٢١٤ - عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرٍو - الْخُزَاعِيِّ الْعَدَوِيِّ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ. فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ. فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ: أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً. فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ. فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًَّا بِدَمٍ وَلا فَارًَّا بِخَرْبَةٍ.
الخربة: بالخاء المعجمة، والراء المهملة. قيل: الخيانة، وقيل: البلية. وقيل: التهمة.
وأصلها في سرقة الإبل قال الشاعر:
والخارب اللص يحب الخاربا.
عمرو بن سعيد بن العاص هو ابن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس
القرشي الأموي، أبو أمية المدني المعروف بالأشدق.
[ ٧ / ١٨٢ ]
وهو عمرو بن سعيد بن العاص الأصغر، وأمَّا الأكبر فهو عم أبيه من كبار الصحابة قديم الإسلام. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "التهذيب".
الأكبر هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس يكنى أبا عقبة القرشي الأموي.
قوله: «وَلا يَعْضِدَ». لا يقطع بالمعضد، وهو من آلات القطع كالفأس، وقيل هو الممتهن من السيوف في قطع الشجر.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - عظيم حرمة مكة، فإنَّ الله حرمها يوم خلق السموات والأرض، ولم يحرمها الناس.
ويشكل على هذا ما رواه البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِمَكَّةَ».
وما رواه البخاري (٣٣٦٧)، ومسلم (١٣٦٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ، طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا».
[ ٧ / ١٨٣ ]
وما رواه مسلم (١٣٦١) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» يُرِيدُ الْمَدِينَةَ.
وما رواه مسلم (١٣٦٢) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا».
وقد جمع بين ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٢):
«فهذا تحريم شرعي قدري سبق به قدره يوم خلق هذا العالم، ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما في "الصحيح" عنه، أنَّه ﷺ قال: "اللهم إنَّ إبراهيم خليلك حرم مكة، وإنِّي أحرم المدينة"، فهذا إخبار عن ظهور التحريم السابق يوم خلق السموات والأرض على لسان إبراهيم، ولهذا لم ينازع أحد من أهل الإسلام في تحريمها، وإن تنازعوا في تحريم المدينة، والصواب المقطوع به تحريمها، إذ قد صح فيه بضعة وعشرون حديثًا عن رسول الله ﷺ لا مطعن فيها بوجه» اهـ.
٢ - أنَّه لا يجوز سفك الدم في مكة.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك أيضًا من أصاب حدًا خارج الحرم ثم لاذ بالحرم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ٣٤٣ - ٣٤٤): «فكانوا في الجاهلية يقتل بعضهم بعضًا خارج الحرم فإذا دخلوا الحرم أو لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجه وكان هذا من الآيات التي جعلها الله فيه كما قال:
[ ٧ / ١٨٤ ]
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، والإسلام زاد حرمته. فمذهب أكثر الفقهاء أنَّ من أصاب حدًا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، كما قال ابن عمر وابن عباس. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما؛ لما ثبت في الصحيح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرًا، وأنَّها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنَّما أحلت لي ساعة من نهار، ثم قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس".
ومن ظن أنَّ من دخل الحرم كان آمنًا من عذاب الآخرة مع ترك الفرائض من الصلاة وغيرها ومع ارتكاب المحارم فقد خالف إجماع المسلمين فقد دخل البيت من الكفار والمنافقين والفاسقين من هو من أهل النار بإجماع المسلمين. والله أعلم».
وقال ﵀ (١٤/ ٢٠١ - ٢٠٢):
«لكن لو أصاب الرجل حدًا خارج الحرم ثم لجأ إليه فهل يكون آمنًا لا يقام عليه الحد فيه أم لا؟ فيه نزاع. وأكثر السلف على أنَّه يكون آمنًا كما نقل عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابن عباس وغيرهما وهو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما. وقد استدلوا بهذه الآية وبقول النبي ﷺ: "إنَّ الله حرم مكة يوم خلق الله السموات والأرض وإنَّها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنَّما أحلت لي
[ ٧ / ١٨٥ ]
ساعة من نهار وقد عادت حرمتها". فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ. فقولوا: إنَّما أحلها الله لرسوله ولم يحلها لك. ومعلوم أنَّ الرسول إنَّما أبيح له فيها دم من كان مباحًا في الحل وقد بين أنَّ ذلك أبيح له دون غيره. والمراد بقوله "ومن دخله" الحرم كله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٩):
«ومنها: قوله: "فلا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا"، هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها لكونها حرمًا، كما أنَّ تحريم عضد الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلَّا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع:
أحدها: وهو الذي ساقه أبو شريح العدوى لأجله: أنَّ الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير، فلم يكن قتالهم، ونصب المنجنيق عليهم، وإحلال حرم الله جائزًا بالنص والإجماع، وإنَّما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله ﷺ برأيه وهواه، فقال: إنَّ الحرم لا يعيذ عاصيًا، فيقال له: هو لا يعيذ عاصيًا من عذاب الله، ولو لم يعذه من سفك دمه، لم يكن حرمًا بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرمًا بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه،
[ ٧ / ١٨٦ ]
وقام الإسلام على ذلك، وإنَّما لم يعذ مقيس ابن صبابة، وابن خطل، ومن سمى معهما، لأنَّه في تلك الساعة لم يكن حرمًا، بل حلًا، فلما انقضت ساعة الحرب، عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السموات والأرض. وكانت العرب في جاهليتها يرى الرجل قاتل أبيه، أو ابنه في الحرم، فلا يهيجه، وكان ذلك بينهم خاصية الحرم التي صار بها حرمًا، ثم جاء الإسلام، فأكد ذلك وقواه، وعلم النَّبي ﷺ أنَّ من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق، وقال لأصحابه: "فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إنَّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لك"، وعلى هذا فمن أتى حدًا أو قصاصًا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه، وذكر الإمام أحمد عَنْ عُمَرَ بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وذكر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّه قال: لو لقيت فيه قاتل عمر ما ندهته، وعن ابن عباس، أنَّه قال: لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه، وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث.
وذهب مالك والشافعي إلى أنَّه يستوفى منه في الحرم، كما يستوفى منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود
[ ٧ / ١٨٧ ]
والقصاص في كل مكان وزمان، وبأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، وبما يروى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ولا بخربة"، وبأنَّه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس، لم يعذه الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنَّه لو أتى فيه بما يوجب حدًا أو قصاصًا، لم يعذه الحرم، ولم يمنع من إقامته عليه، فكذلك إذا أتاه خارجه، ثم لجأ إليه، إذ كونه حرمًا بالنسبة إلى عصمته، لا يختلف بين الأمرين، وبأنَّه حيوان أبيح قتله لفساده، فلم يفترق الحال بين قتله لاجئًا إلى الحرم، وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه، كالحية، والحدأة، والكلب العقور، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم"، فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة، وهي فسقهن، ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعًا من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل.
قال الأولون: ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة ولا سيما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وهذا إمَّا خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى، وإمَّا خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإمَّا إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام، كما قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ
[ ٧ / ١٨٨ ]
شَىْءٍ﴾، وما عدا هذا من الأقوال الباطلة، فلا يلتفت إليه، كقول بعضهم: ومن دخله كان آمنًا من النار، وقول بعضهم: كان آمنًا من الموت على غير الإسلام، ونحو ذلك، فكم ممن دخله، وهو في قعر الجحيم.
وأمَّا العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، فيقال أولًا: لا تعرض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء، ولا مكانه، كما لا تعرض فيها لشروطه وعدم موانعه، فإنَّ اللفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمنه، فهو مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع، لم يقل: إنَّ توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام، فلا يقول محصل: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مخصوص بالمنكوحة في عدتها، أو بغير إذن وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدود والقصاص لا تعرض فيها لزمنه، ولا مكانه، ولا شرطه، ولا مانعه، ولو قدر تناول اللفظ لذلك، لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطل موجبها، ووجب حمل اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل، والمرضع، والمريض الذي يرجى برؤه، والحال المحرمة للاستيفاء، كشدة المرض، أو البرد، أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن قُلْتُم: ليس ذلك تخصيصًا، بل تقييدًا لمطلقها، كلنا لكم بهذا الصاع سواء بسواء.
[ ٧ / ١٨٩ ]
وأمَّا قتل ابن خطل، فقد تقدم أنَّه كان في وقت الحل، والنبي ﷺ قطع الإلحاق، ونص على أنَّ ذلك من خصائصه، وقوله ﷺ: "وإنَّما أحلت لي ساعة من نهار" صريح في أنَّه إنَّما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالًا في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أنَّ الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة، وأمَّا قوله: "الحرم لا يعيذ عاصيًا" فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيد الأشدق، يرد به حديث رسول الله ﷺ حين روى له أبو شريح الكعبي هذا الحديث، كما جاء مبينًا في "الصحيح" فكيف يقدم على قول رسول الله ﷺ.
وأمَّا قولكم: لو كان الحد والقصاص فيما دون النفس، لم يعذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد، فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرق، قال: سفك الدم إنَّما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه، لأنَّ حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، قالوا: ولأنَّ الحد بالجلد أو القطع يجرى مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده، وظاهر هذا المذهب أنَّه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك، قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه، أنَّ الحدود كلها تقام في الحرم إلَّا القتل، قال: والعمل على أنَّ كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، قالوا: وحينئذ
[ ٧ / ١٩٠ ]
فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنَّه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق مؤثر، بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر، سوينا بينهما في الحكم، وبطل الاعتراض، فتحقق بطلانه على التقديرين.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الحرم لا يعيذ من انتهك فيه الحرمة إذ أتى فيه ما يوجب الحد، فكذلك اللاجئ إليه، فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما، فروى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "من سرق أو قتل في الحل ثم دخل الحرم، فإنَّه لا يجالس ولا يكلم، ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج، فيؤخذ، فيقام عليه الحد، وإن سرق أو قتل في الحرم، أقيم عليه في الحرم". وذكر الأثرم، عن ابن عباس أيضًا: من أحدث حدثًا في الحرم، أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء، وقد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم، فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُم﴾. والفرق بين اللاجئ والمتهتك فيه من وجوه:
أحدها: أنَّ الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى خارجه ثم لجأ إليه، فإنَّه معظم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل.
[ ٧ / ١٩١ ]
الثاني: أنَّ الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه، ثم لجأ إليه، فإنَّه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان وحرمه، ثم دخل إلى حرمه مستجيرًا.
الثالث: أنَّ الجاني في الحرم قد انتهك حرمة الله سبحانه، وحرمة بيته وحرمه، فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره.
الرابع: أنَّه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم، لعم الفساد، وعظم الشر في حرم الله، فإنَّ أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم، لتعطلت حدود الله، وعمَّ الضرر للحرم وأهله.
والخامس: أنَّ اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب تعالى، المتعلق بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج، بخلاف المقدم على انتهاك حرمته، فظهر سر الفرق، وتبين أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه.
وأمَّا قولكم: إنَّه حيوان مفسد، فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس، فإنَّ الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأمَّا الآدمي فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنَّما أبيح لعارض، فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإنَّ الحرم يعصمها.
[ ٧ / ١٩٢ ]
وأيضًا فإنَّ حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور، والحية، والحدأة كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها» اهـ.
قُلْتُ: ومع هذا فيضيق عليه حتى يخرج من الحرم من أجل أن يقام عليه الحد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٨١ - ١٨٢):
«إذا ثبت هذا، فإنَّه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى، ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل؛ ليستوفى منك الحق الذي قبلك. فإذا خرج استوفي حق الله منه. وهو قول جميع من ذكرناه.
وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أطعم وأوي، لتمكن من الإقامة دائمًا، يضيع الحق الذي عليه، وإذا منع من ذلك، كان وسيلة إلى خروجه، فيقام فيه حق الله تعالى.
وليس علينا إطعامه، كما أنَّ الصيد لا يصاد في الحرم، وليس علينا القيام به» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا من وقع في حد في الحرم، فإنَّه يقام عليه فيه من غير نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٨٣):
«وجملته أنَّ من انتهك حرمة الحرم، بجناية فيه توجب حدًا أو قصاصًا فإنَّه يقام عليه حدها، لا نعلم فيه خلافًا.
وقد روى الأثرم، بإسناده عن ابن عباس، أنَّه قال: من أحدث حدثًا في الحرم، أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء.
وقد أمر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم.
[ ٧ / ١٩٣ ]
فقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾.
فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم؛ ولأنَّ أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم، حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم، لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها، ولا يجوز الإخلال بها؛ ولأنَّ الجاني في الحرم هاتك لحرمته، فلا ينتهض الحرم لتحريم ذمته وصيانته، بمنزلة الجاني في دار الملك، لا يعصم لحرمة الملك، بخلاف الملتجئ إليها بجناية صدرت منه في غيرها» اهـ.
قُلْتُ: وما دون القتل من الحدود فالصحيح أنَّها لا تقام على من وقع بها خارج الحرم ولاذ بالحرم لعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. وقد قال بذلك الإمام أحمد في رواية، وذهب أبو حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى إلى إقامتها في الحرم.
٣ - أنَّه لا يجوز قطع شجر مكة. والمراد بذلك ما عدى ما أنبته الشخص مما ينبت جنسه الآدمي على الصحيح من أقوال العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٩):
[ ٧ / ١٩٤ ]
«لا خلاف بينهم أنَّ الشجر البري الذي لم ينبته الآدمي على اختلاف أنواعه مراد من هذا اللفظ، واختلفوا فيما أنبته الآدمي من الشجر في الحرم على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد:
أحدها: أنَّ له قلعه، ولا ضمان عليه، وهذا اختيار ابن عقيل، وأبي الخطاب، وغيرهما.
والثاني: أنَّه ليس له قلعه، وإن فعل، ففيه الجزاء بكل حال، وهو قول الشافعي، وهو الذي ذكره ابن البناء في "خصاله".
الثالث: الفرق بين ما أنبته في الحل، ثم غرسه في الحرم، وبين ما أنبته في الحرم أولًا، فالأول: لا جزاء فيه، والثاني: لا يقلع وفيه الجزاء بكل حال، وهذا قول القاضي.
وفيه قول رابع: وهو الفرق بين ما ينبت الآدمي جنسه كاللوز والجوز، والنخل، ونحوه، وما لا ينبت الآدمي جنسه كالدوح، والسلم، ونحوه، فالأول يجوز قلعه ولا جزاء فيه، والثاني: لا يجوز، وفيه الجزاء.
قال صاحب "المغنى": والأولى الأخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله، إلَّا ما أنبت الآدمي من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع، والأهلي من الحيوان، فإننا إنَّما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيًا دون ما تأنس من
[ ٧ / ١٩٥ ]
الوحشي، كذا هاهنا، وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع، فصار في مذهب أحمد أربعة أقوال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٤٤٩):
«واعلم أنَّ شجر الحرم ونباته طرفان، وواسطة طرف، لا يجوز قطعه إجماعًا، وهو ما أنبته الله في الحرم من غير تسبب الآدميين، وطرف يجوز قطعه إجماعًا، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع، والبقول، والرياحين ونحوها، وطرف اختلف فيه، وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول، والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه.
وقال قوم منهم الشافعي بالمنع، وهو أحوط في الخروج من العهدة» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما تساقط من أوراق الشجر، وهكذا ما انقلع من الشجر، أو من أغصانها بغير فعل من آدمي فيجوز الانتفاع به، وأمَّا ما كان بفعل آدمي، فلا يجوز لمن قلعه الانتفاع به، ويجوز ذلك لغيره على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٠):
«فصل: ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش؛ لأنَّه بمنزلة الميت. ولا بقطع ما انكسر ولم يبن؛ لأنَّه قد تلف، فهو بمنزلة الظفر المنكسر.
ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي. ولا ما سقط من الورق.
نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد في القطع، وهذا لم يقطع.
[ ٧ / ١٩٦ ]
فأمَّا إن قطعه آدمي، فقال أحمد: لم أسمع، إذا قطع ينتفع به.
وقال في الدوحة تقلع: من شبهه بالصيد، لم ينتفع بحطبها.
وذلك لأنَّه ممنوع من إتلافه؛ لحرمة الحرم، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه، لم ينتفع به، كالصيد يذبحه المحرم.
ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به؛ لأنَّه انقطع بغير فعله، فأبيح له الانتفاع به، كما لو قطعه حيوان بهيمي، ويفارق الصيد الذي ذبحه، لأنَّ الذكاة تعتبر لها الأهلية، ولهذا لا يحصل بفعل بهيمة، بخلاف هذا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ثمار أشجار الحرم فيجوز أخذها بالإجماع ولأنَّ الثمرة إذا تركت فسدت وضاعت، ولأنَّه ليس في أخذها ما يضر بالشجرة بل هو من مصلحتها، وأجاز كثير من العلماء أخذ أعواد السواك والسنا والسنوت، والأصل المنع من ذلك إلَّا ما دلت عليه السنة أو الإجماع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٤٩):
«وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ أَخْذِ ثِمَارِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَإِنْ كَانَتْ أَشْجَارًا مُبَاحَةً كَالْأَرَاكِ وَيُقَالُ لِثَمَرَةِ الْأَرَاكِ الْكَبَاثُ بِكَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ أَلْفٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَخْذِ عُودِ السِّوَاكِ وَنَحْوِهِ وَسَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي الْفَرْقُ بَيْنَ أَخْذِ الْأَوْرَاقِ وَأَخْذِ شَعْرِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لِأَنَّ أَخْذَهُ يَضُرُّ الْحَيَوَانَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ» اهـ.
[ ٧ / ١٩٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٦/ ١٠):
«وَلَا يَحْرُمُ الْإِذْخِرُ وَالْكَمْأَةُ وَالثَّمَرَةُ وَمَا أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ مِنْ بَقْلٍ وَرَيَاحِينَ وَزَرْعٍ "ع" نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْجَمِيعِ» اهـ.
قُلْتُ: قوله: "ع" إشارة إلى ثبوت الإجماع في حل جميع ما ذكر.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (٣/ ١٧٩): «وَجُمْلَةُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِهَا الْإِذْخِرُ وَالسَّنَا وَالسِّوَاكُ وَالْعَصَا وَالْهَشُّ وَالْقَطْعُ لِلْبِنَاءِ وَالْقَطْعُ لِإِصْلَاحِ الْحَوَائِطِ، وَذَكَرَهَا ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ اجْتِنَاءَ ثَمَرِ الْأَشْجَارِ الَّتِي تَنْبُتُ بِنَفْسِهَا جَائِزٌ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٢١٨):
«مسألة: ثمر شجر الحرم هل نقول إنَّه كالشجر؟
الجواب: لا، فلو أنَّ شجرة تفاح نبتت في الحرم بدون فعل آدمي، ثم أثمرت وأخذ الإنسان ثمرتها فإن ذلك لا بأس به» اهـ.
وفي السواك نزاع فأجاز أخذه الشافعية والمالكية كما سبق ومنع من ذلك الحنابلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٥٥٢):
«يَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ إجْمَاعًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ قَلْعُ حَشِيشِهِ وَنَبَاتِهِ، حَتَّى السِّوَاكِ وَالْوَرَقِ. (إلَّا الْيَابِسَ) فَإِنَّهُ مُبَاحٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ» اهـ.
[ ٧ / ١٩٨ ]
قُلْتُ: وهكذا منعوا من السنا والسنوت وغيرهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ عَلَى مَتْنِ الْمُقْنِعِ] (٣/ ٣٦٦): «وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله ورخص فيه عمرو بن دينار ولنا قول النبي ﷺ " لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها " رواه مسلم ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه كريش الطير وقولهم لا يضر به ممنوع فإنه يضعفه وربما آل إلى تلفه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْبِنَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ] (٤/ ٤١٥)
«واستثنى مالك والشافعي - رحمهما الله - السنا أيضًا. قال: وهو خلاف أمر رسول الله ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: علماء الشافعية جوَّزوا أخذ الورق مطلقًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٤٧):
«ويجوز أخذ الورق ولا يضمنه لأنَّه لا يضر بها» اهـ.
قُلْتُ: وهل تجب في قطع شجر الحرم فدية في ذلك نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٤):
«فصل: ويجب في إتلاف الشجر والحشيش الضمان. وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي ذلك عن ابن عباس، وعطاء.
[ ٧ / ١٩٩ ]
وقال مالك، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر: لا يضمن؛ لأنَّ المحرم لا يضمنه في الحل، فلا يضمن في الحرم، كالزرع.
وقال ابن المنذر: لا أجد دليلًا أوجب به في شجر الحرم، فرضًا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: نستغفر الله تعالى، ولنا، ما روى أبو هشيمة، قال: رأيت عمر بن الخطاب، أمر بشجر كان في المسجد يضر بأهل الطواف، فقطع، وفدى.
قال: وذكر البقرة. رواه حنبل في "المناسك".
وعن ابن عباس، أنَّه قال: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة.
والدوحة: الشجرة العظيمة. والجزلة: الصغيرة. وعن عطاء نحوه.
ولأنَّه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فكان مضمونًا كالصيد، ويخالف المحرم، فإنَّه لا يمتنع من قطع شجر الحل، ولا زرع الحرم.
إذا ثبت هذا، فإنَّه يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: يضمن الكل بقيمته؛ لأنَّه لا مقدر فيه، فأشبه الحشيش.
ولنا، قول ابن عباس وعطاء؛ ولأنَّه أحد نوعي ما يحرم إتلافه، فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
فإن قطع غصنًا أو حشيشًا، فاستخلف، احتمل سقوط ضمانه، كما إذا جرح صيدًا فاندمل، أو قطع شعر آدمي فنبت، واحتمل أن يضمنه؛ لأنَّ الثاني غير الأول» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر بن الخطاب لم أقف عليه، وقد جاء عنه ما يدل على خلاف ذلك، وهو ما رواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٥/ ٢٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٧٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَأَى رَجُلًا يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، وَيَعْلِفُهُ بَعِيرًا لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: «عَلَيَّ بِالرَّجُلِ» فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ؟» قَالَ: فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ مَعِيَ نِضْوًا لِي، فَخَشِيتُ أَلَا يُبَلِّغَنِي أَهْلِي، وَمَا مَعِي مِنْ زَادٍ وَلَا نَفَقَةٍ قَالَ: فَرَقَّ لَهُ بَعْدَ مَا هَمَّ بِهِ، قَالَ: وَأَمَرَ لَهُ بِبَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ مُوقَرٍ طَحِينًا، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ: «لَا تَعُودَنَّ أَنْ تَقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ شَيْئًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ، ولم يأمره عمر بجزاء.
قَالَ الْحَافِظُ الْطَبَرِيُّ ﵀ (١/ ١٧) بعد روايته للأثر:
«فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا تَقَدَّمَ إِلَى الَّذِي رَآهُ يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَيَعْلِفَهُ بَعِيرًا لَهُ، بِالنَّهْيِ عَنِ الْعُودِ لِمِثْلِ مَا فَعَلَ مِنْ قَطْعِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِجَزَاءٍ وَلَا كَفَّارَةٍ لَمَّا قَطَعَ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا عَلَى مَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَطَعِهِ أَنْ يُقَالَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَطَعَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ
[ ٧ / ٢٠١ ]
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْ قَطْعِهِ، نَظِيرَ صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفَهِمْ عَلَى أَنَّ عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ جَزَاءٌ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَطْعِهِ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، نَظِيرَ مَا عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ، فَلَنْ يَقُولَ: فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ، فَإِنِ اعْتَلَّ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصَّيْدِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الشَّجَرِ قِيلَ: فَرَدَّ حُكْمَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ قَطْعِ الشَّجَرِ، عَلَى مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِيهِ، إِذْ كِلَاهُمَا إِتْلَافُ مَا قَدْ نُهِيَ عَنْ إِتْلَافِهِ، وَفِعْلُ مَا قَدْ حُظِرَ فِعْلُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا صَيْدٌ وَالْآخَرُ شَجَرٌ، وَإِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا، مِنْ إِيجَابِ قِيمَةِ مَا قُطِعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ عَلَى مَنْ قَطَعَهُ بَالِغًا ذَلِكَ مَا بَلَغَ، فَبَيِّنٌ أَنَّ عَلَى مَنْ قَطَعَ مِنْ فُرُوعِ شَجَرَةٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَرَعًا، أَوْ مِنْ أَغْصَانِهَا غُصْنًا، قِيمَةُ ذَلِكَ الْغُصْنِ، كَمَا عَلَى مَنْ جَرَحَ صَيْدًا مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَمْ يُتْلِفْهُ ذَلِكَ الْجُرْحُ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ الصَّيْدَ، إِذْ كَانَ عَلَيْهِ غُرْمُ جَزَائِهِ إِذَا أَتْلَفَ جَمِيعَهُ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ قَاطِعِ بَعْضِ فُرُوعِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَأَغْصَانِهَا، عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ مِنْهَا بِالْقَطْعِ، يَحْكُمُ بِذَلِكَ ذَوَا عَدْلٍ، كَمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ جَمِيعَهَا إِذَا قَطَعَ جَمِيعَهَا، وَفِيهِ أَيْضًا الْبَيَانُ الْبَيِّنُ عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ حَرَامٌ اصْطِيَادُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ، إِذْ كَانَ صَحِيحًا عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، فَاصْطِيَادُهُ أَوْكَدُ فِي التَّحْرِيمِ مِنْ تَنْفِيرِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَنَا قَائِلٌ: فَإِنَّكَ اعْتَلَلْتَ فِي إِيجَابِكَ الْجَزَاءَ عَلَى مَنْ
[ ٧ / ٢٠٢ ]
قَطَعَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الَّذِي لَا يُنْبِتُهُ بَنُو آدَمَ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَطَعِهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ مُجْمَعًا عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ أَنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ، كَانَ نَظِيرًا لَهُ قَاطِعُ بَعْضِ أَشْجَارِهِ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جَزَائِهِ بِقَطْعِهِ؟ وَقَدْ صَحَّحْتَ نَهْيَهُ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، أَفَتَقُولُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى مُنَفِّرِهِ مِنَ الْجَزَاءِ، مِثْلُ مَا عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ وَقَاتِلِ صَيْدِهِ؟ قِيلَ: أَوْجَبَ ذَلِكَ إِنْ أَدَّاهُ تَنْفِيرُهُ إِيَّاهُ إِلَى هَلَاكِهِ، وَكَانَ تَنْفِيرُهُ ذَلِكَ سَبَبَ عَطَبِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِي قَطْعِهِ شَجَرَهُ الْجَزَاءَ، إِذْ كَانَ قَطْعُهُ إِيَّاهُ سَبَبًا لِمَوْتِهِ وَهَلَاكِهِ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ تَنْفِيرِهِ إِيَّاهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ وَعَطَبِهِ، أَوْ هَلَاكًا لِشَيْءٍ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ بِتَنْفِيرِهِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُطْعِمُ شَيْئًا» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا أثر ابن عباس لم أقف عليه، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٦/ ٤٠٩): «هذا الأثر تبع في إيراده عنه الإمام ولم أر من خرجه بعد البحث عنه» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه الإمام مالك من التوبة والاستغفار. فإنَّ عمر ﵁ لم يأمر بالجزاء ولا القيمة والله أعلم.
٤ - أنَّ مكة فتحت عنوة، ولم تفتح صلحًا.
قُلْتُ: وقد حرر هذه المسألة أتم تحرير العلامة ابن القيم ﵀ فقد قال في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٢٩ - ٤٣٨):
[ ٧ / ٢٠٣ ]
«وفيها البيان الصريح بأنَّ مكة فتحت عنوة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ولا يعرف في ذلك خلاف إلَّا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه، وسياق القصة أوضح شاهد لمن تأمله لقول الجمهور، ولما استهجن أبو حامد الغزالي القول بأنَّها فتحت صلحًا، حكى قول الشافعي أنَّها فتحت عنوة في "وسيطه"، وقال: هذا مذهبه.
قال أصحاب الصلح: لو فتحت عنوة، لقسمها رسول الله ﷺ بين الغانمين كما قسم خيبر، وكما قسم سائر الغنائم من المنقولات، فكان يخمسها ويقسمها، قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم، فأمنهم، كان هذا عقد صلح معهم، قالوا: ولو فتحت عنوة، لملك الغانمون رباعها ودورها، وكانوا أحق بها من أهلها، وجاز إخراجهم منها، فحيث لم يحكم رسول الله ﷺ فيها بهذا الحكم، بل لم يرد على المهاجرين دورهم التي أخرجوا منها، وهى بأيدي الذين أخرجوهم، وأقرهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها، والانتفاع بها، وهذا مناف لأحكام فتوح العنوة، وقد صرح بإضافة الدور إلى أهلها، فقال: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل داره، فهو آمن".
قال أرباب العنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد داره، وإغلاقه بابه، وإلقائه سلاحه فائدة، ولم يقاتلهم خالد بن الوليد حتى قتل منهم جماعة، ولم ينكر عليه، ولما قتل مقيس بن صبابة، وعبد الله بن خطل ومن
[ ٧ / ٢٠٤ ]
ذكر معهما، فإنَّ عقد الصلح لو كان قد وقع، لاستثنى فيه هؤلاء قطعًا، ولنقل هذا وهذا، ولو فتحت صلحًا، لم يقاتلهم، وقد قال: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم"، ومعلوم أنَّ هذا الإذن المختص برسول الله ﷺ، إنَّما هو الإذن في القتال لا في الصلح، فإنَّ الإذن في الصلح عام.
وأيضًا فلو كان فتحها صلحًا، لم يقل: "إنَّ الله قد أحلها له ساعة من نهار"، فإنَّها إذا فتحت صلحًا كانت باقية على حرمتها، ولم تخرج بالصلح عن الحرمة، وقد أخبر بأنَّها في تلك الساعة لم تكن حرامًا، وأنَّها بعد انقضاء ساعة الحرب عادت إلى حرمتها الأولى.
وأيضًا فإنَّها لو فتحت صلحًا لم يعبئ جيشه: خيالتهم ورجالتهم ميمنة وميسرة، ومعهم السلاح، وقال لأبى هريرة: "اهتف لي بالأنصار"، فهتف بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله ﷺ، فقال: "أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم"، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصفا"، حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله؛ أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: "من أغلق بابه، فهو آمن". وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإنَّ كان قد تقدم صلح وكلا فإنَّه ينتقض بدون هذا.
[ ٧ / ٢٠٥ ]
وأيضًا فكيف يكون صلحًا، وإنَّما فتحت بإيجاف الخيل والركاب، ولم يحبس الله خيل رسوله وركابه عنها، كما حبسها يوم صلح الحديبية، فإنَّ ذلك اليوم كان يوم الصلح حقًا، فإنَّ القصواء لما بركت به، قالوا: خلأت القصواء، قال: "ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل"، ثم قال: "والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمة من حرمات الله إلا أعطيتهموها".
وكذلك جرى عقد الصلح بالكتاب والشهود، ومحضر ملأ من المسلمين والمشركين، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة، فجرى مثل هذا الصلح في يوم الفتح، ولا يكتب ولا يشهد عليه، ولا يحضره أحد، ولا ينقل كيفيته والشروط فيه، هذا من الممتنع البين امتناعه، وتأمل قوله: "إنَّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين"، كيف يفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها أعظم من قهر الفيل الذي كان يدخلها عليهم عنوة، فحبسه عنهم، وسلط رسوله والمؤمنين عليهم حتى فتحوها عنوة بعد القهر، وسلطان العنوة، وإذلال الكفر وأهله، وكان ذلك أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، وأظهر آية، وأتم نصرة، وأعلى كلمة من أن يدخلهم تحت رق الصلح، واقتراح العدو وشروطهم، ويمنعهم سلطان العنوة وعزها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله، وأعز به دينه، وجعله آية للعالمين.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّها لو فتحت عنوة، لقسمت بين الغانمين، فهذا مبنى على أنَّ الأرض داخلة في الغنائم التي قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها،
[ ٧ / ٢٠٦ ]
وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك، وأنَّ الأرض ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين، فإنَّ بلالًا وأصحابه لما طلبوا من عمر بن الخطاب ﵁ أن يقسم بينهم الأرض التي افتتحوها عنوة وهى الشام وما حولها، وقالوا له: خذ خمسها واقسمها، فقال عمر: هذا غير المال، ولكن أحبسه فيئًا يجرى عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه ﵃: اقسمها بيننا، فقال عمر: "اللهم اكفني بلالًا وذويه"، فما حال الحول ومنهم عين تطرف، ثم وافق سائر الصحابة ﵃ عمر ﵁ على ذلك، وكذلك جرى في فتوح مصر والعراق، وأرض فارس، وسائر البلاد التي فتحت عنوة لم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة.
ولا يصح أن يقال: إنَّه استطاب نفوسهم، ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعوه في ذلك، وهو يأبى عليهم، ودعا على بلال وأصحابه ﵃ وكان الذي رآه وفعله عين الصواب ومحض التوفيق، إذ لو قسمت، لتوارثها ورثة أولئك وأقاربهم، فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة، أو صبى صغير، والمقاتلة لا شيء بأيديهم، فكان في ذلك أعظم الفساد وأكبره، وهذا هو الذي خاف عمر ﵁ منه، فوفقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض، وجعلها وقفًا على المقاتلة تجرى عليهم فيئًا حتى يغزو منها آخر المسلمين، وظهرت بركة رأيه ويمنه على الإسلام وأهله، ووافقه جمهور الأئمة.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
واختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه، على أنَّ الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها، قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم، وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض، فعله، فإنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فعل الأقسام الثلاثة، فإنَّه قسم أرض قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر، وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين.
وعن أحمد رواية ثانية: أنَّها تصير وقفًا بنفس الظهور والاستيلاء عليها من غير أن ينشئ الإمام وقفها، وهي مذهب مالك.
وعنه رواية ثالثة: أنَّه يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول، إلا أن يتركوا حقوقهم منها، وهي مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين القسمة، وبين أن يقر أربابها فيها بالخراج، وبين أن يجليهم عنها وينفذ إليها قومًا آخرين يضرب عليهم الخراج.
وليس هذا الذي فعل عمر ﵁ بمخالف للقرآن، فإنَّ الأرض ليست داخلة في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها، ولهذا قال عمر: إنَّها غير المال، ويدل عليه أنَّ إباحة الغنائم لم تكن لغير هذه الأمة، بل هو من خصائصها، كما قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي"، وقد أحل الله سبحانه الأرض التي كانت بأيدي الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل إذا استولوا عليها عنوة، كما أحلها لقوم موسى، فلهذا قال موسى
[ ٧ / ٢٠٨ ]
لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، فموسى وقومه قاتلوا الكفار، واستولوا على ديارهم وأموالهم، فجمعوا الغنائم، ثم نزلت النار من السماء فأكلتها، وسكنوا الأرض والديار، ولم تحرم عليهم، فعلم أنها ليست من الغنائم، وأنها لله يورثها من يشاء.
فصل: وأمَّا مكة، فإنَّ فيها شيئًا آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهى أنَّها لا تملك، فإنَّها دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الرب تعالى الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين، وهم فيها سواء، ومنى مناخ من سبق، قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، والمسجد الحرام هنا، المراد به الحرم كله، كقوله تعالى: ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. فهذا المراد به الحرم كله، وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾، وفي الصحيح: أنَّه أسرى به من بيت أم هانئ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا، وإنَّما هو حضور الحرم والقرب منه، وسياق آية الحج تدل على ذلك، فإنَّه قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ
[ ٧ / ٢٠٩ ]
بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وهذا لا يختص بمقام الصلاة قطعًا، بل المراد به الحرم كله، فالذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، هو الذي توعد من صد عنه، ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه، فالحرم ومشاعره كالصفا والمروة، والمسعى ومنى، وعرفة، ومزدلفة، لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس، إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم، فهي مسجد من الله، وقفه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي ﷺ أن يبنى له بيت بمنى يظله من الحر، وقال: "منى مناخ من سبق".
ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف، إلى أنَّه لا يجوز بيع أراضي مكة، ولا إجارة بيوتها، هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وروى الإمام أحمد ﵀، عن علقمة بن نضلة، قال: كانت رباع مكة تدعى السوائب على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن.
وروى أيضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو: "من أكل أجور بيوت مكة، فإنَّما يأكل في بطنه نار جهنم" رواه الدارقطني مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وفيه: "إنَّ الله حرم مكة، فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها".
[ ٧ / ٢١٠ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا معمر، عن ليث، عن عطاء، وطاووس، ومجاهد، أنَّهم قالوا: يكره أن تباع رباع مكة أو تكرى بيوتها.
وذكر الإمام أحمد، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: من أكل من كراء بيوت مكة، فإنَّما يأكل في بطنه نارًا.
وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمر، قال: نهى عن إجارة بيوت مكة وعن بيع رباعها، وذكر عن عطاء، قال: نهى عن إجارة بيوت مكة.
وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف قال: حدثنا عبد الملك، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوت مكة، وقال: إنَّه حرام، وحكى أحمد عَنْ عُمَرَ، أنَّه نهى أن يتخذ أهل مكة للدور أبوابًا، لينزل البادي حيث شاء، وحكى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عن أبيه، أنَّه نهى أن تغلق أبواب دور مكة، فنهى من لا باب لداره أن يتخذ لها بابًا، ومن لداره باب أن يغلقه، وهذا في أيام الموسم.
قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك، كتاب الله وسنة رسوله، وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين. قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، وقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، وقال: ﴿إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ
[ ٧ / ٢١١ ]
دِيَارِكُمْ﴾ فأضاف الدور إليهم، وهذه إضافة تمليك، وقال النبي ﷺ، وقد قيل له: أين تنزل غدًا بدارك بمكة؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع"، ولم يقل: إنَّه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة، وأخبر أنَّ عقيلًا استولى عليها ولم ينزعها من يده، وإضافة دورهم إليهم في الأحاديث أكثر من أن تذكر، كدار أم هانئ، ودار خديجة، ودار أبي أحمد بن جحش وغيرها، وكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول، ولهذا قال النبي ﷺ: "وهل ترك لنا عقيل من منزل"، وكان عقيل هو ورث دور أبي طالب، فإنَّه كان كافرًا، ولم يرثه علي ﵁، لاختلاف الدين بينهما، فاستولى عقيل على الدور، ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، من مات، ورث ورثته داره إلى الآن، وقد باع صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف درهم، فاتخذها سجنًا، وإذا جاز البيع، والميراث، فالإجارة أجوز وأجوز، فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججهم في القوة والظهور لا تدفع، وحجج الله وبيناته لا يبطل بعضها بعضًا بل يصدق بعضها بعضًا، ويجب العمل بموجبها كلها، والواجب اتباع الحق أين كان.
فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأنَّ الدور تملك، وتوهب، وتورث، وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها
[ ٧ / ٢١٢ ]
يسكنها ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإنَّ هذه المنفعة إنَّما يستحق أن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها، لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب، والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها، فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى، لم يكن له أن يعاوض، وقد صرح أرباب هذا القول بأنَّ البيع ونقل الملك في رباعها إنَّما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة. فإن قيل: فقد منعتم الإجارة، وجوزتم البيع، فهل لهذا نظير في الشريعة، والمعهود في الشريعة أنَّ الإجارة أوسع من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز الإجارة، كالوقف والحر، فأمَّا العكس، فلا عهد لنا به؟.
قيل: كل واحد من البيع والإجارة عقد مستقل غير مستلزم للآخر في جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف، وأحكامهما مختلفة، وإنَّما جاز البيع، لأنَّه وارد على المحل الذي كان البائع أخص به من غيره، وهو البناء، وأمَّا الإجارة فإنَّما ترد على المنفعة، وهي مشتركة، وللسابق إليها حق التقدم دون المعاوضة، فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة، فإن أبيتم إلَّا النظير، قيل: هذا المكاتب يجوز لسيده بيعه، ويصير مكاتبًا عند مشتريه، ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطال منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة، والله أعلم. على أنَّه لا يمنع البيع، وإن كانت منافع أرضها
[ ٧ / ٢١٣ ]
ورباعها مشتركة بين المسلمين، فإنَّها تكون عند المشترى كذلك مشتركة المنفعة، إن احتاج سكن، وإن استغنى أسكن كما كانت عند البائع، فليس في بيعها إبطال اشتراك المسلمين في هذه المنفعة، كما أنَّه ليس في بيع المكاتب إبطال ملكه لمنافعه التي ملكها بعقد المكاتبة، ونظير هذا جواز بيع أرض الخراج التي وقفها عمر ﵁ على الصحيح الذي استقر الحال عليه من عمل الأمة قديمًا وحديثًا، فإنَّها تنتقل إلى المشترى خراجية، كما كانت عند البائع، وحق المقاتلة إنَّما هو في خراجها، وهو لا يبطل بالبيع، وقد اتفقت الأمة على أنَّها تورث، فإن كان بطلان بيعها لكونها وقفًا، فكذلك ينبغي أن تكون وقفيتها مبطلة لميراثها، وقد نص أحمد على جواز جعلها صداقًا في النكاح، فإذا جاز نقل الملك فيها بالصداق والميراث والهبة، جاز البيع فيها قياسًا، وعملًا، وفقها. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر عبد الله بن عمرو بن العاص رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٩٠٣)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٦٣)، والدارقطني [سُنَنِه] (٣٠١٧)، والفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢٠٥١، ٢٠٥٢) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكَّةَ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وفي عبيد الله بن أبي زياد كلام لا ينزل حديثه عن الحسن. وأبو نجيح هو يسار.
[ ٧ / ٢١٤ ]
وأثر عمر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٢١١)، والفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٠٤٩)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (٢٤٦)
مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا، لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فمجاهد لم يدرك عمر.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٢١٠) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ، وَأَخْبَرَنِي: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُبَوَّبَ دُورُ مَكَّةَ؛ لِأَنْ يَنْزِلَ الْحَاجُّ فِي عَرَصَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوَّبَ دَارَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ بَابَيْنِ يَحْبِسَانِ ظَهْرِي قَالَ: «فَذَلِكَ إِذًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ أيضًا فعطاء لم يدرك عمر، والأثر حسن من هذين الوجهين.
٥ - استفتاح الخطب بالحمد والثناء.
٦ - أنَّ هناك من الأحكام ما جاءت مخصوصة بالنبي ﷺ دون غيره.
٧ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٣):
[ ٧ / ٢١٥ ]
«ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون ادعى لقبولهم النصيحة، وأنَّ السلطان لا يخاطب إلَّا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه فترك ذلك والغلظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه، وسيأتي في الحدود قول والد العسيف: "وأئذن لي"» اهـ.
٨ - احتج بقوله: «وَوَعَاهُ قَلْبِي». أنَّ العقل محله القلب.
قُلْتُ: وأصرح دليل في ذلك قول الله ﷿: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
وقد حرر القول في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تحريرًا طيبًا فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤):
«فصل: وأمَّا قوله: أين مسكن العقل فيه؟ فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل، وأمَّا من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم: قال: "بلسان سئول وقلب عقول"، لكن لفظ "القلب" قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوداء كما في الصحيحين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد". وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا فإنَّ قلب
[ ٧ / ٢١٦ ]
الشيء باطنه كقلب الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك، ومنه سمي القليب قليبًا لأنَّه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إنَّ العقل في الدماغ. كما يقوله كثير من الأطباء ونقل ذلك عن الإمام أحمد. ويقول طائفة من أصحابه: إنَّ أصل العقل في القلب فإذا كمل انتهى إلى الدماغ.
والتحقيق: أنَّ الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يراد به العلم ويراد به العمل فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة وأصل الإرادة في القلب والمريد لا يكون مريدًا إلَّا بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصورًا فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء، وكلا القولين له وجه صحيح. وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق والله أعلم» اهـ.
٩ - وفيه الحث على تبليغ العلم.
* * *
[ ٧ / ٢١٧ ]
٢١٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
وَقَالَ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا. وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ».
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا الإِذْخِرَ. فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: «إلَّا الإِذْخِرَ».
القينُ: الحَدَّادُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - انقطاع الهجرة بعد فتح مكة، وقد جاء ما يدل على استمرار الهجرة بعد ذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد (١٦٩٥٢)، وأبو داود (٢٤٧٩) مِنْ طَرِيْقِ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
[ ٧ / ٢١٨ ]
قُلْتُ: أبو هند هذا مجهول، لكن يشهد له ما رواه أحمد (١٦٧١) حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، يَرُدُّهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ، عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتَلُ».
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْأُخْرَى أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَلا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وابن السعدي هو عبد الله.
وروى أحمد (١٦٦٤٨) حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ».
[ ٧ / ٢١٩ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وحجاج هو ابن محمد المصيصي، والليث هو ابن سعد، وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني.
قُلْتُ: وقد جمع العلماء بين حديث الباب، وهذه الأحاديث بعدة جموعات منها:
أ- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب فإنَّ هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام فقال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ»، وأمَّا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فما زالت مشروعة.
ب- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة الواجبة، والمثبتة هي المستحبة. قاله الخطابي.
قُلْتُ: وليس هذا بصواب فإنَّ وجوب الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين في حق من لم يتمكن من إقامة دينه ما زال باقيًا ولم ينسخ.
ج- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة العامة على جميع المسلمين، فقد كان يجب على جميع المسلمين قبل فتح مكة أن يهاجروا إلى المدينة لتقوية المسلمين، وأمَّا الهجرة المثبتة فهي الهجرة التي تجب على بعض المسلمين دون بعض، كمن لا يستطيع إقامة دينه في بلاد الكافرين مثلًا.
د- أنَّ المراد بذلك لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح.
[ ٧ / ٢٢٠ ]
٢ - وفي الحديث ما يدل على أنَّ مكة لا تصير دار كفر، بل تبقى دار إسلام ما دام الإسلام في الأرض.
٣ - وفيه أنَّ الجهاد ما زال حكمه باقيًا في الأمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١١):
«وقوله: "ولكن جهاد ونية"؛ أي: ولكن يبقى جهاد ونية. أو جهاد ونية باقيان؛ أي: نية في الجهاد، أو في فعل الخيرات. وهو يدل على استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة، وأنَّه لم ينسخ، لكنه يجب على الكفاية، وإنَّما يتعين إذا دهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين، فيتعين على كل من تمكن من نصرتهم، وإذا استنفرهم الإمام تعين على كل من استنفره؛ لنص هذا الحديث على ذلك. وهو أمر مجمع عليه» اهـ.
٤ - وفيه الترغيب بنية الجهاد لمن عجز عن إقامته.
وقد روى مسلم (١٩١٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».
٥ - واحتج به على عدم فرضية الجهاد على التعيين بعد الفتح.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٦/ ١٤١):
«وقوله: "ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا": فيه دليل أنَّ الجهاد بعد الفتح لم يجب بكل حال، ولا وقعت البيعة عليه حتمًا كما كان قبل الفتح، لكن من شاء جاهد ومن شاء ترك بنية الجهاد متى أمكنه ونشط له، وهو معنى قوله صَلَّى
[ ٧ / ٢٢١ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ولكن جهاد ونية". والله أعلم - إلَّا أن ينزل بقوم عدو، أو تدعو إلى خروجه للجهاد ضرورة فيتعين عليه» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٣١):
«وأمَّا من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قال: "جهاد ونية"» اهـ.
٦ - وفيه وجوب الجهاد على من استنفره الإمام، ويدل على ذلك أيضًا قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقُلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩].
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ١٨):
«وقوله: "وإذا استنفرتم فانفروا"؛ أي: طلب منكم الإمام النفير. وهو: الخروج إلى الغزو، فحينئذ يتعين الغزو على من استنفر بلا خلاف» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٣٥):
«قوله ﷺ: "وإذا استنفرتم فانفروا". معناه: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا، وهذا دليل على أنَّ الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه
[ ٧ / ٢٢٢ ]
كلهم أثموا كلهم، قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلَّا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية، وأمَّا في زمن النبي ﷺ فالأصح عند أصحابنا أنَّه كان أيضًا فرض كفاية. والثاني: أنَّه كان فرض عين، واحتج القائلون بأنَّه كان فرض كفاية بأنَّه كان تغزو السرايا، وفيها بعضهم دون بعض» اهـ.
قُلْتُ: وجهاد الدفع وإن كان من فروض الأعيان لكنه كغيره من فروض الأعيان يسقط عند العجز، ولهذا نهى الله ﷿ المؤمنين لما كانوا في مكة عن الجهاد مع أنَّ جهادهم لو جاهدوا لكان من قبيل الدفع، فقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧].
وهكذا قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٨، ١٢٩]. مع أنَّ جهادهم لو جاهدوا كان من قبيل الدفع أيضًا.
وهكذا يقول الله ﷿ لنبيه عيسى ﵊ في آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج:
[ ٧ / ٢٢٣ ]
«إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ». رواه مسلم (٢٩٣٧) عن النواس بن سمعان عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عن ربه ﷿.
مع أنَّهم أيضًا لو جاهدوا لكان جهادهم من قبيل الدفع.
فدلَّ ذلك على أنَّ قتال الدفع يسقط عند العجز.
٧ - وفيه تعظيم حرمة البلد الحرام، وذلك أنَّ الله ﷿ حرمه قبل خلق السموات والأرض.
٨ - وفيه أنَّ حرمته مستمرة لا تنسخ إلى قيام الساعة.
٩ - وفيه حرمة ابتداء القتال في المسجد الحرام.
١٠ - وفيه أنَّ القتال فيه في تلك الساعة دون غيرها مما خص به النبي ﷺ دون غيره.
قُلْتُ: وهذه الساعة انتهت في العصر، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٦٦٨١) حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عُمَرَو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُفُّوا السِّلَاحَ إِلَّا خُزَاعَةَ عَنْ بَنِي بَكْرٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ قَالَ: «كُفُّوا السِّلَاحَ»، فَلَقِيَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ، مِنْ غَدٍ، بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ، وَرَأَيْتُهُ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ،
[ ٧ / ٢٢٤ ]
قَالَ: «إِنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ».
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا ابْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ» قَالُوا: وَمَا الْأَثْلَبُ؟ قَالَ: «الْحَجَرُ».
قَالَ: «وَفِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ، وَفِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ».
قَالَ: وَقَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ».
قَالَ: «وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ، إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وحسين هو ابن ذكوان المعلم.
١١ - وفيه النهي عن قطع شوك الحرم.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في هذه المسألة، والصواب المقطوع به هو ما دل عليه هذا الحديث من منع ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩):
«فصل: ويحرم قطع الشوك، والعوسج.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
وقال القاضي، وأبو الخطاب: لا يحرم. وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي؛ لأنَّه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان.
ولنا، قول النبي ﷺ: "لا يعضد شجرها". وفي حديث أبي هريرة: "لا يختلى شوكها".
وهذا صريح.
ولأنَّ الغالب في شجر الحرم الشوك، فلما حرم النبي ﷺ قطع شجرها، والشوك غالبه، كان ظاهرًا في تحريمه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٠):
«وقوله ﷺ: "لا يعضد شوكها"، وفي اللفظ الآخر: "لا يختلى شوكها" صريح في المنع، ولا يصح قياسه على السباع العادية، فإنَّ تلك تقصد بطبعها الأذى، وهذا لا يؤذى من لم يدن منه» اهـ.
قُلْتُ: على أنَّه لا يلتفت للقياس مع وجود النص.
وقد أنصف في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَالَ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٧): «قوله ﷺ: "لا يعضد شوكه".
فيه دلالة لمن يقول بتحريم جميع نبات الحرم من الشجر والكلأ، سواء الشوك المؤذي وغيره، وهو الذي اختاره المتولي من أصحابنا، وقال جمهور أصحابنا: لا يحرم الشوك؛ لأنَّه مؤذ، فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس، والصحيح ما اختاره المتولي. والله أعلم» اهـ.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
١٢ - وفيه النهي عن تنفير الصيد، وهو إزعاجه ليفر.
١٣ - ويدل بفحوى الخطاب على تحريم صيده، وقتله.
قُلْتُ: والصيد الذي ورد النهي عن قتله، وجعل فيه الجزاء ما كان مباحًا أكله، وكان مع ذلك وحشيًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٤):
«والصيد ما جمع ثلاثة أشياء، وهو أن يكون مباحًا أكله، لا مالك له، ممتنعًا.
فيخرج بالوصف الأول كل ما ليس بمأكول لا جزاء فيه، كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات، والطير، وسائر المحرمات.
قال أحمد: إنَّما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله. وقال: كل ما يؤذي إذا أصابه المحرم يؤكل لحمه.
وهذا قول أكثر أهل العلم، إلَّا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره، كالسبع المتولد من الضبع والذئب، تغليبًا لتحريم قتله، كما علقوا التحريم في أكله.
وقال بعض أصحابنا: في أم حَبَيْنٍ جدي.
وأم حبين: دابة منتفخة البطن.
وهذا خلاف القياس؛ فإنَّ أمَّ حَبَيْنٍ لا تؤكل، لكونها مستخبثة عند العرب. حكي أنَّ رجلًا من العرب سئل ما تأكلون؟ قال: ما دب ودرج، إلَّا أمَّ حَبَيْنٍ.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
فقال السائل: ليهن أمَّ حَبَيْنٍ العافية.
وإنَّما تبعوا فيها قضية عثمان ﵁ فإنَّه قضى فيها بحلان، وهو الجدي.
والصحيح أنَّه لا شيء فيها.
وفي القمل روايتان، ذكرناهما فيما مضى والصحيح، أنَّه لا شيء فيه؛ لأنَّه غير مأكول، وهو من المؤذيات، ولا مثل له ولا قيمة.
قال ميمون بن مهران: كنت عند عبد الله بن عباس، فسأله رجل، فقال: أخذت قملة فألقيتها، ثم طلبتها فلم أجدها.
فقال ابن عباس: تلك ضالة لا تبتغى.
وقال القاضي: إنَّما الروايتان فيما أزاله من شعره، فأمَّا ما ألقاه من ظاهر بدنه أو ثوبه، فلا شيء عليه، رواية واحدة.
ومن أوجب فيه الجزاء قال: أي شيء تصدق به فهو خير.
واختلفت الرواية في الثعلب، فعنه: فيه الجزاء. وبه قال طاووس، وقتادة، ومالك، والشافعي.
وقال: هو صيد يؤكل، وفيه الجزاء.
وعن أحمد: لا شيء فيه. وهو قول الزهري، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وابن المنذر.
واختلف فيه عن عطاء؛ لأنَّه سبع، وقد نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
وإذا أوجبنا فيه الجزاء، ففيه شاة؛ لأنَّه روي ذلك عن عطاء.
واختلفت الرواية في السنور، أهليًا كان أو وحشيًا والصحيح أنَّه لا جزاء فيه. وهو اختيار القاضي؛ لأنَّه سبع، وليس بمأكول.
وقال الثوري، وإسحاق: في الوحشي حكومة، ولا شيء في الأهلي؛ لأنَّ الصيد ما كان وحشيًا.
واختلفت الرواية في الهدهد والصرد؛ لاختلاف الروايتين في إباحتهما، وكل ما اختلف في إباحته يختلف في جزائه، فأمَّا ما يحرم، فالصحيح أنَّه لا جزاء فيه؛ لأنَّه مخالف للقياس، ولا نص فيه.
الوصف الثاني، أن يكون وحشيًا، وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله، كبهيمة الأنعام كلها، والخيل، والدجاج، ونحوها.
لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافًا، والاعتبار في ذلك بالأصل، لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، وكذلك وجب الجزاء في الحمام أهليه ووحشيه، اعتبارًا بأصله.
ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء.
قال أحمد، في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها؛ لأنَّ الأصل فيها الإنسي.
وإن تولد من الوحشي والأهلي ولد، ففيه الجزاء، تغليبًا للتحريم، كقولنا في المتولد بين المباح والمحرم.
[ ٧ / ٢٢٩ ]
واختلفت الرواية في الدجاج السندي، هل فيه جزاء؟ على روايتين.
وروى مهنا، عن أحمد، في البط، يذبحه المحرم إذا لم يكن صيدًا.
والصحيح أنَّه يحرم عليه ذبحه، وفيه الجزاء؛ لأنَّ الأصل فيه الوحشي، فهو كالحمام» اهـ.
قُلْتُ: أثر عثمان رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤٣١) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ أُمَّ حَبَيْنٍ فَحَكَمَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ فِيهَا بَحَمَلٍ وَهُوَ الْفَصِيلُ».
ورواه الشافعي في [الْمُسْنَد] (٨٩٠)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٠٥٤٥)، و[الْكُبْرَى] (٩٨٩١) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ: «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قَضَى فِي أُمِّ حُبَيْنٍ بِحُلانِ مِنَ الْغَنَمِ».
قُلْتُ: رواية الشافعي أصح، وَهَذَا أَثَرٌ مُنْقَطِعٌ لَا يَصِحُّ.
والحلان صغار الغنم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٢٩٦):
«قال أصحابنا: يحرم عليه كل صيد برى مأكول، أو في أصله مأكول، وحشيًا كان أو في أصله وحشي. هذا ضابطه، فأمَّا ما ليس بصيد كالبقر والغنم والإبل والخيل وغيرها من الحيوان الإنسي فليس بحرام بالإجماع؛ لأنَّه ليس بصيد، وإنَّما حرم الشرع الصيد» اهـ.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء هل يجب على غير المحرم إذا صاد في الحرم جزاء، أو لا يجب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٤٥١):
«فإذا عرفت هذا، فاعلم أنَّ الحلال إذا قتل صيدًا في الحرم المكي، فجمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار على أنَّ عليه الجزاء، وهو كجزاء المحرم المتقدم، إلَّا أنَّ أبا حنيفة قال: ليس فيه الصوم؛ لأنَّه إتلاف محض من غير محرم.
وخالف في ذلك داود بن علي الظاهري، محتجًا بأنَّ الأصل براءة الذمة، ولم يرد في جزاء صيد الحرم نص، فيبقى على الأصل الذي هو براءة الذمة، وقوله هذا قوي جدًا.
واحتج الجمهور: بأنَّ الصحابة ﵃ قضوا في حمام الحرم المكي بشاة شاة، روي ذلك عَنْ عُمَرَ، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم؛ فيكون إجماعًا سكوتيًا، واستدلوا أيضًا بقياسه على صيد المحرم، بجامع أنَّ الكل صيد ممنوع لحق الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: ولم ينفرد بذلك داود، بل هذا هو ظاهر مذهب سعيد بن جبير ﵀، فقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٧٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ حَجَلَةٍ، ذَبَحْتُهَا، وَأَنَا مُحِلٌّ بِمَكَّةَ «فَلَمْ يَرَ عَلَيَّ بَأْسًا».
[ ٧ / ٢٣١ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٣٢٤):
«والحجل طائر على قدر الحمام، كالقطا أحمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر، وهو صنفان: نجدي وتهامي، فالنجدي أخضر اللون أحمر الرجلين، والتهامي فيه بياض وخضرة» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في ذلك هو ما ذهب إليه أكثر العلماء من إيجاب الجزاء لكل من صاد في الحرم عملًا بعموم فتاوى أصحاب النبي ﷺ في ذلك. والله أعلم.
وصفة الجزاء مذكورة في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].
قُلْتُ: ونص الآية يدل على أنَّ الجزاء لا يجب إلَّا على المتعمد، وأمَّا الناسي والمخطئ فليس عليهما جزاء، وهذا هو الصحيح، وقد ذهب إليه أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير، وأبو ثور، وهو مذهب داود، وروي أيضًا عن ابن عباس، وطاووس.
[ ٧ / ٢٣٢ ]
وأوجب جمهور العلماء الجزاء على الجميع، وحملوا قيد العمد على أنَّه من القيود التي خرجت مخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له. وهذه دعوى مجردة عن البرهان فلا تقبل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٩٩):
«وهذا يدل على أنَّه لا جزاء في الخطأ من وجوه:
أحدها: أنَّ الله نهى المحرم عن قتل الصيد، والناسي والمخطئ غير مكلف فلا يكون منهيًا، وإذا لم يكن منهيًا لم يكن عليه جزاء لأنَّ القتل المضمون هو القتل المنهي عنه كما دل عليه سياق الآية.
الثاني: أنَّه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. فقد نص على وجوب الجزاء على المتعمد فيبقى المخطئ بريء الذمة فلا يجوز أن يوجب عليه الشيء لبراءة ذمته.
الثالث: أنَّه خص المتعمد بإيجاب الجزاء بعد أن تقدم ذكر القتل الذي يعم المتعمد وغيره ومتى ذكرت الصفة الخاصة بعد الاسم العام كان تخصيصها بالذكر دليلًا قويًا على اختصاصها بالحكم أبلغ من لو ذكرت الصفة مبتدأة إذ لو لم يختص بالحكم كان ذكر المتعمد زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى ومثل هذا يعد عيًا في الخطاب وهذا المفهوم لا يكاد ينكره من له أدنى ذوق بمعرفة الخطاب.
[ ٧ / ٢٣٣ ]
الرابع: أنَّ المتعمد اسم مشتق من العمد مناسب كان ما منه الاشتقاق علة الحكم فيكون وجوب الجزاء لأجل التعمد فإذا زال التعمد زال وجوب الجزاء لزوال علته.
الخامس: أنَّه أوجب الجزاء ليذوق وبال أمره والمخطئ ليس عليه وبال فلا يحتاج إلى إيجاب الجزاء.
وأيضًا فضمان الصيد ليس حقًا لآدمي وإنَّما هو حق لله وما حرمه الله إذا فعله ناسيًا أو مخطئًا لا مؤاخذة عليه ولا جزاء» اهـ.
قُلْتُ: واحتجوا أيضًا بإطلاقات الأحاديث التي فيها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضى بالجزاء من غير استفصال هل كان متعمدًا، أو ناسيًا، أو مخطأ، فدل ذلك على استواء كل ذلك في الجزاء، إذ لو كان الحكم يختلف باختلافها لا ستفسر عنها.
والجواب على ذلك أنَّ الأصل في قتل الصيد هو العمد، فلم يحتج أن يستفصل عن غيره، ولهذا لم يستفصل النبي ﷺ هل كان عاديًا عليه أو لا، مع أنَّهم يفرقون بين المسألتين، فيرون أن لا جزاء على من قتل صيدًا قد صال عليه.
واحتجوا أيضًا بالقياس على قتل الخطإ فإنَّ الدية واجبة عليه وإن كان لا إثم عليه.
والجواب من وجهين:
الأول: أنَّه قياس في مقابل نص فلا يعتبر به.
[ ٧ / ٢٣٤ ]
الآخر: أنَّ هنالك فرقًا بين حقوق الله، وحقوق العباد، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام في الوجه الخامس.
قُلْتُ: وقد بيَّن الله ﷿ في هذه الآية كيفية الجزاء فقال: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وظاهر المثلية هي المثلية في الخلقة والصورة وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى أنَّ المثلية إنَّما تكون في القيمة أي قيمة الصيد في المكان الذي قتله فيه، أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هديًا إن شاء، أو يشتري بها طعامًا، ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر.
قُلْتُ: والصواب مذهب الجمهور لوجوه ذكرها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٨١ - ٢٨٣) حيث قال: «والمراد بالمثل ما مثال الصيد من جهة الخلقة والصورة سواء كانت قيمته أزيد من قيمة المقتول أو أنقص بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.
أمَّا الأول فمن وجوه: أحدها: أنَّ الله أوجب مثل المقتول والمثل إنَّما يكون من جنس مثله فعلم أنَّ المثل حيوان ولهذا يقول الفقهاء في الأموال ذوات الأمثال وذوات القيم وهذا الشيء يضمنه بمثله وهذا يضمن بقيمته والأصل بقاء
[ ٧ / ٢٣٥ ]
العبارات على ما كانت عليه في لغة العرب الذين نزل القرآن بلسانهم وقيمة المتلف لا يسمى مثلًا.
الثاني: أنَّ الله أوجب المثل من النعم احترازًا من إخراج المثل من نوع المقتول، فإنَّه لو أطلق المثل لفهم منه أن يخرج عن الضبع ضبع وعن الظبي ظبي، ولو كان المثل هو قيمة المقتول لكان الواجب في ذمة القاتل قيمة الصيد، ثم إنَّه يصرفها في شراء هدى أو شراء صدقة حينئذ فلا فرق بين الهدى وبين الصدقة حتى يجعل المثل من أحدهما دون الآخر.
الثالث: أنَّ قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بيان لجنس المثل كقولهم باب من حديد وثوب خز، وذلك يوجب أن يكون المثل من النعم، ولو كان المثل هو القيمة والنعم مصرف لها لقيل: جزاء مثل ما قتل في النعم.
الرابع: أنَّه لو كان المراد بالمثل القيمة لم يكن فرق بين صرفها في الهدى والصدقة، وكذلك لو أريد بالمثل الهدى باعتبار مساواته للمقتول في القيمة، فإنَّ الهدى والقيمة مثل بهذا الاعتبار، وكان يجب على هذا أن يقال فجزاء مثل ما قتل من النعم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين بالخفض والتقدير فجزاء مثل المقتول من النعم ومن الكفارة فإنَّهما على هذا التقدير سواء فلما كانت القراءة ترفع كفارة علم أنَّها معطوفة على جزاء، وأنَّها ليست من المثل المذكور في الآية، وذلك يوجب أن لا يكون المثل القيمة ولا ما اشترى بالقيمة.
الخامس: أنَّه سبحانه قال في جزاء المثل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ولا يجوز أن يكون المراد به تقويم التلف، لأنَّ التقويم بالنسبة إلى الهدي والصدقة واحد فلما خص ذوى العدل بالجزاء دون الكفارة علم أنَّه المثل من جهة الخلقة والصورة.
فإن قيل فالآية تقتضي إيجاب الجزاء في قتل صيد وذلك يعم ما له نظير وما لا نظير له وهذا إنَّما يكون في القيمة.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
قلنا: يقتضي إيجاب جزاء المثل من النعم إن أمكنه؛ لأنَّه أوجب واحدًا من ثلاثة وذلك مشروط بالإمكان بدليل من يوجب القيمة إنَّما يصرفها في النعم إذا أمكن أن يشتري بها فتكون القيمة لا تصلح لشراء هدى هو بمثابة عدم النظير في الخلقة.
وأمَّا السنة وعليه اعتمد أحمد فما روى جابر بن عبد الله قال جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشًا وجعله من الصيد رواه أبو داود وابن ماجة.
وأمَّا إجماع الصحابة فإنَّه روي عَنْ عُمَرَ وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير أنَّهم قضوا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش وبقره الأيل والتبتل والوعل ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة، وإنَّما حكموا بذلك لمماثلته في الخلقة لا على جهة القيمة لوجوه:
أحدها: أنَّ ذلك مبين في قصصهم كما سيأتي بعضه إن شاء الله.
[ ٧ / ٢٣٧ ]
الثاني: أنَّ كل واحد من هذه القضايا تعددت في أمكنة وأزمنة مختلفة فلو كان المحكوم به قيمته لاختلفت باختلاف الأوقات والبقاع فلما قضوا به على وجه واحد علم أنَّهم لم يعتبروا القيمة.
الثالث: أنَّه معلوم أنَّ البدنة أكثر قيمة من النعامة، والبقرة أكثر قيمة من حمار الوحش، والكبش أكثر قيمة كما شهد به عرف الناس.
الرابع: أنَّهم قضوا في اليربوع جفرة» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٩):
«الفصل السادس، أنَّ جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من النعم. هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم الشافعي.
وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة ويجوز فيها المثل؛ لأنَّ الصيد ليس بمثلي.
ولنا، قول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
وجعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا.
وأجمع الصحابة على إيجاب المثل، فقال عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية: في النعامة بدنة.
وحكم أبو عبيدة، وابن عباس، في حمار الوحش ببدنة. وحكم عمر فيه ببقرة.
وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة.
[ ٧ / ٢٣٨ ]
وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة، والبلدان المتفرقة، دل ذلك على أنَّه ليس على وجه القيمة، ولأنَّه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة، إما برؤية أو إخبار، ولم ينقل عنهم السؤال عن ذلك حال الحكم، ولأنَّهم حكموا في الحمام بشاة، ولا يبلغ قيمة شاة في الغالب.
إذا ثبت هذا، فليس المراد حقيقة المماثلة، فإنَّها لا تتحقق بين النعم والصيد، لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر المثلية أيضًا أنَّ الصغير من الصيد يقضي له بصغير من بهيمة الأنعام، والكبير بالكبير، وهذا مذهب أكثر العلماء خلافًا لمالك، فإنَّه اشترط في ذلك أن يكون في سن الأضحية لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٣٩):
«"الرابعة" الواجب في الصغير من الصيد المثلي صغير مثله من النعم وبه قال ابن عمر وعطاء والثوري وأحمد وأبو ثور. وقال مالك يجب فيه كبير لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، والصغير لا يكون هديًا وإنَّما يجزئ من الهدي ما يجزئ في الأضحية وبالقياس علي قتل الآدمي فانَّه يقتل الكبير بالصغير.
دليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ومثل الصغير صغير ودليل آخر وهو ما قدمناه عن الصحابة ﵃ أنَّهم حكموا في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة وفى أم حبين بحلال فدل على أنَّ الصغير يجزئ وأنَّ الواجب
[ ٧ / ٢٣٩ ]
يختلف باختلاف الصغير والكبير، وقياسًا على سائر المضمونات، فإنَّها تختلف مقادير الواجب فيها.
والجواب عن الآية التي احتج بها أنَّها مطلقة وهنا مقيدة بالمثل وعن قياسهم علي قتل الآدمي أنَّ تلك الكفارة لا تختلف باختلاف أنواع الآدميين من حر وعبد ومسلم وذمي لم تختلف في قدرها بخلاف ما نحن فيه والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر المثلية أيضًا أنَّ المعيب يفدى بمعيب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وخالف الإمام مالك فقال: يفدى المعيب بصحيح، لأنَّ المعيب لا يصح أن يكون هديًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٣٣):
«وقد أجمع الصحابة على الضمان بما لا يصح هديًا، كالجفرة والعناق والجدي».
إلى أن قال ﵀: «فإن فدى المعيب بصحيح فهو أفضل، وإن فداه بمعيب مثله جاز. وإن اختلف العيب، مثل أن فدى الأعرج بأعور، أو الأعور بأعرج، لم يجز، لأنَّه ليس بمثله.
وإن فدى أعور من أحد العينين بأعور من أخرى، أو أعرج من قائمة بأعرج من أخرى جاز؛ لأنَّ هذا اختلاف يسير، ونوع العيب واحد، وإنَّما اختلف محله» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٠٣):
«والأصل في ذلك أنَّ الله أوجب مثل المقتول من النعم ومثل الصغير صغير كما أنَّ مثل الكبير كبير.
[ ٧ / ٢٤٠ ]
وقوله: بعد ذلك: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. لا يمنع من إخراج الصغير لأنَّ كل ما يهدي إلى الكعبة فهو هدى، ولهذا لو قال لله عليَّ أن أهدي الجفرة جاز.
نعم الهدي المطلق لا يجوز فيه إلَّا الجذع من الضأن، والثني من المعز. والهدي المذكور في الآية ليس بمطلق فإنَّه منصوب على الحال من قوله: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾. والتقدير فليخرج مثل المقتول على وجه الإهداء إلى الكعبة وهذا هدي مقيد لا مطلق فعلى هذا منه ما يجب في جنسه الصغير كما تقدم ومنه ما يجب في جنسه الصغير والكبير فينظر إلى المقتول فيتغير صفاته فيجب في الصغير صغير وفي الكبير كبير وفي الذكر ذكر وفي الأنثى أنثى وفي الصحيح صحيح وفي المعيب معيب تحقيقًا لمماثلة المذكورة في الآية.
فإن كان الصيد سمينًا أو مسنًا أو كريم النوع أعتبر في مثله ذلك ويفتقر هنا في المماثلة إلى الحكمين هذا قول ابن أبي موسى والقاضي وعامة من بعده من أصحابنا وإن فدى الصغير بالكبير فهو أحسن» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر المثلية تكون أيضًا في الذكورة والأنوثة، كما سبق في كلام شيخ الإسلام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٣٢):
[ ٧ / ٢٤١ ]
«فصل: قال أصحابنا: في كبير الصيد مثله من النعم، وفي الصغير صغير، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب. وبهذا قال الشافعي» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر المثلية أيضًا أنَّ الواحد لا يفدى إلَّا بواحد، فلو اجتمع جماعة على قتل صيد لزمهم جميعًا جزاءً واحدًا من بهيمة الأنعام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤):
«مسألة: قال: "ولو اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد" يروى عن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات؛ إحداهن، أنَّ الواجب جزاء واحد. وهو الصحيح.
ويروى هذا عَنْ عُمَرَ بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر ﵃ وبه قال عطاء، والزهري، والنخعي، والشعبي، والشافعي، وإسحاق.
والثانية، على كل واحد جزاء. رواهما ابن أبي موسى، واختارها أبو بكر.
وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ويروى عن الحسن؛ لأنَّها كفارة قتل يدخلها الصوم، أشبهت كفارة قتل الآدمي.
والثالثة، إن كان صومًا صام كل واحد صومًا تامًا، وإن كان غير ذلك فجزاء واحد، وإن كان أحدهما هدي والآخر صوم، فعلى المهدي بحصته، وعلى الآخر
[ ٧ / ٢٤٢ ]
صوم تام؛ لأنَّ الجزاء ليس بكفارة، وإنَّما هو بدل، بدليل أنَّ الله تعالى عطف عليه الكفارة، فقال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
والصوم كفارة، ككفارة قتل الآدمي.
ولنا، قول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. والجماعة قد قتلوا صيدًا، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب، ومتى ثبت اتخاذ الجزاء في الهدي، وجب اتخاذه في الصيام؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. والاتفاق حاصل أنَّه معدول بالقيمة، إمَّا قيمة المتلف، وإمَّا قيمة مثله، فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص، وأيضًا ما روي عمن سمينا من الصحابة أنَّهم قالوا كمذهبنا، ولأنَّه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه، فكان واحدًا، كالدية، أو كما لو كان القاتل واحدًا، أو بدل المحل، فاتحدت باتحاده الدية، وكفارة الآدمي لنا فيها منع، ولا يتبعض في أبعاضه، ولا يختلف باختلافه، فلا يتبعض على الجماعة، بخلاف مسألتنا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ما لا مثل له من الصيد كالعصافير ففيه قيمته، وهو مذهب أكثر العلماء، وخالف بعض أصحاب داود وقالوا: لا شيء في ذلك.
قُلْتُ: وقد قضى الصحابة في الجراد بالقيمة، فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٤٧) عَنْ مَعْمَرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّ كَعْبًا سَأَلَ فَقَالَ: يَا
[ ٧ / ٢٤٣ ]
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَيْنَا نَحْنُ نُوقِدُ جَرَادَةً قَذَفْتُهَا فِي النَّارِ وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَتَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنَّكُمْ يَا أَهْلَ حِمْصَ كَثِيرَةٌ أَوْرَاقُكُمْ، تَمْرَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرَادِكُمْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد جاء أيضًا من عدة مراسيل عنه ﵁.
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٥٨٦٨) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ كَعْبٍ بِهِ، بإسقاط الأسود، والصواب إثباته.
ورواه (١٥٨٦٩) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ، بِمِثْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٨٢٤٤) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ: «فِيهَا قَبْضَةٌ مِنْ قَمْحٍ، وَإِنَّكَ لَآخِذٌ قَبْضَةَ جَرَادَاتٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٥٨٧٣) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُحْرِمِ يُصِيبُ الْجَرَادَةَ، فَقَالَ: «تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وحفص هو ابن غياث، وجعفر هو ابن محمد الصادق، والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق.
[ ٧ / ٢٤٤ ]
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٥٨٧٢) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ مُحْرِمًا أَصَابَ جَرَادَةً، فَحَكَمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَجُلٌ آخَرُ، «فَحَكَمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، وَالْآخَرُ جَرَادَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وعبدة هو ابن سليمان، ومحمد بن عمرو هو ابن علقمة الليثي.
وظاهر المثلية أنَّه لا يجب على القارن إذا صاد صيدًا أكثر من جزاء واحد، وهذا مذهب أكثر العلماء، وأوجب أبو حنيفة جزاءين، جزاء لإحرام الحج، وجزاء لإحرام العمرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٤٤):
«فصل: وإن قتل القارن صيدًا، فعليه جزاء واحد. نص عليه أحمد، فقال: إذا قتل القارن صيدًا، فعليه جزاء واحد. وهؤلاء يقولون: في ذلك جزاءان، فيلزمهم أن يقولوا: في صيد الحرم ثلاثة؛ لأنَّهم يقولون: في الحل اثنان، ففي الحرم ينبغي أن يكون ثلاثة. وهذا قول مالك، والشافعي.
وقال أصحاب الرأي: عليه جزاءان.
قال القاضي: وإذا قلنا عليه طوافان، لزمه جزاءان.
ولنا، قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
ومن أوجب جزاءين، فقد أوجب مثلين. ولأنَّه صيد واحد، فلم يجب فيه جزاءان، كما لو قتل المحرم في الحرم صيدًا.
ولأنَّه لا يزيد على محرمين قتلا صيدًا، وليس عليهما إلَّا فداء واحد، وكذلك محرم وحلال قتلا صيدًا حرميًا» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر المماثلة أنَّ الصيد لا يتداخل مع التفرق والاجتماع فإذا قتل المحرم صيدين فلكل صيد جزاؤه على حدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٠١):
«فصل: فأمَّا جزاء الصيد فلا يتداخل، ويجب في كل صيد جزاؤه، سواء وقع متفرقًا أو في حال واحدة.
وعن أحمد، أنَّه يتداخل، قياسًا على سائر المحظورات. ولا يصح؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
ومثل الصيدين لا يكون مثل أحدهما، ولأنَّه لو قتل صيدين دفعة واحدة، وجب جزاؤهما، فإذا تفرقا أولى أن يجب؛ لأنَّ حالة التفريق لا تنقص عن حالة الاجتماع كسائر المحظورات» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أنَّه يكتفي بحكم من سبق من العدول، من الصحابة، وهذا قول أكثر العلماء، وهو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٢):
[ ٧ / ٢٤٦ ]
«والمتلف من الصيد قسمان؛ أحدهما، قضت فيه الصحابة، فيجب فيه ما قضت.
وبهذا قال عطاء، والشافعي، وإسحاق.
وقال مالك: يستأنف الحكم فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولنا، قول النبي ﷺ: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم". وقال: "اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر، وعمر".
ولأنَّهم أقرب إلى الصواب، وأبصر بالعلم، فكان حكمهم حجة على غيرهم، كالعالم مع العامي، والذي بلغنا قضاؤهم في؛ الضبع كبش.
قضى به عمر، وعلي، وجابر، وابن عباس.
وفيه عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشًا".
رواه أبو داود، وابن ماجه.
وروي عن جابر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "في الضبع كبش، إذا أصاب المحرم، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة".
قال أبو الزبير: الجفرة، التي قد فطمت ورعت. رواه الدارقطني.
قال أحمد: حكم رسول الله ﷺ في الضبع بكبش. وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
وقال الأوزاعي إن كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ويكرهون أكلها. وهو القياس، إلَّا إنَّ اتباع السنة والآثار أولى.
وفي حمار الوحش بقرة. روي ذلك عَنْ عُمَرَ ﵁.
وبه قال عروة، ومجاهد، والشافعي.
وعن أحمد: فيه بدنة. روي ذلك عن أبي عبيدة، وابن عباس، وبه قال عطاء، والنخعي.
وفي بقرة الوحش بقرة. روي ذلك عن ابن مسعود، وعطاء، وعروة، وقتادة، والشافعي.
والأيل فيه بقرة. قاله ابن عباس.
قال أصحابنا: في الوعل والثيتل بقرة، كالأيل.
والأروى فيها بقرة. قال ذلك ابن عمر.
وقال القاضي: فيها عضب، وهي من أولاد البقر ما بلغ أن يقبض على قرنه، ولم يبلغ أن يكون جذعًا.
وحكي ذلك عن الأزهري.
وفي الظبي شاة. ثبت ذلك عَنْ عُمَرَ، وروي عن علي، وبه قال عطاء، وعروة، والشافعي، وابن المنذر، ولا نحفظ عن غيرهم خلافهم.
وفي الوبر شاة. روي ذلك عن مجاهد، وعطاء.
وقال القاضي: فيه جفرة؛ لأنَّه ليس بأكبر منها وكذلك.
[ ٧ / ٢٤٨ ]
قال الشافعي: إن كانت العرب تأكله.
والجفرة من أولاد المعز ما أتى عليها أربعة أشهر، وفصلت عن أمها، والذكر جفر.
وفي اليربوع جفرة. قال ذلك عمر ﵁، وروي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور. وقال النخعي: فيه ثمنه. وقال مالك: قيمته طعامًا.
وقال عمرو بن دينار: ما سمعنا أنَّ الضب واليربوع يوديان.
واتباع الآثار أولى.
وفي الضب جدي.
قضى به عمر، وأربد، وبه قال الشافعي. وعن أحمد، فيه شاة؛ لأنَّ جابر بن عبد الله، وعطاء قالا فيه ذلك. وقال مجاهد: حفنة من طعام. وقال قتادة: صاع. وقال مالك: قيمته من الطعام.
والأول أولى؛ فإنَّ قضاء عمر أولى من قضاء غيره، والجدي أقرب إليه من الشاة.
وفي الأرنب عناق. قضى به عمر. وبه قال الشافعي. وقال ابن عباس: فيه حمل. وقال عطاء: فيه شاة.
وقضاء عمر أولى.
والعناق: الأنثى من ولد المعز في أول سنة، والذكر جدي.
[ ٧ / ٢٤٩ ]
القسم الثاني، ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
فيحكمان فيه بأشبه الأشياء من النعم، من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة، بدليل أنَّ قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة، وليس من شرط الحكم أن يكون فقيها؛ لأنَّ ذلك زيادة على أمر الله تعالى به، وقد أمر عمر أن يحكم في الضب، ولم يسأل أفقيه هو أم لا؟ لكن تعتبر العدالة؛ لأنَّها منصوص عليها، ولأنَّها شرط في قبول القول على الغير في سائر الأماكن، وتعتبر الخبرة؛ لأنَّه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلَّا من له خبرة، ولأنَّ الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الحكام» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل عند جمع من أهل العلم القاتل نفسه في عموم قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٣٢):
«ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين. وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال النخعي: ليس له ذلك؛ لأنَّ الإنسان لا يحكم لنفسه.
ولنا، عموم قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. والقاتل مع غيره ذوا عدل منَّا.
[ ٧ / ٢٥٠ ]
وقد روى سعيد في "سننه"، والشافعي، في "مسنده"، عن طارق بن شهاب، قال: خرجنا حجاجًا، فأوطأ رجل منا يقال له أربد ضبًا، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر ﵁ فسأله أربد، فقال له: احكم يا أربد فيه.
قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين.
قال: إنَّما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكيني.
فقال أربد: أرى فيه جديًا قد جمع الماء والشجر.
قال عمر: فذلك فيه.
فأمره عمر أن يحكم فيه وهو القاتل، وأمر أيضًا كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم.
ولأنَّه مال يخرج في حق الله تعالى، فجاز أن يكون من وجب عليه أمينًا فيه، كالزكاة» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه الشافعي في [الْأُمِ] (٢/ ١٩٤)، و[الْمُسْنَد] (٦٥٤) ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠١٤٩)، [الْصُغْرَى] (١٢٢٨)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٣٢٤٩) أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَأَوْطَأَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ ضَبًّا فَفَقَرَ ظَهْرَهُ فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ أَرْبَدُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «اُحْكُمْ فِيهِ يَا أَرْبَدُ». فَقَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعْلَمُ. فَقَالَ لَهُ
[ ٧ / ٢٥١ ]
عُمَرُ: «إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ وَلَمْ آمُرْك أَنْ تُزَكِّيَنِي». فَقَالَ أَرْبَدُ: أَرَى فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ فَقَالَ عُمَرُ: «فَذَاكَ فِيهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
والأثر الآخر رواه الشافعي في [الْأُمِ] (٢/ ١٩٥)، وفي [الْمُسْنَد] (٨٤٨)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٧٩١)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٣٢١٥)
أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَكَعْبِ الأَحْبَارِ فِي أُنَاسٍ مُحْرِمِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَكَعْبٌ عَلَى نَارٍ يَصْطَلِي مَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَمَلَّهُمَا وَنَسِيَ إِحْرَامَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ إِحْرَامَهُ فَأَلْقَاهُمَا.
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ دَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى عُمَرَ ﵁ وَدَخَلْتُ مَعَهُ فَقَصَّ كَعْبٌ قِصَّةَ الْجَرَادَتَيْنِ عَلَى عُمَرَ.
فَقَالَ عُمَرُ ﵁: «وَمَنْ بِذَلِكَ؟ لَعَلَّكَ بِذَلِكَ يَا كَعْبُ؟». قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ عُمَرُ ﵁: «إِنَّ حِمْيَرَ تُحِبُّ الْجَرَادَ، قَالَ: مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ؟».
قَالَ: دِرْهَمَيْنِ قَالَ: «بَخْ دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ، اجْعَلْ مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، ابن جريج مدلس وقد عنعن، وعبد الله بن أبي عمار وثقه العجلي، وهو متساهل في توثيق المجاهيل.
[ ٧ / ٢٥٢ ]
قُلْتُ: ولا يستقيم هذا إلَّا على مذهب من يرى أنَّ الجزاء يتناول غير المتعمد، وأمَّا على القول الآخر فلا يستقيم؛ لأنَّ المتعمد ليس بعدل فلا يدخل في قول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
نعم إن تاب توبة صادقة فله أن يكون أحد الحكمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٤١):
«إذا قتل الصيد على وجه لا يفسق به فالأصح عندنا أنَّه يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين كما سبق وبه قال عمر بن الخطاب ﵁ كما سبق عنه في قصة أربد، وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن المنذر. وقال النخعي، ومالك لا يجوز.
دليلنا فعل عمر مع عموم قول الله تعالي: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولم يفرق بين القاتل وغيره» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨):
«قال القاضي وابن عقيل: وهذا إنَّما يكون إذا قتله خطأ أو عمدًا لمخمصة، فأمَّا إن قتله عمدًا فلا يصح لأنَّه فاسق بخلاف تقويم عروض التجارة فإنَّ صاحبها يقومها وإن كان فاسقًا لأنَّه لم ينص على عدالته.
ووجه هذا أنَّ قتل الصيد من الكبائر لأنَّ الله توعد عليه بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، ولأنَّ الله سمى محظورات الإحرام فسوقًا في
[ ٧ / ٢٥٣ ]
قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾، ولكن هذا يقتضي أنَّه إذا قتله عمدًا وتاب جاز حكمه، ولم يذكر القاضي وأصحابه في خلافهم هذا الشرط» اهـ.
قُلْتُ: ومن جرح صيدًا ضمنه بمثله من بهيمة الأنعام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥):
«فَصْلٌ: وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ الصَّيْدِ، وَجَبَ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ، فَكَانَ بَعْضُهُ مَضْمُونًا كَالْآدَمِيِّ، وَالْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا". فَالْجَرْحُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ. وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ الصَّيْدِ وَجَبَ ضَمَانُهُ كَنَفْسِهِ، وَيُضْمَن بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ، كَالْمَكِيلَاتِ. وَالْآخَرُ يَجِبُ قِيمَةُ مِقْدَارِهِ مِنْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَشُقُّ إخْرَاجُهُ، فَيُمْنَعُ إيجَابُهُ، وَلِهَذَا عَدَلَ الشَّارِعُ عَنْ إيجَابِ جُزْءٍ مِنْ بَعِيرٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ إلَى إيجَابِ شَاةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِبِلِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هَاهُنَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ؛ لِوُجُودِ الْخِيَرَةِ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْمِثْلِ إلَى عَدْلِهِ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، فَيَنْتَفِي الْمَانِعُ فَيَثْبُتُ مُقْتَضَى الْأَصْلِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (٤/ ١٧٦):
«ويحرم عليه جرح الصيد وإتلاف أجزائه؛ لأنَّ ما منع من إتلافه لحق الغير .. منع من جرحه وإتلاف أجزائه، كالآدمي. فإن جرحه أو أتلف جزءًا منه .. وجب عليه الجزاء.
[ ٧ / ٢٥٤ ]
وقال مالك وأبو حنيفة وداود: لا جزاء عليه في جرح الصيد، ولا في قطع عضو منه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩):
«فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ جُرْحَ الصَّيْدِ وَقَطْعَ عُضْوٍ مِنْهُ مَضْمُونٌ كَضَمَانِ نَفْسِهِ وَجَبَ عَلَى جَارِحِ الصَّيْدِ أَنْ يُرَاعِيَ جُرْحَهُ، وَيَتَعَاهَدَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا انْدَمَلَ الْجُرْحُ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ، فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ حينئذٍ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا جُرْحَ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ قُوِّمَ وَهُوَ مَجْرُوحٌ قَدِ انْدَمَلَ جُرْحُهُ، فَإِذَا قِيلَ: تِسْعُونَ دِرْهَمًا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْجِرَاحَةِ الْعُشْرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَيَكُونُ عَلَيْهِ عُشْرُ ثَمَنِ شَاةٍ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ ظَبْيٌ، لَوْ قَتَلَهُ لَافْتَدَاهُ بشاةٍ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَكَانَ أبو إبراهيم المزني يقول: عليه عشر شَاةٍ، فَأَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي الْجِرَاحِ كَمَا أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي النَّفْسِ، وَسَاعَدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ كَانَتْ مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ كانت إحداها مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ، كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا أَتْلَفَ جَمِيعَهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَ قَفِيزًا مِنْهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا يَحْمِلُونَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ عُشْرَ ثَمَنِ شَاةٍ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَضْمُونَةٍ بِالْمِثْلِ كَانَ النَّقْصُ الدَّاخِلُ عَلَيْهَا بِالْجِنَايَةِ مَضْمُونًا بِالْأَرْشِ مِنَ الْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا بَلَّهُ بِالْمَاءِ، أَوْ قَلَاهُ بِالنَّارِ، ضَمِنَ أَرْشَ نَقْصٍ دُونَ الْمِثْلِ.
[ ٧ / ٢٥٥ ]
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي إِيجَابِ عُشْرِ شَاةٍ إِضْرَارًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى شُرَكَاءَ فِي الشَّاةِ لِيَكُونَ شَرِيكِهِمْ فِيهَا بالعشر، فهذا متعذر، وإلى أَنْ يَهْدِيَ شَاةً كَامِلَةً؛ لِيَصِلَ عُشْرُهَا إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَفِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ، أَوْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا، أَوْ يكفر بعدل الطَّعَامِ صِيَامًا، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرِ نَصِّهِ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ بَيْنَ عُشْرِ ثمن الشاة، وَبَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ عَدْلَ الطَّعَامِ صِيَامًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٣/ ١٦٠ - ١٦١):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي "الْمُخْتَصَرِ": إِنْ جَرَحَ ظَبْيًا نَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهِ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ شَاةٍ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ تَخْرِيجًا عَلَيْهِ: عُشْرُ شَاةٍ. قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: الْحُكْمُ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ شَرِيكًا فِي ذَبْحِ شَاةٍ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا هُوَ أَسْهَلُ، فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ. فَعَلَى هَذَا، هُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ الْعُشْرَ، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَ قِيمَتَهُ فِي طَعَامٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، وَقَالَ: الْوَاجِبُ عُشْرُ الْقِيمَةِ. وَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: الْمَنْصُوصُ، وَتَخْرِيجُ الْمُزَنِيِّ. فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ، فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: تَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بِالدَّرَاهِمِ. وَالثَّانِي، لَا تُجْزِئَهُ الدَّرَاهِمُ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ، أَوْ يَصُومُ.
[ ٧ / ٢٥٦ ]
وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ عُشْرِ الْمِثْلِ، وَبَيْنَ إِخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ. وَالرَّابِعُ: إِنْ وَجَدَ شَرِيكًا فِي الدَّمِ، أَخْرَجَهُ وَلَمْ تُجْزِئْهُ الدَّرَاهِمُ، وَإِلَّا، أَجْزَأَتْهُ. هَذَا فِي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ، فَالْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ قَطْعًا.
قُلْتُ: لَوْ قَتَلَ نَعَامَةً فَأَرَادَ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْبَدَنَةِ إِلَى بَقَرَةٍ، أَوْ سَبْعِ شِيَاهٍ، لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي "الْبَحْرِ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. أنَّ الجزاء لا يكون إلَّا في مكة.
ولم يعين الله ﷿ وقتًا لذبحه، فيشمل جميع الأوقات.
وظاهر قوله: ﴿هَدْيًا﴾. أنَّه لا يعطى فقراء الحرم إلَّا مذبوحًا؛ فإنَّ الهدي شأنَّه أن يذبح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٤٦):
«الفصل الثاني إذا اختار المثل، ذبحه، وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولا يجزئه أن يتصدق به حيًا على المساكين؛ لأنَّ الله تعالى سماه هديًا، والهدي يجب ذبحه، وله ذبحه أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر» اهـ.
قُلْتُ: وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، فيه احتمالان:
الأول: أنَّ المثل يقدر بالدراهم، والدراهم بطعام يدفع للمساكين. وبه قال الشافعي، وأحمد.
[ ٧ / ٢٥٧ ]
الآخر: أنَّ الصيد يقدر بالدراهم، والدراهم بطعام يدفع للمساكين. وبه قال مالك؛ لأنَّ التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف، قوم المتلف، كالذي لا مثل له.
قُلْتُ: والصحيح الأول، لما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِه] (٨٣٢)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٦٧٩) ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: «إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَامُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ وَجَدَ جَزَاءَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٢٢):
«ولا يعرف له في الصحابة مخالف» اهـ.
قُلْتُ: وهذا فيما له مثل، وأمَّا ما ليس له مثل فيقوم الصيد.
ولم يبين الله ﷿ نوع الطعام، فيحمل على ما يقتاته أهل البلد.
ولم يبين الله ﷿ مقدار ما يعطاه المسكين الواحد، فذهب الإمام مالك، والشافعي أنَّه يعطى كل مسكين مدًا، وذهب أحمد إلى أنَّه يعطى كل مسكين نصف صاع، فيما عدا البر ففيه مد.
[ ٧ / ٢٥٨ ]
قُلْتُ: والصحيح تقدير ذلك بنصف الصاع كما أفتى به ابن عباس كما مر.
ولم يبين الله ﷿ مكان إخراج الطعام، وهو راجع إلى أصله وهو الهدي فلا يخرج في غير فقراء الحرم، وفقراء الحرم من كان فيه سواء من أهله، أو من غير أهله.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وهو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٩٧):
«فصل: والطعام كالهدي، يختص بمساكين الحرم فيما يختص الهدي به.
وقال عطاء، والنخعي: ما كان من هدي فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.
وهذا يقتضيه مذهب مالك، وأبي حنيفة ولنا، قول ابن عباس: الهدي والطعام بمكة، والصوم حيث شاء.
ولأنَّه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين فاختص بالحرم، كالهدي» اهـ.
قُلْتُ: وإذا انتقل المفدي إلى الصيام جعل مقابل كل مسكين يومًا يصومه لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فجعل الله ﷿ عدل الإطعام صيامًا ومقتضى ذلك أنَّ يصوم عن كل مسكين يومًا ككفارة الظهار والجماع في نهار رمضان.
[ ٧ / ٢٥٩ ]
والصحيح أنَّه يجعل عن كل نصف صاع يومًا كما في أثر ابن عباس، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد عن كل مد يومًا.
١٤ - وفيه أنَّ لقطة الحرم لها شأن يخالف لقطة الحل وهي أنَّها لا تملك لآخذها بعد تعريفها سنة كاملة، وإنَّما يعرفها أبدًا ولا يملكها بحال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤):
«وقوله ﷺ: "ولا يلتقط ساقطتها إلَّا من عرفها". وفى لفظ: "ولا تحل ساقطتها إلَّا لمنشد"، فيه دليل على أنَّ لقطة الحرم لا تملك بحال، وأنَّها لا تلتقط إلَّا للتعريف لا للتمليك، وإلَّا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا، وقد اختلف في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحل والحرم سواء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، ويروى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابن عباس، وعائشة ﵃، وقال أحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنَّما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها، عرفها أبدًا حتى يأتي صاحبها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي، وأبي عبيد، وهذا هو الصحيح، والحديث صريح فيه، والمنشد: المعرف. والناشد: الطالب، ومنه قوله:
إصاخة الناشد للمنشد.
[ ٧ / ٢٦٠ ]
وقد روى أبو داود في "سننه": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: "نهى عن لقطة الحاج"، وقال ابن وهب: يعنى يتركها حتى يجدها صاحبها.
قال شيخنا: وهذا من خصائص مكة، والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك، أنَّ الناس يتفرقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكن صاحب الضالة من طلبها والسؤال عنها، بخلاف غيرها من البلاد» اهـ.
قُلْتُ: ولعل ذلك لأنَّ الحاج لا يعود إلى مكة إلَّا بعد سنين، فاحتيج إلى تطويل زمن التعريف من أجل ذلك. والله أعلم.
١٥ - وفيه النهي عن قطع خلى الحرم، والمراد به ما رطب من الكلاء. وأمَّا رعي الغنم في خلى الحرم فيجوز على الصحيح؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ومن معه ساقوا الهدي إلى الحرم، ولم يسدوا على أفواه الهدي، وما زال الرعاة يرعون في الحرم من غير نكير من النبي ﷺ، ولا من الخلفاء من بعده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢):
«وقوله ﷺ: "ولا يختلى خلاها" لا خلاف أنَّ المراد من ذلك ما ينبت بنفسه دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابس في الحديث، بل هو للرطب خاصة، فإنَّ الخلى بالقصر: الحشيش الرطب ما دام رطبًا، فإذا يبس، فهو حشيش، وأخلت الأرض، كثر خلاها، واختلاء الخلى: قطعه، ومنه الحديث: كان ابن عمر يختلى لفرسه، أي: يقطع لها الخلى، ومنه سميت المخلاة: وهى وعاء الخلى،
[ ٧ / ٢٦١ ]
والإذخر: مستثنى بالنص، وفى تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة العموم فيما سواه.
فإن قيل: فهل يتناول الحديث الرعي أم لا؟
قيل: هذا فيه قولان، أحدهما: لا يتناوله، فيجوز الرعي، وهذا قول الشافعي.
والثاني: يتناوله بمعناه، وإن لم يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعي، وهو مذهب أبى حنيفة، والقولان لأصحاب أحمد.
قال المحرمون: وأي فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة، وبين إرسال الدابة عليه ترعاه؟
قال المبيحون: لما كانت عادة الهدايا أن تدخل الحرم، وتكثر فيه، ولم ينقل قط أنَّها كانت تسد أفواهها، دل على جواز الرعي.
قال المحرمون: الفرق بين أن يرسلها ترعى، ويسلطها على ذلك، وبين أن ترعى بطبعها من غير أن يسلطها صاحبها، وهو لا يجب عليه أن يسد أفواهها، كما لا يجب عليه أن يسد أنفه في الإحرام عن شم الطيب، وإن لم يجز له أن يتعمد شمه، وكذلك لا يجب عليه أن يمتنع من السير خشية أن يوطئ صيدًا في طريقه، وإن لم يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائره. فإن قيل: فهل يدخل في الحديث أخذ الكمأة والفقع، وما كان مغيبًا في الأرض؟
قيل: لا يدخل فيه، لأنَّه بمنزلة الثمرة، وقد قال أحمد: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق» اهـ.
[ ٧ / ٢٦٢ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢):
«وفي جواز رعيه وجهان؛ أحدهما، لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّ ما حرم إتلافه، لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه، كالصيد.
والثاني، يجوز. وهو مذهب عطاء، والشافعي؛ لأنَّ الهدايا كانت تدخل الحرم، فتكثر فيه، فلم ينقل أنَّه كانت تسد أفواهها، ولأنَّ بهم حاجة إلى ذلك، أشبه قطع الإذخر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٨):
«واستدل به على تحريم رعية لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطبري، وقال الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس بخلاف الاحتشاش فإنَّه المنهي عنه فلا يتعدى ذلك إلى غيره» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على تحريم ما يبس من الكلأ أيضًا فيما رواه أبو أحمد الحاكم في [فَوَائِدِهِ] (٢٨) حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد الهاشمي ببغداد، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن سلام مولى بني هاشم بمكة، ثنا عبد العزيز بن محمد يعني: الدراوردي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وقف على الحجون ثم قال: «إنَّك لخير أرض الله، ولولا أني لم أخرج عنك ما خرجت، وإنَّها لم تحل لأحدٍ كان قبلي ولم تحل لأحدٍ بعدي، وما
[ ٧ / ٢٦٣ ]
أحلت لي إلَّا ساعة من نهارٍ، وهي ساعتي هذه، حرامٌ لا يعضد شجرها، ولا يحتش حشيشها، ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد»، وقال رجلٌ: يا رسول الله إلَّا الإذخر فإنَّه لقيوننا ولبيوتنا وقبورنا، فقال ﷺ: «إلَّا الإذخر».
قُلْتُ: وقد شذ بذكر الحشيش محمد بن عمرو، وهو الليثي، وخالف في ذلك يحيى بن أبي كثير، وحديثه في الصحيحين، وقد جاء الحديث أيضًا من طرق عن ابن عباس من غير ذكر الحشيش، وهذا هو المحفوظ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والله أعلم.
وجاء أيضًا في حديث الحارث بن غزية عند أبي نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (١٩٤٦)، لكن في إسناده إسحاق بن أبي فروة، وهو متروك الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٦٩٠٠) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ. به مرسلًا.
ورواه أبو طاهر المخلِّص في [الْمُخَلِّصِيَّاتِ] (٢٢٤) حدثنا يحيى قالَ: حدثنا إبراهيمُ بنُ سلَّامٍ مَولى بَني هاشمٍ أبو إسحاقَ بمكةَ قالَ: حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّراورديُّ، عن محمدِ بنِ عَمرو، عن أبي سلمةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قُلْتُ: المحفوظ رواية يزيد بن هارون المرسلة.
١٦ - وفيه استثناء الإذخر مما يجوز قطعة لحاجة الناس إليه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٩):
[ ٧ / ٢٦٤ ]
«والإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن. وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكة أجوده. وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس: فإنَّه لقينهم، وهو بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون أي الحداد. وقال الطبري القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه» اهـ.
١٧ - واستدل به على جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه إذا لم ينتقل المتكلم إلى كلام آخر أو يفصله بسكوت طويل.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٩):
«ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال إمَّا لفظًا وإمَّا حكمًا لجواز الفصل بالتنفس مثلًا» اهـ.
١٨ - ويدل الحديث على أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه في أول الكلام، ولا قبل فراغه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧):
«وقوله ﷺ في الخطبة: "إلَّا الإذخر"، بعد قول العباس له: إلَّا الإذخر، يدل على مسألتين:
إحداهما: إباحة قطع الإذخر.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
والثانية: أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام، ولا قبل فراغه، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لو كان ناويًا لاستثناء الإذخر من أول كلامه، أو قبل تمامه، لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك، وإعلامه أنَّهم لا بد لهم منه لقينهم وبيوتهم، ونظير هذا استثناؤه ﷺ لسهيل ابن بيضاء من أسارى بدر بعد أن ذكره به ابن مسعود، فقال: "لا ينفلتن أحد منهم إلَّا بفداء أو ضربة عنق" فقال ابن مسعود: إلَّا سهيل ابن بيضاء، فإنِّي سمعته يذكر الإسلام، فقال: "إلَّا سهيل ابن بيضاء" ومن المعلوم أنَّه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه.
ونظيره أيضًا قول الملك لسليمان لما قال: "لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله"، فقال له الملك: قل: إن شاء الله تعالى، فلم يقل، فقال النبي ﷺ: "لو قال: إن شاء الله تعالى، لقاتلوا في سبيل الله أجمعون"، وفي لفظ: "لكان دركًا لحاجته"، فأخبر أنَّ هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحالة لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه.
ونظير هذا قوله ﷺ: "والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزون قريشًا" ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله"، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه، وقد نص أحمد على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصير إلى موجب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق» اهـ.
[ ٧ / ٢٦٦ ]
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٥٧٨): «وللعلماء في الاستثناء النافع قولان: أحدهما: لا ينفعه حتى ينويه قبل فراغ المستثنى منه، وهو قول الشافعي والقاضي أبي يعلى ومن تبعه.
والثاني: ينفعه وإن لم يرده إلَّا بعد الفراغ حتى لو قال له بعض الحاضرين قل إن شاء الله نفعه، وهذا هو مذهب أحمد الذي يدل عليه كلامه وعليه متقدموا أصحابه واختيار أبي محمد وغيره وهو مذهب مالك وهو الصواب» اهـ.
* * *
[ ٧ / ٢٦٧ ]