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].
وقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقد حث الله تعالى في آيات كثيرة على الإحسان للوالدين.
فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].
[ ٢ / ١٩ ]
وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٨].
وقد ذكر الله تعالى عن أنبيائه ورسله ما كانوا عليه من برهم لآبائهم وأمهاتهم
فقال الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥].
وقال الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵊: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقال الله تعالى عن نبيه نوح ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].
[ ٢ / ٢٠ ]
وقال الله تعالى عن نبيه عيسى ﵊: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣].
وروى البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) عن أبي هريرة، ﵁، قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ. قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ. قَالَ: "أُمُّكَ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ. قَالَ: "ثُمَّ أَبُوكَ"».
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٠١١٩)، ومن طريقه أحمد (٢٥٢٢٣، ٢٥٣٧٦)، والنسائي في [الكبرى] (٨٢٣٣) عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ: «نِمْتُ، فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَذَاكَ الْبِرُّ، كَذَاكَ الْبِرُّ». وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ.
قلت: هذا حديث صحيح.
وروى البخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٦٤٥١) عن عبد الله بن عمرو قال:
«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ"».
ورواه أحمد (٦٤٩٠، ٦٨٣٣، ٦٨٦٩، ٦٩٠٩)، وأبو داود (٢٥٢٨)، والنسائي (٤١٦٣)، وابن ماجه (٢٧٨٢) من طرق عطاء بن السائب عن أبيه عن
[ ٢ / ٢١ ]
عبد الله بن عمرو قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَىَّ يَبْكِيَانِ. فَقَالَ: "ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا"».
قلت: هذا حديث حسن، وعطاء وإن كان اختلط؛ لكن جاء الحديث من طريق الثوري، وشعبة، وحماد بن زيد، وقد رووا عنه قبل الاختلاط.
وقد جاء في بعض الروايات ذكر الجهاد، وجاء عند مسلم (٢٥٤٩): عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ قَالَ: "فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ". قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا. قَالَ: "فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا"».
وروى أحمد (١٧٢٢٦)، وابن ماجه (٣٦٦١) عن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ».
قلت: هذا حديث حسن.
ومما يدل على عظم حق الوالدة ما رواه البخاري في [الأدب المفرد] (٤) عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: «أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي، وَخَطَبَهَا غَيْرِي، فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا
[ ٢ / ٢٢ ]
اسْتَطَعْتَ. فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ ﷿ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى البخاري في [الأدب المفرد] (١١) عن سعيد بن أبى بردة قال سمعت أبي يحدث: «أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، يَقُولُ:
إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ … إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرِ
ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ طَافَ ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَبِي مُوسَى، إِنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ تُكَفِّرَانِ مَا أَمَامَهُمَا».
قلت: هذا أثر صحيح.
وأمَّا ضابط بر الوالدين:
فقال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [بر الوالدين] (ص: ٢)
«برهما يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور، وتقديم أمرهما على فعل النافلة، والاجتناب لما نهيا عنه، والإنفاق عليهما، والتوخي لشهواتهما، والمبالغة في خدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، فلا يرفع الولد صوته، ولا يحدق إليهما، ولا يدعوهما باسمهما، ويمشي وراءهما، ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما» اهـ.
قلت: ومن الأدب مع الوالدين ما رواه البخاري في [الأدب المفرد] (٤٤)
[ ٢ / ٢٣ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ غَيْرِهِ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَبْصَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: مَا هَذَا مِنْكَ؟ فَقَالَ: أَبِي، فَقَالَ: لَا تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ، وَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ».
قلت: إسناده حسن إن كان عروة رواه عن أبيه، وهذا هو الغالب في روايته.
وأبو الربيع هو سليمان بن داود الزهراني.
* * *
[ ٢ / ٢٤ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ».
قولها: «مُتَلَفِّعَاتٍ» أي: ملتحفات.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٢٨):
«و"التلفع": تغطية الرأس» اهـ.
وقولها: «بِمُرُوطِهِنَّ» المروط: أكسية معلمة تكون من خز وتكون من صوف.
وقولها: «مِنْ الْغَلَسِ» الغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه حجة لمن يرى التغليس بصلاة الفجر وتقديمها في أول الوقت. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. وخالف في ذلك أبو حنيفة ورأى أنَّ الإسفار في بها أفضل واحتج بحديث: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ». رواه أحمد (١٥٨٥٧، ١٧٢٩٦، ١٧٣١٨)، وأبو داود (٤٢٤)، والنسائي (٥٤٧)، والترمذي (١٥٤)، وابن ماجه (٦٧٢) من طريق ابن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج.
قلت: هذا حديث حسن من أجل ابن عجلان.
[ ٢ / ٢٥ ]
ورواه النسائي (٥٤٨) أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار
أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا أَسْفَرْتُمْ بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ بِالأَجْرِ».
قلت: هذا إسناد صحيح.
قلت: الحديث رواه جماعة عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج.
١ - منهم محمد ابن عجلان وقد سبق حديثه.
٢ - ومحمد بن إسحاق وحديثه في الترمذي (١٥٤)، والدارمي (١٢١٧)، والطيالسي (٩٥٩)، وعبد بن حميد (٤٢٢)، وابن حبان (١٤٩٠)، و[السنن الكبرى] (١/ ٤٥٧) للبيهقي، وعند أبي نعيم في [معرفة الصحابة] (٢٣٥٩)، والطبراني في [الأوسط] (٩٢٨٩)، و[الكبير] (٤٢٨٦، ٤٢٨٧، ٤٢٩٠)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٩٧٨).
٣ - وعبد الحميد بن جعفر عند أبي نعيم في [معرفة الصحابة] (٢٣٦٠)، والطبراني في [الكبير] (٤٢٩١).
٤ - ومحمد بن عمرو بن جارية عند أبي نعيم في [معرفة الصحابة] (٢٣٦٠).
٥ - ومحمد بن جارية عند الطبراني في [الكبير] (٤٢٨٥).
٦ - ويزيد بن عياض عند أحمد (٢٩٥٧).
فهذا هو الصحيح في حديث عاصم. والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦ ]
وقد تأول العلماء هذا الحديث فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيره: المراد بالإسفار: أن يتبين الفجر ويتضح، فيكون نهيًا عن الصلاة قبل الوقت، وقبل تيقن دخول الوقت.
وذكر الشافعي: أنَّه يحتمل أنَّ بعض الصحابة كان يصلي قبل الفجر الثاني، فأمر بالتأخير إلى تبين الفجر وتيقنه.
ورد ذلك بعضهم بأنَّ قوله: «فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ» يدل على أنَّ في ترك هذا الإسفار أجرًا، ولا أجر في الصلاة قبل وقتها.
وأجيب بأنَّه لا يلزم من ذلك حصول الأجر في الصلاة قبل الفجر بل هذا كقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مع أنَّه لا خير في الإفساد.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ولا خير لمن اشترى بعهد الله ثمنًا قليلًا.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولا خير في ترك عبادة الله وتقواه.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ولا خير في ترك صلاة الجمعة.
[ ٢ / ٢٧ ]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، ولا زكاة في إرسال البصر إلى محارم الله تعالى.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، ولا خير في معصية الله ومعصية رسوله، وأولي الأمر.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ولا خير في التطفيف في الكيل والميزان.
وحمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتى يخرج من الصلاة مسفرًا.
وحمل بعضهم الإسفار في وقت الصيف لأنَّ الليل قصير والناس ينامون ويتأخرون في استيقاظهم من نومهم فرغب حينئذ في الإسفار مراعاة لأحوال الناس.
وحمل بعضهم الإسفار على ما إذا تأخر المأمومون، والمعنى إذا تأخر الناس فاسفروا فإنَّه أعظم للأجر لأنَّه سبب لكثرة المصلين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٩٧ - ٩٨): «أمَّا قوله ﷺ: "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر" فإنَّه حديث صحيح. لكن قد استفاض عن النبي ﷺ أنَّه كان يغلس
[ ٢ / ٢٨ ]
بالفجر حتى كانت تنصرف نساء المؤمنات متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس. فلهذا فسروا ذلك الحديث بوجهين:
أحدهما: أنَّه أراد الإسفار بالخروج منها: أي أطيلوا القراءة حتى تخرجوا منها مسفرين فإنَّ النبي ﷺ كان يقرأ فيها بالستين آية إلى مائة آية نحو نصف حزب.
والوجه الثاني: أنَّه أراد أن يتبين الفجر ويظهر فلا يصلي مع غلبة الظن؛ فإنَّ النَّبي ﷺ كان يصلي بعد التبين إلَّا يوم مزدلفة فإنَّه قدمها ذلك اليوم على عادته والله أعلم» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٤٠٢):
«المثال الثالث والستون: رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر وأنَّ النبي ﷺ كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة ثم ينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس وإنَّ صلاته كانت التغليس حتى توفاه الله وإنَّه إنَّما أسفر بها مرة واحدة وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية فرد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر" وهذا بعد ثبوته إنَّما المراد به الإسفار بها دوامًا لا ابتداء فيدخل فيها مغلسًا ويخرج منها مسفرًا كما كان يفعله ﷺ فقوله موافق لفعله لا مناقض له وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه» اهـ.
قلت: وقد حمل بعضهم الغلس في الحديث على الغلس داخل المسجد لكن يأباه قولها ﵂:
[ ٢ / ٢٩ ]
«ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ».
٢ - وفيه جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى لأنَّ الليل مظنة الريبة أكثر من النهار ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة قاله الحافظ ابن حجر ﵀.
٣ - ويدل الحديث على سرعة خروجهن من المسجد عقيب انقضاء الصلاة.
٤ - قال الباجي: هذا يدل على أنَّهنَّ كنَّ سافرات إذ لو كن متنقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس. هكذا نقله الحافظ ابن حجر ﵀ عن الباجي، ونص كلامه ﵀ في [المنتقى] (١/ ٤):
«وقوله: "ما يعرفن من الغلس". يحتمل أمرين: أحدهما: لا يعرف أرجال هنَّ أم نساء من شدة الغلس إنَّما يظهر إلى الرائي أشخاصهن خاصة قال ذلك الراوي، ويحتمل أيضًا أن يريد لا يعرفن من هنَّ من النساء من شدة الغلس وإن عرف أنَّهن نساء إلَّا أن هذا الوجه يقتضي أنَّهن سافرات عن وجوههن ولو كنَّ غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس إلَّا أنَّه يجوز أن يبيح لهنَّ كشف وجوههن أحد أمرين: إمَّا أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهنَّ أمن أن تدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهنَّ كشف وجوههنَّ» اهـ.
قلت: يمكن حمل الحديث على أنَّهنَّ كنَّ يكشفنَّ وجوههن مع بعضهن حيث لا يوجد رجال، ومع هذا فلم تكن المرأة تعرف أختها من الغلس.
وقد جاءت رواية عند أبي يعلى (٤٤٩٣)، والبزار (٢٩٥) بإسناد صحيح من طريق حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
[ ٢ / ٣٠ ]
الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَوْ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ النِّسَاءِ مَا نَرَى لَمَنَعَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ كَمَا مَنَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَهَا، لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ فِي مُرُوطِنَا، وَنَنْصَرِفُ وَمَا يَعْرِفُ بَعْضُنَا وُجُوهَ بَعْضٍ».
قلت: وتحمل هذه الرواية على أحد أمرين:
الأول: أنَّ هذا كان قبل الأمر بالحجاب.
الآخر: أنَّ هذا في كشف النساء وجوهن لبعضهن البعض كما سبق، وليس في ذلك ما يدل أنَّ ذلك كان مع مشاهدة الرجال لهنَّ. والله أعلم.
قلت: ولا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث أبي برزة الذي سيأتي من أنَّه كان ينصرف حين يعرف الرجل جليسه لأنَّه إخبار عن رؤية جليسه وهذا إخبار عن رؤية النساء بعضهن لبعض من بُعْد. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٣١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «كَانَ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ».
قوله: «كَانَ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ». الهاجرة: هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال وسميت هاجرة من الهجر وهو الترك لأنَّ الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون، وذلك نصف النهار. وأمَّا الظهر فمشتق من الظهور لأنَّ الصلاة ظاهرة في وسط النهار.
وقوله: «وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ» وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تُعْصَرُ، أَيْ تُؤَخَّرُ عَنِ الظُّهْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: عَصَرَنِي فُلَانٌ حَقِّي، إِذَا أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ أَدَائِهِ إِلَيْهِ. ومن أجل هذا المعنى اللغوي ذهب أبو حنيفة وغيره إلى تأخير وقت العصر إلى مصير ظل كل شيء مثليه، وسيأتي الكلام على ذلك في شرح حديث أبي برزة.
وقال بعضهم: العَصْرُ: الحَبْسُ، يُقَال: ما عَصَركَ أَي مَا حَبَسَكَ ومَنَعَكَ. وَبِه سُمِّيَتْ صَلاةُ العَصْرِ لأَنّها تُعْصَر أَي تُحْبَسُ عَنْ الأُولَى وَهِيَ صَلَاةُ الظُهْرِ.
ومعنى نقية أي لم يدخلها صفرة.
وقوله: «وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ» وَسُمِّيَتْ الْمَغْرِبُ مَغْرِبًا لِإِيقَاعِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ.
[ ٢ / ٣٢ ]
ووجوبها: سقوطها أي الشمس، كقوله تعالى: ﴿فَإذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾، والمعنى: إذا سقط قرص الشمس وذهب في الأرض وغاب عن أعين الناس.
وقوله: «وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا».
قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (٣/ ٣٤)
«وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بِعَقِبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا الصَّلَاةُ الَّتِي تَتْلُوهَا سُمِّيَتْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْدَ أَنْ تَعْشَى الْأَبْصَارُ بِالظَّلَامِ الطَّارِئِ عَلَيْهَا» اهـ.
قلت: ومعنى تعشى الأبصار أي تضعفها.
وقوله: «وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ».
قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (٣/ ٣١):
«الصُّبْحَ سُمِّيَتْ بِالصُّبْحِ لِأَنَّهَا تُصَلَّى عِنْدَ الْإِصْبَاحِ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ صَلَاةَ الْفَجْرِ لِأَنَّهَا تُصَلَّى بِقُرْبِ الْفَجْرِ» اهـ.
قلت: والإصباح أول النهار، والفجر سمي فجرًا لانفجار الصبح، أو لأنَّه يفجر الظلام وَانفجار الظلام هُوَ انْصِداعُ الظُّلمة عَنْ نور الصُّبْح.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - بيان وقت الظهر وأنَّه في الهاجرة وهو منتصف النهار. وهو الزوال. قال العلماء: الزوال هو ميل الشمس عن كبد السماء بعد انتصاف النهار وعلامته زيادة الظل بعد تناهي نقصانه، وذلك أنَّ ظل الشخص يكون في أول النهار طويلًا ممتدًا
[ ٢ / ٣٣ ]
فكلما ارتفعت الشمس نقص فإذا انتصف النهار وقف الظل فإذا زالت الشمس عاد الظل إلي الزيادة، فإذا أردت أن تعلم هل زالت فانصب عصًا أو غيرها في الشمس على أرض مستوية وعَلِّم على طرف ظلها ثم راقبه فإن نقص الظل علمت أنَّ الشمس لم تزل ولا تزال تراقبه حتى يزيد فمتى زاد علمت الزوال حينئذ.
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٢/ ١٠٢):
«أمَّا علامة الزَّوال بالسَّاعة فاقسمْ ما بين طُلوع الشَّمس إلى غروبها نصفين، وهذا هو الزَّوال، فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغيب في الساعة السادسة، فالزوال في الثانية عشرة» اهـ.
قلت: فيما قاله نظر، وذلك أنَّ طلوع الشمس عندنا في هذه الأيام الساعة السادسة وعشرون دقيقة والمغرب الساعة الخامسة وخمس وأربعون دقيقة فما بين طلوع الشمس وغروبها إحدى عشرة ساعة وخمس وعشرون دقيقة، ونصف ذلك خمس ساعات واثنتان وأربعون دقيقة ونصف دقيقة.
وبناء على هذا فإنَّ وقت الظهر يكون الساعة الثانية عشرة ظهرًا مع زيادة دقيقتين ونصف دقيقة، وهذا خطأ فإنَّ الزوال هذه الأيام الثانية عشر وعشر دقائق، والصواب أنَّ هذه القسمة يعرف بها وقت استواء الشمس في كبد السماء وهو وقت الكراهة ولا يعرف بها دخول وقت الظهر، وذلك أنَّ وقت الظهر لا يكون عند استواء الشمس في كبد السماء وإنَّما يكون عند زوالها عن كبد السماء.
ولم يذكر في الحديث آخر وقت الظهر، وآخر وقت الظهر هو مصير ظل الشيء مثله من غير ظل الزوال.
[ ٢ / ٣٤ ]
وروى أحمد (١٤٨٣٢)، النسائي (٥٠٣) عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
«سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "صَلِّ مَعِي". فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ - ثُمَّ قَالَ: فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ».
قال الإمام البخاري ﵀: «أصح حديث في المواقيت حديث جابر».
قال العلامة ابن قتيبة ﵀ في [أدب الكاتب] (١/ ٢٣ - ٢٤): «ومن ذلك "الظل والفيء" يذهب الناس إلى أنَّهما شيء واحد وليس كذلك لأنَّ الظل يكون غدوة وعشية ومن أول النهار إلى آخره، ومعنى الظل الستر ومنه قول الناس: "أنا في ظلك" أي: في ذراك وسترك ومنه "ظل الجنة وظل شجرها" إنَّما هو سترها ونواحيها وظل الليل: سواده لأنَّه يستر كل شيء قال ذو الرمة:
"قد أعسف النازح المجهول معسفه … في ظل أخضر يدعو هامة البوم"
أي: في ستر ليل أسود فكأنَّ معنى ظل الشمس ما سترته الشخوص من مسقطها.
والفيء لا يكون إلَّا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال فيء وإنَّما سمى بالعشي فيئًا لأنَّه ظل فاء عن جانب إلى جانب أي: رجع عن جانب المغرب إلى
[ ٢ / ٣٥ ]
جانب المشرق والفيء هو الرجوع ومنه قول الله عز وجل: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: ترجع إلى أمر الله» اهـ.
وهل يحتج بذلك على عدم اعتبار ظل الزوال في ذلك نظر، وبيان ذلك أنَّ ظل الزوال داخل في مسمى الفيء لكونه رجع من جانب إلى جانب.
لكن روى النسائي (٥٢٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فَقُلْنَا لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَاكَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَظِلِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْغَدِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ طُولَ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَيْهِ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سَيْرَ الْعَنَقِ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِ اللَّيْلِ - شَكَّ زَيْدٌ - ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ».
فقوله: «ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَظِلِّ الرَّجُلِ».
يدل دلالة ظاهرة على أنَّ حساب المثل لا يدخل فيه فيء الزوال لكن الحديث لا يثبت فإنَّ فيه الْحُسَيْنُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلَّامٍ مجهول.
والحجة الصحيحة في ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (٣/ ١٥٢): «وإنَّما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين
[ ٢ / ٣٦ ]
الزوال لأنَّ الظل حين الزوال قد يكون مثل الشاخص أو أطول لا سيما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء فلو اعتبر أن يكون الظل مثل الشاخص مطلقًا لتداخل الوقتان أو استحال ذلك وإنَّما أطلق في الأحاديث لأنَّه قصد أن يبين أنَّ وقت الظهر بزيادة الظل عن مثل شخصه، ولأنَّ الظل وقت الزوال يكون مستقيمًا فإذا انحرف بقدر الشاخص فهو آخر وقت الظهر، ولأنَّه في الصيف في أرض الحجاز يكون الظل وقت الزوال شيئًا يسيرًا لا عبرة به فبمجرد كون الظل مثل الشاخص يكفي في التقريب ولهذا قال في الحديث: "لما كان الفيء مثل الشراك"» اهـ.
قلت: وقد أجمع العلماء على إخراج فيء الزوال عند حساب مثل الشاخص.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [مراتب الإجماع] (ص: ٢٦):
«وَاتَّفَقُوا أَنْ مَا بَين زَوَال الشَّمْس إلى كَون ظلّ كل شَيْء مثله بعد طرح ظلّ الزَّوَال وَقت الظّهْر» اهـ.
٢ - وفي الحديث بيان وقت الاختيار للصلاة العصر وهو ما دامت الشمس بيضاء نقية.
فائدة: قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٩٢ - ٨٩٣):
«روى وهب بن الأجدع عن علي أنَّ النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر إلَّا أن تكون الشمس بيضاء نقية". قيل: يحتمل أنَّه يعنى وقت العصر لأنَّه روي أنَّه نهى عن الصلاة بعد العصر أي فعل الصلاة» اهـ.
قلت: هذا الحديث رواه أحمد (٥٧٦)، والنسائي (٥٦٩) من طريق منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ
[ ٢ / ٣٧ ]
ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً مُرْتَفِعَةً».
ورواه أبو داود (١٠٨٢) من طريق منصور بلفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ».
قلت: هذا إسناد ضعيف وهب بن الأجدع لم يوثقه معتبر. لكنه متابع تابعه عاصم بن ضمرة عند الإمام أحمد (١٠٢٣) قال حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ».
قَالَ سُفْيَانُ: فَمَا أَدْرِي بِمَكَّةَ يَعْنِي أَوْ بِغَيْرِهَا اهـ.
لكن قال الحافظ البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٤٥٩): «وهذا وإن كان أبو داود السجستاني أخرجه في كتاب "السنن" فليس بمخرج في كتاب البخاري ومسلم. ووهب بن الأجدع ليس من شرطهما، وهذا حديث واحد وما مضى في النهي عنها ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد فهو أولى أن يكون محفوظًا، وقد روى عن علي ﵁ ما يخالف هذا، وروى ما يوافقه، أمَّا الذي يخالفه في الظاهر ففيما أنبأ أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص عن سفيان قال اخبرني أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلى ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة إلَّا الفجر والعصر"، وأمَّا الذي يوافقه ففيما أخبرنا أبو الحسن المقري أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا حفص بن عمر ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن
[ ٢ / ٣٨ ]
عاصم بن ضمرة قال: كنا مع علي ﵁ في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل فسطاطه وأنا انظر فصلى ركعتين، وقد حكى الشافعي ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة عن علي ﵁ ثم قال: "هذا أحاديث يخالف بعضها بعضًا" قال الشيخ فالواجب علينا اتباع ما لم يقع فيه الخلاف» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي عدم صحة هذا الحديث وأنَّ الاضطراب فيه من جهة عاصم والله أعلم.
والحديث محمول - على تقدير صحته - على صلاة الفريضة بعد دخول وقت العصر فيجب المبادرة بها قبل احمرار الشمس جمعًا بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر. وهي واردة في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس ﵃.
وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [المصنف] (٧٣٥٩)، والروياني في [مسنده] (٧١٤) من طريق ابن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن بلال قال: «لَمْ يُنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ».
وفي [مسند أحمد] (٢٣٨٨٧)، و[مسند الحارث] (٢١٤)، وعند ابن المنذر في [الأوسط] (١٠٦٧) من طريق شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق عن بلال قال: «لَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ، فِي سَاعَةٍ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ».
قلت: حديث سفيان الثوري أصح.
[ ٢ / ٣٩ ]
وهذا محمول على أنَّه لم يبلغه النهي عن الصلاة في هذين الوقتين. والله أعلم.
قلت: وينتهي وقت الاختيار بالنسبة للعصر باصفرار الشمس وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وقد جاء في ذلك عدة أحاديث منها:
ما رواه مسلم (٦١٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمْ الظُّهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٧٥):
«وليس عن النبي ﷺ حديث من قوله في المواقيت الخمس أصح منه» اهـ.
وقال ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٥٢): «وهذا أتم أحاديث المواقيت بيانًا لأنَّه من قول رسول الله ﷺ وليس بحكاية فعل» اهـ.
وقد جاء في بعض الأحاديث تقدير ذلك بالمثلين، -وهو مذهب الإمام مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو أول وقت العصر عند أبي حنيفة-.
فروى أحمد (٢٩٢٠)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٣٨) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّنِى جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ
[ ٢ / ٤٠ ]
قَدْرَ الشِّرَاكِ وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِيَ - يَعْنِى الْمَغْرِبَ - حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَىَّ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ».
قلت: هذا حديث ضعيف لضعف عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة وحكيم بن حكيم.
ويشهد له حديث أبي هريرة
قال الإمام النسائي ﵀ (٤٩٨) أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «"هَذَا جِبْرِيلُ ﵇ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ رَأَى الظِّلَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدَ فَصَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلًا، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: "الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِكَ أَمْسِ وَصَلَاتِكَ الْيَوْمَ"».
قلت: هذا حديث حسن من أجل محمد بن عمرو الليثي.
وفي حديث جابر السابق: «وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ».
[ ٢ / ٤١ ]
قلت: الأخذ بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في آخر العصر أولى من الأخذ بحدث جبريل لعدة وجوه بينها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٦٣ - ١٦٥) فقال: «وهذه الأحاديث أولى من حديث جبريل ﵇ لوجوه:
أحدها: أنَّ فيه زيادة منطوقة فتقدم على ما ليس فيه تلك الزيادة وإنَّما تنفيها بطريق المفهوم.
الثاني: أنَّها متأخرة لأنَّها كانت بالمدينة فإنَّ السائل الذي سأله إنَّما كان بالمدينة وبلال يؤذن له بل رواتها أبو موسى، وعبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، وبريدة بن الحصيب، وكل هؤلاء لم يصحبوه إلَّا بالمدينة وأبو موسى، وأبو هريرة إنَّما صحباه بعد خيبر، وحديث جبريل كان قبل الهجرة بأكثر من سنة وإنَّما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ لأنَّه يكون هو الناسخ للأول إن كان بينهما تعارض.
الثالث: أنَّ حديث عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة قول مبين وهو أتم تحديدًا وأصرح دلالة من حكاية الفعل.
الرابع: أنَّها أكثر وأصح من حديث جبريل.
الخامس: أنَّ فيها زيادات في وقت العصر والمغرب والفجر وفي بعضها العشاء وقد وجب العمل بها في تلك المواضع لما صاحبها من الدلائل فكذلك ها هنا.
السادس: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وكذلك قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ لكن إذا تغير لون الشمس فقد أخذت الشمس في التحول والغروب فيبقى ما قبل ذلك على عموم الآية.
[ ٢ / ٤٢ ]
السابع: أنَّ من الناس من يقول لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فإن لم يكن فعلها في ذلك الوقت هو الأفضل خروجًا من الخلاف فلا أقل من أن يكون جائزًا من غير كراهة.
الثامن: أنَّ التحديد بالشمس نفسها أولى من مقدار الظل بدليل سائر الصلوات وإنَّما ترك في أول صلاة العصر إذ ليس في الشمس علامة ظاهرة بخلاف آخره» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٧٢): «ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريبًا من الآخر» اهـ.
قلت: يعني الاصفرار، والمثلين.
وما بعد الاصفرار إلى غروب الشمس فهو وقت ضرورة تصح فيه الصلاة لغير المعذور مع الإثم، وتصح للمعذور من غير إثم.
والدليل على صحة الصلاة في ذلك الوقت ما رواه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ».
والدليل على حرمة الصلاة في هذا الوقت ما رواه مسلم (٦٢٢) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا».
[ ٢ / ٤٣ ]
٣ - وفي الحديث بيان وقت المغرب وأنَّه بمغيب الشمس. ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس وغيبوبته عن الأبصار.
وأمَّا إن بقي شيء من شعاعها على الجدران أو الجبال فلابد من ذهابه فإنَّه يدل على أنَّ قرصها لم يغب بعد. والله أعلم.
ولا يستحب تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وأمَّا ما رواه مسلم (٨٣٠) عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ». وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ.
فقد اختلف العلماء في معناه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٧٧): «فقد اختلف العلماء في تأويله:
فمنهم من حمله على كراهة التنفل قبل المغرب حتى تصلى، وهو قول من كره ذلك من العلماء، وقال: قوله: "لا صلاة بعدها" إنَّما هو نهي عن التنفل بعد العصر فيستمر النهي حتى تصلى المغرب، فإذا فرغ منها حينئذ جاز التنفل، وحينئذ تطلع النجوم غالبًا.
ومنهم من قال: إنَّما أراد أنَّ النهي يزول بغروب الشمس، وإنَّما علقه بطلوع الشاهد لأنَّه مظنة له، والحكم يتعلق بالغروب نفسه.
ومنهم من زعم أنَّ الشاهد نجم خفي يراه من كان حديد البصر بمجرد غروب الشمس، فرؤيته علامة لغروبها.
وزعم بعضهم: أنَّ المراد بالشاهد الليل، وفيه بعد» اهـ.
[ ٢ / ٤٤ ]
قلت: وقد ورد الأمر بالمبادرة بالمغرب قبل طلوع النجم. فيما رواه الإمام أحمد (٢٣٥٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «بَادِرُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ طُلُوعِ النَّجْمِ».
قلت: فيه ابن لهيعة لكنه متابع.
ورواه أحمد (٢٢٤٧٧)، والطيالسي (٦٠٠) من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلُّوا الْمَغْرِبَ لِفِطْرِ الصَّائِمِ، وَبَادِرُوا طُلُوعَ النُّجُومِ».
قلت: فيه رجل مبهم.
ورواه أحمد (١٧٣٦٧)، وأبو داود (٤١٨) من طريق ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيُّ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ - وَيَزَنُ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ - قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِصْرَ غَازِيًا - وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْسٍ الْجُهَنِيُّ أَمَّرَهُ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - قَالَ: فَحَبَسَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ بِالْمَغْرِبِ، فَلَمَّا صَلَّى قَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُقْبَةُ، أَهَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ، أَمَا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْعَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» قَالَ: فَقَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: شُغِلْتُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي إِلاَّ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّكَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ هَذَا.
[ ٢ / ٤٥ ]
قال ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٧٧) تحت رقم (٥٠٦) «وسئل أبو زرعة عن حديث؛ رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن أبي أيوب الأنصاري أنه أنكر على عقبة بن عامر تأخيره صلاة المغرب، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم".
ورواه حيوة، وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ، أنَّه قال: "بادروا بصلاة المغرب طلوع النجوم"
وقال أبو زرعة: حديث حيوة أصح» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٦/ ١٢٤): «يرويه يزيد بن أبي حبيب، اختلف عنه، فرواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أيوب، قال ذلك إبراهيم بن سعد، وابن علية، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعمر بن حبيب، عن محمد بن إسحاق، وكلهم أسنده إلَّا إبراهيم بن سعد، فإنَّه أوقفه على أبي أيوب، ورواه إبراهيم بن سعد أيضًا، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران مولى نجيب، عن أبي أيوب موقوفًا.
وكذلك قال عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، موقوفًا.
ورواه حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي أيوب، فنحا به نحو الرفع، وقال: كنا نصليها حين تجب الشمس، نبادر بها طلوع النجوم.
وخالفهم ابن لهيعة، فرواه عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي أيوب مرفوعًا.
[ ٢ / ٤٦ ]
وروى هذا الحديث ابن أبي ذئب، عن يزيد بن أبي حبيب، واختلف عنه؛
فقال شبابة: عن ابن أبي ذئب، عن يزيد، عمن أخبره، عن أبي أيوب: كان رسول الله ﷺ يصلي المغرب لفطر الصائم مبادرة طلوع النجوم.
وخالفه أبو عامر العقدي، فرواه عن ابن أبي ذئب، عن يزيد، عن رجل سمع أبا أيوب، يقول: قال رسول الله ﷺ: صلوا المغرب لفطر الصائم مبادرة طلوع النجوم. وتابعه محمد بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، قاله أبو الربيع الحارثي عبيد الله بن محمد.
وكذلك قال معاوية بن هشام، عن ابن أبي ذئب، إلا أنه قال: عن أبي حبيبة، أنه قال: بلغه عن أبي أيوب».
قلت: الذي يظهر لي صحة رفع الحديث والله أعلم.
وروى الإمام أحمد (١٥٧١٧) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، (قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ هَارُونَ)، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الأَسْوَدِ الْقُرَشِيُّ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ خُصَيْفَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا صَلَّوْا الْمَغْرِبَ، قَبْلَ طُلُوعِ النُّجُومِ».
قلت: عبد الله بن أسود القرشي لم يوثقه معتبر.
وروى ابن ماجه (٦٨٩)، وابن خزيمة (٣٤٠)، والطبراني في [الأوسط] (١٧٧٠)، و[الصغير] (٥٦)، والبيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ٤٤٨) من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
[ ٢ / ٤٧ ]
اللهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ، حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ».
قلت: قال الحافظ المزي ﵀ في [تهذيب الكمال] (٢١/ ٢٧٠): «قال أحمد وهو يروي عن قتادة أحاديث مناكير يخالف قال وقد روى عباد بن العوام ق عنه حديثًا منكرًا يعني حديث الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب عن النبي ﷺ: "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم"» اهـ.
وروى الطبراني في [الكبير] (٣٢٦٤)، وأبو نعيم في [معرفة الصحابة] (١٨٥٦) من طريق مُحَمَّدِ بنِ النَّضْرِ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَضَّاحُ بن يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِنْدَلُ بن عَلِيٍّ، عَنِ الصَّلْتِ بن بَهْرَامَ، عَنِ الْحَارِثِ بن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ تَزَالَ أُمَّتِي عَلَى الإِسْلامِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى يَشْتَبِكَ النُّجُومُ مُضَاهَاةَ الْيَهُودِ، وَمَا لَمْ يُعَجِّلُوا الْفَجْرَ مُضَاهَاةَ النَّصَارَى، وَمَا لَمْ يَكِلُوا الْجَنَائِزَ إِلَى أَهْلِهَا».
قلت: الوضاح بن يحيى، ومندل ضعيفان، والحارث مجهول وروايته عن النبي ﷺ مرسلة.
وروى تمام في [الفوائد] (١٠٩٨)، ومن طريقه ابن عساكر في [تاريخ دمشق] (٢٢/ ١٥٦) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ فُطَيْسٍ الْوَرَّاقُ، وَأَبُو زُرْعَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُجَانَةَ النَّصْرِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو اللَّيْثِ السَّلْمُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ التَّمِيمِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ،
[ ٢ / ٤٨ ]
عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ تَزَالَ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا صَلاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» قَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: «لا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ» اهـ.
قلت: الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وقرة هو ابن عبد الرحمن بن حيويل المعافري ضعيف الحديث.
قلت: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا.
قلت: وآخر وقت المغرب غروب الشفق الأحمر.
وهذه مسألة اختلف فيها العلماء فذهب الإمام مالك والشافعي في إحدى الروايتين عنهما وهي الرواية المشهورة إلى أنَّه ليس للمغرب إلَّا وقت واحد، وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد، والإمام مالك والشافعي في الرواية الأخرى لهما إلى أنَّ آخر وقت المغرب مغيب الشفق، وهو الأحمر عند الإمام أحمد، ومالك، والشافعي، وعند أبي حنيفة الأبيض.
واحتج القائلون بأنَّه ليس للمغرب إلَّا وقت واحد بأنَّ جبريل صلى بالنبي ﷺ المغرب في اليومين في وقت واحد، وصلى به سائر الصلوات في وقتين.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٧٩): «ومن قال: يمتد وقتها، قال: قد صح حديث بريدة، وكان ذلك من فعل النبي ﷺ بالمدينة، فهو متأخر عن أحاديث صلاة جبريل.
وفي حديث عبد الله بن عمرو: أنَّ النبي ﷺ بين ذلك بقوله، وهو أبلغ من بيانه بفعله.
[ ٢ / ٤٩ ]
ويعضده: عموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إنَّما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى"، خرج من عموم ذلك الصبح بالنصوص والإجماع، بقي ما عداها داخلًا في العموم.
ولأنَّ النبي ﷺ أمر من حضره العشاء بتقديمه على الصلاة، ولولا اتساع وقت المغرب لكان تقديم العشاء تفويتًا للمغرب عن وقتها للأكل، وهو غير جائز.
ولأن الجمع بين المغرب والعشاء جائز في وقت المغرب للعذر بالاتفاق من القائلين: بأنَّ وقتها واحد، ولا يمكن الجمع بينهما في وقت المغرب إلَّا مع امتداد وقتها واتساعه لوقوع الصلاتين.
ولعل البخاري إنَّما صدر الباب بقول عطاء: "يجمع المريض بين المغرب والعشاء" لهذا المعنى الذي أشرنا إليه. والله أعلم» اهـ.
قلت: حديث بُرَيْدَةَ هو ما رواه مسلم (١٣٩٠) عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ". يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ
[ ٢ / ٥٠ ]
السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ"».
وأمَّا حديث ابن عمرو فقد سبق ذكره، وسيأتي قريبًا.
والدليل على أنَّ الشفق الحمرة دون البياض
ما رواه مسلم (١٣٨٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَصْرُ وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ».
قلت: وثور الشفق هو ثورانه، وانتشاره وهذا لا يكون إلَّا في الأحمر.
وعند أبي داود (٣٣٥): «فَوْرُ الشَّفَقِ».
قال العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٣/ ٩٤٠): «هو بقية حمرة الشمس في الأفق الغربي سمي فورًا لسطوعه وحمرته».
وروى ابن خزيمة (٣٥٤) من طريق مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ وَهُوَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - وهو ابن خزيمة -: فَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ لَكَانَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ أَنَّ الشَّفَقَ الْحُمْرَةُ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ إِنْ
[ ٢ / ٥١ ]
كَانَتْ حُفِظَتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: ثَوْرُ الشَّفَقِ مَكَانَ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: حُمْرَةُ الشَّفَقِ اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٨٨):
«وقد أعلت هذه اللفظة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بها عن سائر أصحاب شعبة» اهـ.
وروى الدارقطني (١٠٤٤)، والبيهقي في [الكبرى] (١/ ٣٧٣) من طريق عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ».
قلت: الحديث رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٣٦٢)، والدارقطني (١٠٤٥)، والبيهقي في [الكبرى] (١/ ٣٧٣)، و[المعرفة] (٦٠٩) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، وهذا هو المحفوظ في الحديث.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٢١٢٢) عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر موقوفًا.
قلت: عبد الله بن نافع شديد الضعف.
قال الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته للحديث: «والصحيح موقوف» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [بلوغ المرام] ص (٥٤): «وصحح ابن خزيمة وغيره وقفه» اهـ.
[ ٢ / ٥٢ ]
وقال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (١/ ١٧٠): «ورواه الدارقطني أيضًا موقوفًا من قول ابن عمر وهو أشبه» اهـ.
قلت: ومن جملة الأدلة الدالة على أنَّ الشفق هو الحمرة ما قاله الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٧١): «واللغة تقضي أنَّ الشفق اسم للبياض والحمرة جميعًا والحجة لمن قال: إنَّه الحمرة حديث النعمان بن بشير: " كان رسول الله ﷺ يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة" وهذا لا محالة قبل ذهاب البياض» اهـ.
قلت: الحديث رواه أحمد (١٧٦٨٩)، وأبو داود (٣٥٥)، والترمذي (١٥١)، والنسائي (٥٢٥، ٥٢٦) من طريق حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ».
قلت: وهو حديث حسن من أجل حبيب بن سالم.
٤ - وفي الحديث استحباب مراعاة المأمومين بصلاة العشاء، فإن اجتمعوا عجل وإن أبطئوا أخر.
وهذه مسألة اختلف فيها العلماء فالمشهور عن مالك أنَّه يستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها، إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلًا عنده أفضل.
وروي عنه: أنَّ أول الوقت أفضل في كل الصلوات إلَّا الظهر في شدة الحر.
والقول الثاني لأهل العلم: أنَّ تأخيرها أفضل، وحكاه الترمذي في "جامعه" عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
[ ٢ / ٥٣ ]
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٩٥): «وممن رأى تأخير العشاء: أبو حنفية وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه - وقيل: إنَّه نص على ذلك في أكثر كتبه الجديدة-، وأحمد وإسحاق.
وعلى هذا؛ فقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: يكون تأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضل.
والمنصوص عن أحمد: أنَّ تأخيرها في الحضر حتى يغيب البياض؛ لأنَّه يكون بذلك مصليًا بعد مغيب الشفق المتفق عليه.
وهذا يدل على أنَّ تأخيرها بعد مغيب البياض لا يستحب مطلقًا، أو يكون مراعى بقدر ما لا يشق على الجيران -: كما نقله عنه الأثرم.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قدر كم تأخير العشاء الآخرة؟ قال: ما قدر ما يؤخر بعد أن لا يشق على الجيران.
فقد نص في رواية غير واحد على أنَّه يستحب للحاضر تأخير العشاء حتى يغيب البياض من غير اعتبار للمشقة، ونص على أنَّه يستحب التأخير مهما قدر بحيث لا يشق على الجيران، فيحمل هذا على ما بعد مغيب الشفق الأبيض».
إلى أن قال ﵀ (٤/ ٩٦): «فقد تبين بهذا أنَّ هذا القول الثالث، وهو مراعاة حال المأمومين في التأخير الكثير دون اليسير، هو الأرجح في هذا المسألة» اهـ.
قلت: إذا كان الشفق الأحمر يستتر بالبنيان وغيره فيحتاط لذلك بمغيب الشفق الأبيض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٩٣):
[ ٢ / ٥٤ ]
«أَمَّا وَقْتُ الْعِشَاءِ فَهُوَ مَغِيبُ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ لَكِنْ فِي الْبِنَاءِ يُحْتَاطُ حَتَّى يَغِيبَ الْأَبْيَضُ فَإِنَّهُ قَدْ تَسْتَتِرُ الْحُمْرَةُ بِالْجُدْرَانِ فَإِذَا غَابَ الْبَيَاضُ تَيَقَّنَ مَغِيبَ الْأَحْمَرِ» اهـ.
قلت: وهل يعرف أول وقت العشاء، وآخر وقت المغرب بمعرفة وقت الفجر أو لا؟.
وذلك بأن ينظر كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، ثم يجعل ذلك المقدار هو بين غروب الشمس ومغيب الشفق.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ٢٢٣):
«وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُسَاوٍ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَبَدًا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى أَوَّلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَاَلَّذِي مِنْ آخِرِ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ - الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ أَبَدًا - فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ؛ يَتَّسِعُ فِي الصَّيْفِ، وَيَضِيقُ فِي الشِّتَاءِ؛ لِكِبَرِ الْقَوْسِ وَصِغَرِهِ» اهـ.
قلت: وهذا خطأ انتقده عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال في [الرد على المنطقيين] (ص: ٢٦٦ - ٢٦٧):
«وأمَّا تقدير حصة الفجر بأمر محدود من حركة الفلك مساو لحصة العشاء كما فعله طائفة من الموقتين فغلطوا في ذلك كما غلط من قدر قوس الرؤية تقديرًا مطلقًا، وذلك لأنَّ الفجر نور الشمس وهو شعاعها المنعكس الذي يكون من الهواء والأرض وهذا يختلف باختلاف مطارحة التي ينعكس عليها فإذا كان الجو صافيًا من الغيوم لم يظهر فيه النور كما يظهر إذا كان فيه بخار فإنَّ البخار لغلظه
[ ٢ / ٥٥ ]
وكثافته ينعكس عليه الشعاع ما لا ينعكس على الهواء الرقيق ألا ترى أنَّ الشمس إذا طلعت إنَّما يظهر شعاعها على الأرض والجبال ونحو ذلك من الأجسام الكثيفة وإن كانت صقيلة كالمرآة والماء كان أظهر، وأمَّا الهواء فإنَّه وإن استنار بها فإنَّ الشعاع لا يقف فيه بل يخرقه إلى أن يصل إلى جسم كثيف فينعكس.
ففي الشتاء تكون الأبخرة في الليل كثيرة لكثرة ما يتصعد من الأرض بسبب رطوبتها ولا يحلل البخار فيها فينعكس الشعاع عليه فيظهر الفجر حينئذ قبل ما يظهر لو لم يكن بخار، وأمَّا الصيف فإنَّ الشمس بالنهار تحلل البخار فإذا غربت الشمس لم يكن للشعاع التابع لها بخار يرده فتطول في الصيف حصة العشاء بهذا السبب وتطول في الشتاء حصة الفجر بهذا السبب وفي الصيف تقصر حصة الفجر لتأخر ظهور الشعاع إذ لا بخار يرده لأنَّ الرطوبات في الصيف قليلة وتقصر حصة العشاء في نهار الشتاء لكثرة الأبخرة في الشتاء فحاصلة أن كلا من الحصتين تتبع ما قبلها في الطول والقصر بسبب البخار لا بسبب فلكي.
والذين ظنوا أنَّ ذلك يكون عن حركة الفلك قدروه بذلك فغلطوا في تقديرهم وصاروا يقولون حصة الفجر في الشتاء أقصر منها في الصيف وحصة العشاء في الصيف أقصر منها في الشتاء فإنَّ هذه جزء من الليل وهذه جزء من النهار فتتبعه في قدره ولم يعرفوا الفرق بين طلوع الشمس وغروبها وبين طلوع شعاعها فإنَّ الشمس تتحرك في الفلك فحركتها تابعة للفلك والشعاع هو بحسب ما يحمله وينعكس عليه من الهواء الأبخرة وهذا أمر له سبب أرضي ليس مثل حركة الفلك.
[ ٢ / ٥٦ ]
ولهذا كان ما قالوه بالقياس الفاسد أمرًا يخالفه الحس ويعرف كذب ما قالوه باتفاق طوائف بني آدم فالذي يعرف بالحس والعقل الصريح لا يخالفه شرع ولا عقل ولا حس فإنَّ الأدلة الصادقة لا تتعارض مدلولاتها ولكن ما يقال بقياس فاسد وظن فاسد يقع فيه الاختلاف» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٩٣ - ٩٤):
«وَأَيْضًا فَوَقْتُ الْعِشَاءِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ يَتْبَعُ النَّهَارَ فَيَكُونُ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلَ كَمَا أَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ حِصَّةَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ: فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا حِسِّيًّا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَسَبَبُ غَلَطِهِ أَنَّ الْأَنْوَارَ تَتْبَعُ الْأَبْخِرَةَ فَفِي الشِّتَاءِ يَكْثُرُ الْبُخَارُ بِاللَّيْلِ فَيَظْهَرُ النُّورُ فِيهِ أَوَّلًا وَفِي الصَّيْفِ تَقِلُّ الْأَبْخِرَةُ بِاللَّيْلِ وَفِي الصَّيْفِ يَتَكَدَّرُ الْجَوُّ بِالنَّهَارِ بِالْأَبْخِرَةِ وَيَصْفُو فِي الشِّتَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ مَزَّقَتْ الْبُخَارَ وَالْمَطَرَ لَبَّدَ الْغُبَارَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النورين تَابِعَانِ لِلشَّمْسِ هَذَا يَتَقَدَّمُهَا وَهَذَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا تَابِعَيْنِ لِلشَّمْسِ فَإِذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ طَالَ زَمَنُ مَغِيبِهَا فَيَطُولُ زَمَانُ الضَّوْءِ التَّابِعِ لَهَا.
وَأَمَّا جَعْلُ هَذِهِ الْحِصَّةِ بِقَدْرِ هَذِهِ الْحِصَّةِ وَأَنَّ الْفَجْرَ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلُ وَالْعِشَاءَ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلُ وَجُعِلَ الْفَجْرُ تَابِعًا لِلنَّهَارِ: يَطُولُ فِي الصَّيْفِ وَيَقْصُرُ فِي الشِّتَاءِ وَجُعِلَ الشَّفَقُ تَابِعًا لِلَّيْلِ يَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ فَهَذَا قَلْبُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. وَلَا يَتَأَخَّرُ ظُهُورُ السَّوَادِ عَنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ٢ / ٥٧ ]
٥ - الحديث يدل أنَّ مراعاة الجماعة مقدم على فضيلة تأخير الصلاة إلى نصف الليل.
مسألة اختلف العلماء في آخر وقت العشاء على عدة أقوال ذكرها الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٩٦ - ٩٧) فقال ﵀: «المسألة الثانية: في آخر وقت العشاء الآخرة، وفيه أقوال:
أحدها: ربع الليل، حكاه ابن المنذر عن النخعي، ونقله ابن منصور، عن إسحاق.
والقول الثاني: إلى ثلث الليل، روي ذلك عن عمر، وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز، وهو المشهور عن مالك، وأحد قولي الشافعي، بل هو أشهرهما، ورواية عن أحمد، وقول أبي ثور وغيره.
والقول الثالث: إلى نصف الليل، وروي عن عمر بن الخطاب - أيضًا-، وهو قول الثوري والحسن بن حي وابن المبارك وأبي حنيفة، والشافعي في قوله الآخر، وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق، وحكي عن أبي ثور - أيضًا. وتبويب البخاري هاهنا يدل عليه.
وحمل ابن سريج من أصحاب الشافعي قوليه في هذا المسألة على أنَّه أراد أن أول ابتدائها ثلث الليل، وآخر انتهائها نصفه، وبذلك جمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، ولم يوافق على ما قاله في هذا.
والقول الرابع: ينتهي وقت العشاء إلى طلوع الفجر.
رواه ليث، عن طاووس، عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، قال: إفراط صلاة العشاء طلوع الفجر.
[ ٢ / ٥٨ ]
وهو قول داود.
ورواه ابن وهب، عن مالك، إلاَّ أنَّ أصحابه حملوه على حال أهل الأعذار؛ فإنَّ قول من قال: آخر وقتها ثلث الليل أو نصفه، إنَّما أراد وقت الاختيار.
وقالوا: يبقى وقت الضرورة ممتدًا إلى طلوع الفجر، فلو استيقظ نائم، أو أفاق مغمى عليه، أو طهرت حائض، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر بعد نصف الليل لزمهم صلاة العشاء، وفي لزوم صلاة المغرب لهم قولان مشهوران للعلماء.
وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف: أنَّ المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وعن ابن عباس - أيضًا - وحكي مثله عن الفقهاء السبعة، وهو قول أحمد.
وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك: يلزمهم العشاء دون المغرب.
وللشافعي قولان، أصحهما: لزوم الصلاتين.
واختلفوا في تأخير العشاء اختيارًا إلى بعد نصف الليل: فكرهه الأكثرون، منهم: مالك وأبو حنيفة.
ولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه.
وقال عامة أصحاب الشافعي: هو وقت جواز.
واستدل من لم يحرمه بما في "صحيح مسلم" من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنَّها أخبرته، عن عائشة، قالت:
[ ٢ / ٥٩ ]
أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: "إنَّه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي".
وهذا إن كان محفوظًا دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد.
وإنَّما يتعلق بهذا من يقول: يمتد وقت العشاء المختار إلى طلوع الفجر، كما روي عن ابن عباس، وهو قول داود وغيره، إلَّا أنَّهم لا يقولون باستحباب التأخير إلى النصف الثاني، هذا مما لا يعرف به قائل، والأحاديث كلها تدل على خلاف ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبي ﷺ عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: "الوقت ما بين هذين".
ومثل حديث بريدة الذي فيه أن سائلًا سأل النبي ﷺ عن وقت العشاء، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرة العشاء لما غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: "ما بين هذين وقت".
وقد خرجه مسلم.
وخرج نحوه من حديث أبي موسى.
وخرج - أيضًا - من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "وقت العشاء إلى نصف الليل".
وهذا كله يدل على أنَّ ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد: أنَّه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة.
[ ٢ / ٦٠ ]
وذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أنَّ الوقت بالكلية يخرج بنصف الليل أو ثلثه ويبقى قضاء.
وقد قال الشافعي: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلَّا فائتة.
وحمله عامة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصة. والله أعلم» اهـ.
قلت: وقال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ١٩٨):
«ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ إلَى انْقِضَاءِ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَابْتِدَاءِ النِّصْفِ الثَّانِي -: فَمَنْ كَبَّرَ لَهَا فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ» اهـ.
قلت: وممن ذهب إلى خروج وقت العشاء بنصف الليل الأمير الصنعاني في [سبل السلام] (١/ ١٥٩)، والشوكاني في "الدراري"، و"السيل"، وأمَّا في "النيل" فإنَّه يرى امتداد وقت الاضطرار إلى طلوع الفجر.
وقال العلامة الألباني ﵀ في [تمام المنة] (ص: ١٤٢):
«فهذا الحديث دليل واضح على أن وقت العشاء إنَّما يمتد إلى نصف الليل فقط وهو الحق ولذلك اختاره الشوكاني في "الدرر البهية" فقال: " … وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل"١ وتبعه صديق حسن خان في "شرحه" ١/ ٦٩ - ٧٠ وقد روي القول به عن مالك كما في "بداية المجتهد" وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الإصطخري وغيره. انظر المجموع ٣/ ٤٠» اهـ.
[ ٢ / ٦١ ]
ومن هؤلاء العلامة ابن عثيمين ﵀ فقد قال في [الشَّرْحُ الممتع] (٢/ ١١٤ - ١١٥):
«وهذا الذي دلّت عليه السُّنَّة، هو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن؛ لأن الله ﷿ قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: من دُلُوك الشَّمس، لكن أتى باللام للدَّلالة على أن دخول الوقت عِلَّة في الوجوب، أي: سبب، ولهذا قال الفقهاء: الوقت سبب لوجوب الصَّلاة، وشرط لصحَّتها. والدليل على أن اللام بمعنى "من": الغاية "إلى"، والغاية يكون لها ابتداء كأنَّه قال: ﴿مِنْ دُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْل﴾، لكن أتى باللام إشارة إلى أنَّ دخول الوقت عِلَّة الوجوب، ويكون غَسَقُ الليل عند منتصفه؛ لأن أشدَّ ما يكون الليلُ ظُلمة في النصف، حينما تكون الشَّمس منتصفة في الأُفق من الجانب الآخر من الأرض. إذًا: من نصف النَّهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل جعله الله وقتًا واحدًا؛ لأنَّ أوقات الفرائض فيه متواصلة، الظُّهر، يليه العصر، يليه المَغْرب، يليه العِشَاء، إذًا ما بعد الغاية خارج، ولهذا فَصَلَ فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فَفَصَل وجعل الفجر مستقلًا، فدلَّ هذا على أن الصَّلوات الخمس أربعٌ منها متتالية، وواحدة منفصلة.
فالصَّواب إذًا: أنَّ وقت العِشَاء إلى نصف الليل.
ولكن ما المراد بنصف الليل؟ هل الليل من غروب الشَّمس إلى طُلوعها؟ أو من غروب الشَّمس إلى طُلوع الفجر؟
[ ٢ / ٦٢ ]
أما في اللغة العربية: فكلاهما يُسمَّى ليلًا، قال في "القاموس": "الليل: من مغرب الشَّمس إلى طُلوع الفجر الصَّادق أو الشمس".
أمَّا في الشَّرع: فالظَّاهر أن الليل ينتهي بطلوع الفجر، وعلى هذا نقول: الليل الذي يُنَصَّفُ من أجل معرفة صلاة العشاء: من مغيب الشَّمس إلى طُلوع الفجر، فنِصْفُ ما بينهما هو آخر الوقت، وما بعد منتصف الليل ليس وقتًا للصَّلاة المفروضة، إنما هو وقت نافلة وتهجُّد» اهـ.
قلت: الصحيح أنَّ وقت الاختيار يمتد إلى نصف الليل لحديث عبد الله بن عمرو السابق وفيه:
«فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ».
وروى البخاري (٥٧٢)، ومسلم (١٤٤٦، ١٤٤٧) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ:
«قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا».
وروى البخاري (٥٤١) عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ ثمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ».
وَقَالَ مُعَاذٌ قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: «أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ».
[ ٢ / ٦٣ ]
ورواه مسلم (٦٤٧) بلفظ: «كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا قَالَ يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ».
وروى أبو داود (٣٥٨)، والنسائي (٥٣٥)، وابن ماجه (٦٨٥) من طريق دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقَالَ: "خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ" فأخذنا مقاعدنا فقال: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ"».
قلت: هذا حديث صحيح.
وروى أحمد (٧٤٠٦)، والترمذي (١٥٢)، وابن ماجه (٦٨٣) من طريق عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ الْوُضُوءِ، وَلأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ شَطْرِ اللَّيْلِ».
قلت: هذا حديث صحيح، عبيد الله هو ابن عمر العمري، وابن أبي سعيد هو سعيد بن أبي سعيد المقبري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ١٧٨ - ١٧٩):
«ويحمل قول من روى على ثلث الليل أنَّه أراد ثلث الليل الممتد إلى طلوع الشمس فإن ما بعد طلوع الفجر قد يجعل ليلًا ولهذا يسمى وقت الزوال نصف النهار في كثير من الأحاديث التي تقدمت وإنَّما يكون نصف النهار إذا كان أوله
[ ٢ / ٦٤ ]
من حين طلوع الشمس كما يقوله بعض أهل اللغة والحساب والفقه وإذا كان الغالب على لسان الشرع انتهاء الليل إلى طلوع الفجر وابتداء النهار من حينئذ وثلث الليل بهذا الاعتبار أكثر من ثلثه بالاعتبار الأول فإذا انضم إلى هذا احتياط الراوي وإخباره بالمستيقن جاز أن يسمى ما يقارب النصف ثلثًا» اهـ.
قلت: وأمَّا وقت الاضطرار فيمتد إلى طلوع الفجر.
والدليل على ذلك ما رواه مسلم (٦٨١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى».
قلت: الحديث يدل على امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، وتستثنى من ذلك:
صلاة الفجر بالإجماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٧٩ - ١٨٠):
«وأمَّا وقت الإدراك والضرورة فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لما روى يحيى بن آدم عن ابن عباس قال: لا يفوت وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر ولا يفوت وقت العصر حتى يدخل وقت المغرب ولا يفوت وقت المغرب إلى العشاء ولا يفوت وقت العشاء إلى الفجر.
وروى الخلال أيضًا عن ابن عباس: لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وسنذكر إن شاء الله عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس أنَّهم قالوا في الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء. ولم ينقل عن
[ ٢ / ٦٥ ]
صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على أنَّ العشاء تجب بالطهر قبل الفجر مع قوله في حديث أبي قتادة لما ناموا: "أما أنَّه ليس في النوم تفريط إنَّما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" رواه أحمد ومسلم وأبو داود فإنَّه يقتضي امتداد كل صلاة إلى وقت التي تليها وإنَّما استثنى منه الفجر لظهور وقتها» اهـ.
قلت: وروى مسلم (٦٣٨) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ:
«إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي».
لكن قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٤٠): «وقوله في رواية عائشة: "ذهب عامة الليل" أي كثير منه وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله ﷺ: "إنَّه لوقتها" ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل لأنَّه لم يقل أحد من العلماء أنَّ تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ كما سبق في [فتح الباري] (٤/ ٩٧):
«واستدل من لم يحرمه بما في "صحيح مسلم" من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنَّها أخبرته، عن عائشة، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: "إنَّه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي".
وهذا إن كان محفوظًا دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد» اهـ.
[ ٢ / ٦٦ ]
قلت: وأيضًا هذا القول هو المأثور عن الصحابة.
فروى الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٩٥٩) وَحَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: ثنا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: مَا إِفْرَاطُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ؟ قَالَ: «طُلُوعُ الْفَجْرِ».
قلت: هذا أثر صحيح، وهو كالتفسير لحديث أبي قتادة ﵁.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٢٢٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، وَالْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَالْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ، وَالْعِشَاءِ إِلَى الصُّبْحِ».
قلت: الليث هو ابن أبي سليم في حديثه ضعف، وقوله: ابن طاووس صوابه ابن كيسان وهو طاووس.
والنظر أيضًا يدل عليه، وبيان ذلك أنَّ الشرع علق دخول الوقت وخروجه بعلامات ظاهرة للعيان كطلوع الخيط الأبيض، وطلوع الشمس، والزوال، ومصير ظل الشيء مثله، وغروب الشمس، وسقوط الشفق، وأمَّا نصف الليل فليس له علامة ظاهرة للعيان يدركها عامة الناس.
وأمَّا الاحتجاج بقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] بأنَّ العشاء ينتهي بنصف الليل باعتبار أنَّ الغسق هو أشد الظلمة، وذلك يكون في نصف الليل، وهكذا الفصل بين الأربع الصلوات وصلاة الفجر يدل على عدم اتصال صلاة العشاء بصلاة الفجر في كل ذلك نظر.
[ ٢ / ٦٧ ]
وذلك أنَّ الغسق اجتماع الليل وظلمته فيدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء، ولا يختص الغسق بنصف الليل، وقد فسر أكثر العلماء قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] بالليل إذا أقبل بظلمته، وكون صلاة الفجر أفردت بالذكر لا يستلزم أن ذلك من أجل انفرادها بالذكر من أجل انفرادها بالوقت عن سائر الصلوات بل قد يكون السبب في ذلك انفرادها عن سائر الصلوات بإطالة القراءة، أو لانفرادها عن سائر الصلوات بعدم الجمع أو غير ذلك من الأسباب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ٢٥):
«وَالدُّلُوكُ هُوَ الزَّوَالُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. يُقَالُ: دَلَكَتْ الشَّمْسُ وَزَالَتْ وَزَاغَتْ وَمَالَتْ. فَذَكَرَ الدُّلُوكَ وَالْغَسَقَ وَبَعْدَ الدُّلُوكِ يُصَلَّى الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَفِي الْغَسَقِ تُصَلَّى الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ذَكَرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَهُوَ الدُّلُوكُ وَآخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ الْغَسَقُ وَالْغَسَقُ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ» اهـ.
وقال ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٣٥):
«وَالدُّلُوكُ هُوَ الزَّوَالُ وَغَسَقُ اللَّيْلِ هُوَ اجْتِمَاعُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. فَأَمَرَ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ مِنْ الدُّلُوكِ إلَى الْغَسَقِ فَرَضَ فِي ذَلِكَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَمِنْ الدُّلُوكِ إلَى الْمَغْرِبِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَمِنْ الْمَغْرِبِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقْتُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ لِأَنَّ الْفَجْرَ خُصَّتْ بِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا وَلِهَذَا جُعِلَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَلَا تُقْصَرُ وَلَا تُجْمَعُ إلَى غَيْرِهَا فَإِنَّهُ عَوَّضَ بِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا عَنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ» اهـ.
[ ٢ / ٦٨ ]
قلت: وقول النبي ﷺ: «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». أي وقت اختيار إلى نصف الليل كقوله: «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ». مع أنَّ وقت الاضطرار يمتد إلى مغيب الشمس. والله أعلم.
٦ - الحديث يدل على استحباب التغليس بصلاة الفجر، وقد مضى الكلام في هذه المسألة هند شرحنا لحديث جابر.
وأول وقت الفجر يكون بظهور الخيط الأبيض، وهو البياض المستطير عرضًا في الأفق، وهذا هو المسمى بالفجر الصادق لأنَّه يصدقك عن الفجر، وقبله هو الفجر الكاذب، وهو يسبق الفجر الصادق بنحو عشرين دقيقة إلى نصف ساعة.
والفرق بين الفجر الصادق والكاذب من وجوه:
الأول: أنَّ الصادق بياض مستطير عرضًا في الأفق، والكاذب بياض مستطيل طولًا في السماء.
والثاني: أنَّ الفجر الصادق ليس بينه وبين الأفق ظلمة، والكاذب بينه وبين الأفق ظلمة.
والثالث: أنَّ الفجر الصادق كلما تأخر الوقت ازداد ضياء، وأمَّا الكاذب فإنَّه يزول وتعقبه ظلمة.
وقد روى البخاري (٧٢٤٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ، أَوْ قَالَ يُنَادِي - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُنَبِّهَ
[ ٢ / ٦٩ ]
نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا - وَجَمَعَ يَحْيَى كَفَّيْهِ - حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَمَدَّ يَحْيَى إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ».
ورواه مسلم (١٠٩٣) عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ أَوْ قَالَ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَقَالَ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ».
وقال الإمام مسلم: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَعْنِي الْأَحْمَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَلَكِنْ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ».
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَانْتَهَى حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «يُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ وَيَرْجِعُ قَائِمَكُمْ». وقَالَ إِسْحَقُ قَالَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ: «وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَلَكِنْ يَقُولُ هَكَذَا». يَعْنِي الْفَجْرَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ اهـ.
وروى مسلم (١٠٩٤) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا».
وَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ قَالَ يَعْنِي مُعْتَرِضًا اهـ.
[ ٢ / ٧٠ ]
قلت: وليس لصلاة الفجر وقت اضطرار على الصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ١٨٣ - ١٨٥):
«ويمتد وقتها في حال الاختيار والاضطرار إلى طلوع الشمس فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها هذا ظاهر المذهب وهو المنصوص عنه.
وقال بعض أصحابنا: إذا أسفر ذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر والعشاء لأنَّ جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ صلى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين.
والأول أصح لأنَّ في حديث عبد الله بن عمرو: "وقت الفجر ما لم تطلع الشمس". وفي لفظ: "ما لم يطلع قرن الشمس الأول" هذا لفظ مسلم وقد تقدم وكذلك في حديث أبي هريرة أنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس ولا يجوز حمل هذا على وقت الإدراك والضرورة لأنَّه إنَّما ذكر فيه وقت الاختيار إذ الإطلاق يقتضي ذلك وكذلك قال في العصر: "ما لا تصفر الشمس". وفي العشاء: "إلى نصف الليل". فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث، ولأنَّ في حديث السائل أنَّه انصرف من الفجر في اليوم الثاني والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وقد تقدم من رواية أبي موسى ولم يتبين إلَّا أوقات الاختيار ولأنَّ الشمس تغرب بين قرني شيطان فإذا اصفرت أخذت في الغروب فلذلك أمر أن لا تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت عمدًا وفي الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها فإذا لم تطلع
[ ٢ / ٧١ ]
فالوقت مبقى على حاله فلا وجه للكراهية فيه، وحديث جبريل قد جاء فيه أنَّه أسفر جدًا وظاهره أنَّه سلم قبيل طلوع الشمس فتحمل الرواية الأخرى على ذلك وأنَّه كان قد سلم قبل بساعة فهو حديث متقدم قد تبين فيه الأفضل كما مضى» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٧٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤٨ - عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا. وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ».
الحديث رواه البخاري (٥٤٧) عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ: «كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ».
وفي لفظ للبخاري (٧٧١) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ،
[ ٢ / ٧٣ ]
وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ».
ورواه مسلم (٦٤٧) عن سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ قُلْتُ آنْتَ سَمِعْتَهُ قَالَ فَقَالَ كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا قَالَ يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا - قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ-: وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ قَالَ وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ».
وفي لفظ له عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا».
قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: «أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ».
وفي لفظ له عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ».
[ ٢ / ٧٤ ]
وقوله: «حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ»، يعنى حين تزول الشمس، وأصل الدحض: الزلق، يقال: دحض يدحض دحضًا: إذا زلق. ويقال دحضت رجله إذا زلقت والمراد بذلك زوال الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب لأنَّها إذا انحطت للزوال كأنَّها دحضت.
قلت: وأمَّا الطحس بالسين المهملة قبلها طاء فقال ابن دريد واسمه محمد بن الحسن بن دريد ﵀ في [الجمهرة] (١/ ٥٣١):
«والطَّحْس والطَّحْز يكنى به عن الجِماع طَحَسَ وطَحَزَ طَحْسًا وطحْزًا» اهـ.
قلت: وقد تعقبه الأزهري ﵀ فقال في [تهذيب اللغة] (٤/ ١٦٤):
«طحس: قَالَ ابْن دُرَيْد: الطَّحْس يُكْنى بِهِ عَنْ الْجِمَاع. يُقَال: طَحَسَها وطَحَزَها، قلت: وَهَذَا من مَناكِير ابْن دُرَيْد» اهـ.
قلت: ومن قال ذلك من علماء اللغة إنَّما أخذها من ابن دريد، والله أعلم.
وقوله: «وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ» اختلف في معناها فقال بعض العلماء: حياتها بأن تجد حرها. وقيل: حياتها: بقاء لونها. وقيل: بقاء حرها ولونها.
قوله: «يَنْفَتِلُ» من الانفتال: وهو الانصراف يقال فتله فانفتل أي صرفه فانصرف.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الغالب من أمر النبي ﷺ أنَّه كان يصلي الظهر في أول وقتها، وهذا في غير شدة الحر فقد كان يبرد بالصلاة.
٢ - وفيه دليل على جواز تأخير العصر، ما لم يدخل وقت الكراهة.
[ ٢ / ٧٥ ]
٣ - فيه رد على أبي حنيفة في ذهابه إلى أنَّ أول وقت العصر مصير الظل مثلي الشاخص فإنَّ من صلى في هذا الوقت لا يمكنه أن يذهب إلى أقصى المدينة ثم يرجع والشمس حية.
ومما يدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (٦٢١) أنس بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
وقوله: وبعض العوالي إلى آخره من كلام الزهري مدرج في الحديث.
وروى البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ».
ورواه مسلم (٦٢٤) عن أنس بن مالك أنَّه قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا قَالَ: "نَعَمْ" فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ فَنُحِرَتْ ثُمَّ قُطِّعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ».
قلت: ما بعد المثلين لا يكفي لنحر الجزور، وتقطيعه، وطبخه وأكله.
وأدلة المواقيت ترد هذا القول فمن ذلك ما رواه أحمد (١٤٨٣٢)، النسائي (٥٠٣) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "صَلِّ مَعِي". فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ
[ ٢ / ٧٦ ]
كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ - ثُمَّ قَالَ: فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ».
قال الإمام البخاري ﵀: «أصح حديث في المواقيت حديث جابر».
واحتُج لأبي حنيفة فيما ذهب إليه بما رواه البخاري (٥٥٧)، ومسلم (٧١٥) عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا قَالَ فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٠):
«تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَأَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِوَقْتِ الظُّهْرِ وَقَدْ قَالُوا: كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دُونَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُسَاوَاةِ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ
[ ٢ / ٧٧ ]
الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَطْوَلُ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ رُبْعُ النَّهَار فَمَحْمُول على التَّقْرِيب إِذا فرعنا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ الظِّلِّ مِثْلَهُ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فَالَّذِي مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ أَطْوَلُ قَطْعًا وَعَلَى التَّنَزُّلِ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ التَّسْوِيَةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَبِأَنَّ الْخَبَرَ إِذا أورد فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَقْصُودًا فِي أَمْرٍ آخَرَ وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَكْثَرُ عَمَلًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلَّهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ الْيَهُودِ خَاصَّةً فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَتَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُرَادَةٍ بَلْ هُوَ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَكْثَرَ عَمَلًا أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ زَمَانًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ فِي زَمَنِهِمْ كَانَ أَشَقَّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ كَوْنُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ دُونَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ نَبِيِّنَا ﷺ وَقِيَامِ السَّاعَةِ لِأَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ قَالُوا إِنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سلمَان وَقِيلَ إِنَّهَا دُونَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَهَذِهِ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشَاهَدَةِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ تَمَسَّكْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّمْثِيلُ بِطُولِ الزَّمَانَيْنِ وَقِصَرِهِمَا
[ ٢ / ٧٨ ]
لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَطْوَلَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ وَقِلَّتُهُ وَاللَّهُ ﷾ أعلم».
واحتج له أيضًا بأدلة الإبراد، وذلك أنَّ الإبراد لا يحصل في المناطق الحارة إلَّا بمصير ظل الشيء مثليه.
والجواب: أنَّ الإبراد يراد به تخفيف الحر لا زواله.
٤ - فيه استحباب تأخير العشاء بحيث لا يتجاوز نصف الليل.
٥ - فيه كراهة النوم قبل صلاة العشاء، ويستثنى من الكراهة المغلوب على نومه، ومن جعل له من يوقظه.
ويدل على جواز النوم للمغلوب ما رواه البخاري (٥٦٦)، ومسلم (٦٣٨) عن عائشة قالت: «أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ"».
وروى البخاري (٥٧٠)، ومسلم (٦٣٩) عن عبد الله بن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ"».
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا اهـ.
[ ٢ / ٧٩ ]
وروى البخاري (٥٧١)، ومسلم (٦٤٢) عن ابن عباس قال: «أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ قَالَ حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ الصَّلَاةَ فَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ"»
وقد بوَّب الإمام البخاري على هذه الأحاديث في "صحيحه" فقال: «باب النوم قبل العشاء لمن غلب».
وروى مسلم (٦٣٨) عن عائشة قالت: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"».
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٩٠): «وروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان ينام قبل العشاء ويوكل من أهله من يوقظه» اهـ.
قلت: وقد روى ذلك ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٢) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَنَامُ عَنْهَا؟، يَعْنِي الْعِشَاءَ، قَالَ: «قَدْ كَانَ يَنَامُ وَيُوَكِّلُ مَنْ يُوقِظُهُ».
قلت: هذا أثر صحيح.
فائدة: للنوم المكروه صور:
الصورة الأولى والثانية: النوم أول النهار وآخره.
[ ٢ / ٨٠ ]
فروى البخاري في [الأدب المفرد] (١٢٤٢)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٦٧٧)، والطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٣/ ١٠٢)، والحاكم في [المستدرك] (٧٧٩٧)، والبيهقي في [الشعب] (٤٤٠٧)
من طريق مِسْعَر، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلْقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ».
قلت: هذا أثر صحيح. وخوات له صحبة، والخرق هو الجهل.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مدارج السالكين] (١/ ٤٥٧):
«وَمِنَ الْمَكْرُوهِ عِنْدَهُمُ النَّوْمُ بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ غَنِيمَةٍ، وَلِلسَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ عِنْدَ السَّالِكِينَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، حَتَّى لَوْ سَارُوا طُولَ لَيْلِهِمْ لَمْ يَسْمَحُوا بِالْقُعُودِ عَنِ السَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ وَمِفْتَاحُهُ، وَوَقْتُ نُزُولِ الْأَرْزَاقِ، وَحُصُولِ الْقَسْمِ، وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ النَّهَارُ، وَيَنْسَحِبُ حُكْمُ جَمِيعِهِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْحِصَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَوْمُهَا كَنَوْمِ الْمُضْطَرِّ» اهـ.
الصورة الثالثة: النوم جميع الليل بحيث يفوته قيام الليل.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ وهو ابن مسعود، ﵁، قَالَ: «ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ، أَوْ قَالَ - فِي أُذُنِهِ"».
قلت: وأمَّا النوم المحرم فهو النوم عن الصلاة المكتوبة.
[ ٢ / ٨١ ]
فروى البخاري (١١٤٣) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: «أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ، عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ».
قلت: والنوم المحمود له صور:
الصورة الأولى: النوم وسط النهار، وقد مضى في أثر خوَّات أنَّه خلق.
الصورة الثانية، والثالثة: النوم نصف الليل، وسدسه الأخير.
فقد روى البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩) عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مدارج السالكين] (١/ ٤٥٧):
«وَبِالْجُمْلَةِ فَأَعْدَلُ النَّوْمِ وَأَنْفَعُهُ نَوْمُ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَسُدُسِهِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ مِقْدَارُ ثَمَانِ سَاعَاتٍ، وَهَذَا أَعْدَلُ النَّوْمِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ أَثَّرَ عِنْدَهُمْ فِي الطَّبِيعَةِ انْحِرَافًا بِحَسَبِهِ» اهـ.
الصورة الرابعة: النوم عند غلبة النعاس.
فروى البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ».
٦ - ويدل الحديث على كراهة الحديث بعد العشاء.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٧٢ - ١٧٣):
[ ٢ / ٨٢ ]
«وقد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة وعائشة وغيرهم.
ثم منهم من علل بخشية الامتناع من قيام الليل، روي ذلك عن عمر.
ومنهم من علل بأنَّ الصلاة ينبغي أن تكون خاتمة الأعمال، فيستحب النوم عقيبها، حتى ينام على ذكر، ولا ينام على لغو.
وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنَّه كان يسمر ما لم يوتر، فجعل الختم بالوتر يقوم مقام الختم بالصلاة المكتوبة.
وكانت عائشة تقول لمن يسمر: أريحوا كتابكم.
تعني: الملائكة الكاتبين.
ومتى كان السمر بلغو ورفث وهجاء فإنَّه مكروه بغير شك» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٤٨): «وسبب كراهة الحديث بعدها أنَّه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل، ولأنَّ السهر في الليل سبب للكسل في النهار عمَّا يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا.
قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها أمَّا ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير والأمر بالمعروف
[ ٢ / ٨٣ ]
والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه وقد تقدم كثير منها في هذه الأبواب والباقي مشهور» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ١٤٨): «الوجه الثاني والخمسون أنَّه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلَّا المصل أو مسافر وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وما ذاك إلَّا لأنَّ النوم قبلها ذريعة إلى تفويتها والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره» اهـ.
قلت: وبوَّب الإمام البخاري في [صحيحه] (١/ ٤٠):