١٠١ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ - وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ، أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ". فَقَالَ: "أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ". فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ. ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ قَالَ: فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ».
العشي: ما بين زوال الشمس إلى غروبها.
قوله: «إحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ». العشي من الزوال إلى الغروب.
والمراد بذلك صلاة العصر فقد روى مسلم (٥٧٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ
[ ٣ / ٤٦٢ ]
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ". فَقَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ».
وروى مسلم (٥٧٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا". قَالُوا: نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ».
وقوله: «فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا».
وفي رواية لمسلم (٥٧٣) «ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا».
وفي رواية للبخاري (١٢٢٩) «ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٠٠):
[ ٣ / ٤٦٣ ]
«وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْجِذْعَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ كَانَ مُمْتَدًّا بِالْعَرْضِ وَكَأَنَّهُ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ ﷺ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ» اهـ.
قلت: وحديث عمران مخالف في بعضه لحديث أبي هريرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٤٠):
«وَهَذِهِ الْقِصَّةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ الْأُولَى وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ إيَّاهَا لَكِنْ اشْتَبَهَ عَلَى إحْدَى الرَّاوِيَيْنِ: هَلْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ مِنْ ثَلَاثٍ وَذَكَرَ أَحَدُهُمَا قِيَامَهُ إلَى الْخَشَبَةِ الْمَعْرُوضَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ دُخُولَهُ مَنْزِلَهُ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَخُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ» اهـ.
قوله: «وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ». هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد، فظنوا أنَّ الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - جواز تشبيك اليدين بعد الانتهاء من الصلاة.
قلت: أمَّا قبل ذلك فقد روى أحمد (١٨١٢٨)، وأبو داود (٥٦٢) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ فُلَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ أَبَا ثُمَامَةَ الْحَنَّاطَ، حَدَّثَهُ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ».
[ ٣ / ٤٦٤ ]
قلت: وفي إسناده أبو ثمامة الحناط لا يعرف حاله.
ورواه الطبراني في [الكبير] (١٥٦٥٥) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَطَاءٍ الْمَدَنِيُّ، ثنا سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَّا كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ صَلَاتَهُ، فَلَا يُشَبِّكْ أَحَدُكُمْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ».
قلت: هذه رواية منكرة وداود بن عطاء منكر الحديث.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٣٣١)، ومِنْ طَرِيقِه الطبراني في [الكبير] (١٥٦٧١) مِنْ طَرِيقِ أبِي مَعْشَرٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ يُرِيدُ الصَّلَاةَ إِلَّا كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الصَّلَاةِ».
قلت: أبو معشر واسمه نجيح ضعيف الحديث، وفي الإسناد أيضًا إبهام.
والطحاوي في [مشكل الآثار] (٥٥٦٧)، والطبراني في [الكبير] (٣٣١)، و[الأوسط] (٨٣٨) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».
قلت: وهذا إسناد ظاهرة أنَّه حسن.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
قلت: وقد تابع الدراوردي في حديثه هذا شريك القاضي أخرج حديثه الحاكم في [المستدرك] (٧٤٦) أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ، بِالْكُوفَةِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي عَزْرَةَ، ثنا أَبُو غَسَّانَ، ثنا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كُنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا تَجْعَلْ أَصَابِعِكَ هَكَذَا» يَعْنِي شَبَّكَهَا.
لكن رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٤٤٠) نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، نا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ ثُمَّ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَلَا تُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِكَ».
قلت: وهذا أصح من حديث الدراوردي، وشريك.
ورواه الدارمي (١٤٤٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَعَمَدْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ».
قلت: وقد تابع سفيان في روايته هذه قران بن تمام أخرج حديثه أحمد (١٨١٤٠).
وجرير بن عبد الحميد أخرج حديثه ابن مندة في [الفوائد] (٢).
ورواه الترمذي (٣٨٦) مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
[ ٣ / ٤٦٦ ]
«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ».
قَالَ أبو عيسى الترمذي ﵀: «حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَرَوَى شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَحَدِيثُ شَرِيكٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ» اهـ.
قلت: وهذا نوع آخر من الاختلاف في الحديث عن ابن عجلان فقد زاد الليث رجلًا مبهما بين المقبري وكعب.
ورواه أحمد (١٨١٣٩) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ بَعْضِ بَنِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ وُضُوءَكَ، ثُمَّ عَمَدْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَلَا تُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ».
قلت: وهذا نوع آخر من الاختلاف في الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٨٦٠) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خُصَيْفَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ أَصَابِعَهُ».
قلت: وهذا نوع آخر من الاختلاف.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
والذي يظهر لي أنَّ هذا لاضطراب من ابن عجلان.
وروى الحديث الدارمي (١٤٠٦) أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَلَا تَقُولُوا هَكَذَا» يَعْنِي: يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
قلت: هذا الحديث وهم. وهم فيه الهيثم أو محمد بن مسلم الطائفي.
وقد روى الحديث أبو داود الطيالسي في [المسند] (١١٥٩) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ مَوْلًى لِبَنِي سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ خَرَجَ لِلصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَلَا يُشَبِّكَنَّ أَحَدُكُمْ أَصَابِعَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ أَوْ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ الصَّلَاةَ».
وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ثقة فقيه فاضل وحديثه أصح.
قلت: ولا يصح هذا الإسناد من أجل الإبهام الذي فيه.
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٥٦٧٧) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أنبأ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا عَمْرُو بْنُ قُسَيْطٍ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا كَعْبُ، إِذَا تَوَضَّأْتَ
[ ٣ / ٤٦٨ ]
فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ».
وقَالَ البيهقي ﵀ بعد روايته لهذا الحديث: «هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِنْ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّقِّيُّ هَذَا حَفَظَهُ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُ فِيمَا رَوَاهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدُ مُتَابِعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: ابن قسيط لا يعرف حاله لكنه متابع تابعه سليمان بن عبيد الله الرقي وفيه ضعف.
ورواه ابن حبان في [صحيحه] (٢١٥٠)، والطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٥٥٧٠) مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ لَهُ: «يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، إِذَا تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا تُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، فَإِنَّكَ فِي صَلَاةٍ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٨٧):
«وروي - أيضًا - النهي عن تشبيك الأصابع لمن هو ماش إلى المسجد للصلاة فيه، من حديث كعب بن عجرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة".
[ ٣ / ٤٦٩ ]
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٦٦):
«وفي إسناده اختلاف ضعفه بعضهم بسببه» اهـ.
قلت: وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري.
رواه أحمد (١١٥٣٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَدَخَلُ النَّبِيُّ ﷺ فَرَأَى رَجُلًا جَالِسًا وَسَطَ الْمَسْجِدِ، مُشَبِّكًا بَيْنَ أَصَابِعِهِ، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمْ يَفْطِنْ، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ، مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ».
قلت: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب مختلف فيه وعمه هو عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي لا يعرف.
والحديث حسن بما تقدم. والله أعلم.
وليس في حديث أبي سعيد النهي عند الخروج إلى المسجد فالنهي عن ذلك خارج عن الشواهد.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٦٠١):
[ ٣ / ٤٧٠ ]
«وأمَّا التشبيك بين الأصابع فيكره من حين يخرج وهو في المسجد أشد كراهة وفي الصلاة أشد واشد» اهـ.
قلت: ومن الفوائد التي ذكرها العلماء في النهي عن التشبيك أنَّه مجلبة للنوم والكسل وهذه الحالة لا ينبغي أن يكون عليها المصلي بل هي شبيهة بحال المنافقين الذين قَالَ الله فيهم:
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
٢ - جواز السهو على الأنبياء. وقد روى البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢) عن ابن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». وهو مذهب أكثر العلماء لهذين الحديثين ولقوله تعالى إخبارًا عن موسى ﵇: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.
قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (٧/ ١٤):
«وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّهْوَ عَلَيْهِ فِي الْأَفْعَالِ الْبَلَاغِيَّةِ وَالْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا مَنَعُوهُ اتِّفَاقًا فِي الْأَقْوَالِ الْبَلَاغِيَّةِ وَاعْتَذَرُوا عَنِ الظَّوَاهِرِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَشَذَّتِ الْبَاطِنِيَّةُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَرْبَابِ عِلْمِ الْقُلُوبِ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ النِّسْيَانُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْسَى قَصْدًا وَيَتَعَمَّدُ صُورَةَ النِّسْيَانِ لِيَسُنَّ. وَنَحَا إِلَى
[ ٣ / ٤٧١ ]
هَذَا عَظِيمٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ وَهُوَ أَبُو المظفر الإسفرايني فِي كِتَابِهِ "الْأَوْسَطُ" وَهُوَ مَنْحًى غَيْرُ سَدِيدٍ، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد» اهـ.
٣ - وفيه جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٩ - ٤٠):
«وهذا قول جمهور العلماء وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيره. وعن أبي حنيفة أنَّه إن تكلم بعد السلام سقط عنه سجود السهو؛ لأنَّ الكلام ينافيها فهو كالحدث. وعن الحسن ومحمد إذا صرف وجهه عن القبلة لم يبن ولم يسجد. والصواب قول الجمهور كما نطقت به السنة فإنه ﷺ سجد بعد انصرافه وانفتاله وإقباله عليهم وبعد تحدثهم وبعد سؤاله لهم وإجابتهم إياه وحديث ذي اليدين أبلغ في هذا» اهـ.
قلت: قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٣١):
«فيه حجة لمن ذهب إلى أنَّ من تكلم غير عالم بأنَّه في الصلاة أو تكلم في الصلاة ناسيًا لا تفسد صلاته وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وخالف فيه أهل الكوفة النخعي وحماد والثوري وأبو حنيفة فقَالَوا: تفسد صلاته كالعمل فيها وأجابوا عن قصة ذي اليدين بأنَّها منسوخة بحديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم في تحريم الكلام في الصلاة ورد عليهم بأنَّ الناسخ لا يكون متقدمًا وحديث ابن مسعود كان بمكة في أحد القولين وفي أول الهجرة في القول الآخر.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
وكذلك حديث زيد بن أرقم وأمَّا حديث ذي اليدين فكان إمَّا في السنة السابعة أو بعدها لأنَّ إسلام أبي هريرة وعمران بن حصين كان في السنة السابعة وقد شهد القصة وكان إسلام معاوية بن خديج قبل موت النبي ﷺ بشهرين كما ذكره البيهقي وغيره.
وقد تقدم في ترجمته وقد شهد معاوية هذا قصة أخرى في السهو كقصة ذي اليدين وكلامهم كما هو في الأصل وقد تقدم بيان تأخر قصة ذي اليدين في الفائدة الأولى من هذا الحديث وشهود أبي هريرة لها قَالَ ابن عبد البر: ولو صح للمخالفين ما ادعوه من نسخ حديث أبي هريرة بتحريم الكلام في الصلاة لم تكن لهم في ذلك حجة لأنَّ النهي عن الكلام في الصلاة إنَّما توجه إلى العامد القاصد لا إلى الناسي لأنَّ النسيان متجاوز عنه والناسي والساهي ليسا ممن دخل تحت النهي لاستحالة ذلك في النظر» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام.
٥ - واحتج به من قَالَ: إنَّ سجود السهو بعد السلام.
قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٦):
«اختلف العلماء في سجدتي السهو هل محلهما قبل السلام من الصلاة أو بعده على حسب اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك على أقوال خمسة:
[ ٣ / ٤٧٣ ]
الأول: أنَّه بعد السلام عملًا بحديث أبي هريرة هذا ففي الصحيحين: "أنه سجد فيه بعد السلام" وهكذا عند مسلم في حديث عمران بن حصين وكذا حديث ابن مسعود المتفق عليه الآتي بعد هذا ولأبي داود والترمذي وصححه من حديث المغيرة: "فلما أتم صلاته وسلم سجد سجدتين" وللحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص مثله وصححه وكذلك من حديث عقبة بن عامر.
ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن جعفر: "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم" قَالَ البيهقي لا بأس به وقَالَ النووي ضعفوه.
ولأبي داود من حديث ابن عمر: "ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو" وله من حديث ثوبان: "لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم".
وهو قول أهل الكوفة والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وبه قَالَ من التابعين أبو سلمة بن عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز.
وقَالَوا من جهة المعنى: أن سجود السهو إنَّما جعل في آخر الصلاة لئلا يطرأ سهو آخر بعده ومن الجائز طروء السهو في السلام فكان السجود بعده أولى.
والقول الثاني: أنَّ محله قبل السلام وهو قول ابن شهاب وربيعة ويحيى بن سعيد وبه قَالَ الأوزاعي والشافعي والليث وحجتهم ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله ابن بحينة: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس" وعند مسلم من
[ ٣ / ٤٧٤ ]
حديث أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم".
ولأبي داود من حديث أبي هريرة في الذي لا يدري كم صلى: "فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ليسلم" كذا رواه مِنْ طَرِيقِين في أحدهما ابن أخي ابن شهاب عن عمه وفي الأخرى محمد بن إسحاق وقَالَ فيها حدثني الزهري وقد رواه مالك وابن عيينة والليث ومعمر عن الزهري لم يذكروا موضع السجود.
وللترمذي وصححه من حديث عبد الرحمن بن عوف: "إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة فإن لم يدر اثنتين صلى أو ثلاثًا فليبن على ثنتين فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعا فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم".
والقول الثالث: التفرقة بين أن يكون السهو بزيادة أو نقص فإن كان لزيادة بأن صلى خمسًا سجد بعد السلام وإن كان لنقص كترك التشهد الأول سجد قبل السلام وهو قول مالك وأبي ثور وهو قول قديم للشافعي ورجحه أبو حاتم بن حبان من الشافعية وحملوا اختلاف الأحاديث على ذلك لو سلم لهم.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
قَالَ ابن عبد البر: وهو الصحيح في هذا الباب من جهة الآثار لكن في قول مالك ومن تابعه استعمال الخبرين جميعًا في الزيادة والنقصان واستعمال الأخبار على وجوهها أولى من ادعاء النسخ فيها ومن جهة المعنى أن السجود للنقص جبران فناسب أن يكون في الصلاة قبل السلام بخلاف الزيادة.
والقول الرابع: استعمال كل حديث في موضعه زيادة كان أو نقصًا وهو قول أحمد إذا سلم من اثنتين فبعد السلام على حديث ذي اليدين وإذا سلم بعد ثلاث فكذلك على حديث عمران بن حصين وفي التحري بعد السلام على حديث عبد الله بن مسعود وفي القيام من اثنتين قبل السلام على حديث ابن بحينة وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وابن عوف رواه أبو بكر الأثرم عنه قَالَ قلت له فما كان سواها من السهو قَالَ يسجد فيه كله قبل السلام لأنه يجبر ما نقص من صلاته وما قَالَ به أحمد من استعمال كل حديث في موضعه قَالَ به داود إلاَّ أنه قَالَ لا يسجد للسهو إلا في هذه المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله ﷺ.
والقول الخامس: أنَّه يتخير بين السجود قبل السلام أو بعده سواء كان ذلك لزيادة أو نقص جمعًا بين الأحاديث وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع وإليه ذهب محمد بن جرير الطبري وهو قول قديم أيضًا للشافعي وهذه المسألة مما اختلف فيها الأئمة الأربعة ولكل واحد منهم أحاديث صحيحة وقد أجاب أصحاب كل إمام منهم عن الأحاديث التي استدل بها غير إمامه بوجوه:
[ ٣ / ٤٧٦ ]
منها: دعوى النسخ لما وقع بعد السلام فقد قَالَ الزهري إن آخر الأمرين من فعله السجود قبل السلام واعترض عليه بأنه مرسل ولو كان مسندًا فإنه لم يبين آخر الأمرين كان في ماذا؟ فلعله كان آخر الأمرين في محل النقص فلا يدفع قول مالك وأجيب بأنه أطلق سجود السهو فلا يحمل على صورة منه.
ومنها: أنَّ قوله بعد السلام أي بعد قوله في التشهد السلام عليك أيها النبي وهو بعيد.
ومنها: أنَّ المراد بعد السلام على وجه السهو بدليل قوله في حديث عمران بن حصين عند مسلم: "فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم". فحملنا السلام الأول على أنه سها في السلام. وهو بعيد أيضًا وقد قَالَ جماعة بإعادة السلام بعد سجدتي السهو كما سيأتي وقد يقابله الحنفي بمثله فيقول سجوده قبل السلام سهو ولا تثبت الحجج بالاحتمالات والله أعلم.
ومنها: الترجيح بكثرة الرواة، والأحاديث الدالة للقائلين به بعد السلام أكثر. قَالَ ابن دقيق العيد: والاعتراض عليه أن طريقة الجمع أولى مِنْ طَرِيقِة الترجيح، وأيضًا فلا بد من النظر في محل التعارض واتخاذ موضع الخلاف من الزيادة والنقصان.
ومنها: ما أجاب به الحنفية أن المراد بقوله وسجد سجدتين أي سجود الصلاة وهو بعيد.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
ومنها: ما اعترض به على المالكية أنَّ حديث أبي سعيد فيمن شك فإنه يبني على أنه لم يفعل فيزيده ويسجد قبل السلام فهذا سهو للزيادة قبل السلام وأجابوا بأن الزيادة ليست محققة فيحتمل أنه لم يرد وإنما المراد الزيادة المحققة وعندهم في هذه الصورة روايتان واعترض أيضًا عليهم أن حديث ذي اليدين قد نقص فيه من الصلاة وقد سجد بعد التسليم وأجابوا بأنه أتى بما نقصه وهو الركعتان وزاد السلام بعد الثنتين والكلام والمشي فسجد لهذه الزيادة لا لكونه نقص الركعتين فقد أتى بهما ورجح ابن دقيق العيد قول مالك ومن وافقه بظهور المناسبة قَالَ وإذا ظهرت المناسبة وكان الحكم على وفقها كانت علة وإذا كانت علة عم الحكم جميع محالها فلا يتخصص ذلك بمورد النص انتهى.
وهذا الخلاف المذكور في محل السجود قيل هو في الأولوية فقد قَالَ ابن عبد البر إنَّهم أجمعوا على أنَّه لو سجد بعد السلام فيما قَالَوا فيه السجود قبل السلام أو سجد قبل السلام فيما قَالَوا فيه السجود بعد السلام لم يضره لأنَّه من باب قضاء القاضي باجتهاده لاختلاف الآثار والسلف فيه إلَّا أنَّ مالكًا أشد استثقَالًَا لوضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام والله أعلم.
قلت: وينبغي أن يحمل كلامه على اتفاق المالكية فإنَّ الخلاف عند أصحابنا مشهور والمذهب أنَّه في الإجزاء لا في الأولوية والله أعلم» اهـ.
قلت: السهو لا يخلو إمَّا أن يكون عن شك أو زيادة أو نقصان.
فأمَّا الشك فينقسم إلى ثلاثة أقسام:
[ ٣ / ٤٧٨ ]
الأول: ما كان ظنًا راجحًا من غير تحري وهذا لا يوجب سجود السهو فإنَّه لا يخلو منه أحد غالبًا فإنَّ اليقين عزيز.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١١ - ١٢):
«لكن لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه حتى قد قيل في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أنَّه جعل ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم شكًا وإن كان إبراهيم موقنًا ليس عنده شك يقدح في يقينه ولهذا لما قَالَ له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وقَالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. فإذا كان قد سمي مثل هذا شكًا في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فكيف بمن لا يقين عنده؟ فمن عمل بأقوى الدليلين فقد عمل بعلم لم يعمل بظن ولا شك؟ وإن كان لا يوقن أن ليس هناك دليل أقوى من الدليل الذي عمل به. واجتهاد العلماء من هذا الباب والحاكم إذا حكم بشهادة العدلين حكم بعلم. لا بظن وجهل وكذلك إذا حكم بإقرار المقر وهو شهادته على نفسه ومع هذا فيجوز أن يكون الباطن بخلاف ما ظهر كما قَالَ النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا
[ ٣ / ٤٧٩ ]
يأخذه فإنَّما أقطع له قطعة من النار". وإذا كان لديك معلوم أنَّ مثل هذا الشك لم يرده النبي ﷺ بقوله: "إذا شك أحدكم" بل أكثر الخلق لا يجزمون جزمًا يقينيا لا يحتمل الشك بعد لكل صلاة صلاها ولكن يعتقدون عدد الصلاة اعتقادًا راجحًا وهذا ليس بشك وقوله ﷺ: "إذا شك أحدكم" إنَّما هو حال من ليس له اعتقاد راجح وظن غالب فهذا إذا تحرى وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين فلا يبق شاكًا» اهـ.
الثاني: ما كان شكًا متساويًا فهذا يبني فيه الشاك على اليقين وهو الأقل ويسجد سجود السهو قبل السلام.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٥٧١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».
الثالث: أن يشك ثم يتحرى الصواب فيترجح لديه إمَّا الزيادة وإمَّا النقصان فيأخذ بما ترجح لديه من الزيادة أو النقصان ثم يسجد سجود السهو بعد السلام.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (٤٠١) عن عبد الله بن مسعود عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
[ ٣ / ٤٨٠ ]
قلت: وقد رواه مسلم (٥٧٢) بدون قوله: «ثُمَّ يُسَلِّمْ».
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٠ - ١١): «وقد تأوله بعض أهل القول على أنَّ التحري هو طرح المشكوك فيه والبناء على اليقين وهذا ضعيف لوجوه:
منها: أنَّ في سنن أبي داود والمسند وغيرهما "إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث وأربع وأكثر من أربع تشهدت ثم سجدت وأنت جالس".
ومنها: أنَّ الألفاظ صريحة في أنَّه يتحرى ما يرى أنَّه الصواب سواء كان هو الزائد أو الناقص ولو كان مأمورًا مطلقًا بطرح المشكوك فيه لم يكن هناك تحر للصواب.
ومنها: أنَّ ابن مسعود هو راوي الحديث وبذلك فسره وعنه أخذ ذلك أهل الكوفة قرنًا بعد قرن كإبراهيم وأتباعه. وعنه أخذ ذلك أبو حنيفة وأصحابه.
ومنها: أنَّه هنا أمر بالسجدتين بعد السلام. وفي حديث أبي سعيد أمر بالسجدتين قبل السلام.
ومنها: أنه قَالَ هناك "إن كان صلى خمسًا شفعتا له صلاته وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان". فتبين أنه يبني على اليقين وهو شاك هل زاد أو نقص؟ هل صلى أربعًا أو خمسًا وتبين مصلحة السجدتين على تقدير النقيضين. وفي حديث ابن مسعود قَالَ: "فيتحرى الصواب فيتم عليه ثم يسجد سجدتين" وفي لفظ:
[ ٣ / ٤٨١ ]
"فيتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين" فجعل ما فعله بعد التحري تمامًا لصلاته وجعله هنا متمًا لصلاته ليس شاكًا فيها».
إلى أن قَالَ ﵀ (٢٣/ ١٢ - ١٦):
«وقوله ﷺ: "إذا شك أحدكم" إنَّما هو حال من ليس له اعتقاد راجح وظن غالب فهذا إذا تحرى وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين فلا يبق شاكًا وهو المذكور في حديث ابن مسعود فإنَّه كان شاكًا قبل التحري وبعد التحري ما بقي شاكًا مثل سائر مواضع التحري كما إذا شك في القبلة فتحرى حتى ترجح عنده أحد الجهات؛ فإنه لم يبق شاكًا. وكذلك العالم المجتهد والناسي إذا ذكر وغير ذلك.
وقوله في حديث أبي سعيد: "إذا شك أحدكم" خطاب لمن استمر الشك في حقه بأن لا يكون قادرًا على التحري؛ إذ ليس عنده أمارة ودلالة ترجح أحد الأمرين، أو تحرى وارتأى: فلم يترجح عنده شيء ومن قَالَ: ليس هنا دلالة تبين أحد الأمرين غلط فقد يستدل على ذلك بموافقة المأمومين إذا كان إمامًا وقد يستدل بمخبر يخبره وإن لم يكن معه في الصلاة فيحصل له بذلك اعتقاد راجح. وقد يتذكر ما قرأ به في الصلاة فيذكر أنَّه قرأ بسورتين في ركعتين فيعلم أنَّه صلى ركعتين لا ركعة وقد يذكر أنَّه تشهد التشهد الأول فيعلم أنَّه صلى ثنتين لا واحدة وأنَّه صلى ثلاثًا لا اثنتين وقد يذكر أنَّه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة ثم في ركعة فيعلم أنَّه صلى أربعًا لا ثلاثًا وقد يذكر أنَّه صلى بعد التشهد الأول ركعتين فيعلم
[ ٣ / ٤٨٢ ]
أنَّه صلى أربعًا لا ثلاثًا واثنتين لا واحدة وقد يذكر أنَّه تشهد التشهد الأول والشك بعده في ركعة فيعلم أنَّه صلى ثلاثًا لا اثنتين. ومنها: أنَّه قد يعرض له في بعض الركعات: إمَّا من دعاء وخشوع وإمَّا من سعال ونحوه وإمَّا من غير ذلك ما يعرف به تلك الركعة ويعلم أنَّه قد صلى قبلها واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فيزول الشك وهذا باب لا ينضبط فإنَّ الناس دائمًا يشكون في أمور: هل كانت أم لم تكن؟ ثم يتذكرون ويستدلون بأمور على أنَّها كانت فيزول الشك فإذا تحرى الذي هو أقرب للصواب أزال الشك. ولا فرق في هذا بين أن يكون إمامًا أو منفردًا. ثم إذا تحرى الصواب ورأى أنَّه صلى أربعًا كان إذا صلى خامسة قد صلى في اعتقاده خمس ركعات وهو لم يؤمر بذلك بخلاف الشك المتساوي فإنَّه لا بد معه من الشك في الزيادة والنقص والشك في الزيادة أولى فإن ما زاده مع الشك مثل ما زاده سهوًا وذلك لا يبطل صلاته.
وأمَّا إذا شك في النقص فهو شاك في فعل ما أمر به فلم تبرأ ذمته منه.
وأيضًا فالأقوال الممكنة في هذا الباب: إمَّا أن يقَالَ: يطرح الشك مطلقًا ولا يتحرى. أو يحمل التحري على طرح الشك فهذا مخالفة صريحة لحديث ابن مسعود وإمَّا أن يستعمل هذا في حق الإمام وهذا في حق المنفرد ومعلوم أنَّ كلا الحديثين خطاب للمصلين لم يخاطب بأحدهما الأئمة وبالآخر المنفردين ولا في
[ ٣ / ٤٨٣ ]
لفظ واحد من الحديثين ما يدل على ذلك فجعل هذا هو مراد الرسول من غير أن يكون في كلامه ما يدل عليه نسبة له إلى التدليس والتلبيس وهو منزه عن ذلك.
وأيضًا فإنَّ حديث أبي سعيد مع تساوي الشك متناول للجميع بالاتفاق فإخراج الأئمة منه غير جائز وحديث ابن مسعود متناول لما تناوله حديث أبي سعيد فلم يبق إلَّا القسم الثالث: وهو أنَّ كلاهما خطاب للشاك فذاك أمر له بالتحري. إذا أمكنه فيزول الشك. والثاني أمر له إذا لم يزل الشك ماذا يصنع. وهذا كما يقَالَ للحاكم: احكم بالبينة واحكم بالشهود ونحو ذلك فهذا مع الإمكان فإذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب وهو البراءة. كذلك المصلي الشاك: يعمل بما يبين له الصواب فإن تعذر ذلك رجع إلى الاستصحاب والله أعلم؛. ولأنَّ العمل بالتحري يقطع وسواس الشيطان أو يقلله؛ بخلاف ما إذا لم يتحر فلا يزال الشيطان يشككه فيما فعله أنَّه لم يفعله. وقد قَالَوا: إنَّه لو شك بعد السلام هل ترك واجبًا لم يلتفت إليه وما ذاك إلَّا لأنَّ الظاهر أنَّه سلم بعد إتمامها فعلم أنَّ الظاهر يقدم على الاستصحاب وعلى هذا عامة أمور الشرع. ومثل هذا يقَالَ في عدد الطواف والسعي ورمي الجمار وغير ذلك. ومما يبين ذلك: أنَّ التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقًا وأدنى دليل يرجح عليه كاستصحاب براءة الذمة في نفي الإيجاب والتحريم فهذا باتفاق الناس أضعف الأدلة ولا يجوز المصير إليه باتفاق الناس إلا بعد البحث التام: هل أدلة الشرع ما تقتضي الإيجاب أو التحريم؟. ومن الناس من لا يجوز التمسك به في نفي الحكم
[ ٣ / ٤٨٤ ]
بل في دفع الخصم ومنعه فيقول: أنا لا أثبت الإيجاب ولا أنفيه بل أطالب من يثبته بالدليل أو أمنعه أو أدفعه عن إثبات إيجاب بلا دليل كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة. وأما أهل الظاهر فهو عمدتهم لكن بعد البحث عن الأدلة الشرعية ولا يجوز الإخبار بانتفاء الأشياء وعدم وجودها بمجرد هذا الاستصحاب من غير استدلال بما يقتضي عدمها ومن فعل ذلك كان كاذبًا متكلمًا بلا علم وذلك لكثرة ما يوجد في العالم والإنسان لا يعرفه فعدم علمه ليس علما بالعدم ولا مجرد كون الأصل عدم الحوادث يفيد العلم بانتفاء شيء منها إلا بدليل يدل على النفي؛ لكن الاستصحاب يرجح به عند التعارض وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفي وهذا هو الصواب الذي أمر المصلي أن يتحراه فإن ما دل على أنه صلى أربعًا من أنواع الأدلة راجح على استصحاب عدم الصلاة وهذا حقيقة هذه المسألة» اهـ.
قلت: وأمَّا إذا سها فزاد في صلاته شيئًا فليسجد للسهو بعد السلام.
ويدل على ذلك حديث أبي هريرة هذا وهو حديث الباب؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زاد في صلاته سلامًا في غير موضعه فسجد للسهو بعد السلام كما هو ظاهر في الحديث.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مسلم (٥٧٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ
[ ٣ / ٤٨٥ ]
إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا". قَالُوا: نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ».
قلت: وأمَّا إذا سها فأنقص في صلاته شيئًا فليسجد للسهو قبل السلام.
ويدل عليه ما رواه البخاري (١٢٢٤)، ومسلم (٥٧٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، ﵁، أَنَّه قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلَّمَ».
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٢ - ٢٧):
«فهذه الأحاديث الصحيحة تبين ضعف قول كل من عمم فجعله كله قبله أو جعله كله بعده. بقي التفصيل. فيقَالَ: الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق فلا يجعل بعض السجود بعده وبعضه قبله إلا لفرق بينهما وقول من يقول القياس يقتضي أنه كله قبله لكن خولف القياس في مواضع للنص فبقي فيما عداه على القياس؛ يحتاج في هذا إلى شيئين إلى أن يبين الدليل المقتضي لكونه كله قبله ثم إلى بيان أن صورة الاستثناء اختصت بمعنى يوجب الفرق بينها وبين غيرها. وإلاَّ فإذا كان المعنى الموجب للسجود قبل السلام شاملًا للجميع امتنع من الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد السلام وإن كان قد فرق لمعنى فلا بد أن يكون المعنى مختصًا بصورة الاستثناء فإذا لم يعرف الفرق بين ما استثنى وبين ما استبقى كان
[ ٣ / ٤٨٦ ]
تفريقًا بينهما بغير حجة. وإذا قَالَ: علمت أن الموجب للسجود قبل السلام عام لكن لما استثنى النص ما استثناه علمت وجود المعنى المعارض فيه. فيقَالَ له: فما لم يرد فيه نص جاز أن يكون فيه الموجب لما قبل السلام وجاز أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام فإنك لا تعلم أن المعنى الذي أوجب كون تلك الصور بعد السلام منتفيًا عن غيرها ومع كون نوع من السجود بعد السلام يمتنع أن يكون الموجب التام له قبل السلام عامًا فما بقي معك معنى عام يعتمد عليه في الجزم بأن المشكوك قبل السلام ولا بأن المقتضي له بعد السلام مختص بمورد النص فنفي التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق وهو قول بتخصيص العلة من غير بيان فوات شرط أو وجود مانع وهو الاستحسان المحض الذي لم يتبين فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها. وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص وبين الشك مع التحري والشك مع البناء على اليقين. وهذا إحدى الروايات عن أحمد وقول مالك قريب منه وليس مثله فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلها: فيه الفرق المعقول؛ وذلك أنه إذا كان في نقص كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر وجابرها يكون قبل السلام لتتم به الصلاة فإن السلام هو تحليل من الصلاة. وإذا كان من زيادة كركعة لم يجمع في الصلاة بين زيادتين بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جعل
[ ٣ / ٤٨٧ ]
السجدتين كركعة. وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته وإنما السجدتان لترغيم الشيطان فيكون بعد السلام. ومالك لا يقول بالتحري ولا بالسجود بعد السلام فيه. وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها والسلام منها زيادة والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان.
وأما إذا شك ولم يتبين له الراجح فهنا إما أن يكون صلى أربعًا أو خمسًا فإن كان صلى خمسًا فالسجدتان يشفعان له صلاته ليكون كأنه قد صلى ستًا لا خمسًا وهذا إنَّما يكون قبل السلام ومالك هنا يقول يسجد بعد السلام. فهذا القول الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث لا يترك منها حديث مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص. ومما يوضح هذا أنه إذا كان مع السلام سهو سجد بعد السلام فيقَالَ: إذا زاد غير السلام من جنس الصلاة كركعة ساهيًا أو ركوع أو سجود ساهيًا فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول أو شك وبنا على اليقين. وقول القائل: إن السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام يقَالَ له: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن يكون كله قبل السلام فلما ثبت أن بعضه بعد السلام علم أنه ليس جنسه من شأن الصلاة الذي يقضيه قبل السلام. وهذا معارض بقول من يقول: السجود ليس من موجب تحريم الصلاة فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة وهذه الأمور دعاوى لا يقوم عليها دليل؛ بل يقَالَ التحريم أوجب السجود الذي يجبر به
[ ٣ / ٤٨٨ ]
الصلاة. ويقَالَ: من السجود ما يكون جبره للصلاة إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان ومعارضة له بنقيض قصده فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة فأمر العبد أن يرغمه فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السلام ليكون زيادة في عبادة الله والسجود لله والتقرب إلى الله الذي أراد الشيطان أن ينقصه على العبد فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته فأمره الله أن يتم صلاته وأن يرغم الشيطان وعفا الله للإنسان عما زاده في الصلاة نسيانًا: من سلام وركعة زائدة وغير ذلك فلا يأثم بذلك لكن قد يكون تقربه ناقصا لنقصه فيما ينساه فأمره الله أن يكمل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة والله أعلم» اهـ.
٦ - وفيه أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو ولو اختلف الجنس خلافًا للأوزاعي.
قَالَ العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ٢٣٥):
«وفي الحديث دليل على أنَّه إذا سها في صلاة واحدة مرات أجزأه لجميعها سجدتان وذلك أنَّه ﷺ سها فلم يصل ركعتين وتكلم ناسيًا ثم اقتصر على سجدتين وهو قول عامة الفقهاء.
وحكي عن الأوزاعي والماجشون صاحب مالك أنَّهما قَالَا: يلزمه لكل سهو سجدتان» اهـ.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٢/ ٣٣٥):
«قَالَ الجمهور: لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع، وبهذا قَالَ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد - رضوان الله عليهم - وجمهور التابعين، وعن ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - لكل سهو سجدتان، وفيه: حديث ضعيف» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ١٧٥ - ١٧٦):
«فصل: إذا سها سهوين، أو أكثر من جنس، كفاه سجدتان للجميع. لا نعلم أحدًا خالف فيه.
وإن كان السهو من جنسين، فكذلك. حكاه ابن المنذر قولًا لأحمد، وهو قول أكثر أهل العلم منهم النخعي، والثوري، ومالك والليث، والشافعي وأصحاب الرأي.
وذكر أبو بكر فيه وجهين: أحدهما، ما ذكرنا. والثاني، يسجد سجودين.
وقَالَ الأوزاعي وابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة: إذا كان عليه سجودان، أحدهما قبل السلام.
والآخر بعده، سجدهما في محليهما؛ لقول النبي ﷺ: "لكل سهو سجدتان" رواه أبو داود وابن ماجه وهذان سهوان، فلكل واحد منهما سجدتان، ولأن كل سهو يقتضي سجودًا، وإنما تداخلا في الجنس الواحد لاتفاقهما، وهذان مختلفان.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
ولنا قول النبي ﷺ: "إذا نسي أحدكم، فليسجد سجدتين" وهذا يتناول السهو في موضعين ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سها فسلم، وتكلم بعد صلاته فسجد لهما سجودًا واحدًا، ولأنَّ السجود أخر إلى آخر الصلاة، ليجمع السهو كله وإلَّا فعله عقيب سببه، ولأنَّه شرع للجبر فجبر نقص الصلاة، وإن كثر، بدليل السهو مرات من جنس واحد، وإذا انجبرت لم يحتج إلى جابر آخر فنقول: سهوان. فأجزأ عنهما سجود واحد، كما لو كانا من جنس.
وقوله: "لكل سهو سجدتان" في إسناده مقَالَ ثم إن المراد به لكل سهو في صلاة، والسهو وإن كثر فهو داخل في لفظ السهو لأنَّه اسم جنس، فيكون التقدير: لكل صلاة فيها سهو سجدتان ولذلك قَالَ: "لكل سهو سجدتان بعد السلام" هكذا في رواية أبي داود، ولا يلزمه بعد السلام سجودان.
إذا ثبت هذا فإنَّ معنى الجنسين أن يكون أحدهما. قبل السلام، والآخر بعده؛ لأنَّ محليهما مختلفان، وكذلك سبباهما وأحكامهما.
وقَالَ بعض أصحابنا: الجنسان أن يكون أحدهما من نقص، والآخر من زيادة والأولى ما قلناه إن شاء الله تعالى.
فعلى هذا إذا اجتمعا، سجد لهما قبل السلام؛ لأنه أسبق وآكد، ولأن الذي قبل السلام قد وجب لوجوب سببه، ولم يوجد قبله ما يمنع وجوبه، ولا يقوم مقامه،
[ ٣ / ٤٩١ ]
فلزمه الإتيان به، كما لو لم يكن عليه سهو آخر، وإذا سجد له، سقط الثاني؛ لإغناء الأول عنه، وقيامه مقامه» اهـ.
قلت: حديث «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ». رواه أحمد (٢٢٤٧٠)، وأبو داود (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكَلَاعِيِّ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ».
قلت: زهير وهو ابن سالم العنسي قَالَ فيه الدارقطني: «حمصي منكر الحديث». وهذا جرح شديد فيه. وابن عياش روايته هاهنا عن الشاميين وهي مقبولة.
وروى الحديث أبو داود مِنْ طَرِيقِ عمرو بن عثمان عن ابن عياش عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير يعني ابن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان.
قَالَ أبو داود ﵀: «قَالَ عمرو: وحده، عن أبيه، عن ثوبان».
قلت: وقد خالفه في ذلك الربيع بن نافع، وعثمان بن أبي شيبة، وشجاع بن مخلد. والطيالسي في [مسنده] (١٠٩٠)
وتابعه عبد الرزاق كما في [المصنف] (٣٥٣٣) ومِنْ طَرِيقِه رواه الطبراني في [الكبير] (١٣٩٦).
والحكم بن نافع وحديثه عند أحمد في [المسند] (٢٢٤٧٠).
[ ٣ / ٤٩٢ ]
قلت: وفي الحديث اختلاف آخر فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٥١٧)، والروياني في [مسنده] (٦٦٥) نا ابْنُ إِسْحَاقَ، أنا مُعَلَّى الرَّازِيُّ، نا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ زُهَيْرٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ».
قلت: فأسقط الهيثم في روايته عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وأباه، ولم يزد في حديثه «بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ». والهيثم قريب من ابن عياش.
قَالَ الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته للحديث في [الكبرى] (٢/ ٣٣٧):
«وهذا إسناد فيه ضعف» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀: [المجموع] (٤/ ١٥٥):
«وهذا حديث ضعيف ظاهر الضعف والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [بلوغ المرام] ص (١٢٧):
«رواه أبو داود، وابن ماجه بسند ضعيف» اهـ.
قلت: الحديث فيه اختلاف كما ترى وهو دائر على زهير بن سالم ولا يصح حديثه. والله أعلم.
٧ - ويدل الحديث على أنَّ الإمام إذا سها ولم يذكر سهوه فنبهه المأمومون على سهوه أنَّه يأخذ بقولهم إذا لم يتيقن أنَّه على صواب.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٨٣ - ٤٨٥):
[ ٣ / ٤٩٣ ]
«أنَّ الإمام إذا سها، ولم يتيقن سهوه، فذكره المأمومون، فإن ذكر سهوه عمل بذكره، بغير خلاف بين العلماء. وقد قَالَ ﷺ: "إنَّما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني".
وأمَّا إن لم يذكر سهوه حين ذكروه، فظاهر حديث أبي هريرة يدل على أنَّه يرجع إلى قول المأمومين، إذا لم يتيقن أنَّه على الصواب يقينًا، وكذلك حديث عمران بن حصين، وحديث معاوية بن خديج.
وقد بوب البخاري على ذلك في أبواب الإمامة: "باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟ ".
وخرج فيه حديث أبي هريرة، مِنْ طَرِيقِ ابن سيرين، ومِنْ طَرِيقِ أبي سلمة. وبهذا قَالَ جمهور أهل العلم، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والثوري ومالك - في رواية - وأحمد وغيرهم.
واختلفوا: هل يجب الرجوع إلى قولهم، أم يستحب؟
فقَالَ أبو حنيفة: يجب. وهو ظاهر أحمد. وروي عنه، أنَّه يستحب الرجوع إليهم، وله أن يبني على يقين نفسه، أو يتحرى، كما لو كان منفردًا.
وقَالَ ابن عقيل من أصحابنا: إنَّما يرجع إلى قول المأمومين، إذا قلنا: إن الإمام يتحرى، ولا يعمل بيقين نفسه؛ فإنَّ أكثر ما يفيد قولهم غلبة الظن، فيكون الرجوع إليهم من باب التحري، فأمَّا إذا قلنا: يعمل باليقين، لم يلتفت إليهم.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وجمهور أصحابنا على خلاف هذا، وأنَّه يرجع إليهم على كلا القولين؛ فإنَّ قول اثنين فصاعدًا من المأمومين حجة شرعية، فيجب العمل بها، وإن لم يوجب العلم، كسائر الحجج الشرعية التي يجب العمل بها من البيات وغيرها، وإنَّما محل الخلاف في التحري بالأمارات المجردة عن حجة شرعية.
وقَالَ الشافعية ومالك - في رواية أخرى -: لا يرجع الإمام إلى قول المأمومين، إذا لم يذكر ما ذكروه به، بل يبني على يقين نفسه.
ولأصحابهما قول آخر: أنَّه يرجع إليهم، إذا كثروا؛ لبعد اتفاقهم على الخطأ، فأمَّا الواحد والاثنان، فلا.
وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه يجب الرجوع إلى قول واحد من المأمومين؛ لأنَّه خبر ديني، فهو كالإخبار بالقبلة ونحوها. وكذا قَالَ إسحاق: يرجع إلى قول واحد.
ومذهب مالك وأحمد: لا يرجع إلى قول واحد من المأمومين، بل إلى ما زاد على الواحد؛ لحديث أبي هريرة؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكتف بقول ذي اليدين حتى سال غيره، فلما اخبروه عمل بقولهم، ولأنَّ انفراد الواحد من بين المأمومين بالتنبيه على السهو، مع اشتراكهم جميعًا في الصلاة يوجب ريبة، فلذلك احتاج إلى قول آخر يعضده» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ ما ذهب إليه الإمام مالك وأحمد هو الصواب. والله أعلم.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
٨ - وقوله: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟». فيه جواز أن يذكر الرجل بلقبه ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة لديه.
٩ - وفيه أنَّ لسجود السهو أربع تكبيرات.
١٠ - وفيه بيان أنَّه ليس لسجدتي السهو تشهد وذلك لعدم ذكره في هذا الحديث.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٤٥ - ٤٦):
«ولكن تنازعوا في التشهد والتسليم على ثلاثة أقوال: فروي عَنْ أَنَسٍ والحسن وعطاء: أنَّه ليس فيهما تشهد ولا تسليم ومن قَالَ هذا قَالَه تشبيهًا بسجود التلاوة؛ لأنَّه سجود مفرد فلم يكن فيه تشهد ولا تسليم كسجود التلاوة فإنَّه لم ينقل أحد فيه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تسليمًا وكذلك قَالَ أحمد وغيره. وقَالَ أحمد: أمَّا التسليم فلا أدري ما هو. وجمهور السلف على أنَّه لا تسليم فيه ومن أثبت التسليم فيه أثبته قياسًا وهو قياس ضعيف؛ لأنَّه جعله صلاة وأضعف منه من أثبت فيه التشهد قياسًا.
والقول الثاني: أنَّ فيهما تشهدًا يتشهد ويسلم إذا سجدهما بعد السلام وهذا مروي عن ابن عباس والنخعي والحكم وحماد والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي.
والثالث: فيهما تسليم بغير تشهد وهو قول ابن سيرين قَالَ ابن المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجه وفي ثبوت التشهد نظر وعن عطاء إن شاء تشهد وسلم وإن شاء لم يفعل. قَالَ أبو محمد: ويحتمل أن لا يجب التشهد؛ لأنَّ ظاهر الحديثين
[ ٣ / ٤٩٦ ]
الأولين أنَّه سلم من غير تشهد وهي أصح من هذه الرواية ولأنَّه سجود مفرد فلم يجب له تشهد كسجود التلاوة.
قلت: أمَّا التسليم فيهما فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة حديث ابن مسعود وحديث عمران» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٢٣/ ٤٨ - ٥١):
«وأمَّا التشهد في سجدتي السهو: فاعتمد من أثبته على ما روي من حديث عمران بن حصين: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم" رواه أبو داود والترمذي وقَالَ حديث حسن غريب.
قلت: كونه غريبًا يقتضي أنَّه لا متابع لمن رواه بل قد انفرد به. وهذا يوهي هذا الحديث في مثل هذا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قد ثبت عنه أنَّه سجد بعد السلام غير مرة كما في حديث ابن مسعود لما صلى خمسًا وفي حديث أبي هريرة حديث ذي اليدين وعمران بن حصين لما سلم سواء كانت قضيتين أو قضية واحدة وثبت عنه أنه قَالَ: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين" وقَالَ في حديث أبي هريرة الصحيح: "فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين" وليس في شيء من أقواله أمر بالتشهد بعد السجود ولا في الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول: أنَّه يتشهد بعد السجود بل هذا التشهد بعد السجدتين عمل طويل بقدر السجدتين أو أطول. ومثل هذا مما
[ ٣ / ٤٩٧ ]
يحفظ ويضبط وتتوفر الهمم والدواعي على نقله فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنَّه سجد وكان الداعي إلى ذكر ذلك أقوى من الداعي إلى ذكر السلام. وذكر التكبير عند الخفض والرفع. فإنَّ هذه أقوال خفيفة والتشهد عمل طويل فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا. وهذا التشهد عند من يقول به كالتشهد الأخير فإنَّه يتعقبه السلام فتسن معه الصلاة على النبي ﷺ والدعاء كما إذا صلى ركعتي الفجر أو ركعة الوتر وتشهد ثم الذي في الصحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد فانفراد واحد بمثل هذه الزيادة التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها يضعف أمرها ثم هذا المنفرد بها يجب أن ينظر لو انفرد بحديث هل يثبت أنَّه شريعة للمسلمين؟.
وأيضًا: فالتشهد إنَّما شرع في صلاة تامة ذات ركوع وسجود لم يشرع في صلاة الجنازة مع أنَّه يقرأ فيها بأم القرآن وسجدتا السهو لا قراءة فيهما فإذا لم يشرع في صلاة فيها قراءة وليست بركوع وسجود فكذلك في صلاة ليس فيها قيام ولا قراءة ولا ركوع. وقد يقَالَ: إنَّه أولى وأنفع فليس هو مشروعًا عقب سجدتي الصلب بل إنَّما يتشهد بعد ركعتين لا بعد كل سجدتين فإذا لم يتشهد عقب سجدتي الصلب وقد حصل بهما ركعة تامة فأن لا يتشهد عقب سجدتي السهو أولى. وذلك أن عامة سجدتي السهو أن يقوما مقام ركعة. كما قَالَ ﷺ: "فإن كان قد صلى خمسًا شفعتا له صلاته وإن كان صلى لتمام كانتا ترغيمًا للشيطان" فجعلهما كركعة لا كركعتين. وهي ركعة متصلة بغيرها ليست كركعة
[ ٣ / ٤٩٨ ]
الوتر المستقلة بنفسها. ولهذا وجبت فيها الموالاة أن يسجدهما عقب السلام لا يتعمد تأخيرهما فهو كما لو سجدهما قبل السلام وقبل السلام لا يعيد التشهد بعدهما فكذلك لا يعيد بعد السلام. ولأنَّ المقصود أن يختم صلاته بالسجود لا بالتشهد بدليل أنَّ السجود قبل السلام لم يشرع قبل التشهد بل إنَّما شرع بعد التشهد فعلم أنَّه جعل خاتمًا للصلاة ليس بعده إلَّا الخروج منها ولأنَّ إعادة التشهد والدعاء يقتضي تكرير ذلك مع قرب الفصل بينهما فلم يكن ذلك مشروعًا كإعادته إذا سجد قبل السلام؛ ولأنَّه لو كان بعدهما تشهد لم يكن المشروع سجدتين. والنبي ﷺ إنَّما أمر بسجدتين فقط لا بزيادة على ذلك وسماهما المرغمتين للشيطان فزيادة التشهد بعد السجود كزيادة القراءة قبل السجود وزيادة تكبيرة الإحرام. ومعلوم أنَّه لا افتتاح لهما بل يكبر للخفض لا يكبر وهو قاعد فعلم أنَّهما داخلتان في تحريم الصلاة فيكونان جزءًا من الصلاة كما لو سجدهما قبل السلام فلا يختصان بتشهد ولكن يسلم منهما؛ لأنَّ السلام الأول سقط فلم يكن سلامًا منهما فإنَّ السلام إنَّما يكون عند الخروج. وقد نفى بعض الصحابة والتابعين السلام منهما كما أنَّه لا تحريم لهما؛ لكن الصواب الفرق كما وردت به السنة الصحيحة والله أعلم» اهـ.
قلت: حديث عمران رواه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ مُحَمَّدِ
[ ٣ / ٤٩٩ ]
بْنِ سِيرِينَ، عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي الْحَذَّاءَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ».
قَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٣٥٥):
«تفرد به أشعث الحمراني وقد رواه شعبة ووهيب وابن علية والثقفي وهشيم وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وغيرهم عن خالد الحذاء لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه ورواه أيوب عن محمد قَالَ أخبرت عن عمران فذكر السلام دون التشهد وفي رواية هشيم ذكر التشهد قبل السجدتين وذلك يدل على خطأ أشعث فيما رواه» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٨٠ - ٤٨٣):
«وضعفه آخرون، وقَالَوا: ذكر التشهد فيه غير محفوظ، منهم: محمد بن يحيى الذهلي والبيهقي، ونسبا الوهم إلى أشعث. وأشعث، هو: ابن عبد الملك الحمراني، ثقة.
وعندي؛ أنَّ نسبة الوهم إلى الأنصاري فيه أقرب، وليس هو بذاك المتقن جدًا في حفظه، وقد غمزه ابن معين وغيره.
ويدل على أنَّ يحيى القطان رواه عن أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران في السلام خاصة، كما رواه عنه الإمام أحمد -: ذكره ابنه عبد الله، عنه في "مسائله".
[ ٣ / ٥٠٠ ]
فهذه رواية يحيى القطان - مع جلالته وحفظه وإتقانه -، عن أشعث، إنَّما فيها ذكر السلام فقط.
وخرجه النسائي، عن محمد بن يحيى بن عبد الله، عن الأنصاري، عن أشعث، ولم يذكر التشهد.
فإمَّا أن يكون الأنصاري اختلف عليه في ذكره، وهو دليل على أنَّه لم يضبطه، وإمَّا أن يكون النسائي ترك ذكر التشهد من عمد؛ لأنَّه استنكره.
وقد روى معتمر بن سليمان، وهشيم، عن خالد الحذاء حديث عمران ابن حصين، وذكرا فيه: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى ركعة، ثم تشهد وسلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم".
فهذا هو الصحيح في حديث عمران، ذكر التشهد في الركعة المقضية، لا في سجدتي السهو. وأشار إلى ذلك البيهقي.
وقد روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ التشهد في سجود السهو، من حديث ابن مسعود، وله طرق:
أجودها: رواية خصيف عن أبي عبيدة، عنه، مع الاختلاف في رفع الحديث، ووقفه أشبه، أو مع الاختلاف في ذكر السجود قبل السلام وبعده. وروي من وجوه أخر، لا يثبت منها شيء. وروي - أيضًا - من حديث عائشة - مرفوعًا. خرجه الطبراني. وإسناده ساقط.
[ ٣ / ٥٠١ ]
وقَالَ الجوزجاني: لا نعلم في شيء من فعل الرسول ﷺ في سجدتي السهو قبل السلام وبعده، أنه يتشهد بعدهما.
وقَالَ - أيضًا -: ليس في التشهد في سجود السهو سنة قائمة تتبع.
وقَالَ ابن المنذر: السلام في سجود السهو ثابت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من غير وجه، وثبت عنه أنه كبر فيهما أربع تكبيرات.
وفي ثبوت التشهد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيهما نظر.
وخرج أبو داود في "سننه" من حديث سلمة بن علقمة، عن محمد، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بحديث السهو، وفي آخره: قلت لمحمد: يعني التشهد؟ قَالَ: لم أسمع في التشهد، وأحب إلي أن يتشهد.
وهذه الرواية: تدل على أن رواية أشعث عنه في التشهد لا أصل لها؛ لأن ابن سيرين أنكر أن يكون سمع في التشهد شيئًا» اهـ.
قلت: وأمَّا مذهب الإمام مالك في التشهد لسجدتي السهو فقد ذكره أبو عبد الله المواق ﵀ في [التاج والإكليل] (٢/ ٢٩١):
«مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ لَهُمَا.
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ» اهـ.
وقال العلامة الرعيني ﵀ في [مواهب الجليل] (٢/ ١٧)
«وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ إعَادَةِ التَّشَهُّدِ لِمَالِكٍ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَوَجْهُهُ أَنَّ سُنَّةَ السُّجُودِ الْوَاحِدِ أَنْ لَا يُكَرَّرَ فِيهِ التَّشَهُّدُ» اهـ.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
وأمَّا مذهب الإمام الشافعي ﵀ فبيَّنه العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٢٣١) فقال:
«لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إِنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَجْزَأَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، فَأَمَّا إِنْ سَجَدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ بَعْدَ سُجُودِهِ وَيُسَلِّمُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ يَرَاهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَأَخَّرَهُ سَاهِيًا» اهـ.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد فبيَّنه العلامة ابن المنذر ﵀ في [الأوسط] (٣/ ٣١٦) فقال:
«وَفِيهِ قَوْلٌ سَادِسٌ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: إِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ، وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٧):
«الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَتَى سَجَدَ لِلسَّهْوِ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ سَلَّمَ عَقِبَهُ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ تَشَهَّدَ، وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ كَانَ مَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ فَنَسِيَهُ إلَى مَا بَعْدَهُ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ» اهـ.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
١١ - وفيه أنَّ العمل الكثير في الصلاة سهوًا لا يفسدها.
١٢ - واحتج به من قَالَ إنَّ كلام المأمومين للإمام في أمر يتعلق بمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة وهو مذهب الإمام مالك ﵀ في المشهور عنه، وبه قَالَ ربيعة، وأحمد في رواية، وخالف في ذلك الجمهور.
قلت: وقد جاء في رواية أبي داود ما يدل على أنَّهم لم يتكلموا فروى (١٠٠٨) ولفظه:
«فقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ"، فَأَوْمَئُوا: أَيْ نَعَمْ». وإسنادها صحيح.
قلت: لكن قَالَ أبو داود بعد هذا بحديث: «ولم يذكر: فأومئوا إلَّا حماد بن زيد» اهـ.
قلت: وقد خالفه في ذلك الإمام مالك وحديثه في الصحيحين، وسفيان بن عيينة وحديثه في مسلم. في روايتهم عن أيوب. وقد جاء الحديث من غير طريق أيوب بخلاف ما ذكره حماد فهذا مما يدل على وهم حماد فيه والله أعلم.
وقد جاء في رواية عند مسلم (٥٧٣): «قَالُوا: صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
وفي لفظ عنده أيضًا: «فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ».
قلت: وهذه ألفاظ صريحة في تلفظهم بذلك.
وهي تدل أيضًا لمذهب الإمام مالك ﵀ فإنّهم تلفظوا بذلك بعد علمهم أنَّ الصلاة لم تقصر.
لكن قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٦٨):
[ ٣ / ٥٠٤ ]
«وأمَّا المجيبون له، فقد صرح بأنَّ إجابتهم للنبي ﷺ كانت واجبة، فلا تبطل صلاتهم بذلك، وكلام ذي اليدين له بقوله: " قصرت الصلاة، أم نسيت؟ " كان في وقت يجوز فيه قصر الصلاة، فكان - أيضًا - يظن أنَّ صلاتهم تمت، وهذا لا يوجد بعدهم.
وأمَّا قول ذي اليدين بعد ذلك: "بل نسيت يا رسول الله" وفي رواية: "قد كان بعض ذلك"، فقد تكلم وهو عالم أنَّ صلاتهم لم تتم، لكنه لم يعلم أنَّهم في الصلاة، وأنَّ البناء يجوز لهم على ما مضى، بل قد يكون ظنَّ أنَّ ما مضى من الصلاة بطل ولغي، وأنَّهم الآن ليسوا في صلاة، وربما كان تكلم غير ذي اليدين من الصحابة لذلك؛ فإنَّ جواز البناء إنَّما علم من فعل النبي ﷺ يومئذ، لا قبله.
لكن هذا يقع للناس كثيرًا، فهل حكم هذا حكم من تكلم يظن أنَّه ليس في صلاة، فهو كالساهي، أم لا؟
الظاهر: أنَّ هذا ملحق بالجاهل بأنَّه في صلاة، يعذر في كلامه» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٦/ ٤٦٩):
«فأحمد جعل هذا الحكم خاصًا بالنبي ﷺ وأصحابه - في رواية عنه.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
وجعله - في رواية أخرى عنه - عامًا للأمة في حق كل من تكلم وهو يظن أن صلاته قد تمت، خاصة كما يقوله الشافعي.
وفرق - في رواية أخرى عنه - بين الإمام والمأموم؛ لأنَّ الإمام لا يسأل عن تمام صلاته إلَّا وهو شاك، والمأموم إنَّما يجيب وهو عالم بأن صلاته لم تتم، بخلاف حال الصحابة مع النبي ﷺ، فإنَّ بعضهم تكلم وهو يظن أن الصلاة قد تمت؛ لاحتمال قصرها عنده، وبعضهم تكلم مجيبًا للنبي ﷺ وكلا الأمرين لا يوجد في حق من بعدهم.
ولكن يوجد في حق من بعدهم من يظن أنَّ صلاتهم قد تمت كالإمام، ومن يظن أنَّ صلاته تبطل بالسلام نسيانًا، فيتكلم حينئذ، جاهلًا بأنَّه في صلاة» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٦/ ٤٧٠ - ٤٧١):
«وقول إسحاق بن راهويه في هذا كقول أحمد، بالتفريق بين الإمام والمأمومين. قَالَ: إنما تكلم النبي ﷺ؛ لأنَّه ظن تمام صلاته، وذو اليدين ظن أنَّ الصلاة قصرت وتمت، والصحابة أجابوا النبي ﷺ؛ لأنَّ إجابته بالكلام عليهم واجبة، لم يجدوا من ذلك بدًا.
قَالَ: وإن تكلم الإمام اليوم، وهو شاك في تمام صلاته، واستثبت من معه، جاز له ذلك، ولو كانوا قد نبهوه بالتسبيح، ولا يجوز لهم أن يتكلموا إذا علموا أنَّ صلاتهم لم تتم، وتبطل به صلاتهم.
روى كل ذلك حرب وابن منصور، عن إسحاق.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
ونقل ابن قرة الزبيدي، عن مالك، أنَّ من تكلم في صلاته بعد النبي ﷺ أعاد صلاته؛ لأنَّ الصحابة تكلموا وهم يظنون أنَّ الصلاة قد قصرت، فلا يجوز ذلك اليوم.
وإلى هذه الرواية ذهب ابن كنانة من أصحابه.
وذكر الحارث بن مسكين وابن وضاح أن سائر أصحاب مالك خالفوا ابن القاسم فيما رواه عن مالك.
وقَالَت طائفة: حديث ذي اليدين يتخرج على أنَّ الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، عمدًا ولا سهوًا، وهو قول الأوزاعي وأيوب وحماد بن زيد وربيعة. ومالك - في المشهور عنه -: نقله ابن القاسم، عنه.
وهو رواية عن أحمد. وروي عنه، اختصاصه بالإمام. ومذهب مالك: اختصاصه بالإمام والمأموم، دون المنفرد. وروي هذا المعنى عن ابن الزبير وغيره من المتقدمين.
ويستدل له بأنَّ في حديث معاوية بن حديج - الذي يأتي ذكره -: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بلالًا أن يقيم الصلاة.
وكذا رواه عبيد بن عمير - مرسلًا.
وهذا يدل على أن إقامة الصلاة والأمر بها لا يبطل البناء على ما مضى من الصلاة.
[ ٣ / ٥٠٧ ]
وادعى قوم: أنَّ هذا كان من خصائص النبي ﷺ وأصحابه، وهذا رواية عن مالك وأحمد، قد سبق ذكرها» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي هو عدم جواز الكلام عمدًا في الصلاة ولو كان لمصلحة الصلاة بل ذلك مفسد لها وأمَّا ما حصل من الصحابة ﵃ من الكلام فهم فيه معذورون فمنهم من تكلم وهو يظن أنَّ الصلاة تمت وأمَّا من تكلم منهم وهو يعلم أنَّ الصلاة لم تتم فعذرهم في ذلك إجابة النبي ﷺ وإجابته واجبة ولأنَّهم لا يدرون أيضًا هل ما زال حكم الصلاة باقٍ أم لا فلا يخلو كلامهم من عذر والله أعلم.
١٣ - فيه أنَّ اليقين لا يزال بالاحتمال والشك لأنَّ ذا اليدين كان على يقين من أنَّ الصلاة رباعية فلما صلاها رسول الله ﷺ ركعتين لم يكتف ذو اليدين بالشك هل قصرت أم لا واحتمال ذلك بل سأله عن ذلك ليتحقق الحال ويؤدي ما عليه بيقين.
١٤ - واحتج بقوله: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟». من قَالَ باشتراط العدد في الرواية وهو قول ينسب لبعض المعتزلة.
قلت: وليس في ذلك بحجة وذلك أنَّ الذي استدعى النبي ﷺ للاستثبات من خبره والله أعلم هو أنَّه كان جازمًا بصواب نفسه، ولأنه قد شاركه في الصلاة مع النبي ﷺ جمع كبير من الصحابة فانفراده بهذا الكلام دون غيره ممن شهد الصلاة مدعاة للريب. والله أعلم.
[ ٣ / ٥٠٨ ]
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٧٤):
«ومنها: أنه قد استدل به بعض من لا يقبل خبر الواحد المنفرد به، حتى يتابع عليه. ورد ذلك الإمام أحمد، وفرق بينهما بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما سلم من صلاته؛ لأنَّه كان يعتقد اعتقادًا جازمًا أنَّه أتم صلاته، فلذلك توقف في قول ذي اليدين وحده، دون بقية الجماعة الذين شهدوا الصلاة.
وأمَّا خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى منه، فإنَّه يجب قبوله؛ لأدلة دلت على ذلك، وقد يتوقف فيه أحيانًا؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيه، كما توقف النبي ﷺ في قول ذي اليدين حتى توبع عليه» اهـ.
قلت: ثم وقفت على كلام لابن عبد البر قريبًا من هذا سوف أذكره في الفقرة الآتية.
١٥ - قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٣٤٢):
«وفيه أنَّ الواحد إذا ادعى شيئًا كان في مجلس جماعة لا يمكن في مثل ما ادعاه أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يقطع بقوله حتى تستخبر الجماعة فإن خالفوه سقط قوله أو نظر فيه بما يجب وإن تابعوه ثبت» اهـ.
١٦ - وقَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١/ ٣٤٢):
«وفيه دليل على أنَّ المحدث إذا خالفته جماعة في نقله أنَّ القول قول الجماعة وإن القلب إلى روايتهم أشد سكونًا من رواية الواحد» اهـ.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
١٧ - قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٢٨):
«استدل به بعض الحنفية والمالكية على أنَّه لا يقبل في رؤية الهلال في غير الغيم إلَّا الجم الغفير لكونه لم يقبل ذلك من ذي اليدين وحده إذ حضر ذلك جماعة حتى يوافقه غيره ولا يلزم من الحديث ذلك لأنَّه إنَّما سأل غيره لكونه أخبره عمَّا يخالف ظنه واعتقاده كما تقدم وأمَّا رؤية الهلال فليس عند الحاضرين ما يخالف ذلك مع خلق الله تعالى الأبصار متفاوتة فيرى الواحد ما لا يراه الجم الغفير وهذا أمر مشاهد فلا وجه لرد قوله مع كونه ثقة إلَّا حيث انفرد واشترطنا العدد والله أعلم» اهـ.
١٨ - قَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
«استدل به على أنَّ إجابة النبي ﷺ إذا دعاه أو سأله وهو في الصلاة أنَّها لا تفسد الصلاة وبيان ذلك أنَّ كلام ذي اليدين في أول الأمر كان مع احتمال أن تكون الصلاة قد قصرت فلم يكن على يقين من بقائه في الصلاة وكلام النبي ﷺ في الجواب له كان وهو يظن أنَّ الصلاة انقضت.
وكلام بقية الصحابة وكذا كلام ذي اليدين في قوله: "بلى قد نسيت أو قد كان بعض ذلك" على ما كان بعد تحقق أن الصلاة لم تقصر بإخباره ﷺ ولكنه كان جوابًا له ﷺ حين سألهم وجوابه لا يبطل الصلاة لأنَّ إجابته واجبة بدليل ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قَالَ: "كنت أصلي فمر بي رسول الله ﷺ فدعاني فلم آته حتى
[ ٣ / ٥١٠ ]
صليت ثم أتيته فقَالَ ما منعك أن تأتيني؟ أولم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ". وروى الترمذي وصححه والنسائي من حديث أبي هريرة أنَّه دعا أبي بن كعب بمثل هذه القصة وقَالَ: "إني لا أعود إن شاء الله" وما ذكرناه من وجوب الإجابة وعدم البطلان هو مذهب الشافعي وبه جزم الرافعي والنووي.
وحكى ابن الرفعة وجهًا أنَّه لا تجب وتبطل به الصلاة. قَالَ ابن دقيق العيد: واعترض عليه بعض المالكية بأن قَالَ: إنَّ الإجابة لا تتعين بالقول فيها فيكفي فيها الإيماء وعلى تقدير أن يجب القول لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة لجواز أن تجب الإجابة ويلزمهم الاستئناف انتهى.
قلت: في هذا الحديث أنَّهم أجابوه باللفظ بعد العلم أنَّهم في الصلاة وأكمل بهم الصلاة ولم يأمرهم بالاستئناف فترجح ما يقوله الشافعية والله أعلم» اهـ.
قلت: قد يقال: غاية ما تدل عليه الآية وجوب إجابته ﵊ والإجابة قد تكون مع قطع الصلاة، فالأمر محتمل.
١٩ - فيه مشروعية سجدتي السهو وهو كذلك عند عامة العلماء إلَّا أنَّ الزهري قَالَ إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها فليس عليه سجدتا السهو.
وقد تنازع العلماء في وجوب سجود السهو واستحبابه فذهب أكثر العلماء إلى وجوبه وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀ فذهب إلى الاستحباب.
[ ٣ / ٥١١ ]
والصحيح الوجوب لأمر النبي ﷺ به.
فقد روى البخاري (١٢٣١)، ومسلم (٣٧٩) عن أبي هريرة، ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».
وروى مسلم (٥٧٢) عن ابن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ».
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٨ - ٢٩): «وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما وهو قول جمهور العلماء وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وليس مع من لم يوجبهما حجة تقارب ذلك. والشافعي إنَّما لم يوجبهما لأنَّه ليس عنده في الصلاة واجب تصح الصلاة مع تركه لا عمدًا ولا سهوًا، وجمهور العلماء الثلاثة وغيرهم يجعلون من واجبات الصلاة ما لا يبطل تركه الصلاة لكن مالك وأحمد وغيرهما يقولون تبطل الصلاة بعمده وعليه الإعادة ويجب بتركه سهوًا سجود السهو.
[ ٣ / ٥١٢ ]
وأبو حنيفة يقول: إذا تركه عمدًا كان مسيئًا وكانت صلاته ناقصة ولا إعادة عليه وأمَّا ما يزيده عمدًا فكلهم يقول: إنَّ فيه ما تبطل الصلاة مع عمده دون سهوه؛ لكن هو في حال العمد مبطل فلا سجود وفي حال السهو يقولون: قد عفي عنه فلا يجب السجود» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٥١٥ - ٥١٦):
«واختلف العلماء في وجوب سجود السهو: فذهب إلى وجوبه كثير من العلماء، منهم: الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة - فيما حكاه الكرخي، عنه - والثوري وأحمد وإسحاق.
لكن أحمد إنَّما يوجبه إذا كان لما يبطل عمدة الصلاة خاصة، فأمَّا ما لا يبطل الصلاة عمده، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله، سوى السلام، فليس بواجب عنده؛ لأنَّ السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه، فجبرانه أولى، فأمَّا ما يجب فعله أو تركه، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج. وحكي عن مالك وأبي ثور إن كان من نقصان وجب؛ لأنَّ محله قبل السلام، فيكون من جملة أجزاء الصلاة، بخلاف ما محله بعد السلام؛ لأنَّ محله بعد التحلل من الصلاة.
وقَالَ الشافعي: هو سنة بكل حال. وحكي رواية عن أحمد، وتأولها بعض أصحابه» اهـ.
[ ٣ / ٥١٣ ]
قلت: وقد تنازع العلماء في تركه سهوًا أو عمدًا فالذي يظهر لي أنَّ تركه عمدًا مبطل للصلاة ويستوي في ذلك ما كان قبل السلام أو بعده، وأمَّا ما تركه سهوًا فلا بد أن يأتي به إذا ذكره منفردًا أو مضمومًا إلى ما فاته من أركان الصلاة.
٢٠ - فيه أنَّ سجود السهو سجدتان من غير زيادة عليهما ولا نقصان.
٢١ - وفيه التسليم من سجود السهو إذا كان بعد السلام.
قلت: وقد سبق نقل خلاف العلماء في ذلك في الفقرة العاشرة عند الكلام على التشهد في سجود السهو.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠):
«وهكذا خرجه البخاري في " باب: تشبيك الأصابع في المسجد" مِنْ طَرِيقِ ابن عون، عن ابن سيرين، بسياق تام، وفي آخره: "فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت عن عمران بن حصين، قَالَ: " ثم سلم".
وهذا يدل على أنَّ ذكر السلام ليس - أيضًا - في حديث أبي هريرة، إنَّما هو في حديث عمران بن حصين.
وإنَّما رواه ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران -: قَالَه الإمام أحمد.
ورواه كذلك عن يحيى القطان، عن أشعث، عن ابن سيرين.
[ ٣ / ٥١٤ ]
وخرج الطبراني، من رواية معاوية بن عبد الكريم الضال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة حديث السهو بطوله، وفيه: فقام فصلى الركعتين، ثم سجد سجدتين، وهو جالس، ثم سلم.
هذه الزيادة غير محفوظة في حديث أبي هريرة، إنَّما ذكرها ابن سيرين بعد حديث أبي هريرة بلاغًا عن عمران بن حصين.
وخرجه مسلم مِنْ طَرِيقِ الثقفي وابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
٢٢ - وقوله: «وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ». فيه دليل على جواز البناء في الصلاة مع طول الفصل فإنَّ هؤلاء السرعان لن يبلغهم خبر إتمام النبي ﷺ لصلاته في الغالب إلَّا بعد طول الفصل، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمرهم بإعادة الصلاة ولو أمرهم بذلك لنقل إلينا فإنَّه مما يستدعي الهمم لنقله وإذ لم ينقل ذلك فالأصل أنَّه لم يأمرهم به، فلم يبق إلَّا أن يكونوا اكتفوا بما صلوا من الركعتين، أو فعلوا مثل ما فعل النبي ﷺ والأول باطل قطعًا فتعين الآخر.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (١٥٦٤) عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا
[ ٣ / ٥١٥ ]
ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾». فإنَّه يشمل نسيان الصلاة بأكملها أو بعضها، ويشمل أيضًا نسيان شروط الصلاة. والله أعلم.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٤٠ - ٤١):
«والسرعان من الناس لا ريب أنَّه أمرهم بما يعملوا. فإمَّا أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد فأتموا معه الصلاة بعد خروجهم من المسجد وقولهم: قصرت الصلاة قصرت الصلاة. وإمَّا أن يكونوا أتموا لأنفسهم لما علموا السنة وعلى التقديرين فقد أتموا بعد العمل الكثير والخروج من المسجد.
وإمَّا أن يقَالَ: إنَّهم أمروا باستئناف الصلاة: فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به لنقل ولا ذنب لهم فيما فعلوا».
إلى أن قَالَ ﵀ (٢٣/ ٤٣ - ٤٤):
«وقد اختلف في السجود والبناء بعد طول الفصل. فقيل: إذا طال الفصل لم يسجد ولم يبن ولم يحد هؤلاء طول الفصل بغير قولهم وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد. كالقاضي أبي يعلى وغيره وهؤلاء يقولون: قد تقصر المدة وإن خرج وقد تطول وإن قعد.
وقيل: يسجد ما دام في المسجد فإن خرج انقطع. وهذا هو الذي ذكره الخرقي وغيره وهو منصوص عن أحمد وهو قول الحكم وابن شبرمة وهذا حد بالمكان لا بالزمان لكنه حد بمكان العبادة.
[ ٣ / ٥١٦ ]
وقيل: كل منهما مانع من السجود: طول الفصل والخروج من المسجد.
وعن أحمد رواية أخرى أنَّه يسجد وإن خرج من المسجد وتباعد. وهو قول للشافعي وهذا هو الأظهر فإنَّ تحديد ذلك بالمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع لا سيما إذا كان الزمان غير مضبوط فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في عادات الناس ليرجع إليه ولم يدل على ذلك دليل شرعي ولم يفرق الدليل الشرعي في السجود والبناء بين طول الفصل وقصره ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه بل قد دخل هو ﷺ إلى منزله وخرج السرعان من الناس كما تقدم» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٦٢ - ٤٦٣):
«واختلفوا: هل يشترط للبناء على ما مضى من الصلاة أن يذكر مع قرب الفصل، أو لا يشترط ذلك، بل يبني ولو ذكر بعد طول الفصل؟ على قولين:
أحدهما: لا يبني إلَّا مع قرب الفصل، فإن طال الفصل بطلت الصلاة واستأنفها، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي.
والثاني: يبني ولو طال الفصل، وهو قول مكحول والأوزاعي ويحيى الأنصاري والحسن بن حي. ونقل صالح وغيره، عن أحمد ما يدل على ذلك - أيضًا.
وقَالَ الليث: يبني ما لم ينتقض وضوؤه الذي صلى به تلك الصلاة.
[ ٣ / ٥١٧ ]
وفي حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٤٣):
«اختلف في قدر الزمن الذي يجوز البناء معه فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أن تقديره بما ثبت في حديث ذي اليدين كما حكاه الرافعي، وقَالَ بعضهم هو قدر الصلاة فما زاد فطويل، والذي نص عليه الشافعي في "الأم" أنَّ المرجع فيه إلى العرف ونص البويطي على أنَّ الطويل ما زاد على قدر ركعة، وحكى صاحب "المفهم" أنَّه روي عن مالك وربيعة أن ذلك ما لم ينتقض وضوءه» اهـ.
قلت: والذي يظهر لي صحة ما ذهب إليه الليث ومالك وربيعة من البناء وإن طال الفصل ما لم ينتقض الوضوء. والله أعلم.
* * *
[ ٣ / ٥١٨ ]
١٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ:
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ الظُّهْرَ، وَلَمْ يَجْلِسْ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ: كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ».
قوله: «وَلَمْ يَجْلِسْ». الحديث في الصحيحين بلفظ: «فَلَمْ يَجْلِسْ». وفي لفظ للبخاري (٨٢٩): «لَمْ يَجْلِسْ». بحذف الواو. وزيادة الواو واردة خارج الصحيح.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ من قام عن التشهد الأوسط سهوًا لا يرجع إليه بل يكتفي بسجود السهو قبل السلام.
والأظهر أنَّه إذا استتم قائمًا لا يرجع وإن لم يشرع في القراءة، وذلك لأنَّ القيام ركن، ولا يرجع المصلي من ركن إلى واجب.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٠ - ٢١):
«الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، ذِكْرُهُ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا، فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى التَّشَهُّدِ. وَمِمَّنْ قَالَ يَجْلِسُ عَلْقَمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ
[ ٣ / ٥١٩ ]
مَالِكٌ: إنْ فَارَقَتْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ مَضَى. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ: إذَا تَجَافَتْ رُكْبَتَاهُ عَنْ الْأَرْضِ مَضَى.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ ذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ. فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذِكْرُهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا، وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ، وَإِنْ جَلَسَ جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ. النَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَسْتَفْتِحْ الْقِرَاءَةَ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: إنْ ذَكَرَ سَاعَةَ يَقُومُ جَلَسَ. وَلَنَا، حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ، وَمَا نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عُمَرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ. يَرْجِعُ مَا لَمْ يَرْكَعْ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ فَقَامَ فِي
[ ٣ / ٥٢٠ ]
الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ الْجُلُوسُ، فَسُبِّحَ بِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ، حَتَّى إذَا جَلَسَ يُسَلِّمُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا. وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ» اهـ.
قلت: وقد اختلف العلماء فيما إذا رجع قبل أن يستتم قائمًا هل عليه أن يسجد للسهو أو لا.
فذهب إلى الأول الإمام أحمد وذهب إلى الآخر إبراهيم النخعي، وعلقمة، والأسود، والشافعي.
قلت: واحتج القائلون بعدم السجود بحجج:
الحجة الأولى: أنَّه فعل يسير معفو عنه فلا يلزم سجود السهو.
الحجة الثانية: ما رواه أحمد (١٨٢٤٨)، وأبو داود (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٢٠٨) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، فَلْيَجْلِسْ، وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ».
قلت: ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أمر بالسجود لمن استتم قائمًا، وأمَّا من لم يستتم قائمًا فأمره بمجرد الجلوس ولم يأمره بسجود السهو فدل على عدم لزومه.
[ ٣ / ٥٢١ ]
لكن في إسناده جابر وهو ابن يزيد الجعفي رافضي وقد كذبه غير واحد من أئمة الحديث.
ورواه الطيالسي (٦٩٥)، وأحمد (١٨٢٤١)، وأبو داود (١٠٣٧)، والترمذي (٣٦٦) مِنْ طَرِيقِ يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحْنَا بِهِ، فَمَضَى، فَلَمَّا أَتَمَّ الصَّلَاةَ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ. وَقَالَ مَرَّةً: فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ، فَأَشَارَ أَنْ قُومُوا».
قلت: المسعودي مختلط.
وروى الترمذي (٣٦٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحَ بِهِ القَوْمُ وَسَبَّحَ بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ».
وَفِي البَابِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَسَعْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: «حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ»،: «وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ»، قَالَ أَحْمَدُ: «لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى».
وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: «ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ صَدُوقٌ، وَلَا أَرْوِي عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي صَحِيحَ حَدِيثِهِ مِنْ سَقِيمِهِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا فَلَا أَرْوِي عَنْهُ شَيْئًا»، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَرَوَى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ
[ ٣ / ٥٢٢ ]
المُغِيرَةِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، «وَجَابِرٌ الجُعْفِيُّ قَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ؛ تَرَكَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا»، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَمَنْ رَأَى قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَحَدِيثُهُ أَصَحُّ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٣٣٨):
«وحديث بن بحينة أصح من هذا» اهـ.
وروى ابن خزيمة (١٠٣٢)، والبزار في [مسنده] (١٢١٧)، وأبو يعلى في [مسنده] (٧٥٩)، والحاكم في [مستدركه] (١٢٠٥)، والبيهقي في [الكبرى] (٤٠١٦) مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَاسْتَتَمَّ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ حِينَ انْصَرَفَ وَقَالَ: أَكُنْتُمْ تَرَوْنِي كُنْتُ أَجْلِسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ».
قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ اهـ.
قلت: هذا الحديث ظاهر إسناده الصحة. وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
لكن قَالَ ابن خزيمة ﵀: «لا أظن أبا معاوية إلَّا وهم في لفظ هذا الإسناد» اهـ.
وقَالَ البزار ﵀: «وهذا الحديث قد رواه غير واحد، عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد موقوفًا ورواه المغيرة بن شبيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة» اهـ.
وقَالَ أبو يعلى ﵀: «قَالَ أبو عثمان عمرو بن محمد الناقد: لم نسمع أحدًا يرفع هذا غير أبي معاوية» اهـ.
قلت: وقد خالفه بيان أبو بشر الأحمسي فأوقفه وجعله من حديث سعد بن مالك وقد روى حديثه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٥٦٤) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ بَيَانِ أَبِي بِشْرٍ الْأَحْمَسِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ فَمَضَى، فَلَمَّا سَلَّمَ، سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ».
قلت: وثم اختلاف آخر في الحديث فرواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٤٨٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَبَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، «أَنَّ سَعْدًا، قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَجَلَسَ وَلَمْ يَسْجُدْ».
قلت: حديث الثوري أصح من حديث شعبة والله أعلم.
والذي يظهر لي أنَّ سعدًا هو ابن أبي وقاص فإنَّه هو الذي روى عنه قيس بن أبي حازم. وشعبة ﵀ كان يخطئ في الأسماء قليلًا.
[ ٣ / ٥٢٤ ]
وروى أبو يعلى في [مسنده] (٧٣٨٥) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي الْفَيْضِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَلِيٍّ السُّلَمِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، فَقَامَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَسَبَّحُوا بِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، انْصَرَفَ فَخَطَبَهُمْ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُهُ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ».
قلت: العلاء بن هلال الرقي قَالَ فيه أبو حاتم: «منكر الحديث ضعيف الحديث» اهـ.
وروى الحاكم في [مستدركه] (١٢١٤)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٣٦٦٨) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْقِذٍ الْخَوْلَانِيُّ، ثنا إِدْرِيسُ بْنُ يَحْيَى، ثنا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيَّ يَقُولُ: «صَلَّى بِنَا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، فَلَمْ يَجْلِسْ وَمَضَى عَلَى قِيَامِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي سَمِعْتُكُمْ آنِفًا تَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لِكَيْمَا أَجْلِسَ لَكِنَّ السُّنَّةَ الَّذِي صَنَعْتُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ اهـ.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
قلت: هذا حديث حسن رجاله كلهم ثقات غير إبراهيم بن منقذ الخولاني وهو حسن الحديث.
وروى البزار في [مسنده] (٩٤١٧) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوِ الظُّهْرِ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ».
وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن أبي هريرة ﵁، إلَّا بهذا الإسناد اهـ.
قلت: الحسن بن يحيى صوابه الرزي وثقه ابن حبان ويشهد له ما سبق.
قلت: واحتج القائلون بالسجود.
بما رواه ابن المنذر في [الأوسط] (٥/ ٢٣٢) (١٦٣٢) حَدَّثنا عَلِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُهُ تَحَرَّكَ لِلْقِيَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ، فَسَبَّحُوا بِهِ، فَجَلَسَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».
قلت: هذا أثر حسن. علي هو ابن الحسن بن أبي عيسى الهلالي وعبد الله هو ابن الوليد العدني حسن الحديث، وسفيان هو الثوري، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري.
[ ٣ / ٥٢٦ ]
قلت: وقد خالفه سعد بن أبي وقاص كما سبق.
قَالَوا: ولأنَّ ما فعله زيادة في الصلاة سهوًا فلزم فيها السهو.
قلت: الذي يظهر لي هو عدم لزوم سجود السهو وذلك لأنَّها حركة يسيرة، وفارق ما إذا استتم قائمًا فإنَّها بهذا يكون قد زاد في صلاته ركنًا فاحتاج أن يسجد له سجود السهو فإن تعمد ذلك مبطل للصلاة والله أعلم.
٢ - يلتحق بذلك كل من نسى واجبًا وتذكره وقد انتقل إلى ركن من الأركان أنَّه لا يرجع إليه كم نسي التسبيح في الركوع وتذكر وهو في ركن الاعتدال، ومن نسي التسبيح في السجود وتذكر ذلك وهو في ركن الجلوس بين السجدتين ونحو ذلك فلا يرجع من الركن إلى الواجب.
ومن باب أولى أنَّه لا يرجع من الركن إلى المستحب كمن نسي الاستفتاح، أو الاستعاذة وتذكر ذلك وهو في ركن قراءة الفاتحة.
وهل له الرجوع من واجب انتقل إليه إلى واجب نسيه، أو من مستحب انتقل إليه إلى مستحب نسيه أم لا يجوز له ذلك؟
ومثال الانتقَالَ من واجب إلى واجب من نسي التشهد وتذكر ذلك وهو في الصلوات، -وهذا على القول بوجوبهما وعدم ركنيتهما وهو الصحيح-. والأظهر في ذلك الرجوع كمن نسي ركنًا وتذكره وقد شرع في غيره.
ومثال الانتقَالَ من سنة إلى سنة من نسي الاستفتاح وقد شرع في الاستعاذة مثلًا.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٤/ ١٢٢ - ١٢٣):
«قَالَ أصحابنا إذا ترك المصلى سنة وتلبس بغيرها لم يعد إليها سواء تلبس بفرض أم بسنة أخرى فمثال التلبس بفرض أن يترك دعاء الاستفتاح أو التعوذ أو كليهما حتى يشرع في القراءة أو يترك تسبيح الركوع أو السجود حتى يتلبس بالركن الذي بعدهما أو يترك التشهد الأول حتى ينتصب قائمًا أو القنوت حتى يسجد أو جلسة الاستراحة حتى ينتصب قائمًا ونحو ذلك.
ومثال التلبس بسنة أخرى أن يترك دعاء الاستفتاح حتى يشرع في التعوذ ودليل الجميع حديث المغيرة أعني الرواية الثانية الصحيحة وذكر الشيخ أبو حامد في تعليقه أنَّه إذا ترك دعاء الاستفتاح وتعوذ عاد إليه من التعوذ والمشهور في المذهب أنَّه لا يعود كما جزم به المصنف وسواء كان الترك عمدًا أم سهوًا فلو خالف وعاد من التعوذ إلى الاستفتاح لم تبطل صلاته وإن عاد من الاعتدال إلى الركوع لتسبيح الركوع أو من القيام أو التعوذ إلى السجود لتسبيح السجود أو من القيام لي الجلوس للتشهد الأول أو من السجود إلى الاعتدال للقنوت بطلت صلاته إن كان عامدًا عالمًا بتحريمه فإن كان ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل ويسجد للسهو» اهـ.
قلت: وأمَّا من ترك واجبًا وشرع في سنة من السنن فلم أقف على كلام لأهل العلم في ذلك والذي يظهر لي هو الرجوع إلى الواجب كمن نسي الصلوات بعد تشهده الأخير وذكر ذلك وقد شرع في الدعاء فإنَّه يرجع إلى الصلوات فيأتي بها والله أعلم.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
٣ - أنَّ السهو إذا كان عن نقصان فيكون قبل السلام والمراد بالنقصان نقصان الواجب.
٤ - وفيه أنَّ المأمومين يتابعون إمامهم إذا قام من ركعتين ونسي التشهد والجلوس له.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢١):
«فَصْلٌ: إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ بِتَرْكِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، قَبْلَ قِيَامِهِمْ، وَبَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِمْ، تَابَعُوهُ فِي الْقِيَامِ، وَلَمْ يَجْلِسُوا لِلتَّشَهُّدِ. حَكَاهُ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا» اهـ.
قلت: وإذا سبحوا به قبل أن يستتم قائمًا فلم يرجع تشهدوا لأنفسهم.
وإذا قام واستتم قائمًا وشرع في القراءة ثم رجع فلا يتابع لأنَّه أخطأ في رجوعه.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢١):
«فَأَمَّا إنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا، لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي تَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا تَعَيَّنَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي تَرْكِهِ. وَلَوْ رَجَعَ إلَى التَّشَهُّدِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ.
فَأَمَّا الْإِمَامُ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا عَمْدًا، أَوْ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا. وَمَتَى عَلِمَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، نَهَضَ، وَلَمْ يُتِمَّ
[ ٣ / ٥٢٩ ]
الْجُلُوسَ. وَلَوْ ذَكَرَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ، وَبَعْدَ قِيَامِ الْمَأْمُومِينَ، وَشُرُوعِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَرَجَعَ، لَزِمَهُمْ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَى وَاجِبٍ، فَلَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِقِيَامِهِمْ قَبْلَهُ» اهـ.
٥ - وفيه دليل على أنَّ الإمام يتابع في ترك الواجبات والسنن إذا سها الإمام عنها.
٦ - وفيه أنَّ سجود السهو لا يتكرر إذا تكرر السهو في الصلاة فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سها عن الجلوس للتشهد والتشهد وقد سبق الكلام في هذه المسألة في الحديث السابق.
٧ - واحتج به الجمهور على عدم وجوب التشهد الأوسط.
ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكتفى عند تركه بسجود السهو ولو كان واجبًا لما اكتفى له بسجود السهو.
قلت: قولهم ولو كان واجبًا لما اكتفى له بسجود السهو فليس هناك ما يدل عليه وليس للمستدل أن يجعل موضع النزاع حجة له من غير برهان فلا نسلم أنَّ ترك الواجب سهوًا لا ينجبر بسجود السهو بل نقول: إنَّه ينجبر به كما دل عليه هذا الحديث، وإيجاب التشهد الأوسط قد دلت عليه الأدلة التي يحتج بها المخالف في إيجاب التشهد الأخير إذ ليس في تلك الأدلة تعين التشهد الأخير من التشهد الأوسط بل هي محمولة على التشهدين. والله أعلم.
قلت: وقد جاء الأمر بالتشهد الأوسط في حديث المسيء فروى أبو داود (٨٦٠) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ
[ ٣ / ٥٣٠ ]
يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ - قَالَ: «إِذَا أَنْتَ قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ، فَكَبِّرِ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وَقَالَ فِيهِ: «فَإِذَا جَلَسْتَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَاطْمَئِنَّ، وَافْتَرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرَى ثُمَّ تَشَهَّدْ، ثُمَّ إِذَا قُمْتَ فَمِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِكَ».
قلت: هذا حديث حسن.
قلت: والقول بالوجوب هو مذهب أحمد في المشهور وإسحاق، وقول للشافعي.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٦ - ١٦٧):
«وقد استدل بهذا الحديث كثير من العلماء - كما أشار إليه البخاري - على أنَّ التشهد الأول ليس بواجب؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نسيه، ولم يرجع بعد قيامه إلى الركعة الثالثة. وممن ذهب إلى أنَّ التشهد الأول والجلوس له سنة لا تبطل الصلاة بتركهما عمدًا: النخعي وأبو حنيفة والأوزاعي ومالك والشافعي وحكي رواية عن أحمد. والمنصوص عن أحمد: إنكار تسميته سنة، وتوقف في تسميته فرضًا؛ وقَالَ: هو أمر أمر به رسول الله ﷺ.
وقَالَ الثوري وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق وأبو ثور وداود: أنَّ من ترك واحدًا منها عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا سجد لسهو. وحكى الطحاوي مثله عن مالك.
[ ٣ / ٥٣١ ]
لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يداوم عليه، وقَالَ: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وإنَّما تركه نسيانًا، وجبره بسجود السهو، وقد روى عنه الأمر به. كما خرجه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للمسيء في صلاته: "فإذا جلست في وسط الصلاة فأطمئن وأفترش فخذك اليسرى ثم تشهد".
والعجب أنَّ من المخالفين في ذلك من يقول في خطبتي الجمعة: إذا لم تجلس بينهما لم تصح الخطبة، وهو يقول: لو صلى الظهر أربعًا من غير جلوس في وسطها صحت صلاته» اهـ.
* * *
[ ٣ / ٥٣٢ ]