٢٣٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيُّ ﵁ مِنْ الْيَمَنِ. فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرِ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ: أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى مِنىً وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ. وَحَاضَتْ عَائِشَةُ. فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ».
قُلْتُ: قد كان الهدي مع غير طلحة بن عبيد الله فروى مسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟». فَقُلْتُ: وَاللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ:
[ ٧ / ٤٣٥ ]
«مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً». فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارَةِ … الحديث.
وفي رواية للبخاري (١٧٨٨)، ومسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا سَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَا». وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً … الحديث.
قُلْتُ: وهذا محمول على أنَّ كلًا منهما أخبر بما يعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب حج التمتع.
٢ - استحباب فسخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهدي، وقد مضت هذه المسألة.
٣ - جواز تعليق الإهلال على إهلال الغير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٩٥): «فصل: ويصح إبهام الإحرام، وهو أن يحرم بما أحرم به فلان» اهـ.
[ ٧ / ٤٣٦ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤١٦ - ٤١٧):
«وأمَّا مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم لما شاء لكونه ﷺ لم ينه عن ذلك وهذا قول الجمهور وعن المالكية لا يصح الإحرام على الإبهام وهو قول الكوفيين» اهـ.
٤ - وفيه أنَّه لا يتعين للإحرام لفظ معين.
٥ - استحباب سوق الهدي من الحل.
قُلْتُ: واختلف العلماء في الهدي، هل يشترط فيه أن يساق من الحل، والصحيح عدم اشتراط ذلك لعدم الدليل فيه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٣٧):
«وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنَّه هدي سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم ويسمى أيضًا أضحية بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل فإنَّه أضحية وليس بهدي. وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي كما في سائر الأمصار. فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأمَّا إذا اشترى الهدي من منى وذبحه فيها ففيه نزاع: فذهب مالك أنَّه ليس بهدي وهو منقول عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومذهب الثلاثة أنَّه هدي وهو منقول عَنْ عَائِشَةَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ١٧٥ - ١٧٦):
[ ٧ / ٤٣٧ ]
«ومعلوم أنَّ مذهب مالك: أنَّه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى، إلَّا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة، ولا بد عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم لزمه إخراجه إلى الحل والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه، وإنَّما قلنا: إنَّ الظاهر لنا في هذه المسألة عدم اشتراط جمع الهدي، بين الحل والحرم؛ لثلاثة أمور.
الأول: أنَّه لم يرد نص بذلك يجب الرجوع إليه.
الثاني: أنَّ المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم.
الثالث: أنَّه قول أكثر أهل العلم. وقال جماعة من أهل العلم: يستحب أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلًا بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي اهـ.
وهذا هو الظاهر، واحتج من قال: بأنَّه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم، بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يهد هديًا إلَّا جامعًا بين الحل والحرم؛ لأنَّه يساق من الحل إلى الحرم، وأنَّ ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أنَّ ابن عمر اشترى هديه من الطريق، ونحو ذلك من الأدلة، ولا شك أنَّ سوق الهدي من الحل إلى الحرم
[ ٧ / ٤٣٨ ]
أفضل، ولا يقل عن درجة الاستحباب، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم. أمَّا كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنَّه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه يقتضي ذلك؛ لأنَّ الذي دل عليه الشرع أنَّ المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم من بهيمة الأنعام في مكان معين في زمن معين، والغرض المقصود شرعًا حاصل، ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم، وجمع هديه ﷺ بين الحل والحرم محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحض لقصد التشريع؛ لأنَّ تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده، ولأنَّ الإبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك، والله جل وعلا أعلم. فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي؛ لأنَّه لم يتضمن مصلحة كما ترى، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
٦ - أنَّ من ساق الهدي فليس له أن يتحلل قبل يوم النحر.
٧ - أنَّ الحائض لا تجوز لها أن تطوف بالبيت.
٨ - وفيه أنَّه لا تشترط الطهارة في سائر أفعال الحج غير الطواف بالبيت.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٢٤):
«وهذا كله متفق عليه بين العلماء إلَّا خلافًا شاذًا في الذكر، وقد ذكرناه فيما سبق في "أبواب الوضوء"، وإلَّا السعي بين الصفا والمروة؛ فإنَّ للعلماء فيهِ اختلافًا: هل يفعل معَ الحيض، أم لا؟
[ ٧ / ٤٣٩ ]
والجمهور: على جوازه معَ الحيض، ومنع منهُ طائفة من السلف؛ لكن مِنهُم مِنْ علل ذَلِكَ بمنع تقدم السعي للطواف، فلو كانت طافت ثُمَّ حاضت لزال المنع حينئذ على هَذا التعليل، وحكي المنع رواية عَنْ أحمد، وحكي عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
ومنع إسحاق الجنب مِنْ السعي دونَ الحائض؛ لأنَّ الجنب لا عذر لَهُ في تأخير الغسل؛ بخلاف الحائض» اهـ.
٩ - مشروعية عمرة المكي.
قُلْتُ: لكن تركها والاشتغال بالطواف أحسن لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا عن أحد من صحابته في زمنه غير عائشة في هذه المرة المذكورة في الحديث دون غيرها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٤٥):
«ولهذا كان أصح الوجهين لأصحابنا وهو المنصوص عن أحمد أنَّه لا يستحب الإكثار من العمرة لا من مكة ولا غيرها بل يجعل بين العمرتين مدة ولو أنَّه مقدار ما ينبت فيه شعره ويمكنه الحلاق وهذا لمن يخرج إلى ميقات بلده ويعتمر. وأمَّا المقيم بمكة فكثرة الطواف بالبيت أفضل له من العمرة المكية كما كان الصحابة يفعلون إذا كانوا مقيمين بمكة كانوا يستكثرون من الطواف ولا يعتمرون عمرة مكية» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٤٨):
[ ٧ / ٤٤٠ ]
«أمَّا من كان بمكة من مستوطن ومجاور وقادم وغيرهم فإنَّ طوافه بالبيت أفضل له من العمرة وسواء خرج في ذلك إلى أدنى الحل وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد التي تسمى "مساجد عائشة" أو أقصى الحل من أي جوانب الحرم سواء كان من جهة "الجعرانة" أو "الحديبية" أو غير ذلك وهذا المتفق عليه بين سلف الأمة وما أعلم فيه مخالفًا من أئمة الإسلام في العمرة المكية» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣):
«فالمقصود الأكبر من العمرة هو الطواف وذلك يمكن أهل مكة بلا خروج من الحرم فلا حاجة إلى الخروج منه، ولأنَّ الطواف والعكوف هو المقصود بالقادم إلى مكة وأهل مكة متمكنون من ذلك ومن كان متمكنًا من المقصود بلا وسيلة لم يؤمر أن يترك المقصود ويشتغل بالوسيلة. وأيضًا فمن المعلوم أنَّ مشي الماشي حول البيت طائفًا هو العبادة المقصودة وأنَّ مشيه من الحل هو وسيلة إلى ذلك وطريق فمن ترك المشي من هذا المقصود الذي هو العبادة واشتغل بالوسيلة فهو ضال جاهل بحقيقة الدين وهو أشر من جهل من كان مجاورًا للمسجد يوم الجمعة يمكنه التبكير إلى المسجد والصلاة فيه فذهب إلى مكان بعيد ليقصد المسجد منه وفوت على نفسه ما يمكن فعله في المسجد من الصلاة المقصودة. يبين ذلك أنَّ الاعتمار افتعال: من عمر يعمر والاسم فيه "العمرة" قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ
[ ٧ / ٤٤١ ]
الْحَرَامِ﴾. وعمارة المساجد إنَّما هي بالعبادة فيها وقصدها لذلك كما قال النبي ﷺ: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان". لأن الله يقول: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ﴾. والمقيم بالبيت أحق بمعنى العمارة من القاصد له ولهذا قيل: العمرة هي الزيارة لأنَّ المعتمر لا بد أن يدخل من الحل وذلك هو الزيارة. وأمَّا الأولى فيقال لها عمارة ولفظ عمارة أحسن من لفظ عمرة وزيادة اللفظ يكون لزيادة المعنى. ولهذا ثبت في الصحيح أنَّ بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: لا أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلَّا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلَّا أن أسقي الحجيج، فقال علي: الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتم. فقال عمر: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ فإذا قضيت الجمعة إن شاء الله دخلت عليه فسألته فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وإذا كان كذلك فالمقيم في البيت طائفًا فيه وعامرًا له بالعبادة قد أتى بما هو أكمل من معنى المعتمر وأتى بالمقصود بالعمرة فلا يستحب له ترك ذلك بخروجه عن عمارة المسجد ليصير بعد ذلك عامرًا له؛ لأنَّه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير» اهـ.
[ ٧ / ٤٤٢ ]
قُلْتُ: والعمرة المكية هي التي يخرج لها من يريد العمرة إلى الحل، أمَّا إن خرج إلى الميقات، أو إلى بلده فليست عمرته بعمرة مكية، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٤٩):
«وأمَّا العمرة من الميقات: بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه أو يرجع إلى بلده ثم ينشئ السفر منه للعمرة فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة وليس الكلام هنا فيها. وهذه فيها نزاع: هل المقام بمكة أفضل منها؟ أم الرجوع إلى بلده أو الميقات أفضل؟ وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من الميقات. وإنَّما النزاع في أنَّه هل يكره للمكي الخروج للاعتمار من الحل أم لا؟ وهل يكره أن يعتمر من تشرع له العمرة كالأفقي في العام أكثر من عمرة أم لا؟ وهل يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟. فأمَّا كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة فهذا مما لا يستريب فيه من كان عالمًا بسنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه وآثار الصحابة وسلف الأمة وأئمتها وذلك أنَّ الطواف بالبيت من أفضل العبادات والقربات التي شرعها الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ وهو من أعظم عبادة أهل مكة أعني من كان بمكة مستوطنًا أو غير مستوطن ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمصار» اهـ.
[ ٧ / ٤٤٣ ]
١٠ - أنَّ الإهلال بالعمرة يكون من الحل، ولا يكون من الحرم، والتنعيم أقرب الحل إلى البيت، فإنَّه لا بد في النسك من الجمع بين الحل والحرم.
١١ - واحتج بقوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ». من قال: إنَّ التمتع أفضل من القران، حتى وإن ساق القارن معه الهدي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٩٠ - ٩٢) «فإن قيل: أيَّما أفضل أن يسوق الهدي ويقرن أو أن يتمتع بلا سوق هدي ويحل من إحرامه؟. قيل: هذا موضع الاجتهاد فإنَّه قد تعارض دليلان شرعيان:
أحدهما: أنَّه قرن وساق الهدي في حجة الوداع ولم يكن الله ليختار لنبيه المفضول دون الأفضل فإنَّ خير الهدي هدي محمد ﷺ.
والثاني: أنَّ قوله هذا يقتضي أنَّه لو كان ذلك الحال هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي بقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" فالذي استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه. والذي يستقبله هو الذي لم يفعله بعد بل هو أمامه فتبين أنَّه لو كان مستقبلًا لما استدبره من أمره - وهو الإحرام - لأحرم بالعمرة دون هدي وهو لا يختار أن ينتقل من الأفضل إلى المفضول بل إنَّما يختار الأفضل. وذلك يدل على أنَّه تبين له حينئذ أنَّ التمتع بلا هدي أفضل له.
ولكن من نصر الأول يجيب عن هذا بأنَّه لم يقل هذا لأجل أنَّ الذي فعله مفضول بل لأنَّ أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه محرمًا فكان يختار
[ ٧ / ٤٤٤ ]
موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به عن انشراح وموافقة. وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب كما قال لعائشة: "لولا أنَّ قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين" فهنا ترك ما هو الأولى؛ لأجل الموافقة والتأليف الذي هو الأدنى من هذا الأولى، فكذلك اختار المتعة بلا هدي. وعلى هذا التقدير فيكون الله قد جمع له بين أن فعل الأفضل وبين أن أعطاه بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل فاجتمع له الأجران، وهذا هو اللائق بحاله ﷺ يبين ذلك: أنَّ سوق الهدي أفضل من ترك سوقه وقد ساق مائة بدنة فكيف يكون ترك ذلك أفضل في نفسه بمجرد التحلل والإحرام.
ثانيًا: وسوق الهدي فيه من تعظيم شعائر الله ما ليس في تكرر التحلل والتحريم. يبين ذلك أنَّ المتمتع إذا ساق الهدي فينبغي أن يكون أفضل من جميع من لم يسق، والقارن الذي ساق الهدي أفضل منهما. وأيضًا فإنَّ القارن والمتمتع عليه هدي ومعلوم أنَّ الهدي الذي يسوقه من الحل أفضل باتفاق المسلمين مما يشتريه من الحرم، بل في أحد قولي العلماء لا يكون هديًا إلَّا بما أهدي من الحل إلى الحرم. وحينئذ فسوقه من الميقات أفضل من سوقه من أدنى الحل فكيف يجعل الهدي الذي لم يسق أفضل مما سيق فهذا وغيره مما يبين أنَّ سوق الهدي مع التمتع والقران أفضل من تمتع لا سوق فيه» اهـ.
[ ٧ / ٤٤٥ ]
قُلْتُ: وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٧٢٦):
«قريب من هذا قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها متعة". ليس فيها ندامة على أفضل مما أتى به من النسك فإنَّ الله لم يكن ليختار له إلَّا أفضل الأنساك وأعلاها ولكن كان لمحبة تآلف قلوب أصحابه وموافقتهم وتطييب نفوسهم بأن يفعل كما فعلوا ود لو أنَّه ممن أحل، ولكن منعة سوق الهدي، وعلى هذا فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتآلف قلوبهم بنيته ومناه فجمع له بين الأمرين، وهذا هو اللائق به صلوات الله تعالى وسلامة عليه» اهـ.
١٢ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حج قارنًا.
١٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٢٧):
«فيه دليل على استعمال المبالغة في الكلام فإنَّهم إذا حلوا من العمرة وواقعوا النساء كان إحرامهم للحج قريبًا من زمن المواقعة والإنزال فحصلت المبالغة في قرب الزمان بأن قيل وذكر أحدنا يقطر وكأنَّه إشارة إلى اعتبار المعنى في الحج وهو الشعث وعدم الترفه فإذا طال الزمن في الإحرام حصل هذا المقصود وإذا قرب زمن الإحرام من زمن التحلل ضعف هذا المقصود أو عدم وكأنَّهم استنكروا زوال هذا المقصود أو ضعفه لقرب إحرامهم من تحللهم» اهـ.
[ ٧ / ٤٤٦ ]
١٤ - قوله في الحديث: «فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا». يدل على أنَّها سعت بين الصفا والمروة قبل الطواف، لكن هذا الظاهر غير مراد لما رواه مسلم (١٢١٣) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قال: «… حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ …».
١٥ - استدل به على أنَّ أفضل جهات الحل للإحرام بالعمرة منها التنعيم وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر عبد الرحمن بإعمارها من التنعيم لكونه أقرب الجهات إلى الحرم لا لخصوص فضل فيه. والله أعلم.
١٦ - استحباب التقصير على الحلق عند التحلل من عمرة التمتع، وهذا إذا كان الإهلال بالحج قريبًا من التحلل من العمرة حتى يبقى شيء من الشعر يتحلل به في حجه، وقد سبق القول في هذه المسألة.
١٧ - مشروعية استعمال "لو" في الخبر المجرد.
قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ] (٦٠١):
«فإن قيل ما تصنعون بقوله ﷺ: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة". قيل: هذا كقوله: "لولا حدثان قومك بالكفر". ونحوه مما هو خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر بل هو إخبار لهم أنَّه لو استقبل الإحرام بالحج ما ساق الهدي ولا أحرم بالعمرة بقوله لهم لما
[ ٧ / ٤٤٧ ]
أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة حثًا لهم وتطييبًا لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره فليس من المنهي عنه بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل ولا خلاف في جواز ذلك وإنَّما ينهى عن ذلك في معارضة القدر مع اعتقاد أنَّ ذلك المانع لو يقع لوقع خلاف المقدور» اهـ.
١٨ - وفيه أنَّ التحلل بالتقصير كالتحلل بالحلق من حيث المنع لمن ساق الهدي.
١٩ - استحباب رفع الصوت بالتلبية.
٢٠ - واحتج به من قال بمنع الحائض من دخول المسجد.
٢١ - ما كان عليه النبي ﷺ من حسن العشرة مع أزواجه، وحرصه على تطييب نفوسهن.
٢٢ - واحتج به على مشروعية تكرار العمرة في شهر واحد.
فقد جاء فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٧/ ٤٣٢):
«س: هل يجوز تكرار العمرة في رمضان طلبًا للأجر المترتب على ذلك؟
ج: لا حرج في ذلك، النبي ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" متفق عليه.
فإذا اعتمر ثلاث أو أربع مرات فلا حرج في ذلك. فقد اعتمرت عائشة ﵂ في عهد النبي ﷺ في حجة الوداع عمرتين في أقل من عشرين يومًا» اهـ.
[ ٧ / ٤٤٨ ]
قُلْتُ: بل في أقل من ذلك فإنَّهم دخلوا مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة وخرجوا بعد قضاء المناسك في الرابع عشر من ذي الحجة وهذه عشرة أيام من غير يوم الخروج.
وكان الفصل بين تحللها من حجها وعمرتها وبين عمرة التنعيم ثلاثة أيام.
وقد جاء عن أنس الفصل بين العمرتين بنبات الشعر بعد حلقه، فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٨٧٤)، والشافعي في [مُسْنَدِه] (٥٢٢)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٥١٢) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِمَكَّةَ وَكَانَ إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ».
قُلْتُ: وفي الإسناد إبهام ولد أنس.
وقد أخذ بهذا الإمام أحمد.
واعلم أنَّ الإكثار من الاعتمار لا يستحب في قول السلف وإن اختلفوا في ضابط الإكثار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«فصل: ولا بأس أن يعتمر في السنة مرارًا.
روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعائشة، وعطاء، وطاووس، وعكرمة، والشافعي.
[ ٧ / ٤٤٩ ]
وكره العمرة في السنة مرتين الحسن، وابن سيرين، ومالك.
وقال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلَّا مرة.
ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يفعله.
ولنا، أنَّ عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما". متفق عليه.
وقال علي ﵁ في كل شهر مرة.
وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر.
رواهما الشافعي، في "مسنده".
وقال عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره.
وقال عطاء: إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين.
فأمَّا الإكثار من الاعتمار، والموالاة بينهما، فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه.
وكذلك قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس.
فظاهر هذا أنَّه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام.
وقال في رواية الأثرم: إن شاء اعتمر في كل شهر.
وقال بعض أصحابنا: يستحب الإكثار من الاعتمار.
[ ٧ / ٤٥٠ ]
وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينهما، وإنَّما نقل عنهم إنكار ذلك، والحق في اتباعهم.
قال طاووس: الذين يعتمرون من التنعيم، ما أدري يؤجرون عليها أو يعذبون؟.
قيل له: فلم يعذبون؟ قال: لأنَّه يدع الطواف بالبيت، ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء.
وقد اعتمر النبي ﷺ أربع عمر في أربع سفرات، لم يزد في كل سفرة على عمرة واحدة، ولا أحد ممن معه، ولم يبلغنا أنَّ أحدًا منهم جمع بين عمرتين في سفر واحد معه، إلَّا عائشة حين حاضت فأعمرها من التنعيم؛ لأنَّها اعتقدت أنَّ عمرة قرانها بطلت، ولهذا قالت: يا رسول الله، يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع أنا بحجة.
فأعمرها لذلك.
ولو كان في هذا فضل لما اتفقوا على تركه» اهـ.
قُلْتُ: أثر علي رواه الشافعي في [مُسْنَدِهِ] (٩٧٦)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٥١٠)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٢٨١٦)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ]
[ ٧ / ٤٥١ ]
(١٢٨٧٢)، والفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢٨٩١) مِنْ طَرِيْقِ ابن أبي نجيح عن مجاهد أنَّ علي ابن أبي طالب ﵁ قال: «في كل شهر عمرة».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فمجاهد لا يصح له سماع من علي كما ذكر ذلك الحفاظ ومنهم أبو زرعة الرازي، وابن معين.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠): «فصل: "المسألة الثانية": في الإكثار من الاعتمار والموالاة بينها:
مثل أن يعتمر من يكون منزله قريبًا من الحرم كل يوم أو كل يومين أو يعتمر القريب من المواقيت التي بينها وبين مكة يومان: في الشهر خمس عمر أو ست عمر ونحو ذلك. أو يعتمر من يرى العمرة من مكة كل يوم عمرة أو عمرتين فهذا مكروه باتفاق سلف الأمة لم يفعله أحد من السلف بل اتفقوا على كراهيته وهو وإن كان استحبه طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد فليس معهم في ذلك حجة أصلًا إلَّا مجرد القياس العام. وهو أنَّ هذا تكثير للعبادات أو التمسك بالعمومات في فضل العمرة ونحو ذلك. والذين رخصوا في أكثر من عمرة في الحول أكثر ما قالوا: يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه أو في شهر مرتين ونحو ذلك. وهذا الذي قاله الإمام أحمد. قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. وهذا الذي قاله الإمام أحمد فعل أنس بن مالك الذي رواه الشافعي: أنَّه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. وهذا لأنَّ تمام النسك الحلق أو التقصير وهو إمَّا واجب فيه أو مستحب. ومن حكى عن
[ ٧ / ٤٥٢ ]
أحمد أو نحوه أنَّه ليس إلَّا مباحًا لا استحبابًا فقد غلط. فمدة نبات الشعر أقصر مدة يمكن فيها إتمام النسك» اهـ.
قُلْتُ: أثر أنس لا يثبت لكنه قوي من حيث المعنى، والتحديد به أقرب من غيره. والله أعلم.
وأمَّا ما فعلته عائشة فليس فيه إكثار من العمرة، وغاية ما فيه أنَّها قاربت بين العمرتين وإلَّا فإنَّها اعتمرت في شهر واحد مرتين ولم تزد. على أنَّ ما فعلته لا يستحب على الصحيح.
قُلْتُ: وإذا كان التكرار لسبب استدعى ذلك فلا بأس بذلك كأن يأتي بعمرة ثم يذهب إلى المدينة لزيارة المسجد النبوي ثم يرجع بعمرة أخرى.
فقد جاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى الشَّيْخِ صَالِحِ الْفَوْزَانِ] (٢/ ٤٩١):
«سؤال: بفضل الله وتوفيقه أديت عمرة أحرمت لها من يلملم، وأنا قادم من جنوب المملكة، وبعد قضاء أسبوع في مكة المكرمة، شددت الرحال لزيارة مسجد النبي ﷺ بالمدينة، وعند رجوعي أحرمت من آبار علي في طريقي إلى مكة، وأديت عمرة أخرى، فهل تصح هذه العمرة الثانية، علمًا بأن المدة بين العمرتين لا تزيد عن عشرة أيام، أفيدوني أفادكم الله، وسدد خطاكم.
الجواب: لا بأس بما فعلت من تكرار العمرة، ولو كان في وقت متقارب، لأنَّك لما جئت من المدينة قادمًا إلى مكة ومررت بالميقات، فإنَّه قد سنحت لك فرصة لأداء
[ ٧ / ٤٥٣ ]
العمرة، وخروجًا من الخلاف بين أهل العلم منهم من يوجب على من مر بالميقات وهو يريد مكة، أن لا يتجاوزه إلَّا بإحرام، فأنت أخذت بالجانب الأحوط وأيضًا استفدت من هذه الفرصة الثمينة، فأحرمت بعمرة وهذا زيادة خير، تؤجر عليه إن شاء الله، وعملك هذا شيء طيب، وتكرار العمرة في مثل هذه الحالة، لا حرج فيه لأنَّه جاء لمبرر، لأنَّك لما أردت الدخول إلى مكة ومررت بالميقات فإنَّه يستحسن لك أن تحرم للعمرة، وقد فعلت والحمد لله» اهـ.
٢٣ - وفيه أنَّ الحاج إذا قضى النسك ثم خرج إلى الحل فلا يلزمه طواف الوداع، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأمر عائشة وأخاه عبد الرحمن ﵄ بطواف الوداع عند خروجهما إلى التنعيم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٢٥٧):
«قال صاحب البيان قال الشيخ أبو نصر في المعتمد: ليس على المقيم بمكة الخارج إلى التنعيم وداع ولا دم عليه في تركه عندنا.
وقال سفيان الثوري: يلزم الدم.
دليلنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم ولم يأمرها عند ذهابها إلى التنعيم بوداع والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في الذي خرج من مكة وتجاوز الحرم ثم رجع لطواف الوداع متى يجزؤه ذلك ومتى لا يجزؤه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٣٢):
[ ٧ / ٤٥٤ ]
«مسألة؛ قال: (فإن خرج قبل الوداع، رجع إن كان بالقرب، وإن بعد، بعث بدم) هذا قول عطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور.
والقريب هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر. والبعيد من بلغ مسافة القصر.
نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي.
وكان عطاء يرى الطائف قريبًا.
وقال الثوري حد ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب، ومن خرج منه فهو بعيد.
ووجه القول الأول، أنَّ من دون مسافة القصر في حكم الحاضر، في أنَّه لا يقصر ولا يفطر، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام، وقد روي أن عمر رد رجلًا من مر إلى مكة، ليكون آخر عهده بالبيت.
رواه سعيد وإن لم يمكنه الرجوع لعذر، فهو كالبعيد.
ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع، لم يكن عليه أكثر من دم.
ولا فرق بين تركه عمدًا أو خطأ، لعذر أو غيره؛ لأنَّه من واجبات الحج، فاستوى عمده وخطؤه، والمعذور وغيره، كسائر واجباته.
[ ٧ / ٤٥٥ ]
فإن رجع البعيد، فطاف للوداع فقال القاضي: لا يسقط عنه الدم؛ لأنَّه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر، فلم تسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات غير محرم، فأحرم دونه، ثم رجع إليه.
وإن رجع القريب، فطاف، فلا دم عليه، سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا؛ لأنَّ الدم لم يستقر عليه، لكونه في حكم الحاضر، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه؛ لأنَّه واجب أتى به، فلم يجب عليه بدله، كالقريب» اهـ.
قُلْتُ: وقال أبو حنيفة وأصحابه: يرجع إلى طواف الوداع ما لم يبلغ المواقيت فإن بلغها ولم يرجع فعليه دم.
وقالوا في أهل بستان بن عامر وأهل المواقيت إنَّهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع.
* * *
[ ٧ / ٤٥٦ ]
٢٣٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ". فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية نطق المحرم بما أحرم به.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (١٥٤٨) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا».
وروى مسلم (١٢٤٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ».
وروى البخاري (١٥٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».
وروى البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٢٣٠) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ،
[ ٧ / ٤٥٧ ]
وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ، قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٠٥):
«فصل: ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته. قال أحمد: إن شئت لبيت بالحج، وإن شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة بدأت بالعمرة، فقُلْتُ: لبيك بعمرة وحجة.
وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذلك. وهو اختيار ابن عمر، وقول الشافعي» اهـ.
٢ - استحباب فسخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهدي.
* * *
[ ٧ / ٤٥٨ ]
٢٣٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: "الْحِلُّ كُلُّهُ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب المجيء إلى مكة قبل اليوم الثامن.
٢ - استحباب دخول مكة في الصباح.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (١٥٧٤)، ومسلم (١٢٥٩) عَنِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طُوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٧): «"فرع" في مذاهب العلماء في هذه المسألة: فممن استحب دخولها نهارًا ابن عمر، وعطاء، والنخعي، واسحق بن راهويه وابن المنذر.
وممن استحبه ليلًا عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز.
وممن قال هما سواء طاووس والثوري» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من استحب ذلك ليلًا ما رواه أحمد (١٥٥٥٢، ١٥٥٥٣، ١٥٥٥٨)، وأبو داود (١٩٩٨)، والترمذي (٩٣٥)، والنسائي (٢٨٦٣، ٢٨٦٤)
[ ٧ / ٤٥٩ ]
مِنْ طَرِيْقِ مُزَاحِمِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَرِّشٍ الكَعْبِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الجِعِرَّانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا، فَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ بِالجِعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنَ الغَدِ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ سَرِفَ، حَتَّى جَاءَ مَعَ الطَّرِيقِ طَرِيقِ جَمْعٍ بِبَطْنِ سَرِفَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَفِيَتْ عُمْرَتُهُ عَلَى النَّاسِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، مزاحم لا يعرف حاله، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وهو ممن يوثق المجاهيل.
٣ - وفيه ما سبق من استحباب فسخ الحج إلى عمرة في حق من لم يسق الهدي.
٤ - أنَّ المتمتع إذا تحلل من عمرته يحل له كل شيء حتى النساء.
* * *
[ ٧ / ٤٦٠ ]
٢٣٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - وَأَنَا جَالِسٌ - كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ. فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ».
الْعَنَقُ: انبساط السير، و"النَصُّ" فوق ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٣٤٨):
«والعَنَق: سير فوق المشي، والنَّصُّ: أرفع السير، ومن ذلك قيل لمنصة العروس: منصة؛ لارتفاعها، فإذا ارتفع عن ذلك فصار إلى العَدْوِ فهو الخَبَب، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الوَضْع والإِيضَاع» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥١٨):
«قوله: "العنق" بفتح المهملة والنون هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع. قال في "المشارق" هو سير سهل في سرعة. وقال القزاز: العنق سير سريع. وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابة. وفي "الفائق": العنق: الخطو الفسيح. وانتصب العنق على المصدر المؤكد من لفظ الفعل.
قوله: "نص" أي: أسرع قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها وأصل النص غاية المشي ومنه نصصت الشيء رفعته ثم استعمل في ضرب سريع من السير» اهـ.
[ ٧ / ٤٦١ ]
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ من شعائر الحج الدفع من عرفة إلى مزدلفة.
٢ - استحباب تعجيل السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة بما لا يحصل به أذية للناس.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٢/ ٢٠٢):
«لأنَّ في استعجال السير إلى مزدلفة استعجال الصلاة بها، ومعلوم أنَّ المغرب لا تصلى تلك الليلة إلَّا مع العشاء وتلك سنتهما» اهـ.
قُلْتُ: ولا يعارض هذا ما رواه البخاري (١٦٧١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ».
ورواه مسلم (١٢٨٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا - وَهُوَ مِنْ مِنًى - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» وَقَالَ: «لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ».
وذلك أنَّ الإيضاع السير السريع، وهو فوق النص، وأمَّا سير النص فلا ينافي السكينة.
[ ٧ / ٤٦٢ ]
٣ - استحباب الرفق في السير في حال الزحام.
٤ - الابتعاد عن أذية الناس عند السير في المركوب.
٥ - مشروعية الإسراع بالمركوب في الطرق الواسعة الخالية من ازدحام الناس.
* * *
[ ٧ / ٤٦٣ ]
٢٣٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ ﵄: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: "اذْبَحْ وَلا حَرَجَ". وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ وَلا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية تقديم المناسك يوم النحر بعضها على بعض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (١/ ٣٣١):
«وإذا ثبت أنَّ الوظائف أربع في هذا اليوم فقد اختلفوا فيما لو تقدم بعضها على بعض فاختار الشافعي جواز التقديم: وجعل الترتيب مستحبًا ومالك وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق على الرمي لأنَّه حينئذ يكون حلقًا قبل وجود التحللين، وللشافعي قول مثله وقد بني القولان له على أنَّ الحلق نسك أو استباحة محظور فإن قلنا: إنَّه نسك جاز تقديمه على الرمي لأنَّه يكون من أسباب التحلل وإن قلنا: إنَّه استباحة محظور: لم يجز لما ذكرناه من وقوع الحلق قبل التحللين وفي هذا البناء نظر لأنَّه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلل ومالك يرى أنَّ الحلق نسك ويرى - مع ذلك - أنَّه لا يقدم على الرمي إذ معنى كون
[ ٧ / ٤٦٤ ]
الشيء نسكًا: أنَّه مطلوب مثاب عليه ولا يلزم من ذلك أن يكون سببًا للتحلل ونقل عن أحمد: أنَّه إن قدم بعض هذه الأشياء على بعض فلا شيء عليه إن كان جاهلًا وإن كان عالمًا: ففي وجوب الدم روايتان» اهـ.
٢ - واحتج به على جواز تقديم السعي على الطواف، ولا حجة فيه، وقد مضى القول في ذلك.
٣ - واحتج به على جواز تقديم الحلق على النحر للقارن وغيره، وهو الصحيح، ومنع من ذلك النخعي وغيره واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وأجيب بأنَّ المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه، وإنَّما يتم الاستدلال لهم لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا.
٤ - واحتج بقوله: «لَمْ أَشْعُرْ» بأنَّ الرخصة تختص بمن نسي أو جهل لا بمن تعمد كما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره.
والجواب: أولًا: أنَّ الترتيب لو كان واجبًا لبينه النبي ﷺ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ثانيًا: لو كان هذه الحكم مختص بالجاهل والناسي لقال للسائل: "لا حرج"، ولما قال له: "افعل ولا حرج" فإنَّ هذا يشعر بجواز تعمد هذا الفعل في المستقبل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٣٣٦):
[ ٧ / ٤٦٥ ]
«ولكن لما قال النبي ﷺ: "افعل ولا حرج" وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: "لا حرج" علم أنَّه لا فرق بين الناسي والجاهل وبين الذاكر والعالم، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكرة حين أسرع وركع قبل الصف: "زادك الله حرصًا ولا تعد"، فلو كان الترتيب بين هذه الأنساك واجبًا لقال النبي ﷺ للسائل: لا حرج ولا تعد وهذا الذي قررناه، كما أنَّه ظاهر الأدلة، فهو الموافق لمقاصد الدين الإسلامي في إرادة اليسر على العباد لا سيما في مثل هذه الأزمان؛ لأنَّ ذلك أيسر للناس» اهـ.
ثالثًا: هذه اللفظة وهي قول السائل: «لَمْ أَشْعُرْ» لم ترد في سؤال جميع السائلين، فقد روى البخاري (١٧٣٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
ورواه البخاري (١٧٣٤)، ومسلم (١٣٠٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ، وَالحَلْقِ، وَالرَّمْيِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وروى الدارمي (١٨٧٩)، وابن حبان (٣٨٧٨) مِنْ طَرِيْقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى، ثُمَّ قَعَدَ لِلنَّاسِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا
[ ٧ / ٤٦٦ ]
رَسُولَ اللَّهِ، طُفْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٥ - وفيه جواز القعود على الدواب عند الحاجة بحيث لا يشق عليها، وأمَّا ما رواه أبو داود (٢٥٦٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ».
وإسناده محتمل للتحسين، والنهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، جاء من مراسيل عطاء بن دينار عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٤٨٦). وهو محمول على من لم يكن له عذر شرعي مع إمكانه من النزول على الأرض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٥٣): «قُلْتُ قد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه خطب على راحلته واقفًا عليها فدل ذلك على أنَّ الوقوف على ظهورها إذا كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول إلى الأرض
[ ٧ / ٤٦٧ ]
مباح جائز، وأنَّ النهي إنَّما انصرف في ذلك إلى الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه لكن بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعدًا فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل» اهـ.
* * *
[ ٧ / ٤٦٨ ]
٢٤٠ - عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ: «أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ. فَرَآهُ رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨١ - ٥٨٢):
«قوله: "جمرة العقبة" هي الجمرة الكبرى وليست من منى بل هي حد منى من جهة مكة وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة والجمرة اسم لمجتمع الحصى سميت بذلك لاجتماع الناس بها يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا وقيل إن العرب تسمي الحصى الصغار جمارًا فسميت تسمية الشيء بلازمه. وقيل لأنَّ آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جمر بين يديه أي أسرع فسميت بذلك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨٢):
«قوله: "مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة" قال ابن المنير: خص عبد الله سورة البقرة بالذكر لأنَّها التي ذكر الله فيها الرمي فأشار إلى أنَّ فعله ﷺ مبين لمراد كتاب الله تعالى.
قُلْتُ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة. والظاهر أنَّه أراد أن يقول أنَّ كثيرًا من أفعال الحج مذكور فيها فكأنَّه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام
[ ٧ / ٤٦٩ ]
المناسك منبهًا بذلك على أنَّ أفعال الحج توقيفية. وقيل: خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام أو أشار بذلك إلى أنَّه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة والله أعلم» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - رمي جمرة العقبة في يوم النحر.
٢ - أنَّ الجمرة ترمى بسبع حصيات.
قُلْتُ: ويشترط في رميها التتابع في قول أكثر العلماء فلو رمى السبع مرة واحدة لا يجزئه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٧٨):
«وإن رمى الحصيات دفعة واحدة، لم يجزه إلَّا عن واحدة. نص عليه أحمد.
وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال عطاء: يجزئه، ويكبر لكل حصاة» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان النبي ﷺ يكبر مع كل حصاة، كما روى مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا».
وهذا يدل على أنَّ رميه كان متتابعًا.
ولو أنقص عن السبع واحدة أو اثنتين ففي صحة ذلك نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٢٠):
[ ٧ / ٤٧٠ ]
«فصل: والأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رمى بسبع حصيات.
فإن نقص حصاة أو حصاتين، فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك. نص عليه. وهو قول مجاهد، وإسحاق.
وعنه: إن رمى بست ناسيًا فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمده، فإن تعمد ذلك، تصدق بشيء.
وكان ابن عمر يقول: ما أبالي رميت بست أو سبع.
وقال ابن عباس: ما أدري رماها النبي ﷺ بست أو سبع.
وعن أحمد، أنَّ عدد السبع شرط. ونسبه إلى مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رمى بسبع.
وقال أبو حية: لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى. فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حية.
وكان أبو حية بدريًا.
ووجه الرواية الأولى: ما روى ابن أبي نجيح، قال: سئل طاووس عن رجل ترك حصاة؟ قال: يتصدق بتمرة أو لقمة.
[ ٧ / ٤٧١ ]
فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إنَّ أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد، قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض رواه الأثرم، وغيره» اهـ.
قُلْتُ: حديث سعد رواه أحمد (١٤٣٩)، والنسائي (٣٠٧٧) مِنْ طَرِيْقِ مُجَاهِدٍ قَالَ سَعْدٌ: «رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين مجاهد وسعد. والذي يظهر لي هو وجوب السبع. والله أعلم.
٣ - وفيه أنَّ الرمي يكون بالحصى دون غيره، وهو قول أكثر العلماء. وهو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٧١):
«وقال أبو حنيفة: يجوز بالطين والمدر، وما كان من جنس الأرض. ونحوه قال الثوري» اهـ.
٤ - استحباب جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه عند رمي جمرة العقبة الكبرى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨٢):
«وقد أجمعوا على أنَّه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها والاختلاف في الأفضل» اهـ.
[ ٧ / ٤٧٢ ]
٥ - جواز تسمية السورة بسورة البقرة، خلافًا للحجاج بن يوسف الثقفي فإنَّه رأى عدم إطلاق ذلك، وإنَّما يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة.
وقد جاء الحديث عند البخاري (١٧٥٠)، ومسلم (١٢٩٦) مِنْ طَرِيْقِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ، يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: «مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ».
٦ - وفيه حرص الصحابة على موافقة النبي ﷺ في كل هيئة وحال.
٧ - وفيه التعليم بالفعل.
فائدة/ روى الأَزْرَقِيُّ في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢/ ١٦٩)، وابن عبد البر في [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ٣٥٧) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «مَا تُقُبِّلَ مِنَ الْحَصَى رُفِعَ» يَعْنِي حَصَى الْجِمَارِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٧ / ٤٧٣ ]
وروى الأَزْرَقِيُّ أيضًا في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢/ ١٦٩) حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خَيْثَمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، هَذِهِ الْجِمَارُ تُرْمَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، كَيْفَ لَا تَكُونُ هِضَابًا تَسُدُّ الطَّرِيقَ؟ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِهَا مَلَكًا، فَمَا تَقَبَّلَ مِنْهُ رَفَعَ، وَمَا لَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْهُ تَرَكَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وجد الأزرقي هو أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٣٣٦) نا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَمْيٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: «مَا يُقْبَلُ مِنْهُ رُفِعَ، وَإِلَّا ذَلِكَ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ ثَبِيرٍ».
قُلْتُ: فطر هو ابن خليفة ثقة.
وهذا الأثران لهما حكم الرفع. والله أعلم.
* * *
[ ٧ / ٤٧٤ ]
٢٤١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «"اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ التحلل بالحلق أفضل من التقصير، وهذا في غير المتمتع الذي قرب وقت حجه فإنَّه يستحب في حقه التحلل من عمرته بالتقصير دون الحلق ليبقى شيء من شعره لتحلله من حجه، وقد مضى القول في هذه المسألة.
والحلق مختص بالرجال اتفاقًا فلا يشرع للنساء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٤٠٣): «واجمعوا أنَّ النساء لا يحلقن، وأنَّ سنتهن التقصير» اهـ.
قُلْتُ: والحلق استئصال الشعر بالموسى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٢٠٦):
«أمَّا من نذر الحلق في وقته فيلزمه حلقه كله ولا يجزئه التقصير، ولا حلق بعض الرأس، ولا النتف والإحراق، ولا استئصال الشعر بالمقصين ولا أخذه بالنورة لأنَّ هذا كله لا يسمى حلقًا.
[ ٧ / ٤٧٥ ]
وذكر إمام الحرمين في استئصال الشعر بالمقصين وإمرار الُموسَى من غير استئصال احتمالًا والمذهب الأول لأنَّه لا يسمي حلقًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجْمِيُّ ﵀ فِي [تَأْسِيْسِ الْأَحْكَامِ] (٣/ ٣٤٠):
«الحلق هو استئصال الشعر بالموسَى وفاعله في الحج والعمرة مثاب ومحمود، أمَّا التقصير فهو أن يبقى شيئًا من أصول الشعر فالحلق بالمكينة يعد تقصيرًا ولو كان على الصفر» اهـ.
٢ - مشروعية التحلل بالتقصير. وهذا الذي عليه عامة العلماء إلَّا ما نقل عن الحسن البصري من وجوب الحلق في أول حجة يحجها ثم يستحب له بعد ذلك الحلق ولا يجب.
٣ - أنَّ الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة وليس مجرد إطلاق من محظور، ودلالة الحديث على ذلك من وجهين:
الأول: الدعاء للمحلقين والمقصرين، وهذا يدل على استحباب هذا الفعل؛ وذلك إنَّ الدعاء يشعر بالثواب والثواب لا يكون إلَّا على العبادة لا على المباحات.
والآخر: التفضيل بينه وبين التقصير يدل على ذلك أيضًا؛ فإنَّ المباح لا تفضيل لبعضه على بعض.
[ ٧ / ٤٧٦ ]
قُلْتُ: القول بأنَّ الحق والتقصير من مناسك الحج والعمرة هو الأصح من قولي الشافعي وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور وللشافعي قول آخر أنَّه استباحة محظور وليس بنسك، وهي رواية عن أحمد. وقد مضت هذه المسألة.
واختلف العلماء في الحلق والتقصير، فذهب الجمهور أنَّه واجب من الواجبات، وذهب أكثر الشافعية إلى أنَّه ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلَّا بفعله، والصحيح مذهب الجمهور لعدم ما يدل على الركنية. وأمَّا الأمر به فجاء في أحاديث سبق بعضها.
٤ - وفيه الدعاء لمن فعل خيرًا.
٥ - ويستدل من صيغة المبالغة في "المحلقين" على حلق جميع الرأس إذ لا تستقيم المبالغة في الصيغة مع إرادة حلق البعض.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥):
«واستدل بقوله المحلقين على مشروعية حلق جميع الرأس لأنَّه الذي تقتضيه الصيغة وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد، واستحبه الكوفيون والشافعي. ويجزئ البعض عندهم واختلفوا فيه فعن الحنفية الربع إلَّا أبا يوسف فقال: النصف. وقال الشافعي: أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة.
[ ٧ / ٤٧٧ ]
والتقصير كالحلق فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ هذا للشافعية وهو مرتب عند غيرهم على الحلق وهذا كله في حق الرجال وأمَّا النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر القرآن أنَّ الحلق والتقصير يكون لجميع الرأس، قال الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
* * *
[ ٧ / ٤٧٨ ]
٢٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ. فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ. فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: "اُخْرُجُوا"».
وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"عَقْرَى، حَلْقَى. أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَانْفِرِي"».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٨٩):
«قوله: "عقرى، حلقى". بالفتح فيهما ثم السكون وبالقصر بغير تنوين في الرواية ويجوز في اللغة التنوين وصوبه أبو عبيد، لأنَّ معناه الدعاء بالعقر والحلق كما يقال سقيًا ورعيًا ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها. وعلى الأول هو نعت لا دعاء. ثم معنى "عقرى" عقرها الله أي جرحها، وقيل جعلها عاقرًا لا تلد، وقيل عقر قومها. ومعنى "حلقى" حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها، أو حلق قومها بشؤمها أي أهلكهم. وحكى القرطبي أنَّها كلمة تقولها اليهود للحائض فهذا أصل هاتين الكلمتين ثم اتسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا قاتله الله وتربت يداه ونحو ذلك» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ٧ / ٤٧٩ ]
١ - استحباب طواف الإفاضة في يوم النحر.
٢ - أنَّ طواف الإفاضة ركن، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟». فإنَّه يدل على أنَّه لا بد منه، وأنَّه حابس لمن لم يأت به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٩٧): «وهو ركن للحج، لا يتم إلَّا به لا نعلم فيه خلافًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد نقل غير واحد الإجماع في ذلك.
وليس لآخره وقت لا يصح بعده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٩٨):
«والصحيح أنَّ آخر وقته غير محدود؛ فإنَّه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنَّما الخلاف في وجوب الدم» اهـ.
قُلْتُ: فذهب أبو حنيفة إلى وجوب الدم في حق من أخرج طواف الإفاضة عن أيام التشريق، وذهب الإمام مالك إلى وجوب الدم في حق من أخره وتطاول في تأخيره، ولم ير الدم في ذلك الشافعي وأحمد.
والصحيح عدم وجوب الدم أيضًا.
٣ - مشروعية إتيان الرجل أهله في السفر بعد التحلل من الإحرام.
٤ - أنَّ الحائض ليس لها أن تطوف بالبيت حتى تطهر.
[ ٧ / ٤٨٠ ]
وذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر العلماء من السلف والخلف إلى أنَّ الطهارة شرط في صحة الطواف، وقال أبو حنيفة: الطهارة ليست بشرط للطواف فلو طاف وعليه نجاسة أو محدثًا أو جنبًا صح طوافه.
ووافقه على ذلك جماعة من السلف، فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٥٦٢) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا، وَمَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ، عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، «فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والحكم هو ابن عتيبة، وحماد هو ابن أبي سليمان، ومنصور هو ابن المعتمر، وسليمان لم أعرفه، ولعله التيمي.
وفي رواية عن أحمد أنَّ الطهارة واجبة تجبر بالدم.
٥ - أنَّ الحائض لا يجب عليها طواف الوداع. وهذا مذهب عامة العلماء، وخالف في ذلك عمر بن الخطاب ﵁، ولعله لم تبلغه السنة في ذلك، وجاء ذلك عن غيره من الصحابة، وجاء عنهم التراجع عن ذلك.
٦ - وفيه احتباس أمراء الحج للحيض حتى يطهرن ويطفن.
٧ - وفيه استحباب التكني في الأمر الذي يستحي منه.
* * *
[ ٧ / ٤٨١ ]
٢٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - وجوب طواف الوداع على غير الحائض. وذهب إلى وجوبه جمهور العلماء، وخالف في ذلك الإمام مالك فذهب إلى عدم وجوبه وهو أحد القولين للشافعي.
٢ - سقوط طواف الوداع عن الحائض، ومثلها النفساء.
٣ - أنَّ طواف الوداع لا يجب على المكي. لأنَّه باقٍ عند البيت.
وأصرح من ذلك رواية مسلم (١٣٢٧) لهذا الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».
٤ - وفيه حجة لمن قال: إنَّ من ودع ثم أقام، لزمه إعادة الوداع، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة فإنَّه قال: لو ودع بعد حل النفر وأقام شهرًا أو أكثر أجزأه، ولم يكن عليه إعادته.
قُلْتُ: أمَّا إن انشغل ببعض أمور الخروج فلا يلزمه أن يعيد الوداع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٤٢):
[ ٧ / ٤٨٢ ]
«وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها، لكن إن قضى حاجته أو اشترى شيئًا في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده وهذا الطواف واجب عند الجمهور لكن يسقط عن الحائض» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٣١):
«أمَّا إن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا أو شيئًا لنفسه في طريقه، لم يعده؛ لأنَّ ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت، وبهذا قال مالك، والشافعي، ولا نعلم مخالفًا لهما» اهـ.
٥ - واحتج به من أوجب طواف الوداع للمعتمر.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَى] (٧/ ١٧١):
«وأمَّا قولنا: من أراد أن يخرج من مكة من معتمر أو قارن أو متمتع بالعمرة إلى الحج ففرض عليه أن يجعل آخر عمله الطواف بالبيت، فإن تردد بمكة بعد ذلك أعاد الطواف، ولا بد، فإن خرج ولم يطف بالبيت ففرض عليه الرجوع، ولو كان بلده بأقصى الدنيا حتى يطوف بالبيت، فإن خرج، عن منازل مكة فتردد خارجًا ماشيًا، فليس عليه أن يعيد الطواف إلَّا التي تحيض بعد أن تطوف طواف الإفاضة فليس عليها أن تنتظر طهرها لتطوف لكن تخرج كما هي، فإن حاضت قبل طواف
[ ٧ / ٤٨٣ ]
الإفاضة فلا بد لها أن تنتظر حتى تطهر، وتطوف، وتحبس عليها الكرى والرفقة: فلما رويناه مِنْ طَرِيْقِ مسلم قال: نا سعيد بن منصور، نا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٣٩٨ - ٤٠٠):
«والراجح عندي أنَّه واجب على المعتمر أن يطوف للوداع كما هو واجب على الحاج لما يلي:
أولًا: عموم قوله ﷺ: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت".
فإن قال قائل: هذا القول قاله النبي ﷺ في حجة الوداع في الحج ولم يقله في العمرة؟
قلنا: نعم نسلم ذلك، ولكن لأنَّه لم يوجبه الله إلَّا في ذلك الوقت وما قبل ذلك لم يجب أصلًا، والشرع كما نعلم يتجدد، فقد يجب في هذا الوقت ما لم يكن واجبًا من قبل.
ثانيًا: قوله ﷺ ليعلى بن أمية ﵁: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك".
[ ٧ / ٤٨٤ ]
وهذا العموم يفيد أن كل ما يفعل في الحج يفعل في العمرة إلَّا ما قام النص أو الإجماع على أنَّه مستثنى، كالوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، أو بمنى، ورمي الجمار، فهذا مستثنى بالإجماع، وإلَّا فالأصل مشاركة العمرة الحج في أفعاله.
ثالثًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سماها في حديث عمرو بن حزم الذي تلقته الأمة بالقبول الحج الأصغر فقال: "العمرة الحج الأصغر". فسماها حجًا، وإذا سميت باسمه كان الأصل موافقتها له في الأحكام إلَّا ما استثني.
رابعًا: أنَّه لا فرق بين الحج والعمرة من حيث المعنى، بل لو قيل: إيجاب طواف الوداع في العمرة أولى من إيجابه في الحج؛ لأنَّ أفعالها أقل وأخف.
خامسًا: أنَّ هذا الرجل دخل إلى البيت بطواف فليخرج منه بطواف. فإن قيل: ما الجواب على من قال: إنَّه لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه طاف للوداع في عُمَره؟
فالجواب: أمَّا عمرة الجعرانة فهو قد طاف وسعى وخرج في ليلته ولهذا كثير من الصحابة لم يعلم بها، وهذا لا إشكال فيه، وأمَّا عمرة القضاء فيقال: إنَّ أصل إيجاب طواف الوداع كان متأخرًا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يذكره إلَّا في حجة الوداع، نعم لو فرض أنَّه قاله قبل عمرة القضاء ثم اعتمر ولم يطف للوداع قلنا: العمرة لا طواف لها، لكن أصل الإيجاب لم يجب إلَّا متأخرًا.
[ ٧ / ٤٨٥ ]
ولكن لو أن أحدًا قدم مكة وطاف وسعى وقصر وانصرف وخرج، فإنَّ هذا يجزئه عن طواف الوداع، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه بأنَّ المعتمر إذا طاف وسعى فإنَّه يكفيه عن طواف الوداع، واستدل بحديث عائشة ﵂ لما اعتمرت من التنعيم، فلا يقال: إنَّ هذا لم يجعل آخر عهده بالبيت، نقول في الجواب: لأنَّ السعي تابع للطواف؛ ولهذا ذكر الفقهاء أنَّه لو أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسعى فإنَّه يجزئه ولم يعتبروا السعي فاصلًا؛ لأنَّه يثبت في التابع ما لا يثبت في المستقل، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طاف للوداع في حجة الوداع، وبعد أن طاف صلى الفجر ثم انصرف، ولأنَّ الفصل يسير، وإن كانت فإنَّ هذه الصلاة فيما يظهر ليست تابعة للطواف بمعنى أنَّ الرسول ﷺ لم ينو كونها نائبة عن صلاة ركعتين بعد الطواف، وعلى كل حال إذا طاف الإنسان فإنَّه مثاب على القولين جميعًا، لكن إذا تركه فهل يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عدمه؟ إن قلنا بالوجوب فهو آثم وإلا فليس بآثم» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو عدم وجوب طواف الوداع على المعتمر، لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لا قولًا ولا فعلًا، وأمَّا حديث الأمر به فإنَّه وارد في الحج لا في العمرة.
وأمَّا قوله ﷺ ليعلى بن أمية ﵁: «وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ». فهو وارد في اجتناب المحرمات لا في فعل المناسك، وسياق الحديث يدل على ذلك، ولفظه عند البخاري (٤٣٢٩) عَنْ يَعْلَى
[ ٧ / ٤٨٦ ]
بْنِ أُمَيَّةَ ﵁، كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ، مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ: أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ، يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا» فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ».
ورواه مسلم (١١٨٠) بلفظ أصرح في الدلالة على ما ذكرناه، ولفظه: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَأَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ - يَعْنِي جُبَّةً - وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟» قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ، وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ٣٣):
[ ٧ / ٤٨٧ ]
«وهذا سياق حسن. ومعنى واضح، تلخيصه: أنَّ الرجل كان يعرف: أنَّ المحرم بالحج يجتنب المخيط، والطيب. وظن أنَّ حكم المحرم بالعمرة ليس كذلك، فلبس، وتطيب، ثم أحرم وهو كذلك، ثم وقع في نفسه من ذلك شيء، فسأل النبي ﷺ عن ذلك؛ فقال له: "ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك"؛ يعني: من اجتناب ما كنت تَجْتَنِبُه فيه. وهذا معنى واضح، ومساق حسن للحديث، فَلْيُغْتَبَطْ به» اهـ.
وأمَّا حديث: «الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ». فرواه الدارقطني (٢٧٢٣)، والحاكم (١٤٤٧)، والبيهقي في الْكُبْرَى] (٧٠٤٧)، وابن حبان (٦٥٥٩) مِنْ طَرِيْقِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ: «وَأَنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ وَلَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». فلا يثبت منه الشطر الأول.
قال الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٤٢٩):
«قد قال غير واحد من الأئمة أنَّ سليمان راوي هذا الحديث إنَّما هو سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وذهب اللجنة الدائمة إلى عدم وجوب طواف الوداع للمعتمر، فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١١/ ٣٣٦ - ٣٣٧):
[ ٧ / ٤٨٨ ]
«أمَّا المعتمر فلا يجب عليه طواف الوداع، لكن يسن له أن يطوفه عند سفره؛ لعدم الدليل على الوجوب، ولأنَّه ﷺ لم يطف للوداع عند خروجه من مكة بعد عمرة القضاء فيما علمنا من سنته في ذلك.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤):
«حديث الحارث بن عبد الله بن أوس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت" ضعيف.
خرجه الإمام أحمد والترمذي بإسناد ضعيف؛ لأنَّ في إسناده عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف، كما في التقريب، وقال العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي ج ٢ ص ١١٨ ما نصه: وليست هذه الزيادة بمحفوظة يعني قوله: "أو أعتمر" وهو كما قال، وإنَّما المحفوظ قوله ﷺ للحجاج: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت". وكانوا يتفرقون في كل وجه، خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ وأخرجه الشيخان عنه بلفظ: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلَّا أنَّه خفف عن المرأة
[ ٧ / ٤٨٩ ]
الحائض". ومن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب اتضح له أنَّ العمرة لا يجب لها وداع؛ لأنَّها مشروعة في جميع العام، ولأنَّه ﷺ لم يأمر المتمتعين بالعمرة بالوداع، إذا أرادوا الخروج من مكة لما حلقوا صبيحة الرابعة من ذي الحجة في حجة الوداع، وقياس العمرة على الحج ليس بوجيه لعدم مساواة الفرع للأصل.
أمَّا الحديث المذكور فضعيف؛ لأنَّه مِنْ طَرِيْقِ عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف كما سبق عند التقريب. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال أبو حاتم: لين وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ضعيف لا تقوم به حجة، وقال الأزدي: منكر الحديث يروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ بواطيل، وقال صالح جزرة: حديثه منكر وبهذا يعلم أنَّ حديثه لا يعول عليه، ولا يحتج به؛ لتضعيف الأئمة المذكورين له. أمَّا توثيق ابن حبان له فلا يعول عليه؛ كما عرف من تساهله ﵀؛ ولأنَّ الجرح مقدم على التعديل إذا صدر مبينًا من إمام عارف بأسبابه، وإذا كان الجارحون أكثر كما هنا صار الضعف أشد. والله ولي التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: قول الشيخ ﵀: «ولأنَّه ﷺ لم يأمر المتمتعين بالعمرة بالوداع، إذا أرادوا الخروج من مكة لما حلقوا صبيحة الرابعة من ذي الحجة في حجة الوداع». قد يجاب عنه بأنَّ عمرة التمتع داخلة في الحج وإنَّما يلزم الحاج طواف الوداع بعد فراغه من حجه وإرادته للخروج من مكة لا قبل ذلك.
[ ٧ / ٤٩٠ ]
وقد استحب طواف الوداع للمعتمر جماعة من العلماء.
فقد جاء في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٤٩٤):
«قُلْتُ: أرأيت العمرة هل فيها طواف الوداع في قول مالك؟ قال: نعم إذا أقام ثم أراد الخروج طاف طواف الوداع، قال: وقد قال مالك في المكي إذا أراد الخروج إلى سفر من الأسفار، أنَّه يطوف طواف الوداع فهذا مثله، فإن خرج مكانه فلا شيء عليه ويجزئه طوافه ذلك عند مالك» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٣٣):
«فأمَّا إن رجع القريب، فظاهر قول من ذكرنا قوله، أنَّه لا يلزمه إحرام؛ لأنَّه رجع لإتمام نسك مأمور به، فأشبه من رجع لطواف الزيارة.
فإن ودع وخرج، ثم دخل مكة لحاجة، فقال أحمد: أحب إليَّ ألَّا يدخل إلَّا محرمًا، وأحب إليَّ إذا خرج أن يودع البيت بالطواف.
وهذا لأنَّه لم يدخل لإتمام النسك، إنَّما دخل لحاجة غير متكررة، فأشبه من يدخلها للإقامة بها» اهـ.
٦ - واحتج بعمومه على استحباب طواف الوداع لكل خارج من مكة من حاج أو معتمر أو غيرهما.
وهو مذهب الإمام مالك كما سبق.
[ ٧ / ٤٩١ ]
٧ - واحتج به على أنَّ من أخر طواف الزيارة فله أن يستغني به عن طواف الوداع، لأنَّه يصدق عليه أنَّه جعل آخر عهده بالبيت. وهذا هو الصحيح، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
٨ - وعموم الحديث يشمل من خرج إلى غير بلده، وسواء أراد الرجوع إلى مكة أو لا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٢٥٤): «وان أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غيره طاف للوداع» اهـ.
وقال ﵀ (٨/ ٢٥٦): «ذكرنا في هذه المسألة السادسة عن البغوي أنَّ طواف الوداع يتوجه على كل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر قال ولو أراد دون مسافة القصر لا وداع عليه. والصحيح المشهور أنَّه يتوجه على من أراد مسافة القصر ودونها سواء كانت مسافة بعيدة أم قريبة لعموم الأحاديث وممن صرح بهذا صاحب البيان وغيره» اهـ.
* * *
[ ٧ / ٤٩٢ ]
٢٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنىً، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - سقوط المبيت في منى لأهل السقاية ويلحق بذلك غيره من الأعذار. كالرعاة، والمرضى، ومن كان مرافقًا لمريض يخشى عليه إن تركه، وغير ذلك من الأعذار.
وقد جاء الترخيص لرعاء الإبل فيما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٩١٩)، ومِنْ طَرِيْقِه أحمد (٢٣٨٢٦، ٢٣٨٢٧)، وأبو داود (١٩٧٥)، والنسائي (٣٠٦٩)، والترمذي (٩٥٥)، وابن ماجة (٣٠٣٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا الْبَدَّاحِ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، أَخْبَرَهُ: عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ. خَارِجِينَ عَنْ مِنًى. يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ. ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ. ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢١٢):
[ ٧ / ٤٩٣ ]
«وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمي فيه فكان مالك يقول يرمون يوم النحر وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذاك يوم النفر الأول يرمون لليوم الذي مضى ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنَّه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحوًا من قول مالك، وقال بعضهم هم بالخيار إن شاؤوا قدموا وإن شاؤوا أخروا» اهـ.
قُلْتُ: الأمر في ذلك واسع، وقد جاء في رواية الترمذي وابن ماجة: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا».
لكن قال مالك: ظننت أنَّه قال في الأول منها (ثم يرمونه يوم النفر).
ورواية النسائي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٩٠):
«وإذا كان النبي ﷺ قد رخص لأهل السقاية، وللرعاء في البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٣٩١):
«مسألة: هل يلحق بهؤلاء من يماثلهم ممن يشتغلون بمصالح الحجيج العامة كرجال المرور، وصيانة أنابيب المياه، والمستشفيات وغيرها أو لا؟
[ ٧ / ٤٩٤ ]
الجواب: نعم يلحقون بهؤلاء لتمام أركان القياس، فإنَّ القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، وهذا موجود تمامًا فيمن يشتغلون بمصالح الحجيج، وعليه فيقاس على الرعاة والسقاة من يشتغلون بمصالح الناس في هذه الأيام، فيرخص لهم أن يبيتوا خارج منى.
ومن له عذر خاص كمريض ينقل للمستشفى خارج منى، هل يقاس على هؤلاء أو لا يقاس؟
قال بعض أهل العلم: إنَّه يقاس بجامع العذر في كل منهم.
وقال بعض العلماء: إنَّه لا يقاس على هؤلاء؛ لأنَّ هذا عذره خاص، والسقاة والرعاة عذرهم عام للمصلحة العامة، فهو لا يشبه الرعاية والولاية، والذي عذره خاص فهذا ينظر في أمره هل يرخص له في ترك المبيت ويقال: إنَّ عليك فدية لترك المبيت، أو يقال لا فدية عليك؟ ولكن قياسه على الرعاة والسقاة قياس مع الفارق» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٣٨):
«وأمَّا من بهم عذر خاص كالمريض والممرض له وما أشبه، ذلك فهل يلحقون بهؤلاء؟ على قولين للعلماء:
فمن العلماء من يقول: إنَّهم يلحقون لوجود العذر.
[ ٧ / ٤٩٥ ]
ومن العلماء من يقول: إنَّهم لا يلحقون، لأنَّ عذر هؤلاء خاص، وعذر أولئك عام.
والذي يظهر لي أنَّ أصحاب الأعذار يلحقون بهؤلاء كمثل إنسان مريض احتاج أن يرقد في المستشفى هاتين الليلتين إحدى عشرة واثنتي عشرة فلا حرج عليه، ولا فدية لأنَّ هذا عذر، وكون الرسول ﷺ يرخص للعباس- ﵄ مع إمكانه أن ينيب أحدًا من أهل مكة الذين لم يحجوا يدل على أنَّ مسألة المبيت أمرها خفيف يعني ليس وجوبها بذلك الوجوب المحتم، حتى إنَّ الإمام أحمد- ﵀ رأى أن من ترك ليلة من ليالي منى فإنَّه لا فدية عليه، وإنَّما يتصدق بشيء. يعني عشرة ريالات أو خمسة ريالات حسب الحال» اهـ.
قُلْتُ: المريض الذي لا يتمكن من المبيت في منى، وإن لم يوافق أهل السقاية، فإنَّه موافق لرخصة النبي ﷺ لرعاء الإبل، فإنَّه يدخل في رعاة الإبل من يرعى لنفسه، أو لغيره. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجْمِيُّ ﵀ فِي [تَأْسِيْسِ الْأَحْكَامِ] (٣/ ٣٤٤):
«إذن النبي ﷺ للعباس أن يبيت بمكة لمصلحة الحجاج هل هو إذن عام لمن له حاجة كحاجة العباس أو أنَّه للعباس فقط قولان لأهل العلم والمرجح أنَّ ذلك عام في كل من له حاجة تتعلق بالحجاج؛ ذلك لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أذن للرعاة أيضًا فمن له حاجة في هذا الزمن أو غيره تتعلق
[ ٧ / ٤٩٦ ]
بمصلحة الحج أو الحجاج كالعاملين في المستشفيات، وأصحاب الأوتوبيسات الذين لو توقفوا لأضر ذلك بمصلحة الحجاج والحج وما إلى ذلك من هذه الأمور كل ذلك يبيح التخلف عن المبيت بمنى ما دام يقوم بمصلحة للحج والحجاج» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٦/ ٦) في شأن الجنود: «وكذلك إذا دعت المصلحة أيضًا إلى تركهم المبيت بمنى فلا يأثمون كذلك» اهـ.
٢ - وجوب المبيت في منى ليالي التشريق لغير أهل الأعذار، إذ لو لم يكن ذلك واجبًا لما كان في الرخصة للعباس معنىً. وبالوجوب قال الجمهور، واستحب ذلك أبو حنيفة، وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد.
قُلْتُ: وإن ترك المبيت في منى في الثلاث الليالي لزمه دم، وليس فيما دون ذلك دم، بل الواجب عليه أن يتوب إلى الله ﷿، وهذا رواية عن أحمد، وهو الصحيح إن شاء الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢١٤): «فصل: فإن ترك المبيت بمنى، فعن أحمد: لا شيء عليه، وقد أساء.
وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنَّ الشرع لم يرد فيه بشيء.
وعنه يطعم شيئًا.
[ ٧ / ٤٩٧ ]
وخففه، ثم قال: قد قال بعضهم: ليس عليه.
وقال إبراهيم: عليه دم.
وضحك، ثم قال: دم بمرة، ثم شدد بمرة.
قُلْتُ: ليس إلا أن يطعم شيئًا؟ قال: نعم، يطعم شيئًا تمرًا أو نحوه.
فعلى هذا أي شيء تصدق به، أجزأه، ولا فرق بين ليلة وأكثر؛ ولا تقدير فيه.
وعنه: في الليالي الثلاث دم؛ لقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئًا، أو نسيه فليهرق دمًا.
وفيما دون الثلاث ثلاث روايات، وقال عطاء: في كل حصاة درهم.
وهو قول الشافعي.
وهذا لا نظير له، فإننا لا نعلم في ترك شيء من المناسك درهمًا، ولا نصف درهم، فإيجابه بغير نص تحكم لا وجه له.
والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: والواجب من المبيت أكثر الليل ولا يلزم جميعه.
وفي ذلك نزاع بين العلماء قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥١):
«وفي قدر الواجب من هذا المبيت قولان للشافعي أصحهما: الواجب معظم الليل، والثاني: ساعة» اهـ.
وهكذا عند المالكية والحنابلة في كتبهم أنَّ الواجب في البيت معظم الليل.
[ ٧ / ٤٩٨ ]
ويدل على عدم وجوب المبيت جميع الليل في منى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يأتي البيت ويطوف فيها في كل ليلة من ليالي منى.
فقد روى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٢٧٣١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٤٣٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥٦٧) مِنْ طَرِيْقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، قَالَ: دَفَعَ إلَيَّ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ كِتَابًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى».
وذكره البخاري في "باب الزيارة يوم النحر" معلقًا بصيغة التمريض.
قُلْتُ: هذه مناولة صحيحة، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٤٩٢) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ».
ورواه أبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (١٦١) مِنْ طَرِيْقِ ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه به.
قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤/ ٢٢٨): «وَكَذَلِكَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْبَيْتُوتَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيتَ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَقَامَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهَا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَأَقَامَ فِيهِ بَقِيَّتَهَا حَتَّى أَصْبَحَ أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَقَامَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا ثُمَّ خَرَجَ إلَى
[ ٧ / ٤٩٩ ]
غَيْرِهِ فَأَقَامَ فِيهِ بَقِيَّتَهَا حَتَّى أَصْبَحَ أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاتَ فِيهِ هَكَذَا الْمُتَعَارَفُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَقِيَ رَجُلًا فِي اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نِصْفُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَيْنَ تَبِيتُ اللَّيْلَةَ وَأَنَّهُ لَوْ لَقِيَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَى نِصْفُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَيْنَ بِتَّ اللَّيْلَةَ؟ فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ زِيَارَتِهِ الْبَيْتَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى هُوَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ مِنْهُ إلَى مِنًى قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نِصْفُ اللَّيْلِ فَيَكُونَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ فِيهَا، فَيَكُونُ بِذَلِكَ بَائِتًا فِيهَا فَاتَّفَقَ بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَخْتَلِفَا، وَاللهَ ﷿ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ» اهـ.
٣ - استحباب سقاية الحجاج والمعتمرين.
٤ - إثبات السقاية للعباس، وهي لآله من بعده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥١):
«واعلم أنَّ سقاية الناس حق لآل العباس كانت للعباس في الجاهلية، وأقرها النبي ﷺ له فهي لآل العباس أبدًا» اهـ.
٥ - مشروعية تخصيص السقاية لأناس معينين.
* * *
[ ٧ / ٥٠٠ ]
٢٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِـ"جَمْعٍ"، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إقَامَةٌ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب تأخير المغرب والعشاء إلى المزدلفة، والجمع بينهما جمع تأخير. وهذا الجمع من أجل السفر على الصحيح وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه من أجل النسك.
٢ - استحباب الإقامة لكل صلاة من صلاتي المغرب والعشاء، وهكذا السنة في كل صلاة تجمع مع أختها. وأمَّا الأذان فيقتصر فيه على أذان واحد للصلاتين. وقد جاء في ذلك ما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر في ذكره لصفة حجة الوداع وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا».
٣ - استحباب ترك الرواتب في السفر سوى ركعتي الفجر فقد دل الدليل على صلاتها في السفر.
٤ - إطلاق السبحة على صلاة النافلة. وسميت بذلك لما فيها من التسبيح.
[ ٧ / ٥٠١ ]
٥ - واحتج بذلك من قال بوجوب التسبيح في الصلاة، وذلك أنَّ إطلاق البعض على الكل يدل على وجوب ذلك البعض، وفي الحديث أطلق التسبيح على الصلاة.
٦ - واحتج به من قال بوجوب المولاة بين الصلاتين المجموعتين، ولا حجة فيه من وثلاثة أوجه:
الأول: أنَّه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يستفاد منه الوجوب فضلًا عن الشرطية.
الثاني: الاحتمال قائم بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يصلْ بينهما من أجل السفر، فإنَّ السنة فيه ترك الرواتب إلَّا راتبة الفجر كما سبق.
الثالث: أنَّه قد ثبت فصل النبي ﷺ بين صلاتي المغرب والعشاء بإناخة البعير، وذلك فيما رواه مسلم (١٢٨٠) عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، كَيْفَ صَنَعْتُمْ حِينَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَقَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاقَتَهُ وَبَالَ - وَمَا: قَالَ: أَهَرَاقَ الْمَاءَ - ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا، قُلْتُ: فَكَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ.
[ ٧ / ٥٠٢ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٥١ - ٥٢): «ولا تشترط أيضًا "المقارنة" فإنَّه لما أباح أن تصلى العشاء قبل مغيب الشفق وعلله بأنَّه يجوز له الجمع لم يجز أن يراد به الشفق الأبيض لأنَّ مذهبه المتواتر عنه أنَّ المسافر يصلي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر وهو أول وقتها عنده وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده فلم يكن مصليًا لها في وقت المغرب بل في وقتها الخاص. وأمَّا في الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال: لأنَّ الحمرة قد تسترها الحيطان فيظن أنَّ الأحمر قد غاب ولم يغب فإذا غاب البياض تيقن مغيب الحمرة. فالشفق عنده في الموضعين الحمرة لكن لما كان الشك في الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض. فهذا مذهبه المتواتر من نصوصه الكثيرة.
وقد حكى بعضهم رواية عنه أنَّ الشفق في الحضر الأبيض وفي السفر الأحمر. وهذه الرواية حقيقتها كما تقدم وإلَّا فلم يقل أحمد ولا غيره من علماء المسلمين: أنَّ الشفق في نفس الأمر يختلف بالحضر والسفر. وأحمد قد علل الفرق. فلو حكي عنه لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه. وقد حكى بعضهم رواية عنه أنَّ الشفق مطلق البياض. وما أظن هذا إلَّا غلطًا عليه.
وإذا كان مذهبه أنَّ أول الشفق إذا غاب في السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء - وهو يجوز للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك
[ ٧ / ٥٠٣ ]
بأنَّه يجوز له الجمع - علم أنَّه صلاها قبل مغيبها لا بعد مغيب الأحمر فإنَّه حينئذ لا يجوز التعليل بجواز الجمع.
الثاني: أنَّ ذلك من كلامه يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت وإن لم يصل إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور من مذهبه ومذهب غيره وأنَّه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب - حيث يجوز له الجمع - جاز ذلك وقد نص أيضًا على نظير هذا فقال: إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس. وهذا نص منه على أنَّ الجمع هو جمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة وقد تأول ذلك بعض أصحابه على قرب الفصل وهو خلاف النص» اهـ.
وقال أيضًا ﵀ (٢٤/ ٥٤ - ٥٦):
«والصحيح أنَّه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية؛ فإنَّه ليس لذلك حد في الشرع ولأنَّ مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة وهو شبيه بقول من حمل الجمع على الجمع بالفعل وهو أن يسلم من الأولى في آخر وقتها ويحرم بالثانية في أول وقتها كما تأول جمعه على ذلك طائفة من العلماء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها؛ فإنَّه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب ويريد مع ذلك ألا يطيلها وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك وإذا دخل في الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحدًا ليحصل الركوع والجماعة لم
[ ٧ / ٥٠٤ ]
يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء علمًا وعملًا وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ودفعًا للحرج عن الأمة فكيف لا يشرع إلَّا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة. فعلم أنَّه كان ﷺ إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنه لا يسلم من الأولى إلَّا قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنَّما يعرف على سبيل التحديد بالظل والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت ولا موقت يعرف ذلك بالآلات الحسابية والمغرب إنَّما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك.
وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب؛ بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم قبل خروج الوقت. ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه
[ ٧ / ٥٠٥ ]
كان يراعيه؛ بل ولا أصحابه فهؤلاء لا يمكن الجمع على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلَّا مع تفريق الفعل وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين وأولئك قالوا لا يكون الجمع إلَّا في وقتين وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل وكلا القولين ضعيف. والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة. وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة وفي بعض أسفاره. وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا؛ وكل هذا جائز؛ لأنَّ أصل هذه المسألة أنَّ الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ففي عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [جَامِعِ الْمَسَائِلِ] (٦/ ٣٥٠ - ٣٥١):
«وكذلك الموالاة بين الصلاتين، وقد أوجبها الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وقد نص أحمد على أنَّ المسافر إذا صلى العشاء قبل غروب الشفق في السفر جاز، وجعله بذلك جامعًا. وليس مراده الأبيض، فإنَّ الوقت يدخل في حق المسافر بغروب الشفق الأحمر عنده بلا ريب، وكذلك الحاضر، وإنَّما اختار للحاضر أن يؤخرها إلى مغيب الأبيض ليتيقن مغيب الشفق الأحمر عنده بلا ريب، لأنَّ الجدران تواري الحمرة في الحضر دون السفر، وإن جوز أن يصلي قبل
[ ٧ / ٥٠٦ ]
مغيب الأحمر في السفر، لأنَّ المسافر يجوز له الجمع، فلو أراد أن يصليها عقيب المغرب جاز، فإذا أخرها كان أولى بالجواز، لأنَّه أقرب إلى الوقت المختص، فكيف يسوغ أن يقال: يصلي في الوقت البعيد عن وقتها المختص دون المشترك.
وإذا قال قائل: إنَّ ذلك لا يسمى جمعًا إلَّا مع الاقتران.
قيل: هذا لا يجوز الاحتجاج به لوجهين:
أحدهما: أنَّ الشارع لم يعلق الحكم بهذا اللفظ ولا معناه، ولكن دل الشرع على جوازه.
الثاني: أنَّ الجمع سمي بذلك، لأنَّه جمع بينهما في وقت إحداهما المختص، لا لاقتران الفعل، بدليل أنَّه لو جمع في وقت الثانية لم يجب الاقتران بلا ريب، بل له أن يصلي الأولى في أول الوقت والثانية في آخره. وقد صلى النبي ﷺ ليلة جمع المغرب قبل إناخة الرحال، ثم أناخوها، ثم صلى العشاء بعد ذلك بفصل بينهما» اهـ.
* * *
[ ٧ / ٥٠٧ ]