قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ».
قوله: «إذَا دَخَلَ» أي: إذا أراد الدخول. فإنَّ ذكر الله ﷿ لا يكون في الأماكن القذرة. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، والمراد إذا أردت أن تقرأ؟
وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (٦)﴾ [المائدة: ٦] الآية، أي: إذا أردتم القيام. ويدل على هذا أنَّه قد جاءت رواية عند البخاري (١٤٢): «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ». معلقًا ووصله في [الأدب المفرد] (٦٩٢).
قوله: «الْخَلاءَ»، هو المكان الخالي لقضاء الحاجة. وجاء في رواية لمسلم (٨٢٩): «إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ». والكنيف موضع قضاء الحاجة، وهو في اللغة الساتر مطلقًا، وأطلق على موضع قضاء الحاجة لأنَّهم يستترون به.
[ ١ / ٢٢٩ ]
ومن هذا ما رواه أحمد في [فضائل الصحابة] (١٥٥٠) ثنا وَكِيعٌ ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَنَا مِنْهُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ عُمَرُ: «كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا».
قلت: إسناده صحيح.
والكنيف هو وعاء الراعي يستر ما في داخله، وشبَّه عمر ابن مسعود به، وذلك أنَّ وعاء الراعي فيه كل ما يحتاجه من أدواته، وهكذا ابن مسعود في قلبه كل ما يحتاجه الناس من العلم.
قال العلامة مغلطاي ﵀ في [شرح ابن ماجه] (ص: ١٢١):
«وأمَّا الكنيف فهو البناء الذي انتزع من الدور لقضاء الحاجة، وأصله، الشيء الساتر؛ لأنَّه يستر ويغطى، أو لأنَّه كنف في أستر النواحي» اهـ.
قلت: ويقال له أيضًا: الْحَشُّ وَالْمِرْفَقُ وَالْمِرْحَاضُ.
والمرفق لا يختص بمكان قضاء الحاجة بل يشمل كل ما يرتفق به وينتفع به في الدار كالمطبخ والكنيف والمغتسل.
وأمَّا الحَش فقال العلامة الفيومي ﵀ في [المصباح المنير] (٢/ ٣٨٦):
«الْحَشُّ الْبُسْتَانُ وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ مِنْ الضَّمِّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ يُقَالُ لِبُسْتَانِ النَّخْلِ حَشٌّ وَالْجَمْعُ حُشَّانٌ وَحِشَّانٌ فَقَوْلُهُمْ بَيْتُ الْحُشِّ مَجَازٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ فَلَمَّا اتَّخَذُوا الْكُنُفَ وَجَعَلُوهَا خَلَفًا عَنْهَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا ذَلِكَ الِاسْمَ قَالَ الْفَارَابِيُّ الْحُشُّ الْبُسْتَانُ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِلْمَخْرَجِ الْحُشُّ» اهـ.
قلت: والحش بفتح الحاء وضمها.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وأمَّا المرحاض فقد قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٩٨):
«و"المراحيض"، قال الخطابي: هو جمع: مرحاض، وهو المغتسل، مأخوذ من رحضت الشيء إذا غسلته.
قلت: لما كانت بيوت التخلي بالشام يستعمل فيها الماء عادةً سميت: مغتسلًا، ولم يكن ذلك معتادًا في الحجاز، فإنهم كانوا يستنجون بالأحجار، فكانت المواضيع المعدة للتخلي بين البيوت تسمى عندهم: كنفًا.
والكنيف: السترة، وكل ما يستر فهو كنيف، ويسمى الترس كنيفًا لستره» اهـ.
قلت: وذكر الدخول، والكنف قرينة دالة على أنَّ هذا الذكر يقال في الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، دون الصحاري، ونحوها، لكن قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٩٣):
«وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء. والله أعلم» اهـ.
قلت: والمعنى الذي من أجله شرع الذكر يؤيد ما ذكره العلامة النووي ﵀.
وقد روى أحمد (١٨٤٨٣)، وأبو داود (٥)، وابن ماجه (٢٩٢) من طريق شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ».
[ ١ / ٢٣١ ]
قلت: هذا حديث صحيح.
وقوله: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ» أي: تحضرها الجن والشياطين وتنتابها لقصد الأذى.
وقال ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ١١١): «أي: يصاب الناس فيها» اهـ.
والحشوش: سبق أنَّها مكان قضاء الحاجة، وأصل الحُش جماعة النخل المتكاثفة، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتخذ الكنف في البيوت.
قوله: «الْخُبُثِ، وَالْخَبَائِثِ» الْخُبُثِ - بضم الخاء والباء، وتقرأ بإسكان الباء - جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة.
والمراد بذلك الاستعاذة من ذكران الشياطين وإناثهم.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٩٣): «وأمَّا الْخُبُثُ فبضم الباء وإسكانها، وهما وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث، ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى أنَّ أكثر روايات الشيوخ الإسكان، وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: الخبث بضم الباء جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، قال: يريد ذكران الشياطين وإناثهم. قال: وعامة المحدثين يقولون: "الخُبْث" بإسكان الباء وهو غلط، والصواب الضم. هذا كلام الخطابي، وهذا الذي غلطهم فيه ليس بغلط، ولا يصح إنكاره جواز الإسكان، فإنَّ الإسكان جائز على سبيل التخفيف كما يقال: كتب، ورسل، وعنق، وأذن، ونظائره، فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف لا يمكن إنكاره، ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول:
[ ١ / ٢٣٢ ]
أصله الإسكان فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة، وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأنَّ الباء هنا ساكنة منهم: الإمام أبو عبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه، واختلفوا في معناه فقيل: هو الشر، وقيل: الكفر، وقيل: الخبث الشياطين، والخبائث المعاصي.
قال ابن الأعرابي: الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. والله أعلم» اهـ.
قلت: احتج بهذا الحديث من أجاز ذكر الله ﷿ في الخلاء.
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٢٤٧): «فيه جواز ذكر الله على الخلاء، وهذا مما اختلفت فيه الآثار فروى عن النبي، ﷺ: أنَّه أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد ﷺ حتى تيمم بالجدار -.
واختلف في ذلك أيضًا العلماء، فروى عن ابن عباس، أنَّه كره أن يذكر الله عند الخلاء، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، وقال عكرمة: لا يذكر الله في الخلاء بلسانه، ولكن بقلبه.
وأجاز ذلك جماعة من العلماء، وروى ابن وهب أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص، كان يذكر الله في المرحاض.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وقال العرزمي: قلت للشعبي: أعطسُ وأنا في الخلاء، أحمد الله؟ قال: لا، حتى تخرج، فأتيت النخعي فسألته عن ذلك، فقال لي: احمد الله، فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: الحمد يصعد ولا يهبط.
وهو قول ابن سيرين، ومالك بن أنس، وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذلك.
وذكر البخاري في كتاب خلق أفعال العباد -: قال عطاء في الخاتم فيه ذكر الله: لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف، أو يلم بأهله، وهو في يده لا بأس به» اهـ.
قلت: لا حجة بهذا الحديث لمن أجاز ذكر الله ﷿ في الخلاء، وقد سبق بيان معناه، والصواب فيما يظهر لي مع القائلين بمنع ذكر الله ﷿ في الخلاء، لأنَّ الله ﷿ أمر بتنزيه اسمه فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦]، [الحاقة: ٥٢]، وقال الله ﷿: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١].
قلت: والتسبيح هو التنزيه، ومن تنزيه اسم الله ألاَّ يذكر في الأماكن القذرة.
وقوله المؤلف: (باب دخول الخلاء والاستطابة» سبق الكلام في معنى الخلاء، وأمَّا الاستطابة فمأخوذة من الطيب، وهي تطييب الجسد بإزالة الخبث.
والاستنجاء مأخوذ من النجو وهو القطع يقال: نجوت الشجرة أي قطعتها، والمراد قطع وإزالة البول أو الغائط، أو مأخوذ من النجوة وهي المرتفع من الأرض، وذلك أنَّ قاضي الحاجة يستتر بها.
[ ١ / ٢٣٤ ]
والاستجمار استفعال من الجمار وهي الحجارة الصغار التي يستعملها في تطهره من الخبث.
* * *
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٢ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: "فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ﷿".
قوله: «إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ» الغائط في الأصل: هو المكان المطمئن من الأرض، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم استعمل في الخارج.
قوله: «فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ» جمع مرحاض، وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان أي للتغوط.
والمرحاض، هو المغتسل، مأخوذ من رحضت الشيء إذا غسلته.
وقوله: «فَقَدِمْنَا الشَّامَ» تنطق بالهمز الساكن والمتحرك بالفتح "الشأم"، وتنطق بغير همز.
واختلف العلماء في سبب تسميتها بذلك على أقوال:
الأول: أنَّها من شامات البدن، وسميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض كالشامات.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الثاني: سميت بذلك لأنَّ قومًا من كنعان بن حام لما تفرقوا تشاءموا أي أخذوا ذات الشمال فقيل لها شام من أجل ذلك.
الثالث: سميت بذلك من سام بن نوح ﵇ لأنَّه أول من نزلها فجعلت السين شينًا لتغير اللفظ العجمي.
الرابع: سميت بذلك لأنَّها عن شام البيت أي في شمالها كما أنَّ اليمن في يمينها.
وقيل غير ذلك.
وقوله: «فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ﷿»، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في [شرح البخاري] (٣/ ١٤٣): «قد فهم مما رواه أنَّ القبلة المنهي عن استقبالها هي جهة ما بين المشرق والمغرب، وأنَّ الانحراف لا يخرج به عن استقبالها المنهي عنه، فلذلك احتاج مع ذلك إلى الاستغفار» اهـ.
وقال الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١/ ٧٧): «قوله: "ونستغفر الله" قيل: يراد به ونستغفر الله لباني الكنف على هذه الصورة الممنوعة عنده.
وإنَّما حملهم على هذا التأويل: أنَّه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعًا. فلا يحتاج إلى الاستغفار.
والأقرب: أنَّه استغفار لنفسه.
ولعل ذلك؛ لأنَّه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى البناء غلطًا أو سهوًا. فيتذكر فينحرف، ويستغفر الله.
فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعلا إثمًا، فلا حاجة به إلى الاستغفار.
[ ١ / ٢٣٧ ]
قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا، بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداء. والله أعلم» اهـ.
ونقل صاحب [تحفة الأحوذي] (١/ ١٢) عن ابن العربي أنَّه قال: «يحتمل ثلاثة وجوه: الأول: أن يستغفر الله من الاستقبال. الثاني: أن يستغفر الله من ذنوبه، فالذنب يذكر بالذنب، الثالث: أن نستغفر الله لمن بناها فإنَّ الاستغفار للمذنبين سنة» اهـ.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - احتج به من ذهب إلى المنع من استقبال القبلة ببول أو غائط يشمل الصحاري والبنيان، وهي مسألة اختلف فيها العلماء إلى مذاهب مختلفة.
وقد حكى الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧) في هذه المسألة عدة مذاهب وهي:
أ- جواز الاستدبار دون الاستقبال حكي عن أبي حنيفة وأحمد.
ب- جواز ذلك في البنيان دون الصحاري، وهو مذهب مالك، والشافعي، وإسحاق، وجمهور العلماء. وإليه ذهب الإمام البخاري ﵀ فقد بوّب في صحيحه فقال: «باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلَّا عند البناء، جدارًا أو نحوه».
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة» اهـ.
ج- التحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة، وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم.
د- الجواز مطلقًا، وهو قول عائشة، وعروة، وربيعة، وداود.
[ ١ / ٢٣٨ ]
هـ- جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكًا بظاهر حديث ابن عمر، وهو قول أبي يوسف.
و- التحريم مطلقًا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس، وهو محكي عن إبراهيم، وابن سيرين عملًا بحديث مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الأَسَدِىِّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ» رواه أبو داود، وغيره.
قال الحافظ ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٤٦): «وهو حديث ضعيف؛ لأنَّ فيه راويًا مجهول الحال. وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها؛ لأنَّ استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس، وقد ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، وفيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم، وابن سيرين، وقد قال به بعض الشافعية أيضًا حكاه ابن أبي الدم» اهـ.
قلت: الحديث رواه أبو داود (١٠)، وابن ماجه (٣١٩)، وأحمد (١٧٨٧٢)
من طريق عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الأَسَدِىِّ.
قلت: إسناده ضعيف لجهالة أبي زيد مولى بني ثعلبة.
وروى أحمد (٢٣٥٦٦) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ أَخِي أَنَسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ بِكَرَايِيسِ مِصْرَ وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ وَنَسْتَدْبِرَهُمَا».
[ ١ / ٢٣٩ ]
قلت: هذا حديث ظاهره الصحة. لكن روى مالك في [الموطأ] (٤٥٤)، ومن طريقه أحمد (٢٣٥٦١)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٦٠٢)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٦٠٩٤)، والطبراني في [الكبير] (٣٨٣٤) عن أبي إسحاق عبد الله بن أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق، مولى لآل الشفاء وكان يقال له مولى أبي طلحة أنَّه سمع أبا أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكراييس، وقد قال رسول الله ﷺ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ أَوِ الْبَوْلَ فَلا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ بِفَرْجِهِ».
قلت: جاء في نسخة الطبراني أبو إسحاق، والصواب هو إسحاق بحذف كلمة (أبو).
قلت: حديث مالك هو المحفوظ، وهو الموافق لحديث عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب.
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٤٦٣):
«وقوله: "ما أدري ما أصنع بهذه الكراييس" يعني المراحيض واحدها كرياس» اهـ.
وقال القاضي عياض ﵀ في [مشارق الأنوار] (١/ ٣٣٩):
«وقوله: "ما أدري ما أصنع بهذه الكراييس" بياءين كل واحدة باثنتين تحتها هي المراحيض وأحدها كرياس بكسر الكاف وسكون الراء وسين مهملة وقيل هي المراحيض المتخذة على السطوح خاصة ولا يمسى ما يتخذ في السفل كرياسا سمي بذلك لما تعلق به من الأقدار فتكرس أي تجمع والياء فيه زائدة» اهـ.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ز- أنَّ التحريم مختص بأهل المدينة، ومن كان على سمتها، فأمَّا من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال، والاستدبار مطلقًا لعموم قوله:
«شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». قاله أبو عوانة صاحب المزني.
قلت: الذي يظهر لي في هذه المسألة هو التفريق بين البنيان، وغير البنيان، والساتر القريب، والبعيد كالجبال ونحوها جمعًا بين الأدلة، فإنَّ حديث أبي أيوب، وإن لم يذكر فيه التفريق بين البنيان، وغير البنيان، لكن حديث ابن عمر الآتي يدل على جواز ذلك في البنيان، ومثله حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال:
«نَهَى نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا».
رواه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥) من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر.
قلت: هذا حديث حسن من أجل ابن إسحاق.
وهذا الذي فهمه ابن عمر ﵄، فقد روى أبو داود (١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِىَ عَنْ هَذَا قَالَ: «بَلَى إِنَّمَا نُهِىَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَىْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ».
قلت: إسناده حسن.
[ ١ / ٢٤١ ]
قلت: وقد انتصر العلامة ابن القيم ﵀ للقائلين بالمنع مطلقًا، فقال عند تعليقه على هذا الحديث، كما في [تهذيب السنن - مع عون المعبود] (١/ ١٧): «وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث صحيح وقد أعلَّ ابن حزم حديث جابر بأنَّه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول. قال ابْنُ مُفَوِّزٍ: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث، وهو أبان بن صالح بن عمير، أبو محمد القرشي، مولى لهم، المكي روى عنه ابن جريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر استشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد، والحسن بن مسلم، وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، والنسائي، وهو والد محمد بن أبان بن صالح بن عمير الكوفي، الذي روى عنه أبو الوليد، وأبو داود الطيالسي، وحسين الجعفي، وغيرهم، وجد أبي عبد الرحمن مشكدانة، شيخ مسلم، وكان حافظًا. وأمَّا الحديث فإنَّه انفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتج به في الأحكام فكيف إن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة؟ مع أنَّ التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض تم كلامه، وهو - لو صح - حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر: من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟
فإن قيل: فهب أنَّ هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عراك عن عائشة "ذكر عند رسول الله ﷺ أنَّ ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال رسول الله ﷺ: أوقد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي القبلة".
[ ١ / ٢٤٢ ]
فالجواب: أنَّ هذا الحديث لا يصح، وإنَّما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب "العلل" عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلَّا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها، وذلك أنَّ خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة: أنَّها كانت تنكر ذلك، فبين أنَّ الحديث لعراك عن عروة، ولم يرفعه، ولا يجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك، مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها بخلاف ذلك، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله - وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي ﷺ، هذا الحديث فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال سمعت عائشة؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة؟! إنَّما يرويه عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه سمعت. وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة، ليس فيه سمعت. فإن قيل: قد روى مسلم في صحيحه حديثا عن عراك عن عائشة. قيل: الجواب أنَّ أحمد وغيره خالفه في ذلك، وبينوا أنَّه لم يسمع منها» اهـ.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقال ﵀ في [الزاد] (٢/ ٣٤٩): «قلت: وله علة أخرى وهي انقطاعه بين عراك وعائشة فإنَّه لم يسمع منها وقد رواه عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن رجل عن عائشة، وله علة أخرى وهي ضعف خالد بن أبي الصلت
ومن ذلك حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن تستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها.
وهذا الحديث استغربه الترمذي بعد تحسينه، وقال الترمذي في كتاب "العلل": سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح رواه غير واحد عن ابن إسحاق. فإذا كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه فهي واقعة عين حكمها حكم حديث ابن عمر لما رأى رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر الكعبة، وهذا يحتمل وجوهًا ستة: نسخ لمكان أو غيره، وأن يكون بيانًا لأنَّ النهي على التحريم ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين، وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثاني منها فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة بهذا المحتمل وقول ابن عمر: إنَّما نهي عن ذلك في الصحراء فهم منه لاختصاص النهي بها وليس بحكاية لفظ النهي، وهو معارض بفهم أبي أيوب للعموم مع سلامة قول أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان فإنَّه يقال لهم: ما حد الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزًا لذلك لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد كنظيره في البنيان، وأيضًا فإنَّ النهي تكريم لجهة القبلة وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان
[ ١ / ٢٤٤ ]
وليس مختصًا بنفس البيت فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما تحول جدران البنيان وأعظم، وأمَّا جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه فتأمله» اهـ.
٢ - احتج الإمام البخاري ﵀ بهذا الحديث على أنّه ليس في المشرق والمغرب قبلة. فقد بوّب ﵀ في الصحيح فقال: «باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة لقول النبي ﷺ" لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ولكن شرقوا أو غربوا"».
لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٥٨٥):
«قوله: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة".
هذه جملة مستأنفة من تفقه المصنف، وقد نوزع في ذلك؛ لأنَّه يحمل الأمر في قوله: " شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا " على عمومه، وإنَّما هو مخصوص بالمخاطبين وهم أهل المدينة، ويلحق بهم من كان على مثل سمتهم ممن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها، أمَّا من كان في المشرق فقبلته في جهة المغرب وكذلك عكسه، وهذا معقول لا يخفى مثله على البخاري فيتعين تأويل كلامه بأن يكون مراده: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، أي لأهل المدينة والشام، ولعل هذا هو السر في تخصيصه المدينة والشام بالذكر. وقال ابن بطال: لم يذكر البخاري مغرب الأرض اكتفاء بذكر المشرق، إذ العلة مشتركة، ولأن المشرق أكثر الأرض المعمورة، ولأن بلاد الإسلام في جهة مغرب الشمس قليلة. انتهى» اهـ.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وفي ذلك الرد على من كره استقبال النيرين وهما الشمس والقمر لأنَّ فيهما نور الله تعالى أو لغير ذلك، وقد ذهب إلى ذلك كثير من علماء الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [مفتاح دار السعادة] (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦):
«فصل: وَأما استدلاله بِأَنْ النَّبِي نهى عِنْد قَضَاء الْحَاجة عَنْ اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر واستدبارهما فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم لما رأى بعض الْفُقَهَاء قد قَالُوا ذَلِك فِي كتبهمْ فِي آدَاب التخلي وَلَا تسْتَقْبل الشَّمْس وَالْقَمَر ظن أَنهم إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لنهى النَّبِي عَنهُ فاحتج بِالْحَدِيثِ وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل فَإِنْ النَّبِي لم ينْقل عَنهُ ذَلِك فِي كلمة وَاحِدَة لَا بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا ضَعِيف وَلَا مُرْسل وَلَا مُتَّصِل وَلَيْسَ لهَذِهِ الْمَسْأَلَة أصل فِي الشَّرْع وَالَّذين ذكروها من الْفُقَهَاء مِنْهُم من قَالَ الْعلَّة أَنْ اسْم الله مَكْتُوب عَلَيْهِمَا وَمِنْهُم من قَالَ لِأَنَّ نورهما من نور الله وَمِنْهُم من قَالَ إِنْ التنكب عَنْ استقبالهما واستدبارهما أبلغ فِي التستر وَعدم ظُهُور الفرجين» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (ص: ٤٦):
«وأمَّا استقبال القمرين فهذا من غرائب أهل الفروع فإنَّه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف وما روي في ذلك فهو كذب على رسول الله ﷺ ومن رواية الكذابين وإن كان ذلك بالقياس على القبلة فقد اتسع الخرق على الراقع ويقال لهذا القائس ما هكذا تورد يا سعد الإبل وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين فإنَّ الأصل باطل فكيف بالفرع وكان ينبغي لهذا القائس أن يلحق السماء فإنَّ لها شرفًا عظيمًا لكونها مستقر الملائكة ثم يلحق الأرض لأنَّها مكان العبادات والطاعات ومستقر عباد الله
[ ١ / ٢٤٦ ]
الصالحين فحينئذ يضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة.
وسبحان الله ما يفعل التسأهل في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكي لها تارة ويضحك منها أخرى» اهـ.
٣ - فيه أنَّ القبلة في حق البعيد هي الجهة دون العين، ولهذا نهي قاضي الحاجة أن يستقبل أو يستدبر جميع الجهة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء خلافًا للشافعي فقد أوجب استقبال عين القبلة في حق القريب والبعيد.
* * *
[ ١ / ٢٤٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ قَالَ: «رَقِيْتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ».
وَفِي رِوَايَةٍ " مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ".
قوله: «رَقِيْتُ» أي: علوت وصعدت تقول: رَقِيت أرْقَى رُقِيًا ورُقُوًا أي: صعدت، وتقول: رَقَيْت أرقي رَقْيًا من الرُّقْيَة.
قوله: «مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ» والشأم سميت بذلك لأنَّها عن مشأمة القبلة أي: عن يسارها، ومنه قول القائل: شائم بأصحابك، أي: ياسر، واعتمد على رجله الشؤمى، أي: اليسرى. ولعل الشؤم أطلق عليه ذلك لأنهم كانوا يزجرون الطير فإن اتجه إلى اليسار تشاءموا بذلك.
وقد سبق أن ذكرنا أقوالًا متعددة في سبب تسمية الشام بذلك في شرح الحديث الماضي.
وقوله: «مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ» المقدس في اللغة: من التقديس وهو التنزيه والتطهير، وبيت المقدس قيل: البيت المقدّس المطهّر الذي يتطهر به من الذنوب.
وقيل: المراد بذلك المبارك.
[ ١ / ٢٤٨ ]
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٧٩ - ٨٠): «هذا الحديث يعارض حديث أبي أيوب المتقدم من وجه، وكذلك ما في معنى حديث أبي أيوب.
واختلف الناس في كيفية العمل به، أو بالأول؟ على أقوال:
فمنهم من رأى أنَّه ناسخ لحديث المنع. واعتقد الإباحة مطلقًا، وكأنَّه رأى أنَّ تخصيص حكمه بالبنيان مطرح، وأخذ دلالته على الجواز مجردة عن اعتبار خصوص كونه في البنيان لاعتقاده أنه وصف ملغي،
لا اعتبار به.
ومنهم من رأى العمل بالحديث الأول وما في معناه.
واعتقد هذا خاصًا بالنبي ﷺ.
ومنهم من جمع بين الحديثين.
فرأى حديث ابن عمر مخصوصًا بالبنيان، فيخص به حديث أبي أيوب العام في البنيان وغيره، جمعًا بين الدليلين.
ومنهم من توقف في المسألة.
ونحن ننبه ههنا على أمرين: أحدهما: أنَّ من قال بتخصيص هذا الفعل بالنبي ﷺ له أن يقول: إنَّ رؤية هذا الفعل كان أمرًا اتفاقيًا، لم يقصده ابن عمر، ولا الرسول ﷺ على هذه الحالة يتعرض لرؤية أحد.
فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم عام للأمة لبينه لهم بإظهاره بالقول، أو الدلالة على وجود الفعل.
[ ١ / ٢٤٩ ]
فإنَّ الأحكام العامة للأمة لا بد من بيانها.
فلما لم يقع ذلك - وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق، وعدم قصد الرسول ﷺ دل ذلك على الخصوص به ﷺ وعدم العموم في حق الأمة وفيه بعد ذلك بحث».
قلت: قد استفاد من ذلك ابن عمر جواز التأسي بالنبي ﷺ في ذلك، والأصل هو التأسي بأفعال النبي ﷺ مطلقًا إلَّا ما دل الدليل على الخصوصية.
قلت: ليس في هذه الرواية ذكر البنيان لكن قال الحافظ في [الفتح] (١/ ٢٩٩): «ولابن خزيمة "فأشرفت على رسول الله ﷺ وهو على خلائه" وفي رواية له: " فرأيته يقضي حاجته محجوبًا عليه بلبن" وللحكيم الترمذي بسند صحيح " فرأيته في كنيف" وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانية ثم فاء. وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقًا: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء وكونه رآه على لبنتين لا يدل على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض».
* * *
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ».
قوله: «يَدْخُلُ الْخَلاءَ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤): «المراد به هنا الفضاء لقوله في الرواية الأخرى " كان إذا خرج لحاجته " ولقرينة حمل العنزة مع الماء فإنَّ الصلاة إليها إنَّما تكون حيث لا سترة غيرها. وأيضًا فإنَّ الأخلية التي في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله» اهـ.
قوله: «وَغُلامٌ نَحْوِي»: أي مقارب لي في السن. والغلام من الفطام إلى سبع سنين، وقد يطلق على الكبير.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٥/ ٣١٤ - ٣١٥): «ظاهر الترجمة مع سياق الآية أنَّ الولد يطلق عليه صبي وطفل إلى أن يبلغ وهو كذلك، وأمَّا ما ذكره بعض أهل اللغة وجزم به غير واحد أن الولد يقال له جنين حتى يوضع، ثم صبي حتى يفطم، ثم غلام إلى سبع، ثم يافع إلى عشر، ثم حَزَوَّر إلى خمس عشرة، ثم قُمُدٌّ إلى خمس وعشرين، ثم عَنَطْنَط إلى ثلاثين، ثم ممل إلى أربعين، ثم كهل إلى خمسين، ثم شيخ إلى ثمانين، ثم هرم إذا زاد فلا يمنع إطلاق شيء من ذلك على غيره مما يقاربه به تجوزًا» اهـ.
[ ١ / ٢٥١ ]
وزاد الحافظ ﵀ (٨/ ٨٢٢): «فإذا بلغ تسعين فان». وذكر «صُّمُلُّ» بدل «ممل»، والأول هو المعروف في اللغة، وأمَّا «ممل»، فلا أدري ما وجهها، وأخشى أن تكون مصحفة ولله أعلم.
قوله: «وَغُلامٌ نَحْوِي»: من أفراد مسلم ﵀، وعند البخاري بعدة ألفاظ وهي: وغلام معنا، وغلام منا معنا، أنا وغلام. ولم يأت في الرواية تسميته، وقد قيل: إنَّه عبد الله بن مسعود، وهذه الرواية ترده فإنَّ ابن مسعود ليس هو بنحو أنس، وقد وقع هذا الفعل وهو: حمل الطهور للنبي ﷺ من أنس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر ﵃ أجمعين، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في [الفتح] (١/ ٣٠٣).
قوله: «إدَاوَةً» بكسر الهمزة إناء صغير من جلد.
قوله: «مِنْ مَاءٍ» أي: مملوءة من ماء.
قوله: «وَعَنَزَةً» العنزة بفتح النون عصا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل هي الحربة القصيرة. وقيل: هي عصا طويلة في أسفلها زج.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣١٣): «وقد فرق قوم بين العنزة والحربة، فعن الأصمعي قال: العنزة: ما دور نصله، والحربة: العريضة النصل. وأشار بعضهم إلى عكس ذلك» اهـ.
قلت: وفي حمل العنزة للنبي ﷺ عدة احتمالات ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤) فقال: «يحتمل أن يركزها أمامه ويضع عليها الثوب الساتر، أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه، أو تحمل لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من هوام الأرض،
[ ١ / ٢٥٢ ]
لكونه ﷺ كان يبعد عند قضاء الحاجة، أو تحمل لأنَّه كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى، وهذا أظهر الأوجه» اهـ.
قوله: «فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣):
«قوله: "يعني يستنجي به" قائل "يعني" هو هشام. وقد رواه المصنف بعد هذا عن سليمان بن حرب فلم يذكرها، لكنه رواه عقبه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة فقال: "يستنجي بالماء" والإسماعيلي من طريق ابن مرزوق عن شعبة "فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي ﷺ"، وللمصنف من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: "إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به"، ولمسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس:
"فخرج علينا وقد استنجى بالماء" وقد بان بهذه الروايات أنَّ حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث، ففيه الرد على الأصيلي حيث تعقب على البخاري استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء قال: لأنَّ قوله: "يستنجي به" ليس هو من قول أنس إنَّما هو من قول أبي الوليد أي: أحد الرواة عن شعبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه انتهى. وقد انتفى هذا الاحتمال بالروايات التي ذكرناها، وكذا فيه الرد على من زعم أنَّ قوله: "يستنجي بالماء" مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس فيكون مرسلًا فلا حجة فيه كما حكاه ابن التين عن أبي عبد الملك البوني، فإنَّ رواية خالد
[ ١ / ٢٥٣ ]
التي ذكرناها تدل على أنَّه قول أنس حيث قال: فخرج علينا. ووقع هنا في نكت البدر الزركشي تصحيف، فإنَّه نسب التعقب المذكور إلى الإسماعيلي وإنَّما هو للأصيلي، وأقره فكأنَّه ارتضاه وليس بمرضي كما أوضحناه. وكذا نسبه الكرماني إلى ابن بطال وأقره عليه، وابن بطال إنَّما أخذه عن الأصيلي» اهـ.
وفي هذا الحديث عدة مسائل منها:
١ - فيه حجة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء لأنَّه مطعوم. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٢، ٣٠٤)، ونقل عنه العلامة النووي ﵀ خلاف ذلك فقال في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٥):
«وقال ابن حبيب المالكي: لا يجزي الحجر إلَّا لمن عدم الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة. والله أعلم» اهـ.
وقد اختلف العلماء في حكم الاستنجاء بالماء على قولين:
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٩٣): «وحكي عن سعد بن أبي وقاص، وابن الزبير أنَّهما أنكرا الاستنجاء بالماء.
وقال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك إلَّا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث.
وكان الحسن لا يستنجي بالماء.
وروي عن حذيفة القولان جميعًا.
وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء ثم فعله، وقال لنافع: جربناه فوجدناه صالحًا.
وهو مذهب رافع بن خديج وهو الصحيح؛ لما روى أنس، قال: "كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء".
متفق عليه» اهـ.
قلت: أثر ابن عمر رواه ابن المنذر في [الأوسط] (٣٠٥)
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَلَغَ ابْنَ عُمَرُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَغْسِلُ عَنْهُ أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعْجَبُ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَهُ بَعْدُ، فَقَالَ: «يَا نَافِعُ، جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَالِحًا».
[ ١ / ٢٥٤ ]
قلت: هذا أثر حسن من أجل إِسْحَاقُ وهو ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِىُّ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٥): «وفيها: جواز الاستنجاء بالماء واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر، وقد اختلف الناس في هذه المسألة فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار: أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولًا لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء سواء وجد الآخر أو لم يجده، فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر لأنَّ الماء يطهر المحل طهارة حقيقة، وأمَّا الحجر فلا يطهره وإنَّما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها. وبعض السلف ذهبوا إلى أنَّ الأفضل هو الحجر، وربما أوهم كلام بعضهم أنَّ الماء لا يجزي، وقال ابن
[ ١ / ٢٥٥ ]
حبيب المالكي: لا يجزي الحجر إلَّا لمن عدم الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة. والله أعلم» اهـ.
قلت: وممن نقل إجماع العلماء على استحباب الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء العيني ﵀
قال صاحب [تحفة الأحوذي] (١/ ٢٥): «قال العيني: مذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر» اهـ.
قلت: بوب البخاري في [صحيحه]: «باب الاستنجاء بالماء».
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٠٢): «أراد بهذه الترجمة الرد على من كرهه، وعلى من نفى وقوعه من النبي ﷺ وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنَّه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال: إذًا لا يزال في يدي نتن. وعن نافع أنَّ ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله. ونقل ابن التين عن مالك أنَّه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكية أنَّه منع الاستنجاء بالماء لأنَّه مطعوم» اهـ.
٢ - وفيه جواز استخدام الأحرار.
٣ - وفيه خدمة المتعلم للعالم.
٤ - وفيه أنَّ الاستنجاء بالماء أفضل من الحجارة، وذلك لتكلف حمله للنبي ﷺ، ولولا أنَّه أفضل من الحجارة لما تكلفوا حمل الماء مع النبي
[ ١ / ٢٥٦ ]
ﷺ عند ذهابه لقضاء حاجته، ولأنَّ الماء يزيل العين والأثر، وأمَّا الحجارة فإنَّما تزيل العين دون الأثر.
٥ - واستدل به بعضهم على استحباب التوضؤ من الأواني دون الأنهار والبرك.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٥): «وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث على أنَّ المستحب أن يتوضأ من الأواني دون المشارع والبرك ونحوها، إذ لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ، وهذا الذي قاله غير مقبول، ولم يوافق عليه أحد فيما نعلم. قال القاضي عياض: هذا الذي قاله هذا القائل لا أصل له، ولم ينقل أنَّ النبي ﷺ وجدها فعدل عنها إلى الأواني. والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٤) «ولا يستقيم إلَّا لو كان النبي ﷺ وجد الأنهار والبرك فعدل عنها إلى الأواني».
٦ - واستدل به على استحباب ألَّا تقل السترة عن مقدار الرمح طولًا، وعرضًا.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣١٣ - ٣١٤):
«وصلاته ﷺ إلى العنزة والحربة يستفاد منه: أنَّ السترة يستحب أن يكون عرضها كعرض الرمح ونحوه، وطولها ذراع فما فوقه.
قال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي ﷺ قال: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي من مر وراء ذلك".
[ ١ / ٢٥٧ ]
وقال أنس وأبو هريرة بذلك في الطول.
وقال الأوزاعي: يجزئ السهم والسوط والسيف.
وقال عطاء: قدر مؤخرة الرحل يكون حالقها على وجه الأرض ذراعًا.
وبه قال الثوري وأصحاب الرأي.
وقال مالك والشافعي: قدر عظم الذراع فصاعدًا.
وقال قتادة: ذراعًا وشبرًا.
وقال الأوزاعي: يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل، وبه قال الثوري. انتهى.
وسئل أبو العالية عن السترة؟ فقال: طول الرحل، والعرض ما عرض أحب إلي.
وقال ابن عبد البر: قال مالك: أقل ما يجزئ المصلي في السترة غلظ الرمح، وكذلك السوط إن كان قائمًا، وارتفاعها: قدر عظم الذراع، هذا أقل ما يجزئ عنده، ولا تفسد عنده صلاة من صلى إلى غير سترة، وإن كان ذلك مكروها له.
وقول الشافعي في ذلك كقول مالك.
وقال الثوري وأبو حنيفة: أقل السترة: قدر مؤخرة الرحل، ويكون ارتفاعها على ظهر الأرض ذراعًا، وهو قول عطاء.
وقال قتادة: ذراع وشبر.
وقال الأوزاعي: قدر مؤخرة الرحل، ولم يحد ذراعًا، ولا عظم ذراع، ولا غير ذلك، وقال: يجزئ السهم والسوط والسيف - يعني في الغلظ. انتهى.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وفي "تهذيب المدونة" للبرادعي المالكي: ويستره قدر مؤخرة الرحل، وهو نحو من عظم الذراع. قال مالك: وإني لأحب أن يكون في جلة الرمح أو الحربة، وليس السوط بسترة. انتهى.
وأمَّا مذهب الشافعي وأصحابه، فيستحب عندهم أن يكون ارتفاع السترة قدر مؤخرة الرحل، واختلفوا في تقديرها، فالمشهور عندهم: إنَّها نحو ثلثي ذراع فصاعدًا. وقيل: ذراع، وأمَّا عرضها فلا حد له عندهم، بل يكفي الغليظ والدقيق.
وأمَّا مذهب أحمد وأصحابه، فنص أحمد على أن السترة قدر مؤخرة الرحل، وأن مؤخرة الرحل ذراع: نقله عنه أكثر أصحابه.
ونقل ابن قاسم، عنه في قدر ما يستر المصلي، قال: قدر عظم الذراع من الأشياء، وهو كمؤخرة الرحل.
وهذا مثل قول من قدره بنحو ثلثي ذراع؛ لأنَّ ذلك هو طول عظم ذراع الإنسان.
وأمَّا عرضها فلا حد له عند أصحابنا، إلاَّ أنَّه كلما غلظ كان أولى.
وقال إسحاق: قدر مؤخرة الرحل ذراع.
وقد خرج البخاري حديث الصلاة إلى مؤخرة الرحل من حديث ابن عمر، وسيأتي قريبًا- إن شاء الله-.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وخرج مسلم من حديث سماك، عن موسى ابن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد الله، عن النبي ﷺ، قال: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي بمن مر وراء ذلك".
قال علي بن المديني: إسناده حسن.
وخرج مسلم -أيضًا- من حديث أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلى؟ فقال: "كمؤخرة الرحل".
ومن حديث عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ، قال: "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل".
وخرج الإمام أحمد من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "يستر الرجل في صلاته السهم، وإذا صلى أحدكم فليستتر بسهم".
وفي رواية له - أيضًا - بهذا الإسناد: "ليستتر أحدكم في صلاته، ولو بسهم".
وخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وخرج الحاكم - أيضًا - من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال:
"يجزئ من السترة مؤخرة الرحل، ولو بدقة شعرة".
[ ١ / ٢٦٠ ]
وزعم أنَّه صحيح على شرطهما، وليس كذلك؛ فإنَّ هذا تفرد برفعة محمد بن القاسم الأسدي، عن ثور بن يزيد، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن يزيد بن جابر، عن أبي هريرة.
والأسدي، ضعيف جدًا.
قال الدارقطني: غيره لا يرفعه - يعني: أنَّه يقفه على أبي هريرة.
وسئل ابن معين عن حديث أبي هريرة الموقوف. فقال: هو مستقيم الإسناد.
وروى مسعر، عن الوليد بن أبي مالك، عن أبي عبيد الله، عن أبي هريرة: يجزئ المصلي مثل مؤخرة الرحل في مثل جلة السوط.
كذا رواه الحفاظ عن مسعر، وهو المحفوظ -: قال الدار قطني وغيره» اهـ.
قلت: حديث أبي هريرة الذي ذكره الحافظ رواه الحاكم في [مستدركه] (٩٢٤) حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَنْصُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ حَارِثَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُجْزِئُ مِنَ السُّتْرَةِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، وَلَوْ بِدَقَّةِ شَعْرَةٍ».
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه مفسرًا بذكر دقة الشعر اهـ.
[ ١ / ٢٦١ ]
٧ - وفي الاستنجاء بالماء جواز مباشرة اليد للنجاسة عند الحاجة، وما جاز ملامسته جاز التداوي بالتلطخ به عند الحاجة كالتلطخ بشحم الخنزير ثم غسله بعد ذلك.
وقد جاء في [مجموع الفتاوى لابن تيمية] (٢٤/ ٢٧٠):
«وَسُئِلَ ﵀:
عَنْ رَجُلٍ وُصِفَ لَهُ شَحْمُ الْخِنْزِيرِ لِمَرَضٍ بِهِ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ:
وَأَمَّا التَّدَاوِي بِأَكْلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ. وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالتَّلَطُّخِ بِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ. كَمَا يَجُوزُ اسْتِنْجَاءُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ. وَمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ. كَمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِلُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا. كَمَا لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ وَدَهْنِ الْجُلُودِ وَالِاسْتِصْبَاحِ بِهِ وَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ ثَمَنِهِ. وَلِهَذَا رَخَّصَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْيَابِسَاتِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَفِي الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُنَجِّسُهَا» اهـ.
* * *
[ ١ / ٢٦٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ».
قوله: «وَلا يَتَمَسَّحْ»: أي لا يستنجي بيمينه.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - قال الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١/ ٨٦ - ٨٧): «الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين في حالة البول ووردت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقًا، من غير تقييد بحالة البول فمن الناس من أخذ بهذا العام المطلق، وقد يسبق إلى الفهم: أنَّ المطلق يحمل على المقيد، فيختص النهي بهذه الحالة وفيه بحث؛ لأنَّ هذا الذي يقال يتجه في باب الأمر والإثبات فإنَّا لو جعلنا الحكم للمطلق، أو العام في صورة الإطلاق، أو العموم مثلًا: كان فيه إخلال باللفظ الدال على المقيد وقد تناوله لفظ الأمر وذلك غير جائز.
وأمَّا في باب النهي: فإنَّا إذا جعلنا الحكم للمقيد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق، مع تناول النهي له وذلك غير سائغ هذا كله بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث وهو أن ينظر في الروايتين: هل هما حديث واحد، أو حديثان؟ وذلك أيضًا، بعد النظر في دلائل المفهوم، وما يعمل به منه، وما لا يعمل به، وبعد أن تنظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم - أعني رواية الإطلاق والتقييد - فإن كانا حديثًا
[ ١ / ٢٦٣ ]
واحدًا مخرجه واحد، اختلف عليه الرواة: فينبغي حمل المطلق على المقيد لأنَّها تكون زيادة من عدل في حديث واحد، فتقبل وهذا الحديث المذكور راجع إلى رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن قتادة عن أبيه» اهـ.
قلت: مخرج الحديث واحد كما ذكر ﵀ فهو بلفظيه راجع إلى طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
وقد اختلف فيه على يحيى ابن أبي كثير فرواه عنه بالتقييد: أبان العطار، والأوزاعي، وحجاج بن أبي عثمان، وشيبان بن عبد الرحمن التميمي، وأبو عثمان الصواف.
ورواه عنه بالإطلاق أيوب، وهشام الدستوائي.
قال السيوطي في [حاشيته على سنن النسائي] (١/ ٤٢): «وقد قال القاضي أبو الطيب: لا خلاف في حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة» اهـ.
٢ - الحديث يدل على تحريم الاستنجاء باليمين إذا كانت اليد هي المباشرة للنجاسة من غير حائل أو كان بحائل كالحجر ونحوه، وقد ذهب إلى تحريم ذلك أهل الظاهر، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّه للتنزيه. وقال بعض أصحاب الشافعي، وأهل الظاهر: لا يجزئه الاستنجاء بيمينه لمطابقة النهي، والنهي يقتضي الفساد.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ النهي لا يقتضي الفساد في هذه المسألة لأنَّها من باب التروك، والغرض من النجاسة إزالتها فإن أزالها على الوجه الشرعي أجر، وإن أزالها على غير الوجه الشرعي أثم، وصحت الإزالة. والله أعلم.
[ ١ / ٢٦٤ ]
والذي يظهر لي أنَّ استعمال المرشَّات المائية باليد اليمنى لإزالة النجاسة لا يدخل في النهي لعدم مباشرة اليد للنجاسة، ولا تشبه مباشرة اليد للنجاسة بحائل كالحجر وذلك أنَّ المرش لا يلامس النجاسة بعكس الحجر، وهو أشبه ما يكون بصب الماء باليد اليمنى عند الاستنجاء وهو مشروع لا محذور فيه.
وقد استشكل النهي عن مس الذكر بيمينه وعن الاستنجاء بها بأنَّه متعذر لأنَّه إن أمسك ذكره بيساره استنجى بيمينه وإن استنجى بيساره أمسك ذكره بيمينه فيقع في أمر منهي عنه على كلا الحالين.
وهذا الإشكال وارد في الاستجمار بالحجارة دون الاستنجاء بالماء.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦): «وقد أثار الخطابي هنا بحثًا وبالغ في التبجح به، وحكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنَّه ناظر رجلًا من الفقهاء الخراسانيين فسأله عن هذه المسألة فأعياه جوابها، ثم أجاب الخطابي عنه بجواب فيه نظر، ومحصل الإيراد أنَّ المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه وكلاهما قد شمله النهي، ومحصل الجواب أنَّه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه ويستجمر بيساره فلا يكون متصرفًا في شيء من ذلك بيمينه انتهى.
وهذه هيئة منكرة بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات، وقد تعقبه الطيبي بأنَّ النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر فبطل
[ ١ / ٢٦٥ ]
الإيراد من أصله، كذا قال. وما ادعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصًا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسًا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، وإنَّما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلَّا ما خص.
والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي ما قاله إمام الحرمين، ومن بعده كالغزالي في الوسيط، والبغوي في التهذيب أنَّه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه وهي قارة غير متحركة فلا يعد مستجمرًا باليمين ولا ماسًا بها، ومن ادعى أنَّه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمينه فقد غلط، وإنَّما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء» اهـ.
قلت: ويمكنه إذا كان الحجر صغيرًا أن يضعه بين أصابعه ويمسح به، فيكون مس الذكر ومسحه بيده اليسار.
على أنَّ الحديث وارد في النهي عن مسه حال البول غير أنَّ العلماء أدخلوا في النهي مس الذكر عند الاستنجاء والجامع بينهما هو خشية التلوث بالبول، أو تكريم اليمين.
٣ - احتج بعضهم بالنهي عن مس الذكر باليمين حال البول على النهي عن ذكر الله في ذلك الموطن فقال: فإذا نزهت اليمنى عن ذلك فذكر الله أعظم.
قلت: ويدل على هذه المسألة ما رواه البخاري (٣٣٧) عن أَبِي الْجُهَيْمِ الأنصاري قال: «أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».
[ ١ / ٢٦٦ ]
وهو عند مسلم (٨٢٠) معلقًا.
وروى أحمد (١٩٠٥٦)، وأبو داود (١٧) من طريق سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ ﷿ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ» أَوْ قَالَ: «عَلَى طَهَارَةٍ».
قلت: هذا حديث صحيح.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٠٧): «واستنبط منه بعضهم منع الاستنجاء باليد التي فيها الخاتم المنقوش فيه اسم الله تعالى لكون النهي عن ذلك لتشريف اليمين فيكون ذلك من باب الأولى، وما وقع في "العتبية" عن مالك من عدم الكراهة قد أنكره حذاق أصحابه» اهـ.
٥ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥١):
«قوله ﷺ: "وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ" معناه: لا يتنفس في نفس الإناء، وأمَّا التنفس ثلاثًا خارج الإناء فسنة معروفة، قال العلماء: والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك. والله أعلم» اهـ.
وقال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٢٤٤): «والنهي عن التنفس في الإناء لئلا يقذره على غيره، أو يسقط من فمه أو أنفه ما يفسده على الغير، وظاهره أنَّه للتحريم، وحمله الجماهير على الأدب» اهـ.
قلت: ونقل عن الظاهرية أنَّه للتحريم.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فإن قيل: قد روى البخاري (٥٦٣١)، ومسلم (٢٠٢٨) عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا».
هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاري عن ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا».
وفي لفظ لمسلم (٢٠٢٨) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: "إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ"».
والجواب: أنَّ المراد بذلك التنفس في شربه، وليس التنفس داخل الإناء.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٤/ ٢١٦):
«فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أنس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا"؟ قِيلَ: نُقَابِلُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي شُرْبِهِ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ الْإِنَاءَ لِأَنَّهُ آلَةُ الشُّرْبِ، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "أَنَّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، أَيْ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ"» اهـ.
* * *
[ ١ / ٢٦٨ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا"».
قوله: «فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» النميمة حقيقتها: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. وأمَّا إذا كانت على جهة النصيحة فليست بنميمة.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ٢١٤):
«وَكُلّ هَذَا الْمَذْكُور فِي النَّمِيمَة إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصْلَحَة شَرْعِيَّة فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَيْهَا فَلَا مَنْع مِنْهَا؛ وَذَلِكَ كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ إِنْسَانًا يُرِيد الْفَتْك بِهِ، أَوْ بِأَهْلِهِ، أَوْ بِمَالِهِ، أَوْ أَخْبَرَ الْإِمَام، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِأَنَّ إِنْسَانًا يَفْعَل كَذَا، وَيَسْعَى بِمَا فِيهِ مَفْسَدَة.
وَيَجِب عَلَى صَاحِب الْوِلَايَةِ الْكَشْف عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَته. فَكُلّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَدْ يَكُون بَعْضه وَاجِبًا، وَبَعْضه مُسْتَحَبًّا عَلَى حَسَب الْمَوَاطِن. وَاَللَّه أَعْلَم» اهـ.
قوله: «جَرِيدَةً رَطْبَةً» الجريد أغصان النخل إذا جرد عنها أي زال منها الخوص أي ورقها.
وفي هذا الحديث عدة مسائل وهي:
[ ١ / ٢٦٩ ]
١ - أنَّ عدم الاستتار من البول، والنميمة من كبائر الذنوب، وقد جاء في رواية للبخاري (٢١٦، ١٣٧٨): «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى»، وفي رواية أخرى للبخاري (٦٠٥٥): «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٧٩): «وقد اختلف في معنى قوله: "وإنَّه لكبير" فقال أبو عبد الملك البوني: يحتمل أنَّه ﷺ ظنَّ أنَّ ذلك غير كبير، فأوحي إليه في الحال بأنَّه كبير، فاستدرك. وتعقب بأنَّه يستلزم أن يكون نسخًا والنسخ لا يدخل الخبر. وأجيب بأنَّ الحكم بالخبر يجوز نسخه فقوله: "وما يعذبان في كبير" إخبار بالحكم، فإذا أوحي إليه أنَّه كبير فأخبر به كان نسخًا لذلك الحكم.
وقيل: يحتمل أنَّ الضمير في قوله: "وإنَّه" يعود على العذاب، لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة: "يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هين"، وقيل الضمير يعود على أحد الذنبين وهو النميمة لأنَّها من الكبائر بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم لأنَّ الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي. وقال الداودي وابن العربي: "كبير" المنفي بمعنى أكبر، والمثبت واحد الكبائر، أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلًا، وإن كان كبيرًا في الجملة. وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لأنَّ تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وهو كبير الذنب. وقيل ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين وهو عند الله كبير كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥]، وقيل ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي: كان لا يشق عليهما
[ ١ / ٢٧٠ ]
الاحتراز من ذلك. وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل ليس بكبير بمجرده وإنَّما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان. والله أعلم» اهـ.
قلت: الحديث الذي عزاه الحافظ لابن حبان رواه (٨٢٥) فقال أَخْبَرَنَا أَبُو عَرُوبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كُنَّا نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَرْنَا عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَامَ، فَقُمْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ لَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ حَتَّى رَعَدَ كُمُّ قَمِيصِهِ، فَقُلْنَا: مَا لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟، قَالَ: " مَا تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟، قَالَ: " هَذَانِ رَجُلَانِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ "، قُلْنَا: مِمَّ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟، قَالَ: " كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ " فَدَعَا بِجَرِيدَتَيْنِ مِنْ جَرَائِدِ النَّخْلِ، فَجَعَلَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قُلْنَا: وَهَلْ يَنْفَعُهُمَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: " نَعَمْ، يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَا رَطْبَتَيْنِ "».
قلت: هذا حديث حسن، ويستغنى به في تفسير حديث الباب. والله أعلم.
وقوله في هذا الحديث: «فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ» يحتمل أن يراد به هين الاجتناب، أو أنَّه من صغائر الذنوب، والأول أظهر عندي لقيد العذاب الشديد، والله أعلم.
[ ١ / ٢٧١ ]
٢ - قوله: «فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ» يعنى: أنَّه كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٩٠ - ٩١): «هذه اللفظة - أعني " يستتر" - قد اختلفت فيها الرواية على وجوه، وهذه اللفظة تحتمل وجهين: أحدهما: الحمل على حقيقتها من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة.
والثاني: وهو الأقرب -: أن يحمل على المجاز ويكون المراد بالاستتار: التنزه عن البول والتوقي منه، إمَّا بعدم ملابسته، أو بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به، كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما: أنَّ المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وإنَّما رجحنا المجاز - وإن كان الأصل الحقيقة لوجهين: أحدهما: أنَّه لو كان المراد: أنَّ العذاب على مجرد كشف العورة: كان ذلك سببًا مستقلًا أجنبيًا عن البول، فإنَّه حيث حصل الكشف للعورة حصل العذاب المرتب عليه، وإن لم يكن ثمة بول فيبقى تأثير البول بخصوصه مطرح الاعتبار والحديث يدل على أنَّ للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضًا فإنَّ لفظة "من" لما أضيفت إلى البول - وهي غالبًا لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا - تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى.
[ ١ / ٢٧٢ ]
الوجه الثاني: أنَّ بعض الروايات في هذه اللفظة يشعر بأنَّ المراد: التنزه من البول وهي رواية وكيع " لا يتوقى " وفي رواية بعضهم " لا يستنزه " فتحمل هذه اللفظة على تلك، ليتفق معنى الروايتين» اهـ.
قلت: رواية: «لَا يَسْتَبْرِئُ» أخرجها النسائي (٢٠٦٨).
ورواية: «لَا يَسْتَنْزِهُ» أخرجها مسلم (٦٧٦).
ورواية: «لَا يَتَوَقَّى» أخرجها البيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ١٠٤)، و[الصغرى] (١/ ٤٠) برقم (٣٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في [التوبيخ والتنبيه] (١/ ٢١١) برقم (١٩٢)
من طريق وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: «مر النبي ﷺ على قبرين يعذبان، قال: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَتَوَقَّى مِنْ بَوْلِهِ».
إذا تبين لك أنَّ الاستتار هو التوقي من البول، وليس المراد به ستر العورة، فقد احتج به من قال بوجوب اتقاء البول في الثوب أو البدن، وهو ظاهر في ذلك.
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٤٨):
«واختلف الفقهاء في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، فقال مالك: إزالتها ليست بفرض. وقال بعض أصحابه: إزالتها فرض، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، إلَّا أن أبا حنيفة يعتبر في النجاسات ما زاد على مقدار الدرهم».
٣ - الحديث فيه: إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة.
[ ١ / ٢٧٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما [مجموع الفتاوى] (٤/ ٢٨٢ - ٢٨٥):
«الحمد لله رب العالمين بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن.
وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام وفى المسالة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث قول من يقول: إنَّ النعيم والعذاب لا يكون إلَّا على الروح وأنَّ البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ وإنَّما يكون عند القيامة من القبور، وقول من يقول: إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب وإنَّما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام المعتزلة وأصحاب أبي الحسن الأشعري، كالقاضي أبي بكر وغيرهم وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا قول باطل خالفه الأستاذ أبو المعالي الجويني وغيره، بل قد ثبت في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة أن الروح تبق بعد فراق البدن وأنَّها منعمة، أو معذبة.
والفلاسفة الإلهيون يقولون بهذا، لكن ينكرون معاد الأبدان، وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها، وعذابها بدون الأبدان، وكلا
[ ١ / ٢٧٤ ]
القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام، بل من يظن انه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام.
والقول الثالث الشاذ: قول من يقول: إنَّ البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم الذين ينكرون عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن وأنَّ البدن لا ينعم ولا يعذب.
فجميع هؤلاء الطائفتين ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة لأنَّهم يقرون بالقيامة الكبرى.
فإذا عرفت هذه الأقوال الثلاثة الباطلة فليعلم أنَّ مذهب سلف الأمة وأئمتها أنَّ الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأنَّ ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأنَّ الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة وأنَّها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم والعذاب.
ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين.
ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة.
وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب اثبت ذلك طائفة منهم وأنكره أكثرهم».
[ ١ / ٢٧٥ ]
٤ - قوله: «فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ» احتج به من قال بنجاسة الأبوال كلها.
قلت: المراد بقوله: «مِنْ الْبَوْلِ» أي بول نفسه، وقد جاءت رواية في الصحيحين «فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وقد حمل البخاري ﵀ الروايتين على هذا حيث قال ﵀: