١٢١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا تَرَى فِي صَلاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «مَثْنَى، مَثْنَى. فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً. فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى».
وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا».
قوله: «مَثْنَى، مَثْنَى». أي مرتين مرتين ومثنى معدول عن اثنين اثنين.
قُلْتُ: وقد فسَّر معنى ذلك عبد الله بن عمر بالتسليم من كل ركعتين فروى مُسْلِم (٧٤٩) أنَّه قِيْلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: «أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ صلاة الليل لا تقيد بعدد معين خلافًا لما قرره الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي كتابه "صلاة التراويح" حيث قَالَ ﵀ ص (٢٢ - ٢٤): «اقتصاره ﷺ على الإحدى عشرة ركعة دليل على عدم جواز الزيادة عليها.
تبين لنا مما سق أنَّ عدد ركعات قيام الليل إنَّما هو إحدى عشرة ركعة بالنص الصحيح من فعل رسول الله ﷺ وإذا تأملنا فيه يظهر لنا بوضوح أنَّه ﷺ استمر على هذا العدد طيلة حياته لا يزيد عليه سواء ذلك في رمضان أو في غيره فإذا استحضرنا في أذهاننا أنَّ السنن الرواتب
[ ٤ / ٢٧٠ ]
وغيرها كصلاة الاستسقاء والكسوف التزم النبي ﷺ أيضًا فيها جميعًا عددًا معينًا من الركعات وكان هذا الالتزام دليلًا مُسْلِمًا عند العلماء على أنَّه لا يجوز الزيادة عليها فكذلك صلاة التراويح لا يجوز الزيادة فيها على العدد المسنون لاشتراكها مع الصلوات المذكورات في التزامه ﷺ عددًا معينًا فيها لا يزيد عليه فمن ادعى الفرق فعليه الدليل ودون ذلك خرط القتاد» اهـ.
قُلْتُ: بل هنالك فرق بين صلاة التراويح والسنن الرواتب تقضي بجواز الزيادة في الأولى دون الأخرى.
وهذه الفروق هي:
الفرق الأول: أنَّ الزيادة في صلاة الليل قد وقع الاتفاق على جوازها بعكس السنن الرواتب فلم يرد فيها ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ١٥٧): «وهو قول جمهور العلماء وبه قَالَ الكوفيون والشافعي وأكثر الفقهاء وهو الصحيح عن أبي بن كعب من غير خلاف من الصحابة، وقَالَ عطاء أدركت الناس وهم يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة بالوتر» اهـ.
[ ٤ / ٢٧١ ]
وقَالَ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ٢٤٤): «وقد أجمع العلماء على أن لا حد ولا شيء مقدرًا في صلاة الليل وأنَّها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلَّت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١٣/ ٢١٤): «وليس في عدد الركعات من صلاة الليل حد محدود عند أحد من أهل العلم لا يتعدى وإنَّما الصلاة خير موضوع وفعل بر وقربة فمن شاء استكثر ومن شاء استقل والله يوفق ويعين من يشاء برحمته لا شريك له» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٩):
«قَالَ القاضي: ولا خلاف أنَّه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر وإنما الخلاف في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وما اختاره لنفسه وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ العراقي ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٣/ ٤٣): «وقد اتفق العلماء على أنَّه ليس له حد محصور» اهـ.
قُلْتُ: وهناك نزاع في الوتر خاصة إذا أراد يجمعه المصلي في عدة ركعات أو نوى بالجميع الوتر.
قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٠٦):
[ ٤ / ٢٧٢ ]
«ومن العلماء من قَالَ: الوتر ثلاث عشرة، وهو قول بعض الشافعية، ووجه لأصحابنا.
ولو زاد على ذلك لم يجز ولم يصح وتره عند جمهور الشافعية. ولهم وجه آخر: بصحته وجوازه.
وهذا إذا كان الجميع بسلام واحد، أو نوى بالجميع الوتر» اهـ.
الفرق الثاني: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أذن في صلاة الليل إذنًا مطلقًا لمن سأله عن ذلك كَمَا فِي حديث ابن عمر الماضي وهو حديث الباب. ولو كان في صلاة الليل حد معين لا يتجوز الزيادة عليه لبينه النبي ﷺ للسائل فإنَّ تأخير البيان عند وقت الحاجة لا يجوز. ومثل هذا لم يوجد في السنن الرواتب ولا العيدين ولا الكسوف ولا الاستسقاء.
فإن قيل: إنَّما لم يحدد له النبي ﷺ حدًا معينًا لقيام الليل لأنَّه قد علم ذلك من فعله ﷺ فلم يحتج حينئذ إلى أن يبين ذلك له.
فالجواب أن يقَالَ: إنَّه لو شاهد صلاة النبي ﷺ في الليل لما احتاج إلى مثل هذا السؤال.
الفرق الثالث: أنَّ الزيادة على الإحدى عشرة ركعة أو الثلاث عشرة ركعة قد ثبتت عن صحابة النبي ﷺ كما يدل ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في
[ ٤ / ٢٧٣ ]
[مُصَنَّفِهِ] (٧٧٧٠) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يُصَلُّونَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ من أجل عبد الملك وهو ابن أبي سليمان العزرمي فإنَّه حسن الحديث وابن نمير هو عبد الله بن نمير.
وقد أدرك عطاء خلافة عثمان فإنَّه ولد في أوائلها سنة ٢٧ من الهجرة وهكذا أدرك خلافة علي وقد قَالَ ﵀: «أدركت مئتين من الصحابة» كَمَا فِي "التهذيب".
قُلْتُ: وأمَّا السنن الرواتب فلا أعلم عن أحد من الصحابة الزيادة فيها وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀:
«وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلي الخيار في أن يصليها بأي عدد شاء بل هي سنة مؤكدة تشبه الفرائض من حيث أنَّها تشرع مع الجماعة، كما قَالَتْ الشافعية فهي من هذه الحيثية أولى بأن لا يزاد عليها من السنن الرواتب ولهذا منعوا من جمع أربع ركعات من التراويح في تسليمة واحدة ظنًا منهم أنَّها لم تردوا واحتجوا "بأنَّ التراويح أشبهت الفرض بطلب الجماعة فلا تغير عمَّا ورد فيها". فتأمل كيف منعوا من وصل ركعتين بركعتين كل منها وارد لأنَّ في الوصل - عندهم - تغيير لما ورد فيها من الفصل، أفلا يحق لنا حينئذٍ أن تمنع بهذه الحجة ذاتها من زيادة عشر ركعات لا أصل لها في السنة الصحيحة البتة؟ اللهم بلى، بل هذا بالمنع أولى وأحرى فهل من مدكر؟» اهـ.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
قُلْتُ: هناك فرق بين كيفية صلاة الليل وبين كمية صلاة الليل فأمّا الكيفية فهي مثنى مثنى إلَّا فيما ورد به الدليل بخلاف ذلك، وأمَّا الكميَّة فليس في ذلك حد معين يجب التزامه كما بينا ذلك قريبًا.
ومنع من منع من أهل العلم صلاة أربع ركعات بسلام واحد هو من أجل قول النبي ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» فهذه الكيفية لا يجوز مخالفتها إلَّا بحجة ولم يرد ذلك في الكمية بل ظاهر الحديث الإذن بها إذنًا مطلقًا فظهر بهذا الفرق بين كيفية صلاة الليل وبين كمية صلاة الليل.
وأمَّا من لم يفرق بينهما فمنع أيضًا من الكمية إلَّا فيما ورد فيه فعل النبي ﷺ فيلزمه أن لا يجيز قيام الليل بثلاث ركعات وبخمس ركعات وبركعة واحدة لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ عائشة ﵂: «وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» أخرجه أبو داود (١٣٦٢) بإسناد حسن.
فإن قيل: إنَّما أجزنا قيام الليل بأقل من سبع ركعات لإذن النبي ﷺ في ذلك ومنعنا من الزيادة على الإحدى عشرة أو الثلاث عشرة لعدم ورود الإذن بذلك.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
فقد جاء عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِم، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ».
أخرجه أحمد (٢٣٥٩١)، أبو داود (١٤٢٢) والنسائي (١٧١٢) وابن ماجه (١١٩٠) مِنْ طَرِيقِ الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. به
فالجواب: أنَّ الصواب في هذا الحديث الوقف على أبي أيوب ولا يصح رفعه كما رجح ذلك الحفاظ كأبي حاتم، والذهلي، والدارقطني، والبيهقي، والحافظ ابن حجر.
وانظر ما ذكره الشيخ مقبل ﵀ فِي كتابه [أحاديث معلة ظاهرها الصحة] ص (١٢٥ - ١٢٦) رقم (١٢٨).
فإن قيل: قول النبي ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى». دليل على جواز قيام الليل بأقل من سبع ركعات.
قيل له: وهو دليل أيضًا على الزيادة ولا فرق.
فإن قيل: النقصان قد ثبت من فعل الصحابة فجاء عن عمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وتميم الداري، وأبي موسى، وابن عمر، وابن عباس، وأبي أيوب، ومعاوية الإيتار بواحدة كما نقل ذلك عنهم الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀، ولم تثبت الزيادة عن أحد من أصحاب النبي ﷺ.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
قيل له: بلى قد ثبت ذلك عن الصحابة في زمن عثمان وعلي بن أبي طالب ﵄ كما يدل عليه كلام عطاء المتقدم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - ويدل الحديث بمفهوم المخالفة أنَّ صلاة النهار يجوز أن تصلى أربعًا. كذا قيل وفيه نظر كما سيأتي.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٩١ - ١٩٣):
«ويدل بمفهومه على أنَّ صلاة النهار ليست كذلك، وأنَّه يجوز أن تصلى أربعًا.
قد كان ابن عمر - وهو راوي الحديث - يصلي بالنهار أربعًا، فدل على أنَّه عمل بمفهوم ما روى.
فروى يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان يتطوع بالنهار بأربع، لا يفصل بينهن.
وبهذا رد يحيى بن معين وغيره الحديث المروي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، من رواية شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي الأزدي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وقد أعله الترمذي، بأنَّ شعبة اختلف عليه في رفعه ووقفه. وذكر الإمام أحمد: أنَّ شعبة كان يتهيبه.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
وأعله ابن معين وغيره، بأنَّ أصحاب ابن عمر الحفاظ رووا كلهم، عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "صلاة الليل مثنى مثنى"، من غير ذكر النهار، أكثر من خمسة عشر نفسًا، فلا يقبل تفرد علي الأزدي بما يخالفهم.
وأعله الإمام أحمد وغيره بأنَّه روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّه كان يصلي بالنهار أربعًا، فلو كان عنده نص عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لم يخالفه. وتوقف أحمد - في رواية، عنه - في حديث الأزدي.
وقَالَ - مرة -: إسناده جيد، ونحن لا نتقيه.
وقد روي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ موقوفًا عليه - أيضًا - "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
وروي عنه - مرفوعًا - من وجه آخر. وقيل: إنَّه ليس بمحفوظ. قَالَه الدارقطني وغيره.
وذكر مالك، أنَّه بلغه، أنَّ ابن عمر كان يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين.
قُلْتُ: من يقول: لا مفهوم لقوله ﷺ: "صلاة والليل مثنى مثنى" يقول: إنَّ ذكر الليل إنَّما كان جوابًا لسؤال سائل، سأل عن صلاة الليل، ومثل هذا يدفع أن يكون له مفهوم معتبر. والله ﷾ أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٣٥) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
٣ - ويدل الحديث على أنَّ التطوع بالليل كله مثنى مثنى، سوى ركعة الوتر، فإنَّها واحدة.
قُلْتُ: وقد يبدو معارضة ذلك لعدة أحاديث منها:
ما رواه مُسْلِم (٧٣٧) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا».
قُلْتُ: وقد وَهَّمَ هشامًا في هذا الحديث غيرُ واحد من أهل العلم قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٩٤): «وقد تكلم في حديث هشام هذا غير واحد.
قَالَ ابن عبد البر: قد أنكر مالك. وقَالَ: مذ صار هشام إلى العراق أتانا عنه ما لم يعرف منه.
وقد أعله الأثرم، بأن يقَالَ في حديثه: "كان يوتر بواحدة"، كذا رواه مالك وغيره عن الزهري.
ورواه عمرو بن الحارث ويونس، عن الزهري، وفي حديثهما: "يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة".
وقد خرجه مُسْلِم مِنْ طَرِيقِهما - أيضًا.
وكذا رواه ابن أبي ذئب والأوزاعي، عن الزهري. خرج حديثهما أبو داود.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
قَالَ الأثرم: وقد روى هذا الحديث عَنْ عَائِشَةَ غير واحد، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه، من سرد الخمس.
ورواه القاسم، عَنْ عَائِشَةَ، في حديثه: "يوتر بواحدة".
ولم يوافق هشامًا على قوله إلَّا ابن إسحاق، فرواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عَنْ عَائِشَةَ - بنحو رواية هشام. وخرجه أبو داود مِنْ طَرِيقِه كذلك» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٦/ ١٩٦):
«وكذلك الروايات الصحيحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في وصفه صلاة النبي ﷺ ليلة بات عند خالته ميمونة، يدل عليه: أنَّه سلم من كل ركعتين وأوتر بواحدة.
فلهذا رجحت طائفة حديث ابن عمر وابن عباس، وقَالَوا: لا يصلي بالليل إلَّا مثنى مثنى، ويوتر بواحدة.
وهذه طريقة الْبُخَارِيّ والأثرم.
وقَالَ ابن عبد البر: هو قول أهل الحجاز، وبعض أهل العراق.
ثم حكا عن مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد، أنَّ صلاة الليل مثنى مثنى.
قَالَ: وقَالَ أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًا وثمانيًا، ولا تسلم إلَّا في آخرهن.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
وقَالَ الثوري والحسن بن حي: صلاة الليل ما شئت، بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن.
وحكى الترمذي في "كتابه" أنَّ العمل عند أهل العلم على أنَّ صلاة الليل مثنى مثنى.
قَالَ: وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وحكاه ابن المنذر وغيره عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعمار، وعن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وحماد ومالك والأوزاعي.
وحكي عن عطاء، أنَّه قَالَ: في صلاة الليل والنهار: يجزئك التشهد. وهذا يشبه ما حكاه ابن عبد البر، عن الثوري والحسن بن حي. وهو مبني على أنَّ السلام ليس من الصلاة، وأنَّه يخرج منها بدونه، كما سبق ذكره. وقد روي عن النخعي نحوه.
ومذهب سفيان الذي حكاه أصحابه أنَّه لا بأس أن يصلي بالليل والنهار أربعًا أو ستًا أو أكثر من ذلك، لا يفصل بينهن إلَّا في آخرهن.
قَالَ: وإذا صلى بالليل مثنى، فهو أحب إلي» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذلك أيضًا ما رواه مُسْلِم (٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لسعد بن هشام بن عامر: «كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ، ثُمَّ
[ ٤ / ٢٨١ ]
يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ …».
قُلْتُ: وقد جمع العلامة ابن القيم ﵀ بين هذه الأدلة بجمع حسن فقَالَ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥):
«فالنبي ﷺ أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنَّها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر وأمَّا السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسمًا للركعة المفصولة وحدها كما قَالَ النبي ﷺ: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما صلى" فاتفق فعله ﷺ وَقَوْلُهُ وصدق بعضه بعضًا» اهـ.
٤ - وفي الحديث بيان آخر وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر وهذا قول الجمهور.
وهذا في غير النائم والناسي فإنَّ له أن يوتر بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٣٩):
[ ٤ / ٢٨٢ ]
«وذهب طائفة إلى أنَّ الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح: فروي عن علي وابن مسعود، وقَالَ: الوتر ما بين الصلاتين. يريدان: صلاة العشاء وصلاة الفجر.
وعَنْ عَائِشَةَ - معنى ذلك.
وممن روي عنه، أنَّه أوتر بعد طلوع الفجر: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم.
وقَالَ أيوب وحميد الطويل: أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر. وهو قول القاسم بن محمد وغيره.
وذكر ابن عبد البر: أنَّه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم. قَالَ: ويحتمل أن يكونوا قَالَوه فيمن نسيه أو نام عنه، دون من تعمده.
وممن ذهب إلى هذا: مالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في رواية عنه - وإسحاق» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى أحمد (٢٣٩٠٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي ابْنُ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَصْرَةَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ» قَالَ أَبُو تَمِيمٍ: فَأَخَذَ بِيَدِي أَبُو ذَرٍّ فَسَارَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَبِي
[ ٤ / ٢٨٣ ]
بَصْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أبو داود (١٤٣٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وأمَّا ما رواه أحمد (١١٤١٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ الْوَتْرَ، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، أَوْ إِذَا أَصْبَحَ».
قُلْتُ: زيادة «أَوْ إِذَا أَصْبَحَ». زيادة منكرة زادها عبد الرحمن بن زيد وهو ابن أسلم وهو ضعيف الحديث.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٨٩ - ٩١) عمن نام عن صلاة الوتر؟.
فأجاب:
[ ٤ / ٢٨٤ ]
«يصلي ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح كما فعل ذلك عبد الله بن عمر وعائشة وغيرهما. وقد روى أبو داود في سُنَنِهِ عن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر".
واختلفت الرواية عن أحمد هل يقضي شفعه معه؟ والصحيح أنَّه يقضي شفعه معه. وقد صح عنه ﷺ أنَّه قَالَ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. فإنَّ ذلك وقتها". وهذا يعم الفرض وقيام الليل والوتر والسنن الراتبة. قَالَتْ عائشة: "كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة" رواه مُسْلِم.
وروى عمر بن الخطاب عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه بين صلاة الصبح وصلاة الظهر. كتب له كأنَّما قرأه من الليل". رواه مُسْلِم.
وهكذا السنن الراتبة. وقد صح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّه لما نام هو وأصحابه عن صلاة الصبح في السفر صلى سنة الصبح ركعتين ثم صلى الصبح بعد طلوع الشمس. ولما فاتته سنة الظهر التي بعدها صلاها بعد العصر. وقَالَت عائشة: "كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها" رواه الترمذي. وروى أبو هريرة عنه أنه قَالَ: "من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس" رواه الترمذي وصححه ابن خزيمة.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وفيه قول آخر: إنَّ الوتر لا يقضى وهو رواية عن أحمد؛ لما روي عنه أنه قَالَ: "إذا طلع الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر" قَالَوا: فإنَّ المقصود بالوتر أن يكون آخر عمل الليل كما أنَّ وتر عمل النهار المغرب؛ ولهذا كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إذا فاته عمل الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ولو كان الوتر فيهن لكان ثلاث عشرة ركعة. والصحيح أنَّ الوتر يقضى قبل صلاة الصبح فإنَّه إذا صليت لم يبق في قضائه الفائدة التي شرع لها؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول الذي قَالَه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو القول الصحيح المؤيد بالأدلة وبفتاوى أصحاب النبي ﷺ.
٥ - واستدل بقوله: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». على أنَّه لا صلاة بعد الوتر.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على جواز الصلاة بعد الوتر فمن ذلك ما رواه مُسْلِم (٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لسعد بن هشام بن عامر: «كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ …».
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وروى مُسْلِم (٧٣٨) مِنْ طَرِيقِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ».
وروى الدارمي (١٦٣٥) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذَا السَّهَرَ جَهْدٌ وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ» وَيُقَالُ: هَذَا السَّفَرُ وَأَنَا أَقُولُ: السَّهَرُ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومروان هو ابن محمد بن حسان الأسدي الطاطري. ثقة.
قُلْتُ: ورواه ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١١٠٦) نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، نا عَمِّي، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا السَّفَرَ جَهْدٌ وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ». وذكر في حديثه «السفر». بدل: «السهر».
[ ٤ / ٢٨٧ ]
قُلْتُ: وأحمد هذا صدوق تغير بأخرة.
وتابعه حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة روى حديثه ابن حبان (٢٥٧٧)، وحرملة صدوق لكنَّه أروى الناس عن ابن وهب.
ورواه عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح بذكر «السفر». وحديثه عند البزار (٤١٩٣)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٣٩٤)، والروياني في [مُسْنَدِهِ] (٦٥١)، والدارقطني (١٧٠٠، ١٧٠٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٤٦٠٤)، وعبد الله هذا ضعيف الحديث، فالأصح في الحديث ذكر "السفر" لا سيما والنبي ﷺ قال ذلك في السفر كما جاء في سائر طرق الحديث.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٨١)
«وأمَّا حديث ثوبان، فتأوله بعضهم على أنَّ المراد: إذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين.
وكأنَّه يريد أنَّه لا يقتصر في وتره في السفر على ركعة واحدة، بل يركع قبلها ركعتين، فيحصل له بهما نصيب من صلاة الليل، فإن لم يستيقظ من آخر الليل كان قد أخذ بحظ من الصلاة، وإن استيقظ صلى ما كتب له، وهذا متوجه. والله ﷾ أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فِي ذلك بكلام حسن فقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٩٧ - ٩٨): «ولعل بعض الناس يقول: هاتان الركعتان اللتان كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يصليهما بعد الوتر جالسًا نسبتها
[ ٤ / ٢٨٨ ]
إلى وتر الليل: نسبة ركعتي المغرب إلى وتر النهار؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "المغرب وتر النهار. فأوتروا صلاة الليل" رواه أحمد في الْمُسْنَدِ. فإذا كانت المغرب وتر النهار فقد كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يصلي بعد المغرب ركعتين ولم يخرج المغرب بذلك عن أن يكون وترًا لأنَّ تلك الركعتين هما تكميل الفرض وجبر لما يحصل منه من سهو ونقص كما جاءت السنن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "إنَّ العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلَّا نصفها إلَّا ثلثها إلَّا ربعها إلَّا خمسها حتى قَالَ إلَّا عشرها". فشرعت السنن جبرًا لنقص الفرائض. فالركعتان بعد المغرب لما كانتا جبرًا للفرض لم يخرجها عن كونها وترًا كما لو سجد سجدتي السهو فكذلك وتر الليل جبره النبي ﷺ بركعتين بعده. ولهذا كان يجبره إذا أوتر بتسع أو سبع أو خمس لنقص عدده عن إحدى عشرة. فهنا نقص العدد نقص ظاهر. وإن كان يصليهما إذا أوتر بإحدى عشرة كان هناك جبرًا لصفة الصلاة وإن كان يصليهما جالسًا؛ لأنَّ وتر الليل دون وتر النهار فينقص عنه في الصفة وهي مرتبة بين سجدتي السهو وبين الركعتين الكاملتين فيكون الجبر على ثلاث درجات جبر للسهو سجدتان لكن ذاك نقص في قدر الصلاة ظاهر فهو واجب متصل بالصلاة. وأمَّا الركعتان المستقلتان فهما جبر لمعناها الباطن فلهذا كانت صلاته تامة. كَمَا فِي السنن: "إنَّ أول ما يحاسب
[ ٤ / ٢٨٩ ]
عليه العبد من عمله الصلاة فإن أكملها وإلَّا قيل: انظروا هل له من تطوع" ثم يصنع بسائر أعماله كذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٦ - وَقَوْلُهُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». احتج به من كره التعقيب في رمضان وهذا إنَّما يكون فيمن أوتر في أول الليل ثم صلى في آخر الليل، وأمَّا من لم يوتر في أول الليل فلا يدخل في الكراهة المستنبطة من هذا الحديث.
قُلْتُ: وقد رخص في التعقيب أنس بن مالك ﵁ فيما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٨١٥) حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ إِنَّمَا يَرْجِعُونَ إِلَى خَيْرٍ يَرْجُونَهُ، وَيَبْرَءُونَ مِنْ شَرٍّ يَخَافُونَهُ».
قُلْتُ: لكن هذا الأثر من رواية عباد هو ابن العوام عن سعيد بن أبي عروبة، وروايته عن سعيد بن أبي عروبة مضطربة كما قَالَ الإمام أحمد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مقدمة الفتح] ص (٤١٠):
«وقَالَ الأثرم عن أحمد مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة.
قُلْتُ: لم يخرج له الْبُخَارِيّ من روايته عن سعيد شيئًا» اهـ.
قُلْتُ: لكن الآثار لا يتشدد فيها كما يتشدد في الأحاديث المرفوعة، ولهذا كان الإمام أحمد يحتج بهذا الأثر في إحدى الروايتين عنه كما سيأتي.
وجاء عنه ما يدل على الكراهة للاختلاف عن أنس فيه.
قال العلامة ابن نصر المروزي ﵀ كَمَا فِي [مختصر قيام الليل] (ص: ٢٤٥):
[ ٤ / ٢٩٠ ]
«وَسُئِلَ أَحْمَدُ ﵀ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ ﵁: "فِي اخْتِلَافِ" وَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ يَعْتَقِبُونَ فِي رَمَضَانَ، فَيَقُولُ: الْمُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعْتَقِبُونَ فِيهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَقَالَ: " أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا بِدْعَةً وَكَرِهَهُ، قِيلَ لَهُ: فَيَجِيءُ رَجُلٌ إِلَى أَبْوَابِ النَّاسِ فَيُنَادِيهِمْ، قَالَ: هَذَا أَيْسَرُ» اهـ.
وهناك من كره ذلك من السلف.
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٧٨١٤) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَوَّامٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: «أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ التَّعْقِيبَ فِي رَمَضَانَ».
قُلْتُ: فيه ما سبق فإنَّه من رواية عباد عن ابن أبي عروبة وهي مضربة لكن الآثار يتساهل فيها.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٣٩٥):
«فصل: فأمَّا التعقيب، وهو أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة، أو يصلي التراويح في جماعة أخرى.
فعن أحمد: أنَّه لا بأس به؛ لأنَّ أنس بن مالك قَالَ: ما يرجعون إلَّا لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه.
وكان لا يرى به بأسًا.
[ ٤ / ٢٩١ ]
ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلَّا أنَّه قول قديم، والعمل على ما رواه الجماعة» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩):
«واختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان، وهو: أن يقوموا في جماعة في المسجد، ثم يخرجون منه، ثم يعودون إليه فيصلون جماعة في آخر الليل.
وبهذا فسره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره من أصحابنا. فنقل المروذي وغيره، عنه: لا بأس به، وقد روي عَنْ أَنَسٍ فيه.
ونقل عنه ابن الحكم، قَالَ: أكرهه، أنس يروى عنه أنَّه كرهه، ويروى عن أبي مجلز وغيره أنَّهم كرهوه، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل، كما قَالَ عمر.
قَالَ أبو بكر عبد العزيز: قول محمد بن الحكم قول له قديم، والعمل على ما روى الجماعة، أنَّه لا بأس به. انتهى.
وقَالَ الثوري: التعقيب محدث.
ومن أصحابنا من جزم بكراهيته، إلَّا أن يكون بعد رقدة، أو يؤخره إلى بعد نصف الليل، وشرطوا: أن يكون قد أوتروا جماعة في قيامهم الأول، وهذا قول ابن حامد والقاضي وأصحابه. ولم يشترط أحمد ذلك.
وأكثر الفقهاء على أنَّه لا يكره بحال.
وكره الحسن أن يأمر الإمام الناس بالتعقيب؛ لما فيه من المشقة عليهم، وقَالَ: من كان فيه قوة فليجعلها على نفسه، ولا يجعلها على الناس.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
وهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر.
ونقل ابن المنصور، عن إسحاق بن راهويه، أنَّه إن أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى؛ لما روي عَنْ أَنَسٍ وسعيد بن جبير من كراهته. وإن لم يتم بهم في أول الليل وآخر تمامها إلى آخر الليل لم يكره» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو مشروعية التعقيب كما أفتى به جمهور العلماء وغاية ما فيه الإكثار من الصلاة في ليالي رمضان وهذا لا بأس به، والتنفل جماعة في ليالي رمضان قد دلت عليه السنة فتكرار ذلك أكثر من مرة لا محذور فيه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد خصَّ الناس في هذه الأيام التعقيب في العشر الأواخر تحريًا ليلة القدر وإحياءً ليالي العشر كما كان هدي النبي ﷺ فروى الْبُخَارِيّ (٢٠٢٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ».
وقد أفتى بمشروعية ذلك كبار أهل العلم في هذا العصر.
ففي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَائِمَةِ] (٦/ ٨١ - ٨٣) الفتوى رقم (١٩٨٥٤)
«س: اعتدنا أن نصلي في العشرين الأولى من شهر رمضان إحدى عشرة ركعة فإذا دخلت العشر صلينا عشر ركعات في أول الليل وعشرا آخر الليل ونوتر بثلاث فيصبح مجموع ما نصلي في العشر ثلاثًا وعشرين ركعة ثم إن أحد طلبة العلم زعم
[ ٤ / ٢٩٣ ]
أن هذا الفعل وهو التفريق بين العشرين الأول والعشر الأواخر في العدد بدعة، وأن الأصل المساواة في العدد، الشهر كله، وقَالَ: إن صليت إحدى عشرة في أول الشهر فصل مثلها في آخره، وإن أردت أن تصلي ثلاثًا وعشرين في آخره فصل ثلاثًا وعشرين في أوله، وقَالَ: إن من البدع أيضا تفريقكم بين صلاة أول الليل وآخره في العشر نفسها، فتخففون العشر الأول وتطيلون في الأخيرة وتسمون هذه تراويح، وتلك قيام. نريد من فضيلتكم التكرم ببسط الجواب نفع الله بعلمكم وأعلى منزلتكم؟
ج: صلاة التراويح في شهر رمضان سنة مؤكدة فعلها النبي ﷺ بأصحابه ليالي ثم تأخر عنهم خشية أن تفرض عليهم وفعلها أصحابه في عهده وبعد وفاته ﷺ واستمر العمل بها إلى اليوم، وأمَّا عدد ركعاتها فلم يثبت فيه حد محدد والعلماء مختلفون فيه منهم من يرى أنَّه ثلاث وعشرون ومنهم من يرى أنه ست وثلاثون ومنهم من يرى أكثر ومنهم يرى أق، والصحابة صلوها في عهد عمر ثلاثًا وعشرين في مسجد رسول الله ﷺ والنبي كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ولم يحدد للناس عددًا معينًا في التراويح وقيام الليل بل كان يحث على قيام
[ ٤ / ٢٩٤ ]
الليل وعلى قيام رمضان بالذات فيقول ﷺ: "من قام رمضان واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" ولم يحدد عدد الركعات وهذا يختلف باختلاف صفة القيام فمن كان يطيل الصلاة فإنه يقلل عدد الركعات كما فعل النبي ﷺ ومن كان يخفف الصلاة رفقًا بالناس فإنه يكثر عدد الركعات كما فعل الصحابة في عهد عمر ولا بأس أن يزيد في عدد الركعات في العشر الأواخر عن عددها في العشرين الأول ويقسمها إلى قسمين قسما يصليه في أول الليل ويخففه على أنه تراويح كَمَا فِي العشرين الأول وقسما يصليه في آخر الليل ويطيله على أنه تهجد فقد كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها وكان إذا دخلت العشر الأواخر شمر وشد المئزر وأحيا ليله وأيقظ أهله تحريا لليلة القدر، فالذي يقول لا يزيد في آخر الشهر عما كان يصليه في أول الشهر مخالف لهدي النبي ﷺ ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من طول القيام في آخر الشهر في آخر الليل فالواجب اتباع سنته ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وحث المُسْلِمين على صلاة التراويح وصلاة القيام لا تخذيلهم عن ذلك وإلقاء الشبه التي تقلل من اهتمامهم بقيام رمضان.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وقَالَ العلامة عبد الله أبا بطين ﵀ كَمَا فِي [الدرر السنية] (٤/ ٢٧٠): «وما يظنه بعض الناس من أنَّ صلاتنا في العشر هي صلاة التعقيب الذي كرهه بعض العلماء، فليس كذلك، لأنَّ التعقيب هو التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر؛ هذه عبارة جميع الفقهاء في تعريف التعقيب أنَّه التطوع جماعة بعد الوتر عقب التراويح، فكلامهم ظاهر في أنَّ الصلاة جماعة قبل الوتر ليس هو التعقيب.
وأيضًا، فالمصلي زيادة عن عادته في أول الشهر، يقول: الكل قيام وتراويح، فهو لم يفرغ من التراويح؛ وأمَّا تسمية الزيادة عن المعتاد قيامًا، فهذه تسمية عامية، بل الكل قيام وتراويح، كما قدمنا، وأنَّ المذهب عدم كراهة التعقيب. وعلى القول الآخر، فنص أحمد: أنَّهم لو تنفلوا جماعة بعد رقدة، أو من آخر الليل لم يكره» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ كَمَا فِي "لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ":
«لا فرق بينهما، صلاة التراويح في أول الليل أو في آخر الليل، لكن الناس في أيام العشر من الأواخر من رمضان يحبون أن يحيوا الليل اقتداءً بالرسول عليه الصلاة
[ ٤ / ٢٩٦ ]
والسلام؛ لأنَّه كان في العشر الأواخر يحيي الليل كله، فلهذا جعلوا القيام في آخر الليل، والصلاة الخفيفة التي يسمونها التراويح في أول الليل، ولا بأس بهذا» اهـ.
٧ - وَقَوْلُهُ: «مَثْنَى مَثْنَى». يدل على استحباب الشفع قبل الوتر وهذا هو الغالب من أفعال النبي ﷺ وقد ثبت عنه الاقتصار على الوتر فصلى سبعًا متصلة من غير تقدم شفع، وصلى تسعًا متصلة من غير تقدم شفع كما سبق بيان ذلك.
٨ - وفيه سؤال الخطيب في أثناء خطبته، وأنَّ هذا لا يدخل في اللغو المنهي عنه، وهذا على فرض أنَّ الخطبة كانت لصلاة الجمعة.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٣)
«فكانت خطبه على المنبر مثل حلق الذكر والعلم، وكان يسأل في حال الخطبة عن مسائل من الدين، ويجيب عنها» اهـ.
* * *
[ ٤ / ٢٩٧ ]
١٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ. وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - فيه: جواز الإيتار في جميع أوقات الليل بعد دخول وقته.
٢ - وفيه: استحباب الإيتار آخر الليل. وقد روى الترمذي (٣٥٧٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيْسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
وروى الْبُخَارِيّ (١١٣١)، ومُسْلِم (١١٥٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ العَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
وهذا في حق من طمع أن يقوم في آخر الليل وأمَّا من خشي أن لا يقوم في آخر الليل فالأفضل في حقه أن يوتر قبل أن ينام لما رواه مُسْلِم (٧٥٥) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ».
وروى الْبُخَارِيّ (١٩٨١)، ومُسْلِم (٧٢١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ».
٣ - احتج به من استحب تأخير التراويح جماعة إلى آخر الليل.
قُلْتُ: ظاهر السنة أنَّها تصلى من أول الليل فقد روى أحمد (١٨٤٢٦)، واللفظ له والنسائي (١٦٠٦) مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْمَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ حِمْصَ: «قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
[ ٤ / ٢٩٩ ]
إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَامَ بِنَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ، قَالَ: وَكُنَّا نَدْعُو السُّحُورَ الْفَلَاحَ " فَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: لَيْلَةُ السَّابِعَةِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ السَّابِعَةُ، فَمَنْ أَصَوْبُ نَحْنُ، أَوْ أَنْتُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى أحمد (٢٦٣٥٠) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ:
«كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ بِاللَّيْلِ أَوْزَاعًا، يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الشَّيْءُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ مَعَهُ النَّفَرُ الْخَمْسَةُ أَوِ السِّتَّةُ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ، يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَتْ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنْ ذَلِكَ أَنْ أَنْصِبَ لَهُ حَصِيرًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، فَفَعَلْتُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ، وَتَرَكَ الْحَصِيرَ عَلَى حَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ تَحَدَّثُوا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَالَتْ: وَأَمْسَى الْمَسْجِدُ رَاجًّا بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ وَثَبَتَ النَّاسُ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي
[ ٤ / ٣٠٠ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا شَأْنُ النَّاسِ يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعَ النَّاسُ بِصَلَاتِكَ الْبَارِحَةَ بِمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَحَشَدُوا لِذَلِكَ لِتُصَلِّيَ بِهِمْ، قَالَتْ: فَقَالَ: "اطْوِ عَنَّا حَصِيرَكِ يَا عَائِشَةُ" قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ غَافِلٍ، وَثَبَتَ النَّاسُ مَكَانَهُمْ حَتَّى خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصُّبْحِ، فَقَالَتْ: فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَمَا وَاللَّهِ مَا بِتُّ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَيْلَتِي هَذِهِ غَافِلًا، وَمَا خَفِيَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي تَخَوَّفْتُ أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَاكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"».
قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: «إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى أبو داود (١٣٧٧)، الترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٦٠٥)، وابن ماجه (١٣٢٧) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ
[ ٤ / ٣٠١ ]
جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِقِيَّةَ الشَّهْرِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ أبو داود في "مسائله" (ص ٦٢) «قيل لأحمد وأنا أسمع: يؤخر القيام - يعني التراويح - إلى آخر الليل؟
قَالَ: لا سنة المُسْلِمين أحب إلي» اهـ.
قلت: لا شك أنَّ آخر الليل أفضل من أوله لكن قد يقدم المفضول على الفاضل لمصلحة راجحة، والمصلحة في ذلك الرفق بالناس، وشبيه بذلك صلاة العشاء فقد دلت السنة أنَّ تأخيرها إلى شطر الليل أفضل لكن ترك النبي ﷺ ذلك وصلاها في أول وقتها رفقًا بالناس، وأمَّا من صلى التراويح في بيته فالأحسن أن يصلها آخر الليل.
* * *
[ ٤ / ٣٠٢ ]
١٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لايَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلاَّ فِي آخِرِهَا».
هذا الحديث بذكر الإيتار بخمس أعله بعض الحفاظ كما سبق في شرح حديث ابن عمر في أول هذا الباب.
ثم هذا الحديث من أفراد مُسْلِم (٧٣٧) لم يروه الْبُخَارِيّ فهو خارج عن شرط المؤلف.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب الوتر بثلاث عشرة ركعة.
٢ - مشروعية الوصل في الوتر.
٣ - أنَّ الوتر يكون بأكثر من ركعة إذا كانت موصولة.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
٤ - استحباب إذا أوتر بخمس ألَّا يجلس في أثنائها.
قُلْتُ: وقد جاء في صلاة النبي ﷺ ثلاث عشر ركعة حديث ابن عباس وحديث زيد بن خالد الجهني.
أما حديث ابن عباس فرواه الْبُخَارِيّ (٦٩٨)، ومُسْلِم (١٧٨٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».
وأمَّا حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ فرواه مُسْلِم (١٨٠١) ولفظه أنَّه قَالَ:
«لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً».
قُلْتُ: وقد جاء في حديثها ما يخالف هذا الحديث وهو ما رواه الْبُخَارِيّ (١١٤٦)، ومُسْلِم (٧٣٨) عنها أنَّها قَالَتْ:
[ ٤ / ٣٠٤ ]
«مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا».
قُلْتُ: ويمكن أن يجمع بين ذلك بأن يقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتين خفيفتين في أول قيامه فتارة تدخلهما عائشة في الحساب فتصير ركعات النبي ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة وتارة لا تدخلهما في الحساب فتصير ركعات النبي ﷺ من الليل إحدى عشرة ركعة.
لكن يشكل على هذا ما رواه مُسْلِم (٧٣٧) عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ:
«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ».
ورواه الْبُخَارِيّ (١١٧٠) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ».
ورواه الْبُخَارِيّ (١١٤٠) أيضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الفَجْرِ».
[ ٤ / ٣٠٥ ]
فإنَّ هذا الحديث يدل دخول ركعتي الفجر في الثلاث عشر ركعة.
وهذا الحديث فيه ما يخالف حديث الباب فإنَّ حديث الباب يدل على أنَّ الثلاث عشر ركعة مستقلة عن ركعتي الفجر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢١):
«فظاهره يخالف ما تقدم فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء لكونه كان يصليها في بيته أو ما كان يفتتح به صلاة الليل فقد ثبت عند مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ سعد بن هشام عنها أنَّه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين وهذا أرجح في نظري لأنَّ رواية أبي سلمة التي دلت على الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها عند المصنف وغيره يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا فدل على أنَّها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين وتعرضت لهما في رواية الزهري والزيادة من الحافظ مقبولة وبهذا يجمع بين الروايات» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في ذلك أنَّها ﵂ تارة تحسب في الثلاث عشرة ركعتي الفجر، وتارة لا تدخلهما وتقتصر على ذكر الإحدى عشرة ركعة، وتارة تُدخل فيهن الركعتين بعد الوتر كما روى مُسْلِم (٧٣٨) من طريق أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ،
[ ٤ / ٣٠٦ ]
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *