١٣٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيْدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ».
سمي العيد عيدًا لما فيه عوائد إحسان الله إلى عباده، أو لأنَّه يعود ويتكرر، أو لأنَّه يعود بالفرح والسرور، أو تفاؤلًا بعوده على من أدركه كما سميت القافلة قافلة تفاؤلًا بقفولها أي برجوعها.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية صلاة الْعِيْدَيْنِ.
٢ - استحباب خطبة العيد.
٣ - أنَّ السنة في صلاة العيد أن تكون قبل الخطبة.
واختلفوا في أول من خطب قبل الصلاة فقيل عمر بن الخطاب ﵁
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِهِ] (٥٦٤٤) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، لَمَّا رَأَى النَّاسَ يَنْقُصُونَ فَلَمَّا صَلَّى حَبَسَهُمْ فِي الْخُطْبَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
لكن رواه بعد ذلك (٥٦٤٥) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يُوسُفَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.
[ ٥ / ٢ ]
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِهِ] (٥٦٨٥) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ يُثَنَّوْنَ بِالْخُطْبَةِ، حَتَّى إِذَا كَانَ عُمَرُ، وَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَانِهِ «فَكَانَ إِذَا ذَهَبَ يَخْطُبُ ذَهَبَ حُفَاةُ النَّاسِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ حَتَّى خَتَمَ بِالصَّلَاةِ».
قُلْتُ: لعل الأظهر ثبوت ذلك عنهما.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِهِ] (٣٥٩٨٦)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٥١) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ صَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَرَأَى نَاسًا كَثِيرًا لَمْ يُدْرِكُوا الصَّلَاةَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الحسن، والحسن لم يسمع من عثمان وإنَّما رآه رؤية.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٥٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَانُوا يُصَلُّونَ ثُمَّ يَخْطُبُونَ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ رَأَى أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ الصَّلَاةَ خَطَبَ ثُمَّ صَلَّى».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الحسن. وعلي بن عبد العزيز هو البغوي، وحجاج هو ابن منهال.
وهذا معارض بما رواه البخاري (٩٦٢)، ومسلم (٨٨٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵃، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ».
[ ٥ / ٣ ]
وما رواه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄، يُصَلُّونَ الْعِيْدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ».
قُلْتُ: الأظهر أنَّ عمر عثمان فعلا ذلك نادرًا في آخر خلافته، والغالب عنه تقديم الصلاة على الخطبة.
وقيل: أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة مروان بن الحكم، ويدل عليه ما رواه مسلم (٤٩) عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
وقيل: أول من قدم الخطبة على الصلاة معاوية.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِهِ] (٥٦٤٦) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُعَاوِيَةُ».
قُلْتُ: لكنه لا يثبت.
وروى أبو يوسف في [الْآثَارِ] (٢٩٠) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ «مُعَاوِيَةَ ﵁ كَانَ رَجُلًا بَادِنًا، فَكَانَ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَعَدَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ، وَأَوَّلَ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيْدَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ من أجل أبي حنيفة فإنَّه ضعيف الحديث.
[ ٥ / ٤ ]
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢١٤٩) ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي هَذَا الْيَوْمِ يَوْمِ عِيدٍ؟ وَكَانَ الَّذِي بَيْنَهُمَا حَسَنٌ، فَقَالَ: «لَا تُؤَذِّنُ، وَلَا تُقِمْ، وَصَلِّ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَلَمَّا سَاءَ الَّذِي بَيْنَهُمَا، أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: هَذَا مُنْقَطِعٌ ضَعِيفُ وعطاء هو ابن السائب مختلط.
٤ - أنَّ خطبة العيد واحدة. وليس الحديث صريحًا في ذلك فقد يراد بها الجنس فتشمل الخطبتين.
وقد جاء في الخطبتين ما رواه ابن ماجه (١٢٨٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ أبو أبحر هو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية ضعيف الحديث، وإسماعيل بن مسلم هو المكي شديد الضعف وَقَالَ فيه النسائي: متروك الحديث، وأبو الزبير مدلس وقد عنعن.
وروى الشافعي في [الْأُم] (١/ ٢٣٨)، وفي [الْمُسْنَد] (٤٦٣)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٠٨)، و[الْمَعْرِفَة] (١٩٥٦) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ، فِي الْعِيْدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ».
[ ٥ / ٥ ]
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ واهٍ فإبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى متروك الحديث.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٥٦٧٣) عَنِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: «السُّنَّةُ التَّكْبِيرُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ، يَبْدَأُ خُطْبَتَهُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ، وَيَبْدَأُ الْآخِرَةَ بِسَبْعٍ».
قُلْتُ: فيه ابن أبي يحيى وهو إبراهيم بن محمد سبق الكلام فيه.
وروى البزار في [مُسْنَدِه] (١١١٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي مُهَاجِرُ بْنُ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ: صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ وَكَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ فيه عبد الله بن شبيب واهي الحديث.
قال الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزيُ ﵀ في [الْضُعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِين] (٢/ ١٢٦):
«عبد الله بن شبيب بن خالد أبو سعيد الربعي المكي سكن البصرة وروى عن إسماعيل بن أبي أويس قال ابن عدي حدث بمناكير قال وَقَالَ فضلك الرازي يحل ضرب عنقه وَقَالَ أبو أحمد محمد بن إسحاق ذاهب الحديث وَقَالَ ابن حبان يقلب الأخبار ويسرقها لا يجوز الاحتجاج به» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْمِيزَان] (٤/ ٤٩٩): «عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي إخباري علامة لكنه واه قال أبو أحمد الحاكم ذاهب
[ ٥ / ٦ ]
الحديث قلت يروي عن أصحاب مالك وبالغ فضلك الرازي فقال يحل ضرب عنقه» اهـ.
قُلْتُ: ومحمد بن عبد العزيز هو محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قال فيه البخاري في [الْتَارِيْخِ الْكَبِيْر] (١/ ١٦٧): «منكر الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَدِي ﵀ في [الْكَامِلِ] (٦/ ٢٣٩):
«حدثنا الجنيدي ثنا البخاري قال محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المديني حدثني إبراهيم بن المنذر عن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن الزهري وكان بمشورته جلد مالك منكر الحديث سمعت بن حماد يقول قال البخاري محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه وأبي الزناد وابن شهاب روى عن ابنه إبراهيم منكر الحديث. وَقَالَ النسائي محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف متروك الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وولده أحمد لم أقف فيه على جرح ولا تعديل وقد ذكره الْخَطِيْبُ الْبِغْدَادِيُ ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٢/ ٣٤٩) في ترجمة أبيه.
قُلْتُ: ونقل الْحَافِظُ الْزَّيْلَعِي ﵀ في [نَصْبِ الْرَّايَةِ] (٢/ ٢٢١) عن العلامة النووي ﵀ أنَّه قال في "الخلاصة": «ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة» اهـ.
[ ٥ / ٧ ]
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٠٧) وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَازِمٍ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ، أنبأ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَزَّارُ بِدِمَشْقَ، ثنا هِشَامٌ يَعْنِي: ابْنَ عَمَّارٍ ثنا حَاتِمٌ يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْعُدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَامَ فَخَطَبَ ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف حسين بن عبد الله.
وقد احتج ابن خزيمة في "صَحِيْحِهِ" على خطبتي العيد بحديث ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». رواه (١٤٤٦) مِنْ طَرِيْقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ به.
وبوَّب عليه بقوله: «بَابُ عَدَدِ الْخُطَبِ فِي الْعِيْدَيْنِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِجُلُوسٍ».
قُلْتُ: والحديث في مسلم مقيد بالجمعة.
قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ ﵀ (٨٦١) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ». قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٥/ ٨٢):
[ ٥ / ٨ ]
«فإذا سلم الْإِمَام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما جلسة، فإذا أتمهما افترق الناس. فإن خطب قبل الصلاة فليست خطبة، ولا يجب الإنصات له، كل هذا لا خلاف فيه إلاَّ في مواضع نذكرها إن شاء الله تعالى» اهـ.
وسئل الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٦/ ١٥١):
«هل للعيد خطبة أم خطبتان؟ أفيدونا مأجورين؟.
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن تكون للعيد خطبة واحدة، وإن جعلها خطبتين فلا حرج؛ لأنَّه قد روي ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولكن لا ينبغي أن يهمل عظة النساء الخاصة بهن. لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﵊ وعظهن.
فإن كان يتكلم من مكبر تسمعه النساء فليخصص آخر الخطبة بموعظة خاصة للنساء، وإن كان لا يخطب بمكبر وكان النساء لا يسمعن فإنَّه يذهب إليهن، ومعه رجل أو رجلان يتكلم معهن بما تيسر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١٦/ ٢١١):
«فالعيد فيه خطبتان، هذا هو المشهور عن أهل العلم، وقيل: للعيد خطبة واحدة، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة السالمة من التضعيف. خطبة العيد خطبة واحدة لكن الرسول ﵊ كان يخطب الرجال أولًا، ثم ينزل إلى النساء فيعظهن» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١/ ١٠٥)
[ ٥ / ٩ ]
«قوله: "فإذا سلم خطب خطبتين"، أي: إذا سلم الْإِمَام من الصلاة يخطب خطبتين، وإن خطب غيره فلا بأس كالجمعة، فيجوز أن يخطب واحد، ويصلي آخر.
وقوله: "خطبتين" هذا ما مشى عليه الفقهاء ﵏ أنَّ خطبة العيد اثنتان؛ لأنَّه ورد هذا في حديث أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه نظر، ظاهره أنَّه كان يخطب خطبتين، ومن نظر في السنّة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يخطب إلاَّ خطبة واحدة، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهنّ، فإن جعلنا هذا أصلًا في مشروعية الخطبتين فمحتمل، مع أنَّه بعيد؛ لأنَّه إنَّما نزل إلى النساء وخطبهنّ لعدم وصول الخطبة إليهن وهذا احتمال.
ويحتمل أن يكون الكلام وصلهن ولكن أراد أن يخصهنّ بخصيصة، ولهذا ذكرهنّ ووعظهنّ بأشياء خاصة بهنّ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْمُحْسِنِ الْعَبَّادُ في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٦/ ٤٨٩):
«لا أعلم أحدًا يقول: إنَّها خطبة واحدة، ولا يثبت الحديث في كونها خطبتين، لكن دليله القياس على الجمعة، ولا خلاف أعلمه بين العلماء أنَّها خطبتين» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر السنة أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خطب خطبة واحدة ومما يقوي ذلك ما رواه أبو يعلى (١١٨٢)، وابن خزيمة (١٤٤٥)، وابن حبان (٢٨٢٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى رَاحِلَتِهِ».
[ ٥ / ١٠ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وادعاء أنَّه تصحف من قوله: «على رجليه». إلى قوله: «على راحلته». يحتاج إلى برهان على ذلك.
وروى أحمد (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٩٠٨)، وابن ماجه (١٢٨٤) مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِي كَاهِلٍ، قَالَ: إِسْمَاعِيلُ قَدْ رَأَيْتُ أَبَا كَاهِلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عِيدٍ عَلَى نَاقَةٍ خَرْمَاءَ، وَحَبَشِيٌّ مُمْسِكٌ بِخِطَامِهَا».
قُلْتُ: أخو إسماعيل اسمه سعيد لم يوثقه معتبر. وأبو كاهل هو قيس بن عائذ.
وقد تابع وكيعًا في ذكره لأخي إسماعيل أبو أسامة حماد بن أسامة، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي كما روى ذلك البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١٩٧٠)، وحديث عيسى رواه أيضًا أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٦٣٤٩). وتابعهما أيضًا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة أخرج حديثه النسائي (١٥٧٣).
قُلْتُ: واختلف فيه على هارون بن عبد الله بن مروان الراوي عن أبي أسامة.
فرواه ابن منيع هارون بن عبد الله بن مروان حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي كاهل عبد الله بن مالك أخرج حديثه ابن قانع في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٥٩٧).
ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني به هارون بن عبد الله قال: نا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي كاهل عبد الله بن مالك به روى ذلك البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١٩٧٠).
[ ٥ / ١١ ]
ورواه عبد الله بن الْإِمَام أحمد في [زَوَائِدِهِ عَلَى الْمُسْنَد] (١٦٧٦١) حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَائِذٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى نَاقَةٍ خَرْمَاءَ، وَعَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُمْسِكٌ بِخِطَامِهَا».
قُلْتُ: وقد تابع أبو إسماعيل في حديثه هذا محمد بن عبيد الطنافسي كما روى ذلك ابن ماجه (١٢٨٥)، والبغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١٩٦٩).
قُلْتُ: أبو إسماعيل وأخوه مجهولان ويشهد للحديث ما سبق. وقول من قال عن أخيه أصح. والله أعلم.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢١٢٨) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ، ثنا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَخَطَبَهُنَّ وَحَثَّهُنَّ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ». فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي ثَوْبَهَا وَخَاتَمَهَا وقُرْطَها فَجَمَعَ ذَلِكَ إِلَى بِلَالٍ فِي ثَوْبِهِ.
قُلْتُ: عطاء بن السائب مختلط ويشهد له ما سبق.
وروى أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٢٦٧٩) حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ، ثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْعَضْبَاءِ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَأَنَا مُرْتَدِفٌ خَلْفَ أَبِي». رَوَاهُ النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ اهـ.
[ ٥ / ١٢ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. حبيب بن الحسن ثقة. قال الخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٨/ ٢٥٣):
«سألت أبا بكر البرقاني عن حبيب القزاز فقال: ضعيف فراجعته في أمره فقال ضعيف قُلْتُ: وحبيب عندنا من الثقات وكان يؤثر عنه الصلاح ولا أدري من أي جهة ألحق البرقاني به الضعف وقد سألت أبا نعيم عنه فقال: ثقة قال محمد بن أبي الفوراس توفي حبيب بن الحسن القزاز يوم الأحد في جمادى الأولى سنة تسع وخميس وثلاثمائة وكان ثقة مستورًا حسن المذهب» اهـ.
قُلْتُ: وعلي بن عاصم فيه كلام لكنه متابع تابعه النضر بن محمد، وعكرمة حسن الحديث.
وعمر بن حفص السدوسي قال فيه الخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (١١/ ٢١٦): «وكان ثقة».
فائدة/ في صفة صلاة العيد.
قُلْتُ: صلاة العيد ركعتان في الأولى سبع تكبيرات، وفي الأخرى خمس تكبيرات.
روى أبو داود (١١٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا».
قُلْتُ: وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث. والحديث حسن بشواهده.
[ ٥ / ١٣ ]
ورواه أبو داود (١١٥٢) حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: «سِوَى تَكْبِيرَتَيِ الرُّكُوعِ».
ورواه ابن ماجه (١٢٨٠) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى سَبْعًا وَخَمْسًا، سِوَى تَكْبِيرَتَيِ الرُّكُوعِ».
قُلْتُ: وله شاهد من حديث أبي هريرة.
رواه أحمد (٨٦٦٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْرَجُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «التَّكْبِيرُ فِي الْعِيْدَيْنِ سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَخَمْسًا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ».
قُلْتُ: وفيه ابن لهيعة ضعيف الحديث. وأثر أبي هريرة صح موقوفًا عليه كما سيأتي.
وله شاهد آخر من حديث سعد القرظ.
فروى ابن ماجه (١٢٧٧) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيْدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن سعد ضعفه ابن معين، وأبوه لا يعرف حاله، وجده مجهول لم يوثقه معتبر.
[ ٥ / ١٤ ]
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٥٣١٦)، والفريابي في [الْعِيْدَيْنِ] (٩٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٩٧٢) مِنْ طَرِيْقِ بَقِيَّةَ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَرَظٍ، أَنَّ أَبَاهُ، وَعُمُومَتَهُ أَخْبَرُوهُ، عَنْ أَبِيهِمْ سَعْدِ بْنِ قَرَظٍ: «أَنَّ السُّنَّةَ فِي صَلَاةِ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ».
قُلْتُ: ولا يصح سنده.
قال الحافظ الدارمي ﵀ في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْن] (٦٠٦):
«قلت: فعبد الله بن محمد بن عمار بن سعد وعمار وعمر ابني حفص بن عمر بن سعد عن أبائهم عن أجدادهم كيف حال هؤلاء فقال: ليسوا بشيء» اهـ.
وله شاهد من حديث ابن عمر.
رواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٧٥١) ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَزَّازُ، ثنا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، ثنا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الْأَخِيرَةِ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ».
قُلْتُ: فرج بن فضالة يروي عن يحيى بن سعيد أحاديث منكرة.
وله شاهد موقوف على أبي هريرة. فروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤٣٤) عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ».
[ ٥ / ١٥ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٧٥٢) حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا، كُلُّهُنَّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وروى البيهقي في [الْصُغْرَى] (٥١٩) وَأَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرَانَ، نا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ، نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، نا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، قَالَ: قَالَ نَافِعٌ: «كَانَ مَرْوَانُ يَسْتَخْلِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْفِطْرِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ فِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ وَالْأَضْحَى بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ وَهِيَ السُّنَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ أيضًا. وقوله: «وَهِيَ السُّنَّةُ». الذي يظهر لي أنَّه من كلام نافع. والله أعلم.
وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
رواه أبو داود (١١٥٤) واللفظ له، وابن ماجه (١٢٧٨) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي يَعْلَى الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ الْأُولَى سَبْعًا، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يَرْكَعُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَكِيعٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَا: سَبْعًا وَخَمْسًا اهـ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ من أجل أبي يعلى الطائفي واسمه: عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الطائفي.
وجاء من حديث عمرو بن عوف.
[ ٥ / ١٦ ]
فروى الترمذي (٥٣٦) واللفظ له، وابن ماجه (١٢٧٩) مِنْ طَرِيْقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي العِيدَيْنِ فِي الأُولَى سَبْعًا قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ القِرَاءَةِ».
قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ كثير بن عبد الله واهي الحديث.
وجاء من حديث عبد الله بن عباس.
فروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٠٥٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَرْمَطِيُّ، ثنا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيُّ، ثنا عُمَرُ بْنُ حُمَيْدٍ الدِّينَوَرِيُّ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، فِي الْأُولَى سَبْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا، وَكَانَ يَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ مِنْ أُخْرَى».
قُلْتُ: سليمان بن أرقم متروك الحديث.
والأحاديث في هذا الباب يقوي بعضها بعضًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٧٧ - ١٧٨):
«فأمَّا التكبير في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا، وهو قول جمهور العلماء، وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة، وعن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري، وقال: مضت السنة به.
وحكاه ابن أبي الزناد عن فقهاء المدينة السبعة.
وهو قول مكحول وربيعة والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود.
[ ٥ / ١٧ ]
وأكثر أهل الحديث، منهم: ابن المديني وابن أبي شيبة وأبو خثيمة وسليمان بن داود الهاشمي وغيرهم.
ولكن اختلفوا: هل يكبر في الأولى سبعًا غير تكبيرة افتتاح الصلاة، أم بها؟
فقالَ مالك وأحمد: يحسب منها تكبيرة الافتتاح. وروي ذلك عن ابن عباس صريحًا. وَقَالَ الشافعي: لا يحسب منها. وعن الليث والأوزاعي قولان، كالمذهبين» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عباس أخرجه الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (١١٥) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا بِتَكْبِيرَةِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَفِي الثَّانِية سِتًّا بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ كُلُّهُنَّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ»، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَبْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
* * *
[ ٥ / ١٨ ]
١٣٩ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلا نُسُكَ لَهُ". فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي. فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَذَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ. فَقَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ"».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢١): «والعناق من المعز ابن خمسة أشهر أو نحوها، وهو جذعة، ولا يجوز في الضحايا بإجماع، وإنَّما يجوز من المعز الثني فما فوقه» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ خطبة العيد تكون بعد الصلاة.
٢ - أنَّ النسك قبل صلاة العيد لا يجزئ، وهل يجزئ قبل الخطبة؟ ظاهر قوله: «وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ». أنَّه لا يجزئ فإنَّ نسك النبي ﷺ كان بعد الخطبة؛ لكن روى البخاري (٥٥٤٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ».
[ ٥ / ١٩ ]
وروى البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١) عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: فهذان الحديثان يدلان على جواز ذبح الأضحية قبل الخطبة وبعد الصلاة. وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٨٩):
«فإن ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة أجزأ، في ظاهر كلام أحمد؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علق المنع على فعل الصلاة، فلا يتعلق بغيره، ولأنَّ الخطبة غير واجبة. وهذا قول الثوري» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ وقت الأضحية يبدأ بفعل الصلاة، لا بمجرد أن يمضي زمان يصلح فيه أن تؤدى فيه صلاة العيد بخطبتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٨٨ - ٤٨٩): «أمَّا أوله، فظاهر كلام الخرقي أنَّه إذا مضى من نهار يوم العيد قدر تحل فيه الصلاة، وقدر الصلاة والخطبتين التامتين في أخف ما يكون، فقد حل وقت الذبح، ولا تعتبر نفس الصلاة، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم.
وهذا مذهب الشافعي، وابن المنذر وظاهر كلام أحمد، أنَّ من شرط جواز التضحية في حق أهل المصر صلاة الْإِمَام وخطبته. وروي نحو هذا عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة، وإسحاق؛ لما روى جندب بن عبد الله البجلي، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى".
[ ٥ / ٢٠ ]
وعن البراء، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي، فليعد مكانها أخرى" متفق عليه.
وفي لفظ قال: "إنَّ أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم، الذبح، فمن ذبح قبل الصلاة، فتلك شاة لحم قدمها لأهله، ليس من النسك في شيء" وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة.
وَقَالَ عطاء: وقتها إذا طلعت الشمس؛ لأنَّها عبادة يتعلق آخرها بالوقت، فتعلق أولها بالوقت، كالصيام.
وهذا وجه قول الخرقي ومن وافقه.
والصحيح، إن شاء الله تعالى، أنَّ وقتها في الموضع الذي يصلى فيه بعد الصلاة لظاهر الخبر، والعمل بظاهره أولى.
فأمَّا غير أهل الْأمصار والقرى، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد الصلاة؛ لأنَّه لا صلاة في حقهم تعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها.
وَقَالَ أبو حنيفة: أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني؛ لأنَّه من يوم النحر، فكان وقتها منه كسائر اليوم.
ولنا، أنَّها عبادة وقتها في حق أهل المصر بعد إشراق الشمس، فلا تتقدم وقتها في حق غيرهم، كصلاة العيد.
[ ٥ / ٢١ ]
وما ذكروه يبطل بأهل الْأمصار فإن لم يصل الْإِمَام في المصر، لم يجز الذبح حتى تزول الشمس؛ لأنَّها حينئذ تسقط، فكأنَّه قد صلى، وسواء ترك الصلاة عمدًا أو غير عمد، لعذر أو غيره» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٤٢٠):
«فهذا وقت الأضحية؛ وقته بعد فعل الصلاة كما بين الرسول ذلك في الأحاديث الصحيحة وهو قول الجمهور من العلماء: مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم. وإنَّما قدر وقتها بمقدار الصلاة: الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد كالخرقي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٠٤): «وهو صحيح صريح في أنَّ الذبح قبل الصلاة لا يجزئ سواء دخل وقتها ولم يدخل وهذا الذي ندين الله به قطعًا ولا يجوز غيره» اهـ.
٤ - وفيه أنَّه يستحب للإمام أن يبين للناس في خطبته ما يحتاجون إليه من أحكام الأضاحي.
٥ - وفيه أنَّ العمل الفاسد لا يصح مع الجهل، وغاية ما في الْأمر أن يرفع الإثم عن الجاهل بسبب جهله، ونظير ذلك أمر النبي ﷺ المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة التي صلاها وهي فاسدة مع أنَّه كان جاهلًا كما يدل عليه الحديث.
٦ - وفيه أنَّ النية الصالحة لا تصحح العمل الفاسد فإنَّ نية خال البراء كانت صالحة كما يدل عليه قوله:
[ ٥ / ٢٢ ]
«يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي». ومع هذا ما صحح النبي ﷺ عمله.
٧ - أنَّ الجذعة من المعز لا تجزئ في الأضحية.
قُلْتُ: أمَّا الجذعة من الضأن فتجزي في الأضحية لما رواه مسلم (١٩٦٣) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ».
ويجزئ الجذع من الضأن وإن وجدت المسنة لما رواه أبو داود (٢٨٠١)، وابن ماجه (٣١٤٠) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْجَذَعَ يُوَفِّي مِمَّا يُوَفِّي مِنْهُ الثَّنِيُّ».
ورواه النسائي (٤٣٨٣) مِنْ طَرِيْقِ عاصم به ولم يسمي الصحابي.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
والمسنة هي الثني، والثني من سقطت ثناياه، والجذع من الضأن دون ذلك وهو من سقطت أسنانه وله علامتان:
الأولى: نوم الصوفة على ظهرة.
والأخرى: النزو على الإناث. واختلفوا في سنه على أقوال وضبط ذلك بالوصف أصح.
٨ - تخصيص إجزاء الجذع بأبي بردة دون غيره، وفي هذه المرة دون غيرها.
[ ٥ / ٢٣ ]
وذهب شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ إلى أنَّ التخصيص في الحديث باعتبار الحال لا باعتبار الأشخاص فقال ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٤٦٨) للبعلي: «وتجوز الأضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلًا بالحكم ولم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية وغيرها لقصة أبي بردة بن نيار ويحمل قوله ﷺ: "ولن يجزئ أحد بعدك" أي بعد حالك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ١٢٦ - ١٢٧): «وأمَّا قول من قال: إنَّ هذا في شخص بعينه ففي غاية الفساد لفظًا ومعنى. ثم إنَّ الله إنَّما يخص الشيء المعين بحكم يخصه لمعنى يختص به كما قال لأبي بردة بن نيار - وكان قد ذبح في العيد قبل الصلاة - قبل أن يشرع لهم النبي ﷺ أن الذبح يكون بعد الصلاة فلما قال النبي ﷺ: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نذبح فمن ذبح قبل الصلاة فليعد فإنَّما هي شاة لحم قدمها لأهله" ذكر له أبو بردة أنَّه ذبح قبل الصلاة ولم يكن يعرف أنَّ ذلك لا يجوز وذكر له أن عنده عناقًا خيرًا من جذعة فقال: "تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك". فخصه بهذا الحكم لأنَّه كان معذورًا في ذبحه قبل الصلاة؛ إذ فعل ذلك قبل شرع الحكم فلم يكن ذلك الذبح منهيًا عنه بعد، مع أنَّه لم يكن عنده إلَّا هذا السن» اهـ.
قُلْتُ: وكلامه هذا يدل على أنَّ هذا الحكم مخصوص بأبي بردة لأجل أنَّه فعل ذلك جهلًا قبل أن يشرع الحكم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٢٦٠):
[ ٥ / ٢٤ ]
«فالقاعدة أنَّه لا يمكن أن يخص أحد بحكم من أحكام الشريعة أبدًا لعينه، بل لوصفه» اهـ.
٩ - وفيه استحباب الأضحية وهي من الشعائر العظيمة في عيد الأضحى.
١٠ - وفيه مشروعية الكلام مع الْإِمَام في خطبة العيد.
١١ - وفيه أنَّ يوم العيد يوم أكل وشرب فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أقرَّ أبا بردة على قوله هذا.
١٢ - وفيه أنَّ الحيوان قد يُحب.
قُلْتُ: وهكذا أيضًا تكون المحبة لبعض الجمادات كما روى البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ: أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي جَبَلِ أُحُدٍ: «هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».
وروى البخاري (٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٩٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ، رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ، قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».
* * *
[ ٥ / ٢٥ ]
١٤٠ - عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الأضحية لا تجزئ قبل الصلاة.
٢ - أنَّ من ذبح قبل الصلاة لزمه أن يذبح بعد الصلاة أخرى.
٤ - واحتج بقوله: «فَلْيَذْبَحْ». من قال بوجوب الأضحية.
قُلْتُ: ولا يدلَّ الحديث على وجوب الأَضحية ابتداءً بل غاية ما يدل عليه أنَّ من عين شاةً أضحية له وجب عليه أن يذبحها في أيام النحر.
وقد اختلف العلماء في حكم الأضحية فمنهم من أوجبها وهو قول أبي حنيفة ومالك في ظاهر مذهبه كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام، ومنهم من استحبها وهو مذهب أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٤٩): «والأضحية سنة، لا يستحب تركها لمن يقدر عليها، أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة. روي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري ﵃، وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر.
وَقَالَ ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة: هي واجبة» اهـ.
[ ٥ / ٢٦ ]
قُلْتُ: روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٣٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُطَرِّفٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سُرَيْحَةَ -حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ- قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَا يُضَحِّيَانِ».
وراه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٠٥٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٠٣٥)، وأحمد في [الْعِلَلِ] (٥٤٩٣)، والمحاملي في [أَمَالِيْهِ] (٣٣٥) من طريق مطرف به.
وعند أحمد والبيهقي والمحاملي زيادة: «خَشْيَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٤٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٠٣٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدَعَ الْأُضْحِيَةَ، وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ بِهَا مَخَافَةَ أَنْ يُحْسَبَ أَنَّهَا حَتْمٌ وَاجِبٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨١٤٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٠٣٨)، و[الصُّغْرَى] (١٨١٥) عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: «إِنِّي لَأَدَعُ الْأَضْحَى، وَإِنِّي لَمُوسِرٌ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٢٠٠): «ونقل ابن قدامة في "الْمُغْنِي"، عن مالك وجوب الأضحية خلاف مذهبه، ومذهبه هو ما
[ ٥ / ٢٧ ]
نقل عنه النووي: من أنَّها سنة، ولكنها عنده لا تسن على خصوص الحاج بمنى؛ لأنَّ ما يذبحه هدي لا أضحية» اهـ.
قُلْتُ: وقد نصرَّ القول بالوجوب شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ١٦٢ - ١٦٤): «وأمَّا الأضحية فالأظهر وجوبها أيضًا فإنَّها من أعظم شعائر الإسلام وهي النسك العام في جميع الْأمصار والنسك مقرون بالصلاة في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة. وقد قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته وبها يذكر قصة الذبيح فكيف يجوز أنَّ المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من ترك الحج في بعض السنين. وقد قالوا: إنَّ
[ ٥ / ٢٨ ]
الحج كل عام فرض على الكفاية؛ لأنَّه من شعائر الإسلام والضحايا في عيد النحر كذلك بل هذه تفعل في كل بلد هي والصلاة فيظهر بها عبادة الله وذكره والذبح له والنسك له ما لا يظهر بالحج كما يظهر ذكر الله بالتكبير في الأعياد.
وقد جاءت الأحاديث بالْأمر بها. وقد خرج وجوبها قولًا في مذهب أحمد وهو قول أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب مالك أو ظاهر مذهب مالك. ونفاة الوجوب ليس معهم نص فإنَّ عمدتهم قوله ﷺ: "من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره". قالوا: والواجب لا يعلق بالإرادة. وهذا كلام مجمل فإنَّ الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله؛ بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام. كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وقد قدروا فيه: إذا أردتم القيام. وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ. والطهارة واجبة والقراءة في الصلاة واجبة وقد قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ومشيئة الاستقامة واجبة. وأيضًا فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي وإنَّما تجب على القادر فهو الذي يريد أن يضحي. كما قال: "من أراد الحج فليتعجل فإنَّه قد تضل الضالة وتعرض الحاجة". والحج فرض على المستطيع. فقوله: "من أراد أن يضحي". كقوله: "من
[ ٥ / ٢٩ ]
أراد الحج فليتعجل" ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلًا عن حوائجه الأصلية. كصدقة الفطر» اهـ.
قُلْتُ: وقد استدلَّ من أوجبها بأدلة:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر/ ٢].
وسبق قول شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀: «فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة» اهـ.
قَالَ الْأَمِيْرُ الْصَّنْعَانِي ﵀ في [سُبُلِ الْسَّلَامِ] (٤/ ٩١): «والآية محتملة قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ بوضع الكف على النحر في الصلاة أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شاهين في سُنَنِه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس وفيه روايات من الصحابة مثل ذلك ولو سلم فهي دالة على أنَّ النحر بعد الصلاة فهي تعيين لوقته لا لوجوبه» اهـ.
قُلْتُ: وهناك احتمال آخر وهو أنَّ الآية إنَّما تدل على وجوب كون النحر لله لا على ابتدائه، وهذه الاحتمالات تضعف القول بالوجوب من هذه الآية. والله أعلم.
الدليل الثاني: ما رواه ابن ماجه (٣١٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
[ ٥ / ٣٠ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عبد الله بن عيَّاش. وقد جاء موقوفًا، وهو أصح من المرفوع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (٢٣/ ١٩٠ - ١٩١): «هذا حديث رواه ابن وهب عن عبد الله بن عياش القتباني هذا عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفًا لم يرفعه كذا هو في موطئه وكذلك رواه عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفًا وعبيد الله بن أبي جعفر فوق عبد الله بن عياش.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال وأخبرنا الليث بن سعد وبكر بن مضر قالا أخبرنا عبيد الله بن أبي جعفر عن ابن هرمز قال سمعت أبا هريرة وهو في المصلى يقول "من قدر على سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا".
قال أبو عمر: الأغلب عندي في هذا الحديث أنَّه موقوف على أبي هريرة والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [مَعْرِفَةِ الْسُّنَنِ وَالْآثَارِ] (١٤/ ١٧):
«وأمَّا حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح، فلا يحضر مصلانا" فالصحيح أنَّه موقوف على أبي هريرة. كذا قاله أبو عيسى الترمذي» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٥٦٤):
[ ٥ / ٣١ ]
«هذا الحديث رجاله كلهم مخرج لهم في "الصحيحين"، إلَّا عبد الله ابن عياش بن عباس القتباني فإنَّه من أفراد مسلم.
وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن عبد الله بن عياش، وكذلك رواه حيوة بن شريح وغيره عن عبد الله بن عياش.
ورواه ابن وهب عن عبد الله بن عياش عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفًا، وكذلك رواه جعفر بن ربيعة وعبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفًا، وهو أشبه بالصواب» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٦٢): «رواه أحمد في "مُسْنَدِه" عنه، وقال: هذا منكر. وَقَالَ الْدَارَقُطْنِي: الأصح وقفه، ثم لا يدل على الوجوب، كما قال: "من أكل الثوم، فلا يقربن مسجدنا"» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣): «أخرجه ابن ماجه وأحمد ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره» اهـ.
قُلْتُ: قد تابع زيدَ بن الحباب على رفع الحديث عبدُ الله بن يزيد المقرئ أبو عبد الرحمن كما روى ذلك أحمد في [مُسْنَدِه] (٨٢٥٦) حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
قُلْتُ: وقد روى حديث ابن وهب الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٥٦٦) فقال: فَحَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَنْبَأَ ابْنُ
[ ٥ / ٣٢ ]
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: «مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ مَعَنَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
أَوْقَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ إِلَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ فَوْقَ الثِّقَةِ اهـ.
قُلْتُ: ورواه الْدَارَقُطْنِي (٤٨٢٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الزَّيَّاتُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَبَّانَ، نا عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ، نا ابْنُ عُلَاثَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «مَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
قُلْتُ: عمرو بن الحصين متروك الحديث.
وقد رجح الحافظ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٥) رفع الحديث فقال:
«يرويه عبد الله بن عياش القتباني، واختلف عنه؛ فرواه زيد بن الحباب، ويحيى بن سعيد العطار، عن عبد الله بن عياش القتباني، عن الأعرج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ورواه عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا أيضًا، وهو الصواب» اهـ.
قُلْتُ: وعلى كل حال فسند المرفوع لا يصح كما سبق بيان ذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٢٦١): «وَقَالَ في رواية حنبل: هذا حديث منكر» اهـ.
[ ٥ / ٣٣ ]
الدليل الثالث: ما رواه أحمد (٢٠٧٥٠)، وأبو داود (٢٧٩٠)، والترمذي (١٥١٨)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والنسائي في [الْمُجْتَبَى] (٤٢٢٤) [الْكُبْرَى] (٤٥٣٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَامِرٍ أَبِي رَمْلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: وَنَحْنُ وُقُوفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ هَذِهِ؟ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ الرَّجَبِيَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو رملة مجهول.
قَالَ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٢٦):
«قلت هذا الحديث ضعيف المخرج وأبو رملة مجهول» اهـ.
قُلْتُ: وعلى فرض صحته فلا حجة فيه للقائلين بوجوب الأضحية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٤):
«ولا حجة فيه لأنَّ الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق وقد ذكر معها العتيرة وليست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية» اهـ.
الدليل الرابع: ما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٨٣١٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، نا عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حَنَشٍ الْكِنَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا وَاحْتَسِبُوا بِدِمَائِهَا، فَإِنَّ الدَّمَ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي حِرْزِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ عمرو بن الحصين متروك الحديث، وابن علاثة متنازع فيه منهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من بالغ في تضعيفه،
[ ٥ / ٣٤ ]
والذي يظهر لي أنَّه ممن يستشهد بحديثه، وما رمي به فالبلاء من ابن حصين. والله أعلم.
الدليل الخامس: ما رواه البزار في [مُسْنَدِه] (٧٨٣٢) حدثنا محمد بن مسكين، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سعيد بن المسيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْعَتِيرَةِ، وَكَانَتْ ذَبِيحَةٌ يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ، فَنَهَاهُمْ عَنْهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالأُضْحِيَّةِ».
وهذا الحديث لا نعلم رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَّا سعيد، ولا عن سعيد إلَّا بكير، ولا عن بكير إلَّا ابن لهيعة، ولا نعلم أسند بكير، عن سعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إلَّا هذا الحديث اهـ.
قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف الحديث. وهو ثابت في البخاري (٥٤٧٣)، ومسلم (١٩٧٦) مِنْ طَرِيْقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» وَالفَرَعُ: أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ، وَالعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ.
قُلْتُ: وليس فيه الْأمر بالأضحية، والذي يظهر لي أنَّ زيادة الْأمر بالأضحية من منكرات ابن لهيعة. والله أعلم.
قُلْتُ: هذه أشهر الحجج التي احتج بها الموجبون للأضحية وقد تبين ما فيها. فالذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء من القول باستحباب الأضحية. والله أعلم.
[ ٥ / ٣٥ ]
٥ - وفي قوله: «فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ». يدل على التسمية قبل الذبح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٥٠):
«أي قائلًا: باسم الله، هذا هو الصحيح في معناه، وَقَالَ القاضي: يحتمل أربعة أوجه: أحدهما: أن يكون معناه: فليذبح لله، والباء بمعنى اللام. والثاني: معناه فليذبح بسنة الله. والثالث: بتسمية الله على ذبيحته إظهارا للإسلام، ومخالفة لمن يذبح لغيره، وقمعًا للشيطان. والرابع: تبركًا باسمه وتيمنًا بذكره كما يقال: سر على بركة الله، وسر باسم الله» اهـ.
قُلْتُ: والتسمية على الذبيحة شرط في حلها على الصحيح من أقوال العلماء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام/ ١٢١] ولغير ذلك من الأدلة الأتية.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٧):
«استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أنَّه لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأئمة، ﵏، في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الْإِمَام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار
[ ٥ / ٣٦ ]
ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله -وبالأحاديث الواردة في الْأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج. "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه". وهو في الصحيحين أيضًا، وحديث ابن مسعود أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" رواه مسلم. وحديث جُنْدَب بن سفيان البَجَلي قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". أخرجاه. وعن عائشة، ﵂، أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري: أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم وكلوا". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري. ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وأنهم خشوا ألا تكون وجدت من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله تعالى أعلم.
[ ٥ / ٣٧ ]
والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو نسيانًا لم تضر وهذا مذهب الْإِمَام الشافعي، ﵀، وجميع أصحابه، ورواية عن الْإِمَام أحمد. نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الْإِمَام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.
وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
وَقَالَ ابن جُرَيْج، عن عطاء: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الْإِمَام الشافعي ﵀ قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل "الواو" في قوله: ﴿وإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون "الواو" عاطفة. لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جمله فعلية طلبية. وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنَّها عاطفة لا محاولة، فإن كانت "الواو" التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال؛ امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن "الواو" حالية، بطل ما قال من أصله، والله أعلم.
[ ٥ / ٣٨ ]
وَقَالَ ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة.
ثم رواه، عن أبي زُرْعَة، عن يحيى بن أبي كثير عن ابن لَهِيعَة، عن عطاء -وهو ابن السائب -به.
وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في الْمَرَاسِيْلِ، من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي -مولى سُوَيْد بن مَنْجوف أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات -قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ "ذَبِيحَة المسلم حلال ذُكِر اسمُ اللهِ أو لم يُذْكَرْ، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله".
وهذا مرسل يعضد بما رواه الْدَارَقُطْنِي عن ابن عباس أنه قال: إذا ذبح المسلم -ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله".
واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة، ﵂، المتقدم أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا حديثي عهد بجاهلية يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سَمّوا أنتم وكُلُوا". قال: فلو كان وجود التسمية شرطًا لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.
المذهب الثالث في المسألة: أنَّه إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضر وإن تركها عمدًا لم تحل.
هذا هو المشهور من مذهب الْإِمَام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه: وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد
[ ٥ / ٣٩ ]
بن المُسَيَّب، وعَطَاء، وطاووس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
ونقل الْإِمَام أبو الحسن المرغيناني في كتابه "الهداية" الإجماع -قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإجماع.
وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم.
وَقَالَ الْإِمَام أبو جعفر بن جرير: من حرم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك.
يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله".
وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري فإنه وإن كان من رجال مسلم إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، من قوله. فزادا في إسناده "أبا الشعثاء"، ووقفا والله تعالى أعلم. وهذا أصح، نص عليه البيهقي وغيره من الحفاظ.
[ ٥ / ٤٠ ]
وقد نقل ابن جرير وغيره. عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانًا، والسلف يطلقون الكراهية على التحريم كثيرًا، والله أعلم. إلا أن من قاعدة ابن جرير أنَّه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور، فيعده إجماعًا، فليعلم هذا، والله الموفق.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد قال: سئل الحسن، سأله رجل أتيت بطير كَرًى فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كله، كله. قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه". وفيه نظر، والله أعلم.
وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي، من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي ﷺ: "اسم الله على كل مسلم".
ولكن هذا إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي، ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم.
[ ٥ / ٤١ ]
وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: حمل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله خلاف ظاهر الآية بل هي أوسع من ذلك فتشمل ما لم يذكر عليه اسم الله، وما ذكر عليه اسم غيره.
وخلاصة ما احتج به من لم يوجب التسمية هي كالآتي:
الحجة الأولى: ما رواه أبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٣٥٥) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الصَّلْتِ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ، إِنَّهُ إِنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ الصلت هو السدوسي مجهول، وقد أرسل الحديث.
الحجة الثانية: ما رواه الْدَارَقُطْنِي (٤٨٠٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٧٣)
مِنْ طَرِيْقِ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ مروان بن سالم هو الغفاري متروك الحديث.
الحجة الثالثة: ما رواه الْدَارَقُطْنِي (٤٨٠٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٦٩) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، نا مَعْقِلٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
[ ٥ / ٤٢ ]
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ لِيَأْكُلْ».
قُلْتُ: محمد بن يزيد هو ابن سنان ضعيف الحديث. والصحيح في الحديث الوقف على ابن عباس كما روى ذلك سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أخرج حديثه عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٨٥٤٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٧٠، ١٨٦٧١)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٥٥٩٦).
وروى ذلك أيضًا عطاء عن ابن عباس أخرج ذلك البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٦٧٢).
الحجة الرابعة: ما رواه الحارث بن أبي أسامة كما في [بُغْيَةِ الْبَاحِثِ عَنْ زَوَائِدِ مُسْنَدِ الْحَارِثِ] (٤١٠) للهيثمي
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَالصَّيْدُ كَذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه علتان:
الأولى: ضعف الأحوص بن حكيم.
والأخرى: الإرسال.
ولا يتقوى بمرسل الصلت لأنَّه يخشى أن يكون مخرجهما واحد. والله أعلم.
[ ٥ / ٤٣ ]
وأمَّا الأدلة الواردة الدالة على عدم المؤاخذة بالنسيان فهي محمولة على سقوط الإثم ولا يلزم من ذلك صحة العمل؛ فإنَّ من نسي فصلى صلاة من غير وضوء مثلًا فلا إثم عليه مع فساد الصلاة. والله أعلم.
وقد نصرَّ القول بوجوب التسمية على الذبيحة مطلقًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠):
«والتسمية على الذبيحة مشروعة؛ لكن قيل: هي مستحبة كقول الشافعي. وقيل: واجبة مع العمد وتسقط مع السهو كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه. وقيل: تجب مطلقًا؛ فلا تؤكل الذبيحة بدونها سواء تركها عمدًا أو سهوًا كالرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو الخطاب وغيره وهو قول غير واحد من السلف. وهذا أظهر الأقوال؛ فإنَّ الكتاب والسنة قد علق الحل بذكر اسم الله في غير موضع كقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وفي الصحيحين أنَّه قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" وفي الصحيح أنه قال لعدي: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فقتل فكل وإن خالط كلبك كلاب آخر فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره".
وثبت في الصحيح أن الجن سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أوفر ما يكون لحمًا وكل بعرة علفًا لدوابكم" قال النبي ﷺ "فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما زاد إخوانكم من الجن" فهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ٤٤ ]
وَسَلَّمَ لم يبح للجن المؤمنين إلَّا ما ذكر اسم الله عليه؛ فكيف بالإنس؛ ولكن إذا وجد الإنسان لحمًا قد ذبحه غيره جاز له أن يأكل منه ويذكر اسم الله عليه؛ لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة كما ثبت في الصحيح "أن قومًا قالوا يا رسول الله إن ناسًا حديثي عهد بالإسلام يأتون باللحم ولا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ فقال: سموا أنتم وكلوا"» اهـ.
٥ - وفي الحديث ما يدل أن التسمية على الذبيحة يقتصر فيها على قوله: بسم الله. ولا يضيف إلى ذلك الرحمن الرحيم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٥٦١) للبعلي:
«وإذا قال عند الأكل: بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنًا فإنَّه أكمل بخلاف الذبح فإنَّه قد قيل: إنَّ ذلك لا يناسب» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا زيادة الرحمن الرحيم في التسمية عند الأكل فقد قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٥٢١):
«المراد بالتسمية على الطعام قول: بسم الله في ابتداء الأكل وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي مِنْ طَرِيْقِ أم كلثوم عن عائشة مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل بسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله في أوله وآخره" وله شاهد من حديث أمية بن مخشي عند أبي داود والنسائي. وأمَّا قول النووي في أدب الأكل من الأذكار صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله كفاه وحصلت
[ ٥ / ٤٥ ]
السنة فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلًا خاصًا، وأمَّا ما ذكره الغزالي في آداب الأكل من "الأحياء" أنَّه لو قال في كل لقمة بسم الله كان حسنًا وأنَّه يستحب أن يقول مع الأولى بسم الله ومع الثانية بسم الله الرحمن ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم فلم أر لاستحباب ذلك دليلًا والتكرار قد بين هو وجهة بقوله حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله» اهـ.
قُلْتُ: حديث عائشة رواه أحمد (٢٥١٤٩، ٢٥٧٧٤، ٢٦١٣١، ٢٦٣٣٥)، وأبو داود (٣٧٦٩)، والترمذي (١٨٥٨) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيَّ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ - امْرَأَةٍ، مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا - أُمُّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لجهالة أم كلثوم.
ورواه ابن ماجه (٣٢٦٤) وليس فيه ذكر لأم كلثوم والصواب إثباتها.
ورواه أبو يعلى (٧١٥٣) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ امْرَأَةٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِوَطْبَةٍ فَأَخَذَهَا أَعْرَابِيٌّ بِثَلَاثِ لُقَمٍ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ لَوَسِعَكُمْ»، وَقَالَ: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ إِذَا ذَكَرَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
قُلْتُ: أخشى أن يكون هذا من أوهام إبراهيم بن الحجاج، والمحفوظ ما سبق.
[ ٥ / ٤٦ ]
فقد روى الحديث وكيع، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وإسماعيل بن علية، وروح بن عبادة، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وغيرهم عن هشام الدستوائي وجعلوا الحديث من مسند عائشة.
قُلْتُ: وله شاهد من حديث أمية بن مخشي.
روى حديثه أحمد (١٨٩٨٣)، وأبو داود (٣٧٧٠)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٧٥٨، ١٠١١٣) مِنْ طَرِيْقِ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ - وَكَانَ مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ ﷿ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ».
قُلْتُ: المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي مجهول.
وله شاهد آخر من حديث ابن مسعود ﵁.
رواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥٢١٣)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٠٢٠٠)، و[الْأَوْسَطِ] (٤٥٧٦)، و[الْدُعَاء] (٨٨٩)، وابن السني في [الْيَومِ وَاللَّيْلَةِ] (٤٥٨) مِنْ طَرِيْقِ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ الْعُصْفُرِيُّ قَالَ: نَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى الْجُهَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ
[ ٥ / ٤٧ ]
فَلْيَقُلْ حِينَ يَذْكُرُ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ طَعَامًا جَدِيدًا، وَيَمْنَعُ الْخَبِيثَ مَا كَانَ يُصِيبُ مِنْهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ رجاله كلهم ثقات غير خليفة بن خياط وهو حسن الحديث.
* * *
[ ٥ / ٤٨ ]
١٤١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْعِيدِ. فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِلا أَذَانٍ وَلا إقَامَةٍ. ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ. فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ"، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: "لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ". قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - تقديم الصلاة على الخطبة في العيد.
٢ - أنَّه ليس في العيد أذان ولا إقامة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٩٤ - ٩٥):
«ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة.
قال مالك: تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا. واتفق العلماء على أنَّ الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث.
وممن قال: إنَّه بدعة: عبد الرحمن بن أبزى والشعبي والحكم. وَقَالَ ابن سيرين: وهو محدث.
[ ٥ / ٤٩ ]
وَقَالَ سعيد بن المسيب والزهري: أول من أحدث الأذان في الْعِيْدَيْنِ معاوية. وَقَالَ ابن سيرين: أول من أحدثه آل مروان.
وعن الشعبي، قال: أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه. وَقَالَ حصين: أول من أذن في الْعِيْدَيْنِ زياد.
وروى ابن أبي شيبة: نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء بن يسار، أنَّ ابن الزبير سأل ابن عباس - وكان الذي بينهما حسنًا يومئذ - فقال: لا تؤذن ولا تقم، فلما ساء الذي بينهما أذن وأقام.
وَقَالَ الشافعي: قال الزهري: وكان النبي ﷺ يأمر في الْعِيْدَيْنِ المؤذن فيقول: الصلاة جامعة.
واستحب ذلك الشافعي وأصحابنا. واستدلوا بمرسل الزهري، وهو ضعيف، وبالقياس على صلاة الكسوف؛ فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صح عنه أنَّه أرسل مناديًا ينادي: الصَّلاة جامعة.
وقد يفرق بين الكسوف والعيد، بأنَّ الكسوف لم يكن الناس مجتمعين لهُ، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم، فنودوا لذلك، وأمَّا العيد، فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الْإِمَام» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ أول من أحدث الأذان للعيدين معاوية ﵁ لما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٧١٢، ٣٦٩٠٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ مُعَاوِيَةُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ٥٠ ]
وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٦٩٠٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبِي عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْعِيدَيْنِ ابْنُ الزُّبَيْرِ».
وهكذا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٣٧١٤٥) عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مَرْوَانُ».
وهكذا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٧١٦) حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيدِ زِيَادٌ».
فكل واحد أخبر عمَّا بلغه علمه من ذلك، وكلام سعيد بن المسيب مقدم عليهم لما فيه من زيادة علم.
٣ - الاعتماد عند الخطبة على شيء ومن ذلك الاتكاء على بعض الناس.
٤ - وفيه استحباب أمر الناس بتقوى الله ووعظهم وتذكيرهم بما يحتاجون إليه.
٥ - جاء عند البخاري (٩٦١) بلفظ: «فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ». فإنَّ النزول يكون من علو.
قُلْتُ: فيستحب أن يخطب الخطيب على شيء مرتفع لدلالة هذا الحديث على ذلك فإنَّ النزول يكون من علو.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٤٧):
[ ٥ / ٥١ ]
«فلعله ﷺ كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع، أو دكان وهي التي تسمى مصطبة، ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقف عليهن، فيخطبهن، فيعظهن، ويذكرهن. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولم يكن للنبي صلى منبر يقوم عليه في خطبة العيد ويدل على ذلك:
ما رواه البخاري (٩٥٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ - وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ - فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا المُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ: قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ».
وفي رواية مسلم (٨٨٩): «… حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ …».
قُلْتُ: لكن قد صح عنه الخطبة على الراحلة كما روى أبو يعلى (١١٨٢)، وابن خزيمة (١٤٤٥)، وابن حبان (٢٨٢٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى رَاحِلَتِهِ».
[ ٥ / ٥٢ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وقد سبق الكلام على هذا الحديث وذكر شواهده في أول أحاديث الباب.
٦ - ويدل الحديث على استحباب أن يخطب الْإِمَام للنساء خطبة أخرى إذا لم يسمعنَّ خطبة الرجال أو إذا أراد أن يعظهن بما يخصهن ويحتجن إليه وقد قال ابن جريج بعد روايته للحديث كما في الصحيحين: «قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الفِطْرِ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ، تُلْقِي فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، قُلْتُ: أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ، وَيُذَكِّرُهُنَّ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٩٦):
«وفي الحديث: أنَّ الْإِمَام إذا رأى أنَّه لم يسمع الموعظة النساء، فإنَّه يأتيهنَّ بعد فراغه من موعظة الرجال، فيعظهن ويذكرهن.
وقد قال عطاء: إنَّ ذلك حق عليهِ. ولعله أراد أنَّه مندوب إليه، متأكد الندب.
قال طائفة من أصحاب الشافعي: إذا علم الْإِمَام أنَّ قومًا فاتهم سماع الخطبة استحب أن يعيد لهم الخطبة، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، واستدلوا بهذا الحديث» اهـ.
وروى البخاري (١٤٤٩)، ومسلم (٨٨٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ»، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ.
[ ٥ / ٥٣ ]
ولفظ مسلم «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ»، قَالَ: «ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ، وَالْخُرْصَ، وَالشَّيْءَ».
وجاء أنَّه أتى النساء بعد ثلاث.
فروى إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (٩١٧) أخبرنا سليمان بن حرب، حَدَّثَنا حماد بن زيد، عَنْ أيوب قال: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عَبَّاس يقول: «أشهد على رسول الله ﷺ، أَوْ قال: أشهد على ابن عَبَّاس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خرج في يوم عيد فصلى، ثُم خطب فظن أنه لم يسمع النساء فأتاهن بعد ثلاث ومعه بلال فوعظهن وحثهن على الصدقة فجعلت المرأة تلقى بالقرط وبالخاتم ويأخذ بلال ذلك يجمعه في ثوبه».
قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ ظَاهِرُهُ الْصِّحَةُ وحماد بن زيد من أثبت أصحاب أيوب.
وقد خالفه في ذلك إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري، ومعمر، وعبد الوارث، وعاصم بن هلال، وعبد الأعلى بن حماد، ووهيب بن خالد.
واختلف فيه عن حماد فرواه سليمان بن حرب عنه كما مضى، ورواه عنه مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ ولم يذكر هذه الزيادة، وروى حديثه الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (ص ١٣٢).
فالذي يظهر لي أنَّ هذه الزيادة شاذة، والله أعلم.
وسئل الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٦/ ١٥١):
[ ٥ / ٥٤ ]
«هل للعيد خطبة أم خطبتان؟ أفيدونا مأجورين؟.
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن تكون للعيد خطبة واحدة، وإن جعلها خطبتين فلا حرج؛ لأنه قد روي ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولكن لا ينبغي أن يهمل عظة النساء الخاصة بهنَّ؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﵊ وعظهن.
فإن كان يتكلم من مكبر تسمعه النساء فليخصص آخر الخطبة بموعظة خاصة للنساء، وإن كان لا يخطب بمكبر وكان النساء لا يسمعن فإنه يذهب إليهن، ومعه رجل أو رجلان يتكلم معهن بما تيسر» اهـ.
٧ - وفيه استحباب حث الناس على الصدقة في خطبة العيد لا سيما النساء.
٨ - وفيه أنَّ أكثر أهل النار النساء لكثرة الشكاة، وكفران العشير وهو الزوج.
٩ - وفيه تحذير النساء من هاتين الصفتين المذمومتين كثرة الشكاة، وكفران العشير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٢٧٨):
«قوله ﷺ: "تكثرن الشكاة" هو بفتح الشين أي الشكوى.
قوله ﷺ: "وتكفرن العشير"
قال أهل اللغة: يقال: هو العشير المعاشر والمخالط، وحمله الأكثرون هنا على الزوج. وَقَالَ آخرون: هو كل مخالط. قال الخليل: يقال: هو العشير والشعير على القلب ومعنى الحديث أنَّهنَّ يجحدن الإحسان لضعف عقلهن وقلة معرفتهن» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٤٠):
[ ٥ / ٥٥ ]
«وَقَوله: "يكثرن الشكاة"، وَقَول بن الزبير: وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها وَيُرَاد بالشكاة الذَّم وَالْعَيْب» اهـ.
وجاء في البخاري (٣٠٤) من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وفي مسلم (٧٩) عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ».
١٠ - ويستدل به على ذم من يجحد إحسان ذي إحسان. قاله النووي.
١١ - وفيه عظيم حق الزوج على زوجه.
وقد روى الترمذي (١١٥٩) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». وَفِي البَاب عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ.: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وقد جاء عن جمع من الصحابة.
١٢ - وفي قوله: «وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ». ما يدل على أنَّ الكفر يأتي والمراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الإسلام.
١٣ - وفيه أنَّ الصدقة من أسباب النجاة من النار.
١٤ - وفيه خروج النساء لصلاة العيد.
١٥ - وفيه اعتزال النساء للرجال في صلاة العيد.
[ ٥ / ٥٦ ]
١٦ - واحتج بقوله: «فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ». من قال بجواز كشف المرأة لوجهها.
قُلْتُ: قَالَ ابْنُ مَنْظُوْرٍ ﵀ في [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٨/ ١٥٦)
«السُّفْعةُ والسَّفَعُ السَّوادُ والشُّحُوبُ وقيل نَوْع من السَّواد ليس بالكثير وقيل السواد مع لون آخر وقيل السواد المُشْرَبُ حُمْرة» اهـ.
وقوله: «مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ». قيل من خيارهن، وقيل: قاعدة في وسطهن.
قُلْتُ: روى الحديث بهذا اللفظ مسلم (٨٨٥) فقال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله وذكره.
وبهذا اللفظ رواه أيضًا ابن خزيمة (١٤٦٠) مِنْ طَرِيْقِ محمد بن بشر عن عبد الملك بن أبي سليمان به.
وقد جاء الحديث بلفظ: «مِنْ سَفَلَةِ النِّسَاءِ». أخرجه أحمد (١٤٤٦٠)، والنسائي (١٥٧٥) مِنْ طَرِيْقِ يحيى بن سعيد عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر به.
ورواه الدارمي (١٦١٠)، والفريابي في [الْعِيْدَيْنِ] (٨٧) مِنْ طَرِيْقِ يعلى بن عبيد ثنا عبد الملك عن عطاء عن جابر به.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٩٩٣) مِنْ طَرِيْقِ إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا عبد الملك عن عطاء ثنا جابر بن عبد الله به.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠١٤)، و[الْصُغْرَى] (٥١٥) أيضًا مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن هارون أنبأ عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله به.
ورواه الفريابي في [الْعِيْدَيْنِ] (٨٦) مِنْ طَرِيْقِ جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: أخبرني جابر بن عبد الله به.
[ ٥ / ٥٧ ]
قُلْتُ: أكثر الرواة عن عبد الملك رووا الحديث بلفظ: «مِنْ سَفَلَةِ النِّسَاءِ». وهذا هو الذي يظهر لي أنَّه المحفوظ في حديث جابر. والله أعلم.
قُلْتُ: ولا حجة في هذا الحديث على جواز كشف الوجه للمرأة لوجوه منها:
الأول: لعل ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، والقول بأنَّ هذا كان بعد آية الحجاب احتجاجًا بحديث أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». رواه البخاري (٣٥١)، ومسلم (٨٩٠) فليس بصريح لأنَّه ليس هناك ما يدل أنَّ هذا كان أول ما فرضت صلاة العيد، فلعل حديث جابر كان في عيد متقدم على هذا. والله أعلم.
الوجه الثاني: لعلَّ هذه المرأة كانت من القواعد من النساء وقد قال الله ﷿ فيهن: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور/ ٦٠].
الوجه الثالث: لعلَّ هذه المرأة كانت من الإماء، والإماء لا يجب عليهن ذلك.
[ ٥ / ٥٨ ]
فقد روى البخاري (٥٠٨٥)، ومسلم (١٣٦٥)، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ ثَلَاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ أُمِرَ بِالأَنْطَاعِ، فَأَلْقَى فِيهَا مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ، فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ. فَقَالَ المُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ».
ولفظ مسلم: «وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا، أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٦٢٣٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ أَمَةً لَنَا مُتَقَنِّعَةً، فَضَرَبَهَا وَقَالَ: «لَا تَشَبَّهِي بِالْحَرَائِرِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٦٢٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ جَارِيَةً مُتَقَنِّعَةً، فَضَرَبَهَا وَقَالَ: «لَا تَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ».
[ ٥ / ٥٩ ]
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٥٠٦٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ عُمَرَ، ضَرَبَ أَمَةً لِآلِ أَنَسٍ رَآهَا مُتَقَنِّعَةً قَالَ: «اكْشِفِي رَأْسَكِ، لَا تَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ».
وأمَّا قول الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٢٦٦):
«أمَّا الْمَرْأَة فَيحْتَمل أَنْ تكون أَسمَاء بنت يزِيد بن السكن خطيبة النِّسَاء فَهِيَ الَّتِي قَالَتْ فِي شَيْء من هَذِه الْقِصَّة وَكَيف تكون أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيثهَا» اهـ. فذكر ذلك احتمالًا وليس له مستند صحيح على ذلك.
قُلْتُ: فمع ورود هذه الاحتمالات فلا يتم الاستدلال بهذا الحديث على جواز كشف الوجه للمرأة.
١٧ - وفيه جواز سؤال المرأة لأهل العلم عما تحتاج إلى معرفته مع مراعاة الآداب الشرعية في ذلك.
١٨ - وفيه جواز أن تتصدق المرأة الرشيدة من مالها بغير أذن زوجها.
لكن روى أبو داود (٣٥٤٧)، والنسائي (٢٥٤٠) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ أَبَاهُ، أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ، إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه ابن ماجه (٢٣٨٨) حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الرَّقِّيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ فِي مَالِهَا، إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، إِذَا هُوَ مَلَكَ عِصْمَتَهَا».
[ ٥ / ٦٠ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف المثنى.
وروى ابن ماجه (٢٣٨٩) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ جَدَّتَهُ خَيْرَةَ، امْرَأَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحُلِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِهَذَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، فَهَلِ اسْتَأْذَنْتِ كَعْبًا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: «هَلْ أَذِنْتَ لِخَيْرَةَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّهَا؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا.
وفيه رجل مبهم.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِهِ] (١٦٦٠٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ شَيْءٌ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا إِذَا هُوَ مَلَكَ عِصْمَتِهَا».
وهذا مرسل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٤٨):
«فَصْلٌ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهَا كُلِّهِ، بِالتَّبَرُّعِ، وَالْمُعَاوَضَةِ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي مَالِهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ». اهـ.
[ ٥ / ٦١ ]
١٩ - وفي قوله: «يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ». ما يدل على جواز ثقب الأذن للنساء؛ وذلك أنَّ القُرْط هو الذي يعلَّق في شحمة الأُذن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تُحْفَةِ الْمَوْدُودِ] (٢٠٩ - ٢١٠):
«أمَّا أذن البنت فيجوز ثقبها للزينة نص عليه الْإِمَام أحمد ونص على كراهته في حق الصبي والفرق بينهما أنَّ الأنثى محتاجة للحلية فثقب الأذن مصلحة في حقها بخلاف الصبي وقد قال النبي لعائشة في حديث أم زرع: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" مع قولها: أناس من حلي أذني. أي ملأها من الحلي حتى صار ينوس فيها أي يتحرك ويجول.
وفي الصحيحين لما حرض النبي النساء على الصدقة جعلت المرأة تلفي خرصها الحديث والخرص هو الحلقة الموضوعة في الأذن ويكفي في جوازه علم الله ورسوله بفعل الناس له وإقرارهم على ذلك فلو كان مما ينهى عنه لنهى القرآن أو السنة.
فإن قيل: فقد أخبر الله سبحانه عن عدوه إبليس أنه قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي يقطعونها وهذا يدل على أنَّ قطع الأذن وشقها وثقبها من أمر الشيطان فإنَّ البتك هو القطع وثقب الأذن قطع لها فهذا ملحق بقطع أذن الأنعام قيل: هذا من أفسد القياس فإنَّ الذي أمرهم به الشيطان أنَّهم كانوا إذا ولدت لهم الناقة خمسة أبطن فكان البطن السادس ذكرًا شقوا أذن الناقة وحرموا ركوبها والانتفاع بها ولم تطرد عن ماء ولا عن مرعى وقالوا هذه بحيرة فشرع لهم الشيطان في ذلك شريعة من عنده فأين هذا من نخس أذن الصبية ليوضع فيها
[ ٥ / ٦٢ ]
الحلية التي أباح الله لها أن تتحلى بها، وأمَّا ثقب الصبي فلا مصلحة له فيه وهو قطع عضو من أعضائه لا مصلحة دينية ولا دنيوية فلا يجوز» اهـ.
قُلْتُ: وممن منع ذلك الغزالي في "الإحياء"، وابن الجوزي في "أحكام النساء".
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣٣١):
«قال الغزالي في "الإحياء" يحرم ثقب أذن المرأة ويحرم الاستئجار عليه إلَّا إن ثبت فيه شيء من جهة الشرع» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح في ذلك هو جواز ثقب أذن الصبية ولا توجد حجة مستقيمة لمن منع من ذلك. والله أعلم.
وأمَّا ثقب الأذن أكثر من ثقب من أجل الزينة فالأصل فيه الحل، ويدل عليه ما رواه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨) من حديث عائشة وفيه: قَالَتِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، وَمَا أَبُو زَرْعٍ، أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٥/ ٢١٧)
«قَوْلُهَا: "أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ" هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ أُذُنَيَّ عَلَى التَّثْنِيَةِ وَالْحُلِيُّ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالنَّوْسُ بِالنُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْحَرَكَةِ من كل شئ مُتَدَلٍّ يُقَالُ مِنْهُ نَاسَ يَنُوسُ نَوْسًا وَأَنَاسَهُ غَيْرُهُ أَنَاسَةً وَمَعْنَاهُ حَلَّانِي قِرَطَةً وَشُنُوفًا فَهيَ تَنَوَّسُ أَيْ تَتَحَرَّكُ لِكَثْرَتِهَا» اهـ.
[ ٥ / ٦٣ ]
٢٠ - وفي قوله: «وَخَوَاتِيمِهِنَّ». ما يدل على جواز لبس الذهب المحلق للنساء خلافًا لمن منع من ذلك من أهل العلم المعاصرين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٤٠):
«أجمع المسلمون علي أنَّه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعًا كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال والتعاويذ والدمالج والقلائد والمخانق وكل ما يتخذ في العنق وغيره وكل ما يعتدن لبسه ولا خلاف في شيء من هذا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٧٧): «أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣١٧):
«وإذا تقرر هذا فالنهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء» اهـ.
قُلْتُ: وأقوى ما احتج به من منع من لبس الذهب المحلق للنساء ما رواه أحمد (٨٨٩٧)، وأبو داود (٤٢٣٨) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ الْبَرَّادِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحَلِّقَ حَبِيبَهُ حَلْقَةً مِنْ نَارٍ، فَلْيُحَلِّقْهُ حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَوِّقَ حَبِيبَهُ طَوْقًا مِنْ نَارٍ، فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَوِّرَ حَبِيبَهُ سِوَارًا مِنْ نَارٍ، فَلْيُسَوِّرْهُ سِوَارًا مِنْ ذَهَبٍ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ، فَالْعَبُوا بِهَا».
[ ٥ / ٦٤ ]
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم صحة هذا الحديث فإنَّ أسيد بن أبي أسيد لم يوثقه معتبر، وَقَالَ فيه الحافظ الْدَارَقُطْنِي ﵀: «يعتبر به».
وعلى القول بثبوته فإنَّه يحتمل عدة احتمالات:
منها: أنَّه منسوخ بأدلة مشروعية الذهب للنساء وهي أدلة متكاثرة.
ومنها: أنَّ المراد بذلك التحذير من عاقبة الذهب في حق من لم يؤد زكاته.
ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (١٥٦٥)، والنسائي (٢٤٧٩، ٢٤٨٠) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ وَهُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ ﷿ وَلِرَسُولِهِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَسَنٌ.
ومنها: أنَّ المراد به النهي عن تحلية الأولاد الذكور بذلك حتى لا ينشؤا عليه.
لكن يرد ذلك أنَّ الحديث جاء بلفظ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحَلِّقَ حَبِيبَتَهُ حَلْقَةً مِنْ نَارٍ».
هكذا بالتأنيث وهو عند أحمد (١٩٧١٨) لكن فيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ وفي حديثه لين، والصحيح حديث الدراوردي بالتذكير.
ومنها: أنَّ هذا الحديث ينزل على من أظهرته فخرًا وخيلاء.
قُلْتُ: وسائر الأحاديث الواردة في ذلك متأولة بمثل هذه التأويلات. والله أعلم.
[ ٥ / ٦٥ ]
٢١ - وفيه ما يدل على جواز جمع الْإِمَام لصدقة التطوع.
* * *
[ ٥ / ٦٦ ]
١٤٢ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ».
وَفِي لَفْظٍ: «كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى تَخْرُجَ الْحُيَّضُ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ».
قوله: «الْعَوَاتِقَ». قَالَ ابْنُ مَنْظُوْرٍ ﵀ في [لِسَانِ الْعَرَبِ] (١٠/ ٢٣٤):
«وجارية عاتِقٌ شابة وقيل العاتِقُ البكر التي لم تَبِنْ عن أَهلها وقيل هي التي بين التي أَدركت وبين التي عَنَسَتْ والعاتِقُ الجارية التي قد أَدركت وبلغت فخُدِّرَتْ في بيت أَهلها ولم تتزوج سمّيت بذلك لأنها عَتَقَتْ عن خدمة أَبويها ولم يملكها زوج بعدُ قال الفارسي وليس بقوي قال الشاعر:
أَقِيدي دَمًا يا أُمَّ عمرو هَرَقْتِه … بكفَّيْك يوم الستر إِذْ أَنْتِ عاتِقُ.
وقيل: العاتِقُ الجارية التي قد بلغت أَنْ تَدَرَّعَ وعَتَقَتْ من الصِّبا والاستعانة بها في مِهْنَةِ أَهلها سمِّيت عاتِقًا بها والجمع في ذلك كله عَواتِق قال زهير بن مسعود الضبي ولم تَثِقِ العَواتِقُ من غِيورٍ بغَيْرَتِه وخَلَّيْنَ الحِجالا. وفي الحديث خرجب أُم كلثوم بنت عقبة وهي عاتِقٌ قبل هجرتها.
قال ابن الأَثير: العاتِقُ الشابة أَول ما تُدْرِكُ وقيل هي التي لم تَبِنْ من والديها ولم تتزوج وقد أَدركت وشَبَّت ويجمع على العُتَّقِ» اهـ.
[ ٥ / ٦٧ ]
قوله: «وَذَوَاتِ الْخُدُورِ» بضم الخاء المعجمة والدال المهملة جمع خدر بكسرها وسكون الدال وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه.
في الحديث مسائل منها:
١ - وجوب صلاة الْعِيْدَيْنِ.
وقد اختلف في وجوبها واستحبابها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٢٣):
«وصلاة العيد فرض على الكفاية، في ظاهر المذهب، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الْإمام. وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وَقَالَ أبو حنيفة: هي واجبة على الأعيان، وليست فرضًا، لأنَّها صلاة شرعت لها الخطبة، فكانت واجبة على الأعيان، وليست فرضًا كالجمعة.
وَقَالَ ابن أبي موسى: قيل إنَّها سنة مؤكدة غير واجبة. وبه قال مالك، وأكثر أصحاب الشافعي» اهـ.
وقد نقل العلامة النووي الإجماع على عدم وجوبها على الأعيان وليس بصحيح. فقال ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢): «وأجمع المسلمون على أنَّ صلاة العيد مشروعة وعلى أنَّها ليست فرض عين، ونص الشافعي وجمهور الأصحاب على أنَّها سنة. وَقَالَ الأصطخري: فرض كفاية» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٣): «"فرع" في مذاهب العلماء في صلاة العيد.
[ ٥ / ٦٨ ]
قد ذكرنا أنَّها سنة متأكدة عندنا وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود وجماهير العلماء وَقَالَ بعض أصحاب أبي حنيفة فرض كفاية، وعن أحمد روايتان كالمذهبين» اهـ.
قُلْتُ: وممن رجح وجوبها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ١٦١ - ١٦٢) حيث قال ﵀:
«ولهذا رجحنا أنَّ صلاة العيد واجبة على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره وهو أحد أقوال الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد. وقول من قال لا تجب في غاية البعد فإنَّها من أعظم شعائر الإسلام والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة وقد شرع فيها التكبير. وقول من قال هي فرض على الكفاية لا ينضبط فإنَّه لو حضرها في المصر العظيم أربعون رجلًا لم يحصل المقصود وإنَّما يحصل بحضور المسلمين كلهم كما في الجمعة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٤/ ١٨٣ - ١٨٤):
«والقول بوجوبه على الأعيان أقوى من القول بأنه فرض على الكفاية. وأما قول من قال إنه تطوع فهذا ضعيف جدًا؛ فإن هذا مما أمر به النبي ﷺ وداوم عليه هو وخلفاؤه والمسلمون بعده ولم يعرف قط دار إسلام يترك فيها صلاة العيد وهو من أعظم شعائر الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ونحو ذلك من الْأمر بالتكبير في الْعِيْدَيْنِ أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب والزائد بطريق الأولى والأحرى وإذا لم يرخص النبي ﷺ في تركه للنساء فكيف للرجال. ومن قال: هو فرض على الكفاية.
[ ٥ / ٦٩ ]
قيل له: هذا إنَّما يكون فيما تحصل مصلحته بفعل البعض كدفن الميت وقهر العدو وليس يوم العيد مصلحة معينة يقوم بها البعض بل صلاة يوم العيد شرع لها الاجتماع أعظم من الجمعة فإنَّه أمر النساء بشهودها ولم يؤمرن بالجمعة بل أذن لهن فيها وقال: "صلاتكن في بيوتكن خير لكن". ثم هذه المصلحة بأي عدد تحصل؟ فمهما قدر من ذلك كان تحكمًا سواء قيل بواحد أو اثنين أو ثلاثة. وإذا قيل بأربعين فهو قياس على الجمعة وهو فرض على الأعيان فليس لأحد أن يتخلف عن العيد إلَّا لعجزه عنه وإن تخلف عن الجمعة لسفر أو أنوثة. والله أعلم» اهـ.
وممن رجح وجوبها أيضًا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الصَّلَاةِ وَأَحْكَامِ تَارِكِهَا] ص (٤٤):
«وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأنَّ صلاة الجمعة فرض على الكفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين فلم يقل الشافعي هذا قط فإنَّما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد إنَّها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة بل هذا نص من الشافعي أنَّ صلاة العيد واجبة على الأعيان.
وهذا هو الصحيح في الدليل فإنَّ صلاة العيد من أعاظم شعائر الإسلام الظاهرة ولم يكن يتخلف عنها أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا تركها رسول الله ﷺ مرة واحدة ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان بيانًا لعدم وجوبه وترك الوضوء لكل صلاة بيانًا لعدم وجوبه وغير ذلك.
[ ٥ / ٧٠ ]
وأيضًا فإنه ﷾ أمر بالعيد كما أمر بالجمعة فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الآية فأمر النبي ﷺ الصحابة أن يغدوا إلى مصلاهم لصلاة العيد معه إن فات وقتها وثبت الشهر بعد الزوال وأمر النبي ﷺ العواتق وذوات الخدور وذوات الحيض أن يخرجن إلى العبد وتعتزل الحيض المصلي ولم يأمر بذلك في الجمعة. قال شيخنا ابن تيمية: فهذا يدل على أنَّ العيد آكد من الجمعة» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي وجوب صلاة العيد لأدلة دلت على ذلك منها:
الدليل الأول: أنَّ العيد إذا اجتمع مع الجمعة أسقط وجوب الجمعة ولا يسقط الواجب إلَّا ما كان واجبًا.
فقد روى أبو داود (١٠٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
الدليل الثاني: حديث الباب وهو ما رواه البخاري (٣٥١)، ومسلم (٨٩٠) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».
قُلْتُ: وهذا يدل على توكيد أمر الْعِيْدَيْنِ وسبق قول شيخ الإسلام: «فهذا يدل على أن العيد آكد من الجمعة».
[ ٥ / ٧١ ]
الدليل الثالث: قول الله ﷿: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
قال قتادة، وعطاء، وعكرمة: المراد صلاة العيد.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وسبق قول شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ونحو ذلك من الْأمر بالتكبير في الْعِيْدَيْنِ أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب والزائد بطريق الأولى والأحرى» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ الحائض لا تهجر ذكر الله ولا مواطن الخير كمجالس العلم والذكر سوى المساجد قاله الحافظ ابن حجر ﵀.
٣ - وفيه أنَّ من شأن العواتق والمخدرات عدم البروز إلَّا فيما أذن لهن فيه. قاله الحافظ أيضًا.
قُلْتُ: والأصل في المرأة عمومًا أن لا تخرج من بيتها إلَّا لما لا بد منه، والأبكار في ذلك أشد.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب/ ٣٣].
وقد قال الله تعالى في وصف نساء الجنة: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن/ ٧٢].
قال غير واحد من السلف: المحبوسات في الخيام لا يخرجن منها.
قُلْتُ: والخيام هي البيوت.
[ ٥ / ٧٢ ]
وروى أبو داود (٥٧٠) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ، حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
والمخدع هو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الْكَبِيْر يحفظ فيه الْأُمتعة النفيسة، مأخوذ من الْإِخْدَاعِ وهو إخفاء الشيء. وهذا يكون غالبًا بعيدًا عن باب المنزل فالصلاة فيه غاية في التستر. وهذا مما يدل أنَّه ينبغي على المرأة أن تكون في غاية من التستر.
٤ - وفيه توكيد خروج النساء للعيد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٣٩ - ١٤١):
«في خروج النساء إلي الْعِيْدَيْنِ أحاديث كثيرة، قد سبق بعضها، ويأتي بعضها - أيضًا.
وقد اختلف العلماء فيه على أقوال:
أحدها: أنَّه مستحب، وحكي عن طائفة من السلف، منهم علقمة. وروي عن ابن عمر، أنَّه كان يخرج نساءه. وروى عنه، أنه كان يحبسهن. وروى الحارث، عن علي قال: حق على كل ذات نطاق أن تخرج في الْعِيْدَيْنِ. ولم يكن يرخص لهن في شيء من الخروج إلاَّ في الْعِيْدَيْنِ. وهو قول إسحاق وابن حامد من أصحابنا.
وَقَالَ أحمد - في رواية ابن منصور -: لا أحب منعهن إذا أردن الخروج.
[ ٥ / ٧٣ ]
والثاني: أنَّه مباح، غير مستحب ولا مكروه، حكي عن مالك، وقاله طائفة من أصحابنا.
الثالث: أنَّه مكروه بعد النبي ﷺ، وهو قول النخعي ويحيى الأنصاري والثوري وابن المبارك وأحمد - في رواية حرب -، قال: لا يعجبني في زماننا؛ لأنه فتنةٌ واستدل هؤلاء بأن الحال تغير بعد النَّبيّ ﷺ. وقد قالت عائشة: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، وقد سبق.
والرابع: أنَّه يرخص فيه للعجائز دون الشواب، روي عن النخعي - أيضًا - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ونقله حنبل عن أحمد.
وروي عن ابن عباس بإسناد فيه ضعف، أنَّه أفتى بذلك سعيد بن العاص، فأمر مناديه أن لا تخرج يوم العيد شابة، وكل العجائز يخرجن.
الخامس: - قول الشافعي -: يستحب الخروج للعجائز ومن ليست من ذوات الهيئات.
وفسر أصحابه ذوات الهيئات بذوات الحسن والجمال، ومن تميل النفوس إليها، فيكره لهن الخروج؛ لما فيهِ من الفتنة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٧٠ - ٤٧١):
«وفيه استحباب خروج النساء إلى شهود الْعِيْدَيْنِ سواء كنَّ شواب أم لا وذوات هيآت أم لا وقد اختلف فيه السلف ونقل عياض وجوبه عن أبي بكر وعلى وابن عمر والذي وقع لنا عن أبي بكر وعلى ما أخرجه بن أبي شيبة وغيره عنهما فالأحق على كل ذات نطاق الخروج إلى الْعِيْدَيْنِ وقد ورد هذا مرفوعًا
[ ٥ / ٧٤ ]
بإسناد لا بأس به أخرجه أحمد وأبو يعلى وبن المنذر مِنْ طَرِيْقِ امرأة من عبد القيس عن أخت عبد الله بن رواحة به والمرأة لم تسم والأخت اسمها عمرة صحابية وقوله حق يحتمل الوجوب ويحتمل تأكد الاستحباب روى ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عمر أنه كان يخرج إلى الْعِيْدَيْنِ من استطاع من أهله وهذا ليس صريحًا في الوجوب أيضًا بل قد روى عن ابن عمر المنع فيحتمل أن يحمل على حالين ومنهم من حمله على الندب وجزم بذلك الجرجاني من الشافعية وابن حامد من الحنابلة ولكن نص الشافعي في الْأُم يقتضى استثناء ذوات الهيآت قال وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيئة الصلاة وإنا لشهودهن الأعياد أشد استحبابًا وقد سقطت واو العطف من رواية المزني في المختصر فصارت غير ذوات الهيئة صفة للعجائز فمشى على ذلك صاحب النهاية ومن تبعه وفيه ما فيه بل قد روى البيهقي في الْمَعْرِفَة عن الربيع قال قال الشافعي قد روى حديث فيه أن النساء يتركن إلى الْعِيْدَيْنِ فإن كان ثابتًا قلت به قال البيهقي قد ثبت وأخرجه الشيخان يعني حديث أم عطية هذا فيلزم الشافعية القول به ونقله بن الرفعة عن البندنيجي وَقَالَ إنه ظاهر كلام التنبيه وقد ادعى بعضهم النسخ فيه قال الطحاوي وأمره ﵇ بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام والمسلمون قليل فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال قال الكرماني تاريخ الوقت لا يعرف قلت بل هو معروف بدلالة حديث ابن عباس أنه شهده وهو صغير وكان ذلك بعد فتح مكة فلم يتم مراد الطحاوي وقد صرح في حديث أم عطية
[ ٥ / ٧٥ ]
بعلة الحكم وهو شهودهن الخير ودعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته وقد أفتت به أم عطية بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة كما في هذا الحديث ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك وأما قول عائشة لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد فلا يعارض ذلك لندوره إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه مع أن الدلالة منه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر أمر النساء بذلك وجوب ذلك عليهن لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٥٣): «وهذا مما لا يعلم به قائل - أعني: وجوب الخروج على النساء في العيد» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا ما روي عن أبي بكر وعمر من وجوب خروج النساء لصلاة العيد فلم يصح عنهما وإليك بيان ذلك.
روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٨٣٥)، ومن طريقه ابن أبي عاصم في [الآحَادِ وَالْمَثَانِي] (٣٤٢٢) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ».
قُلْتُ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ طَلْحَةَ وَأَبِي بَكْرٍ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٨٣٦)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٠٩٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْعِيدَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ يُرَخِّصُ لَهُنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا إِلَى الْعِيدَيْنِ».
قُلْتُ: فيه الحارث الأعور وهو كذاب كذبه غير واحد من علماء الحديث.
[ ٥ / ٧٦ ]
وأمَّا أثر ابن عمر الذي ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٨٣٧)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٠٩٦) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِهِ». فَهُوَ أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وجاء عنه خلاف ذلك وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٨٤٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يُخْرِجُ نِسَاءَهُ فِي الْعِيدَيْنِ».
قُلْتُ: وقد تابع عبد الله بن جابر عبيد الله بن عبد الله العمري فروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٠٩٧) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ لَا يُخْرِجُ نِسَاءَهُ فِي الْعِيدَيْنِ».
قُلْتُ: وهو عند عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٧٢٤) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ «أَنَّهُ كَانَ لَا يُخْرِجُ نِسَاءَهُ فِي الْعِيدِ». هكذا موقوفًا على نافع. فلعله وقع سقط في مصنف عبد الرزاق.
فأثر ابن عمر كما ترى مختلف فيه. قال الحافظ ابن حجر ﵀ كما سبق: «فيحتمل أن يحمل على حالين».
٥ - وفيه اعتزال الحيض للمصلى.
٦ - واحتج به من قال بتحريم مكث الحائض في المسجد وهو مذهب جمهور العلماء وبيان ذلك أنَّ الحائض لما منعت من المكث في مصلى العيد من أجل صلاة
[ ٥ / ٧٧ ]
نادرة تحصل فيه فمنعها من المكث في المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس من باب أولى وقد سبق القول في هذه المسألة في هذا الكتاب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (١/ ٤٥٠):
«وفيه: أنَّ الحائض لا تقرب المسجد، وتقرب غيره من المواضع التي ليست بمساجد محظرة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٠٥):
«وكذا قولها: "ويعتزل الحيض المصلى" فإنَّه يناسب قوله إنَّ الحائض لا تطوف بالبيت لأنَّها إذا أمرت باعتزال المصلى كان اعتزالها للمسجد بل للمسجد الحرام بل للكعبة من باب الأولى» اهـ.
وقد تأول الحديث الحافظ ابن رجب ﵀ هذا الحديث فقال في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٠٨):
«وأمَّا أمر الحائض باعتزال المصلى، فَقد قيل: بأنَّ مصلى الْعِيْدَيْنِ مسجد، فلا يجوز للحائض المكث فيهِ، وَهوَ ظاهر كلام بعض أصحابنا، مِنهُم: ابن أبي موسى في "شرح الخرقي"، وَهوَ - أيضًا - أحد الوجهين للشافعية، والصحيح عندهم: أنَّهُ ليسَ بمسجد، فللجنب والحائض المكث فيه. وأجابوا عَنْ حديث الْأمر باعتزال الحيض للمصلى: بأنَّ المراد أن يتسع على غيرهن، ويتميزن.
وفي هَذا نظر؛ فإن تميز الحائض عَنْ غيرها مِنْ النساء في مجلس وغيره ليسَ بمشروع، وإنَّما المشروع تميز النساء عَنْ الرجال جملة؛ فإنَّ اختلاطهن بالرجال يخشى منهُ وقوع المفاسد.
[ ٥ / ٧٨ ]
وقد قيل: إنَّ المصلى يكون لَهُ حكم المساجد في يوم الْعِيْدَيْنِ خاصةً، في حال اجتماع الناس فيهِ دونَ غيره مِنْ الأوقات. وفي ذَلِكَ - أيضًا - نظر، والله أعلم.
والأظهر: أنَّ أمر الحيض باعتزال المصلى إنَّما هوَ حال الصلاة؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن، ثُمَّ يختلطن بهن في سماع الخطبة» اهـ.
٧ - أنَّه لا يشرع للنساء أن يصلين العيد في بيوتهن وإنَّما مع جماعة المسلمين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ١٨٠): «وأيضًا فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يشرعها للنساء بل أمرهن أن يخرجن يوم العيد حتى أمر بإخراج الحيض فقالوا له: إن لم يكن للمرأة جلباب قال: "لتلبسها أختها من جلبابها" وهذا توكيد لخروجهن يوم العيد مع أنَّه في الجمعة والجماعة قال: "وبيوتهن خير لهن" وذلك لأنَّه كان يمكنهن أن يصلين في البيوت يوم الجمعة كسائر الأيام فيصلين ظهرًا فلو كانت صلاة العيد مشروعة لهن في البيوت لأغنى ذلك عن توكيد خروجهن. وأيضًا لو كان ذلك جائزًا لفعله النساء على عهده كما كن يصلين التطوعات. فلما لم ينقل أحد أنَّ أحدًا من النساء صلى العيد على عهده في البيت ولا من الرجال بل كن يخرجن بأمره إلى المصلى علم أنَّ ذلك ليس من شرعه» اهـ.
قلت: وهذا هو الصحيح وفي المسألة نزاع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٨١ - ٨٢):
«المسألة الثانية:
صلاة النساء في بيوتهن في المصر، وكذلك المريض ونحوه.
[ ٥ / ٧٩ ]
وهذا مبني على أن صلاة العيد: هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام، أم لا؟
فمن قالَ: لا يشترط ذَلِكَ جوز للمرأة أن تصلي صلاة العيد في بيتها على وجهها، وكذلك المريض، بل يجيز ذَلِكَ لكل من تخلف في بيته، أن يصلي كما يصلي الإمام، ولا سيما إن كانَ يقول مع ذَلِكَ أن صلاة العيدين سنة، كما يقوله الشافعي وغيره.
وقال الحسن - في المسافر يدركه الأضحى -: فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين، ويضحي إن شاء.
وأمَّا من يشترط لها العدد وإذن الإمام، فلا يرى لمن تخلف في بيته أن يصلي صلاة العيد على وجهها، بل يصلي ركعتين بغير تكبير -أو أربعًا -، على ما سبق.
قال الثوري وإسحاق -في النساء -: يصلين في بيوتهن أربعًا.
وعند أبي حنيفة وأصحابه: لا تقضي بحال، كما تقدم» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِي ﵀ فِي [الْأُمِّ] (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥):
«وَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْعِيدَيْنِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلَّى الْعِيدَانِ وَالْكُسُوفُ بِالْبَادِيَةِ الَّتِي لَا جُمُعَةَ فِيهَا، وَتُصَلِّيهَا الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا، وَالْعَبْدُ فِي مَكَانِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِحَالَةِ فَرْضٍ، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَهَا» اهـ.
وَجَاءَ فِي [الْتَّهْذِيْبِ فِي اخْتِصَارِ الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٣٢٥):
«ويصليها أهل الحضر والقرى والمسافرون ويجمعون، إلا أن يعجل بالمسافرين السير، ويصليها المسافر وحده. وتصليها المرأة في بيتها، ولا بأس أن تخرج المتجالة إليها» اهـ.
[ ٥ / ٨٠ ]
٨ - وفيه أنَّ التكبير في العيد يكون جهرًا ولولا إظهاره من الرجال لما كبر النساء خلفهم بتكبيرهم.
٩ - واحتج به من قال بالتكبير الجماعي في العيد.
وفي الباب ما رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٦١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁ «كَانَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ السُّوقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا وَاحِدًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وأبو عبد الله الحافظ هو الحاكم صاحب الْمُسْتَدْرَكِ، وأبو بكر بن إسحاق هو أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي.
١٠ - وفيه أنَّ التكبير لا ينقطع بالوصول إلى المصلى.
١١ - وفيه استحباب الْدُعَاء في مصلى العيد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٣٤):
«وفيه - أيضًا -: ما يدل على أنَّ إظهار الْدُعَاء مشروع في ذلك اليوم، ولعل إظهار الْدُعَاء حيث كان النبي ﷺ يدعو في خطبته، ويؤمن الناس على دعائه» اهـ.
١٢ - وفيه أنَّ صلاة العيد في المصلى هي السنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٣٠):
[ ٥ / ٨١ ]
«مسألة: قال: "ثم غدوا إلى المصلى، مظهرين للتكبير" السنة أن يصلي العيد في المصلى، أمر بذلك علي ﵁. واستحسنه الأوزاعي، وأصحاب الرأي. وهو قول ابن المنذر.
وحكي عن الشافعي: إن كان مسجد البلد واسعًا، فالصلاة فيه أولى؛ لأنَّه خير البقاع وأطهرها، ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام.
ولنا، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل، ولأننا قد أمرنا باتباع النبي ﷺ والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، والمنهي عنه هو الكامل، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه صلى العيد بمسجده إلاَّ من عذر، ولأن هذا إجماع المسلمين. فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى، فيصلون العيد في المصلى، مع سعة المسجد وضيقه، وكان النبي ﷺ يصلي في المصلى مع شرف مسجده، وصلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد مع شرفه» اهـ.
١٣ - أنَّ يوم العيد من الأيام المباركة، وأنَّه ينال الإنسان بركة ذلك اليوم بصلاة العيد لمن كان من أهلها أو بشهود ذلك لمن كان معذورًا في عدم فعلها كالحائض.
* * *
[ ٥ / ٨٢ ]
فصل: في ذكر أحكام متنوعة في العيد.
١ - استحباب الاغتسال للعيد.
روى ابن ماجه (١٣١٥) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ جبارة كذاب، وحجاج شديد الضعف.
وروى ابن ماجه (١٣١٦) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَدِّهِ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ».
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيْثُ أَيْضًا شَدِيْدُ الْضَّعْفِ يوسف بن خالد بن عمير السمتي من جملة الكذابين، وعبد الرحمن بن عقبة مجهول.
وروى البزار في [مُسْنَدِه] (٣٨٨٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: نَا مِنْدَلٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ لِلْعِيدَيْنِ، وَجَاءَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَرَجَعَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ مندل هو ابن علي ضعيف الحديث، ومحمد بن عبيد الله هو ابن أبي رافع متروك الحديث.
قُلْتُ: ويغني عن ذلك الآثار عن الصحابة.
[ ٥ / ٨٣ ]
فروى الشافعي كما في [الْمُسْنَد] (١١٤)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٠٨١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٩١٩)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٣١٢٦)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٧٢٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ عَنِ الْغُسْلِ، قَالَ: «اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ». فَقَالَ: لَا، الْغُسْلُ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ، قَالَ: «يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَيَوْمَ الْفِطْرِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤٢٦)، ومن طريقه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٧٥٣) عَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء ما يخالف ذلك فروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٢٠٨٤) ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٥٧٥٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ اغْتَسَلَ لِلْعِيدِ قَطُّ، كَانَ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، ثُمَّ يَغْدُو مِنْهُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَلَا يَأْتِي مَنْزِلَهُ».
قُلْتُ: حديث مالك عندي أصح، ولعل الوهم جاء من معمر، والله أعلم.
وقد تابع مالكًا في ذلك موسى بن عقبة كما روى ذلك عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٧٥٢)، والفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (١٦).
وعبيد الله بن عمر العمري كما عند الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (١٤).
قُلْتُ: وقد استحب الغسل للعيد جماهير العلماء.
[ ٥ / ٨٤ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٦٨):
«ومما يتصل بذلك: الغسل للعيدين، وقد نص أحمد على استحبابه. وحكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٢٨):
«فصل: ووقت الغسل بعد طلوع الفجر في ظاهر كلام الخرقي، لقوله: "فإذا أصبحوا تطهروا".
قال القاضي، والْآمدي: إن اغتسل قبل الفجر لم يصب سنة الاغتسال؛ لأنه غسل الصلاة في اليوم فلم يجز قبل الفجر كغسل الجمعة.
وَقَالَ ابن عقيل: المنصوص عن أحمد أنه قبل الفجر وبعده؛ لأن زمن العيد أضيق من وقت الجمعة، فلو وقف على الفجر ربما فات، ولأن المقصود منه التنظيف، وذلك يحصل بالغسل في الليل لقربه من الصلاة، والأفضل أن يكون بعد الفجر، ليخرج من الخلاف، ويكون أبلغ في النظافة، لقربه من الصلاة» اهـ.
٢ - ويستحب لبس أحسن الثياب في يوم العيد.
لما رواه البخاري (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٦٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالوُفُودِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هَذِهِ
[ ٥ / ٨٥ ]
لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّكَ قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الجُبَّةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٧٢):
«ولا خلاف بين العلماء - فيما نعلمه - في استحباب لبس الثياب أجود الثياب لشهود الجمعة والأعياد» اهـ.
٣ - ويستحب أن لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات.
لما رواه البخاري (٩٥٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ».
وأمَّا في عيد الأضحى فقد روى أحمد (٢٣٠٩٢)، والترمذي (٥٤٢)، وابن ماجه (١٧٥٦) مِنْ طَرِيْقِ ثَوَابِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ وثواب متنازع فيه والذي يظهر لي أنَّه حسن الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَطَّانِ ﵀ في [بَيَانِ الْوَهْمِ والْإِيْهَامِ] (٥/ ٣٥٦):
«وعندي أنَّه صحيح؛ لأنَّ ثواب بن عتبة المهري، ثقة، وثقة ابن معين، رواه عنه عباس، وإسحاق بن منصور» اهـ.
قُلْتُ: وقد تابع ثوابًا عقبة بن عبد الله الرفاعي أخرج حديثه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٦٥).
قُلْتُ: وعقبة هذا ضعيف الحديث.
وجاء الحديث أيضًا عن جابر بن سمرة.
[ ٥ / ٨٦ ]
فروى البزار في [مُسْنَدِه] (٤٢٧٣) حَدَّثنا أحمد بن منصور، قَال: حَدَّثنا عَبد اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعِجْلِيُّ، قَال: حَدَّثنا نَاصِحٌ أَبُو عَبد اللَّهِ، عَنْ سِمَاك عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرة، ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَكَلَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ سبع تمرات، وإذا كان يوم الضحى لَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا حَتَّى يَرْجِعَ».
قُلْتُ: ناصح منكر الحديث لا يستشهد بحديثه.
٤ - ويستحب المبادرة في الذهاب لصلاة العيد إلَّا الْإِمَام فالأفضل في حقه التأخر إلى وقت الصلاة.
قُلْتُ: وذلك لعموم أدلة المسارعة إلى الطاعات كقوله ﷾: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران/ ١٣٣].
وقول الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد/ ٢١] وغيرها من الآيات.
وأمَّا الْإِمَام فقد جاء فيه ما رواه البخاري (٩٥٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ …». الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٣٢):
[ ٥ / ٨٧ ]
«فصل: يستحب التبكير إلى العيد بعد صلاة الصبح إلا الْإِمَام فإنه يتأخر إلى وقت الصلاة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل كذلك.
قال أبو سعيد: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة". رواه مسلم.
ولأن الْإِمَام ينتظر ولا ينتظر، ولو جاء إلى المصلى وقعد في مكان مستتر عن الناس، فلا بأس.
قال مالك: مضت السنة أن يخرج الْإِمَام من منزله قدر ما يبلغ مصلاه، وقد حلت الصلاة، فأما غيره فيستحب له التبكير، والدنو من الْأُمام. ليحصل له أجر التبكير، وانتظار الصلاة والدنو من الْإِمَام من غير تخطي رقاب الناس، ولا أذى أحد.
قال عطاء بن السائب: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل يصليان الفجر يوم العيد، وعليهما ثيابهما، ثم يتدافعان إلى الجبانة، أحدهما يكبر، والآخر يهلل وروي عن ابن عمر: أنه كان لا يخرج حتى تخرج الشمس» اهـ.
٥ - ويستحب الذهاب إلى العيد ماشيًا.
وفي ذلك أحاديث منها:
ما رواه ابن ماجه (١٢٩٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن سعد شديد الضعف قال فيه الْإِمَام البخاري: "فيه نظر" وهذا جرح شديد من البخاري، وَقَالَ فيه ابن معين: "ضعيف" وهذا جرح شديد
[ ٥ / ٨٨ ]
من ابن معين فقد روى الخطيب ﵀ في [الْكِفَايَةِ] ص (٢٢) بإسناده إلى أحمد بن أبي خيثمة قال: «قلت ليحيى بن معين: إنَّك تقول: فلان ليس به بأس وفلان ضعيف.
قال: إذا قُلْتُ: ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت لك هو ضعيف فليس بثقة ولا يكتب حديثه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا يدل على أن ابن معين يستعمل كلمة "ضعيف" في الضعف الشديد.
وآباؤه لم يعدلهم معتبر فهم في حيز الجهالة عدا سعد القرظ فهو صحابي معروف.
ومنها: ما رواه ابن ماجه (١٢٩٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا».
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيْثُ أَيْضًا شَدِيْدُ الْضَّعْفِ عبد الرحمن بن عبد الله العمري متروك الحديث، وأبوه ضعيف الحديث.
ومنها: ما رواه الترمذي (٥٣٠)، وابن ماجه (١٢٩٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا، وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ».
قُلْتُ: فيه الحارث الأعور وهو كذاب كذبه غير واحد من علماء الحديث.
[ ٥ / ٨٩ ]
ومنها: ما رواه ابن ماجه (١٢٩٧، ١٣٠٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْدَلٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي الْعِيدَ مَاشِيًا».
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيْثُ أَيْضًا شَدِيْدُ الْضَّعْفِ مندل ضعيف الحديث، ومحمد بن عبيد الله بن أبي رافع متروك الحديث.
ومنها: ما رواه البزار في [مُسْنَدِه] (١١١٥) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاكِسَّائِي، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: نا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ إِلْيَاسَ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ: كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَيَرْجِعُ مَاشِيًا فِي طَرِيقٍ غَيْرَ الطَّرِيقِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ».
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيْثُ أَيْضًا شَدِيْدُ الْضَّعْفِ خالد بن إلياس متروك الحديث.
ومنها: قول الشافعي ﵀ في [الْأُم] (١/ ٢٣٣)، ومن طريقه رواه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٩٠٢):
بَلَغَنَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ: «مَا رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ قَطُّ».
قُلْتُ: وهذا مما لا يعتمد عليه فلم يذكر الشافعي من حدثه عن الزهري، ولم يصله الزهري أيضًا.
ورواه الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (٢٥) ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحِمْصِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرْكَبْ فِي جَنَازَةٍ قَطُّ، وَلَا فِي خُرُوجِ أَضْحَى وَلَا فِطْرٍ».
[ ٥ / ٩٠ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الزهري، والزبيدي هو محمد بن الوليد.
وروى الفريابي في [أَحْكَامِ الْعِيْدَيْنِ] (١٧) نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: «سُنَّةُ الْفِطْرِ ثَلَاثٌ: الْمَشْيُ إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْأَكْلُ قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَالِاغْتِسَالُ».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى ابن المسيب. واحتمال الرفع فيه وارد.
وفي الباب آثار عن بعض الصحابة.
منها: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (٥٦٥٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: «خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي يَوْمِ فِطْرٍ، أَوْ فِي يَوْمِ أَضْحَى خَرَجَ فِي ثَوْبِ قُطْنٍ مُتَلَبِّبًا بِهِ يَمْشِي».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. وعبد الرحيم هو ابن سليمان، وعاصم هو ابن بهدلة، وزر هو ابن حبيش.
والذي يظهر لي ثبوت هذه السنة بمرسل الزهري، وأثر ابن المسيب، وأثر عمر بن الخطاب ﵁.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٣٣):
«فصل: ويستحب أن يخرج إلى العيد ماشيًا، وعليه السكينة والوقار، كما ذكرنا في الجمعة.
وممن استحب المشي عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري والشافعي، وغيرهم» اهـ.
٦ - وتستحب مخالفة الطريق في الذهاب والإياب.
[ ٥ / ٩١ ]
لما رواه البخاري (٩٨٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ».
قُلْتُ: وقد اختلف في صحابي الحديث هل هو أبو هريرة أو جابر بن عبد الله ولا يضر مثل ذلك في ثبوت الحديث. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٧٤):
«والذي يغلب على الظن أنَّ الاختلاف فيه من فليح فلعل شيخه سمعه من جابر ومن أبي هريرة ويقوى ذلك اختلاف اللفظين وقد رجح البخاري أنه عن جابر وخالفه أبو مسعود والبيهقي فرجحا أنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ولم يظهر لي في ذلك ترجيح والله أعلم» اهـ.
وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمر.
رواه أبو داود (١١٥٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ، ثُمَّ رَجَعَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ».
ورواه ابن ماجه (١٢٩٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ، وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قُلْتُ: العمري ضعيف والصحيح فيه الوقف.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٦٥ - ١٦٦):
[ ٥ / ٩٢ ]
«وقد استغربه الْإِمَام أحمد، وقال: لم أسمع هذا قط. وَقَالَ - أيضًا -: العمري يرفعه، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه. يعني: يقفانه على ابن عمر من فعله.
قيل له: قد رواه عبيد الله - يعني: أخا العمري، عن نافع، عن ابن عمر؟ فأنكره، وقال: من رواه؟
قيل له: عبد العزيز بن محمد - يعني: الدراوردي. قال: عبد العزيز يروي مناكير.
وَقَالَ البرقاني: سألت الْدَارَقُطْنِي: هل رواه عن نافع غير العمري؟ قال: من وجه يثبت، لا. ثم قال: روي عن مالك، عن نافع، ولكن لا يثبت. انتهى.
والصحيح عن مالك وغيره: وقفه دون رفعه. وكذا رواه وكيع عن العمري - موقوفًا.
وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد. وألحق الجمعة بالعيد في ذلك. ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره.
وفي "سنن أبي داود" حديث، فيه: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يفعلون ذلك في زمانه.
وتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يسحب مخالفة الطريق، وكثر قولهم في ذلك، وأكثره ليس بقوي» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٥٧):
[ ٥ / ٩٣ ]
«وَقَالَ بعض أهل العلم: إنما فعل هذا قصدا لسلوك الأبعد في الذهاب ليكثر ثوابه وخطواته إلى الصلاة ويعود في الأقرب لأنه أسهل وهو راجع إلى منزله.
وقيل: كان يحب أن يشهد له الطريقان.
وقيل: كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم، وسرورهم برؤيته، وينتفعون بمسألته.
وقيل: لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من الفقراء.
وقيل: لتبرك الطريقين بوطئه عليهما.
وفي الجملة الاقتداء به سنة؛ لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من أجله، ولأنه قد يفعل الشيء لمعنى ويبقى في حق غيره سنة، مع زوال المعنى، كالرمل والاضطباع في طواف القدوم، فعله هو وأصحابه لإظهار الجلد للكفار، وبقي سنة بعد زوالهم.
ولهذا روي عن عمر ﵁ أنه قال: فيم الرملان الآن، ولمن نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ ثم قال مع ذلك: لا ندع شيئا فعلناه مع رسول الله ﷺ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤٤٩):
«فقيل: ليسلم على أهل الطريقين، وقيل: لينال بركته الفريقان، وقيل: ليقضي حاجة من له حاجة منهما، وقيل: ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق، وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله، وقيام شعائره، وقيل: لتكثر شهادة البقاع، فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطوتيه ترفع درجة،
[ ٥ / ٩٤ ]
والأخرى تحط خطيئة حتى يرجع إلى منزله، وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها» اهـ.
٧ - وليس للعيد سنة قبلية ولا بعدية.
فقد روى البخاري (٩٦٤)، ومسلم (٨٨٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ تُلْقِي المَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا».
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (١١٢٤٢، ١١٣٧٣)، وابن ماجه (١٢٩٣) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
فلا يثبت فابن عقيل الصحيح فيه الضعف.
قُلْتُ: وهذا لفظ ابن ماجه، وأمَّا لفظ أحمد: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
٨ - ويستحب أن يقرأ فيهما بسورتي الأعلى، والغاشية، أو القمر وق.
لما رواه مسلم (٨٧٨) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، قَالَ: «وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ».
[ ٥ / ٩٥ ]
وروى مسلم (٨٩١) عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَأَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: عَمَّا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؟ فَقُلْتُ: «بِاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، وَق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ».
٩ - ويستحب رفع اليدين في تكبيرات العيد.
لما رواه أبو داود (٧٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَهُمَا كَذَلِكَ فَيَرْكَعُ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبَهُ رَفَعَهُمَا حَتَّى تَكُونَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ وَيَرْفَعُهُمَا فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاتُهُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. من أجل بقية وهو متابع
ورواه أحمد (٦١٧٥) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى إِذَا كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كَبَّرَ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، كَبَّرَ وَهُمَا كَذَلِكَ، رَكَعَ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبَهُ رَفَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ، وَيَرْفَعُهُمَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاتُهُ.
قُلْتُ: وبهذا يكون الحديث صحيحًا لغيره.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٦/ ٤٧١):
[ ٥ / ٩٦ ]
«وممن رأى أن يرفع يديه في كل تكبيرة من تكبيرات العيد عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد. وفيه قول سواه: وهو أن يرفع يديه في أول تكبيرة هذا قول سفيان الثوري وَقَالَ مالك: ليس في ذلك سنة لازمة فمن شاء رفع يديه فيها كلها وفي الأولى أحب إلي. وفي كتاب محمد بن الحسن: إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم يكبر ثلاثا فيرفع يديه ثم يكبر الخامسة ولا يرفع يديه، فإذا قام في الثانية فقرأ كبر ثلاث تكبيرات ويرفع يديه ثم يكبر الرابعة للركوع ولا يرفع يديه.
قال أبو بكر: سن رسول الله ﷺ أن يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكل ذلك تكبير في حال القيام، فكل من كبر في حال القيام رفع يديه استدلالًا بالسنة» اهـ.
١٠ - ويستحب التكبير في الْعِيْدَيْنِ.
قُلْتُ: وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في زمن التكبير على أقوال:
فمنهم من قال: من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق.
فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١١١٣)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٦٩) حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا هَنَّادٌ، ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ غَدَاةَ عَرَفَةَ، ثُمَّ لَا يَقْطَعُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْعَصْرِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ٩٧ ]
وروى الحاكم في [المستدرك] (١١١٤)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٧٠، ٦٠٧١) فقال: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ثنا الْحَكَمُ بْنُ فَرُّوخٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ «يُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ». وقال البيهقي: وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَازِمٍ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الْقَيْسِيُّ بِطُوسَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ يَعْنِي اللَّبَقِيَّ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثنا أَبُو يَعْقُوبَ الْخُرَاسَانِيُّ يَعْنِي إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنِ الْحَكَمِ، فَذَكَرَهُ بِمِثْلِهِ وَزَادَ: «يُكَبِّرُ فِي الْعَصْرِ وَيَقْطَعُ فِي الْمَغْرِبِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء في ذلك حديث مرفوع ولا يصح.
فروى الْدَارَقُطْنِي (١٧٣٣) واللفظ له، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٧٢) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، «أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] فِي فَاتِحَةِ الْقُرْآنِ، وَيَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ، وَيُكَبِّرُ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ غَدَاةَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَوْمَ دَفْعَةِ النَّاسِ الْعُظْمَى».
ومنهم من ذهب إلى أنَّ التكبير يكون من فجر يوم عرفة إلى ظهر آخر أيام التشريق.
.
[ ٥ / ٩٨ ]
فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١١١٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٠٦٧) فَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ».
قال الحافظ البيهقي ﵀: كَذَا رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَطَاءٍ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يُنْكِرُهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَاكَرْتُ بِهِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: هَذَا وَهْمٌ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَإِنَّمَا الْإِسْنَادُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى. قَالَ الشَّيْخُ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ عَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الْحَجَّاجُ لَمَا اسْتجَازَ لِنَفْسِهِ خِلَافَ عُمَرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَهُوَ مُرْسَلٌ اهـ.
قُلْتُ: ولا يثبت هذا عن عمر فحجاج ممن لا يعتمد على حديثه.
* * *
[ ٥ / ٩٩ ]