٢٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرْتُهَا وَقَلَّدَهَا - أَوْ قَلَّدْتُهَا - ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ. وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حَلَالًا».
قولها: «فَتَلْتُ» أي ظفرت.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب تقليد الهدي.
قُلْتُ: وخص ذلك أبو حنيفة ومالك بالإبل والبقر دون الغنم، والصحيح عدم الاختصاص لما رواه البخاري (١٧٠٢)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْتِلُ القَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَيُقَلِّدُ الغَنَمَ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا».
قُلْتُ: وبهذا قال الشافعي وأحمد من الأئمة الأربعة.
٢ - استحباب إشعار الهدي وصفته أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل الدم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديًا. وقد استحب ذلك الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، ويروى ذلك أيضًا عن إبراهيم النخعي.
قُلْتُ: وهذا الإشعار مختص بالإبل والبقر دون الغنم.
[ ٧ / ٤١٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٣٤٥):
«ففي هذا الحديث استحباب الإشعار والتقليد في الهدايا من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعة لأنَّه مثلة، وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار. وأمَّا قوله: إنَّه مثلة فليس كذلك، بل هذا كالفصد والحجامة والختان والكي والوسم.
وأمَّا محل الإشعار فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنَّه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك: في اليسرى، وهذا الحديث يرد عليه.
وأمَّا تقليد الغنم فهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من السلف والخلف إلَّا مالكًا فإنَّه لا يقول بتقليدها. قال القاضي عياض: ولعله لم يبلغه الحديث الثابت في ذلك.
قُلْتُ: قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد فهي حجة صريحة في الرد على من خالفها. واتفقوا على أنَّ الغنم لا تشعر لضعفها عن الجرح، ولأنَّه يستتر بالصوف.
وأمَّا البقرة فيستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد كالإبل.
وفي هذا الحديث استحباب تقليد الإبل بنعلين، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة، فإن قلدها بغير ذلك من جلود أو خيوط مفتولة ونحوها فلا بأس» اهـ.
[ ٧ / ٤١٤ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٤٥):
«اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلَّا سعيد بن جبير، واتفقوا على أنَّ الغنم لا تشعر لضعفها، ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأمَّا على ما نقل عن مالك فلكونها ليست ذات أسنمة والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولهذا ذهب الإمام مالك ﵀ إلى عدم إشعار البقر التي لا سنام لها.
والسنة في إشعار الهدي أن يكون في جانب السنام الأيمن، لما رواه مسلم (١٢٤٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ».
قُلْتُ: وبهذا قال الجمهور، واستحب ابن عمر، ومالك، وأبو يوسف أن يكون الإشعار في الجانب الأيسر، والسنة ترد عليهم.
وإذا استقبل به القبلة، وسمى وكبر عند إشعاره لهديه فلا بأس بذلك، فقد صح ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ فيما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤٠٠) حَدَّثَنَا نَافِعٌ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ " يُشْعِرُ بَدَنَتَهُ فِي الشِّقِّ الأَيْسَرِ إِلا أَنْ تَكُونَ صِعَابًا مُقَرَّنَةً، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهَا أَشْعَرَ مِنَ الشِّقِّ الأَيْمَنِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُشْعِرَهَا وَجَّهَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَشْعَرَهَا، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَانَ يُشْعِرُهَا بِيَدِهِ وَيَنْحَرُهَا بِيَدِهِ قِيَامًا».
[ ٧ / ٤١٥ ]
٣ - وفيه أنَّ من أراد إرسال الهدي من بلده يستحب له تقليده وإشعاره من بلده.
قُلْتُ: وأمَّا من أراد النسك فيستحب له ذلك من الميقات، كما يدل عليه حديث ابن عباس الماضي.
٤ - استحباب إرسال الهدي إلى مكة، ولو لم يكن الشخص محرمًا.
٥ - أنَّ من بعث بهديه إلى مكة، لا يصير بهذا الإرسال محرمًا، وبهذا قال أكثر العلماء، وخالف في ذلك ابن عباس ﵁، وابن عمر، وعطاء، وسعيد بن جبير فذهبوا إلى أنَّ من بعث بهدى إلى الكعبة، لزمه إذا قلده: الإحرام، وتجنُّب كل ما يتجنب الحاج حتى ينحر هديه.
وقد روى البخاري (١٧٠٠)، ومسلم (١٣٢١) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ، قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ».
هذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري: أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂.
[ ٧ / ٤١٦ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٧٢١) قَالَ: ثنا الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي زَمَانِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مُتَجَرِّدًا عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ، فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ، فَلَقِيتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأ] (١٢٣١) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ. فَقَالُوا: إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ. قَالَ رَبِيعَةُ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».
قُلْتُ: ولم يسم في روايته ابن عباس، وسمي في رواية الثقفي، وهكذا في رواية عبد الله بن عبد الله بن أويس عند البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٣٧١٠).
لكن يشكل على ذلك ما رواه أحمد (١٤٧٧٦)، والنسائي (٢٧٩٢) من طريق اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، بَعَثَ بِالْهَدْيِ، فَمَنْ شَاءَ أَحْرَمَ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فقد يفهم منه أنَّ من بعث الهدي له أن يحرم وإن كان مقيمًا في بلده.
[ ٧ / ٤١٧ ]
لَكِنْ قَالَ فِي [طَرْحِ التَّثْرِيْبِ] (٥/ ١٥٥):
«وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ الْإِحْرَامِ بِبَعْثِ الْهَدْيِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ عَزَمَهُ الْحَجُّ تِلْكَ السَّنَةَ وَإِنَّ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الْهَدْيَ مَعَهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ يُحْرِمُ بِمُجَرَّدِ بَعْثِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ الْإِحْرَامَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَيُؤَخِّرُهُ إلَى الْمِيقَاتِ؛ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ بَوَّبَ عَلَيْهِ "ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ لِلْحَاجِّ، بَعْثُ الْهَدْيِ وَسَوْقُهَا مِنْ الْمَدِينَةِ" فَلَمَّا عَبَّرَ فِي تَبْوِيبِهِ بِالْحَاجِّ عَلِمْنَا أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ بَعْثَ الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ كَانَ مِمَّنْ عَزَمَهُ الْحَجُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٦ - وفيه خدمة أزواج النبي ﷺ له، وعملهن بأيديهن.
٧ - وفيه جواز الوكالة في البَدَن. ولا خلاف في جواز ذلك كما قاله ابن بطال.
٨ - واحتج به الشافعي على حمل حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا». رواه مسلم (١٩٧٧)، على كراهة التنزيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٧٢):
«قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنَّه لا يحرم ذلك وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه» اهـ.
قُلْتُ: وقد رد على هذا الاحتجاج الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٤٨ - ٤٩): «وأمَّا حديث عائشة فهو إنَّما يدل على أنَّ من بعث بهديه وأقام في أهله فإنَّه يقيم حلالًا، ولا يكون محرمًا بإرسال الهدي، ردًا على من قال
[ ٧ / ٤١٨ ]
من السلف: يكون بذلك محرمًا، ولهذا روت عائشة لما حكي لها هذا الحديث. وحديث أم سلمة يدل على أنَّ من أراد أن يضحي أمسك في العشر عن أخذ شعره وظفره خاصة، فأي منافاة بينهما؟ ولهذا كان أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين: هذا في موضعه، وهذا في موضعه. وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين؟ فقال: هذا له وجه، وهذا له وجه. ولو قدر بطريق الفرض تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصًا، وحديث عائشة عامًا. ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص، توفيقًا بين الأدلة. ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دل عليه حديث أم سلمة، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن ليفعل ما نهى عنه، وإن كان مكروهًا. وأيضًا: فعائشة إنَّما تعلم ظاهر ما يباشرها به، أو يفعله ظاهرًا من اللباس والطيب. وأمَّا ما يفعله نادرًا، كقص الشعر وتقليم الظفر، مما لا يفعل في الأيام العديدة إلَّا مرة. فهي لم تخبر بوقوعه منه في عشر ذي الحجة، وإنَّما قالت: "لم يحرم عليه شيء". وهذا غايته: أن يكون شهادة على نفي، فلا يعارض حديث أم سلمة. والظاهر: أنَّها لم ترد ذلك بحديثها، وما كان كذلك فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفي فيه أدنى دليل. وخبر أم سلمة صريح في النهي، فلا يجوز تعطيله أيضًا. فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه لأمته فيجب امتثاله. وعائشة تخبر عن نفي مستند إلى رؤيتها وهي إنَّما رأت أنَّه لا يصير
[ ٧ / ٤١٩ ]
بذلك محرمًا، يحرم عليه ما يحرم على المحرم. ولم تخبر عن قوله: إنَّه لا يحرم على أحدكم بذلك شيء. وهذا لا يعارض صريح لفظه» اهـ.
قُلْتُ: وجاء الحديث في رواية لمسلم (١٣٢١) عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالًا، يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ».
وجاء عند البخاري (٥٥٦٦) عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالهَدْيِ إِلَى الكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ فِي المِصْرِ، فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ، فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكِ اليَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَقَالَتْ: «لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ».
ورواه أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٤٣٩٤)، والبيهقي في [الْكُبْرِى] (١٠١٨٩) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِنْ كُنْتُ لَأَفْتِلُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ وَهُوَ مُقِيمٌ عِنْدَنَا لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ»، بَلَغَنَا أَنَّ زِيَادًا بَعَثَ بِهَدْيٍ، وَتَجَرَّدَ، فَقَالَتْ: «وَهَلْ كَانَتْ لَهُ كَعْبَةٌ يَطُوفُ بِهَا حِينَ لَبِسَ الثِّيَابَ؟ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الثِّيَابُ ثُمَّ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٧ / ٤٢٠ ]
وهذا يدل على أنَّها أرادت أنَّه لم يمتنع من النساء ولبس المخيط وغيرها من الأمور التي يختص بتركها المحرم، وأمَّا المنع الأخذ من الشعر والأظفار فلا يختص به من كان محرمًا فلم يدخل ذلك في كلامها.
قُلْتُ: وكان إرسال النبي ﷺ للهدي مع أبي بكر الصديق ﵁ في السنة التاسعة حين حج الصديق قبل حجة الوداع.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٣١٧)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ عَائِشَةُ ﵂: «أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ».
قُلْتُ: وسوق الهدي يكون للحاج والمعتمر وغيرهما، وقد فعل ذلك النبي ﷺ جميعًا، فساق الهدي في حجة الوداع، وفي عمرة الحديبية، وساقه وهو مقيم في المدينة.
* * *
[ ٧ / ٤٢١ ]
٢٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فيه مشروعية إهداء الغنم.
٢ - وفيه تسمية الغنم هديًا خلافًا من أبى ذلك من أهل العراق.
* * *
[ ٧ / ٤٢٢ ]
٢٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا". فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ».
وَفِي لَفْظٍ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ: «ارْكَبْهَا. وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز ركوب الهدي لمن ليس له ظهر غيره. فإذا كان معه غيره فلا يجوز له ركوبه، وهكذا إذا وجد غيره ترك ركوبه، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٣٢٤) عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».
قُلْتُ: وقد احتج من أجاز الانتفاع بالهدي بالركوب، واللبن، ومن منع من ذلك أيضًا بقول الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ [الحج: ٣٣]. وذلك أنَّ من منع من الانتفاع بها فسر أول الآية، وهو قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ببهيمة الأنعام قبل أن تكون هديًا، والأجل المسمى هو وقت إيجابها هديًا، والمعنى أنَّ الله ﷿ أحل لنا الانتفاع ببهيمة الأنعام إلى وقت أن نوجبها هديًا، فإذا أوجبناها هديًا حرم علينا الانتفاع بها.
[ ٧ / ٤٢٣ ]
وأمَّا من أحل الانتفاع بها ففسر أول الآية بالهدي، والأجل المسمى بوقت نحرها، والمعنى أنَّ الله ﷿ أحل لنا الانتفاع بالهدي إلى وقت نحره.
قُلْتُ: التأويل الأول هو الأرجح عندي لأمرين:
الأول: أنَّه جاء عن بعض الصحابة كابن عباس، وأمَّا الآخر فلم يأت عن صحابي فيما أعلم.
الآخر: أنَّ تفسير من فسر الأجل المسمى بوقت النحر يشكل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾، وظاهر العطف أنَّ محلها بعد الأجل المسمى يكون إلى البيت العتيق، فلا يستقيم أن يقال: إنَّ محلها بعد أن تنحر إلى البيت العتيق، لكن على التفسير الذي اخترناه يصير معنى الآية أنَّ محلها بعد إيجابها هديًا إلى البيت العتيق، وهذا لا إشكال فيه كما ترى.
فبناءً على ذلك فإنَّ الآية تدل على منع الانتفاع بالهدي بعد إيجابه، ويستثنى من ذلك إذا دعت الضرورة إلى الانتفاع به أو الحاجة كما تدل على ذلك السنة، والله أعلم.
وبهذا التفصيل في ركوب الهدي قال الجمهور. وأجاز الركوب مطلقًا أحمد في إحدى الروايتين، وإسحاق، وأهل الظاهر.
٢ - الإغلاظ على من تردد بامتثال الأمر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ١٣٨):
[ ٧ / ٤٢٤ ]
«و"الويل": الهلكة. فقوله: "ويلك"؛ أي: أشرفت على الهلاك لما رأى ﷺ عليه من الشدَّة. وقيل: إنَّ هذه الكلمة مما تدعم فيها العرب كلامها. كقولهم: لا أمَّ له ولا أب. وتربت يمينك. ومن ذلك: قوله: "ويل أمه مِسعَرُ حرب "» اهـ.
قُلْتُ: والمعنى أنَّهم يتلفظون بها ولا يقصدون حقيقة معناها.
٣ - ويؤخذ منه جواز انتفاع الواقف بوقفه العام للمسلمين.
* * *
[ ٧ / ٤٢٥ ]
٢٣٢ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا».
وَقَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥٣):
«قال أهل اللغة: سميت البدنة لعظمها، ويطلق على الذكر والأنثى، ويطلق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة، ولكن معظم استعمالها في الأحاديث وكتب الفقه، في الإبل خاصة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز الوكالة بالقيام بأمور الهدي من النحر وغيره.
٢ - أنَّ لحم الهدي وأجلتها - وهي ما يوضع على ظهرها من الكساء ونحوه - يتصدق بها ولا يجوز بيعها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥٣):
«ومذهبنا أنَّه لا يجوز بيع جلد الهدي ولا الأضحية ولا شيء من أجزائهما؛ لأنَّها لا ينتفع بها في البيت ولا بغيره، سواء كانا تطوعًا أو واجبتين، لكن إن كانا تطوعًا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا بسبب
[ ٧ / ٤٢٦ ]
جزارته، هذا مذهبنا وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق، وحكى ابن المنذر عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأحمد وإسحاق: أنَّه لا بأس ببيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور، وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها، وقال الحسن البصري: يجوز أن يعطي الجزار جلدها، وهذا منابذ للسنة. والله أعلم» اهـ.
٣ - لا يجوز إعطاء الجزار شيئًا من الهدي من باب الأجرة، ويجوز من باب الهدية بعد الاتفاق على الأجرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ١٣٢):
«وكان الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير لا يريان بأسًا أن يعطى الجزار الجلد» اهـ.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ١٣٣):
«وفيه دليل على تجليل البدن. وهو ما مضى عليه عمل السلف، ورآه أئمة العلماء: مالك، والشافعي، وغيرهما. وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطَّخ الجلال. وهي على قدر سعة المهدي؛ لأنَّها تطوع غير لازم، ولا محدود. قال ابن حبيب: منهم من كان يُجلِّل الوَشْيُ، ومنهم من يُجلَّل الحبر، والقباطي، والملاحف، والأُزُر. وتجليلها: ترفيه لها، وصيانة، وتعظيم لحرمات الله، ومباهاة على الأعداء من المخالفين، والمنافقين» اهـ.
[ ٧ / ٤٢٧ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥٣):
«قال القاضي: التجليل سنة، وهو عند العلماء مختص بالإبل، وهو مما اشتهر من عمل السلف، قال: وممن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق. قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، قالوا ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف يجلل بالوشي، وبعضهم بالحبرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر» اهـ.
٥ - جواز الاستئجار على النحر.
* * *
[ ٧ / ٤٢٨ ]
٢٣٣ - عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ، فَنَحَرَهَا. فَقَالَ: «ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب نحر الإبل وهي قائمة معقولة الرجل اليسرى، ويدل على ذلك أيضًا قول الله ﷿: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
قُلْتُ: وقد سوى بين القيام والبروك أبو حنيفة والثوري، شذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة معقولة. وهم محجوجون بالسنة.
٢ - الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن من الواجبات.
* * *
[ ٧ / ٤٢٩ ]