١٠٧ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ».
جاء تسمية هاتين الركعتين بتحية المسجد فيما رواه الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤١٦٦)، وابن عدي في [الكامل] (٩/ ١٠٦ - ١٠٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٥٠٦١) من طريق يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ السَّعْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَاغْتَنَمْتُ خَلْوَتَهُ فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً» قُلْتُ: وَمَا تَحِيَّتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَكْعَتَانِ» فَرَكَعْتُهُمَا … الحديث.
قُلْتُ: السعدي شديد الضعف، وحديثه هذا منكر كما ذلك ذلك ابن عدي والذهبي وغيرهما.
وروى ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٦١)، وأبو نعيم في [لْحِلْيَةِ] (١/ ١٦٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٥٠٦١)
[ ٤ / ٢ ]
من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، جَالِسٌ وَحْدَهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً، وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا»، قَالَ: فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا، ثُمَّ عُدْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ … الحديث.
قُلْتُ: الغساني كذبه غير واحد.
ورواه الطبري في [تاريخه] (١/ ١٥٠ - ١٥١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٣٩) من وجه آخر إلى أبي إدريس بإسناد لا يصح.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٧٤):
«وقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر، وكلها لا تخلو من مقال» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ تسمية هاتين الركعتين بتحية المسجد مما لا يثبت في الحديث، لكن تسميتهما بذلك مما اشتهر على ألسنة العلماء، ومنهم الإمام الشافعي، وهكذا في كثير من كتب الحديث.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من أوجب تحية المسجد.
[ ٤ / ٣ ]
وقد روى الحديث الْبُخَارِيّ (٤٤٤)، ومُسْلِم (٧١٤) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».
وفي لفظ لمُسْلِم (١٦٥٢) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ قَالَ فَجَلَسْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ»؟ قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ قَالَ:
«فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: وقد أوجبها داود الظاهري وخالفه في ذلك ابن حزم الظاهري وجماهير العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢):
«أمَّا حكم المسألة فاجمع العلماء علي استحباب تحية المسجد ويكره أن يجلس من غير تحية بلا عذر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨):
«واتفق أئمة الفتوى على أنَّ الأمر في ذلك للندب ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب والذي صرح به ابن حزم عدمه» اهـ.
[ ٤ / ٤ ]
قُلْتُ: وقد صرف العلماء الأمر في هذا الحديث من الوجوب إلى الاستحباب بعدة صوارف منها:
ما رواه أحمد (١٧٧١٠، ١٧٧٣٣)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي (١٣٩٩) مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ومنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأمر أبا قتادة بأن يقوم ويأتي بالركعتين كما أمر الذي جلس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب بالقيام لفعلها.
فروى الْبُخَارِيّ (٨٨٩)، ومُسْلِم (٨٧٥) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ"؟. قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"».
قُلْتُ: وهذا مما يدل على أنَّ تحية المسجد لا تفوت بالجلوس.
ومن أهل العلم من صرف الأمر في هذا الحديث بما رواه الْبُخَارِيّ (٤٦)، ومُسْلِم (١٠٠) عن طلحة بن عبيد الله قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "خَمْسُ
[ ٤ / ٥ ]
صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "وَصِيَامُ رَمَضَانَ" قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"».
قُلْتُ: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخبر الأعرابي أنَّ عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، وقَالَ الأعرابي لا أزيد عليهن ولا أنقص فقَالَ النبي ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
وهذا مما يدل على أنَّه لا واجب من الصلوات غير الخمس الصلوات وتحية المسجد ليست من الخمس فلا تكون واجبة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وفي الاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة نظر فإنَّ غاية ما يدل عليه أنَّه لا وجب في صلوات اليوم والليلة على سبيل التكرار غير الخمس الصلوات فلا يمنع من إيجاب غيرها لسبب من أسباب كصلاة الجنازة، أو إيجاب صلاة أسبوعية كالجمعة، أو حولية كصلاة العيدين. نعم يرد به على من أوجب صلاة الوتر فإنَّه من الصلوات المتكررة في اليوم والليلة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: ونحو هذا الحديث ما رواه الْبُخَارِيّ (٦٣) عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِك ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ: لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٦ ]
وَسَلَّمَ: "قَدْ أَجَبْتُكَ" فقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ فقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ". فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ. قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ". فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ».
ومثله أيضًا ما رواه الْبُخَارِيّ (٣٤٩)، ومُسْلِم (١٦٣) مِنْ حَدِيْثِ أبي ذر في حديث الإسراء والمعراج الطويل وفيه أنَّ الله ﷿ قَالَ: «هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ».
٢ - يدل الحديث على أنَّ من لم يجلس لا تلزمه تحية المسجد.
وهناك من أهل العلم من أمر بها لمطلق الدخول وإن لم يرد الجلوس.
قال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي ﵀ فِي [أسنى المطالب] (١/ ٢٠٤):
[ ٤ / ٧ ]
«وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي سَنِّهَا بَيْنَ مُرِيدِ الْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ لِمُرِيدِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الدُّخُولِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ وَإِقَامَةً لِلشَّعَائِرِ كَمَا يُسَنُّ لِدَاخِلِ مَكَّةَ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ أَرَادَ الْإِقَامَةَ بِهَا أَمْ لَا» اهـ.
٣ - وَقَوْلُهُ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ». يشمل جميع المساجد حتى المسجد الحرام.
قُلْتُ: وقَالَ بعض العلماء تحية المسجد الحرام الطواف.
واحتجوا بما رواه الْبُخَارِيّ (١٦١٥)، ومُسْلِم (٢٩٩١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ».
قُلْتُ: وأمَّا حديث: «تَحِيَّةُ الْبَيْتِ الطَّوَافُ». فمما لا أصل له كما نبه على ذلك غير واحد من الحفاظ.
والصحيح في هذه المسألة أنَّ من دخل البيت لأجل الحج والعمرة، أو الطواف المجرد فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف ثم يأتي بركعتي الطواف، وأمَّا من دخل المسجد الحرام لأجل الصلاة أو القراءة، أو تعلم العلم فالسنة في حقه أن يأتي بتحية المسجد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٨ ]
٤ - احتج بعمومه من قَالَ: إنَّ تحية المسجد تفعل في أوقات الكراهة. وقد مضى الكلام في هذه المسألة
٥ - وتقييد الحديث بالمسجد يدل على أنَّها لا تفعل في غير المسجد كمصلى العيد ونحوه.
٦ - أنَّ تحية المسجد لا تجزئ بدون الركعتين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢):
«ولو صلى علي جنازة أو سجد لتلاوة أو شكر أو صلي ركعة واحدة لم تحصل التحية لصريح الحديث الصحيح هذا هو المذهب وحكي الرافعي وجهًا أنَّها تحصل لحصول عبادة وإكرام المسجد والصواب الأول» اهـ.
٧ - أنَّه لا يشترط لتحية المسجد صلاة معينة بل أي صلاة صلاها أجزأته في ذلك.
٨ - وإذا دخل المسجد في أوقات الكراهة من أجل أن يصلي التحية فالأظهر عدم المشروعية وهي أحد القولين للشافعية.
٩ - وظاهر الحديث أنَّ التحية تتكرر بتكرر الدخول.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢):
[ ٤ / ٩ ]
«لَوْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِرَارًا. قَالَ صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ": تُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِكُلِّ مَرَّةٍ. وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي "اللُّبَابِ": أَرْجُو أَنْ تُجْزِيَهُ التَّحِيَّةُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ» اهـ.
وقال العلامة المرداوي ﵀ فِي [تصحيح الفروع] (٢/ ٣٠٨):
«الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ فَهَلْ يُعِيدُ التَّحِيَّةَ أَمْ لَا، وَجْهُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا كَالسُّجُودِ، قُلْتُ: وَتُشْبِهُ أَيْضًا إجَابَةَ مُؤَذِّنٍ ثَانِيًا، وَثَالِثًا إذَا سَمِعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَكَانَ مَشْرُوعًا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ قَالَ تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَعَلَى هَذَا يُعِيدُ التَّحِيَّةَ إذَا دَخَلَهُ مِرَارًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يُصَلِّي الْمُقِيمُ التَّحِيَّةَ، لِتَكْرَارِ دُخُولِهِ لِلْمَشَقَّةِ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِحْرَامِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ تُسْتَحَبُّ التحية لكل داخل قصد الجلوس أو لا.
قُلْتُ: واختار شيخنا ﵀ استحباب إعادة التحية» اهـ.
قُلْتُ: المراد بالمقيم قيِّم المسجد.
وقال ابن عابدين الحنفي ﵀ فِي [حاشيته] (١/ ٦٥٦):
«قَوْلُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَوْ بِعُذْرٍ جَازَ، وَيُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مَرَّةً "بَحْرٌ عَلَى الْخُلَاصَةِ": أَيْ إذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ تَكْفِيه التَّحِيَّةُ مَرَّةً» اهـ.
وقال الخرشي المالكي ﵀ فِي [شرح مختصر خليل] (٢/ ٥):
[ ٤ / ١٠ ]
«فَإِنْ كَثُرَ دُخُولُهُ كَفَاهُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ قَالَهُ أَبُو مُصْعَبٍ، وَالْمُرَادُ بِالْكَثْرَةِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدَةِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْجَلَّابِ ابْنُ نَاجِي وَلَوْ صَلَّاهَا ثُمَّ خَرَجَ لِحَاجَةٍ وَرَجَعَ بِالْقُرْبِ فَلَا تَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ» اهـ.
قُلْتُ: ورحج العلامة السعدي ﵀ فِي [الفتاوى السعدية] ص (١٦١) تكرار صلاتها بتكرار دخول المسجد.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٣٥٣):
«أمَّا الذي يخرج من المسجد ويعود عن قرب فلا يصلي تحية المسجد؛ لأنَّه لم يخرج خروجًا منقطعًا، ولهذا لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنَّه كان إذا خرج لبيته لحاجة وهو معتكف ثم عاد أنَّه كان يصلي ركعتين.
وأيضًا: فإنَّ هذا الخروج لا يعد خروجًا، بدليل أنَّه لا يقطع اعتكاف المعتكف، ولو كان خروجه يعتبر مفارقة للمسجد لقطع الاعتكاف به، ولهذا لو خرج شخص من المسجد على نية أنَّه لن يرجع إلَّا في وقت الفرض التالي، وبعد أن خطا خطوة رجع إلى المسجد ليتحدث مع شخص آخر ولو بعد نصف دقيقة فهذا يصلي ركعتين؛ لأنَّه خرج بنية الخروج المنقطع» اهـ.
قُلْتُ: لو قيل: إنَّ الخروج الذي لا يقطع الاعتكاف فلا يقطع حكم صلاة التحية المتقدمة لكان حسنًا.
[ ٤ / ١١ ]
والعلامة ابن عثيمين ﵀ يرى أنَّ الخروج بنية الرجوع عن قرب لا يقطع التحية السابقة مطلقًا.
١٠ - لا يدخل في الحديث الخطيب إذا دخل المسجد وجلس على المنبر، فإنَّ السنة الجلوس من غير صلاة ركعتين.
قال الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوعِ] (٣/ ١٨٢):
«وَلَا تُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ. ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ» اهـ.
واستحب ذلك بعض علماء الشافعية فقال العلامة ابن أبي الخير ﵀ فِي [البيان] (٢/ ٥٧٦): «ويستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم على الناس عند دخوله، فإذا بلغ المنبر … صلى ركعتين تحية المسجد، ثم يصعد المنبر» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٥٢٩):
«قَالَ الْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ لَا يَحْضُرَ لِلْجُمُعَةِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَشْرَعُ فِيهَا أَوَّلَ وُصُولِهِ الْمِنْبَرَ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِذَا وَصَلَ الْمِنْبَرَ صَعِدَهُ وَلَا يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَتَسْقُطُ هُنَا التَّحِيَّةُ بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِالْخُطْبَةِ كَمَا تَسْقُطُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِسَبَبِ الطَّوَافِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا تُسْتَحَبُّ لَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا
[ ٤ / ١٢ ]
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَحِكْمَتُهُ مَا ذَكَرْتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ التَّحِيَّةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١١ - من أراد أن يصلي التحية جالسًا فالأظهر في حقه أن يبتدئ تكبيرة الإحرام عن قيام ثم يجلس حتى يكون جلوسه في أثناء الصلاة لا ابتداء، والجلوس في أثناء الصلاة مشروع كالجلوس بين السجدتين وجلوس التشهد.
وجاء في [الفتاوى الفقهية الْكُبْرَى] (١/ ١٨٦) لابن حجر الهيتمي ﵀:
«وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: عَمَّنْ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَاعِدًا فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: إنْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ وَصَلَّاهَا قَاعِدًا أَجْزَأَتْهُ عَنْ التَّحِيَّةِ، وَإِلَّا فَلَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْجُلُوسَ الْيَسِيرَ عَمْدًا يُفَوِّتُهَا» اهـ.
١٢ - وينهى عن التحية عند إقامة الصلاة، لما رواه مُسْلِم (٧١٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ».
١٣ - ويدخل في الحديث من دخل المسجد والإمام يخطب.
وقد روى مُسْلِم (٨٧٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
[ ٤ / ١٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٦/ ١٦٤)
«هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي الدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْجَامِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَجَوَّزَ فِيهِمَا لِيَسْمَعَ بَعْدَهُمَا الْخُطْبَةَ وَحُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَا يُصَلِّيهِمَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ وَحُجَّتُهُمُ الْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِيَامِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ ﷺ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا وَهَذَا نَصٌّ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَأْوِيلٌ وَلَا أَظُنُّ عَالِمًا يَبْلُغُهُ هَذَا اللَّفْظُ صَحِيحًا فَيُخَالِفُهُ» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا كانت الخطبة في المسجد هي خطبة العيد فهل لمن دخل يصلي تحية المسجد أو صلاة العيد، الأظهر أنَّه يصلي صلاة العيد ويجزيه ذلك عن التحية.
وإن كانت الخطبة في المصلي فالأظهر أنَّه يستمع للخطبة ثم يصلي العيد.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٨٠ - ٨١):
«ولو أدرك الإمام وقد صلى وهو يخطب للعيد ففيه أقوال:
[ ٤ / ١٤ ]
أحدها: أنَّه يجلس فيسمع الخطبة، ثم إذا فرغ الإمام صلى قضاءً، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور، ونص عليه أحمد -أيضًا.
والثاني: أنَّه يصلي والإمام يخطب، كما يصلي الداخل في خطبة الجمعة والإمام يخطب، وهو قول الليث؛ لكن الليث صلى العيد بأصحابه والإمام يخطب.
وقال الشافعية: إن كانَ الإمام يخطب في المصلى، جلس واستمع؛ لأنَّه مالم يفرغ من الخطبة فهو في شعار إقامة العيد، فيتابع فيما بقي منه، ولا يشغل عنه بالصلاة، وإن كان يخطب في المسجد؛ فإنَّه يصلي قبل أن يجلس.
ثم لهم وجهان:
أحدهما: يصلي تحية المسجد، كالداخل يوم الجمعة، وهو قول بعض أصحابنا -أيضًا.
والثاني: يصلي العيد؛ لأنَّها آكد، وتدخل التحية ضمنًا وتبعًا، كمن دخل المسجد يوم الجمعة وعليه صلاة الفجر؛ فإنَّه يقضيها وتدخل التحية تبعًا.
ووجه قول الأوزاعي وأحمد: أنَّ استماع الخطبة من كمال متابعة الإمام في هذا اليوم، فإذا فاتت الصَّلاة معه لم يفوت استماع الخطبة، وليس كذلك الداخل في خطبة الجمعة؛ لأنَّ المقصود الأعظم الصلاة، وهي لاتفوت بالتحية» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٩٠):
[ ٤ / ١٥ ]
«فَصْلٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ جَلَسَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، فَقَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا، فَفِي خُطْبَةِ الْعِيدِ أَوْلَى، وَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ فِي تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَنْ أَدْرَكَ الْعِيدَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يُصَلِّي؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَبْطُلُ بِالدَّاخِلِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الدَّاخِلَ بِالرُّكُوعِ، مَعَ أَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ آكَدُ. فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ، ثُمَّ إنْ أَحَبَّ قَضَى صَلَاةَ الْعِيدِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ» اهـ.
١٤ - الذي يظهر لي أنَّ الجالس في المسجد على كرسي ونحوه يدخل في النهي لأنَّه يعد جلوسًا في المسجد لغة وعرفًا.
١٥ - وإذا جلس كجلوس المختلي فهو جالس ويدخل في عموم الحديث.
واستثنى بعض علماء الشافعية ما كان يسيرًا كالجلوس للشرب.
فقال البرجيمي ﵀ فِي [تحفة الحبيب على شرح الخطيب] (١/ ٤٢٤):
«قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ) أَيْ وَلَوْ لِلشُّرْبِ عَمْدًا كَذَا فِي شَرْحِ م ر. وَلَكِنْ قَيَّدَ الْفَوَاتَ فِي الْفَتَاوَى لَهُ بِمَا إذَا أَلْصَقَ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ، أَمَّا إذَا جَلَسَ لِلشُّرْبِ عَلَى سَاقَيْهِ وَلَمْ يُلْصِقْ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَلَهُ فِعْلُهَا» اهـ.
[ ٤ / ١٦ ]
إلى أن قال: «وَقَوْلُهُ بِجُلُوسِهِ أَيْ مُتَمَكِّنًا لَا مُسْتَوْفِزًا اهـ ح ل» اهـ.
وقال محمد بن عمر الجاوي الشافعي ﵀ فِي [نهاية الزين] (ص: ١٠٤):
«وتفوت بِالْجُلُوسِ عمدا وَلَو قَصِيرا كالجلوس للشُّرْب إِنْ ألصق مقعدته بِالْأَرْضِ أما إِذا جلس للشُّرْب على قَدَمَيْهِ وَلم يلصق مقعدته بِالْأَرْضِ وَلم يطلّ الْفَصْل فَلَا تفوت» اهـ.
١٦ - الصحيح أنَّه لا ينوب بدل التحية غيرها من الذكر، وهو ظاهر الحديث.
واستحب ذلك بعض العلماء.
قال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي ﵀ فِي [أسنى المطالب] (١/ ٢٠٥)
«فِي الْإِحْيَاءِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِنْ دَخَلَ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ وَفِي الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ لِحَدَثٍ، أَوْ شُغْلٍ وَنَحْوِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِهِ زَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» اهـ.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ فِي [مغني المحتاج] (١/ ٤٥٧):
«فَائِدَةٌ: إنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ سَائِرِ الْخَلِيقَةِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ
[ ٤ / ١٧ ]
بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أَيْ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ. وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَالْقَرْضُ الْحَسَنُ وَالذِّكْرُ الْكَثِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى أحمد (٦٥٨٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ سِيجَانٍ مَزْرُورَةٌ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ وَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ قَالَ: يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ، وَيَرْفَعَ كُلَّ رَاعٍ ابْنِ رَاعٍ قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ، وَقَالَ: "أَلَا أَرَى عَلَيْكَ لِبَاسَ مَنْ لَا يَعْقِلُ". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لاِبْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ". قَالَ: قُلْتُ أَوْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: هَذَا الشِّرْكُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الْكِبْرُ؟ قَالَ: الْكِبْرُ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا نَعْلَانِ حَسَنَتَانِ لَهُمَا شِرَاكَانِ حَسَنَانِ قَالَ: "لَا". قَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا؟ قَالَ: "لَا".
[ ٤ / ١٨ ]
قَالَ: الْكِبْرُ هُوَ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا دَابَّةٌ يَرْكَبُهَا؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: أَفَهُوَ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِنَا أَصْحَابٌ يَجْلِسُونَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: "لَا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا الْكِبْرُ؟ قَالَ: "سَفَهُ الْحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاسِ"».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقال الخرشي المالكي ﵀ فِي [شرح مختصر خليل] (٢/ ٥):
«وَذَكَرَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَامَتْ مَقَامَ التَّحِيَّةِ.
النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي اسْتِعْمَالُهُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ لِمَكَانِ الْخِلَافِ» اهـ.
فائدة: قال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ فِي [مغني المحتاج] (١/ ٤٥٧)
«"فَرْعٌ" قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّحِيَّاتُ أَرْبَعٌ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ، وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ، وَالْحَرَامِ بِالْإِحْرَامِ، وَمِنًى بِالرَّمْيِ.
وَزِيدَ عَلَيْهِ تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ، وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِم بِالسَّلَامِ، وَالْخُطْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ فَتَكُونُ التَّحِيَّةُ هُنَا بِالْخُطْبَةِ كَمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالطَّوَافِ» اهـ.
* * *
[ ٤ / ١٩ ]
١٠٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلامِ».
قُلْتُ: قوله في الحديث: «وَنُهِينَا عَنْ الْكَلامِ». مما أنفرد به مُسْلِم دون الْبُخَارِيّ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - النهي عن الكلام في الصلاة بعد أن كان مأذونًا فيه في أول الإسلام.
وقد روى مُسْلِم (٥٣٧) مِنْ حَدِيْثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
فدل هذا الحديث أنَّ الكلام المنهي عنه في الصلاة هو تكليم الناس.
والكلام في الصلاة مبطل لها إذا تعمد ذلك المصلي وأمَّا إن كان عن طريق الجهل أو النسيان فلا يؤثر ذلك على صلاته، وقد سبق أنَّ ذكرنا عند شرحنا لحديث ذي اليدين أنَّ الكلام لا يجوز في الصلاة حتى ولو كان لمصلحتها على الصحيح.
وفي كلام الناسي نزاع والأظهر عدم البطلان به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٦ - ٣٧):
«الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَتَكَلَّمَ نَاسِيًا، وَذَلِكَ نَوْعَانِ:
[ ٤ / ٢٠ ]
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْسَى أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ؛ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ بِالْإِعَادَةِ إذْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا، وَمَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ أَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُسَامَحْ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَظُنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ تَمَّتْ، فَيَتَكَلَّمَ، فَهَذَا إنْ كَانَ سَلَامًا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَامًا، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَكْمُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، مِثْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً. فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى مَنْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا فِي صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ، إنْ كَانَ كَلَامُهُ فِيمَا تَتِمُّ بِهِ الصَّلَاةُ، بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ كَمَا كَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ
[ ٤ / ٢١ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَا الْيَدَيْنِ. وَإِذَا قَالَ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً. أَوْ شِبْهَهُ أَعَادَ وَمِمَّنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ، الزُّبَيْرُ، وَابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي عَصْرِهِمْ خِلَافَهُ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِكُلِّ حَالٍ. قَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: أَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ الْيَوْمَ وَأَجَابَهُ أَحَدٌ أَعَادَ الصَّلَاةَ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ. وَقَالَ: عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ تَوَقُّفِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِي مَنْعِ الْكَلَامِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ النِّسْيَانِ فَأَشْبَهَ الْمُتَكَلِّمَ جَاهِلًا، وَلِذَلِكَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ؛ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَتُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنْ كَانَ إمَامًا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في النحنحة والأنين والتأوه والبكاء ونحو ذلك هل تبطل الصلاة بها أو لا.
وقد حرر الكلام حول هذه المسألة بكلام نفيس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٦١٦ - ٦٢٤):
«إذا عرف ذلك فاللفظ على ثلاث درجات.
[ ٤ / ٢٢ ]
أحدها: أن يدل على معنى بالوضع إمَّا بنفسه وإمَّا مع لفظ غيره كفي وعن فهذا الكلام مثل: يد ودم وفم وخد.
الثاني: أن يدل على معنى بالطبع كالتأوه والأنين والبكاء ونحو ذلك.
الثالث: أن لا يدل على معنى لا بالطبع ولا بالوضع كالنحنحة فهذا القسم كان أحمد يفعله في صلاته وذكر أصحابه عنه روايتين في بطلان الصلاة بالنحنحة. فإن قلنا: تبطل ففعل ذلك لضرورة فوجهان. فصارت الأقوال فيها ثلاثة:
أحدها: أنَّها لا تبطل بحال وهو قول أبي يوسف وإحدى الروايتين عن مالك؛ بل ظاهر مذهبه.
والثاني: تبطل بكل حال وهو قول الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد ومالك.
والثالث: إن فعله لعذر لم تبطل وإلَّا بطلت وهو قول أبي حنيفة ومحمد وغيرهما وقَالَوا: إن فعله لتحسين الصوت وإصلاحه لم تبطل قَالَوا: لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك كثيرًا فرخص فيه للحاجة. ومن أبطلها قَالَ: إنَّه يتضمن حرفين وليس من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة والقول الأول أصح. وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما حرم التكلم في الصلاة وقَالَ: "إنَّه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" وأمثال ذلك من الألفاظ التي تتناول الكلام. والنحنحة لا تدخل في
[ ٤ / ٢٣ ]
مسمى الكلام أصلًا فإنَّها لا تدل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى ولا يسمى فاعلها متكلمًا وإنَّما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة.
وأمَّا القهقهة ونحوها ففيها جوابان:
أحدهما: أنَّها تدل على معنى بالطبع.
والثاني: أنَّا لا نسلم أنَّ تلك أبطلت لأجل كونها كلامًا. يدل على ذلك أنَّ القهقهة تبطل بالإجماع ذكره ابن المنذر. وهذه الأنواع فيها نزاع بل قد يقَالَ: إنَّ القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال الصلاة وتنافي الخشوع الواجب في الصلاة فهي كالصوت العالي الممتد الذي لا حرف معه.
وأيضًا: فإنَّ فيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها فأبطلت لذلك لا لكونه متكلمًا. وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلامًا وليس مجرد الصوت كلامًا وقد روي عن علي ﵁ قَالَ: كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان بالليل والنهار وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي يتنحنح لي رواه الإمام أحمد وابن ماجه والنسائي بمعناه.
وأمَّا النوع الثاني: وهو ما يدل على المعنى طبعًا لا وضعًا فمنه النفخ وفيه عن مالك وأحمد روايتان أيضًا إحداهما: لا تبطل وهو قول إبراهيم النخعي وابن سيرين وغيرهما من السلف وقول أبي يوسف وإسحاق.
والثانية: أنَّها تبطل وهو قول أبي حنيفة ومحمد والثوري والشافعي وعلى هذا فالمبطل فيه ما أبان حرفين. وقد قيل عن أحمد: إن حكمه حكم الكلام وإن لم يبن
[ ٤ / ٢٤ ]
حرفين. واحتجوا لهذا القول بما روي عن أم سلمة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "من نفخ في الصلاة فقد تكلم" رواه الخلال؛ لكن مثل هذا الحديث لا يصح مرفوعًا فلا يعتمد عليه. لكن حكا أحمد هذا اللفظ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وفي لفظ عنه: "النفخ في الصلاة كلام". رواه سعيد في "سُنَنِهِ". قَالَوا: ولأنَّه تضمن حرفين وليس هذا من جنس أذكار الصلاة فأشبه القهقهة. والحجة مع القول كَمَا فِي النحنحة والنزاع كالنزاع فإنَّ هذا لا يسمى كلامًا في اللغة التي خاطبنا بها النبي ﷺ فلا يتناوله عموم النهي عن الكلام في الصلاة ولو حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه الأمور ولو حلف ليتكلمن لم يبر بمثل هذه الأمور والكلام لا بد فيه من لفظ دال على المعنى دلالة وضعية تعرف بالعقل فأمَّا مجرد الأصوات الدالة على أحوال المصوتين فهو دلالة طبعية حسية فهو وإن شارك الكلام المطلق في الدلالة فليس كل ما دل منهيًا عنه في الصلاة كالإشارة فإنَّها تدل وتقوم مقام العبارة بل تدل بقصد المشير وهي تسمى كلامًا ومع هذا لا تبطل فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا سلموا عليه رد عليهم بالإشارة فعلم أنَّه لم ينه عن كل ما يدل ويفهم وكذلك إذا قصد التنبيه بالقرآن والتسبيح جاز كما دلت عليه النصوص. ومع هذا فلما كان مشروعًا في الصلاة لم يبطل فإذا كان قد قصد إفهام المستمع ومع هذا لم تبطل فكيف بما دل بالطبع وهو لم يقصد به إفهام أحد ولكن المستمع يعلم منه حاله كما يعلم ذلك من حركته ومن سكوته فإذا رآه يرتعش أو
[ ٤ / ٢٥ ]
يضطرب أو يدمع أو يبتسم علم حاله وإنَّما امتاز هذا بأنَّه من نوع الصوت هذا لو لم يرد به سنة فكيف وفي الْمُسْنَدِ عن المغيرة بن شعبة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان في صلاة الكسوف فجعل ينفخ فلما انصرف قَالَ: "إنَّ النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن وجهي". وفي الْمُسْنَدِ وسنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ في صلاة كسوف الشمس نفخ في آخر سجوده فقَالَ: "أف أف أف رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم"؟ وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا بأنَّه محمول على أنَّه فعله قبل تحريم الكلام أو فعله خوفًا من الله أو من النار. قَالَوا: فإن ذلك لا يبطل عندنا نص عليه أحمد. كالتأوه والأنين عنده والجوابان ضعيفان:
أمَّا الأول: فإنَّ صلاة الكسوف كانت في آخر حياة النبي ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم وإبراهيم كان من مارية القبطية ومارية أهداها له المقوقس بعد أن أرسل إليه المغيرة وذلك بعد صلح الحديبية فإنَّه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك ومعلوم أنَّ الكلام حرم قبل هذا باتفاق المُسْلِمين لا سيما وقد أنكر جمهور العلماء على من زعم أنَّ قصة ذي اليدين كانت قبل تحريم الكلام؛ لأنَّ أبا هريرة شهدها فكيف يجوز أن يقَالَ بمثل هذا في صلاة الكسوف بل قد قيل: الشمس كسفت بعد حجة الوداع قبل موته ﷺ بقليل.
[ ٤ / ٢٦ ]
وأمَّا كونه من الخشية: ففيه أنَّه نفخ حرها عن وجهه وهذا نفخ لدفع ما يؤذي من خارج كما ينفخ الإنسان في المصباح ليطفئه أو ينفخ في التراب. ونفخ الخشية من نوع البكاء والأنين وليس هذا ذاك.
وأمَّا السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذي يمكن دفعه والتأوه والأنين فهذه الأشياء هي كالنفخ. فإنَّها تدل على المعنى طبعًا وهي أولى بأن لا تبطل فإنَّ النفخ أشبه بالكلام من هذه إذ النفخ يشبه التأفيف كما قَالَ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ لكن الذين ذكروا هذه الأمور من أصحاب أحمد كأبي الخطاب ومتبعيه ذكروا أنَّها تبطل إذا أبان حرفين ولم يذكروا خلافًا. ثم منهم من ذكر نصه في النحنحة ومنهم من ذكر الرواية الأخرى عنه في النفخ فصار ذلك موهمًا أنَّ النزاع في ذلك فقط وليس كذلك بل لا يجوز أن يقَالَ: إنَّ هذه تبطل والنفخ لا يبطل. وأبو يوسف يقول في التأوه والأنين لا يبطل مطلقًا على أصله وهو أصح الأقوال في هذه المسألة. ومالك مع الاختلاف عنه في النحنحة والنفخ قَالَ: الأنين لا يقطع صلاة المريض وأكرهه للصحيح. ولا ريب أنَّ الأنين من غير حاجة مكروه ولكنه لم يره مبطلًا.
وأمَّا الشافعي: فجرى على أصله الذي وافقه عليه كثير من متأخري أصحاب أحمد وهو أنَّ ما أبان حرفين من هذه الأصوات كان كلامًا مبطلًا وهو أشد الأقوال في هذه المسألة وأبعدها عن الحجة فإنَّ الإبطال إن أثبتوه بدخولها في مسمى الكلام في لفظ رسول الله ﷺ فمن المعلوم الضروري أنَّ
[ ٤ / ٢٧ ]
هذه لا تدخل في مسمى الكلام وإن كان بالقياس لم يصح ذلك فإنَّ في الكلام يقصد المتكلم معاني يعبر عنها بلفظه وذلك يشغل المصلي. كما قَالَ النبي ﷺ: "إنَّ في الصلاة لشغلًا" وأمَّا هذه الأصوات فهي طبيعية كالتنفس. ومعلوم أنَّه لو زاد في التنفس على قدر الحاجة لم تبطل صلاته وإنَّما تفارق التنفس بأنَّ فيها صوتًا وإبطال الصلاة بمجرد الصوت إثبات حكم بلا أصل ولا نظير. وأيضًا فقد جاءت أحاديث بالنحنحة والنفخ كما تقدم. وأيضًا فالصلاة صحيحة بيقين فلا يجوز إبطالها بالشك ونحن لا نعلم أنَّ العلة في تحريم الكلام هو ما يدعى من القدر المشترك بل هذا إثبات حكم بالشك الذي لا دليل معه وهذا النزاع إذا فعل ذلك لغير خشية الله فإن فعل ذلك لخشية الله فمذهب أحمد وأبي حنيفة أنَّ صلاته لا تبطل ومذهب الشافعي أنَّها تبطل؛ لأنَّه كلام والأول أصح فإنَّ هذا إذا كان من خشية الله كان من جنس ذكر الله ودعائه فإنَّه كلام يقتضي الرهبة من الله والرغبة إليه وهذا خوف الله في الصلاة وقد مدح الله إبراهيم بأنَّه أواه وقد فسر بالذي يتأوه من خشية الله. ولو صرح بمعنى ذلك بأن استجار من النار أو سأل الجنة لم تبطل صلاته بخلاف الأنين والتأوه في المرض والمصيبة فإنَّه لو صرح بمعناه كان كلامًا مبطلًا.
وفي الصحيحين أنَّ عائشة قَالَتْ للنبي ﷺ: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء قَالَ: "مروه فليصل إنكن لأنتن صواحب يوسف" وكان
[ ٤ / ٢٨ ]
عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف لما قرأ: ﴿إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ﴾ والنشيج: رفع الصوت بالبكاء كما فسره أبو عبيد. وهذا محفوظ عن عمر ذكره مالك وأحمد وغيرهما وهذا النزاع فيما إذا لم يكن مغلوبًا. فأمَّا ما يغلب عليه المصلي من عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند الجمهور أنَّه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره وقد قَالَ بعض أصحابه إنَّه يبطل وإن كان معذورًا: كالناسي وكلام الناسي فيه روايتان عن أحمد: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنَّه يبطل.
والثاني: وهو مذهب مالك والشافعي أنَّه لا يبطل وهذا أظهر وهذا أولى من الناسي لأنَّ هذه أمور معتادة لا يمكنه دفعها وقد ثبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع". وأيضًا فقد ثبت حديث الذي عطس في الصلاة وشمته معاوية بن الحكم السلمي فنهى النبي ﷺ معاوية عن الكلام في الصلاة؛ ولم يقل للعاطس شيئًا. والقول بأنَّ العطاس يبطل تكليف من الأقوال المحدثة التي لا أصل لها عن السلف ﵃. وقد تبين أنَّ هذه الأصوات الحلقية التي لا تدل بالوضع فيها نزاع في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأنَّ الأظهر فيها جميعًا أنَّها لا تبطل فإنَّ الأصوات من جنس الحركات وكما أنَّ العمل اليسير لا يبطل فالصوت اليسير لا يبطل بخلاف صوت القهقهة فإنَّه بمنزلة العمل اليسير وذلك ينافي
[ ٤ / ٢٩ ]
الصلاة بل القهقهة تنافي مقصود الصلاة أكثر؛ ولهذا لا تجوز فيها بحال بخلاف العمل الكثير فإنَّه يرخص فيه للضرورة وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «مَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ».
رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠١٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَمَّنْ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «مَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ للإبهام الذي في السند.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٠٤) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَلَامٌ».
قُلْتُ: هذا أثر حسن من أجل ابن فضيل واسمه محمد، ومُسْلِم هو ابن صبيح.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٣٠١٩) عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَلَامٌ».
قُلْتُ: هذا أثر ضعيف لضعف قيس بن الربيع.
قُلْتُ: وحديث النفخ في صلاة الكسوف رواه أحمد (١٨١٦٧) حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ ضَحْوَةً، حَتَّى اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهَا، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ سُورَةً مِنَ الْمَثَانِي، ثُمَّ رَكَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَكَعَ الثَّانِيَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الشَّمْسَ تَجَلَّتْ، فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ
[ ٤ / ٣٠ ]
يَوْمَ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﷿، فَإِذَا انْكَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ»، ثُمَّ نَزَلَ، فَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ مَدَّ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «إِنَّ النَّارَ أُدْنِيَتْ مِنِّي حَتَّى نَفَخْتُ حَرَّهَا عَنْ وَجْهِي، فَرَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ، وَالَّذِي بَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَصَاحِبَةَ حِمْيَرَ صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف مجالد وهو ابن سعيد، وعامر هو الشعبي.
وروى أبو داود (١١٩٤) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ وَفَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَخَ فِي آخِرِ سُجُودِهِ، فَقَالَ: «أُفْ أُفْ»، ثُمَّ قَالَ: «رَبِّ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ؟ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ؟» فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ أَمْحَصَتِ الشَّمْسُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
[ ٤ / ٣١ ]
قُلْتُ: هذا إسناد ضعيف لاختلاط عطاء بن السائب.
والذي يظهر لي ثبوت النفخ في الحديث بهذين الطريقين وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وجاء في النحنحة ما رواه النسائي (١٢١١)، وابن ماجه (٣٧٠٨) مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ «إِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَتَنَحْنَحَ دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ فَارِغًا أَذِنَ لِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عبد الله بن نجي لا يصح له سماع من علي.
ورواه شرحبيل بن مدرك عن عبد الله بن نجي فوصله.
رواه أحمد (٦٤٧) ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ثَنَا شُرَحْبِيل بن مدرك الْجعْفِيّ عَنْ عبد الله بْنِ نُجَيٍّ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ لِي عَلِيٌ ﵁ فذكره.
قَالَ الحافظ ابن خزيمة ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٢/ ٥٤):
«قد اختلفوا في هذا الخبر عن عبد الله بن نجي فلست أحفظ أحدًا قَالَ: عن أبيه غير شرحبيل بن مدرك هذا» اهـ.
قُلْتُ: نجي والد عبد الله هذا لين الحديث.
٢ - ويدل الحديث على أنَّ النهي عن الكلام في الصلاة كان بالمدينة لأنَّ زيد بن أرقم أنصاري من سكان المدينة، ولأنَّ الآية التي احتج بها مدنية. وحديث ابن مسعود يدل على أنَّ التحريم كان قبل ذلك في مكة.
[ ٤ / ٣٢ ]
وهو ما رواه الْبُخَارِيّ (١١٩٩، ٣٨٧٥)، ومُسْلِم (٥٣٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ، ﵁، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا».
وروى أحمد (٤١٤٥) أبو داود (٩٢٤)، والنسائي (١٢٢١) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذْ كُنَّا بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، حَتَّى قَضَوْا الصَّلَاةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ يُحْدِثُ فِي أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أُحْدِثَ مِنْ أَمْرِهِ: أَنْ لَا نَتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ».
هذا لفظ أحمده، وبنحوه لفظ النسائي، وزاد أبو داود: «فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل عاصم وهو ابن بهدلة.
وقد تحيَّر كثير العلماء في الجمع بين ذلك وذكروا أوجهًا في الجمع بينهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٢٣ - ٢٥):
«فصل:
ولما اشتد أذى المشركين على من أسلم، وفتن منهم من فتن، حتى يقولوا لأحدهم: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمر بهم، فيقولون: وهذا إلهك من دون الله، فيقول: نعم. ومر عدو الله
[ ٤ / ٣٣ ]
أبو جهل بسمية أم عمار بن ياسر، وهى تعذب، وزوجها وابنها، فطعنها بحربة في فرجها حتى قتلها.
كان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب، اشتراه منهم، وأعتقه، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية لبني عدي كان عمر يعذبها على الإسلام قبل إسلامه، وقَالَ له أبوه: يا بني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنَّك إذ فعلت ما فعلت أعتقت قومًا جلدًا يمنعونك، فقَالَ له أبو بكر: إني أريد ما أريد.
فلما اشتد البلاء، أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا، وأربع نسوة: عثمان، وامرأته، وأبو حذيفة، وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة، وامرأته أم سلمة هند بنت أبى أمية، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود. وخرجوا متسللين سرًا، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من المبعث، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر، فلم يدركوا منهم أحدًا، ثم بلغهم أنَّ قريشًا قد كفوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فرجعوا،
[ ٤ / ٣٤ ]
فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار، بلغهم أنَّ قريشًا أشد ما كانوا عداوة لرسول الله ﷺ، فدخل من دخل بجوار، وفي تلك المرة دخل ابن مسعود، فسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فلم يرد عليه، فتعاظم ذلك على ابن مسعود، حتى قَالَ له النبي ﷺ: "إنَّ الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة" هذا هو الصواب، وزعم ابن سعد وجماعة أنَّ ابن مسعود لم يدخل، وأنَّه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم، ورد هذا بأنَّ ابن مسعود شهد بدرًا، وأجهز على أبي جهل، وأصحاب هذه الهجرة إنَّما قدموا المدينة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه بعد بدر بأربع سنين أو خمس.
قَالَوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قول زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام"، وزيد بن أرقم من الأنصار، والسورة مدنية، وحينئذ فابن مسعود سلَّم عليه لما قدم وهو في الصلاة، فلم يرد عليه حتى سلَّم، وأعلمه بتحريم الكلام، فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم.
قيل: يبطل هذا شهود ابن مسعود بدرًا، وأهل الهجرة الثانية إنَّما قدموا عام خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل بدر، لكان لقدومه ذكر، ولم يذكر أحد قدوم مهاجري الحبشة إلَّا في القدمة الأولى بمكة، والثانية عام خيبر
[ ٤ / ٣٥ ]
مع جعفر، فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قَالَ ابن إسحاق، قَالَ: وبلغ أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أنَّ إسلام أهل مكة كان باطلًا، فلم يدخل منهم أحد إلَّا بجوار، أو مستخفيًا. فكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد بدرًا وأحدًا فذكر منهم عبد الله بن مسعود.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم؟ قيل: قد أجيب عنه بجوابين:
أحدهما: أن يكون النهى عنه قد ثبت بمكة، ثم أذن فيه بالمدينة، ثم نهى عنه.
والثاني: أنَّ زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة، وكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم، ولم يبلغهم النهي، فلما بلغهم انتهوا، وزيد لم يخبر عن جماعة المُسْلِمين كلهم بأنَّهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية، ولو قدر أنَّه أخبر بذلك لكان وهمًا منه» اهـ.
وقال ﵀ (٣/ ٢٥)
«وَعَلَى هَذَا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدِمَ فِي الْمَرَّةِ الْوُسْطَى بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ بَدْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْعَهْدُ حَدِيثًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِالنَّسْخِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّغْيِيرُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَجَعْلِهَا أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ، وَوُجُوبِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا.
[ ٤ / ٣٦ ]
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ جَمْعٍ وَأَثْبَتَهُ لَوْلَا أَنَّ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ: مَا حَكَيْتُمْ عَنْهُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهَذَا يَدْفَعُ مَا ذُكِرَ.
قِيلَ: إِنْ كَانَ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ هَذَا فَقَدْ قَالَ محمد بن سعد فِي " طَبَقَاتِهِ ": إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَكَثَ يَسِيرًا بَعْدَ مَقْدَمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَحْمِيهِ، وَمَا حَكَاهُ ابن سعد قَدْ تَضَمَّنَ زِيَادَةَ أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وابن إسحاق لَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ، ومحمد بن سعد أَسْنَدَ مَا حَكَاهُ إِلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، فَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ، وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَزَالَ عَنْهَا الْإِشْكَالُ، ولِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ» اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ فِي [تفسيره] (١/ ٦٥٥):
«وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، حَيْثُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ".
[ ٤ / ٣٧ ]
وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ مَعَ مَنْ قَدِمَ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مَدَنِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، فَقَالَ قَائِلُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ بِقَوْلِهِ: "كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ فِي الصَّلَاةِ" الْإِخْبَارَ عَنْ جِنْسِ النَّاسِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِحَسْبِ مَا فَهِمَهُ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَيْهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَقَدْ أُبِيحَ مَرَّتَيْنِ، وَحُرِّمَ مَرَّتَيْنِ، كَمَا اخْتَارَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَيْضًا أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٩٢ - ٢٩٦):
«واختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة: هل كان بمكة، أو بالمدينة؟ فقالت طائفة: كانَ بمكة.
واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم، وأنَّ النبي ﷺ امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة، وإنَّما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره.
ويعضد هذا: أنَّه روي: أنَّ امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهذه الآية مكية.
[ ٤ / ٣٨ ]
فروى أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: قال ابن مسعود: كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وأخرجه ابن جرير وغيره.
وهذا الإسناد منقطع؛ فإنَّ المسيب لم يلق ابن مسعود.
وروى الهجري، عن أبي عياض، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: كانوا يتكلمون في الصَّلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ والآية الأخرى، قالَ: فأمرنا بالإنصات.
وخرجه بقي بن مخلد في "مُسْنَدِهِ".
وخرجه غيره، وعنده: "أو الآية الأخرى" - بالشك.
والهجري، ليس بالقوي.
ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم، الذي خرجه الْبُخَارِيّ
ها هنا؛ فإنَّ زيدًا الأنصاري، لم يصل خلف النَّبيِّ ﷺ بمكة، إنَّما صلى خلفه بالمدينة، وقد أخبر أنَّهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقر: ٢٣٨].
وهي مدنية بالاتفاق.
[ ٤ / ٣٩ ]
وأجاب أبو حاتم ابن حبان - وهو ممن يقول: إنَّ تحريم الكلام كان بمكة -: وأجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أنَّ زيد بن أرقم حكى حال الأنصار وصلاتهم بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليهم، وأنَّهم كانوا يتكلمون حينئذ في الصلاة؛ فإنَّ الكلام حينئذ كانَ مباحًا، وكان النَّبيُّ إذ ذاك بمكة، فحكى زيد صلاتهم تلك الأيام، لا أنَّ نسخ الكلام كانَ بالمدينة.
قُلْتُ: هذا ضعيف؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ في رواية الترمذي: "كنا نتكلم خلف النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة"، فدل على أنَّه حكى حالهم في صلاتهم خلف النَّبيِّ ﷺ بعد هجرته إلى المدينة.
والثاني: أنَّه ذكر أنَّهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الآية، وهي إنَّما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق، فعلم أنَّ كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة، حتى نزلت هذه الآية.
ثم قال ابن حبان:
والجواب الثاني: أنَّ زيدًا حكى حال الصحابة مطلقًا، من المهاجرين وغيرهم، ممن كان يصلي مع النبي ﷺ قبل تحريم الكلام في الصلاة، ولم يرد الأنصار، ولا أهل المدينة بخصوصهم، كما يقول القائل: فعلنا كذا، وإنَّما فعله بعضهم.
[ ٤ / ٤٠ ]
قُلْتُ: وهذا يرده قوله: "حتى نزلت الآية"؛ فإنَّه يصرح بأنَّ كلامهم استمر إلى حين نزولها، وهي إنَّما نزلت بالمدينة.
وأجاب غير ابن حبان بجوابين آخرين:
أحدهما: أنَّه يحتمل أنَّه كان نهي عن الكلام متقدمًا، ثم أذن فيه، ثم نهي عنه لما نزلت الآية.
والثاني: أنَّه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهي النبي ﷺ، فلما نزلت الآية انتهوا.
وكلا الجوابين فيه بعد، وإنَّما انتهوا عند نزول الآية، بأمر النبي ﷺ بالسكوت، ونهيه عن الكلام، كما تقدم.
وقال طائفة أخرى: إنَّما حرم الكلام في الصلاة بالمدينة؛ لظاهر حديث زيد بن أرقم، ومنعوا أن يكون ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة، وقالوا: إنَّما رجع من الحبشة إلى المدينة، قبيل بدر.
واستدلوا بما أخرجه أبو داود الطيالسي في "مُسْنَدِهِ" من حديث عبد الله بن
عتبة، عن ابن مسعود، قال: بعثنا النبي ﷺ إلى النجاشي، ونحن ثمانون رجلًا، ومعنا جعفر بن أبي طالب - فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي، وفي آخره -: فجاء ابن مسعود، فبادر، فشهد بدرًا.
[ ٤ / ٤١ ]
وروى آدم ابن أبي إياس في "تفسيره": حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، والناس يتكلمون بحوائجهم في الصلاة، كما يتكلم أهل الكتاب، فأنزل الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فسكت القوم عن الكلام.
وهذا مرسل. وأبو معشر، هو: نجيح السندي، يتكلمون فيه» اهـ.
قُلْتُ: رواية الطيالسي هي في [مُسْنَدِهِ] (٣٤٤) حَدَّثَنَا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَمَعَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عُمَارَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَبَعَثُوا مَعَهُمَا هَدِيَّةً إِلَى النَّجَاشِيِّ فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ سَجَدَا لَهُ وَدَفَعَا إِلَيْهِ الْهَدِيَّةَ، وَقَالَا: إِنَّ نَاسًا مِنْ قَوْمِنَا رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا وَقَدْ نَزَلُوا أَرْضَكَ قَالَ: فَأَيْنَ هُمْ؟ قَالُوا: هُمْ فِي أَرْضِكَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ النَّجَاشِيُّ قَالَ: فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ فَاتَّبَعُوهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ فَقَالَ: مَالَكُمْ لَا تَسْجُدُونَ لِلْمَلِكِ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ بَعَثَ إِلَيْنَا نَبِيَّهِ ﷺ فَأَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: وَمَا ذَاكَ؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي عِيسَى قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ؟ قَالَ: نَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿ هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمْسَسْهَا بَشَرٌ وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ فَتَنَاوَلَ
[ ٤ / ٤٢ ]
النَّجَاشِيُّ عُودًا فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ مَا تَزِيدُونَ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مَا يَزِنُ هَذِهِ، فَمَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ فَأَنَا أَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ نَبِيُّ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَحْمِلُ نَعْلَيْهِ أَوْ قَالَ: أَخْدُمُهُ، فَانْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَرْضِي فَجَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَبَادَرَ فَشَهِدَ بَدْرًا».
قُلْتُ: فيه حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ضعيف الحديث. ومن طريقه رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٣٩١٩)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٤٢٤٥)، وابن عساكر في [مُعْجَمِهِ] (٣٢٧)، ولُوَيْنٌ في [جزئه] (٤).
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٧٤):
«قَوْلُهُ: "حَتَّى نَزَلَتْ". ظَاهِرٌ فِي أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَقَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ فَيُشْكِلُ ذَلِكَ على قَول بن مَسْعُودٍ إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ وَكَانَ رُجُوعُهُمْ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مَكَّةَ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمينَ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدُوا الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَاشْتَدَّ الْأَذَى عَلَيْهِمْ فَخَرَجُوا إِلَيْهَا أَيْضًا فَكَانُوا فِي الْمرة الثَّانِيَة أَضْعَاف الأولى وَكَانَ بن مَسْعُودٍ مَعَ الْفَرِيقَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ: فَلَمَّا رَجَعْنَا هَلْ أَرَادَ الرُّجُوعَ الْأَوَّلَ أَوِ الثَّانِي فَجَنَحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى الْأَوَّلِ وَقَالُوا: كَانَ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ وَحَمَلُوا حَدِيثَ زَيْدٍ عَلَى أَنَّهُ وَقَوْمَهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّسْخُ. وَقَالُوا: لَا مَانِعَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْحُكْمُ ثُمَّ تَنْزِلَ الْآيَةُ
[ ٤ / ٤٣ ]
بِوَفْقِهِ، وَجَنَحَ آخَرُونَ إِلَى التَّرْجِيح فَقَالُوا: يتَرَجَّح حَدِيث بن مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ حَكَى لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَلَمْ يحكه.
وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا أَرَادَ بن مَسْعُودٍ رُجُوعَهُ الثَّانِي وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَتَجَهَّزُ إِلَى بَدْرٍ وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ بن مَسْعُودٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ رَجُلًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِي آخِرِهِ فَتَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَشَهِدَ بَدْرًا، وَفِي السِّيَرِ لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُسْلِمينَ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ وَحُبِسَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا فَشَهِدُوا بَدْرًا فعلى هَذَا كَانَ بن مَسْعُودٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَظَهَرَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَإِلَى هَذَا الْجَمْعِ نَحَا الْخَطَّابِيُّ وَلَمْ يَقِفْ مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامَهُ عَلَى مُسْتَنَدِهِ وَيُقَوِّي هَذَا الْجَمْعَ رِوَايَةُ كُلْثُومٍ الْمُتَقَدِّمَةُ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنْ كلا من بن مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ حَكَى أَنَّ النَّاسِخَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَأمَّا قَول بن حِبَّانَ كَانَ نَسْخُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ أَيْ كَانَ قَوْمِي يَتَكَلَّمُونَ لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ فَلَمَّا نُسِخَ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَتَرَكُوهُ فَهُوَ
[ ٤ / ٤٤ ]
مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ وَبِأَنَّ إِسْلَامَ الْأَنْصَارِ وَتَوَجُّهَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَنْصَارَ الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِم وَأجَاب بن حِبَّانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُنَّا نَتَكَلَّمُ مَنْ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمينَ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا بِمَكَّةَ يَجْتَمِعُونَ إِلَّا نَادِرًا وَبِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ سَأَلَ الَّذِي إِلَى جَنْبِهِ فَيُخْبِرُهُ بِمَا فَاتَهُ فَيَقْضِي ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ يَوْمًا فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَهَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَطْعًا لِأَنَّ أَبَا أُمَامَةَ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِنَّمَا أَسْلَمَا بِهَا قَوْلُهُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الْآيَةَ كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ إِلَى قَوْلِهِ الْوُسْطَى» اهـ.
قُلْتُ: حديث كلثوم عند النسائي (١٢٢٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ كُلْثُومٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهَذَا حَدِيثُ الْقَاسِمِ، قَالَ: كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ،
[ ٤ / ٤٥ ]
فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَعْنِي - أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ».
قُلْتُ: كلثوم تفرد ابن حبان بذكره في "الثقات" فلا تثبت هذه الرواية.
ولعلَّ الأنسب في الجمع قول من قال: إنَّ نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة قبل بدر، وأنَّ ابن مسعود هاجر من الحبشة إلى المدينة قبل بدر، والأدلة في ذلك وإن كانت ضعيفة فليس ضعفها من قبيل الضعف الشديد فيستأنس بها في الجمع. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - ويدل الحديث على أنَّه لا يلزم من السكوت ترك الكلام بالكلية بل يصدق السكوت عن شيء مع الكلام في غيره فإنَّ الصلاة لا بد فيها من كلام وهو الذكر الذي فيها فإنَّه داخل في مسمى الكلام. وإنَّما المراد بالنهي عن الكلام النهي عن كلام معين وهو تكليم الناس وهكذا الكلام الذي ليس من قبيل الذكر والْدُعَاء. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - وهل يدخل في الكلام إشارة الأخرس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٨٤٧):
«إذا كانت للأخرس إشارة مفهومة فأشار بها في صلاته فهل تبطل أجاب ابن الزغواني: أمَّا الإشارة برد السلام فلا تبطل الصلاة من الأخرس والمتكلم وأمَّا غير ذلك فإنَّه يجري منهما مجرى العمل في الصلاة إن كان يسيرًا عفي عنه وإن كان كثيرًا أبطل الصلاة.
[ ٤ / ٤٦ ]
وجواب أبي الخطاب إذا كثر ذلك منه بطلت صلاته.
وجواب ابن عقيل إشارته المفهومة تجري مجرى الكلام فإن كانت برد السلام خاصة لم تبطل صلاته وما سوى ذلك تبطل.
قُلْتُ: إشارة الأخرس منزلة منزلة كلامه مطلقًا وأمَّا تنزيلها منزلة الكلام في غير رد السلام خاصة فلا وجه له وإنَّما كان رد السلام من الناطق بالإشارة غير مبطل في أصح قولي العلماء كما دل على النص أنَّ إشارته لم تنزل منزلة كلامه بخلاف الأخرس فإنَّ إشارته المفهومة ككلام الناطق في سائر الأحكام» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الأمر بالقنوت مستلزم للسكوت، وترك الكلام، وذلك أنَّ القنوت هو المداومة على الطاعة والعبادة ومن لازم ذلك أن لا ينشغل المصلي في صلاته بغيرها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٥٤٧ - ٥٤٩):
«فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أَمْرٌ بِالْقُنُوتِ فِي الْقِيَامِ لِلَّهِ وَالْقُنُوتُ: دَوَامُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ ﷿ سَوَاءٌ كَانَ فِي حَالِ الِانْتِصَابِ أَوْ فِي حَالِ السُّجُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَقَالَ:
[ ٤ / ٤٧ ]
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ فَيَعُمُّ أَفْعَالَهَا وَيَقْتَضِي الدَّوَامَ فِي أَفْعَالِهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ: الْقِيَامَ الْمُخَالِفَ لِلْقُعُودِ فَهَذَا يَعُمُّ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَمَا بَعْدَهُ وَيَقْتَضِي الطُّولَ وَهُوَ الْقُنُوتُ الْمُتَضَمِّنُ لِلدُّعَاءِ كَقُنُوتِ النَّوَازِلِ وَقُنُوتِ الْفَجْرِ عِنْدَ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ هَذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ. بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَيُقَوِّي الْوَجْهَ الْأَوَّلَ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَم الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إلَى جَنْبِهِ إلَى الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قَالَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ. حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ خِطَابِ الْآدَمِيِّينَ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ وَدَلَّ الْأَمْرُ بِالْقُنُوتِ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ مُخَاطَبَةِ النَّاسِ لِأَنَّ الْقُنُوتَ هُوَ دَوَامُ الطَّاعَةِ فَالْمُشْتَغِلُ بِمُخَاطَبَةِ الْعِبَادِ تَارِكٌ لِلِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ فَلَا يَكُونُ مُدَاوِمًا عَلَى طَاعَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرُدَّ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَرُدُّ "إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا" فَأَخْبَرَ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي عَنْ مُخَاطَبَةِ النَّاسِ وَهَذَا هُوَ الْقُنُوتُ فِيهَا وَهُوَ دَوَامُ الطَّاعَةِ» اهـ.
[ ٤ / ٤٨ ]
* * *
١٠٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ. فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - فيه استحباب الإبراد بصلاة الظهر عند اشتداد الحر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (١/ ١٢٨):
«معنى الإبراد في هذا الحديث انكسار شدة حر الظهيرة.
وقَالَ محمد بن كعب القرظي: نحن نكون في السفر فإذا فات الأفياء وهبت الأرواح قَالَوا: أبردتم فالرواح.
قُلْتُ: ومن تأول على بردى النهار فقد خرج عن جملة قول الأمة» اهـ.
وقَالَ ﵀ (١/ ١٢٩):
«وَقَوْلُهُ ﵊: "فيح جهنم" معناه سطوع حرها وانتشاره وأصله في كلامهم السعة والانتشار. ومنه قولهم في الغادة فيحي فياح، ومكان أفيح أي واسع، وأرض فيحاء أي واسعة ومعنى الكلام يحتمل وجهين:
[ ٤ / ٤٩ ]
أحدهما: أنَّ شدة الحر في الصيف من وهج حر جهنم في الحقيقة. وروي أنَّ الله تعالى أذن لجهنم في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف فهو من نفسها وأشد ما ترونه من البرد في الشتاء فهو منها.
والوجه الأخر: أنَّ هذا الكلام إنَّما خرج مخرج التشبيه والْتَقْرِيْب أي كأنَّه نار جهنم في الحر فاحذروها واجتنبوا ضررها» اهـ.
قُلْتُ: الصواب إجراء الحديث على ظاهرة. والحديث الذي صدره ﵀ بروي حديث صحيح ثابت متفق عليه رواه الْبُخَارِيّ (٣٢٦٠)، ومُسْلِم (٦١٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».
قُلْتُ: والأمر بالإبراد في الحديث للاستحباب في قول عامة العلماء.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٨):
«والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب لا أمر حتم وإيجاب، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.
فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريًا على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المُسْلِمين، كان محجوبًا بالإجماع قبله، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين، فإنَّهما يصرحان بأنَّ الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة، ولم يفرق بين فرض ونفل.
[ ٤ / ٥٠ ]
وذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ الإبراد رخصة، وأنَّ تركه سنة، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي. والأحاديث الصحيحة ترده.
وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج» اهـ.
٢ - وَقَوْلُهُ: «فَأَبْرِدُوا». يشمل جميع المصلين سواء في ذلك من صلى في منزله أو في المسجد، ويستوي في ذلك من كان قريب المنزل من المسجد ومن كان بعيدًا عنه، ومن صلى في مسجد جماعة أو في غير ذلك من المساجد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ١٩٧ - ٢٠٠):
«فأمَّا في شدة الحر فإنَّ الأفضل الإبراد بها لما روى أبو هريرة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم" رواه الجماعة وللبخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبي سعيد الخدري مثله وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل رواه النسائي والْبُخَارِيّ بمعناه وسواء كان المصلي منفردًا أو في جماعة وسواء كان في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من البعد أو من القرب وسواء كان المصلون مجتمعين أو منفردين هذا الذي دل عليه قول أحمد وفعله وهو قول القاضي أخيرًا وأكثر أصحابنا لعموم الحديث فإنَّه أمر بالإبراد أمرًا عامًا معمومًا
[ ٤ / ٥١ ]
مقصودًا وعلله بعلة عامة توجد حال الصلاة وحال السعي إليها في الحر فإنَّ فيح جهنم يصيب المصلي كما يصيب الذاهب إلى الصلاة مع علمه ﷺ أنَّ أكثر المساجد إنَّما يصلي فيها جيرانها فلا يجوز حمل هذا الكلام على المساجد التي ينتابها الناس من البعد خاصة لأنَّ هذه صور قليلة بالنسبة إلى غيرها فحمل العام عليها يكون حملًا لها على الأقل دون الأكثر منه غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه وذلك لا يجوز ولأنَّه على هذا التقدير تكون العلة بأذى الناس بالمشي في الحر وهذه علة تنفس الحر سواء كان من فيح جهنم أو لم يكن فلما قَالَ فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم وعلل بعلة تعلم بالوحي علم أنَّه قصد معنى يخفى على أكثر الناس وهو كراهة إيقاع الصلاة حال تسعير النار كما كره إيقاعها وقت مقارنة الشيطان لها وكره الصلاة وقت الغضب من الله كما كره الصلاة في مكان الغصب لأنَّ القلوب لا تقبل على العبادة وقت تلك الساعة كل الإقبال ولا ينزل من الرحمة ما ينزل في غير ذلك الوقت.
وأيضًا ما روى أبو ذر ﵁ قَالَ: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقَالَ النبي ﷺ: "أبرد" ثم أراد إن يؤذن فقَالَ له: "أبرد" حتى رأينا فيء التلول فقَالَ النبي ﷺ: "إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" متفق عليه فهذا إبراد مع اجتماع المصلين وهو نص في المسألة ولأنَّ سبب الإبراد إنَّما هو في شدة الحر من فيح جهنم وتنفسها وهذا كما أنَّه يؤذي الناس في حال بروزهم إلى المسجد
[ ٤ / ٥٢ ]
فكذلك في حال صلاتهم بل أولى كما تقدم وكما أنَّه يؤذي من يصلي في الجماعة فإنَّه يؤذي المصلي وحده.
وقَالَ القاضي في "المجرد" وأبو الحسن الآمدي وطائفة من أصحابنا: إنَّما يستحب الإبراد لمن يصلي في مساجد الجامعات سواء كان المسجد ينتابه البعيد منه أم لا لأنَّ الخروج إلى المسجد في الجملة مظنة المشقة في وقت القائلة فاستحب التأخير لتكثير الجماعة بخلاف المصلي وحده أو في بيته أو في القوم المجتمعين والأول هو الصحيح لما تقدم» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٥ - ٦٨):
«وقَالَ غيره: الفيح سطوع الحر، يقَالَ: فاحت القدر تفوح إذا غلت.
وأمَّا قول صاحب "الغريبين": أبردوا بالظهر: صلوها في أول وقتها. وبرد النهار أوله.
فهو خطأ، وتغيير للمعنى، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبرادًا، بل هو ضده، بخلاف أول النهار، كَمَا فِي الحديث: "من صلى البردين دخل الجنة".
وقد بوب الْبُخَارِيّ على هذه الأحاديث: "الإبراد بالظهر في شدة الحر" فدلَّ ذلك على أنَّه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده.
[ ٤ / ٥٣ ]
وهذا قول كثير من أهل العلم، وذكر طائفة من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنَّه مذهب مالك، وذكر صاحب "المغني" من أصحابنا أنَّه ظاهر كلام أحمد والخرقي، ورجحه، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وحكاه الخطابي عن أحمد ورجحه ابن المنذر، وحكاه عن أهل الرأي، وحكاه الترمذي في "جامعه" عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورجحه.
ولذلك ذكر بعض الشافعية أنَّه ظاهر الحديث، ومال إليه، والمنصوص عن الشافعي: أنَّه لا يستحب الإبراد إلَّا في شدة الحر في البلاد الحارة لمن يصلي جماعة في موضع يقصده الناس من بعد، كذا نص عليه في "الأم"، وعليه جمهور أصحابه.
ولهم وجه: أنَّه لا يشترط البلاد الحارة، وحكوا قولًا للشافعي: أنَّه لا يشترط بعد المسجد، بل يبرد ولو كانت منازلهم قريبة منه.
واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد: أن تكون الصلاة في مسجد، قَالَوا: وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر أو متوسطة.
ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط.
وكذلك قَالَ ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين: أنَّه لا يبرد إلَّا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردًا.
وذكر القاضي إسماعيل، عن ابن أبي أويس، عن مالك، قَالَ: بلغني أن عمر قَالَ لأبي محذورة: إنَّك بأرض حارة، فأبرد، ثم أبرد، ثم ناد، فكأنني عندك.
[ ٤ / ٥٤ ]
واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد.
فمنهم من قَالَ: هو حصول الخشوع في الصلاة؛ فإنَّ الصلاة في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وكصلاة من يدافع الأخبثين، فإنَّ النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة.
ومنهم من قَالَ: هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة.
ومنهم من قَالَ: هو وقت تنفس جهنم.
وقد ثبت في "صحيح مُسْلِم" مِنْ حَدِيْثِ عمرو بن عبسة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ".
وفي "صحيحي" ابن خزيمة وابن حبان مِنْ حَدِيْثِ أبي هريرة - مرفوعًا، قَالَ:
"فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس؛ فإن حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر".
[ ٤ / ٥٥ ]
وخرجه ابن ماجه، ولفظه: "فإذا كانت - يعني: الشمس - على رأسك كالرمح فدع الصلاة؛ فإنَّ تلك الساعة تسعر فيها جهنم، وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة".
وهذا يدل على أنَّ شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال، فإنَّه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها؛ فإنَّه إثر وقت غضب، والمصلي يناجي ربه، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة، ويجتنب أوقات السخط والعذاب، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة - أيضًا» اهـ.
٣ - وظاهر قوله: «فَأَبْرِدُوا». أنَّه يشمل التأخير إلى أن يحصل الإبراد حتى لو زاد عن نصف الوقت.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٨ - ٦٩): «وأمَّا حد الإبراد، فقَالَ القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل.
وقَالَ الشافعية: حقيقة الإبراد: أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت.
وحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه عن بعض العلماء، أنَّه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط.
[ ٤ / ٥٦ ]
ولعله يريد: أنَّه يكره ذلك، لا أنَّه يحرم.
وأمَّا صلاة الظهر في غير شدة الحر، فجمهور العلماء على أنَّ الأفضل تعجيلها، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو جواز الإبراد إلى أن يبرد الجو ولو كان بعد نصف الوقت لما رواه الْبُخَارِيّ (٦٢٩) عن أبي ذر قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ". ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ" ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ" حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم"».
ورواه مُسْلِم (٦١٦) عن أبي ذر قَالَ: «أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَبْرِدْ أَبْرِدْ". أَوْ قَالَ: انْتَظِرْ انْتَظِرْ. وَقَالَ: "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ".
قَالَ أَبُو ذَرٍّ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١):
«وَقَوْلُهُ في هذه الرواية: "حتى ساوى الظل التلول" ظاهره أنَّه أخر صلاة الظهر يومئذ إلى أن صار ظل كل شيء مثله، وهو آخر وقتها.
وهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أنَّه صلاها في آخر وقتها قبل دخول وقت العصر.
[ ٤ / ٥٧ ]
والثاني: أنَّه أخرها إلى دخول وقت العصر وجمع بينهما في وقت العصر.
فإن كان قد أخرها إلى وقت العصر استدل بالحديث حينئذ على أن تأخير الصلاة الأولى من الْمَجْمُوعَتين إلى وقت الثانية للجمع في السفر لا يحتاج إلى نية الجمع؛ لأنهم كانوا يؤذنونه بالصلاة في وقتها، وهو يأمر بالتأخير، وهم لا يعلمون أنَّه يريد جمعها مع الثانية في وقتها، ولا أعلمهم بذلك.
ولكن الأظهر هو الأول، ولا يلزم من مصير ظل التلول مثلها أن يكون قد خرج وقت الظهر؛ فإن وقت الظهر إنَّما يخرج إذا صار ظل الشيء مثله بعد الزوال.
وقد خرجه الْبُخَارِيّ فيما تقدم من وجهين عن شعبة، وفيهما: "حتى رأينا فيء التلول".
ويدل على هذا: أنَّه إنَّما أمره بالإبراد، لا بالجمع» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٠١):
«وينبغي أن يقصد في الإبراد بحيث يكون بين الفراغ منها وبين آخر الوقت فصل لأنَّ المقصود من الإبراد يحصل بذلك ولهذا فإنَّ في حديث أبي ذر: حتى رأينا فيء التلول. وقَالَ عبد الله بن مسعود: كانت صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام. رواه أبو داود.
ولأنَّ الإبراد الشديد يخاف معه إن يفعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت» اهـ.
قُلْتُ: وفي حديث أبي ذر تأخير الأذان أيضًا عند شدة الحر.
[ ٤ / ٥٨ ]
وفي رواية أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (١٠١٧) بَإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ».
قَالَ فِي [طَرْحِ التَّثْرِيْبِ] (٢/ ١٥٩):
«وَكَذَا حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ تَأْخِيرَ الْأَذَانِ هُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَذَّنَ أَوَّلًا أَوْ لَمْ يُعْتَدَّ بِأَذَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ البَّارِيِّ] (٢/ ٢٠):
«فَإِنْ قِيلَ الْإِبْرَادُ لِلصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِهِ لِلْأَذَانِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ هَلْ هُوَ لِلْوَقْتِ أَوْ لِلصَّلَاةِ وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الْجَمَاعَةِ فَالْإِبْرَادُ بِالْأَذَانِ لِغَرَضِ الْإِبْرَادِ بِالْعِبَادَةِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْذِينِ هُنَا الْإِقَامَةُ قُلْتُ وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ
[ ٤ / ٥٩ ]
حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ وَفِيهِ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِقَامَتَهُ كَانَتْ لَا تَتَخَلَّفُ عَنِ الْأَذَانِ لِمُحَافَظَتِهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَرِوَايَةُ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ أَيْ أَنْ يُؤَذِّنَ ثُمَّ يُقِيمَ وَرِوَايَةُ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ أَيْ ثُمَّ يُقِيمَ» اهـ.
٤ - وَقَوْلُهُ: «فَأَبْرِدُوا» يشمل البلاد التي لها حر دون البلاد الباردة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٠٠ - ٢٠١):
«وإنَّما يستحب الإبراد في البلاد التي لها حر في الجملة سواء كان شديدًا أو قليلًا كبلاد الحجاز والعراق والشام واليمن ومصر.
فأمَّا البلاد الباردة التي لا حر فيها وإنَّما حرها في منزلة الربيع في غيرها مثل البلاد الشمالية وبلاد خراسان فإنَّه لا يستحب الإبراد فيها هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" وقَالَ: "فإنَّ شدة الحر من فيح جهنم"
وهناك لا يشتد الحر ولا يتنفس بالبرد فيظهر هناك زمهريرها كما قَالَ النبي ﷺ:
"إنَّ النار اشتكت إلى ربها وقَالَت أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم" متفق عليه.
[ ٤ / ٦٠ ]
وقد حكا بعض أصحابنا وجها أنَّه لا فرق بين البلاد الحارة والباردة. ووجهًا بأنَّ ذلك مخصوص بالبلاد التي يشتد فيها الحر والذي قدمناه أصوب فإنَّ الحرَّ والبرد لا بد من وجودهما في جميع الأرض المعمورة ولو لا وجودهما لما عاش الحيوان ولا نبت الشجر. ولا بد أيضًا أن يكون الحر في القيظ أشد منه في فصل الصيف والربيع الذين يسميان الربيع والخريف في كل أرض بحسبها لكن إذا كان في شدة الحر في بعض البلاد بحيث لا تكره الشمس ولا يؤذى الجالس في الصبح فليس هذا بحر شديد فلا يستحب الإبراد في مثل هذه البلاد ألبتة وإذا كان الحر يؤذي فيها فقد اشتد الحر وإن لم يكن في أرض الحجاز» اهـ.
٥ - لا تعارض بين حديث الأمر بالإبراد وبين ما رواه مُسْلِم (٦١٩) عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا».
وفي لفظ له: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٦٩ - ٧٠): «واستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، فلم يشكنا، وقد ذكرناه في "باب: السجود على الثوب"،
[ ٤ / ٦١ ]
وذكرنا أنَّ الصحيح في تفسيره: أنَّهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة، فلم يجبهم إلى ذلك، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس.
وقد أجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أنَّهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت، فلم يجبهم إليه.
والثاني: أنَّه منسوخ بالأمر بالإبراد، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم.
واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة، قَالَ: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الظهر بالهاجرة، فقَالَ لنا: "أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم".
وأمَّا حد الإبراد، فقَالَ القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل.
خرجه الإمام أحمد وابن حبان في "صَحِيْحِهِ" وابن ماجه.
وزعمت طائفة أنَّ معنى حديث خباب: أنهم شكوا إلى النبي ﷺ أنَّهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر، وسألوه أن يدعو لهم، فلم يجبهم.
وهذا بعيد، وألفاظ الحديث ترده، وقد سبق ذكره» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [عدة (^١) الصابرين] ص (٥٥ - ٦٦):
_________________
(١) - قد تكون (عِدَة) بكسر العين وفتح الدال المخففة أي ما وعد الله به الصابرين، وقد تكون (عُدَّة) بضم العين وتشديد الدال وهي ما أُعِدَّ لأمرٍ يحدث أي ما يحتاج إليه الصابرون من العدة.
[ ٤ / ٦٢ ]
«وفي صحيح الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيْثِ خباب بن الأرت قَالَ: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقَالَ: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاَّ الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون".
وفي لفظ للبخاري: أتيت رسول الله وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه فقَالَ: "لقد كان الرجل ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه"
وقد حمل أهل العلم قول خباب "شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا" على هذا المحمل وقَالَ شكوا إليه حر الرمضاء الذي كان يصيب جباههم وأكفهم من تعذيب الكفار فلم يشكهم وإنَّما دلهم على الصبر.
وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسر ذلك بالسجود على الرمضاء واحتج به على وجوب مباشرة المصلى بالجبهة لثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه لا دليل في اللفظ على ذلك.
[ ٤ / ٦٣ ]
الثاني: أنَّهم قد أخبروا أنَّهم كانوا مع النبي فكان أحدهم إذا لم يستطع أن يسجد على الأرض يبسط ثوبه فسجد عليه والظاهر أنَّ هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرهم عليه.
الثالث: أنَّ شدة الحر في الحجاز تمنع من مباشرة الجبهة والكف للأرض بل يكاد يشوي الوجه والكف فلا يتمكن من الطمأنينة في السجود ويذهب خشوع الصلاة ويتضرر البدن ويتعرض للمرض والشريعة لا تأتى بهذا فتأمل رواية خباب لهذا والذي قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين وَاللَّهُ أَعْلَمُ ولا تستوحش من قوله "فلم يشكنا" فإنَّه هو معنى إعراضه عن شكايتهم وإخباره لهم بصبر من قبلهم وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يستقيم هذا التأويل لأنَّه وارد في الصلاة فإنَّ لفظه: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ فِي الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا». وقد سبق الحديث قريبًا.
٦ - قُلْتُ: والمراد بالصلاة صلاة الظهر لما رواه الْبُخَارِيّ (٥٣٨) عن أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
٧ - قُلْتُ: والمراد بالإبراد انكسار حدة الحر لا ذهاب الحر بالكلية، وليس المراد به أيضًا برودة الأرض فإنَّ هذا لا يكون إلَّا بعد خروج الصلاة بالكلية ويدل على
[ ٤ / ٦٤ ]
ذلك ما رواه الْبُخَارِيّ (١٢٠٨)، ومُسْلِم (١٤٠٦) عَنْ أَنَسِ بن مالك ﵁ قَالَ:
«كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ».
٨ - ويدل الحديث على أنَّ شدة الحر من فيح جهنم لا من الشمس ولا يعني هذا نفي كون الشمس سبب من أسباب الحرارة لكن شدة الحر ليس منها وإنَّما من فيح جهنم. والنبي ﷺ لم يخبر بأنَّ الحر من جهنم حتى ننفي كون الشمس لها تأثير في الحر وإنَّما أخبر أنَّ شدته من فيح جهنم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لكن الطبراني في [الْكَبِيْر] (٨٨٩٥) حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، ثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ جَهَنَّمَ فِي قَرْنِ شَيْطَانٍ، وَبَيْنَ قَرْنِ شَيْطَانٍ، فَمَا تَرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ قَضْمَةً إِلَّا فُتِحَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا كُلُّهَا».
قُلْتُ: هذا أثر حسن وله حكم الرفع. وابن مسعود لا يعرف عنه الأخذ عن أهل الكتاب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وفي الحديث أمران غريبان وهما: أنَّ جميع الحر من نار جهنم، وأنَّ الشمس تخرج عند طلوعها من نار جهنم.
٩ - ويفهم من الحديث أنَّ الحر إذا لم يشتد فإنَّ صلاة الظهر تصلى في أول وقتها.
[ ٤ / ٦٥ ]
وقد روى الْبُخَارِيّ (٩٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ».
١٠ - وهل مثل الظهر في الإبراد الجمعة في ذلك نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ١٧٩):
«فأمَّا الجمعة فيسن تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد؛ لأنَّ سلمة بن الأكوع، قَالَ:
"كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس". متفق عليه، ولم يبلغنا أنَّه أخرها، بل كان يعجلها، حتى قَالَ سهل بن سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلَّا بعد الجمعة. أخرجه الْبُخَارِيّ؛ ولأنَّ السنة التبكير بالسعي إليها، ويجتمع الناس لها، فلو أخرها لتأذى الناس بتأخير الجمعة» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ فِي [إحكام الأحكام] ص (١٩٤):
«الثالث: اختلف أصحاب الشافعي في الإبراد بالجمعة على وجهين وقد يؤخذ من الحديث الإبراد بها من وجهين:
أحدهما: لفظة الصلاة فإنَّها تطلق على الظهر والجمعة.
والثاني: التعليل فإنَّه مستمر فيها وقد وجه القول بأنَّه لا يبرد بها لأنَّ التبكير سنة فيها وجواب هذا ما تقدم وبأنَّه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٠١):
[ ٤ / ٦٦ ]
«وأمَّا الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصليها في أول الوقت شتاء وصيفًا ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال وذاك لأنَّ الناس يجتمعون لها إذ السنة التبكير إليها ففي تأخيرها إضرار بهم» اهـ.
قُلْتُ: ومن ذهب إلى الإبراد بالجمعة احتج بما رواه الْبُخَارِيّ (٩٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ».
لكن قال الإمام الْبُخَارِيّ ﵀ بعده: قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ، ﵁، كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ اهـ.
قُلْتُ: وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٨٤٢) نا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَنَادَاهُ يَزِيدُ الضَّبِّيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، قَدْ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا، فَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي؟ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ».
[ ٤ / ٦٧ ]
قُلْتُ: إسناده حسن.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٦٧٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، أنبأ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي الْمَنِيعِيُّ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا حِرْمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَنَادَاهُ يَزِيدُ الضَّبِّيُّ يَوْمَ جُمُعَةٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، قَدْ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا، فَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ فَقَالَ: «كَانَ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ».
قُلْتُ: الذي يظهر لي صوابه هو ما قَالَه العلامة ابن قُدَامَةَ ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ١٨٥ - ١٨٩):
«وأكثر العلماء على أنَّ الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال، بل تعجل في أول الوقت، وللشافعية في ذلك وجهان.
وقد كان الصحابة والتابعون مع أولئك الظلمة في جهدٍ جهيدٍ، لا سيما في تأخير الصلاة عن ميقاتها، وكانوا يصلون الجمعة في أخر وقت العصر، فكان أكثر من يجيء إلى الجمعة يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يجيء إلى المسجد تقية لهم، ومنهم من كان إذا ضاق وقت الصلاة وهو في المسجد أومأ بالصلاة خشية القتل.
وكانوا يحلفون من دخل المسجد أنَّه ما صلى في بيته قبل أن يجيء.
[ ٤ / ٦٨ ]
قال إبراهيم بن مهاجرٍ: كنت أنا وسعيد بن جبيرٍ وإبراهيم نصلي الظهر، ثم نجلس فنتحدث والحجاج يخطب يوم الجمعة.
خرّجه أبو نعيمٍ الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة".
وخَّرج -أيضًا - بإسناده، عن أبي بكر بن عتبة، قال صليت إلى جنب أبي جحيفة، فتمسى الحجاج بالصلاة، فقام يصلي الجمعة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أبا بكر، أشهدك أنَّها الجمعة.
وهذا غريبٌ، يدل على أنَّه يصح أن يصلي الرجل الجمعة وحده.
وبإسناده: عن الأعمش، عن إبراهيم وخيثمة، أنَّهما كانا يصليان الظهر والعصر، ثم يأتيان الحجاج يوم الجمعة، فيصليان معه.
وعن أبي وائل، أنَّه كان يأمرهم أن يصلوا في بيوتهم، ثم يأتوا الحجاج فيصلون معه الجمعة.
وعن محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت في مسجد منى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة: قال: فنظرت إلى سعيدٍ بن جبير وعطاء يومئان، وهما قاعدان.
وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري في "كتاب أدب السلطان" بابًا في تأخير الأمراء الصلاة، خَرَّج فيه الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة في ذلك، وقد سبق ذكر بعضها في "أبواب: المواقيت".
[ ٤ / ٦٩ ]
وروى فيه بإسناده: أنَّ أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر، فيجلس فينتظر، فيقول: ماله قاتله الله؟!
يصيح على منبره صياحًا، وقد فاتته العصر، ولم يصل الظهر بعد.
وبإسناده: عن عمرو بن هرم، قال: كان أنس بن مالكٍ يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة.
وبإسناده: عن عبد الله بن أبي زكريا، أنَّه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة، ويعتد بها جمعةً، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعًا إيماءً، ثم صلى الجمعة معه، وجعلها تطوعًا، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها ايماءً.
وبإسناده: عن حصينٍ، قال: كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة، يومئ ايماءً: يتناعس.
وبإسناده: عن جريرٍ، قال: شهدت الجمعة مع ابن هبيرة، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر، فرأيت الناس يخرجون، فرأيت أبا حنيفة خَّرج، فكان شيخ يصيح في المسجد: لو كان الحجاج ما خرجوا، وجعل فضيل بن غزوان ويقول: إنَّهم، إنَّهم.
وبإسناده: عن ابن سيرين، أنَّه حضر الجمعة، فأخر الأمير الصلاة، فأدمى ظفره، ثم قام فخرج، وأخذته السياط حتى خَرج من المسجد. وعن عطاءٍ بن السائب: قال: رأيت سعيدٍ بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة، والحجاج
يخطب، وهم جلوسٌ.
[ ٤ / ٧٠ ]
وعن محمد بن إسماعيل، قال: رأيت سعيد بن جبير وعطاء، وأخر الوليد الجمعة والعصر، فصلاهما جميعًا، قال: فأومئا إيماءً، ثم صليا معه بمنىً.
وبإسناده: عن حميدٍ، أن الوليد بن عبد الملك خَّرج بمنىً بعد العصر، فخطب حتى صارت الشمس على رؤس الجبال، فنزل فصلى الظهر، ثم صلى العصر، ثم صلى المغرب.
وروى بإسنادٍ له: عن سالم، أنَّه ذكر أنَّ الوليد قدم عليهم المدينة، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة، ثم مضى وقت العصر، فقال القاسم بن محمد لسالم: أما قمت فصليت؟ قال: لا. قال: أفما أومأت؟ قال: لا. وقال: خشيت أن يقال: رجل من آل عمر.
وروى بإسناده: عن عمارة بن زاذان: حدثني مكحولٌ، قال: خطب الحجاج بمكة، وأنا إلى جنب ابن عمر، يحبس الناس بالصلاة، فرفع ابن عمر رأسه، ونهض، وقال: يا معشر المُسْلِمين، انهضوا إلى صلاتكم، ونهض الناس، ونزل الحجاج، فلما صلى قال: ويحكم، من هذا؟ قالوا: ابن عمر.
قال: أما والله لولا أن به لممًا لعاقبته.
وروى أبو نعيم في "كتاب الصلاة": ثنا زهير، عن جابر -وهو: الجعفي -، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، فلما أخرها ترك الصلاة معه.
[ ٤ / ٧١ ]
وكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج، والحسن متوار عنه بالبصرة.
وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب "مناقب الحسن" بإسناد له، أنَّ الحسن شهد الجمعة مع الحجاج، فرقى الحجاج المنبر، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر، فقال الحسن: أما من رجل يقول: الصلاة جامعةٌ؟ فقالَ رجل: يا أبا سعيدٍ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب؟ فقال: إنَّما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر ديننا، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا، قوموا، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن، فقطع الحجاج خطبته، ونزل فصلى بهم، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه.
وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أنَّ تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة.
فروى إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجرٍ، أنَّ عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعًا ونحوه، وذلك في الساعة السابعة.
وقال ابن عونٍ: كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية» اهـ.
[ ٤ / ٧٢ ]
١١ - وفي الحديث حرص الشرع على الخشوع في الصلاة فإنَّ شدة الحر تمنع من ذلك.
[ ٤ / ٧٣ ]
* * *
١١٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، وَلا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾».
وَلِمُسْلِم: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا. فَكَفَّارَتُهَا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الأمر بقضاء الصلاة المنسية عند ذكرها.
٢ - الأمر بالقضاء يشمل الفريضة والسنة الراتبة.
٣ - واحتج به من قَالَ بقضاء المتروكة عمدًا باعتبار أنَّ النسيان يطلق على الترك العمد كقول الله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام/ ٤٤].
وقَالَ الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف/ ٥١].
وقَالَ الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ [الأعراف/ ١٦٥].
[ ٤ / ٧٤ ]
وقَالَ الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة/ ٦٧].
وقَالَ الله تعالى: ﴿قَالَوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ [الفرقان/ ١٨، ١٩].
وقَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١٩) [الحشر/ ١٩، ٢٠].
وقَالَ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه/ ١١٥].
وقَالَ الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه/ ١٢٦].
قُلْتُ: والنسيان في هذه الآيات وارد في الترك العمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١١٣):
«وأمَّا قولكم: إنَّ النسيان في لغة العرب هو الترك كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخ فنعم لعمر الله إنَّ النسيان في القرآن على وجهين:
[ ٤ / ٧٥ ]
نسيان ترك ونسيان سهو، ولكن حمل الحديث على نسيان الترك عمدًا باطل لأربعة أوجه:
أحدها: أنَّه قَالَ: "فليصلها إذا ذكرها" وهذا صريح في أنَّ النسيان في الحديث نسيان سهو لا نسيان عمد وإلَّا كان قوله: "إذا ذكرها" كلامًا لا فائدة فيه فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلَّا نسيان سهو كقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وَقَوْلُهُ: "إذا نسيت فذكروني".
الثاني: أنَّه قَالَ: "فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" ومعلوم أنَّ من تركها عمدًا لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت هذا مما لا خلاف فيه بين الأمة ولا يجوز نسبته إلى رسول الله إذ يبقى معنى الحديث من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها فكفارة إثمه صلاتها بعد الوقت وشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول بأنَّها لا تنفعه ولا تقبل منه فأين هذا من قولكم.
الثالث: أنَّه قابل الناسي في الحديث بالنائم وهذه المقابلة تقتضي أنَّه الساهي كما يقول جملة أهل الشرع النائم والناسي غير مؤاخذين.
الرابع: أنَّ الناسي في كلام الشارع إذا علق به الأحكام لم يكن مراده إلَّا الساهي وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله: "من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله"» اهـ.
[ ٤ / ٧٦ ]
٤ - وفي الحديث بيان مبدأ القضاء وهو عند الذكر، ولم يحد النبي ﷺ لمنتهاه حد.
قُلْتُ: وليس لذلك حد إلَّا زوال التكليف.
٥ - ليس في الحديث تكرار الصلاة المقضية ولا فعلها في وقتها من الغد وقد جاء ما قد يفهم منه خلاف هذا فروى مُسْلِم (٦٨١) مِنْ حَدِيْثِ أبي قتادة الطويل في نوم النبي ﷺ ومن معه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وفيه: ثم قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا».
لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٢/ ٤٨٩):
«وَقَوْلُهُ ﷺ: "فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها"، فمعناه: أنَّه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها، ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان. فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ويتحول، وليس معناه أنَّه يقضي الفائتة مرتين مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنَّما معناه ما قدمناه، فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث، وقد اضطربت أقوال العلماء فيه، واختار المحققون ما ذكرته. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٧١):
[ ٤ / ٧٧ ]
«فإنَّ بعضهم زعم أنَّ ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي ولكن اللفظ المذكور ليس نصًا في ذلك لأنَّه يحتمل أن يريد بقوله: "فليصلها عند وقتها". أي الصلاة التي تحضر لا أنَّه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها» اهـ.
قُلْتُ: وروى أبو داود (٤٣٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ، مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ - بِهَذِهِ الْقِصَّةِ - قَالَ: فَلَمْ تُوقِظْنَا إِلَّا الشَّمْسُ طَالِعَةً فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رُوَيْدًا رُوَيْدًا»، حَتَّى إِذَا تَعَالَتِ الشَّمْسُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا»، فَقَامَ مَنْ كَانَ يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا فَرَكَعَهُمَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَنُودِيَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «أَلَا إِنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ أَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا عَنْ صَلَاتِنَا وَلَكِنَّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ اللَّهِ ﷿ فَأَرْسَلَهَا أَنَّى شَاءَ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مِنْ غَدٍ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا».
قُلْتُ: هذا إسناد ظاهره الصحة.
[ ٤ / ٧٨ ]
لكن قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٣٨):
«وقد ذهب إلى هذا سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب، وأنَّ من نام عن صلاة صلاها إذا ذكرها، وصلاها لمثلها من الغد.
وأنكر ذلك عمران بن حصين، وأخذ بقوله جمهور العلماء.
وقد قيل: إنَّ هذه اللفظة في هذا الحديث وهم -: قَالَه الْبُخَارِيّ والبيهقي وغيرهما» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٢٣٥):
«وهذا والله أعلم توهم من بعض الرواة بما فهم من المعنى وقد علل الْبُخَارِيّ هذه الرواية» اهـ.
وروى أحمد (١٩٩٧٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، وَرَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسْنَا فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَقُومُ دَهِشًا إِلَى طَهُورِهِ قَالَ: فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْكُنُوا، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّيْنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُعِيدُهَا فِي وَقْتِهَا مِنَ الْغَدِ؟ قَالَ: «أَيَنْهَاكُمْ رَبُّكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ؟».
قُلْتُ: نفى سماع الحسن من عمران علي بن المديني وغيره.
[ ٤ / ٧٩ ]
وقَالَ الْحَافِظُ الْعَلَّائِي ﵀ فِي [جَامِعِ الْتَحْصِيْلِ] ص (١٦٤):
«وقَالَ علي بن المديني سمعت يحيى يعني القطان وقيل له كان الحسن يقول: سمعت عمران بن حصين فقَالَ أمَّا عن ثقة فلا. وذكر صالح بن أحمد أنَّه أنكر على من يقول عن الحسن حدثني عمران بن حصين أي أنَّه لم يسمع عنه. وقَالَ عباد بن سعد قُلْتُ ليحيى بن معين الحسن لقي عمران بن حصين قَالَ أمَّا في حديث البصريين فلا وأمَّا في حديث الكوفيين فنعم» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الإمام أحمد بعد ذلك ما يدل على سماع الحسن من عمران لهذا الحديث فقَالَ ﵀:
(١٩٩٧٩) حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: زَعَمَ الْحَسَنُ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ حَدَّثَهُ قَالَ: «أَسْرَيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قُلْتُ: هشام بن حسان البصري. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "التهذيب":
«قَالَ أبو داود: إنَّما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لأنَّه كان يرسل، وكانوا يرون أنَّه أخذ كتب حوشب» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم صحة تصريح الحسن بالسماع من عمران وأنَّ القول ما قَالَه الحفاظ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦ - وَقَوْلُهُ: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». يشمل فعلها في أوقات الكراهة.
[ ٤ / ٨٠ ]
٧ - واحتج بقوله: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». أنَّ من نسي صلاة في الحضر وذكرها وهو في السفر أنَّه يصليها كما نسيها صلاة حضر. ومن نسي صلاة سفر وذكرها في الحضر أنَّه يصليها كما نسيها صلاة سفر.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩):
«أجمع أهل العلم لا أعلم بينهم فيه اختلافًا على أنَّ من نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر أنَّ عليه صلاة الحضر لا يجزيه غير ذلك، إلَّا شيء اختلف فيه عن الحسن.
واختلفوا فيمن نسي صلاة في سفر فذكرها بعد قدومه في الحضر، فقَالَت طائفة: يصلي صلاة سفر كما كانت فرضت عليه، هذا قول الحسن البصري، ومالك بن أنس، وحماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وكذلك قَالَ الشافعي إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه لما صار بمصر. وقَالَت طائفة: يصليها أربعًا، هكذا قَالَ الأوزاعي، وبه قَالَ الشافعي آخر قوليه، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق، وبه قَالَ أبو ثور.
وقد روينا عن الحسن في هذا الباب قولًا ثالثًا: وهي خلاف رواية يونس عنه، فيمن نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر، وَقَوْلُهُ فيمن نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر قول شاذ لا نعلم أحدًا قَالَ به، ذكر خالد بن الحارث، عن الأشعث أنَّ الحسن قَالَ في رجل نسي صلاة الحضر حتى ذكرها في السفر، قَالَ:
[ ٤ / ٨١ ]
يصليها صلاة السفر، وإذا نسي صلاة في سفر ثم ذكرها في الحضر صلى صلاة الحضر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ [الْمُغْنِي] (٢/ ٢٠٨):
«وَأَمَّا إنْ نَسِيَ صَلَاةَ السَّفَرِ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُصَلِّيهَا صَلَاةَ سَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يَفُتْهُ إلَّا رَكْعَتَانِ. وَلَنَا، أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَيَبْطُلُ بِزَوَالِهِ، كَالْمَسْحِ ثَلَاثًا.
وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: "فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا". وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ، غَلَبَ فِيهَا حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ الْبَلَدَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَكَالْمَسْحِ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ، وَبِالْمُتَيَمِّمِ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، فَقَضَاهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ» اهـ.
قُلْتُ: هذا الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ القصر رخصه والأصل الإتمام، وشبيه بذلك من كان يصلي جالسًا لعذر ثم فاتته صلاة وتذكرها حين تمكن من القيام فيلزمه القيام لزوال العذر.
٨ - واحتج به من قَالَ بتقديم الفائتة عند ذكرها على الصلاة الحاضرة.
وهذا عند اتساع الوقت، وأمَّا إذا ضاق الوقت فالصحيح البداءة بالحاضرة حتى لا تكثر عليه الفوائت، ويسقط الترتيب حينئذ، وهذا مذهب الجمهور.
[ ٤ / ٨٢ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٢٤ - ١٢٥):
«من كان عليه صلاة فائتة، وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة عن فعل الصلاتين، فأكثر العلماء على أنَّه يبدأ بالحاضرة فيما بقي من وقتها، ثم يقضي الفائتة بعدها؛ لئلا تصير الصلاتان فائتتين، وهو قول الحسن وابن المسيب وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق وطائفة من أصحاب مالك.
وهؤلاء أوجبوا الترتيب، ثم أسقطوه بخشية فوات الحاضرة.
وكذلك قال الشافعي، فإنَّه لا يوجب الترتيب، إنَّما يستحبه، فأسقط هاهنا استحبابه وجوازه، وقال: يلزمه أن يبدأ بالحاضرة، ويأثم بتركه.
وقالت طائفة: بل يبدأ بالفائتة، ولا يسقط الترتيب بذلك، وهو قول عطاء والنخعي والزهري ومالك والليث والحسن بن حي.
وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال وصاحبه أبو بكر.
وأنكر ثبوتها القاضي أبو يعلى، وذكر أنَّ أحمد رجع عنها» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا إذا أقيمت الحاضرة فتقدم على الفائتة.
وقد جاء في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٠٦) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
«وَسُئِلَ ﵀:
[ ٤ / ٨٣ ]
عَنْ رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ: فَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْمَغْرِبَ قَدْ أُقِيمَتْ فَهَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، بَلْ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ هَلْ يُعِيدُ الْمَغْرِبَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي أَصَحُّ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ إذَا اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا يستثنى من ذلك من تذكر الفائتة وهو في أثناء الصلاة فإنَّه يتم الحاضرة ثم يصلي الفائتة.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٠٥):
«عَنْ رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ فَرْضِ الظُّهْرِ فَسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ فِي فَرْضِ الْعَصْرِ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا فِي التَّحِيَّاتِ. فَمَاذَا يَصْنَعُ؟.
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ مَأْمُومًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْعَصْرَ ثُمَّ يَقْضِي الظُّهْرَ وَفِي إعَادَةِ الْعَصْرِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ بَطَلَتْ بِطُولِ الْفَصْلِ وَالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهَا فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَتْهُ الظُّهْرُ وَمَنْ فَاتَتْهُ الظُّهْرُ وَحَضَرَتْ جَمَاعَةُ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ هَلْ يُعِيدُ الْعَصْرَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ.
[ ٤ / ٨٤ ]
أَحَدُهُمَا: يُعِيدُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتِيَارُ جَدِّي. وَمَتَى ذَكَرَ الْفَائِتَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَانَ كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْفَائِتَةَ حَتَّى فَرَغَتْ الْحَاضِرَةُ فَإِنَّ الْحَاضِرَةَ تُجْزِئُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَأَمَّا مَالِكٌ فَغَالِبُ ظَنِّي أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
فائدة: وفي صحة صلاة المأموم إذا كانت أقل من صلاة الإمام نزاع بين العلماء.
قال العلامة عبد الملك الجويني الشافعي ﵀ فِي [نهاية المطلب في دراية المذهب] (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦):
«فأمَّا إذا كان عدد ركعات صلاة المأموم أقل، ففي صحة القدوة على ظاهر المذهب قولان في هذه الصورة: أحدهما - الصحة، وهو الظاهر الذي قطع به الصيدلاني، ووجهُه اعتبارُه بالصورة قبيل هذه.
فإذا توافقت الصلاتان في النظم، فينبغي ألا يؤثر تفاوت عدد الركعات، كما لو كان عدد ركعات صلاة المأموم أكثر.
والقول الثاني - أنَّه لا تصح القدوة بخلاف الصورة الأولى؛ فإنَّ في الصورة الأولى لا يفارق إمامه، والإمام متمادٍ في صلاته، بل الإمام يفارقه، وهو يقوم إلى بقية صلاته، كفعل المسبوق. بخلاف صورة القولين على ما سنبين في التفريع.
[ ٤ / ٨٥ ]
فإن صححنا القدوة -على الأصح- فنفرع صورًا، فنقول: إن كان المقتدي في الصبح قضاء أم أداء، والإمام في صلاة رباعية، فيصلي ركعتين مع الإمام، ويجلس معه للتشهد، ثم الإمام يقوم إلى الثالثة، والمقتدي لا يقوم معه أصلًا، وهو بالخيار: إن شاء تحلل عن صلاته، وفارق إمامه، ولا يضره ذلك؛ لأنَّه معذور بمفارقته، وإن شاء بقي جالسًا، وانتظر الإمام، حتى يصلي ركعتين، ويجلس، ويسلم، فيسلم معه. وفي هذا الانتظار، وفي بقاء المقتدي على حكم القدوة في سهو يقع، كلامٌ مُفصّل يأتي في صلاة الخَوْف إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: هلاّ تابع الإمامَ في ركعتيه الباقيتين، ثم لا تحسبان له كالمسبوق يدرك الإمام رافعًا رأسه عن الركوع، فإنَّه يتابعه في بقية الركعة، ثم لا تحسب له؟ قلنا: هذا محال؛ فإنَّ المتابعة في ركعة تامة، غير محسوبة، محال، فأمَّا بعض الركعة، فقد لا يحتسب.
ثم ذلك في حق المسبوق يقع في صدر الصلاة، فلا وجه إذًا لما قاله السائل.
فلو اقتدى في صلاة المغرب بمن يصلي أربع ركعات، فإذا رفع الإمام رأسه من سجود الركعة الثالثة، وقام إلى الرابعة، جلس المقتدي للتشهد، ولم يتابع إمامه أصلًا، ويسلم. ولو أراد أن ينتظر إمامَه في هذه الجلسة حتى يعود إليه ويسلم معه، لم يكن له ذلك على ظاهر المذهب، فإنَّه فارقه لمّا جلس للتشهد، فلا ينتظره بعدما فارقه.
[ ٤ / ٨٦ ]
وليس كما لو كان المقتدي في صلاة الصبح والإمام في الظهر، فإنَّه يجلس مع إمامه، ثم يقوم الإمام إلى الثالثة، وله أن ينتظره؛ لأنَّه ما أحدث تشهدًا، بل وافق إمامه فيه، فإذا انتظره، كان في حكم المطوِّل المستديم لتشهده، وفي صلاة المغرب تشهد، حيث لم يتشهد إمامه أصلًا، فكل ذلك مفارقة للإمام» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٤/ ٢٧٠):
«وَإِنْ كَانَ عَدَدُ رَكَعَاتِ الْمَأْمُومِ أَقَلَّ كَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ خَلْفَ الْمَغْرِبِ أَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ رُبَاعِيَّةٍ فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ. أَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ جَوَازَهُ كَعَكْسِهِ
وَالثَّانِي: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا هَذَا.
وَالثَّانِي: بُطْلَانُهُ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ فَفَرَغَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَالْمَأْمُومُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ وَالْأَفْضَلُ انْتِظَارُهُ».
إلى أن قال: «وَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ الظُّهْرِ وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى الرَّابِعَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ بَلْ يُفَارِقُهُ وَيَتَشَهَّدُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ التَّشَهُّدَ وَيَنْتَظِرَهُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ الظُّهْرِ وَالثَّانِي: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا وَجُلُوسًا لَمْ يَفْعَلْهُ الْإِمَامُ» اهـ.
وقال ﵀ فِي [روضة الطالبين] (١/ ٣٦٨):
«وَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ الظُّهْرِ، فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ إِلَى الرَّابِعَةِ، لَمْ يُتَابِعْهُ بَلْ يُفَارِقُهُ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ التَّشَهُّدَ وَيَنْتَظِرَهُ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُقْتَدِي بِالصُّبْحِ خَلْفَ الظُّهْرِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا لَمْ يَفْعَلْهُ الْإِمَامُ» اهـ.
[ ٤ / ٨٧ ]
وقال العلامة محمد بن مفلح ﵀ فِي [الفروع] (٢/ ٤٤٣)
«وَقِيلَ: أَوْ كَانَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَقَلَّ، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ: عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ "وش" وَقِيلَ إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ، وَيُتِمُّ، وَيُسَلِّمُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. وَفِي التَّرْغِيبِ يُتِمُّ، وَقِيلَ أَوْ يَنْتَظِرَهُ» اهـ.
وقال العلامة إبراهيم بن مفلح الحنبلي ﵀ فِي [النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر] (١/ ١٠١ - ١٠٢):
«فَمَتَى اخْتلف عدد رَكْعَات الصَّلَاتَيْنِ وَصَلَاة الْمَأْمُوم أكثرهما كالظهر وَالْمغْرب خلف مصلي الْفجْر وكالعشاء خلف مصلي التَّرَاوِيح فَإِنَّهُ يَصح نَص عَلَيْهِ وَيتم إِذا سلم إِمَامه كالمسبوق وكالمقيم خلف الْقَاصِر، وَإِنْ كَانَتْ صَلَاة الْمَأْمُوم أقلهما كالفجر خلف مصلي الظُّهْر أَوْ الْمغرب صَحَّ أَيْضًا على مَنْصُوص أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمن أصحابهما من منع الصِّحَّة هُنَا بِخِلَاف عَكسه لتعذر دوَام الْمُتَابَعَة كَمَا منعنَا من الِاقْتِدَاء بِمن يُصَلِّي الْكُسُوف، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بشئ لأننا قد التزمنا مثله فِي اسْتِخْلَاف الْمَسْبُوق وفيمن صلى رَكْعَة مُنْفَردًا ثمَّ صَار مَأْمُومًا فعلى هَذَا يُفَارق
[ ٤ / ٨٨ ]
إِمَامه فِي الْفجْر إِذا نَهَضَ الإِمَام إِلَى الثَّالِثَة وَفِي الْمغرب إِذا نَهَضَ إِلَى الرَّابِعَة ثمَّ يتم وَيسلم لِأَنَّهَا مُفَارقَة لعذر وَإِنْ شَاءَ انتظره حَتَّى يسلم مَعَه كاستخلاف الْمَسْبُوق وَحل كَلَام الرجل بعضه بِبَعْض أولى.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة ثمَّ إِذا تمّ فَرْضه قبل فرَاغ إِمَامه هَلْ ينتظره أَوْ يسلم قبله أَوْ يُخَيّر فِيهِ أوجه لَكِن يَنْبَغِي أَنْ يعرف أَنْ جمَاعَة من الْأَصْحَاب مُقْتَضى كَلَامهم أَنْ الْخلاف إِنَّمَا هُوَ عِنْدهم فِيمَا إِذا اتّفقت الْأَفْعَال خَاصَّة وَأَنْ الأئتمام مَعَ اخْتِلَاف الْأَفْعَال مَانع من الصِّحَّة قولًا وَاحِدًا بل صَرِيح كَلَامهم وَالشَّيْخ موفق الدّين يخْتَار أَيْضًا أَنَّ الْخلاف فِيمَا إِذا اخْتلفت وَكَانَت صَلَاة الْمَأْمُوم أَكْثَرهَا عددًا كالعشاء خلف التَّرَاوِيح، وَصَاحب الْمُحَرر عِنْده الْخلاف فِي ذَلِك وَفِيمَا إِذا كَانَتْ صَلَاة الْمَأْمُوم أقلهما عددًا، وَمن أَصْحَابنَا من منع الْمغرب خلف الْعشَاء لإفضائه إِلَى جُلُوس فِي غير مَحَله وَإِنْ أجَاز الْفجْر خلفهَا» اهـ.
وَقَاَل الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٢٧٨):
«تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي رُبَاعِيَّةً تَامَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً، وَعَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَتَيْنِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ أَيْضًا جَارٍ هُنَا كَالْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَ
[ ٤ / ٨٩ ]
الطَّرِيقَتَيْنِ ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصِّحَّةَ هُنَا قَالَ الْمَجْدُ: صَحَّ عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ. وَقِيلَ: تَصِحُّ. إلَّا الْمَغْرِبَ خَلْفَ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: مُفَارَقَةُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْأَخِيرُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَاهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُتِمُّ وَقِيلَ: أَوْ يَنْتَظِرُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ انْتِظَارِ الْإِمَامِ وَالْمُفَارَقَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَلْ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي: إنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ يُتِمُّ هُوَ لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ، أَوْ يَصْبِرُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا احْتِمَالٌ، وَقِيلَ: وَجْهٌ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٢/ ٣١٢ - ٣١٣):
«ومن الأعذار أيضًا: أن تكون صلاة المأموم أقلَّ من صلاة الإمام، مثل: أن يُصلِّي المغرب خلف من يصلِّي العشاء على القول بالجواز؛ فإنَّه في هذه الحال له أن ينفرد ويقرأ التشهد ويُسَلِّمَ وينصرف، أو يدخل مع الإمام إذا كان يريد أن يجمع مع
[ ٤ / ٩٠ ]
الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، ثم يُتمُّ بعد سلامه. وهذا القولُ رواية عن الإمام أحمد ﵀.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحقُّ، ونوعُ العُذر هنا عُذر شرعيّ؛ لأنَّه لو قام مع الإمام في الرَّابعة لبطلت صلاتُه» اهـ.
وقال ﵀ [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٤/ ٢٦٠ - ٢٦٣):
«وإذا صلَّى وراءَ إمامٍ وصلاتُهُ أقلُّ مِنْ صلاةِ الإِمامِ، فهنا قد يحدثُ فيه إشكالٌ؛ لأنَّ المأمومَ هنا إن تابع الإِمامَ زاد في صلاتِهِ؛ وإنْ جَلَسَ خالفَ إمامَه.
مثاله: صَلَّى المغربَ خلف مَنْ يصلِّي العشاءَ، فهنا إذا قامَ الإِمامُ إلى رابعةِ العشاءِ فالمأمومُ بين أمرين:
إما أن ينفردَ عن الإِمامِ، وهذه مفسدةٌ.
وإما أن يتابعَ الإِمامَ وهذه أيضًا مفسدةٌ، لأنَّه إنْ تابعَ الإِمامَ زَادَ ركعةً، وإنْ تخلَّفَ خالفَ الإِمامَ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: "إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليُؤتمَّ به" فهل هذه الصُّورةُ تدخلُ في القولِ الصَّحيحِ الرَّاجحِ أنَّ اختلافَ النِّيةِ بين الصَّلاتين لا يَضرُّ؟
الجواب: نعم، تدخلُ في القولِ الرَّاجحِ، وأنه يجوزُ أن يصلِّيَ المغربَ خلفَ مَنْ يصلِّي العشاءَ، وهذه تقعُ كثيرًا، فإنْ أدركَ الإِمامَ في الثانية فما بعدَها فلا إشكال، لأنه يتابعُ إمامَه ويُسلِّمُ معه، وإنْ دَخَلَ في الثالثةِ أتى بعدَه بركعةٍ، وإن دَخَلَ في
[ ٤ / ٩١ ]
الرابعةِ أتى بركعتين، لكن إنْ دَخَلَ في الأولى فإنَّه يَلزمُه إذا قامَ الإِمامُ إلى الرابعةِ أنْ يجلسَ ولا يقوم.
ولكن إذا جَلَسَ هل ينوي الانفرادَ ويُسلِّمُ، أو ينتظرُ الإِمامَ؟
الجواب: هو مخيّرٌ، لكننا نستحبُّ له أن ينويَ الانفرادَ ويسلِّمُ، إذا كان يمكنه أن يدركَ ما بقيَ مِنْ صلاةِ العشاءِ مع الإِمامِ؛ مِنْ أجلِ أنْ يُدركَ صلاةَ الجماعةِ في العشاءِ.
فإن قال قائلٌ: لماذا تُجيزونَ له الانفرادَ، والإِمامُ يجبُ أن يُؤتَمَّ به؟.
فالجواب: لأجلِ العُذرِ الشَّرعيِّ، والانفرادُ للعُذرِ الشَّرعي أو الحِسِّيِّ جائزٌ.
ودليل الانفراد للعُذرِ الشَّرعيِّ: صلاةُ الخوفِ، فالطَّائفةُ الأُولى تصلِّي مع الإِمامِ ركعةً، فإذا قامَ إلى الثانيةِ نوتِ الانفرادَ، وأتمَّت الركعةَ الثانيةَ، وسلَّمت وانصرفت.
ودليلُ الانفرادِ للعُذرِ الحِسِّيِّ انفرادُ الصَّحَابِي عن معاذ بن جَبَل لتطويله.
ومثاله: أن يصيبَ الإِنسانُ في صلاتِه ما يبيحُ له قطعَها أو تخفيفَها بأن يُصابَ وهو يصلِّي مع الإِمامِ بعُذرٍ يَشقُّ عليه أن يستمرَّ معه مع الإِمامِ، فنقول له: لك أن تنفردَ وتخفِّفَ الصَّلاةَ وتنصرفَ، إلَّا إذا كنت لا تستفيدُ بانفرادِك شيئًا، مثل: أن يكون الإِمامُ يخفِّفُ الصَّلاةَ تخفيفًا بقَدْرِ الواجب، فحينئذٍ لا يستفيدُ مِنْ الانفرادِ، فلا يتفرَّدُ، لكن لو أنَّ الإِمامَ يطبِّقُ السُّنَّةَ بالتأنِّي ويتعبُ المأمومُ لو بقيَ مع الإِمامِ لمدافعته الأخبثين، فنقول له: أنْ ينفردَ ويخفِّفَ الصَّلاةَ ويُسلِّمَ وينصرفَ.
[ ٤ / ٩٢ ]
فإن قال قائلٌ: ما تقولون في رَجُلٍ مسافرٍ صَلَّى خلفَ إمامٍ يصلِّي أربعًا، هل تُبيحونَ له إذا صَلَّى الركعتين أن ينفردَ ويُسلِّمَ؛ لأنَّ المسافرَ يقصر الصَّلاةَ؟
فنقول: لا نُبيحُ لك ذلك.
إذًا؛ ما الفَرْقُ بين هذه المسألةِ، ومسألة مَنْ يصلِّي المغربَ خلفَ مَنْ يصلِّي العشاءَ؟
الجواب: الفَرْقُ بينهما ظاهرٌ، لأن إتمامَ الرُّباعيةِ إتمامَ صِفةٍ مشروعةٍ في الحضر، أمَّا إتمام المغربِ أربعًا فليست صفةً مشروعةً إطلاقًا» اهـ.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ كَمَا فِي [لقاءات الباب المفتوح] (٣/ ٤٢٥):
«تأخر المصلون عن صلاة المغرب، فوجدوا أنَّ الإمام قام إلى صلاة العشاء، فهل يصلون المغرب جماعة أم يدخلون مع الإمام؟ وكيف يكون حالهم في الصلاة؟
فأجاب:
الصحيح أنَّ الإنسان إذا جاء والإمام في صلاة العشاء، سواء كان معه جماعة أم لم يكن، فإنَّه يدخل مع الإمام بنية المغرب، ولا يضر أن تختلف نية الإمام والمأموم لعموم قول النبي ﷺ: "إنَّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". فإن دخلوا معه في الركعة الثانية سلموا معه، لأنَّهم يكونون صلوا ثلاثًا، ولا يضر أن يكون جلسوا في الركعة الأولى، وإن دخلوا معه في أول ركعة، فإذا
[ ٤ / ٩٣ ]
قام إلى الرابعة جلسوا وتشهدوا وسلموا، ثم دخلوا معه فيما بقي من صلاة العشاء.
القول الثاني في المسألة: أن يدخلوا معه بنية العشاء، ويصلوا بعده المغرب ويسقط الترتيب هنا مراعاةً للجماعة.
القول الثالث: أن يصلوا وحدهم صلاة المغرب، ثم يدخلوا معه فيما بقي من صلاة العشاء، والقولان الأخيران فيهما محذور، أمَّا الأول فمحذوره فوات الترتيب حيث قدم صلاة العشاء على صلاة المغرب، وأمَّا الثاني فمحذوره إقامة جماعتين في مسجد واحد وفي آن واحد، وهذا تفريق للأمة.
أمَّا القول الأول الذي ذكرنا أنَّه الصحيح، فربما قال قائل إنَّ فيه محذورًا وهو تسليم هؤلاء قبل أن يسلم إمامهم، وهذا في الحقيقة ليس فيه محذور، فقد ورد انفراد المأموم عن الإمام في مواضع من السُّنَّة، منها: صلاة الخوف، فإن الإمام يصلي بهم ركعة ثم يتمون لأنفسهم وينصرفون.
ومنها: قصة الرجل الذي دخل مع معاذ بن جبل ﵁، فلما بدأ بسورة البقرة أو سورة نحوها انفصل عنه ولم يكمل معه.
ومنها: أن العلماء قالوا: لو أن الإنسان أثناء الصلاة وهو مأموم ثارت عليه الريح الغازات أو احتاج إلى نقض الوضوء ببول أو غائط، فإنَّه لا بأس أن ينوي الانفراد ويكمل صلاته وينصرف، فهذا يدل على أن الانفراد لحاجة لا يعتبر محذورًا» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحقُّ».
[ ٤ / ٩٤ ]
الذي وقفت عليه من مذهب شيخ الإسلام ما سبق، وهكذا ما جاء في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ٤٣١) قوله:
«وأصح الطريقين لأصحاب أحمد: أنه يصح ائتمام القاضي بالمؤدي وبالعكس لا يخرج عن ذلك ائتمام المفترض بالمنتفل ولو اختلفا أو كانت صلاة المأموم أقل وهو اختيار أبي البركات وغيره وحكى أبو العباس في صلاة الفريضة خلف صلاة الجنازة روايتين واختار الجواز» اهـ.
ولم أقف من كلام شيخ الإسلام ما يدل على التفصيل الذي ذكره العلامة ابن عثيمين ﵀.
وما ذكره العلامة ابن عثيمين قد قاله بعض العلماء كما سبق وهو أصح الأقوال في هذه المسألة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
واختار العلامة ابن باز ﵀ أن ينتظر المؤتم حتى يسلم مع إمامه.
قال العلامة ابن باز ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٢/ ١٨٧):
«وهكذا من صلى المغرب خلف من يصلي العشاء ودخل معه من أولها فإنه يجلس بعد انتهاء الركعة الثالثة، ولا يتابع الإمام في الرابعة، والأفضل له أن ينتظر الإمام حتى يسلم فإذا سلم الإمام سلم بعده» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَائِمَةِ - ٢] (٦/ ٢٤٤):
[ ٤ / ٩٥ ]
«واجب على من يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء إذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة في صلاة العشاء أن ينتظر بعد الركعة الثالثة حتى يسلم الإمام فيسلم معه، أو ينوي الانفصال ويجلس بعد الثالثة للتشهد ثم يسلم» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على ما سبق ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٦٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: «أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ انْتَهَى إِلَى أَهْلِ حِمْصٍ، وَهُمْ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا الْمَغْرِبُ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى، فَاعْتَدَّ بثَلَاثِ الْمَغْرِبِ وَجَعَلَ الرَّكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ». قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «يُعِيدُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ».
قُلْتُ: ولا يثبت هذا لانقطاعه، فلا يثبت فأنس لا يصح له رواية عن أحد من الصحابة غير أنس كما ذكر ذلك الإمام أحمد، وعطاء لا تصح له رواية عن الصحابة.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٤٧٦٩) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، قَالَ: «انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَلَمْ أُصَلِّ الْمَغْرِبَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُمْ وَأَنَا أَرَى أَنَّهَا الْمَغْرِبُ فَإِذَا هِيَ الْعِشَاءُ فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ ثُمَّ صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ ثُمَّ سَأَلْتُ فَأَمَرُونِي بِالَّذِي صَنَعْتُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وكثير تابعي.
٩ - واحتج به من قَالَ أنَّ قضاء الفوائت على الفور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (٩٠ - ٩٣):
[ ٤ / ٩٦ ]
«وأمَّا المسألة الحكمية فهل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر أم يجوز له التأخير
فيه قولان:
أصحهما وجوبها على الفور وهذا قول جمهور الفقهاء منهم إبراهيم النخعي ومحمد بن شهاب الزهري وربيعة ابن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو حنيفة ومالك والإمام أحمد وأصحابهم وأكثر العلماء وظاهر مذهب الشافعي أنه على التراخي واحتج من نص على هذا القول بأَنَّ النَّبِيَّ لم يصلها في المكان الذي ناموا به بل أمرهم فاقتادوا رواحلهم إلى مكان آخر فصلى فيه وفي حديث أبي قتادة فلما استيقظوا قَالَ اركبوا فركبنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس نزل ثم دعا بميضأة فيها ماء فتوضأ ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ركعتين ثم صلى الغداة.
قَالَوا: ولو وجب القضاة على الفور لم يفارق منزله حتى يفعلها.
قَالَوا: ولا يصح الاعتذار عن هذا بأن ذلك المكان كان فيه شيطان فلم يصلوا فيه فإن حضور الشيطان في المكان لا يكون عذرًا في تأخير الواجب.
قَالَ الشافعي ولو كان وقت الفائتة يضيق لما أخره لأجل الشيطان فقد صلى وهو يخنق الشيطان.
قَالَ الشافعي: فخنقه للشيطان في الصلاة أبلغ من واد فيه شيطان.
[ ٤ / ٩٧ ]
قَالَوا: ولأنَّها عبادة مؤقتة فإذا فاتت لم يجب قضاؤها على الفور كصوم رمضان بل أولى لأنَّ الأداء متوسع في الصلاة دون الصوم فكانت التوسعة في القضاء أولى.
وقَالَ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي الشافعي إن أخرها لعذر قضاها على التراخي للحديث وإن أخرها لغير عذر قضاها على الفور لئلا يثبت بتفريطه ومعصيته رخصة لم تكن.
واحتج الجمهور بما رواه مُسْلِم في صَحِيْحِهِ مِنْ حَدِيْثِ أبي قتادة أنهم ذكروا للنبي نومهم عن الصلاة فقَالَ: "ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلَّا ذلك"
وفي صَحِيْحِهِ أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
وعند الدارقطني في هذا الحديث: "من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها"
وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب على الفور.
قَالَوا: وما استدللتم به على جواز التأخير فإنَّما يدل على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملًا معرضًا عن القضاء بل يفعله لتكميل الصلاة من اختيار بقعة على بقعة وانتظار رفقة أو جماعة لتكثير أجر الصلاة ونحو ذلك من تأخير يسير لمصلحتها وتكميلها فكيف يؤخذ من هذا التأخير اليسير لمصلحتها جواز تأخير جواز تأخيرها سنين عددًا.
[ ٤ / ٩٨ ]
وقد نص الإمام أحمد على أنَّ المسافر إذا نام في منزله عن الصلاة حتى فاتت أنَّه يستحب له أن ينتقل عنه إلى غيره فيقضيها فيه للخبر مع أنَّ مذهبه وجوب فعلها على الفور وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيدة ولهذا أوجب الفورية في المقيدة أكثر من نفاها في المطلقة.
وأمَّا ما تمسكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ السنة فرقت بين الموضعين فجوزت تأخير قضاء رمضان وأوجبت فعل المنسية عند ذكرها فليس لنا أن نجمع ما فرقت السنة بينهما.
الثاني: أنَّ هذا القياس حجة عليهم فإنَّ تأخير رمضان إنَّما يجوز إذا لم يأت رمضان وهم يجوزون تأخير الفائتة وإن أتى عليها أوقات صلوات كثيرة فأين القياس.
وأمَّا قولهم: لو وجب الفور لما جاز التأخير لأجل الشيطان فقد تقدم جوابه وهو أنَّ الموجبين للفور يجوزون التأخير اليسير لمصلحة التكميل.
وأمَّا نقضهم بخنق النبي للشيطان في صلاته فمن أعجب النقض فإنَّ التأخير اليسير للعدول عن مكان الشيطان لا تترك به الصلاة ولا يذهب به وقتها ولا يقطعها المصلي بخلاف من عرض له الشيطان في صلاته فإنَّه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها ولعله إن تعرض له في الصلاة الثانية فيقطعها فيترك الصلاة بالكلية فأين إحدى المسألتين من الأخرى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب» اهـ.
[ ٤ / ٩٩ ]
١٠ - وَقَوْلُهُ: «فَلْيُصَلِّهَا». أي تلك الصلاة التي فاتته وهذا إذا علم عينها وأمَّا إذا لم يعلم عينها صلى صلوات يوم وليلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٧٧):
«فصل: وإن نسي صلاة من يوم، لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليلة. نص عليه أحمد. وهو قول أكثر أهل العلم؛ وذلك لأنَّ التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك هاهنا إلَّا بإعادة الصلوات الخمس فلزمه» اهـ.
١١ - واستشهاد النبي ﷺ على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ مما احتج به العلماء على أنَّ شرع من قبلنا الثابت في شرعنا الذي لم يأت في شرعنا ما يخالفه شرع لنا.
قُلْتُ: وهو قول جمهور السلف وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند شرحنا لقول النبي ﷺ: «وكَانَ النَّبِيُّ يبعث إلى قومه …» الحديث.
١٢ - وَقَوْلُهُ: «أَوْ نَامَ عَنْهَا». فيه أنَّ النوم كالنسيان في القضاء ومثل النائم المغمى إذا كان باختياره وهكذا السكران.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ١٩٧ - ١٩٨):
«وجملة ذلك أنَّ المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها على النائم؛ كالصلاة والصيام.
[ ٤ / ١٠٠ ]
وقَالَ مالك، والشافعي: لا يلزمه قضاء الصلاة إلَّا أن يفيق في جزء من وقتها؛ لأنَّ عائشة سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه، فيترك الصلاة، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ليس من ذلك قضاء إلَّا أن يغمى عليه، فيفيق في وقتها، فيصليها".
وقَالَ أبو حنيفة: إن أغمي عليه خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل؛ لأنَّ ذلك يدخل في التكرار، فأسقط القضاء، كالجنون.
ولنا ما روي، أن عمارًا غشي عليه أيامًا لا يصلي، ثم استفاق بعد ثلاث، فقَالَ: هل صليت؟ فقيل: ما صليت منذ ثلاث.
فقَالَ: أعطوني وضوءًا، فتوضأ، ثم صلى تلك الليلة.
وروى أبو مجلز، أنَّ سمرة بن جندب، قَالَ: المغمى عليه - يترك الصلاة، أو فيترك الصلاة - يصلي مع كل صلاة صلاةً مثلها قَالَ: قَالَ عمران: زعم، ولكن ليصلهن جميعًا.
وروى الأثرم هذين الحديثين في "سُنَنِهِ".
وهذا فعل الصحابة وَقَوْلُهُم، ولا نعرف لهم مخالفًا، فكان إجماعًا.
ولأنَّ الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه، فأشبه النوم.
[ ٤ / ١٠١ ]
فأمَّا حديثهم فباطل يرويه الْحَاكِمُ بن سعد، وقد نهى أحمد ﵀، عن حديثه، وضعفه ابن المبارك، وقَالَ الْبُخَارِيّ: تركوه.
وفي إسناده خارجة بن مصعب.
ولا يصح قياسه على المجنون؛ لأنَّ المجنون تتطاول مدته غالبًا، وقد رفع القلم عنه، ولا يلزمه صيام، ولا شيء من أحكام التكليف، وتثبت الولاية عليه، ولا يجوز على الأنبياء ﵈، والإغماء بخلافه، وما لا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها، كالنوم» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمار رواه ابن المنذر ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٧/ ٢٢٩٢):
حَدَّثَنَا مُوسَى، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَعِيدٍ، مَوْلَاةِ عَمَّارٍ وَكَانَتْ جَارِيَةَ عَمَّارٍ: «أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا لَا يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ فَقَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: أَعْطُونِي وُضُوءًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ».
قُلْتُ: هذا الأثر شديد الضعف فيه محمد بن الحسن قَالَ الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ فِي [تاريخ ابن معين] ص (٢١٤):
«وسألته عن محمد بن الحسن بن أبي الحسن المخزومي بن زبالة فقَالَ ليس بثقة» اهـ.
[ ٤ / ١٠٢ ]
قُلْتُ: ورواه مِنْ طَرِيقِه ابن عدي في [الكامل] (٦/ ١٧١)، والعقيلي في [الضعفاء] (١٦٠٩).
ورواه أيضًا عن ابن معين ابن خيثمة في [تاريخه] (٤/ ٣٦٧).
وفي الإسناد من لم أعرفه. وقد اضطرب الرواة في الحديث في مولى عمار من هو كما سوف يظهر ذلك في الروايات الآتية.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٦/ ٢٢٩١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، ثنا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ الْخَطْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لُؤْلُؤَةَ، مَوْلَاةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَتَرَكَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَفَاقَ فَدَعَا بِوُضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ صَلَوَاتِ الثَّلَاثِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا».
قُلْتُ: رجاله كلهم ثقات غير لؤلؤة فلم أعرفها.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤١٥٦)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٦)، والدارقطني (١٨٨١)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٩٢)، وفي [معرفة السنن والآثار] (٦٢٤) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الْثَوْرِيِّ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى عَمَّارٍ: «أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، فَأَفَاقَ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ».
ونقل البيهقي ﵀ فِي [معرفة السنن والآثار] (٢/ ٢٢١) عن الإمام الشافعي ﵀ أنَّه قَالَ:
[ ٤ / ١٠٣ ]
«وليس هذا أيضًا بثابت عن عمار» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀: «وإنَّما قَالَ الشافعي في حديث عمار: أنَّه ليس بثابت، لأنَّ راويه يزيد مولى عمار وهو مجهول والراوي عنه: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، كان يحيى بن معين يضعفه، ولم يحتج به الْبُخَارِيّ، وكان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأسًا» اهـ.
وأمَّا أثر عمران فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٧)، وابن المنذر أيضًا في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٨/ ٢٢٩٣)
مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، قَالَ: «الْمُغْمَى عَلَيْهِ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ قَالَ: يَتْرُكُ الصَّلَاةَ يُصَلِّي مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ مِثْلَهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا قَالَ: وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: لِيُصَلِّهُنَّ جَمِيعًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وأمَّا قول ابن قُدَامَةَ ﵀: «وهذا فعل الصحابة وَقَوْلُهُم، ولا نعرف لهم مخالفًا، فكان إجماعًا» اهـ.
فليس بصواب فقد خالف في ذلك من أصحاب النبي ﷺ ابن عمر وأنس بن مالك.
فروى مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٤) ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٨٨)، وفي [معرفة السنن والآثار] عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ».
[ ٤ / ١٠٤ ]
قُلْتُ: وسنده صحيح كما ترى.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤١٥٢، ٤١٥٣، ٤١٥٨)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٨، ٦٦٤٩) ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٣/ ٢٠٤/ ٢٢٨٨، ٢٢٨٩)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (١٨٨٣، ١٨٨٤)
من طرق، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «مَرِضَ ابْنُ عُمَرَ أَيَّامًا لَمْ يَعْقِلِ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَحَّ وَعَقَلَ فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٦٢) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ فَلَمْ يَقْضِ».
قُلْتُ: العمري هو عبد الله ضعيف الحديث لكنه متابع كما مضى.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧/ ٢٠٥/ ٢٢٩٠) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، بِبَغْدَادَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، ثنا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: «أُغْمِيَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَلَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ».
قُلْتُ: هذا أثر إسناده حسن وعاصم هو ابن سليمان الأحول.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٣/ ٦):
«من زال عقله بسبب غير محرم كمن جن أو أغمى عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره علي شرب مسكر فزال عقله فلا صلاة عليه وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث سواء قل زمن الجنون والإغماء أم كثر هذا
[ ٤ / ١٠٥ ]
مذهبنا وقَالَ أبو حنيفة ﵀ إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه وإن كان أكثر فلا ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة أنَّ المغمى عليه يقضى دليلنا القياس على المجنون وعلي ما فوق يوم وليلة.
أمَّا إذا زال عقله بمحرم بأن شرب المسكر عمدًا عالمًا به مختارًا أو شرب دواء لغير حاجة وهو مما يزول به العقل فزال عقله لم تصح صلاته في ذلك الحال فإذا عاد عقله لزمه القضاء» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا من شرب المسكر فلم يعلم ما يقول فتلزمه الصلاة حتى يعلم ما يقول ولو خرج الوقت لقوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
قُلْتُ: وقد علق الله ﷿ صلاة السكران بغاية وهي أن يعلم ما يقول وهذه الغاية قد تمتد إلى بعد خروج الوقت.
فإن قيل هذه الآية منسوخة قلنا: إنَّما المنسوخ منها إباحة الخمر أمَّا هذا الحكم فلم يأت ما يدل على نسخه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ١٩٩):
«فصل: ومن شرب دواء فزال عقله به نظرت؛ فإن كان زوالًا لا يدوم كثيرًا، فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول، فهو كالجنون.
[ ٤ / ١٠٦ ]
وأمَّا السكر، ومن شرب محرمًا يزيل عقله وقتًا دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافًا؛ ولأنَّه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي في المغمى عليه أنَّه يفرق بين من أغمي عليه باختياره فحكمه حكم النائم والسكران. وأمَّا إذا لم يكن ذلك باختياره فحكمه حكم المجنون. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وبهذا تفتي اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز ﵀.
فائدة/ في معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الْوَابِلِ الْصَيِّبِ] ص (١٠٢):
«قيل المصدر مضاف إلى الفاعل أي لأذكرك بها وقيل مضاف إلى المذكور أي لتذكروني بها واللام على هذا لام التعليل وقيل: هي اللام الوقتية أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا المعنى المراد بالآية لكن تفسيرها به يجعل معناها فيه نظر لأنَّ هذه اللام الوقتية يليها أسماء الزمان والظروف والذكر مصدر إلَّا أن يقدر زمان محذوف أي عند وقت ذكري وهذا محتمل.
والأظهر أنَّها لام التعليل أي أقم الصلاة لأجل ذكري ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره فإنه لما ذكره ألهمه ذكره فالمعاني الثلاثة حق» اهـ.
[ ٤ / ١٠٧ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٧٢):
«واختلف في المراد بقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾. فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل لأذكرك بالمدح وقيل إذا ذكرتها أي لتذكيري لك إياها وهذا يعضد قراءة من قرأ "للذكرى" وقَالَ النخعي اللام للظرف أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعد ما نسيت وقيل لا تذكر فيها غيري وقيل شكرًا لذكرى وقيل المراد بقوله ذكري ذكر أمري وقيل المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنَّه أراد لذكر الصلاة. وقَالَ التوربشتي الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث وكأنَّ المعنى أقم الصلاة لذكرها لأنَّه إذا ذكرها ذكر الله تعالى أو يقدر مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها» اهـ.
١٣ - وفيه أنَّ الكفارة قد تكون لغير ذنب.
١٤ - وتستثنى من الحديث صلاة الجمعة فإنَّها لا تقضى جمعة، وإنَّما تقضى ظهرًا.
[ ٤ / ١٠٨ ]
* * *
١١١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ: كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِشَاءَ الآخِرَةِ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ».
اللفظ الذي ذكره المؤلف هو لفظ مُسْلِم (٤٦٥).
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية صلاة المفترض خلف المتنفل.
قُلْتُ: وقد ذهب إلى مشروعية ذلك الإمام الشافعي وأحمد في رواية عنه، وخالف في ذلك الجمهور فذهبوا إلى عدم المشروعية.
واحتج الشافعي بهذا الحديث وقد تأوله من خالف في ذلك باحتمال أن تكون الصلاة التي صلاها معاذ خلف رسول الله ﷺ كانت نافلة، وصلاته في قومه فريضة فتكون صلاته في قومه من صلاة المفترض خلف المفترض، وصلاته خلف رسول الله ﷺ من صلاة المتنفل خلف المفترض وقد دلَّ على مشروعية ذلك الأدلة المتكاثرة.
قُلْتُ: وهذا تأويل بعيد فيبعد من معاذ ﵁ الذي عرف بالفقه أن يترك الفريضة خلف رسول الله ﷺ ويفوِّت على نفسه فضل الصلاة في مسجده ﵊ من أجل أن يصلي بقومه الفريضة.
قَالَ الْعَلاَّمَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (١/ ١٧١):
[ ٤ / ١٠٩ ]
«وقد زعم بعض من لم ير ذلك جائزًا أنَّ صلاة معاذ مع رسول الله ﷺ نافلة وبقومه فريضة وهذا فاسد إذ لا يجوز على معاذ أن يدرك الفرض وهو أفضل العمل مع أفضل الخلق فيتركه ويضيع حظه منه ويقنع من ذلك بالنفل الذي لا طائل فيه. ويدل على فساد هذا التأويل قول الراوي كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء والعشاء هي صلاة الفريضة وقد قَالَ ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة" فلم يكن معاذ يترك المكتوبة بعد أن شهدها وقد أقيمت وقد أثنى عليه رسول الله ﷺ بالفقه فقَالَ: "أفقهكم معاذ"» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: «هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ، وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ». وهي صريحة في أنَّ صلاته في قومه نافلة.
وقد روى هذه اللفظة الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٣٦٠)، الدارقطني (١٠٧٥)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٤٨٨٤) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرٌ ﵁: «أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيَهَا بِهِمْ، هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ، وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ ابن جريج مدلس وقد عنعن.
[ ٤ / ١١٠ ]
ورواه الشافعي في [مُسْنَدِهِ] (٢٤٦)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [معرفة السنن والآثار] (١٥٤٠)، والبغوي في [شرح السنة] (٨٥٧) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ:
«أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْعِشَاءَ، وَهِيَ لَهُ نَافِلَةٌ».
قُلْتُ: إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى متروك الحديث.
وعلى فرض صحته فقد قَالَ العلامة الطحاوي ﵀ فِي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١/ ٤٠٩):
«فكان من الحجة للآخرين عليهم، أنَّ ابن عيينة قد روى هذا الحديث، عن عمرو بن دينار، كما رواه ابن جريج، وجاء به تامًا، وساقه أحسن من سياق ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه، هذا الذي قَالَه ابن جريج: "هي له تطوع، ولهم فريضة". فيجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابر. فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول، فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك، أم لا، لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنَّما قَالَوا قولًا، على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٠):
[ ٤ / ١١١ ]
«ولعل هذا مدرج من قول ابن جريج. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ومما يحتج به على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل ما رواه أحمد (٢٠٤٢٤)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٨٣٦، ١٥٥٥) مِنْ طَرِيقِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ، فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا، وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ».
وَبِذَلِكَ كَانَ يُفْتِي الْحَسَنُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ يَكُونُ لِلْإِمَامِ سِتُّ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَذَلِكَ قَالَ سُلَيْمَانُ الْيَشْكُرِيُّ: عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ.
قُلْتُ: هذا لفظ أبي داود من رواية معاذ بن معاذ العنبري عن أشعث وهو ثقة حافظ، ورواية أحمد والنسائي مِنْ طَرِيقِ يحيى بن سعيد القطان عن أشعث وهو ابن عبد الملك الحمراني.
وقد تابع معاذًا روح بن عبادة روى ذلك أحمد في [الْمُسْنَدِ] (٢٠٥١٥).
[ ٤ / ١١٢ ]
وسعيد بن عامر الضبعي روى حديثه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (١٨٠٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٨٣٢).
وخالد بن الحارث بن عبيد روى حديثه النسائي في [الْكُبْرَى] (١٩٣٩)، و[المجتبى] (١٥٥١).
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو صحة الحديث مع ذكر التسليم من كل ركعتين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٠):
«واستدلوا على منع ذلك بقول النبي ﷺ: "إنَّما الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه". وقَالَوا: مخالفته في النية اختلاف عليه.
لكن جمهورهم يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض، ولم يجعلوه اختلافًا عليه.
وأعلم؛ أنَّ جمهور العلماء في هذه المسألة على المنع، منهم: مالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والليث وأهل مصر، وهو قول جمهور التابعين من أهل المدينة والعراق.
ولكن؛ قد قَالَ بالجواز خلق كثير من العلماء. وحديث معاذ، قد صح أنَّ النبي ﷺ علم به وأقر عليه، وقد توبع سفيان ابن عيينة على ذلك، كما أشرنا إليه، ولم يظهر عنه جواب قوي.
[ ٤ / ١١٣ ]
فالأقوى: جواز المفترض بالمتنفل، وقد رجح ذلك صاحب "المغني" وغيره من أصحابنا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٢ - وفيه جواز تكرار الفريضة بنية النافلة لغرض شرعي كما حصل لمعاذ ﵁.
ومن ذلك إعادة الصلاة خلف الأمراء الذين يخرجون الصلاة عن وقتها.
ويدل على ذلك ما رواه مُسْلِم (٦٤٨) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا». قَالَ قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ».
ومن ذلك إعادتها لمن دخل مسجد والجماعة فيه قائمة.
فروى أحمد (١٧٤٧٤)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٥٨)، والترمذي (٢١٩) عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ قَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا». فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ومن ذلك التصدق على من فاتته الجماعة.
[ ٤ / ١١٤ ]
فقد روى أحمد (١١٤٠٨)، وأبو داود (٥٧٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟». فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ومن هذا إعادة الإمام الصلاة للمأمومين في بعض صفات صلاة الخوف، وذلك فما رواه أحمد (٢٠٤٢٤)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٨٣٦، ١٥٥٥) مِنْ طَرِيقِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ، فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا، وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: وسبق قريبًا الكلام فيه.
ولا تعارض بين ما سبق وبين ما رواه أبو داود (٥٧٩) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ يَعْنِي مَوْلَى مَيْمُونَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ، قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ».
[ ٤ / ١١٥ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. فإنَّه محمول على من صلى مرتين بنية الفرض، وأمَّا من أعاد الصلاة نفلًا لسبب من الأسباب السابقة فلا يدخل في النهي.
ومما يدل على ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٤٣٦) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي، ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، أَفَأُصَلِّي مَعَهُ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «أَوَ ذَلِكَ إِلَيْكَ. إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ».
إسناده صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٦٠):
«أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ فِي الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْإِعَادَةَ إذْ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّاتٍ وَالْعَصْرَ مَرَّاتٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا لَا رَيْبَ فِي كَرَاهَتِهِ».
إلى أن قال ﵀ (٢٣/ ٢٦١)
«لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْإِعَادَةَ مُطْلَقًا كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّهَا إذَا كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَكْمَلَ كَمَالِكِ. فَإِذَا أَعَادَهَا فَالْأُولَى هِيَ الْفَرِيضَةُ عِنْدَ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً" وَهَذَا أَيْضًا يَتَضَمَّنُ إعَادَتَهَا
[ ٤ / ١١٦ ]
لِسَبَبِ وَيَتَضَمَّنُ أَنَّ الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ. وَقِيلَ الْفَرِيضَةُ أَكْمَلُهُمَا. وَقِيلَ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ. وَمِمَّا جَاءَ فِي الْإِعَادَةِ لِسَبَبِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا يُصَلِّي مَعَهُ". فَهُنَا هَذَا الْمُتَصَدِّقُ قَدْ أَعَادَ الصَّلَاةَ لِيَحْصُلَ لِذَلِكَ الْمُصَلِّي فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ الْإِعَادَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمَالِكٍ وَقْتَ النَّهْيِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُشْرَعُ وَقْتَ النَّهْيِ. وَأَمَّا الْمَغْرِبُ: فَهَلْ تُعَادُ عَلَى صِفَتِهَا؟ أَمْ تُشْفَعُ بِرَكْعَةِ؟ أَمْ لَا تُعَادُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ لِلْفُقَهَاءِ» اهـ.
وقال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٢/ ٢٨١)
«وَفِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ "هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً مَرَّتَيْنِ تَكُونُ الْفَرِيضَةُ هِيَ الْأُولَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَذَهَبَ فِي الْقَدِيمِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْتَسِبُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الْمُوَطَأ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ كِلْتَيْهِمَا فَرْضٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْفَرْضُ أَكْمَلُهُمَا، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ» اهـ.
قُلْتُ: وفي إعادة صلاة الجنازة نزاع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣):
[ ٤ / ١١٧ ]
«وَيُشْبِهُ هَذَا إعَادَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُشْرَعُ بِغَيْرِ سَبَبٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ بَلْ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً ثُمَّ حَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ، فَهَلْ يُصَلِّي عَلَيْهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. قِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَيُصَلِّي عِنْدَهُمَا عَلَى الْقَبْرِ لِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَ مَا صَلَّى عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ كَمَا يَنْهَيَانِ عَنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قَالُوا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالصَّلَاةِ الْأُولَى فَتَكُونُ الثَّانِيَةُ نَافِلَةً وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمينَ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد يُجِيبُونَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّانِيَةَ تَقَعُ فَرْضًا عَمَّنْ فَعَلَهَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ: أَنَّ مَنْ فَعَلَهَا أَسْقَطَ بِهَا فَرْضَ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ فَعَلَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِإِسْقَاطِ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ الْفَرْضَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ نَافِلَةٌ وَيَمْنَعُونَ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا بَلْ قَدْ يُتَطَوَّعُ بِهَا إذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَيْنِ الْمَأْخَذَيْنِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْجِنَازَةَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَوَّلًا: فَهَلْ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ تَبَعًا؟ كَمَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ. قِيلَ: لَا يَجُوزُ هُنَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ هُنَا نَفْلٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَهِيَ لَا يَتَنَفَّلُ بِهَا، وَقِيلَ: بَلْ لَهُ الْإِعَادَةُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ صَلَّى خَلْفَهُ مَنْ كَانَ قَدْ صَلَّى أَوَّلًا، وَهَذَا أَقْرَبُ
[ ٤ / ١١٨ ]
فَإِنَّ هَذِهِ الْإِعَادَةَ بِسَبَبِ اقْتَضَاهُ لَا إعَادَةً مَقْصُودَةً وَهَذَا سَائِغٌ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالْجِنَازَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وفي إعادة المغرب نزاع، وحجة من منع ما رواه أحمد (١٦٣٣٩)، وأبو داود (١٤٣٩)، والترمذي (٤٧٠)، والنسائي (١٦٧٩) من طريق مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، قَالَ: زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمْسَى عِنْدَنَا، وَأَفْطَرَ، ثُمَّ قَامَ بِنَا اللَّيْلَةَ، وَأَوْتَرَ بِنَا، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا، فَقَالَ: أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِى لَيْلَةٍ».
قال الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٤/ ٢٥٨):
«وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ وَالْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ إِنَّ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا تُعَادُ مَعَ الْإِمَامِ إِلَّا الْمَغْرِبَ قَوْلُهُ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَقَوْلُهُ ﵊ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرِبَ إِنْ أَعَادَهَا كَانَتْ إِحْدَى صَلَاتَيْهِ تَطَوُّعًا وَسُنَّةُ التَّطَوُّعِ أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَارَ شَفْعًا وَبَطَلَ مَعْنَى الْوِتْرِ فَلَمَّا كَانَ فِي إِعَادَةِ الْمَغْرِبِ مُخَالَفَةٌ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ إِعَادَتِهَا» اهـ.
قُلْتُ: واستثنى الإمام أحمد صلاة المغرب فذهب إلى عدم إعادتها، وفي رواية له تعاد شفعًا، وهو مذهب الشافعي فيما نقله ابن قُدَامَةَ.
[ ٤ / ١١٩ ]
٣ - انتظار الإمام حتى يأتي إذا لم يكن في ذلك مشقة على المأمومين.
* * *
[ ٤ / ١٢٠ ]
١١٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ: بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه لا يلزم من الإبراد ذهاب الحر من الأرض كما سبق بيان ذلك.
٢ - جواز الصلاة على الثوب المتصل إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
٣ - أنَّ السجود على الجبهة من دون حائل متصل هو الأحسن فإنَّ الصحابة ﵃ أجمعين لم يكونوا يصلون على الحائل إلَّا عند عدم تمكنهم من مباشرة الوجه بالسجود.
قُلْتُ: وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند شرحنا لحديث عبد الله بن عباس ﵄ مرفوعًا: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ …».
وقد حمل الشافعي هذا الحديث على الصلاة في الثوب المنفصل لكن قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٧٠):
«ومن تأول هذا الحديث على أنَّهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم، فقد أبعد، ولم يكن أكثر الصحابة - أو كثير منهم - يجد ثوبين يصلي فيهما، فكانوا يصلون في ثوب واحد كما سبق، فكيف كانوا يجدون ثيابًا كثيرة يصلون في بعضها ويتقون الأرض ببعضها؟!» اهـ.
[ ٤ / ١٢١ ]
قُلْتُ: وقد روى الْبُخَارِيّ (٣٦٥، ٣٥٨)، ومُسْلِم (١١٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ».
وروى الْبُخَارِيّ (٣٥٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ».
٤ - جواز العمل اليسير في الصلاة للحاجة.
ومن هذا الباب ما رواه أبو داود (٣٩٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَآخُذُ قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
* * *
[ ٤ / ١٢٢ ]
١١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - النهي عن كشف العاتق في الصلاة.
قُلْتُ: الحديث الوارد في الصحيحين بتثنية العاتق.
وأمَّا لفظة الإفراد فقد جاءت في بعض الروايات عند أحمد (٩٩٨١)، والنسائي (٧٦٩) وغيرهم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شرح العمدة] (٤/ ٣١٨ - ٣١٩) - في تعليل الأمر بتغطية العاتقين -:
[ ٤ / ١٢٣ ]
«ولأنَّ المقصود من الاستتار في الصلاة التزين لله بدليل أنَّها تجب حيث يجوز الكشف خارج الصلاة فإنَّ المرأة الحرة يجوز لها أن تقعد في بيتها مكشوفة الرأس وكذلك بين النساء ولا تجوز صلاتها إلَّا مختمرة وكذلك يجوز للإنسان أن ينظر إلى عورة نفسه ولا تصح صلاته كذلك وفي إبداء المنكبين خروج عن التزين مطلقًا ولهذا لم تجر العادات الحسنة بأنَّ أحدًا يجالس في مثل هذا الحال ولا أن يكشفه بين الناس والرأس بخلاف ذلك ولأنَّ من جرد منكبيه يسمى عاريًا وإن كان مختمرًا ومن سترهما مع عورته سمي كاسيًا وإن كان بلا عمامة والتعري مكروه بين الناس لغير حاجة فجاز إن يكون شرطًا في الصلاة ولهذا لم يشرع التعري في الإحرام وإنَّما شرع كشف الرأس خاصة ونهيه ﷺ أن يطوف بالبيت عريان يعم تعرية المنكبين وتعرية السوءتين» اهـ.
٢ - ظاهر النهي يقتضي فساد الصلاة بكشف العاتق إذ أنَّ النهي يقتضي الفساد والنهي في الحديث وارد على الصلاة بهذه الهيئة فيقتضي فسادها فإنَّ الصلاة المنهي عنها فاسدة.
قُلْتُ: الْعَاتِقُ هُوَ: مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى أَصْلِ الْعُنُقِ.
وقد جاءت الرواية بإثبات الياء في "يصلي" قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ١٥١):
«هكذا الرواية: "لا يصلي" بالياء، فيكون إخبارًا عن الحكم الشرعي، أو إخبارًا يراد به النهي» اهـ.
[ ٤ / ١٢٤ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِي] (٦/ ١٨٥):
«قوله: "لا يصلي" بإثبات الياء لأنَّه نفي لأنَّ لا نافية ولا النافية لا تسقط» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث بلفظ: «لَا يُصَلِّيَنَّ». بزيادة نون التوكيد كما رواه النسائي (٧٦٩) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
وجاء بحذف الياء رواه أبو داود (٦٢٦) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
وفي لفظ لأحمد (٩٩٨١) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في ذلك فأبطل الصلاة بذلك الإمام أحمد ﵀ وصحح الصلاة بذلك أكثر العلماء.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ١٥٢ - ١٥٣):
«ولو صلى مكشوف المنكبين، فقَالَ أكثر الفقهاء: لا إعادة عليه، وحكي رواية عن أحمد.
وقَالَ أبو جعفر محمد بن علي: عليه الإعادة لارتكابه النهي.
[ ٤ / ١٢٥ ]
والمشهور من مذهب أحمد: أنَّه إن صلى الفريضة كذلك أعاد، وفي إعادة النفل عنه روايتان.
وقد قيل: إنَّ الشافعي نص على وجوبه في الصلاة، وحكى بعض المالكية عن أبي الفرج من أصحابهم: أنَّ ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وفي صحة هذا نظر.
ونص أحمد على أنَّه لو ستر أحد منكبيه وأعرى الآخر صحت صلاته؛ لأنَّه لم يرتكب النهي، فإنَّ النهي هو إعراء عاتقيه، ولم يوجد ذلك.
وقَالَ القاضي أبو يعلي: يجب ستر جميع منكبيه كالعورة. وقَالَ في موضع: يجزئ ستر بعضهما، ولا يجب سترهما بما لا يصف البشرة، كالعورة.
ولأصحابنا وجه: أنَّه يجزئ أن يضع على عاتقيه ولو حبلًا أو خيطًا وإن لم يستره به.
ولهم وجه آخر: أنَّه إن كان ذلك يسمى لباسًا أجزأه، وإلَّا فلا.
وقد سبق أنَّ من الصحابة من كان يضع على عاتقيه عقَالًَا ثم يصلي.
وقَالَ النخعي: تقليد السيف في الصلاة بمنزلة الرداء. وكان سعيد بن جبير يفعله. وعن الحسن قَالَ: السيوف أردية الغزاة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنَّه صلى بالناس في قوس ليس عليه رداء غيرهما.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا مندل، عن الأحوص بن حكيم، عن مكحول، قَالَ: صلى رسول الله عليه وسلم بالناس في قوس.
[ ٤ / ١٢٦ ]
وقَالَ النخعي: كان يكره القوس. وقَالَ الثوري: القوس والسيف بمنزلة الرداء. وعن الأوزاعي نحوه» اهـ.
قُلْتُ: روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١/ ٣٤٩/ ٣٥٣١) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا لَمْ يَجِدْ رِدَاءً يُصَلِّي فِيهِ وَضَعَ عَلَى عَاتِقِهِ عِقَالًا، ثُمَّ صَلَّى».
قُلْتُ: وهَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ إن كان أبو إسحاق سمعه من التيمي.
والصحيح صحة الصلاة مع كشف العاتقين مع كراهة ذلك لما رواه الْبُخَارِيّ (٣٦١)، ومُسْلِم (٣٠١٠) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ».
والشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمره عند ضيق الثوب أن يتزر به ولم يأمره بتغطية العاتق بثوب آخر أو بالعمامة ونحوها من الثياب.
٣ - وَقَوْلُهُ: «عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». احتج به من أجاز وضع الحبل أو الخيط على العاتق وما كان خفيفًا يصف البشرة لأنَّ ذلك داخل في كلمة «شَيْءٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ١٥):
«فصل: ولا يجب ستر المنكبين جميعهمًا، بل يجزئ ستر بعضهما، ويجزئ سترهما بثوب خفيف يصف لون البشرة؛ لأنَّ وجوب سترهما بالحديث، ولفظه: "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".
[ ٤ / ١٢٧ ]
وهذا يقع على ما يعم المنكبين، وما لا يعمهما، وقد ذكرنا نص أحمد فيمن صلى وإحدى منكبيه مكشوفة، فلم يوجب عليه الإعادة.
فإن طرح على كتفه حبلًا أو خيطًا ونحوه، فظاهر كلام الخرقي أنَّه لا يجزئه؛ لقوله شيئًا من اللباس، وهذا لا يسمى لباسًا.
وهو قول القاضي.
وقَالَ بعض أصحابنا: يجزئه؛ لأنَّ هذا شيء، فيكون الحديث متناولًا له، وقد روي عن جابر، أنَّه صلى في ثوب واحد متوشحًا به، كأني أنظر إليه كأنَّ على عاتقه ذنب فأرة. وعنه قَالَ: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا لم يجد أحدهم ثوبًا ألقى على عاتقه عقَالًَا وصلى.
والصحيح: أنَّه لا يجزئه؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه". من الصحاح، ورواه أبو داود.
ولأنَّ الأمر بوضعه على العاتقين للستر، ولا يحصل ذلك بوضع خيط ولا حبل، ولا يسمى سترة ولا لباسًا.
وما روي عن جابر لم يصح، وما روي عن الصحابة، إن صح عنهم؛ فلعدم ما سواه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ما رجحه العلامة ابن قُدَامَةَ هو الذي يظهر لي أنَّه الصواب. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - استدل من قَالَ: إنَّ المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار، ويدل على ذلك أيضًا أنَّ المرآة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار، مع
[ ٤ / ١٢٨ ]
أنَّه يباح لها وضع خمارها عند محارمها، فدل على أنَّ الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر.
٥ - ويدل الحديث على ستر العورة بطريق الأولى فإنَّه إذا أمر المصلي بستر ما ليس بعورة فأمره بستر العورة بطريق الأولى.
* * *
١١٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا. فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ. فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ. فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ أَصْحَابِي» فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا. قَالَ: «كُلْ. فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي».
قوله: «ثُومًا» الثُوم بضم المثلثة بقلة معروفة، واحدتها ثُومة.
وَقَوْلُهُ: «خَضِرَاتٌ» بفتح الخاء وكسر الضاد، ويقال أيضًا خُضَرات بضم الخاء وفتح الضاد، ويقال أيضًا خُضُرات وخُضْرات بضم الضاد وتسكينها مع ضم الخاء.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - النهي عن إتيان المسجد لمن أكل ثومًا أو بصلًا.
[ ٤ / ١٢٩ ]
٢ - ويدل الحديث أيضًا على أنَّ أكل الثوم والبصل ليس بمحرم في الجملة وإنَّما نهي عنه عند إتيان المساجد.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٨٨):
«وذهب إلى تحريم أكله طائفة قليلة من أهل الظاهر. وروي عن بعض المتقدمين - أيضًا -، والنصوص الصحيحة صريحة برد هذا الكلام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَّى] (٢/ ٣٦٨):
«وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْكِ بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ التَّابِعِينَ تَحْرِيمَ الثُّومِ النِّيءِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: لَيْسَ حَرَامًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَهُ فِي الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ مَنْعَ آكِلِ الثُّومِ مِنْ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ» اهـ.
قُلْتُ: الله أعلم بثبوته عنهما.
ويحكى هذا أيضًا عن بكر بن أخت عبد الْوَاحِد بن زيد المعتزلي.
فقال عبد القاهر البغدادي ﵀ فِي [الفرق بين الفرق] (ص: ٢٠١)
«وَمِنْهَا أنَّه أبدع في الْفِقْه تَحْرِيم أكل الثوم والبصل وَأوجب الْوضُوء من قرقرة الْبَطن وَلَا اعْتِبَار عِنْد أهل السّنة بِخِلَاف أهل الأهواء في الْفِقْه» اهـ.
٣ - واحتج بهذا الحديث من قَالَ: إنَّ صلاة الجماعة ليست بفرض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُنَنِ] (٤/ ٢٥٥):
«وَقَوْلُهُ: "فليعتزل مسجدنا" إنَّما أمره باعتزال المسجد عقوبة له وليس هذا من باب الأعذار التي تبيح للمرء التخلف عن الجماعة كالمطر والريح العاصف
[ ٤ / ١٣٠ ]
ونحوهما من الأمور، وقد رأيت بعض الناس صنف في الأعذار المانعة عن حضور الجماعة بابًا ووضع فيها أكل الثوم والبصل وليس هذا من ذلك في شيء وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٠١):
«وقد يقَالَ: إنَّ هذا الكلام خرج مخرج الزجر عنها فلا يقتضي ذلك: أن يكون عذرًا في ترك الجماعة إلَّا أن تدعو إلى أكلها ضرورة ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه فإنَّ ذلك ينافي الزجر» اهـ.
قُلْتُ: الزجر إنَّما هو وارد فيمن أكلها قرب الصلوات لا مطلقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَالَ الشيخ البسام ﵀ فِي [تيسير العلام] (١/ ١٧٩):
«والحق أنَّه لا وجه لاستدلالهم، لأنَّ فعل المباحات، التي يترتب عليها سقوط واجب لا بأس بها، ما لم يتخذ حيلة لإسقاط ذلك الواجب، كالسفر المباح في رمضان، فإنَّه يبيح الفطر في نهار رمضان، ولا حرج في ذلك مادام أنَّه لم يسافر ليتوصل به إلى الإفطار» اهـ.
٤ - قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٩٠):
«وقد ذكرنا: أنَّ هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحة كريهة، كالفجل وغيره، وأنَّ أحمد نص عليه. وكذلك قَالَ مالك: الكراث كالثوم، إذا وجدت ريحهما يؤذي.
[ ٤ / ١٣١ ]
وألحق أصحاب مالك به: كل من له رائحة كريهة يتأذى بها، كالحرَّاث والحوَّات. وفيه نظر، فإنَّ هذا أثر عمل مباح، وصاحبه محتاج إليه، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي ﷺ من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة.
وذكر ابن عبد البر عن بعض شيوخه، أنَّه ألحق بأكل الثوم من كان أهل المسجد يتأذون بشهوده معهم من أذاه لهم بلسانه ويده، لسفهه عليهم وإضراره بهم، وأنَّه يمنع من دخول المسجد ما دام كذلك، وهذا حسن.
وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره؛ لما روي من الأمر بالفرار منه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٢/ ٤٦٦):
«وأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم في رجل شكا جيرانه أنَّه يؤذيهم في المسجد بلسانه، قَالَ: يخرج عن المسجد، ويبعد عنه ونزع بهذا الحديث، وقَالَ: أذاه أكثر من أذى الثوم» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عبد البر ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٦/ ٤٢٢ - ٤٢٤):
«وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ آكِلَ الثُّومِ يُبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيُخْرَجُ عَنْهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْرَبْ مَسْجِدَنَا" أَوْ "مَسَاجِدَنَا" لِأَنَّهُ
[ ٤ / ١٣٢ ]
يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ في إخراجه مِنَ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُتَأَذَّى بِهِ فَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ جِيرَانُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَكُونَ ذَرِبَ اللِّسَانِ سَفِيهًا عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَطِيلًا أَوْ كَانَ ذَا رِيحَةٍ قَبِيحَةٍ لَا تَرِيمُهُ لِسُوءِ صناعته أو عاهة موذية كَالْجُذَامِ وَشَبَهِهِ وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ إِذَا وُجِدَ فِي أَحَدِ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ وَأَرَادُوا إِخْرَاجَهُ عَنِ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادَهُ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ حَتَّى تَزُولَ فَإِذَا زَالَتْ بِإِفَاقَةٍ أَوْ تَوْبَةٍ أَوْ أَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ كَانَ لَهُ مُرَاجَعَةُ الْمَسْجِدِ وَقَدْ شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَاشِمٍ ﵀ أَفْتَى فِي رَجُلٍ شَكَاهُ جِيرَانُهُ وَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَشُوِّرَ فِيهِ فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُ وَأَنْ لَا يُشَاهِدُ مَعَهُمُ الصَّلَاةَ إِذْ لَا سَبِيلَ مَعَ جُنُونِهِ وَاسْتِطَالَتِهِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ فَذَاكَرْتُهُ يَوْمًا أَمْرَهُ وَطَالَبْتُهُ بِالدَّلِيلِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَرَاجَعْتُهُ فِيهِ الْقَوْلَ فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ وَقَالَ هُوَ عِنْدِي أَكْثَرُ أَذًى مِنْ آكِلِ الثُّومِ وَصَاحِبُهُ يُمْنَعُ مِنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَحَدٍ رِيحُ ثُومٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُخْرِجَ عَنْهُ وَرُبَّمَا أُبْعِدَ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ الْبَقِيعُ» اهـ.
وقَالَ العلامة القرطبي ﵀ فِي [تفسيره] (١٢/ ٢٦٨):
«وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ كَانَ لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة فيه حَتَّى تَزُولَ. وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ مُجْتَمَعَ النَّاسِ حَيْثُ كَانَ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَمَجَالِسِ الْعِلْمِ
[ ٤ / ١٣٣ ]
وَالْوَلَائِمِ وَمَا أَشْبَهَهَا، مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تُؤْذِي النَّاسَ. وَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُتَأَذَّى بِهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ ﵀ أَفْتَى فِي رَجُلٍ شَكَاهُ جِيرَانُهُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَشُووِرَ فِيهِ، فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُ، وَأَلَّا يُشَاهِدَ مَعَهُمُ الصَّلَاةَ، إِذْ لَا سَبِيلَ مَعَ جُنُونِهِ وَاسْتِطَالَتِهِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ، فَذَاكَرْتُهُ يَوْمًا أَمْرَهُ وَطَالَبْتُهُ بِالدَّلِيلِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَرَاجَعْتُهُ فِيهِ الْقَوْلَ، فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ، وَقَالَ: هُوَ عِنْدِي أَكْثَرُ أَذًى مِنْ أَكْلِ الثُّومِ، وَصَاحِبُهُ يُمْنَعُ مِنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: وَفِي الْآثَارِ الْمُرْسَلَةِ" إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ فَيَتَبَاعَدُ الْمَلَكُ مِنْ نَتْنِ رِيحِهِ". فَعَلَى هَذَا يُخْرَجُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالتَّقَوُّلُ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء ذكر الكراث في حديث جابر فروى مُسْلِم (٥٦٣) عن جابر قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَقَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ"».
قُلْتُ: ويدخل في ذلك أيضًا شرب السجائر فإنَّها تتصاعد من شاربها الروائح المنتنة.
[ ٤ / ١٣٤ ]
٥ - وألحق جماعة من العلماء بآكل الثوم والبصل صاحب الجذام وغيره من أصحاب الأمراض المعدية الذي يستضر به الناس.
قال العلامة ابن القيم ﵀ فِي [الطرق الحكمية] (ص: ٢٤٢ - ٢٤٥):
«فَصْلٌ:
فِي الْمَرَضِ الْمُعْدِي: كَالْجُذَامِ إذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِأَهْلِهِ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ - فِي الْمُبْتَلَى يَكُونُ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ سَهْمٌ، وَلَهُ حَظٌّ فِي شِرْبٍ فَأَرَادَ مَنْ مَعَهُ فِي الْمَنْزِلِ إخْرَاجَهُ مِنْهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ اسْتِقَاءَهُ مِنْ مَائِهِمْ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ مُضِرٌّ بِهِمْ، فَطَلَبُوا إخْرَاجَهُ مِنْ الْمَنْزِلِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ: أُمِرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَيَخْرُجُ فِي حَوَائِجِهِ، وَيَلْزَمُ هُوَ بَيْتَهُ فَلَا يَخْرُجُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ: خَرَجَ مِنْ الْمَنْزِلِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ عِيسَى - فِي قَوْمٍ اُبْتُلُوا بِالْجُذَامِ وَهُمْ فِي قَرْيَةٍ مَوْرِدُهُمْ وَاحِدٌ، وَمَسْجِدُهُمْ وَاحِدٌ، فَيَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلُّونَ فِيهِ، وَيَجْلِسُونَ فِيهِ مَعَهُمْ، وَيَرِدُونَ الْمَاءَ وَيَتَوَضَّئُونَ، فَيَتَأَذَّى بِذَلِكَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَأَرَادُوا مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ - قَالَ: أَمَّا الْمَسْجِدُ فَلَا يُمْنَعُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَلَا مِنْ الْجُلُوسِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلْمَرْأَةِ الْمُبْتَلَاةِ - لَمَّا رَآهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ النَّاسِ: "لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِك لَكَانَ خَيْرًا لَك؟ " وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهَا بِالنَّهْيِ عَنْ الطَّوَافِ، وَدُخُولِ الْبَيْتِ، وَأَمَّا
[ ٤ / ١٣٥ ]
اسْتِقَاؤُهُمْ مِنْ مَائِهِمْ، وَوُرُودُهُمْ الْمَوْرِدَ لِلْوُضُوءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَيُمْنَعُونَ، وَيَجْعَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ صَحِيحًا يَسْتَقِي لَهُمْ الْمَاءَ فِي آنِيَةٍ، ثُمَّ يَفْرُغُهَا فِي آنِيَتِهِمْ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِالْأَصِحَّاءِ فَأَرَى أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ جَوَارِيهِ لِلضَّرَرِ؟ فَهَذَا مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ فِي الْجُذَامَى: وَأَمَّا الْوَاحِدُ وَالنَّفَرُ الْيَسِيرُ: فَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ الْحَاضِرَةِ، وَلَا مِنْ قَرْيَةٍ، وَلَا مِنْ سُوقٍ، وَلَا مِنْ مَسْجِدٍ جَامِعٍ، لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ مُعَيْقِيبٌ الدَّوْسِيُّ قَدْ جَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ عُمَرُ يُجَالِسُهُ وَيُؤَاكِلُهُ، وَيَقُولُ لَهُ: "كُلْ مِمَّا يَلِيك" فَإِذَا كَثُرُوا: رَأَيْتُ أَنْ يَتَّخِذُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَوْضِعًا، كَمَا صَنَعَ بِمَرْضَى مَكَّةَ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْأَسْوَاقِ لِتِجَارَتِهِمْ، وَشِرَاءِ حَوَائِجِهِمْ، أَوْ الطَّوَافِ لِلسُّؤَالِ، إذَا لَمْ يَكُنْ إمَامٌ يَرْزُقُهُمْ مِنْ الْفَيْءِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَرَوَى سَحْنُونٌ: أَنَّهُمْ لَا يُجَمِّعُونَ مَعَ النَّاسِ الْجُمُعَةَ.
وَأَمَّا مَرْضَى الْقُرَى: فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَإِنْ كَثُرُوا، وَلَكِنْ يُمْنَعُونَ مِنْ أَذَى النَّاسِ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَيْسَ عَلَى مَرْضَى الْحَوَاضِرِ الْخُرُوجُ مِنْهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَلَكِنْ إنْ كَفَاهُمْ الْإِمَامُ الْمُؤْنَةَ مُنِعُوا مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ بِلُزُومِ بُيُوتِهِمْ وَالتَّنَحِّي عَنْهُمْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِتَنَحِّيهِمْ نَاحِيَةً إذَا كَثُرُوا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ.
[ ٤ / ١٣٦ ]
قُلْتُ: يَشْهَدُ لِهَذَا: الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا عَدْوَى؛ وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ، أَوْ قَالَ: مِنْ الْأَسْوَدِ".
وَرَوَى مُسْلِم فِي "صَحِيْحِهِ" مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّا بَايَعْنَاك فَارْجِعْ".
وَفِي " مُسْنَدِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ ": حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَيْهِمْ: يَعْنِي الْمَجْذُومِينَ" وَمُحَمَّدٌ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ.
وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ، فَوَضَعَهَا مَعَهُ فِي قَصْعَتِهِ، وَقَالَ: "كُلْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ". فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا فِي حَقِّ طَائِفَةٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ طَائِفَةٍ، فَمَنْ قَوِيَ تَوَكُّلُهُ وَاعْتِمَادُهُ وَيَقِينُهُ مِنْ الْأُمَّةِ: أَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ: أَخَذَ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ١٣٧ ]
فَإِذَا أَرَادَ أَهْلُ الدَّارِ أَنْ يُؤَاكِلُوا الْمَجْذُومِينَ وَيُشَارِبُوهُمْ وَيُضَاجِعُوهُمْ: فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا مُجَانَبَتَهُمْ وَمُبَاعَدَتَهُمْ: فَلَهُمْ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: "لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ"، فَائِدَةٌ طِبِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الطَّبِيعَةَ نَقَّالَةٌ، فَإِذَا أَدَامَ النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ بِنَقْلِ الطَّبِيعَةِ، وَقَدْ جَرَّبَ النَّاسُ أَنَّ الْمُجَامِعَ إذَا نَظَرَ إلَى شَيْءٍ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَأَدَامَ النَّظَرَ إلَيْهِ، انْتَقَلَ مِنْ صِفَتِهِ إلَى الْوَلَدِ، وَحَكَى بَعْضُ رُؤَسَاءِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ أَجْلَسَ ابْنَ أَخٍ لَهُ لِلْكُحْلِ فَكَانَ يَنْظُرُ فِي أَعْيُنِ الرُّمْدِ فَيَرْمَدُ، فَقَالَ لَهُ: اُتْرُكْ الْكُحْلَ، فَتَرَكَهُ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَمَدٌ، قَالَ: لِأَنَّ الطَّبِيعَةَ نَقَّالَةٌ.
وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَمَرَهَا فَنَزَعَتْ ثِيَابَهَا، فَرَأَى بَيَاضًا عِنْدَ ثَدْيَيْهَا، فَانْحَازَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْفِرَاشِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "الْحَقِي بِأَهْلِك". وَحَمَلَ لَهَا صَدَاقَهَا» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٥٠)، ومن طريقه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٩٠٣١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَجْذُومَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا أَمَةَ اللَّهِ. لَا تُؤْذِي النَّاسَ. لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِكِ». فَجَلَسَتْ. فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ نَهَاكِ قَدْ مَاتَ، فَاخْرُجِي. فَقَالَتْ: «مَا كُنْتُ لِأُطِيعَهُ حَيًّا وَأَعْصِيَهُ مَيِّتًا».
[ ٤ / ١٣٨ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عبد الله بن أبي مليكة وعمر ﵁.
وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٩٠):
«وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره؛ لما روي من الأمر بالفرار منه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٩/ ٤١٢):
«قال ابن حبيب: وكذلك يمنع المجذوم من المسجد والدخول بين الناس واختلاطه بهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُ الْمَالِكِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٧/ ٢٦٦):
«وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ» اهـ.
وقال سليمان البُجَيْرَمِي الشافعي ﵀ فِي [حاشيته على تحفة الحبيب] (٢/ ١٢٩):
«وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ يُمْنَعُ الْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ مِنْ اخْتِلَاطِهِمَا بِالنَّاسِ وَمِنْ الْمَسْجِدِ وَالْجُمُعَةِ» اهـ.
وقال الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُ ﵀ فِي [حاشية الثمر المستطاب] (٢/ ٦٦٣):
«إلَّا أنَّه قد يقال: إنَّه يجوز منع المجذوم لا لعلة الرائحة بل لأنَّ داءه يعدي فيضر المصلي وهو مأمور بالابتعاد عنه بقوله ﵊: "فر من المجذوم
[ ٤ / ١٣٩ ]
فرارك من الأسد". ولما كان تطبيق هذا الأمر يستلزم ابتعاد المصلين جميعًا أو بعضهم عن المسجد وتعطيل صلاة الجماعة أو تقليلها ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة ولذلك يقتضي أن يمنع المجذوم من هذه الوجهة ويلحق به كل من به داء معد. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٦ - قوله: «وَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا». احتج به من قَالَ: إنَّ هذا الحكم مختص بمسجد رسول الله ﷺ.
قُلْتُ: وهذا احتجاج فاسد من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الحديث قد جاء بجمع المساجد فروى الْبُخَارِيّ (٨٥٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النبي ﷺ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا».
وروى مُسْلِم (٥٦١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا يَعْنِي الثُّومَ».
الوجه الآخر: أنَّ التعليل الذي علل به النبي ﷺ النهي عن أكل هذه الأشجار يعم سائر المساجد وهو قوله في الحديث السابق: «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ».
٧ - قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٢/ ٤٦٧):
«في قوله: "أناجي من لا تناجي"، دليل أنَّ الملائكة أفضل من بنى آدم» اهـ.
[ ٤ / ١٤٠ ]
قُلْتُ: هذه المسألة طويلة الذيل استوفي الكلام فيها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فِي رسالة مستقلة فلا نطيل القول بذكرها.
٨ - قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ فِي [شرح الْبُخَارِيّ] (٢/ ٤٦٧):
«وفيه: أنَّ بني آدم يلزم من بر بعضهم ما لا يلزم لجميعهم؛ ألا ترى أنَّه لم يؤمر آكل الثوم باجتناب أهل الأسواق ومهنة الناس وباعتهم. قَالَ مالك: ما سمعت في أكل الثوم كراهية في دخول السوق، وإنَّما ذلك في المسجد» اهـ.
٩ - وفيه ما يدل على أنَّ الإنسان إذا كره طعامًا تركه ولا لوم عليه في تركه.
قُلْتُ: ويدل على هذا أيضًا ما رواه الْبُخَارِيّ (٣٥٦٣)، ومُسْلِم (٢٠٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلاَّ تَرَكَهُ».
١٠ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٥/ ٤٩):
«قَالَ العلماء وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خاليًا لأنَّه محل الملائكة ولعموم الأحاديث» اهـ.
* * *
[ ٤ / ١٤١ ]
١١٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسَانُ» وفي رواية: «بَنُو آَدَمَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - النهي عن قربان المسجد لمن أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا. وقد سبق الكلام في ذلك في الحديث الماضي.
٢ - تعليل النهي عن ذلك بأنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان.
٣ - وهذا التعليل يقتضي عدم قصر النهي على مسجد رسول الله ﷺ. كما سبق.
٤ - ويقتضي التعليل النهي عن كل ما يؤذي المصلين كما سبق بيان ذلك.
قُلْتُ: وهل يلحق في ذلك الحدث في المسجد في ذلك نزاع بين أهل العلم ومن أجازه احتج بما رواه الْبُخَارِيّ (٤٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».
[ ٤ / ١٤٢ ]
ورواه الْبُخَارِيّ (٤٧٧)، ومُسْلِم (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصَلِّي، يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ».
قُلْتُ: وبوَّب الْبُخَارِيّ ﵀ على اللفظ الأول: «باب الحدث في المسجد».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠):
«ومقصوده: أنَّه يجوز تعمد إخراج الحدث في المسجد؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكره، ولم ينه عنه، إنَّما أخبر أنَّه يقطع صلاة الملائكة.
وقد رخص في تعمد إخراج الحدث في المسجد الحسن وعطاء وإسحاق.
وقد تقدم أنَّ النوم في المسجد جائز للضرورة بغير خلاف، ومنه نوم المعتكف لضرورة صحة اعتكافه، ولغير ضرورة عند الأكثرين، والنوم مظنة خروج الحدث، فلو منع من خروج الريح في المسجد لمنع من النوم فيه بكل حال، وهو مخالف للنصوص والإجماع.
[ ٤ / ١٤٣ ]
قَالَ أصحاب الشافعي: والأولى اجتناب إخراج الريح فيه لقول النبي ﷺ:
"فإنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم". قَالَوا: ولا يكره الجلوس فيه للمحدث، سواء كان له غرض شرعي أو لم يكن.
ومن أصحابهم من كرهه لغير غرض. وقيل: أنه لم يوافق على ذلك» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو كراهة تعمد الحدث في المسجد لما في ذلك من أذية الناس والملائكة، لكن ذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ أخف من دخول المسجد بعد أكل الثوم والبصل لورود النهي الصريح عن ذلك ولأنَّ بقاء رائحة الثوم والبصل أطول من بقاء الحدث.
٥ - ويقتضي التعليل أيضًا النهي عن ذلك في غير المساجد كمجامع الناس في صلاة العيدين والاستسقاء. وأمَّا الأسواق ونحوها فلا تدخل في ذلك.
قُلْتُ: وينبغي للآكل الثوم والبصل ونحوهما أن يعتزل مجالس الصالحين وإن كانت في غير المسجد، فقد روى مسلم (٥٦٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ، حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا».
٦ - إنَّما يكره أكل الثوم والبصل نيئًا وأمَّا بعد طبخها فلا يكره ولا يحرم قربان المسجد حينئذ لما رواه مُسْلِم (٥٦٧) عن عمر بن الخطاب ﵁ قَالَ:
[ ٤ / ١٤٤ ]
«ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنْ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا».
فائدة/ ذكر العلماء في كتب الفقه مما يزيل رائحة الثوم ونحوه مضغ السَّعَفِ - وهو أوراق جريد النخل - والسعتر.
قال الجوهري ﵀ فِي [الصحاح] (٢/ ٦٨٥):
«السَعْتَرُ: نبتٌ، وبعضهم يكتبه بالصاد في كتب الطب، لئلا يلتبس بالشعير» اهـ.
* * *
[ ٤ / ١٤٥ ]