٥٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
الفَذُّ: الفردُ. والفرق بين الفذ والواحد: أن الفذ يفيد التقليل دون التوحيد يقال: لا يأتينا فلان إلَّا في الفذ أي القليل.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وقوله: «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». يقتضي أنَّ صلاة المأموم تعدل ثمانية وعشرين درجة من صلاة الفذ لأنَّها تساويها وتزيد عليها سبعًا وعشرين جزءًا. قاله العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ٣٠١).
قلت: ويمكن أن يقال: إنَّ صلاة المصلي في جماعة تعدل خمسًا وعشرين درجة من صلاة الفذ كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد فإنَّهما وردا لبيان الفضل الذي يناله المصلي في الجماعة من غير أن يذكرا فيه ما للفرد من أجر، وحديث ابن عمر ذكر فيه فضل صلاة الجماعة مجموعًا معه ما للفرد من أجر فكان مجموع الأمرين سبعًا وعشرين درجة. للجماعة منها خمس وعشرين، وللفرد منها درجتان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٢٢):
[ ٢ / ٢٠٤ ]
«وقد جمع بينهما. بأنَّ حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة والفضل خمس وعشرون وحديث السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفردًا وصلاته في الجماعة والفضل بينهما فصار المجموع سبعًا وعشرين» اهـ.
لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣ - ١٤): «في حديث ابن عمر: أنَّ صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وفي حديث أبي سعيد: أنَّها عليها بخمس وعشرين.
وقد جمع بعض الناس بينهما، فقال: أريد في حديث ابن عمر ذكر صلاة الفذ وصلاة الجماعة، وما بينهما من الفضل، وهو خمس وعشرون، فصار ذلك سبعًا وعشرين، وفي حديث أبي سعيد ذكر قدر الفضل بينهما فقط، وهو خمس وعشرون.
وهذا بعيد، فإنَّ حديث ابن عمر ذكر فيه قدر التفاضل بين الصلاتين - أيضًا، كما ذكر في حديث أبي سعيد.
وقد خرجه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعًا وعشرين درجة".
وأمَّا حديث أبي هريرة ففيه تضعف صلاة الجماعة على الصلاة في البيت والسوق خمسة وعشرين ضعفًا، والمراد به - أيضًا -: قدر التفاضل بينهما.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وسيأتي حديث أبي هريرة بلفظ آخر، خرجه البخاري في الباب الذي يأتي بعد هذا، وهو:
"تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا".
والمراد بهذه الأجزاء والأضعاف والدرج معنى واحد - والله أعلم -، وهو: أنَّ صلاة الفذ لها ثواب مقدر معلوم عند الله، تزيد صلاة الجماعة على ثواب صلاة الفذ خمسة وعشرين، أو سبعة وعشرين.
وقد جاء التصريح بهذا في حديث خرجه مسلم من رواية سلمان الأغر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ".
وخرج - أيضًا - من وجه آخر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال:
"صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده".
وفي "المسند" عن ابن عمر - مرفوعًا -: "كلها مثل صلاته".
وقد اختلف الناس في الجمع بين حديث ابن عمر في ذكر السبع وعشرين وبين حديث أبي سعيد وأبي هريرة في ذكر خمس وعشرين.
فقالت طائفة: ذكر النبي ﷺ في كل وقت ما أعلمه الله وأوحاه إليه من الفضل، فبلغه كما أوحي إليه، وكان قد أوحى إليه أنَّ صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين، والعدد لا مفهوم له عند كثير من العلماء، ثم أوحى إليه زيادة على ذلك، كما أخبر: أنَّ "من مات له ثلاثة من
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الولد لم تمسه النار". ثم سئل عن الاثنين، فقال: "واثنان" ثم سئل عن الواحد، فقال:
"والواحد"، وكما أخبر أنَّ "صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر"، ثم أخبر عبد الله ابن عمرو بن العاص أنَّه إن صام يومًا من الشهر أو يومين منه فله أجر ما بقي منه، ونطق الكتاب بأنَّ الحسنة بعشر أمثالها، ثم جاءت السنة بأنَّ الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ودل القرآن عليه - أيضًا.
وقالت طائفة: صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها في نفسها، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: يتفاوت ثوابها بإكمال الصلاة في نفسها، وإقامة حقوقها وخشوعها، ورجحه أبو موسى المديني.
ولكن صلاة الفذ يتفاوت ثوابها - أيضًا - على حسب ذلك.
ومنهم من قال: يتفاوت ثوابها بذلك، وربما يقترن بصلاة الجماعة من المشي إلى المسجد وبعده وكثرة الجماعة فيه، وكونه عتيقًا، وكون المشي على طهارة، والتبكير إلى المساجد، والمسابقة إلى الصف الأول عن يمين الإمام أو وراءه، وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، والتأمين معه، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وغير ذلك.
وهذا قول أبي بكر الأثرم وغيره، وهو الأظهر.
ويدل عليه: أنَّه ﷺ ذكر في حديث أبي هريرة تعليل المضاعفة، فقال:
[ ٢ / ٢٠٧ ]
"وذلك أنَّه إذ توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلاَّ الصلاة، لم يخط خطوة إلَّا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ".
وعلى هذا؛ فقد تضاعف الصلاة في جماعة أكثر من ذلك إمَّا بحسب شرف الزمان، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة.
وقد قال ابن عمر: أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة.
وروي عنه مرفوعًا، والموقوف هو الصحيح -: قاله الدارقطني.
وخرجه البزار بإسناد ضعيف، عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا، وزاد فيه:
"ولا أحسب من شهدها منكم إلَّا مغفورًا له".
أو شرف المكان، كالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلاَّ المسجد الحرام"» اهـ.
قلت: ويمكن أن يجمع بينهما بأنَّ ذكر الخمس والعشرين من باب جبر الكسر، وإلَّا فإنَّ الدرجات هي سبع وعشرون.
٢ - واحتج بالحديث لمذهب جمهور العلماء من أنَّ الجماعة ليست بشرط في صحة الصلاة.
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ٣٠١):
[ ٢ / ٢٠٨ ]
«ووجه الدليل منه معنيان أحدهما: أنَّه جعل صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ ولو لم تكن صلاة الفذ مجزئة لما وصفت بأنَّ صلاة الجماعة تفضلها لأنَّه لا يصح أن يفاضل بين صلاة الجماعة وبين ما ليس بصلاة.
والثاني: أنَّه حد ذلك بسبع وعشرين درجة فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة من الفضيلة لما جاز أن يقال إنَّ صلاة الجماعة تزيد عليها سبعًا وعشرين درجة ولا أكثر ولا أقل لأنَّه إذا لم يكن لصلاة الفذ مقدار من الفضيلة فلا يصح أن تتقدر الزيادة عليها بدرجات معدودة مضافة إليها» اهـ.
قلت: ومن قال بشرطية صلاة الجماعة حمل الحديث في حق المعذور كحديث التفضيل بين صلاة القائم والقاعد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٣٤ - ٢٣٨):
«وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَدِيثِ التَّفْضِيلِ. بِأَنْ قَالُوا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْذُورِ كَالْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ﷺ: "صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ" وَأَنَّ تَفْضِيلَهُ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ. كَتَفْضِيلِهِ صَلَاةَ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ كَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ: هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا الْمَعْذُورُ أَوْ غَيْرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمُرَادُ بِهِمَا غَيْرُ الْمَعْذُورِ. قَالُوا لِأَنَّ الْمَعْذُورَ أَجْرُهُ تَامٌّ بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي
[ ٢ / ٢٠٩ ]
مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" قَالُوا: فَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ يُكْتَبُ لَهُمَا مَا كَانَا يَعْمَلَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ. فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاةُ الْمَعْذُورِ قَاعِدًا أَوْ مُنْفَرِدًا دُونَ صَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ قَاعِدًا وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ تَفْضِيلَ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي الْفَرْضِ وَاجِبٌ. وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَزِمَهُ أَنْ يُجَوِّزَ تَطَوُّعَ الصَّحِيحِ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: "وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ". وَقَدْ طَرَدَ هَذَا الدَّلِيلَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَجَوَّزُوا أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّجُلُ مُضْطَجِعًا لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْمَرِيضِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَعَدُّوهُ بِدْعَةً وَحَدَثًا فِي الْإِسْلَامِ. وَقَالُوا: لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَطُّ صَلَّى فِي الْإِسْلَامِ عَلَى جَنْبِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّهِمْ ﷺ أَوْ بَعْدَهُ وَلَفَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ فَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ قَاعِدًا وَيُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ فَلَوْ كَانَ هَذَا سَائِغًا لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً. أَوْ لَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا هَذَا مَعَ ظُهُورِ حُجَّتِهِمْ قَدْ تَنَاقَضَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْجَمَاعَةَ مِنْهُمْ حَيْثُ حَمَلُوا قَوْلَهُ: "تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ بِخَمْسِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ الْمَعْذُورِ فَيُقَالُ لَهُمْ: لِمَ كَانَ التَّفْضِيلُ هُنَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَالتَّفْضِيلُ هُنَاكَ فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ وَهَلْ هَذَا إلَّا تَنَاقُضٌ. وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْجَمَاعَةَ وَحَمَلَ التَّفْضِيلَ عَلَى الْمَعْذُورِ فَطَرَدَ دَلِيلَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
[ ٢ / ٢١٠ ]
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مُنَازِعُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: "إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" فَجَوَابُهُمْ عَنْهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَبُ مِثْلُ الثَّوَابِ الَّذِي كَانَ يُكْتَبُ لَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَجْلِ نِيَّتِهِ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنْهُ بِالْعُذْرِ. وَهَذِهِ "قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ" أَنَّ مَنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْفِعْلِ عَزْمًا جَازِمًا وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ فَهَذَا الَّذِي كَانَ لَهُ عَمَلٌ فِي صِحَّتِهِ وَإِقَامَتِهِ عَزْمُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَقَدْ فَعَلَ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ مَا أَمْكَنَهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ. كَمَا جَاءَ فِي السُّنَنِ: فِيمَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ فَوَجَدَهَا قَدْ فَاتَتْ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: "إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ" قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ". وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. فَهَذَا وَمِثْلُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْذُورَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَفْعَلَ وَقَدْ عَمِلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ عَمَلِهِ مِثْلَ عَمَلِ الصَّحِيحِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَرِيضِ نَفْسَهَا فِي الْأَجْرِ مِثْلُ صَلَاةِ الصَّحِيحِ وَلَا أَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ الْمَعْذُورِ فِي نَفْسِهَا مِثْلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ كَمَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إذَا فَاتَتْهُ مَعَ قَصْدِهِ لَهَا.
وَأَيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ مَعْذُورٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ عَمَلِ الصَّحِيحِ وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لَهُ إذَا كَانَ يَقْصِدُ عَمَلَ الصَّحِيحِ وَلَكِنْ عَجَزَ عَنْهُ. فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ كَانَ عَادَتُهُ
[ ٢ / ٢١١ ]
الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ وَالصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ وَكَذَلِكَ مَنْ تَطَوَّعَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ وَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي الْحَضَرِ قَائِمًا يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الْإِقَامَةِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةِ وَلَا الصَّلَاةَ قَائِمًا إذَا مَرِضَ فَصَلَّى وَحْدَهُ أَوْ صَلَّى قَاعِدًا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ. وَمَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاةَ هَذَا قَاعِدًا مِثْلَ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَصَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا مِثْلَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ: تَفْضِيلُ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَلِصَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَاعِدِ عَلَى الْمُضْطَجَعِ إنَّمَا دَلَّ عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ حَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ صَحِيحَةً أَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الصَّلَاةِ المفضولة تَصِحُّ حَيْثُ تَصِحُّ تِلْكَ أَوْ لَا تَصِحُّ فَالْحَدِيثُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَلَا سِيقَ الْحَدِيثُ لِأَجْلِ بَيَانِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا؛ بَلْ وُجُوبُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَسُقُوطِ ذَلِكَ وَوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ وَسُقُوطِهَا: يُتَلَقَّى مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا: كَوْنُ هَذَا الْمَعْذُورِ يُكْتَبُ لَهُ تَمَامُ عَمَلِهِ أَوْ لَا يُكْتَبُ لَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ وَقَدْ بَيَّنَتْ سَائِرُ النُّصُوصِ أَنَّ تَكْمِيلَ الثَّوَابِ هُوَ لِمَنْ كَانَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الْفَاضِلَ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ لَا لِكُلِّ أَحَدٍ. وَتُثْبِتُ نُصُوصٌ أُخَرُ وُجُوبَ الْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ كَقَوْلِهِ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". وَبَيَّنَ جَوَازَ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا لَمَّا رَآهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ قُعُودًا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَتَطَوَّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ. كَذَلِكَ تُثْبِتُ نُصُوصٌ أُخَرُ وُجُوبَ
[ ٢ / ٢١٢ ]
الْجَمَاعَةِ فَيُعْطِي كُلَّ حَدِيثٍ حَقَّهُ فَلَيْسَ بَيْنَهَا تَعَارُضٌ وَلَا تَنَافٍ وَإِنَّمَا يَظُنُّ التَّعَارُضَ وَالتَّنَافِي مَنْ حَمَّلَهَا مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْطِهَا حَقَّهَا بِسُوءِ نَظَرِهِ وَتَأْوِيلِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: واحتج من قال بشرطية الجماعة للصلاة ما رواه ابن ماجه (٧٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
وقد تابع هشيمًا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عند الحاكم في [المستدرك] (٨٩٤)، وأَبُو سُلَيْمَانً دَاوُدُ بْنُ الْحَكَمِ عند الحاكم في [المستدرك] (٨٩٥) وداود هذا لا يعرف.
وقُرَادٌ وحديثه عند الدارقطني في [سننه] (١٥٥٦)، والبغوي في [شرح السنة] (٧٩٥)، وقُرَادٌ هذا لا بأس به.
ورواه علي بن الجعد في [مسنده] (٤٨٢) موقوفًا فقال: أنا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ شُعْبَةَ مُسْنَدًا اهـ.
وتابعه على الوقف حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وحديثهما عند البيهقي في [الكبرى] (٥٥٨٥)، وحديث سليمان رواه أيضًا الطبراني في [الكبير] (١٢٣٤٤). وهما من الثقات الحفاظ الأثبات لكن اختلف على سليمان ابن حرب في رفعه ووقفه وانظر [سنن البيهقي الكبرى] (٥٥٨٦، ٥٥٨٧).
[ ٢ / ٢١٣ ]
ورواه أبو داود في [سننه] (٥٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَبِي جَنَابٍ عَنْ مَغْرَاءٍ الْعَبْدِىِّ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِىَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ». قَالُوا وَمَا الْعُذْرُ قَالَ: «خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِى صَلَّى».
قَالَ: أَبُو دَاوُدَ رَوَى عَنْ مَغْرَاءٍ أَبُو إِسْحَاقَ اهـ.
قلت: أبو جناب يحيى بن أبي حية ضعيف مدلس، ومغراء لم يوثقة معتبر.
قال الحاكم ﵀ في [المستدرك] (١/ ٣٧٢):
«هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَوْقَفَهُ غُنْدَرُ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَهُشَيْمٌ وَقُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ثِقَتَانِ، فَإِذَا وَصَلَاهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُمَا وَلَهُ فِي سَنَدِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ شَوَاهِدُ، فَمِنْهَا» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٤٤٩):
«وقد رفعه طائفة من أصْحَاب شعبة بهذا الإسناد، وبعضهم قَالَ: عَنْ شعبة، عَنْ حبيب بْن أَبِي ثابت، عَنْ سَعِيد، عَنْ ابن عَبَّاس مرفوعًا.
وقد خرجه بالإسناد الأول مرفوعًا ابن ماجه وابن حبان فِي "صحيحه" والحاكم وصححه.
ولكن وقفه هُوَ الصحيح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره» اهـ.
وقال العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (٤/ ٤١٨):
«قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث وَكِيع وَعبد الرَّحْمَن عَنْ شُعْبَة مَوْقُوفًا عَلَى ابْن عَبَّاس غير مَرْفُوع» اهـ.
قلت: الأظهر فيه الوقف وقد جاء عن بعض الصحابة نحو ذلك.
[ ٢ / ٢١٤ ]
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١٠٥):
«لو قدر أنَّه لم يصح رفعه فقد صح عن ابن عباس بلا شك، وهو قول صاحب لم يخالفه صاحب» اهـ.
وروى البزار في [مسنده] (٣١٥٧) وَأَخْبَرَنَاهُ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ»، أَحْسِبُهُ قَالَ: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»، هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى مَوْقُوفًا اهـ.
قلت: وقيس بن الربيع مختلف فيه.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٣/ ٨٠):
«وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مُسْنَدًا وَمَوْقُوفًا، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (٢/ ٤٥٩):
«والمعروف أَنَّه موقوفٌ على أبي موسى.
وقد رواه البيهقيُّ من رواية أبي بكر بن عيَّاش عن أبي حَصِيْن مرفوعًا، ومن رواية مِسْعَر وزائدة بن قدامة عن أبي حَصِيْن موقوفًا، والله أعلم» اهـ.
وروى تمام في [الفوائد] (١٢٩١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ الْفَارِسِيُّ الْمُقْعَدُ، ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثنا
[ ٢ / ٢١٥ ]
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ».
قلت: علي بن يعقوب هو ابن إبراهيم بن شاكر بن صدقة الهمداني الدمشقي المعروف بابن أبي العقب أحد الثقات، له ترجمة في [نزهة الناظر] (ص: ١٠٢) للعطار، و[سير أعلام النبلاء] (٣١/ ٣٩)، و[تاريخ الإسلام] (٢٦/ ٩٣) للذهبي، وغير ذلك.
وأحمد بن عمرو المقعد ثقة ثقة كما في [تاريخ دمشق] لابن عساكر (٥/ ١٠٢)، وشيبان ثقة قدموه في التثبت على هدبة بن خالد أحد الثقات، وحماد بن سلمة وحميد هو الطويل من الثقات كما لا يخفى، والحسن هو البصري ثبت سماعه من أنس. فظاهر هذا السند أنَّه صحيح.
قال الحافظ الترمذي ﵀ في [سننه] (١/ ٤٢٣):
«وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ". وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١١/ ٦١٥):
«وَ"الْجَمَاعَةُ" وَاجِبَةٌ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَقْوَاهُمَا كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ". وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَأَحَدُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا نِزَاعَ
[ ٢ / ٢١٦ ]
بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] ص (١٥٥):
«فصل في هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا؟
وأمَّا المسالة السابعة وهي هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فاختلف الموجبون لها في ذلك على قولين:
أحدهما: أنَّها فرض يأثم تاركها وتبرأ ذمته بصلاته وحده وهذا قول أكثر المتأخرين من أصحاب أحمد ونص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: إجابة الداعي إلى الصلاة فرض ولو أنَّ رجلًا قال هي عندي سنة أصليها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث وصلاته جائزة.
وعنه رواية ثانية ذكرها أبو الحسن الزعفراني في كتاب "الإقناع" أنَّها شرط للصحة فلا تصح صلاة من صلى وحده وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب واختاره أبو الوفاء ابن عقيل وأبو الحسن التميمي وهو قول داود وأصحابه. قال ابن حزم "المحلى": وهو قول جميع أصحابنا» اهـ.
قلت: ومن جملة الحجج التي احتج بها من قال بشرطية الجماعة
ما رواه أحمد (١٨٠٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ، فَقَالَ: "يُعِيدُ الصَّلَاةَ"».
قلت: هذا إسناد صحيح.
[ ٢ / ٢١٧ ]
ورواه أبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٣٣٠، ٣٣١)، وابن ماجه (١٠٠٤).
فروى أحمد (١٦٣٤٠)، وابن ماجه (١٠٠٣) من طريق مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ شَيْبَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ إِلَى رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ». قَالَ: وَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: فَرْدًا خَلْفَ الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
قلت: هذا إسناد صحيح.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١٠٧):
«فوجه الدلالة أنَّه أبطل صلاة المنفرد عن الصف وهو في جماعة، وأمره بإعادة صلاته مع أنَّه لم ينفرد إلَّا في المكان خاصة فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبطلان، يوضحه أنَّ غاية هذا الفذ أن يكون منفردًا، ولو صحت صلاة المنفرد لما حكم رسول الله ﷺ بنفيها، فأمر من صلى كذلك أن يعيد صلاته» اهـ.
قلت: والصحيح من أقوال العلماء أنَّ صلاة الجماعة واجبة على الأعيان وليست بشرط في صحتها.
[ ٢ / ٢١٨ ]
ومما يدل على عدم اشتراط الجماعة لصحة الصلاة ما رواه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ».
قلت: ولو كانت صلاة المتخلف عن الجماعة باطلة لما كان له شيء من الأجر.
والأحاديث الواردة بنفي صلاة من لم يجب النداء محمولة على نفي الكمال الواجب لا نفي الصحة جمعًا بين الأدلة.
وما ورد من بطلان صلاة المنفرد خلف الصف فإنَّه محمول على من نوى صلاة الجماعة ثم لم ينضم إلى الجماعة فإنَّ فعله هذا منافٍ لنيته، وأمَّا من انفرد ابتداء ولم يكن مؤتمًا فلا يدخل في هذا الحكم. والله أعلم.
على أنَّ القول بشرطية صلاة الجماعة له قوته كما سبق، ويتقوى بأنَّ صلاة الجماعة في صلاة الخوف قدمت على كثير من الواجبات كاستقبال القبلة، ومتابعة الإمام، ولولا أنَّ صلاة الجماعة أوكد من ذلك لما قدمت عليه.
قلت: ومن قال من أهل العلم ببطلان صلاة المنفرد التارك للجماعة فإنَّ كلامهم محمول على من صلى في بيته قبل أن تقام الجماعة، وحاله كحال من صلى الظهر في بيته قبل أن تُصلى الجمعة، وأمَّا من فوَّت الجماعة عمدًا وصلى بعدها منفردًا فتصح صلاته مع الإثم، وهو كمن فوَّت على نفسه صلاة الجمعة ثم صلى بعد ذلك الظهر فإنَّ صلاته تصح مع الإثم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٣٣):
[ ٢ / ٢١٩ ]
«وَأَمَّا الْوَقْتُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ فَإِذَا فَاتَ لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ فَنَظِيرُ ذَلِكَ فَوْتُ الْجُمُعَةِ وَفَوْتُ الْجَمَاعَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا فَإِذَا فَوَّتَ الْجُمُعَةَ الْوَاجِبَةَ كَانَ آثِمًا وَعَلَيْهِ الظُّهْرُ إذْ لَا يُمْكِنُ سِوَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ فَوَّتَ الْجَمَاعَةَ الْوَاجِبَةَ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ شُهُودُهَا وَلَيْسَ هُنَاكَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ هُنَا لِعَدَمِ إمْكَانِ صَلَاتِهِ جَمَاعَةً كَمَا تَصِحُّ الظُّهْرُ مِمَّنْ تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ. وَلَيْسَ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ بِأَعْظَمَ مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ فَهَذَا عِنْدَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ» اهـ.
٣ - واحتج بالحديث من ذهب إلى عدم وجوب صلاة الجماعة.
وهذا مبني على أنَّ التفضيل لا يكون بين ما يجوز وما لا يجوز، وليس هذا بصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٣٢):
«وَالتَّفْضِيلُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَفْضُولَ جَائِزٌ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَجَعَلَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ خَيْرًا مِنْ الْبَيْعِ وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾» اهـ.
قلت: وقد دلت الأدلة على وجوب صلاة الجماعة عدت حجج فمنها:
الجحة الأولى: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ
[ ٢ / ٢٢٠ ]
طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
ووجه الشاهد من الآية: أنَّ الله تعالى أوجب صلاة الجماعة مع حصول الخوف ففي وقت الأمن من باب أولى، بل غالب معارك النبي ﷺ كانت في الأسفار ومع ذلك أمر الله تعالى بإقامة الجماعة مع اجتماع السفر والخوف فإذا انتفى السفر والخوف فالجماعة واجبة من باب أولى.
وفي هذه الآية رد على من قال: إنَّ صلاة الجماعة من فروض الكفايات، وذلك أنَّ الله تعالى أوجب صلاة الجماعة على الطائفة الثانية مع أداء الطائفة الأولى لها، ولو كانت من فروض الكفايات لأسقطت الطائفة الأولى الفرض.
وفي الآية رد على من ظنَّ من الناس أنَّ صلاة الجماعة لا تجب على المسافر، وهذا خطأ محض فإنَّ الله تعالى أمر بالجماعة مع اجتماع الخوف والسفر فإذا انفرد السفر عن الخوف فهي واجبة بطريق الأولى.
لكن صلاة الجماعة لا تجب على المسافر أن يصليها في المسجد بل له أن يصليها في أي موضع ولو في منزله مع أهله.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (١٦٨٢٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٤٩)، والترمذي (٢٠٣) من طريق يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
«شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا
[ ٢ / ٢٢١ ]
مَعَهُ، فَقَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا"، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند هذه الآية كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧):
«وَفِيهَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْخَوْفِ وَهُوَ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْأَمْنِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ سَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَمَاعَةً وَسَوَّغَ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ. كَاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ مُفَارَقَةُ الْإِمَامِ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَكَذَلِكَ التَّخَلُّفُ عَنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ كَمَا يَتَأَخَّرُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بَعْدَ رُكُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَمَامَهُمْ. قَالُوا: وَهَذِهِ الْأُمُورُ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ لَوْ فُعِلَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةً بَلْ مُسْتَحَبَّةً لَكَانَ قَدْ الْتَزَمَ فِعْلَ مَحْظُورٍ مُبْطِلٍ لِلصَّلَاةِ وَتُرِكَتْ الْمُتَابَعَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ فِعْلٍ مُسْتَحَبٍّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا صَلَاةً تَامَّةً فَعُلِمَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ» اهـ.
الحجة الثانية: قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣].
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ووجه الحجة في ذلك: أنَّ الله تعالى ذمهم وعاقبهم على عدم إجابتهم لدعوة من دعاهم إلى السجود وهم المؤذنون، وإجابة ذلك بفعل الصلاة في بيوت الله تعالى جماعة كقول النبي ﷺ: «"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَأَجِبْ"». رواه مسلم (٦٥٣) عن أبي هريرة ﵁.
وهذا يدل على أنَّ الإجابة الواجبة لا تكون بأداء الصلاة في البيوت وإنَّما جماعة في المساجد.
الحجة الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
ووجه الحجة في الآية: أنَّ الله تعالى أمر فيها بالركوع مع الراكعين، وهذا أمر بالجماعة.
الحجة الرابعة: ما رواه البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ».
قلت: ولو كانت الجماعة مستحبة لما هم النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين عنها.
الحجة الخامسة: ما رواه مسلم (٦٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ
[ ٢ / ٢٢٣ ]
فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَأَجِبْ"».
قلت: وإذا لم يرخص الله تعالى للأعمى في ترك الجماعة فمن باب أولى أن لا يرخص للبصير.
فإن قيل: قد رخص النبي ﷺ لعتبان حين أنكر بصره أن يصلي في بيته.
فالجواب: أنَّه رخص له بسبب حصول السيول التي تحول بينه وبين مسجد قومه.
فروى البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) عن مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ -: «أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ". قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ …». الحديث.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الحجة السادسة: ما رواه مسلم (٦٥٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ».
قلت: فيه أنَّ التخلف عن صلاة الجماعة من الضلال، وفيه أيضًا أنَّ التخلف عنها من صفات المنافقين، وكل هذا مما يدل على وجوبها.
الحجة السابعة: ما رواه مسلم (٦٧٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ».
قلت: وهذا أمر بصلاة الجماعة والأمر للوجوب.
الحجة الثامنة: ما رواه مسلم (٦٥٥) عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ:
«كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ يَمْشِي فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ».
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ووجه الحجة: أنَّ الخارج من المسجد يعد عاصيًا لتفويته لصلاة الجماعة، ولا يكون عاصيًا لترك ما يستحب.
الحجة التاسعة: إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة.
وقد نقل إجماعهم العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١١٠).
وقال (ص: ١١١): «هذه نصوص الصحابة كما تراها صحة وشهرة وانتشارًا، ولم يجيء عن صحابي واحد خلاف ذلك وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟ وبالله التوفيق» اهـ.
قلت: ومما يحتج به على وجوب صلاة الجماعة ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١١٦) حيث قال:
«قالوا: وقد دلت أحكام الشريعة على أنَّ صلاة الجماعة فرض على كل واحد وذلك من وجوه:
أحدها: أنَّ الجمع لأجل المطر جائز وليس جوازه إلَّا محافظة على الجماعة، وإلَّا فمن الممكن أن يصلي كل واحد في بيته منفردًا، ولو كانت الجماعة ندبًا لما جاز ترك الواجب، وتقديم الصلاةعن وقتها ندب محض.
الثاني: أنَّ المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة وأطاق القيام إذا صلى وحده صلى جماعة وترك القيام ومحال أن يترك ركنًا من أركان الصلاة لمندوب محض.
الثالث: أنَّ الجماعة حال الخوف يفارقون الإمام ويعملون العمل الكثير في الصلاة ويجعلون الإمام منفردًا في وسط الصلاة كل ذلك لأجل تحصيل الجماعة،
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وكان من الممكن أن يصلوا وحدانًا بدون هذه الأمور ومحال أن يرتكب ذلك وغيره لأجل أمر مندوب إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله، وبالله التوفيق» اهـ.
قلت: ويشكل على القول بالوجوب ما رواه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) في قصة الذين الثلاثة الذين خلفوا وفيها قول كعب بن مالك ﵁: «ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا».
هذا لفظ مسلم وفيه أنَّه صلى الفجر في سطح بيته ولم يصل في المسجد.
لكن لفظ البخاري لا يدل على ذلك وهو قوله:
«فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ».
قلت: ورواه الطيالسي بلفظ أصرح من ذلك فقال: «فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ فِي صُبْحِ خَمْسِينَ لَيْلَةً مُنْذُ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، صَلَّيْتُ صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا».
وجاء أيضًا في نفس الحديث في الصحيحين قول كعب بن مالك ﵁: «فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ».
قلت: وفي هذه القصة تخلف هؤلاء عن صلاة الجماعة، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وأجاب عن ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨) فقال: «وَمِنْهَا: أَنَّ هلال بن أمية، ومرارة قَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَكَانَا يُصَلِّيَانِ فِي بُيُوتِهِمَا، وَلَا يَحْضُرَانِ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِجْرَانَ الْمُسْلِمِينَ لِلرَّجُلِ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ يُقَالُ: مِنْ تَمَامِ هِجْرَانِهِ أَنْ لَا يَحْضُرَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ: فكعب كَانَ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا عَتَبَ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّخَلُّفِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَمَّا أُمِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهَجْرِهِمْ تَرَكُوا: لَمْ يُؤْمَرُوا وَلَمْ يُنْهَوْا وَلَمْ يُكَلَّمُوا، فَكَانَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمُ الْجَمَاعَةَ لَمْ يُمْنَعْ، وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُكَلَّمْ، أَوْ يُقَالُ: لَعَلَّهُمَا ضَعُفَا وَعَجَزَا عَنِ الْخُرُوجِ، وَلِهَذَا قَالَ كعب: وَكُنْتُ أَنَا أَجْلَدَ الْقَوْمِ وَأَشَبَّهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ» اهـ.
قلت: الأظهر هو الاحتمال الأخير، وبهذا أيضًا يُتأول ما رواه البخاري (٣٦١٣)، ومسلم (١١٩) واللفظ له. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ:
«لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَاحْتَبَسَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: "يَا أَبَا عَمْرٍو مَا شَأْنُ ثَابِتٍ اشْتَكَى". قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ثَابِتٌ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ﷺ فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"».
قلت: وقد اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة فقال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٣٥): «فصل في حكم صلاة الجماعة.
وأمَّا المسألة السادسة وهي: هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا؟
فهذه المسألة مبينة على أصلين أحدهما أنَّ صلاة الجماعة فرض أم سنة.
وإذا قلنا هي فرض فهل هي شرط لصحة الصلاة أم تصح بدونها مع عصيان تاركها
فهاتان مسالتان.
أمَّا المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها فقال بوجوبها عطاء ابن أبي رباح والحسن البصري وأبو عمر الأوزاعي وأبو ثور والإمام أحمد في ظاهر مذهبه ونص عليه الشافعي في "مختصر المزني" فقال: وأمَّا الجماعة فلا أرخص في تركها إلاَّ من عذر».
إلى أن قال ﵀ ص (١٣٧): «وقالت الحنفية والمالكية هي سنة مؤكدة ولكنهم يؤثمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه والخلاف بينهم وبين من قال أنَّها واجبة لفظي، وكذلك صرح بعضهم بالوجوب» اهـ.
قلت: ويؤيد هذا قول العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٢٢٧):
[ ٢ / ٢٢٩ ]
«باب الإمامة/ في الباب فصول: منها: أنَّ الجماعة واجبة وقد سماها بعض أصحابنا سنة مؤكدة وكلاهما واحد» اهـ.
قلت: واختلف العلماء في صلاة الجماعة هل يجب فعلها في المسجد أم يشرع في أي موضع.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١١٦):
«فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد: أحدهما: له فعلها في بيته وبذلك قالت الحنفية والمالكية وهو أحد الوجهين للشافعية. والثاني: ليس له فعلها في البيت إلَّا من عذر، وفي المسألة قول ثالث: فعلها في المسجد فرض كفاية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي» اهـ.
قلت: واحتج من قال بمشروعية الجماعة في غير المسجد بأدلة منها:
الدليل الأول: ما رواه مسلم (٥٢١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى كَانَ كُلُّ نَبِىٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَىْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ».
وفي لفظ للبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١): «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ».
ووجه الشاهد أنَّ النبي ﷺ أذن لمن أدركته صلاة أن يصلي في أي موضع ولو كانت الجماعة واجبة في المسجد لأمر بذلك.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
والجواب: أنَّ الحديث سيق لبيان منَّة الله تعالى على هذه الأمة وهي أنَّ الله تعالى جعل لهم الأرض مسجدًا وطهورًا، ولم يسق لبيان وجوب صلاة الجماعة في المسجد أو سقوط ذلك، وهذا الحكم يؤخذ من أدلة أخرى، ونحن إذا قلنا بوجوب صلاة الجماعة في المسجد، وقلنا بمشروعية الصلاة في أي موضع في الأرض لمن أدركته الصلاة ولم يكن هناك مسجد تقام فيه الجماعة لما خرجنا عن الحديث، والأدلة يجمع بينها مهما أمكن ولا يعارض بينها.
الدليل الثاني: ما رواه أحمد (١٦٨٢٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٤٩)، والترمذي (٢٠٣) من طريق يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا"، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"».
قلت: هذا حديث صحيح.
ووجه الشاهد منه أنَّ النبي ﷺ لم ينكر عليهما إقامتهما للجماعة في غير المسجد.
والجواب: أنَّ هذا وارد في حق المسافر فله أن يقيم الجماعة في رحله وله أن يقيمها في المسجد.
[ ٢ / ٢٣١ ]
الدليل الثالث: ما رواه البخاري (٦٨٨)، واللفظ له، ومسلم (٤١٢) عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
«صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُو، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُو، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا"».
ووجه الشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ لم ينكر على من أقام الجماعة خلفه في بيته وتركهم لإقامتها في المسجد.
والجواب: أنَّه ليس في الحديث أنَّهم أقاموا الفرض خلفه ﷺ فلعلهم كانوا متنفلين.
إذا تبيَّن هذا فإنَّ الأدلة الماضية التي ذكرناها في وجوب الجماعة تدل على وجوبها في المسجد كحديث هم النبي ﷺ بإحراق بيوت الذين يصلون في بيوتهم مع أنَّهم ربما يقيمونها جماعة في البيوت.
وكحديث الأعمى حيث أمره النبي ﷺ بإجابة النداء ولم يرخص له أن يصلي في بيته مع أنَّه يمكنه أن يصليها جماعة فيها.
وهكذا حديث ابن مسعود فإنَّه صريح في وجوب الصلاة في المساجد.
وحديث أبي هريرة في شأن الذي خرج بعد الأذان.
ويضاف إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)
[ ٢ / ٢٣٢ ]
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨].
فأخبر الله تعالى أنَّ المشركين لا يعمرون المساجد أي بالعبادة وأصلها الصلوات فإنِّها بنيت من أجل ذلك، ومن لم يعمر المساجد بالصلوات فإنَّ به شبهًا للمشركين، والتشبه بهم لا يجوز شرعًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
قال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [زاد المسير] (٢/ ١١٢):
«فيه أربعة أقوال: أحدها: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد، فصلُّوا فيه، ولا يقولنَّ أحدكم: أُصلي في مسجدي، قاله ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن قتيبة.
والثاني: توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد، والسّدّيّ، وابن زيد.
الثالث: اجعلوا سجودكم خالصًا لله تعالى دون غيره، قاله الربيع بن أنس. والرابع: اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة، أمرًا بالجماعة لها، ذكره الماوردي» اهـ.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١١٨)
- ناقلًا كلام أبي البركات ابن تيمية ﵀ أنَّه قال -:
«فإنَّ الصلاة في المسجد من أكبر شعائر الدين وعلاماته وفي تركها بالكلية أو في المفاسد ومحو آثار الصلاة بحيث تفضي إلى فتور همم أكثر الخلق عن أصل
[ ٢ / ٢٣٣ ]
فعلها، ولهذا قال عبد الله بن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.
قال: وإنَّما معنى هذه الرواية -والله أعلم- أنَّ فعلها في البيت جائز لآحاد الناس إذا كانت تقام في المساجد فيكون فعلها في المسجد فرض كفاية على هذه الرواية، وعلى الأخرى فرض عين.
قال: ويدل على ذلك جواز الجمع بين الصلاتين للأمطار، ولوكان الواجب فعل الجماعة فقط دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك؛ لأنَّ أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت فإنَّ الإنسان غالبًا لا يخلو أن تكون عنده زوجة أو ولد أو غلام أو صديق أو نحوهم فيمكنه الصلاة جماعة فلا يجوز ترك الشرط وهو الوقت من أجل السنة، فلما جاز الجمع علم أنَّ الجماعة في المساجد فرض إمَّا على الكفاية وإمَّا على الأعيان هذا كلامه.
ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أنَّ فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلَّا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار، ولما مات رسول الله ﷺ وبلغ أهل مكة موته خطبهم سهيل بن عمرو وكان عتاب بن أسيد عامله على مكة قد توارى خوفًا من أهل مكة فأخرجه سهيل وثبت أهل مكة على الإسلام فخطبهم بعد ذلك عتاب وقال: يا أهل مكة والله لا يبلغني أنَّ أحدًا منكم تخلف عن الصلاة في المسجد في الجماعة إلَّا ضربت عنقه. وشكر له أصحاب رسول الله ﷺ هذا الصنيع وزاده رفعة في أعينهم،
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فالذي ندين الله به أنَّه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلَّا من عذر. والله أعلم بالصواب» اهـ.
قلت: ومن فاتته الجماعة الأولى في المسجد فهل يجب عليه أن يسعى في تحصيل جماعة أخرى أو لا.
الذي يظهر لي عدم وجوب ذلك، وأنَّ الوجوب مختص بالجماعة الأولى.
لكن الأحسن أن يسعى في تحصيل الجماعة فإنَّ صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده.
وهل له أن يقيم الجماعة الثانية في المسجد الذي قد صلي فيه؟
في ذلك نزاع بين العلماء، والجمهور على المنع إذا كان للمسجد إمام راتب، وأجاز ذلك الإمام أحمد ﵀.
وحجة من أجاز ذلك ما رواه أحمد (١١٠٣٢)، وأبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠) من طريق سُلَيْمَانَ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّى وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّىَ مَعَهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٠٩٤) قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: «مَرَّ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَدْ صَلَّيْنَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَمَعَهُ رَهْطٌ، فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَذَّنَ، ثُمَّ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، قَبْلَ الْفَجْرِ»، قَالَ: «ثُمَّ أَمَرُوهُ، فَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ».
[ ٢ / ٢٣٥ ]
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٤١٧، ٣٤١٨)، والبيهقي في [الكبرى] (٥٠١٥)، والطبراني في [الأوسط] (٩٣٢)، من طريق اليشكري به.
قلت: هذا أثر صحيح. وحمله على مسجد الطرقات خلاف الظاهر.
فقد جاء تسمية المسجد في رواية الطبراني بمسجد بني رفاعة، وهذا من مساجد العشائر والقبائل وليس من مساجد الطرقات.
واحتج المانعون بما رواه الطبراني في [الأوسط] (٤٦٠١، ٦٨٢٠)، وابن عدي في [الكامل] (٨/ ١٤١) من طريق هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُطِيعٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أَقْبَلَ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، فَمَالَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَجَمَعَ أَهْلَهَ، فَصَلَّى بِهِمْ».
قال الحافظ الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ إِلَّا أَبُو مُطِيعٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، وَلَا يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ " اهـ.
قلت: هذا حديث ضعيف الوليد بن مسلم مدلس تدليس تسوية، وفي السند عنعنة بين شيخ الوليد وشيخ شيخه، ومن أعله بمعاوية بن يحيى فقد وهم لأنَّه ظنه الصدفي وليس كذلك.
واحتجوا أيضًا بما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٨٣)، ومن طريق الطبراني في [الكبير] (٩٣٨٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «أَنَّ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدَ، أَقْبَلَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى مَسْجِدٍ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّاسُ قَدْ صَلُّوا، فَرَفَعَ بِهِمَا إِلَى الْبَيْتِ، فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمَا».
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قلت: هذا إسناد منقطع، لكن مراسيل النخعي عن ابن مسعود صحيحة.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧١٠٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَجَمَعَ بِعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْأَسْوَدِ».
قلت: هذا إسناد منقطع. وتحمل هذه الرواية على الرواية السابقة أي أنَّه جمع بهم في البيت.
لكن ليس هذا بصريح في أنَّ ابن مسعود ترك إقامة الجماعة في المسجد من أجل كرهته لذلك بل لعل منزله كان أقرب من المسجد فلا حاجة لتكلف الذهاب إلى المسجد وقد فاتت الجماعة الراتبة، فإن قيل: أداء الفريضة في المسجد أعظم من فعلها في البيت.
فالجواب: أنَّ هذا وارد في الجماعة الأولى الراتبة.
وبما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧١١١) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، إِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَقَدْ صُلِّيَ فِيهِ صَلَّوْا فُرَادَى».
قلت: أبو هلال هو الراسبي محمد بن سليم، وكثير لعله ابن شنظير فإن كان هو فالأثر حسن، وإلَّا فلا أدري من هو.
والجواب عنه على فرض ثبوته، أنَّه قد ثبت عن أنس خلاف ذلك فالمسألة من مسائل النزاع بين الصحابة، ويمكن أن الامتناع لمعنى آخر وهو من أجل منع السلطان لذلك فقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧١٠٢) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ:
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «إِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْمَعُوا مَخَافَةَ السُّلْطَانِ».
قلت: إسناده صحيح.
والأظهر هو جواز إقامة الجماعة الثانية في المسجد إذا كان السبب هو التأخر عن الجماعة الأولى لا لبدعة فارقوا فيها أصحاب الجماعة الأولى ولا لتعمد تفريق المسلمين.
قال الإمام الشافعي ﵀ في [الأم] (١/ ١٨٠):
«كُلُّ جَمَاعَةٍ صَلَّى فِيهَا رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ قَلِيلِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ كَثِيرِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَالْمَسْجِدُ الْأَعْظَمُ وَحَيْثُ كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مَسْجِدٌ يَجْمَعُ فِيهِ فَفَاتَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ أَتَى مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ غَيْرَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ وَصَلَّى فِي مَسْجِدٍ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ وَإِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ فَفَاتَتْ رَجُلًا، أَوْ رِجَالًا فِيهِ الصَّلَاةُ صَلُّوا فُرَادَى وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جَمَاعَةً فَإِنْ فَعَلُوا أَجْزَأَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ فِيهِ وَإِنَّمَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا فَعَلَ السَّلَفُ قَبْلَنَا بَلْ قَدْ عَابَهُ بَعْضُهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَأَحْسَبُ كَرَاهِيَةَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إنَّمَا كَانَ لِتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رَجُلٌ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ إمَامِ جَمَاعَةٍ فَيَتَخَلَّفُ هُوَ وَمَنْ أَرَادَ عَنْ الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا قُضِيَتْ دَخَلُوا فَجَمَعُوا فَيَكُونُ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ وَتَفَرُّقُ كَلِمَةٍ وَفِيهِمَا الْمَكْرُوهُ.
وَإِنَّمَا أَكْرَهُ هَذَا فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ، فَأَمَّا مَسْجِدٌ بُنِيَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، أَوْ نَاحِيَةٍ لَا يُؤَذِّنُ فِيهِ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ إمَامٌ مَعْلُومٌ وَيُصَلِّي فِيهِ الْمَارَّةُ وَيَسْتَظِلُّونَ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ تَفَرُّقِ
[ ٢ / ٢٣٨ ]
الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رِجَالٌ عَنْ إمَامَةِ رَجُلٍ فَيَتَّخِذُونَ إمَامًا غَيْرَهُ وَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ آخَرُونَ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَهُمْ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ لِمَا وَصَفْت وَأَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ» اهـ.
قلت: إن وجدت هذه المفاسد فالقول ما قاله الإمام الشافعي ﵀ غير أنَّ أغلبية الجماعات التي تقام في المساجد بعد الجماعة الراتبة ليس فيها هذه المفاسد.
قلت: وتجب صلاة الجماعة على من سمع النداء لما رواه مسلم (٦٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَأَجِبْ"».
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٩٢٠) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ قَالَ: «إِنْ شَاءَ جَاءَ، وَإِنْ شَاءَ فَلَا» قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: «إِنْ شَاءَ فَلْيَأْتِ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَجْلِسْ»، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كُنْتُ فِي مَسْكَنٍ أَسْمَعُ فِيهِ مَرَّةً، وَلَا أَسْمَعُ فِيهِ أُخْرَى أَلِيَ رُخْصَةٌ أَنْ أَجْلِسَ إِذَا لَمْ أَسْمَعْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ حَانَ حِينُهَا الَّذِي أَظُنُّ أَنَّهَا تُصَلَّى لَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا لَمْ تَسْمَعِ النِّدَاءَ».
قلت: وقد اعتبر عطاء حقيقة السماع.
ولما تكلم العلماء على من يجب عليه حضور الجمعة ممن هو خارج المصر قدر علماء الحنابلة ذلك بفرسخ باعتبار أنَّ صوت المؤذن يبلغ هذا المقدار إذا كان صيتًا
[ ٢ / ٢٣٩ ]
في موضع عال والرياح هادئة، وهكذا الأصوات هادئة. وقدر ذلك الإمام مالك بفرسخ لكن باعتبار أنَّ أهل العالية كانوا يأتون إلى الجمعة والعيدين من تلك المسافة، واعتبر علماء الشافعية سماع النداء على الوصف الذي سيأتي ذكره في كلام ابن قدامة لكنهم لم يحدوا ذلك بفرسخ.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٦٧):
«وَأَمَّا اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ النِّدَاءِ فَلَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّاسِ الْأَصَمُّ وَثَقِيلُ السَّمْعِ، وَقَدْ يَكُونُ النِّدَاءُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ، فَلَا يَسْمَعُهُ إلَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُؤَذِّنُ خَفِيَّ الصَّوْتِ، أَوْ فِي يَوْمٍ ذِي رِيحٍ، وَيَكُونُ الْمُسْتَمِعُ نَائِمًا أَوْ مَشْغُولًا بِمَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ، فَلَا يَسْمَعُ، وَيَسْمَعُ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، فَيُفْضِي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ النِّدَاءُ فِي الْغَالِبِ - إذَا كَانَ الْمُنَادِي صَيِّتًا، فِي مَوْضِعٍ عَالٍ، وَالرِّيحُ سَاكِنَةٌ، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، وَالْمُسْتَمِعُ سَمِيعٌ غَيْرُ سَاهٍ وَلَا لَاهٍ - فَرْسَخٌ، أَوْ مَا قَارَبَهُ، فَحُدَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: لكني لم أجدهم يصرحون بذلك في صلاة الجماعة، ويبعد هذا في صلاة الجماعة غاية البعد، لما في ذلك من المشقة الشديدة والحرج العظيم، والذي يظهر أنَّ صلاة الجماعة تجب في حق الذي إذا سمع النداء - بالصوت المعتاد من غير مكبرات الصوت - تمكن من الوضوء والسير إلى المسجد قبل أن تنقضي الصلاة. والله أعلم.
وجاء في [فتاوى نور على الدرب لابن باز] (١٢/ ٤٤٣):
[ ٢ / ٢٤٠ ]
«س: سائل من المملكة المغربية يقول: المسجد بعيد عن البيت، حوالي كيلو متر واحد، ولا يسمع الأذان إلَّا بواسطة مكبر الصوت، فيقوم والدي ويؤذن للصلاة، ثم يقيم ويؤم جميع أفراد البيت ويصلي بهم، فهل يجوز ذلك؟
ج: لا حرج في ذلك، إذا كان بعيدًا منكم المسجد لا تسمعون الأذان إلَّا بمكبر فلا بأس، لكن سعيكم للمسجد والصبر على ذلك على الأقدام أو السيارة أفضل وأعظم أجرًا؛ لما فيه من الخير العظيم، والحضور مع المسلمين، والخطوات التي يمشيها المؤمن كل خطوة يرفع الله له بها درجة، ويحط بها عنه خطيئة، ويكتب له بها حسنة، هذا فضل عظيم، فسعيكم إلى المساجد - وإن بعدت - بالأقدام، أو بالسيارة أفضل وأعظم أجرًا، وإن صليتم في البيت بأذان وإقامة فلا بأس» اهـ.
قلت: وله فتوى أخرى بيَّن فيها أنَّ مسافة الكيلو من المسافات التي يسمع منها الأذان فقال كما في [فتاوى نور على الدرب] (١١/ ٢١٤):
«والغالب أنَّ الكل يسمع النداء إذا كانت الأصوات هادئة، والمؤذن ذو صوت جيد، فالغالب أنَّه يسمع صوته من هذه المسافة، والله المستعان» اهـ.
وجاء أيضًا في [فتاوى نور على الدرب] (١١/ ٢٢٢ - ٢٢٣):
س: يقول الأخ: إنه يبعد عن المسجد حوالي ثلث ساعة، ولا يسمع الأذان إلا في أوقات الهدوء، وذلك عبر مكبرات الصوت، هل صلاتي في البيت مقبولة؟ علما بأنه لا يوجد ما يخيفني.
ج: إذا بعد الإنسان عن المسجد حيث لا يسمع النداء المعتاد فإنه لا يلزمه، النبي ﵊ قد قال: "من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلَّا من
[ ٢ / ٢٤١ ]
عذر". وقال للأعمى: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم. قال: "فأجب" فإذا كان في محل بعيد لا يسمع النداء المعتاد إلا بمكبرات الصوت فإنه لا يلزمه، لكن إذا احتسب الأجر وصبر وذهب إلى المسجد فهذا خير له، فيه فضل عظيم» اهـ.
قلت: وفتاوى العلامة ابن عثيمين ﵀ في ذلك كفتاوى العلامة ابن باز ﵀.
٤ - فيه أنَّ أقل الجماعة اثنان؛ لأنَّه جعل هذا الفضل لغير الفذ وما زاد على الفذ فهو جماعة.
٥ - قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٩): «استدل به بعض المالكية للمشهور عن مالك أنَّه لا فضل لجماعة على جماعة؛ لأنَّه جعل الجماعات كلها بسبع وعشرين وخمس وعشرين ولم يفرق بين جماعة وجماعة وذهب الشافعي والجمهور إلى أنَّ الجماعات تتفاوت لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بن كعب أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى".
وليس في حديث الباب حجة لمن تعلق به في تساوي الجماعات؛ لأنَّا نقول: أقل ما تحصل به الجماعة محصل للتضعيف ولا مانع من تضعيف آخر بسبب آخر من كثرة الجماعة أو شرف المسجد أو بعد طريق المسجد أو غير ذلك والله تعالى أعلم» اهـ.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
قلت: حديث أبي بن كعب رواه أحمد (٢١٣٠٢)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٣) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبي بن كعب به.
قلت: وعبد الله بن أبي بصير لم يوثقه معتبر، لكن قال العلامة المنذري ﵀ في [الترغيب والترهيب] (١/ ١٦١): «وقد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة هذا الحديث» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤١٨):
«وقال علي بن المديني: ما أراه إلَّا صحيحًا» اهـ.
٦ - يستثنى من صلاة الفذ المعذور فإنَّ له أجر الجماعة باعتبار النية لا العمل.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٩٩٦) عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».
أحمد (٨٩٣٤)، وأبو داود (٥٦٤)، والنسائي (٨٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاَّهَا وَحَضَرَهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا».
قلت: هذا حديث حسن لغيره.
ويشهد له ما رواه أبو داود (٥٦٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ عَبَّادٍ الْعَنْبَرِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ
[ ٢ / ٢٤٣ ]
حَضَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ الْمَوْتُ فَقَالَ إِنِّى مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا مَا أُحَدِّثُكُمُوهُ إِلَّا احْتِسَابًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ ﷿ لَهُ حَسَنَةً وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ ﷿ عَنْهُ سَيِّئَةً فَلْيُقَرِّبْ أَحَدُكُمْ أَوْ لِيُبَعِّدْ فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِى جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا وَبَقِىَ بَعْضٌ صَلَّى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِىَ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ كَانَ كَذَلِكَ».
قلت: في الحديثين ما يجهل حاله وعينه لكن لا يبعد تقوية حديث أبي هريرة بهذا الشاهد. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٢٤٤ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ خَطِيئَةٌ. فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ». متفق عليه واللفظ للبخاري.
قوله: «لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً». قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١١٥): «الخُطوة - بضم الخاء - ما بين قدمي الماشي وبفتحها: الفعلة وفي هذا الوضع هي مفتوحة لأنَّ المراد فعل الماشي» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٣٦):
«قَوْلُهُ: "لَمْ يَخْطُ" بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الطَّاءِ وَقَوْلُهُ خُطْوَةً ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَجَزَمَ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّهَا هُنَا بِالْفَتْحِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنَّهَا فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها
١ - احتج به من قال: إنَّ هذا التضعيف خاص بصلاة الرجل في الجماعة دون صلاة المرأة في الجماعة.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وقد تعقب العلامة ابن القيم ﵀ من لم يستحب صلاة المرأة في جماعة وحمل حديث ابن عمر السابق على عموم الرجال والنساء فقال ﵀ كما في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧):
«المثال الخامس والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات كما في المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أنَّ رسول الله ﷺ كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنًا كان يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا.
وقال الوليد بن جميل حدثتني جدتي عن أم ورقة أنَّ النبي ﷺ أمرها أو أذن لها أن تؤم أهل دارها وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله ﷺ.
وقال الإمام أحمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن ميسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أنَّ عائشة أمت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطًا.
تابعه ليث عن عطاء عن عائشة.
وروى الشافعي عن أم سلمة أنَّها أمت نساء فقامت وسطهن.
ولو لم يكن في المسألة إلَّا عموم قوله ﷺ: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" لكفى.
وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد ابن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا خير
[ ٢ / ٢٤٦ ]
في جماعة النساء إلَّا في صلاة أو جنازة" والاعتماد على ما تقدم فردت هذه السنن بالمتشابه من قوله ﷺ:
"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
وهذا إنَّما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء وأمَّا الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا.
ومن العجب أنَّ من خالف هذه السنة جوز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم يفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن» اهـ.
قلت: حديث أم ورقة رواه أحمد (٢٧٣٢٣)، وأبو داود (٥٩١) من طريق الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ قَالَ حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلاَّدٍ الأَنْصَارِىُّ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى شَهَادَةً.
قَالَ: «قِرِّي فِي بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ». قَالَ فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةَ. قَالَ وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِىَّ ﷺ أَنْ تَتَّخِذَ فِي دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ لَهَا قَالَ وَكَانَتْ دَبَّرَتْ غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِى النَّاسِ فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ اهـ.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ورواه أبو داود (٥٩٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالأَوَّلُ أَتَمُّ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا اهـ.
قلت: عبد الرحمن بن خلاد مجهول، وجدة الوليد لا تعرف.
وروى أحمد (٢٧٣٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ، وَكَانَتْ تَؤُمُّ أَهْلَ دَارِهَا اهـ.
قلت: جدة الوليد لا تعرف، وبهذا يتبين ضعف هذا الحديث.
وأثر عائشة رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٦)، وأحمد في [العلل] (٣٦١١) والدارقطني في [سننه] (١٥٠٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٥٣٥٥)، وابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٧٦)، وابن سعد في [الطبقات] (٨/ ٣٥٢)، وابن الأعرابي في [معجمه] (١٢٩٥) من طريق الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ النَّهْدِيِّ، عَنْ رِيطَةَ الْحَنَفِيَّةِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَّتْهُنَّ وَقَامَتْ بَيْنَهُنَّ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ».
قلت: ريطة مجهولة، وقد وثقها العجلي وهو متساهل في توثيق المجاهيل.
ورواه الحاكم في [المستدرك] (٧٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١٩٢٢، ٥٣٥٦) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ «تُؤَذِّنُ، وَتُقِيمُ، وَتَؤُمُّ النِّسَاءَ، وَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ».
قلت: فيه أحمد العطاردي من هم من اتهمه، وفيه الليث بن أبي سليم ضعيف فهذه الطريق شديدة الضعف.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٩٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي الْفَرِيضَةِ».
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٩١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ، تقوم مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ».
قلت: ابن أبي ليلى هو محمد ضعيف الحديث ويشهد له ما سبق وبهذا يتبين ثبوت أثر عائشة ﵂.
ويشهد له ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ «كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي التَّطَوُّعِ، تَقُومُ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ».
قلت: إسناده منقطع بين يحيى بن سعيد وهو الأنصاري وبين عائشة ﵂، وبهذا يتبين ثبوت أثر عائشة ﵂.
وأمَّا أثر أم سلمة ﵂ فرواه الشافعي في [الأم] (١/ ١٩١)، وفي [المسند] (٣١٥)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٥٣٥٧)، و[المعرفة] (٥٩٧٤)، ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٥٢)، والدارقطني في [سننه] (١٥٠٨)، وابن سعد في [الطبقات] (١٠٩٦٦)، وابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٤٥)، ومسدد كما في [المطالب العالية] (٣٩٧) من طريق ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهَا حُجَيْرَةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁:
[ ٢ / ٢٤٩ ]
«أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسَطًا».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٢)، ومن طريقه ابن حزم في [المحلى] (٣/ ١٣٧) عن الثوري عن عمار الدهني به.
قلت: حجيرة هي بنت حصين مجهولة.
ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٥٣)، وابن حزم في [المحلى] (٣/ ١٣٦) من طريق سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أُمِّ الْحَسَنِ، أَنَّهَا رَأَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ: «تَؤُمُّ النِّسَاءَ تَقُومُ مَعَهُنَّ فِي صَفِّهِنَّ».
قلت: أم الحسن مجهولة جهالة حال، والأثر حسن من هذين الطريقين.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١١٥):
«أمَّا وصف الرجولية: فحيث يندب للمرأة الخروج إلى المسجد ينبغي أن تتساوى مع الرجل لأنَّ وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعًا» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ النساء لا يدخلنَّ في هذا الفضل إلَّا فيما ندبنَّ فيه للخروج لأداء الجماعة كالعيدين، وذلك أنَّ الحديث وارد - كما تدل عليه ألفاظه- في صلاة الجماعة في المساجد والنساء غير مأمورات بها.
قلت: كلام العلامة ابن القيم الماضي في إقامة المرأة للجماعة في بيتها وأمَّا إذا شهدت الجماعة مع الرجال في المساجد فالأظهر أيضًا أنَّهنَّ لا يدخلن في هذا الفضل.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٩):
[ ٢ / ٢٥٠ ]
«وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري: "صلاة الرَّجُلِ فِي الجماعة تضعيف"، وَهُوَ يدل عَلَى أنَّ صلاة المرأة لا تضعف فِي الجماعة؛ فإنَّ صلاتها فِي بيتها خير لها وأفضل» اهـ.
وجاء في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١٥/ ٦٢):
«سئل فضيلة الشيخ: من المعلوم أنَّ صلاة الجماعة في حق النساء غير واجبة، ولكن عندما تصلي المرأة مع الجماعة في المسجد، أو في الحرمين سواء كان في رمضان أو في غيره، أوفي المصليات الخاصة بمدارس البنات فهل يكون لها فضل الجماعة كما هو الحال في حق الرجل؟ أرجو توضيح ذلك أحسن الله إليكم.
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة ليست من ذوات الجماعة، أي ليست مأمورة بحضور الجماعة، وإنَّما ذلك على سبيل الإباحة فقط، إلا في صلاة العيد فإن النبي ﷺ أمر أن تخرج النساء إلى صلاة العيد، ولكن غير متبرجات بزينة.
وإذا كان الأمر كذلك فإنَّ التضعيف الحاصل في صلاة الجماعة يختص بالرجال؛ لأنَّهم هم المدعون إليها على سبيل الوجوب، ولهذا كان لفظ الحديث: "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا".
وعلى هذا فإنَّ المرأة لا تنال هذا الأجر، بل إنَّ العلماء اختلفوا في مشروعية صلاة الجماعة للنساء منفرادت عن الرجال في المصليات التي في البيوت، أو التي في المدارس.
[ ٢ / ٢٥١ ]
فمنهم من قال: إنَّه تسن لهنَّ الجماعة.
ومنهم من قال: إنَّه تباح لهنَّ الجماعة.
ومنهم من قال: إنَّه تكره لهنَّ الجماعة» اهـ.
٢ - أنَّ هذا التضعيف لا ينال إلَّا بمجموع ما ذكر في هذا الحديث.
وهو:
أ- أن يتطهر فيحسن الطهور، فإذا أساء في طهوره، كأن ينقص واجبًا، أو يتعدى في وضوئه فيتجاوز الثلاث الغسلات فلا ينال هذا الفضل.
ب- أن يكون التطهر في غير المسجد كأن يتطهر في بيته أو غيره.
وهل يدخل في هذا الفضل من تطهر في دورات المياة؟
الجواب: لا يبعد ذلك فإنَّ دورات المياه خارجة عن المسجد حكمًا.
ج- أن يخرج لأداء الجماعة في المسجد دون غيره من الأماكن.
د- أن يكون خروجه لأجل الصلاة لا لغير ذلك كأن يكون خروجه من أجل أن يشتري شيئًا من السوق فتحضر الصلاة فيدخل المسجد فإنَّه لا ينال هذا الأجر.
هـ- أن يمشي على قدميه في ذهابه إلى المسجد ولا يركب.
٣ - الحديث استدل به من قال إنَّ هذه المضاعفة المذكورة في الحديث لا تكون إلَّا لمن أدى صلاة الجماعة في المسجد دون من أداها في غير المسجد - كما سبق -وذلك لوجهين:
الأول: أنَّه قال في الحديث "تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ" والإنسان قد يصل في بيته أو في سوقه جماعة، وليس للانفراد ذكر في هذا الحديث.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
لكن قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١١٥):
«ولكن الظاهر مما يقتضيه السياق: أنَّ المراد تفضيل صلاة الجماعة في المسجد على صلاته في بيته وسوقه منفردًا: فكأنَّه خرج مرج الغالب في أنَّ من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا» اهـ.
قلت: ويؤيد هذا حديث ابن عمر السابق.
والآخر: قوله في الحديث: «ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ». فهذا يدل على أنَّ هذا الفضل إنَّما يناله من أدى صلاة الجماعة في المسجد.
قلت: هذا هو الصحيح إن شاء الله فإنَّ الأدلة إنَّما دلت على صلاة الجماعة في المساجد كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله عند شرحنا للحديث الذي بعد هذا.
٤ - وفيه أنَّ الملائكة تصلي على منتظر الصلاة ما دام في مصلاه، والمراد به الموضع الذي صلى فيه من المسجد لا عموم المسجد.
ويدل على ذلك ما رواه مالك في [الموطأ] (٤٤٦) عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلاَّهُ، لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلاَّهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، لَمْ يَزَلْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ».
قلت: إسناده صحيح، وله حكم الرفع.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٣٠١):
«وَالْقَوْلُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِي هَذَا لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا أَنَّ قِيَامَ الْمُصَلِّي مِنْ مُصَلَّاهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُ الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ
[ ٢ / ٢٥٣ ]
مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقَالُ إِنَّهُ لَا تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ كَمَا تُصَلِّي عَلَى الَّذِي فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ يَكُونُ قَوْلُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ شَرْطًا يُخْرِجُ مَا خَالَفَهُ عَنْ حُكْمِهِ وَمِمَّنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُهُ بِالْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ لِشَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَأَقَامَ لِمَا يَعْنِيهِ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُهُ فِي مَجْلِسِهِ مِنَ الذِّكْرِ» اهـ.
قلت: الاحتمال الثاني هو الأظهر.
وجاء في البخاري (٤٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».
وفي لفظ للبخاري (٤٧٧): «وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصَلِّي، يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ».
ورواه مسلم (٦٤٩) بلفظ: «وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ».
قلت: والمجلس هو موضع جلوسه من المسجد.
وأمَّا قول الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٥٧) - في أثر أبي هريرة الماضي-:
[ ٢ / ٢٥٤ ]
«فهذا يدل على أنَّه إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من المسجد انقطع حكم جلوسه في مصلاه، فإن جلس ينتظر الصلاة كان حكمه حكم من ينتظرها، وصلت عليه الملائكة - أيضًا -، فإن لم يجلس منتظرًا للصلاة فلا شيء له؛ لأنَّه لم يجلس في مصلاه ولا هو منتظر للصلاة» اهـ.
فلا يظهر لي صحته، والأظهر أنَّ الملائكة لا تصلي عليه، وهو ظاهر الروايات.
٥ - وفيه أنَّ منتظر الصلاة قبل أدائها في صلاة، وروى البخاري (٢١١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ لَا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ وَقَالَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ».
وروى مسلم (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ».
وروى البخاري (٥٧٢) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا: "أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا"».
[ ٢ / ٢٥٥ ]
قلت: ومنتظر الصلاة في صلاة من حيث الأجر، وترتب بعض الأحكام كترك الحدث.
قال العلامة إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (١/ ١٨٦):
«بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُشَبَّهُ بِالشَّيْءِ إِذَا اشْتَبَهَ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي لَا فِي جَمِيعِهَا، إِذِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ، أَيْ أَنَّ لَهُ أَجْرَ الْمُصَلِّي، لَا أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، لَمَا جَازَ لِمُنْتَظِرِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ أَوْ يَسْتَقْبِلَ غَيْرَ الْقِبْلَةِ، وَلَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْ كُلِّ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُصَلِّي» اهـ.
ثم أورد ما رواه هو ومسلم في [صحيحه] (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ». قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ. قَالَ: يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ اهـ
قلت: ولا فرق بين من أحدث في حال انتظاره للصلاة، وبين من انتظر الصلاة محدثًا بحدث حصل منه قبل ذلك، وذلك أنَّ الصلاة لا تصح مع الحدث.
قال العلامة إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (١/ ١٨٧):
«وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ ذِكْرَهُمَا لِعِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ يَنْقُضُ طُهْرَ الْمُتَوَضِّئِ، وَكُلُّ مَا نَقَضَ طُهْرَ الْمُتَوَضِّئِ
[ ٢ / ٢٥٦ ]
مِنَ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ، وَهَذَا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي أَجَبْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مِنَ الْخَبَرِ الْمُعَلَّلِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ وَلَوْ كَانَ التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ لَا يَجُوزُ عَلَى أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَنَا لَكَانَ الْبَائِلُ فِي كُوزٍ أَوْ قَارُورَةٍ وَالْمُتَغَوِّطُ فِي طَشْتٍ، أَوْ أُجَانَةٍ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ كَانَ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّي، وَالْمُحْدِثُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّي، وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ خُرُوجِ الرِّيحِ مِنْهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَمَنْ فَهِمَ الْعِلْمَ وَعَقَلَهُ وَلَمْ يُعَانِدْ وَلَمْ يُكَابِرْ غَفَلَةً عَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: "يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ" إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْفِسَا وَالضِّرَاطُ يَنْقُضَانِ طُهْرَ الْمُتَوَضِّئِ وَأَنَ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لِمُنْتَظِرِ الصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ فَضِيلَةَ الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُتَوَضِّئِ فَكُلُّ مُنْتَظِرِ الصَّلَاةَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ طَاهِرٍ طَهَارَةً تُجْزِيهِ الصَّلَاةُ مَعَهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ نَقَضَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةَ» اهـ.
فائدة: جاء في الحديث أنَّ ساعة الإجابة يوم الجمعة هي آخر ساعة وذلك فيما رواه أبو داود (١٠٤٨)، والنسائي (١٦٩٧) من طريق ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - أَنَّ الْجُلَاحَ مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ». يُرِيدُ سَاعَةً «لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ ﷿ شَيْئًا إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ ﷿ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ».
قلت: هذا حديث حسن.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
قلت: لكن أشكل ذلك مع ما رواه البخاري (٩٣٥)، واللفظ له، ومسلم (٨٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا».
والصلاة بعد العصر منهي عنها، فأجيب عن ذلك بأنَّ المراد بالصلاة انتظار الصلاة.
ويدل على صحة ذلك ما رواه ابن ماجه (١١٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ: «فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأَشَارَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ»، فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ. قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: «هِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ». قُلْتُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ، قَالَ: «بَلَى. إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ، لَا يَحْبِسُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ».
قلت: هذا حديث ظاهره أنَّه حسن، وقد حسنة الشيخ مقبل ﵀ في [الصحيح المسند] (٥٨٢).
لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ٢٨٩):
[ ٢ / ٢٥٨ ]
«ورواته كلهم ثقات؛ لكن له علةٌ مؤثرةٌ، وهي أنَّ الحفاظ المتقنين رووا هذا الحديث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، في ذكر ساعة الإجابة، وعن عبد الله بن سلامٍ في تعيينها بعد العصر.
كذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
خرّجه من طريقه مالكٍ في "الموطإ"، وأحمد وأبو داود والترمذي، وصححه» اهـ.
قلت: ولفظه في [الموطأ] (٣٦٣) عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ؟، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ؟: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ؟. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِي فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، فَقَالَ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ؟ يَقُولُ: "لَا تُعْمَلُ الْمَطِىُّ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا، وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلْيَاءَ، أَوْ بَيْتِ
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الْمَقْدِسِ". يَشُكُّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الأَحْبَار، وَمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ. فَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضَنَّ عَلَىَّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ؟: "لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي". وَتِلْكَ السَّاعَةُ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ؟: "مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ بَلَى، قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ» اهـ.
قلت: بقى الإشكال أيضًا في قوله: «وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ [فتح الباري] (٨/ ٣٠٧):
«من قال: إنَّ منتظر الصلاة في صلاةٍ صحيحٌ، لكن لا يقال فيه قائم.
وقول يصلي؛ فإنَّ ظاهر هذا اللفظ حمله على القيام الحقيقي في الصلاة الحقيقية» اهـ.
قلت: وقد أجيب عن هذا الإشكال بحمل القيام على معنى الملازمة والمواظبة.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٢١):
[ ٢ / ٢٦٠ ]
«قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفَ السَّلَف فِي وَقْت هَذِهِ السَّاعَة وَفِي مَعْنَى قَائِم يُصَلِّي، فَقَالَ بَعْضهمْ: هِيَ مِنْ بَعْد الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب، قَالُوا: وَمَعْنَى يُصَلِّي يَدْعُو، وَمَعْنَى قَائِم: مُلَازِم وَمُوَاظِب كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا﴾» اهـ.
فائدة: روى البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ - ثَلَاثًا - لِمَنْ شَاءَ».
حمل بعض العلماء معنى الصلاة في هذا الموضع على معنى الترغيب في المبادرة في انتظار الصلاة، وهو حمل غريب وخلاف ظاهر الحديث.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٧):
«وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ لِانْتِظَارِ الْإِقَامَةِ لِأَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِير» اهـ.
فائدة ثالثة: الماشي إلى الصلاة في صلاة ولهذا أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الذهاب إلى الصلاة.
فروى مسلم (٦٠٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ».
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٢٢):
[ ٢ / ٢٦١ ]
«وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي حَالِ مَشْيِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا".
وَلِأَنَّ الْمَاشِيَ إلَى الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ» اهـ.
قلت: وهذا إذا كان يرجوا إن يدرك شيئًا من الصلاة، فإن خشي فوات الصلاة بالكلية فله أن يسرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٩٨):
«فامَّا الإسراع لإدراك الركعة فباق على عموم الحديث بل هو المقصود منه لأنَّ الفوات إنَّما يكون بفوات الركعة لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكرة لما اسرع لإدراك الركوع: "زادك الله حرصا ولا تعد".
وإن خشي فوات الجماعة أو الجمعة بالكلية فلا ينبغي أن يكره له الإسراع هنا لأنَّ ذلك لا ينجبر إذا فات وقد علل رسول الله ﷺ الأمر بالسكينة لقوله: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". فمن لا يرجوا إدراك شيء إذا مشى عليه السكينة يدخل في هذا الحديث وقد قيده في الحديث الآخر إذا سمعتم الإقامة فعلم أنَّ الخطاب لمن يأتي الصلاة طامعًا في إدراكها ولا فرق فيما ذكرناه من كراهة الإسراع لمن رجى الإدراك بين الجمعة وغيرها لعموم الحديث» اهـ.
٦ - ليس في حديث الباب تقييد صلاة الملائكة على العبد بأي قيد.
وقد دلت الأحاديث على تقييد ذلك بثلاثة قيود.
القيد الأول: أن يمكث في مجلسه الذي صلى فيه كما مضى.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
القيد الثاني: ألَّا يحدث.
القيد الثالث: أن لا يؤذي.
ويدل على ذلك ما رواه (٢١١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ». ولفظ مسلم (٦٤٩): «مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ».
وقد مضى ما رواه مسلم (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ». قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ. قَالَ: يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ اهـ
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى] (ص: ٦٩):
«وهذا يدل على أنَّ المراد بالحدث: حدث اللسان ونحوه، وفسره أبو هريرة بحدث الفرج، وقيل: إنَّه يشمل الحدثين» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٤١):
«وَقَوْلُهُ: "مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ" أَيْ يَحْصُلُ مِنْهُ أَذًى لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ لِمُسْلِمٍ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقَوْلِ الْحَدِيثُ» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلاةُ الْفَجْرِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ التثاقل عن صلاتي العشاء والفجر من صفات المنافقين، والمراد بذلك صلاتها جماعة مع المسلمين في المساجد، وهو وإن لم يكن مُصرَّح به في الحديث لكن سياق الحديث يدل عليه وذلك في قوله: «لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». والمراد بذلك إتيانهم إلى المساجد. ويدل على ذلك أيضًا همه بإحراق بيوت الذين يصلونها في بيوتهم مع أنَّهم قد يصلونها جماعة مع أهاليهم.
٢ - الحديث من جملة الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد، ووجه الشاهد من الحديث أنَّه همَّ بإحراق بيوت الذين يصلونها في بيوتهم مع أنَّهم قد يصلونها جماعة مع أهاليهم. فلو كانت صلاة الجماعة تؤدى في أي مكان لما همَّ النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين في بيوتهم وهذا ظاهر كما ترى.
وقد مضى القول في ذلك في حديث ابن عمر أول أحاديث الباب.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
٣ - هذا الحديث يرد على من قال من أهل العلم -كالشافعي في إحدى قوليه- أنَّ صلاة الجماعة في المساجد من فروض الكفايات، وذلك أنَّه لو كان الأمر كذلك لما همَّ النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين فإنَّ فرض الكفاية قد حصل بالنبي ﷺ ومن معه من الصحابة.
٤ - هم النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين يدل على جواز العقوبات المالية وجواز ذلك هو الصحيح من أقوال العلماء
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الطرق الحكمية] ص (٣٨٦):
«فصل: وأمَّا التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحد قولي الشافعي وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه بذلك في مواضع منها:
إباحته صلى الله عليه وسلم سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره ﷺ بكسر دنان الخمر وشق ظروفها، ومثل أمره لعبد الله بن عمر أن يحرق الثوبين المعصفرين.
ومثل أمره ﷺ يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الإنسية ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم فدل ذلك على جواز الأمرين لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر.
ومثل هدمه مسجد الضرار، ومثل تحريق متاع الغال، ومثل حرمان السلب الذي أساء على نائبه، ومثل إضعاف الغرم على سارق مالا قطع فيه من الثمر والكثر، ومثل إضعافه الغرم على كاتم الضالة ومثل أخذه شطر مال مانع الزكاة
[ ٢ / ٢٦٥ ]
عزمة من عزمات الرب ﵎، ومثل أمره لابس خاتم الذهب بطرحه فلم يعرض له أحد، ومثل تحريق موسى ﵇ العجل وإلقاء برادته في اليم، ومثل قطع نخيل اليهود إغاظة لهم، ومثل تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية.
وهذه قضايا صحيحة معروفة وليس يسهل دعوى نسخها.
ومن قال إنَّ العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلًا واستدلالًا فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد وغيره وكثير منها سائغ عند مالك وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته ﷺ مبطل أيضا لدعوى نسخها والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم» اهـ.
قلت: والعقوبات المالية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الإتلاف كهدم مسجد ضرار.
القسم الثاني: التغيير كقطع رأس التمثال، وقطع القرام الذي فيه تصاوير.
القسم الثالث: التمليك كأخذ شطر مال الممتنع من الزكاة، وسلب من قطع شيئًا من أشجار الحرم النبوي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٨/ ١١٣ - ١١٩): «وَهِيَ تَنْقَسِمُ كَالْبَدَنِيَّةِ إلَى إتْلَافٍ؛ وَإِلَى تَغْيِيرٍ؛ وَإِلَى تَمْلِيكِ الْغَيْرِ. فَالْأَوَّلُ الْمُنْكَرَاتُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ يَجُوزُ إتْلَافُ مَحَلِّهَا تَبَعًا لَهَا؛ مِثْلَ الْأَصْنَامِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ لَمَّا كَانَتْ صُوَرُهَا مُنْكَرَةً جَازَ إتْلَافُ مَادَّتِهَا؛ فَإِذَا كَانَتْ حَجَرًا أَوْ
[ ٢ / ٢٦٦ ]
خَشَبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ جَازَ تَكْسِيرُهَا وَتَحْرِيقُهَا. وَكَذَلِكَ آلَاتُ الْمَلَاهِي مِثْلَ الطُّنْبُورِ يَجُوزُ إتْلَافُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد. وَمِثْلَ ذَلِكَ أَوْعِيَةُ الْخَمْرِ؛ يَجُوزُ تَكْسِيرُهَا وَتَخْرِيقُهَا؛ وَالْحَانُوتُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَاتَّبَعُوا مَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ حَانُوتٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ لِرُوَيْشِدِ الثَّقَفِيِّ؛ وَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَا رُوَيْشِدٌ. وَكَذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَرْيَةٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَانَ الْبَيْعِ مِثْلُ الْأَوْعِيَةِ. وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ حَيْثُ رَأَى رَجُلًا قَدْ شَابَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ فَأَرَاقَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَبِذَلِكَ أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْأَصْلِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُشَابَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ شَوْبِهِ لِلشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خُلِطَ لَمْ يَعْرِفْ الْمُشْتَرِي مِقْدَارَ اللَّبَنِ مِنْ الْمَاءِ؛ فَأَتْلَفَهُ عُمَرُ. وَنَظِيرُهُ مَا أَفْتَى بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْأَصْلِ فِي جَوَازِ إتْلَافِ الْمَغْشُوشَاتِ فِي الصِّنَاعَاتِ: مِثْلَ الثِّيَابِ الَّتِي نُسِجَتْ نَسْجًا رَدِيئًا إنَّهُ يَجُوزُ تَمْزِيقُهَا وَتَحْرِيقُهَا؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ثَوْبًا مِنْ حَرِيرٍ مَزَّقَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَفْزَعْت الصَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَكْسُوهُمْ الْحَرِيرَ. كَذَلِكَ تَحْرِيقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِثَوْبِهِ الْمُعَصْفَرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ. وَهَذَا كَمَا يُتْلِفُ مِنْ الْبَدَنِ الْمَحَلَّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ؛ فَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ وَتُقْطَعُ رِجْلُ الْمُحَارِبِ وَيَدُهُ. وَكَذَلِكَ
[ ٢ / ٢٦٧ ]
الَّذِي قَامَ بِهِ الْمُنْكَرُ فِي إتْلَافِهِ نُهِيَ عَنْ الْعَوْدِ إلَى ذَلِكَ الْمُنْكَرِ؛ وَلَيْسَ إتْلَافُ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَحَلِّ مَفْسَدَةٌ جَازَ إبْقَاؤُهُ أَيْضًا؛ إمَّا لِلَّهِ وَإِمَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَمَا أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّ الطَّعَامَ الْمَغْشُوشَ مِنْ الْخُبْزِ وَالبَطَّيخِ وَالشِّوَاءِ كَالْخُبْزِ وَالطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يَنْضَجْ وَكَالطَّعَامِ الْمَغْشُوشِ وَهُوَ: الَّذِي خُلِطَ بِالرَّدِيءِ وَأَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ جَيِّدٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إتْلَافِهِ. وَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ أَتْلَفَ اللَّبَنَ الَّذِي شِيبَ لِلْبَيْعِ: فَلَأَنْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ وَزَجْرُهُ عَنْ الْعَوْدِ وَيَكُونُ انْتِفَاعُ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ أَنْفَعَ مِنْ إتْلَافِهِ وَعُمَرُ أَتْلَفَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُغْنِي النَّاسَ بِالْعَطَاءِ؛ فَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي الْمَدِينَةِ إمَّا قَلِيلًا وَإِمَّا مَعْدُومِينَ. وَلِهَذَا جَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ التَّصَدُّقَ بِهِ وَكَرِهُوا إتْلَافَهُ. فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَطْرَحُ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ فِي الْأَرْضِ أَدَبًا لِصَاحِبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ وَرَأَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. وَهَلْ يَتَصَدَّقُ بِالْيَسِيرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ وَقَالَ: لَا يُحِلُّ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ مَالَ إنْسَانٍ وَإِنْ قَتَلَ نَفْسًا؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهُرُ عَنْهُ وَقَدْ اسْتَحْسَنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِاللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ؛ وَفِي ذَلِكَ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِإِعْطَائِهِمْ إيَّاهُ وَلَا يهراق. قِيلَ لِمَالِكِ: فَالزَّعْفَرَانُ وَالْمِسْكُ أَتَرَاهُ مِثْلُهُ؟ قَالَ: مَا أَشْبَهَهُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ غِشُّهُ فَهُوَ كَاللَّبَنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هَذَا فِي الشَّيْءِ الْخَفِيفِ مِنْهُ فَأَمَّا إذَا كَثُرَ مِنْهُ فَلَا أَرَى ذَلِكَ؛ وَعَلَى صَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ أَمْوَالٌ عِظَامٌ. يُرِيدُ فِي الصَّدَقَةِ بِكَثِيرِهِ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ سَاوَى فِي ذَلِكَ بَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَاللَّبَنِ وَالْمِسْكِ
[ ٢ / ٢٦٨ ]
قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؛ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ فَلَمْ يَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَا كَانَ يَسِيرًا؛ وَذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ وَأَمَّا مَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَغْشُوشٌ لَمْ يَغُشَّهُ هُوَ؛ وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ: فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ أَفْتَى بِجَوَازِ إتْلَافِ الْمَغْشُوشِ مِنْ الثِّيَابِ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ فِي الْمَلَاحِفِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ: تُحَرَّقُ بِالنَّارِ. وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ فِيهَا بِالتَّصَدُّقِ؛ وَقَالَ: تُقْطَعُ خِرَقًا وَتُعْطَى لِلْمَسَاكِينِ إذَا تَقَدَّمَ إلَى مُسْتَعْمِلِيهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا. وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِإِعْطَاءِ الْخُبْزِ الْمَغْشُوشِ لِلْمَسَاكِينِ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ. وَقَالَ: لَا يَحِلُّ هَذَا فِي مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِذْنِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأُصْبُعِ: وَهَذَا اضْطِرَابٌ فِي جَوَابِهِ وَتَنَاقُضٌ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ فِي الْمَلَاحِفِ بِإِحْرَاقِهَا بِالنَّارِ أَشَدُّ مِنْ إعْطَاءِ هَذَا الْخُبْزِ لِلْمَسَاكِينِ وَابْنُ عَتَّابٍ أَضْبَطُ فِي أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَتْبَعُ لِقَوْلِهِ وَإِذَا لَمْ يَرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ عُقُوبَةَ الْغَاشِّ بِالصَّدَقَةِ أَوْ الْإِتْلَافِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْنَعَ وُصُولَ الضَّرَرِ إلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْغِشِّ إمَّا بِإِزَالَةِ الْغِشِّ؛ وَإِمَّا بِبَيْعِ الْمَغْشُوشِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ وَلَا يَغُشُّهُ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: قُلْت لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الماجشون لَمَّا نُهِينَا عَنْ التَّصَدُّقِ بِالْمَغْشُوشِ لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ: فَمَا وَجْهُ الصَّوَابِ عِنْدَكُمَا فِيمَنْ غَشَّ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْوَزْنِ؟ قَالَا: يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْإِخْرَاجِ مِنْ السُّوقِ؛ وَمَا كَثُرَ مِنْ الْخُبْزِ وَاللَّبَنِ أَوْ غَشَّ مِنْ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ فَلَا يُفَرَّقُ وَلَا يُنْهَبُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يَرُدُّهُ الْإِمَامُ إلَيْهِ وَلْيُؤْمَرْ بِبَيْعِهِ عَلَيْهِ مَنْ يَأْمَنُ أَنْ يَغُشَّ بِهِ وَبِكَسْرِ الْخُبْزِ إذَا كَثُرَ وَيُسَلِّمُهُ لِصَاحِبِهِ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَاللَّبَنُ الَّذِي يَغُشُّهُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وَيُبَيِّنُ لَهُ غِشَّهُ هَكَذَا الْعَمَلُ فِيمَا غُشَّ مِنْ التِّجَارَاتِ. قَالَ: وَهُوَ إيضَاحُ مَنْ اسْتَوْضَحْته ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا التَّغْيِيرُ فَمِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ. فَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ الْجَائِزَةُ فِيهَا بَأْسٌ كُسِرَتْ وَمِثْلُ تَغْيِيرِ الصُّورَةِ الْمُجَسَّمَةِ وَغَيْرِ الْمُجَسَّمَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً؛ مِثْلُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنِّي أَتَيْتُك اللَّيْلَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْك الْبَيْتَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَيْتِ تِمْثَالُ رَجُلٍ كَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ؛ فَأَمَرَ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ فَيُصَيَّرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ؛ وَأَمَرَ بِالسِّتْرِ يُقْطَعُ فَيُجْعَلُ فِي وِسَادَتَيْنِ مُنْتَبَذَتَيْنِ يُوطَآنِ وَأَمَرَ بِالْكَلْبِ يُخْرَجُ". فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ وَإِذَا الْكَلْبُ جَرْوٌ كَانَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ تَحْتَ نَضِيدٍ لَهُمْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ. كُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ التَّأْلِيفِ الْمُحَرَّمِ فَإِزَالَتُهُ وَتَغْيِيرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ إرَاقَةِ خَمْرِ الْمُسْلِمِ؛ وَتَفْكِيكِ آلَاتِ الْمَلَاهِي؛ وَتَغْيِيرِ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ؛ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ إتْلَافِ مَحِلِّهَا تَبَعًا لِلْحَالِ وَالصَّوَابُ جَوَازُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَالصَّوَابُ إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَهُوَ حَرَامٌ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ وَالْحَشِيشَةُ القنبية وَغَيْرُ ذَلِكَ.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وَأَمَّا التَّغْرِيمُ: فَمِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَبْلَ أَنْ يُؤْوِيَهُ إلَى الْجَرِينِ: أَنَّ عَلَيْهِ جَلَدَاتُ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ. وَفِيمَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَاشِيَةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْوَى إلَى الْمَرَاحِ: أَنَّ عَلَيْهِ جَلَدَاتُ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ أَنَّهُ يُضَعَّفُ غُرْمُهَا وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ مِثْلُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَأَضْعَفَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ الْغُرْمَ فِي نَاقَةِ أَعْرَابِيٍّ أَخَذَهَا مَمَالِيكُ جِيَاعٌ فَأَضْعَفَ الْغُرْمَ عَلَى سَيِّدِهِمْ وَدَرَأَ عَنْهُمْ الْقَطْعَ. وَأَضْعَفَ عُثْمَانُ بْنُ عفان فِي الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ عَمْدًا إنَّهُ يُضَعَّفُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ بِذَلِكَ. أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ» اهـ.
٥ - يدل الحديث على جواز التخلف عن الجماعة لصاحب الحسبة في بعض الأوقات ليعاقب المتخلفين عنها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٦٤):
«فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل عقوبة المتخلفين فإنَّ هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته فهو مقدم على الجمعة والجماعة. ولو أن ولي الأمر كالمحتسب وغيره تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا يصليها فيعاقبه جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة فإن عقوبة أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق».
٦ - وفيه أنَّ الثقل كما يكون حسيًا يكون معنويًا.
[ ٢ / ٢٧١ ]
قلت: والثقل المعنوي هو الثقل على الروح كثقل الصلاة على المنافقين.
والله ﷿ يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦].
ومن الثقل المعنوي ثقل الثقلاء.
روى الخلال في [أخبار الثقلاء] (١٤) حدثنا علي بن عمرو بن سهل الحريري، ثنا سليمان بن محمد الخزاعي بدمشق، ثنا قاسم بن عثمان الجرعي، ثنا حجاج بن محمد الأعور، ثنا شريك بن عبد الله، قال: «دخلت على الأعمش أعوده؛ فدخل عليه أبو حنيفة؛ فقال: يا أبا محمد! لولا ما أعرف من تثاقلك بي، لأتيتك في كل وقتٍ، فقال: والله إنَّك لثقيلٌ علي وأنت في بيتك؛ فكيف إذا جئتني؟!».
وروى ابن أبي الدنيا في [ذم الثقلاء] (ص: ٣١) حَدثنَا أَبُو الْفضل أَحْمد بن حبيب عَليّ بن يحيا: «قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لجلسائه لم صَار الثقيل أثقل على الْقلب من الْحمل الثقيل فَلم يجب مِنْهُم أحد وَقَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم فَقَالَ لِأَنَّهُ يجْتَمع على الْحمل الثقيل الرّوح وَالْبدن والثقيل تنفرد بِهِ الرّوح».
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٢/ ٢٣٠):
«فرب رجل عظيم الهيولي كبير الجثة خفيف على قلبك حلو عندك وآخر لطيف الخلقة صغير الجثة أثقل على قلبك من جبل وما ذاك إلا للطافة روح ذاك وخفتها وحلاوتها وكثافة هذا وغلظ روحه ومرارتها» اهـ.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وقال ﵀ [بدائع الفوائد] (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥):
«ومنهم من مخالطته حمى الروح وهو الثقيل البغيض العقل الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به فهو يُحدِث من فيه كلما تحدث ويظن أنَّه مسك يطيب به المجلس وإن سكت فأثقل من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض ويذكر عن الشافعي ﵀ أنَّه قال: "ما جلس إلى جانبي ثقيل إلَّا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر" ورأيت يومًا عند شيخنا قدس الله روحه رجلًا من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعف القوى عن حمله فالتفت إليَّ وقال: "مجالسة الثقيل حمى الربع ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى فصارت لها عادة"» اهـ.
٧ - وفي الحديث بيان أنَّ عبودية الضراء لا يستطيعها المنافقون، وإنَّما يقوم بها الصادقون من المؤمنين.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الوابل الصيب] (ص: ١١):
«الثاني: محن من الله تعالى يبتليه بها ففرضه فيها "الصبر" والتسلي والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوبًا فإنَّ الله ﷾ لم يبتله
[ ٢ / ٢٧٣ ]
ليهلكه وإنَّما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته فإنَّ لله تعالى على العبد عبودية الضراء وله عبودية عليه فيما يكره كما له عبودية فيما يحب وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون والشأن في إعطاء العبودية في المكاره ففيه تفاوت مراتب العباد وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية ونفقته في الضراء عبودية ولكن فرق عظيم بين العبودتين فمن كان عبدًا لله في الحالتين قائمًا بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وفي القراءة الأخرى ﴿عبادة﴾ وهما سواء لأنَّ المفرد مضاف فينعم عموم الجمع فالكفاية التامة مع العبودية التامة والناقصة فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاَّ نفسه» اهـ.
فائدة: جاء في سبب امتناع النبي ﷺ من إحراق بيوت المتخلفين ما رواه أحمد (٨٧٨٢) حَدَّثَنَا خَلَفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، لأَقَمْتُ الصَّلَاةَ، صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ».
قلت: هذا حديث ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلا يَمْنَعُهَا» قَالَ: فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ؟! وَفِي لَفْظٍ: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ».
قوله: «فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ».
جاءت رواية عند مسلم (٤٤٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ».
فَقَالَ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ: إِذَنْ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَا. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٨):
«وَلَمْ أَرَ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ ذِكْرًا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَوْهَمَ صَنِيعُ صَاحِبِ "الْعُمْدَةِ" خِلَافَ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيَانِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ شُرَّاحِهِ وَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ اخْتَصَرَهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَةِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ من وَجه آخر عَنْ بن عُمَرَ وَسَمَّى الِابْنَ بِلَالًا».
إلى أن قال ﵀: (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩):
«وَالرَّاجِحُ مِنْ هَذَا أَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ بِلَالٌ لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَتِهِ نَفْسِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ أَخِيهِ سَالِمٍ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ فَمَرْجُوحَةٌ
[ ٢ / ٢٧٥ ]
لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِيهَا وَلَمْ أَرَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْأَعْمَشِ مُسَمًّى وَلَا عَنْ شَيْخِهِ مُجَاهِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ وبن أَبِي نَجِيحٍ وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ كُلِّهِمْ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مَحْفُوظَةً فِي تَسْمِيَتِهِ وَاقِدًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ بِلَالٍ وَوَاقِدٍ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ إِمَّا فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ، وَأَجَابَ ابن عُمَرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِجَوَابٍ يَلِيقُ بِهِ وَيُقَوِّيهِ اخْتِلَاف النقلَة فِي جَوَاب ابن عُمَرَ فَفِي رِوَايَةِ بِلَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ يَسُبُّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَفَسَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ السَّبَّ الْمَذْكُورَ بِاللَّعْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ: أُفٍّ لَكَ. وَلَهُ عَنِ ابن نُمَيْرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وَفَعَلَ، وَمِثْلُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَزَبَرَهُ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَسَبَّهُ وَغَضِبَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلَالٌ الْبَادِئَ فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِالسَّبِّ الْمُفَسَّرِ بِاللَّعْنِ وَأَنْ يَكُونَ وَاقِدٌ بَدَأَهُ فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِالسَّبِّ الْمُفَسَّرِ بِالتَّأْفِيفِ مَعَ الدَّفْعِ فِي صَدْرِهِ وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ بِلَالًا عَارَضَ الْخَبَرَ بِرَأْيِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ عِلَّةَ الْمُخَالَفَةِ وَوَافَقَهُ وَاقِدٌ لَكِنْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا. وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ وَأَصْلُهُ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْمُخَادَعَةِ لِكَوْنِ الْمُخَادِعِ يَلُفُّ فِي ضَمِيرِهِ أَمْرًا وَيُظْهِرُ غَيْرَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ فَسَادِ بَعْضِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ الْغيرَة وَإِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ ابن عُمَرَ لِتَصْرِيحِهِ بِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ مَثَلًا: إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ تَغَيَّرَ وَإِنَّ بَعْضَهُنَّ رُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْمَسْجِدِ وَإِضْمَارُ غَيْرِهِ لَكَانَ يَظْهَرُ أَنْ لَا يُنْكِرَ عَلَيْهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَتْ عَائِشَةُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ» اهـ.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وقوله: وَفِي لَفْظٍ: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» اهـ.
هذا اللفظ رواه البخاري (٩٠٠) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ. قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي. قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ».
ورواه مسلم (٤٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي وَابْنُ إِدْرِيسَ قَالَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ».
وفي هذا الحديث مسائل منها:
١ - جواز خروج المرأة إلى المسجد لشهود الصلاة إذا تقيدت بالآداب الشرعية من اجتناب الطيب والبخور والملابس الجميلة وإظهار الحلي ونحو ذلك.
وقد روى مسلم (٤٤٣) عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا».
وروى مسلم (٤٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ».
وروى أحمد (١٠٨٤٧)، وأبو داود (٥٦٥) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ».
[ ٢ / ٢٧٧ ]
قلت: إسناده حسن. ومعنى تفلات أي غير متطيبات.
قال العلامة الحطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ١٦٢):
«التفل سوء الرائحة. يقال: امرأة تفلة إذا لم تطيب، ونساء تفلات» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٦١ - ١٦٢):
«هَذَا وَشَبَهُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ الْمَسْجِدَ لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مَأْخُوذَةً مِنَ الأحاديث وهو أن لا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً وَلَا مُتَزَيِّنَةً وَلَا ذَاتَ خَلَاخِلَ يُسْمَعُ صَوْتُهَا وَلَا ثِيَابٍ فَاخِرَةٍ وَلَا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجَالِ وَلَا شَابَّةً وَنَحْوَهَا مِمَّنْ يُفْتَتَنُ بِهَا وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا يَخَافُ بِهِ مَفْسَدَةً وَنَحْوَهَا وَهَذَا النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنِّ مِنَ الْخُرُوجِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَوُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ حَرُمَ الْمَنْعُ إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ» اهـ.
وروى مسلم (٤٤٥) عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قالت:
«لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٩):
«وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ لَوْ رَأَى لَمَنَعَ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ حَتَّى أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْعَ وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ بِمَنْعِهِنَّ وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ لَكَانَ
[ ٢ / ٢٧٨ ]
مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا كَالْأَسْوَاقِ أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاثُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ لَا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إِلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ فَيُجْتَنَبُ لِإِشَارَتِهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ التَّطَيُّبِ وَالزِّينَةِ وَكَذَلِكَ التَّقَيُّدُ بِاللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ» اهـ.
قلت: والأحسن في حق المرأة أن تصلي في بيتها.
فقد روى أحمد (٥٤٦٨)، وأبو داود (٥٦٧) من طريق يَزِيدِ بْنِ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ حَدَّثَنِى حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ».
قلت: حبيب مدلس وقد عنعن. والحديث ثابت في الصحيحين من طرق عن ابن عمر من غير هذه الزيادة فالأظهر عدم ثبوتها في حديث ابن عمر.
ويغني عنه ما رواه أبو داود (٥٧٠) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلَاتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِى بَيْتِهَا».
قلت: هذا حديث حسن.
قال العلامة علي القاري ﵀ في [المرقاة] (٣/ ٨٣٧):
«"صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا" أَيِ الدَّاخِلَانِيُّ لِكَمَالِ سَتْرِهَا "أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا" أَيْ: صَحْنِ الدَّارِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِالْحُجْرَةِ مَا تَكُونُ أَبْوَابُ الْبُيُوتِ إِلَيْهَا، وَهِيَ أَدْنَى حَالًا مِنَ الْبَيْتِ، "وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا": بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُفْتَحُ
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وَتُكْسَرُ مَعَ فَتْحِ الدَّالِ فِي الْكُلِّ، وَهُوَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكُونُ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ يُحْفَظُ فِيهِ الْأَمْتِعَةُ النَّفِيسَةُ، مِنَ الْخُدَعِ، وَهُوَ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ، أَيْ: فِي خِزَانَتِهَا "أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا": لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى التَّسَتُّرِ» اهـ.
قلت: الحُجْرَةُ كُلُ بِنَاء أحَاط بِهِ حَائِط فَهُوَ حجرَة وَهُوَ مُشْتَقّ من قَوْلهم: حجرت الشَّيْء إِذا منعته، وَحجر الْقَمَر إِذا صَارَت حوله دارة سميت بذلك لِأَنَّهَا تمنع من دَخلهَا من أَنْ يُوصل إِلَيْهِ وَمن أَنْ يرى.
قلت: وقد استثنى بعضهم صلاتها في المسجد الحرام.
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٦١٤) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثنا مِسْعَرٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةٍ تُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهَا، إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِلَّا عَجُوزٌ فِي مِنْقَلَيْهَا». يَعْنِي خُفَّيْهَا.
قلت: هذا أثر صحيح.
وقد جاء تفسير "منقليها" في أثر آخر عند عبد الرزاق في [مصنفه] (٥١١٧):
قِيلَ: مَا مِنْقَلَيْهَا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «امْرَأَةٌ عَجُوزٌ قَدْ تَقَارَبَ خَطْوُهَا» اهـ.
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٣١٧):
«وَالْمِنْقَلَانِ الْخُفَّانِ وَقِيلَ الْخُفَّانِ الْخَلَقَانِ ضَبَطَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْهَرَوِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِالْكَسْرِ وَذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي "الْمُثَلَّثِ: وَقَالَ: هُوَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الْخُفُّ وَبِالضَّمِّ الْخُفُّ الْمُصْلَحُ» اهـ.
وقال أبو عبيد ﵀ في [غريب الحديث] (٤/ ٧٠):
[ ٢ / ٢٨٠ ]
«وَالَّذِي أَرَادَ عبد الله بقوله: فَهِيَ فِي مَنقليها يَعْنِي أَنَّهَا مِمَّنْ تخرج إِلَى الْأَسْوَاق والحوائج فَهِيَ أبدًا لابسة خفيها فَأَما الَّتِي لم تيأس من البعولة فَهِيَ لَازِمَة لبيتها فَلَا فَرخص للعجائز فِي الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد وَكَرِهَهُ للشواب» اهـ.
قلت: وقد استثنى ابن مسعود ﵁ كبيرة السن التي لا تشتهي الرجال ولا يشتهيها الرجال.
فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٥١١٧)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٦١٩) من طريق سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبَّ هَذِهِ الدَّارِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: «حَلَفَ فَبَالَغَ فِي الْيَمِينِ، مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَلَاةٍ فِي بَيْتِهَا إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، إِلَّا امْرَأَةٌ قَدْ أَيِسَتْ مِنَ الْبُعُولَةِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الإخنائية] (ص: ٥٥):
«وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله ﷺ وفي المسجد الحرام، فإنَّهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه. وأمَّا أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل.
قال مالك: التنفل فيه للغرباء أحبُّ إليَّ من التنفل في البيوت.
وحجتهم في ذلك أنَّ الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد، وأهل البلد يصلُّون فيه دائمًا الفرض، فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "أيها الناس؛ أفضل
[ ٢ / ٢٨١ ]
الصلاة صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة". وقال ﷺ في النساء: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن".
وأمَّا الغرباء فلا يمكنهم أن يصلُّوا الفرض فيه دائمًا، لأنَّ الفرائض لها أوقات محدودة، فيستكثروا من التنفل فيه، وكذلك المسجد الحرام. ولهذا استحبُّوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضُّلوه على الصلاة. قال ابن القاسم: "الطواف بالبيت للغرباء أحب إليّ من الصلاة". وذلك لأنَّ الغرباء لا يمكنهم الطواف كل وقت، بخلاف أهل البلد فإنَّه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات» اهـ.
قلت: وجاء تقييد الإذن في بعض الروايات بالليل.
فروى البخاري (٨٦٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ».
ورواه مسلم (٤٤٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ».
ورواه البخاري (٨٩٩)، ومسلم (٤٤٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ».
قلت: وأكثر الروايات ليس فيها تقييد ذلك بالليل.
ومن حمل النهي عن منعهنَّ من المساجد بالليل فإنَّه يقيد الروايات المطلقة بالليل من باب حمل المطلق على المقيد، ويلحق صلاة الفجر بذلك لأنَّها في وقت غلس، وهذا هو الأظهر.
والمعنى يقتضي تقييد ذلك بالليل باعتبار أنَّ الليل أستر للمرأة عند خروجها من النهار.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٤٧٠):
«وقوله ﵇: "إذا استأذنكم بالليل"، فيه دليل أن النهار يخالف الليل؛ لنصه على الليل، وهذا الحديث يقضى على قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". قال مالك: إنَّه بلغه عن ابن عمر، عن نبى الله فكأنَّه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، يعنى: في الليل، والغلس فيه معنى الليل، ألا ترى قول عائشة ما يعرفن من الغلس» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٨٤):
«قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَوْرَدَ البُخَارِيّ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ بن عُمَرَ بِلَفْظِ: "ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ". وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِذْنَ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُنَّ بِاللَّيْلِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْجُمُعَةُ. قَالَ: وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ يَعْنِي قَوْلَهُ فِيهَا: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ جَنَحَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمُطْلَقَ يحمل على ذَلِك الْمُقَيد وَالله أعلم» اهـ.
قلت: وجاء في بعض الروايات ذكر العشاء، وذلك فيما رواه مسلم (٤٤٣) عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ».
وروى مسلم (٤٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ».
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٣٤٢):
[ ٢ / ٢٨٣ ]
«قَوْلُهُ: "إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ" الَّتِي يُمْكِنُ مُشَاهَدَةُ النِّسَاءِ لَهَا لِأَنَّ غَالِبَ مَا يَحْضُرْنَ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا كَانَ فِي أَوْقَاتِ الظُّلُمَاتِ كَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُنَّ وَأَخْفَى لِأَحْوَالِهِنَّ» اهـ.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٩٧):
«فَأَلْحَقَ بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ. فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ دَاعِيَةِ الرِّجَالِ وَشَهْوَتِهِمْ. وَرُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا. فَمَا أَوْجَبَ هَذَا الْمَعْنَى الْتَحَقَ بِهِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ". وَيَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا: حُسْنُ الْمَلَابِسِ، وَلُبْسُ الْحُلِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الزِّينَةِ.
قَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ". فَخَصَّ بِذَلِكَ اللَّيْلَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّتْرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَطَيُّبَ النِّسَاءِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ لِمُضَاجَعَةِ الْأَزْوَاجِ فَكُرِهَ لَهُنَّ تَعْجِيلُ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِشَاءِ لِأَنَّ خُرُوجَهُنَّ مَعَ التَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَإِذَا بِهِ لَمَّا وُضِعَ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْمَيْلِ إلَيْهِنَّ وَالشُّغْلِ بِهِنَّ وَالتَّطَيُّبِ سَبَبٌ لِذَلِكَ وَبَاعِثٌ عَلَيْهِ» اهـ.
٢ - أنَّه لا ينبغي للزوج أن يمنعها من ذلك إلَّا لمفسدة تقتضي المنع من ذلك.
وهل هذا على سبيل التحريم أو الكراهة أعني النهي عن منعهنَّ من الذهاب إلى المسجد.
قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (٥/ ١٨٧):
[ ٢ / ٢٨٤ ]
«وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ النَّدْبُ، عَلَى مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٨):
«وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِذْنَ الْمَذْكُورَ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَا تنفى مَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْذَنُ مُخَيَّرًا فِي الْإِجَابَةِ أَوِ الرَّدِّ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ١٩٩):
«يُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ إلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى وَأَمِنَ الْمُفْسِدَةَ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ مَنَعَهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ " لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " بِأَنَّهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ وَاجِبٌ فَلَا تَتْرُكْهُ لِلْفَضِيلَةِ» اهـ.
قلت: كلام البيهقي في [الكبرى] (٣/ ١٩٠) - فقد قال بعد ذكره للحديث الذي فيه ترغيب المرأة أن تصلي في بيتها -:
«وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِأَنْ لَا يُمْنَعْنَ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لَا أَمْرُ فَرْضٍ وَإِيجَابٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ» اهـ.
قلت: وحمل ذلك على المسجد الحرام بمعنى لا يمنعها من أداء فريضة الحج في غاية البعد، وهو خلاف عمومات الحديث.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٤/ ٢٣٤):
[ ٢ / ٢٨٥ ]
«وَقَدْ حَمَلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْحَدِيثَ عَلَى خَاصٍّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مَسْجِدَ اللَّهِ الْحَرَامَ لِفَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ تَطَوُّعًا وَمِنَ الْمَسَاجِدِ غَيْرِهِ وَحُمِلَ قَوْلُهُ: "فَلَا يَمْنَعْهَا" عَلَى الِاسْتِحْبَابِ» اهـ.
قلت: وكلام الإمام الشافعي ﵀ موجود في [اختلاف الحديث] (٨/ ٦٢٦):
«وَرُوِيَ "إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ لِتَشْهَدَ الْعِشَاءَ فَلَا يَمْنَعْهَا". فَاحْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى اسْتِحْبَابٍ، فَلَمَّا كَانَ مَا وَصَفْتُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعَامَّةُ أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةَ شُهُودُ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ كَمَا هِيَ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنْ وَلِيُّهَا حَبَسَهَا، كَانَ هَذَا اخْتِيَارًا لَا فَرْضًا عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمَرْأَةِ لِلْعِشَاءِ، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُفْتِينَ يُخَالِفُ فِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ الْإِذْنُ لِامْرَأَتِهِ إِلَى جُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا إِلَى حَجٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُهَا فِي عُمُرِهَا، فَقُلْتُ: فَفِي أَنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُفْتُونَ إِنْ كَانَ كَمَا قُلْتَ دَلِيلٌ عَلَى أنْ لَا يَجْهَلُوا مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ، إِذَا كَانَ مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ مُحْتَمِلًا مَا قَالُوا. قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الْحَجِّ، قُلْتُ: أَمَّا هَذَا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْفَرِيضَةَ فَقَدْ مَنَعَهَا مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا، فَأَبَاحَ لَهُ خِلَافَ الْحَدِيثِ، فَإِذَا قُلْتُ: لَا يَمْنَعُهَا الْفَرِيضَةَ مِنَ الْحَجِّ أُخَالِفُ الْحَدِيثَ؟ بَلْ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا"، وَفِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُنَّ بَعْضَهَا» اهـ.
وقال العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ١٦٢)
[ ٢ / ٢٨٦ ]
«وقد استدل بعض أهل العلم بعموم قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، على أنَّه ليس للزوج منع زوجته من الحج لأنَّ المسجد الحرام الذي يخرج إليه الناس للحج والطواف أشهر المساجد وأعظمها حرمة فلا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج إليه» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ٥٤):
«ومن هؤلاء من حمل قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" على النهي عن منعهنَّ من حجة الإسلام، وهو في غاية البعد، ورواية من روى تقييده بالليل تبطل ذلك.
ومنهم من حمله على الخروج للعيدين، وهو بعيد -أيضًا -؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن من عادته صلاة العيدين في المسجد» اهـ.
٣ - قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ٢٨١ - ٢٨٢):
«وفي معنى هذا الحديث أيضًا الإذن لها في الخروج لكل مباح حسن من زيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم من القرابات لأنَّ الخروج لهنَّ إلى المسجد ليس بواجب عليهنَّ بل قد جاءت الآثار الثابتة تخبر بأنَّ الصلاة لهن في بيوتهن أفضل فصار الإذن لهنَّ إلى المسجد وإذا لم يكن للرجل أن يمنع امرأته المسجد إذا استأذنته في الخروج إليه كان أوكد أن يجب عليه أن لا يمنعها الخروج لزيارة من في زيارته صلة لرحمها ولا من شيء لها فيه فضل أو إقامة سنة وإذا كان ذلك كذلك فالإذن ألزم لزوجها إذا استأذنته في الخروج إلى بيت الله الحرام للحج» اهـ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
٤ - وفيه أنَّ المرأة لا تخرج إلى المسجد بدون إذن زوجها، فإنَّه لو لم يكن له إذن في ذلك لأمرها أن تخرج سواء أذن أو لم يأذن.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٤٠):
«ولا نعلم خلافًا بين العلماء: أنَّ المرأة لا تخرج إلى المسجد إلَّا بأذن زوجها، وهو قول ابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم» اهـ.
٥ - واحتج به من قال: إنَّ للزوج أن يمنع زوجته من غير المسجد.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٩٨):
«وَقِيلَ: إنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذَا إنْ أُخِذَ مِنْ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ جَوَازَ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ: بِأَنَّ هَذَا تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِاللَّقَبِ. وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إنَّ مَنْعَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مَشْهُورٌ مُعْتَادٌ. وَقَدْ قُرِّرُوا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْمَسَاجِدِ لِبَيَانِ مَحَلِّ الْجَوَازِ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ الْمَعْلُومِ. فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْمَنْعِ. وَعَلَى هَذَا: فَلَا يَكُونُ مَنْعُ الرَّجُلِ لِخُرُوجِ امْرَأَتِهِ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ مَأْخُوذًا مِنْ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِالْمَسْجِدِ فَقَطْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ ﷺ: "لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ". مُنَاسَبَةً تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ. أَعْنِي كَوْنَهُنَّ "إمَاءَ اللَّهِ" بِالنِّسْبَةِ إلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ. وَلِهَذَا كَانَ التَّعْبِيرُ بِإِمَاءِ اللَّهِ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالنِّسَاءِ لَوْ قِيلَ. وَإِذَا كَانَ مُنَاسِبًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْجَوَازِ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ. وَالْمُرَادُ بِالِانْتِفَاءِ هَا هَاهُنَا: انْتِفَاءُ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ، أَيْ لِلصَّلَاةِ» اهـ.
٦ - وفي قول ابن عمر تأديب المعترض على السنن برأيه.
٧ - وفيه تأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا في تغيير المنكر وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم بما لا ينبغي. ذكر ذلك ابن دقيق العيد ﵀.
٨ - وفيه إطلاق الأَمة على الحرة لكنه وارد مع الإضافة إلى الله تعالى.
٩ - احتج بعضهم بقوله ﵊: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ». على أنَّ للمرأة أن تذهب للحج من غير محرم، وفيه ما فيه من البعد.
وقد روى البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٧٧):
«قَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ عَام فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى السَّفَرِ إِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَوْلُهُ ﷺ: "لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ". عَامٌّ فِي كُلِّ سَفَرٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَجُّ فَمَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ خَصَّ الْحَدِيثَ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ خَصَّ الْآيَةَ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ مِنْ خَارِجٍ وَقَدْ رُجِّحَ الْمَذْهَبُ الثَّانِي بِعُمُومِ
[ ٢ / ٢٨٩ ]
قَوْلِهِ ﷺ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ لِكَوْنِهِ عَامًّا فِي الْمَسَاجِدِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى السَّفَرِ بِحَدِيثِ النَّهْيِ» اهـ.
١٠ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الإخنائية] (ص: ٨٨):
«وقوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وقوله: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". لا يقتضي أنَّها تسافر من غير زوج ولا ذي محرم، ولا على أن على زوجها أن يأذن لها إذا أرادت السفر إلى أحد المساجد، ولو كان مع زوج أو ذي محرم. إنما عليه الإذن في الفرض وهو الحج، مع قوله ﷺ: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد". فلا يقال: إنه عام في السفر وغيره» اهـ.
١١ - وفيه إطلاق المرأة على الزوجة، وفيه رد على من يقول: إنَّ الزوجة تطلق على من بينها وبين زوجها تلائم وتجانس وتوافق، وإن لم يكن كذلك فهي امرأة.
ويحتج هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١٠، ١١].
قالوا: فأطلق الله تعالى على هؤلاء لفظ إمرأة دون زوجة للاختلاف بينهنَّ وبين أزواجهنَّ في الدين.
قالوا: وقد يكون ذلك بسبب عدم الانجاب فيحصل شيء من عدم التلاؤم بسببه كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩].
ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١].
والجواب: أنَّ الله تعالى أطلق ذلك على امرأة فرعون قبل إسلامها فقال: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] فأطلق الله عليه امرأة مع حصول التوافق بينها وبين زوجها من حيث الإسلام والإنجاب.
وفي المقابل قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] فسماها زوجًا مع وجود النفرة بينها وبين زوجها.
[ ٢ / ٢٩١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ».
وَفِي لَفْظِ: «فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ: فَفِي بَيْتِهِ».
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ. وَكَانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا».
قوله: وَفِي لَفْظِ: «فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ: فَفِي بَيْتِهِ».
هذا اللفظ أقرب لرواية مسلم (٧٢٩) لكن ليس عنده ذكر الفجر، ولفظه:
«فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ».
ولفظ البخاري (١١٧٢): «فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - في الحديث استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة الظهر. وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّه كان يصلي أربعًا قبلها.
ومن ذلك ما رواه البخاري (١١٨٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ».
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٩٨):
[ ٢ / ٢٩٢ ]
«وكان يصلي أحيانًا قبل الظهر أربعًا كما في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أنَّه صلى الله عليه وسلم: "كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة".
فإمَّا أن يقال: إنَّه ﷺ كان إذا صلى في بيته صلى أربعًا وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين وهذا أظهر. وإمَّا أن يقال: كان يفعل هذا ويفعل هذا فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما، وقد يقال: إنَّ هذه الأربع لم تكن سنة الظهر بل هي صلاة مستقلة كان يصليها بعد الزوال كما ذكره الإمام أحمد عن عبد الله بن السائب أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس وقال: "إنَّها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح".
وفي السنن أيضًا عن عائشة ﵂ "أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهنَّ بعدها"
وقال ابن ماجه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الركعتين بعد الظهر.
وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أربعًا قبل الظهر وبعدها ركعتين".
وذكر ابن ماجه أيضًا عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ يصلي أربعًا قبل الظهر يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنَّه كان لا يدعهن وأمَّا سنة الظهر فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر يوضح ذلك أنَّ سائر الصلوات سنتها ركعتان ركعتان والفجر مع كونها ركعتين والناس في وقتها أفرغ ما يكونون ومع هذا سنتها ركعتان وعلى هذا فتكون هذه الأربع التي قبل الظهر وردًا مستقلًا سببه انتصاف النهار وزوال الشمس وكان عبد الله بن مسعود يصلي بعد الزوال ثمان ركعات ويقول: إنَّهن يعدلن بمثلهنَّ من قيام الليل.
وسر هذا - والله أعلم - أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل فهما وقتا قرب ورحمة هذا تفتح فيه أبواب السماء وهذا ينزل فيه الرب ﵎ إلى سماء الدنيا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى في يوم وليله ثنتي عشرة ركعة بني له بهن بيت في الجنة" وزاد النسائي والترمذي فيه: "أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر".
قال النسائي: "وركعتين قبل العصر" بدل "وركعتين بعد العشاء" وصححه الترمذي وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه: "من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتًا في الجنة: أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر" وذكر أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه وقال: "ركعتين قبل الفجر وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين أظنه قال: قبل العصر وركعتين بعد المغرب أظنه قال: وركعتين بعد العشاء الآخرة" وهذا التفسير يحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة
[ ٢ / ٢٩٤ ]
مدرجًا في الحديث ويحتمل أن يكون من كلام النبي ﷺ مرفوعًا والله أعلم» اهـ.
قلت: حديث عبد الله بن السائب رواه أحمد (١٥٤٣٣)، والترمذي (٤٧٨) من طريق أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الوَضَّاحِ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ المُؤَدِّبُ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه أحمد (٢٣٥٩٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُدِيمُ هَذِهِ الصَّلَاةَ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَرْتَفِعَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ».
قلت: إسناده ضعيف من أجل شريك.
وقيل في الجمع بين حديث عائشة وابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ كان يصلي في بيته ركعتين وفي المسجد ركعتين فشاهد ابن عمر الركعتين اللتين في المسجد، وعلمت عائشة بالأربع.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
لكن يرد هذا ما رواه مسلم (٧٣٠) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
قلت: حديث عائشة في البخاري (١١٨٢) الذي فيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ». يدل على أنَّ الغالب من هدي رسول الله ﷺ صلاة أربع قبل الظهر، وحديث ابن عمر محمول على فعل النبي ﷺ ذلك في بعض الأوقات.
وأمَّا حمل حديث عائشة على التنفل بعد الزوال من غير الراتبة فيه نظر، فإنَّها حديثها في سياق ذكر رواتب الصلوات.
وما يسمى بسنة الزوال أو صلاة الزوال فيها نظر، وقد أثبتها بعض العلماء كالغزالي، والعراقي، وابن القيم في كلامه السابق، وجماعة من علماء الشافعية.
والأظهر أنَّها سنة الظهر القبلية كما سار على ذلك جماعة من العلماء.
٢ - فيه إستحباب صلاة ركعتين بعد صلاة الظهر.
وجاء في صلاة أربع ركعات ما رواه أبو داود (١٢٦٩)، والنسائي (١٨١٤، ١٨١٥) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ﷺ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرُمَ عَلَى النَّارِ».
قال الحافظ النسائي ﵀: «مَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَنْبَسَةَ شَيْئًا» اهـ.
قلت: وقد نفى سماع مكحول من عنبسة هشام بن عمار، وأبو زرعة كما في [المراسيل] (٧٩٠، ٧٩٨) لابن أبي حاتم.
ورواه أحمد (٢٧٤٠٣)، والنسائي (١٨١٧)، والترمذي (٤٢٧)، وابن ماجه (١١٦٠) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الشُّعَيْثِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ به.
قلت: قال الحافظ ابن حبان ﵀ في [الثقات] (٧/ ٤٥):
«عبد الله بن مهاجر الشعيثي يروى عن عنبسة بن أبي سفيان روى عنه ابنه محمد بن عبد الله الشعيثي يعتبر بحديثه غير رواية ابنه» اهـ.
وقال الحافظ النسائي ﵀: «هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ مَرْوَانَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ» اهـ.
يريد ما أخرجه قبل ذلك (١٨١٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ ﷿ عَلَى النَّارِ».
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ورواه الترمذي (٤٢٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ الشَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي العَلَاءُ بْنُ الحَارِثِ، عَنِ القَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُخْتِي أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَالقَاسِمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ ثِقَةٌ شَامِيٌّ، وَهُوَ صَاحِبُ أَبِي أُمَامَةَ اهـ.
قلت: العلاء ممن اختلط بأخرة.
قلت: وقد روى الحديث جماعة عن عنبسة بغير هذا اللفظ.
فرواه مسلم (٧٢٨) من طريق عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ عَنْبَسَةُ: «فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ»، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ» وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ».
ورواه أحمد (٢٦٧٦٩)، والترمذي (٤١٥)، والنسائي (١٨٠٣)، وابن ماجه (١١٤١) من طريق الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ،
[ ٢ / ٢٩٨ ]
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ».
قلت: ووقع اختلاف كثير في رواية المسيب وقد بيَّن ذلك الحافظ النسائي.
ورواه النسائي (١٧٩٨) من طريق عَطَاءٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ ﷿ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «عَطَاءٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَنْبَسَةَ».
ثم رواه النسائي (١٧٩٩) من طريق عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أُمُّ حَبِيبَةَ به.
ورواه أحمد (٢٧٣٩٥) من طريق النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ به.
ورواه عبد بن حميد في [المنتخب] (١٥٥١) ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عن عنبسة به.
وأمَّا ما رواه الطبراني [المعجم الأوسط] (٢٧٤٧) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ حَرَّمَ اللَّهُ ﷿ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ».
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَّا يَزِيدُ، تَفَرَّدَ بِهِ مَنْصُورٌ اهـ.
فلا يثبت: يزيد بن يوسف متروك الحديث، والمعروف رواية روح بن عبادة.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
لكن رواه ابن شاهين في [الترغيب] (٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِعَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْمَوْتُ اشْتَدَّ جَزَعُهُ. فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا الْجَزَعُ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ، يَعْنِي أُخْتَهُ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، حَرَّمَ اللَّهُ ﷿ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ. فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا».
وتابعه موسى بن أعين عن الأوزاعي أخرجه النسائي (١٨١٢).
قلت: روايتهما أصح من روح بن عبادة.
ورواه الطبراني في [الكبير] (٤٣٨) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجفري، عَنْ عَنْبَسَةَ بذكر الثنتي عشرة ركعة.
وهكذا رواه ابن جميع الصيداوي في [معجم الشيوخ] (ص: ٣٣٠) من طريق أَوْسَطَ الْبَجَلِيِّ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ به.
ورواه الطبراني في [الأوسط] (٩١٤) من طريق معبد بن خالد عن عنبسة به.
قلت: أكثر الرواة رووا الحديث عن عنبسة بذكر الثنتي عشرة ركعة، وهذا هو المحفوظ في حديث أم حبيبة، ولعله بسبب ذلك اقتصر عليه مسلم في صحيحه. والله أعلم.
٣ - يدل الحديث على استحباب صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة، وقد جاء ما يدل على أكثر من ذلك فروى مسلم (٨٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا».
قال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٤٠):
[ ٢ / ٣٠٠ ]
«وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ أَمْرَهُ ﵊ بِالْأَرْبَعِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَنَّهَا تَكْمِلَةَ الرَّكْعَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فَيَكُونَ ظُهْرًا وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ فَقَالَ: وَكُلُّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى تَرْكِ الِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ الْجُمُعَةُ بِالظُّهْرِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعٌ عَلَى الْجَاهِلِ أَوْ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ أَهْلُ الْبِدَعِ إلَى صَلَاتِهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا» اهـ.
وقال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (١٠/ ٣٠٣):
«وَكَانَ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: "مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا" عَلَى أَرْبَعٍ مِنْ غَيْرِ شَكْلِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَالْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، فَأَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّاهَا فِيهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ شَكْلِهَا وَهُوَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَمَا فَوْقَهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ الْكَلَامُ، أَوِ التَّقَدُّمُ الْمَذْكُورَانِ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا» اهـ.
وروى أبو داود (١١٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رِزْمَةَ الْمَرْوَزِىُّ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
قلت: هذا إسناد صحيح وعطاء وهو ابن أبي رباح قال علي بن المديني، وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى لم يسمع من ابن عمر. لكن قال الإمام البخاري في [التاريخ الكبير] (٦/ ٤٦٤):
[ ٢ / ٣٠١ ]
«سمع أبا هريرة وابن عباس وأبا سعيد وجابرًا وابن عمر ﵃» اهـ.
قلت: والمثبت مقدم على النافي.
ورواه أبو داود (١١٣٥) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ «أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَيَنْمَازُ عَنْ مُصَلاَّهُ الَّذِى صَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةَ قَلِيلًا غَيْرَ كَثِيرٍ قَالَ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَالَ ثُمَّ يَمْشِى أَنْفَسَ مِنْ ذَلِكَ فَيَرْكَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ كَمْ رَأَيْتَ ابْنَ عُمَرَ يَصْنَعُ ذَلِكَ قَالَ مِرَارًا».
ورواه الترمذي تحت حديث برقم (٥٢٣) مختصرًا من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج به.
قلت: لم يصل النبي ﷺ الجمعة في السفر قط، ولم يصلها في مكة قط، وقول ابن عمر: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ». محمول على صلاة الركعتين في بيته.
وقال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٣٩):
«قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ آخِرُ الْحَدِيثِ فَقَطْ وَهُوَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِالْمَدِينَةِ دُونَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِمَكَّةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَنِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ صَغِيرًا فَإِنْ أُرِيدَ رَفْعَ فِعْلِهِ بِمَكَّةَ أَيْضًا وَهُوَ بَعِيدٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ يُصَلِّي بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَالِدِي ﵀ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يُسْأَلُ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّيهَا بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الْمَدِينَةِ بِمَنْزِلِهِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ يُرِيدُ التَّأَخُّرَ فِي
[ ٢ / ٣٠٢ ]
مَسْجِدِ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَيَكْرَهُ أَنْ يَفُوتَهُ بِمُضِيِّهِ إلَى مَنْزِلِهِ لِصَلَاةِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ زَمَنٌ مِمَّا يَغْتَنِمُهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى مَنْزِلِهِ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَى الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَرَى النَّوَافِلَ تُضَاعَفُ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ دُونَ بَقِيَّةِ مَكَّةَ فَكَانَ يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ لِذَلِكَ أَوْ كَانَ لَهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِأَحَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي أَوْلَوِيَّةَ صَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمَرْفُوعَ آخِرُ الْحَدِيثِ فَقَطْ لَكِنْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّ تَفْرِيقَ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ فِي ذَلِكَ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سِتًّا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ صَلَّيْت أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا فَحَسَنٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ سِتًّا وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَحَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْبَعًا رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ رَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ انْتَهَى» اهـ.
٤ - يدل الحديث على أنَّه ليس للمغرب والعشاء راتبة قبلية.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وقد روى البخاري (١١٨٣) عن عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ». قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ». كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٥/ ١٨٩ - ١٩٠):
«اختلف السلف في التنفل قبل المغرب، فأجازته طائفة، وكرهته طائفة، فممن روى عنه أنَّه كان يفعله: أُبي بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقال حميد، عن أنس: إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري فيصلون. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد ﷺ يصلون عند كل تأذين. وكان الحسن، وابن سيرين يركعان قبل المغرب، وهو قول أحمد وإسحاق. والحجة لهم من حديث المزني قوله ﷺ: " لمن شاء ".
وممن كان يصليها، قال إبراهيم النخعي: لم يصل الركعتين قبل المغرب أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وقال إبراهيم: هما بدعة. قال: وكان خيار أصحاب رسول الله ﷺ بالكوفة علي، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار، وأبو مسعود، فأخبرني من رمقهم كلهم، فما رأى أحدًا منهم يصلى قبل المغرب، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي» اهـ.
قلت: وأمَّا ما رواه محمد بن نصر المروزي ﵀ كما في [مختصر قيام الليل] (٤٣)، وابن حبان في [صحيحه] (١٥٨٨) من طريق عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى قَبْلَ
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ». ثُمَّ قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» خَافَ أَنْ يَحْسِبَهَا النَّاسُ سنة.
قلت: ذكر صلاة النبي ﷺ للركعتين قبل المغرب شاذ لا يثبت.
٥ - وفيه أنَّ الراتبة بعد المغرب ركعتان.
وتشرع الزيادة تنفلًا، ويدل عليه ما رواه أبو داود (١٣٢١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، قَالَ: كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى أبو داود (١٣٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، قَالَ: «كَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ»، زَادَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى: وَكَذَلِكَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾.
قلت: هذا أثر صحيح أيضًا.
٦ - وفيه أنَّ الراتبة بعد العشاء ركعتان.
وجاء ما يدل على الأربع فمن ذلك:
ما رواه المروزي كما في [مختصر قيام الليل] (ص: ٩٢): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، ثنا أَبِي، ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
[ ٢ / ٣٠٥ ]
«كُنْتُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعَتَمَةَ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ».
قلت: إسناده صحيح.
لكن المراد بالأربع في حديث ابن عباس قيام الليل ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١١٧) حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ نَامَ الْغُلَيِّمُ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ».
وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٣)، والعقيلي في [الضعفاء] (٤/ ١٠١) من طريق حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الْعِشَاءِ كُنَّ كَقَدْرِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ».
قلت: هذا أثر صحيح، وله حكم الرفع.
وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
«أَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ يَعْدِلْنَ بِمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ».
قلت: إسناده حسن.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الْعِشَاءِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ، عَدَلْنَ بِمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ».
قلت: عبد الجبار بن العباس كان أبو نعيم يرميه بالكذب، وكثير من العلماء حسنوا حديثه لكن لا تطمئن النفس لما ذكره في هذا الأثر من وصلهن بتسليم واحد.
وهذه الآثار هل هي واردة في راتبة العشاء، أو في التطوع بعد العشاء الذي يكون من جملة قيام الليل؟ في ذلك نزاع بين العلماء.
فهنالك من جعلها من جملة الرواتب.
قال العلامة القاري الحنفي ﵀ في [عمدة القاري] (٧/ ٢٣٤):
«وَفِي "الْمَبْسُوط": لَو صلى أَرْبعًا بعد الْعشَاء فَهُوَ أفضل، لحَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعًا وموقوفًا أَنَّه ﷺ قَالَ: "من صلى بعد الْعشَاء أَربع رَكْعَات كن كمثلهن من لَيْلَة الْقدر"» اهـ.
وقال العلامة العيني الحنفي ﵀ في [البناية شرح الهداية] (٢/ ٥٠٧):
«"وأربع بعدها" ش: أي أربع ركعات بعد صلاة العشاء م: "وإن شاء ركعتين" ش: أي وإن شاء يصلي ركعتين» اهـ.
قلت: وهنالك من أهل العلم من جعل الأربع من جملة التطوعات مع السنن الرواتب.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٩٥ - ٩٦):
«النَّوْعُ الثَّانِي: تَطَوُّعَاتٌ مَعَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ».
[ ٢ / ٣٠٧ ]
إلى أن قال: «وَعَلَى أَرْبَعٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ».
وقال العلامة المرداوي ﵀ في [تصحيح الفروع] (٢/ ٣٧١):
«وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ غَيْرُ السُّنَنِ» اهـ.
وقال ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ١٨٠)
«السَّادِسَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَ الرَّوَاتِبِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: سِتًّا، وَقِيلَ: أَوْ أَكْثَرَ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ» اهـ.
قلت: وكلام الحنابلة في ذلك كثير.
والذي يظهر لي أنَّ هذه الأربع الركعات من التطوعات الزائدة على الرواتب وهي داخلة في جملة قيام الليل، ويدل على ذلك حديث ابن عباس الماضي.
٧ - استدل به على أنَّ فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار وحكى ذلك عن مالك والثوري.
قلت: وفي هذا نظر فقد صلى النبي ﷺ بعض الرواتب النهارية في بيته كسنة الظهر القبلية، وسنة الجمعة البعدية، وسنة الفجر.
وقد روى البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً- قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَة».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٤/ ١٧٠):
[ ٢ / ٣٠٨ ]
«والذي اجتمع عليه العلماء أنَّه لا بأس بالتطوع في المسجد لمن شاء على أنَّ صلاة النافلة في البيوت أفضل إلَّا العشر ركعات المذكورة في حديث ابن عمر في هذا الباب، والاثنتي عشرة ركعة المذكورة في حديث أم حبيبة فإنَّها عند جماعة منهم سنة مسنونة ويسمونها صلاة السنة يرون صلاتها في المسجد دون سائر التطوع وما عداها من التطوع كلها فهو في البيت أفضل ولا بأس به في المسجد هذا كله قول جمهور العلماء» اهـ.
وقال العلامة أحمد ولد الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٨٣):
«واتفق العلماء على أفضلية فعل النوافل المطلقة في البيت واختلفوا في الرواتب فقال الجمهور الأفضل فعلها في البيت أيضًا وسواء في ذلك راتبة الليل والنهار» اهـ.
٨ - يدل الحديث على أنَّ الأفضل أن يصلي راتبة المغرب في البيت وذهب محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى إلى أنَّ راتبة المغرب لا تجزئ إلَّا في البيت لما رواه أحمد (٢٣٦٧٨) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: «أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَصَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ"».
قلت: إسناده حسن من أجل ابن إسحاق.
وفي المسند بعد هذا الحديث: «قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قُلْتُ لأَبِي: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ تُجْزِهِ إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي بَيْتِهِ لأَنَّ النَّبِيَّ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ﷺ قَالَ: هَذِهِ مِنْ صَلَوَاتِ الْبُيُوتِ. قَالَ: مَنْ قَالَ هَذَا؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ: أَوْ مَا أَحْسَنَ مَا انْتَزَعَ» اهـ.
قلت: الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (١١٦٥) من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال. فذكره. وجعله من مسند رافع بن خديج.
قلت: حديث محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أصح وقد تابعه عبد الأعلى عند عبد الرزاق في [مصنفه] (٦٣٧٣)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٦٣٧٣)، وابن خزيمة في [صحيحه] (١٢٠٠)
وإبراهيم بن سعد والد يعقوب وحديثه عند أحمد (٢٣٦٧٣).
وللحديث شاهد من حديث كعب بن عجرة.
رواه أبو داود (١٣٠٢)، والنسائي (١٥٩٩) من طريق أَبِي مُطَرِّفٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفِطْرِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا، فَقَالَ: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوت». هذا لفظ أبي داود ولفظ النسائي: «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ».
قلت: هذا إسناد ضعيف إسحاق بن كعب مجهول جهالة حال.
٩ - وفيه حجة لمن ذهب إلى أنَّ للفرائض رواتب تستحب المواظبة عليها وهو قول الجمهور وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنَّه لا توقيت في ذلك حماية للفرائض لكن لا يمنع من تطوع بما شاء إذا أمن ذلك وذهب العراقيون من أصحابه إلى موافقة الجمهور. قاله الحافظ ابن حجر ﵀.
[ ٢ / ٣١٠ ]
تنبيه/ ليس للعصر راتبة.
وما رواه أحمد (٥٩٨٠)، وأبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا».
فهو حديث معل لا يثبت، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: فيه مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مِهْرَانَ. وقد اختلف فيه فوثقه ابن معين، وقال الدارقطني لا بأس به، وقال أبو حاتم يكتب حديثه.
وقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٨/ ٧٨):
«سئل أبو زرعة عن محمد بن مسلم بن المثنى الذى يروى عن جده عن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: من صلى قبل العصر.
فقال: هو واهي الحديث» اهـ.
قلت: وهذا جرح شديد من هذا الإمام، وهو من الأئمة المعتدلين في الجرح والتعديل.
وقال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٧/ ٤٨٥):
«ومحمد بْن مسلم بْن مهران هذا ليس له من الحديث إلَّا اليسير ومقدار ما له من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه» اهـ.
الوجه الثاني: أنَّ أبا دواد الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة كما ذكر ذلك الحافظ عمرو بن علي الفلاس، وهذا الحديث من روايته عنه.
[ ٢ / ٣١١ ]
وقال الحافظ ابن القطان ﵀ في [بيان الوهم والإيهام] (٤/ ١٩٣):
«قَالَ عَمْرو بن عَليّ: روى عَنهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ أَحَادِيث مُنكرَة.
وَلم يرضه يحيى الْقطَّان.
وَهَذَا الحَدِيث - كَمَا ترى - هُوَ من رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنهُ، وَقد ذكره أَبُو أَحْمد فِي جملَة مَا أورد مِمَّا أنكر عَلَيْهِ» اهـ.
الوجه الثالث: أنَّ هذا الحديث من جملة الأحاديث التي أنكرت عليه.
وقد ذكره الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٧/ ٤٨٤) في جملة الأحاديث التي أنكرت عليه.
وقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (٢/ ٢١٥ - ٢١٦):
«وسمعتُ أَبِي يَقُولُ: سألتُ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيالِسيَّ، عَنْ حديثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ المُثَنَّى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ؛ قَالَ: "رَحِمَ اللَّه مَنْ صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا".
فَقَالَ: دَعْ ذِي!
فقلتُ: إنَّ أبا داود قَدْ رَوَاهُ.
فَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: كَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: "حفِظتُ عن النبيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعاتٍ فِي اليَومِ واللَّيلَةِ … "، فَلَوْ كَانَ هَذَا لَعَدَّهُ.
قَالَ أَبِي: يَعْنِي: كَانَ يَقُولُ: حفِظتُ اثنَيْ عَشَرَ رَكْعَةً» اهـ.
وهكذا ما رواه أبو داود (١٢٧٢)، والنسائي (٨٧٤) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵇، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ».
[ ٢ / ٣١٢ ]
ورواه أحمد (٦٥٠)، والترمذي (٤٢٩) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ».
قال الحافظ الترمذي ﵀ (٢/ ٤٩٥):
«وَرُوِي عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، "أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُ هَذَا الحَدِيثَ"، وَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ لَا يُرْوَى مِثْلُ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ» اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٢٤ - ١٢٦): «الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ الْمَكْتُوبَاتِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
وَرُوِيَتْ فِي السُّنَنِ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحِ سِوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ. وَأَمَّا قَبْلَ الْعَصْرِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ إلَّا وَفِيهِ ضَعْفٌ بَلْ خَطَأٌ
[ ٢ / ٣١٣ ]
كَحَدِيثِ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ سِتَّةَ عَشَرَ رَكْعَةً مِنْهَا قَبْلَ الْعَصْرِ وَهُوَ مَطْعُونٌ فِيهِ فَإِنَّ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِنَقْلِ تَطَوُّعَاتِهِ كَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ بَيَّنُوا مَا كَانَ يُصَلِّيهِ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَقَبْلَ الْعِشَاءِ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّيهَا لَكِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ يُصَلُّونَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَهُوَ يَرَاهُمْ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ" ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ" كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ حَسَنَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْعَصْرِ كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَحَسَنٌ وَأَمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ كَانَ يُصَلِّيهَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ فَهَذَا خَطَأٌ.
وَالصَّلَاةُ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ إحْدَاهَا سُنَّةُ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ فَهَاتَانِ أَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِمَا وَهُمَا سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَلَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ سُنَّةً رَاتِبَةً غَيْرَهُمَا وَالثَّانِيَةُ مَا كَانَ يُصَلِّيهِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَدْ أَثْبَتَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد مَعَ الْمَكْتُوبَاتِ سُنَّةً مُقَدَّرَةً بِخِلَافِ مَالِكٍ، وَالثَّالِثَةُ التَّطَوُّعُ الْجَائِزُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَ سُنَّةً لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ وَلَا قَدَّرَ فِيهِ عَدَدًا وَالصَّلَاةُ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ صَلَاةُ الضُّحَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٣٠١):
[ ٢ / ٣١٤ ]
«وَأَمَّا الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﵇ فِي فِعْلِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَدِيثُ عاصم بن ضمرة عَنْ علي … الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي النَّهَارِ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا لِصَلَاةِ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَكَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَفِي لَفْظٍ: كَانَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الْعَصْرِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الظَّهْرِ، صَلَّى أَرْبَعًا، وَيُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَيَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَدْفَعُهُ جِدًّا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَيُذْكَرُ عَنْ أبي إسحاق الجوزجاني إِنْكَارُهُ» اهـ.
قلت: وأمَّا ما رواه مسلم (٨٣٥) عن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا».
فليس المراد بهما راتبة العصر القبلية، وإنَّما سنة الظهر البعدية.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٩٤):
[ ٢ / ٣١٥ ]
«هَذَا الْحَدِيث ظَاهِر فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالسَّجْدَتَيْنِ رَكْعَتَانِ هُمَا سُنَّة الْعَصْر قَبْلهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَل عَلَى سُنَّة الظُّهْر كَمَا فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة لِيَتَّفِق الْحَدِيثَانِ، وَسُنَّة الظُّهْر تَصِحّ تَسْمِيَتهَا أَنَّهَا قَبْل الْعَصْر» اهـ.
قلت: ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤) عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ ﵃، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا عَنْكِ أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهَا، فَقَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ».
١٠ - وفي الحديث تخفيف سنة الفجر.
وقد روى البخاري (١١٦٥)، ومسلم (٧٢٤) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:
[ ٢ / ٣١٦ ]
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ».
قال العلامة الطحاوي ﵀ كما في [مختصر اختلاف العلماء] (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) اختصار الجصاص: «الْحسن بن زِيَاد عَنْ أبي حنيفَة رُبمَا قَرَأت فِي رَكْعَتي الْفجْر حزبي من الْقُرْآن
قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ عَنْ أبي حنيفَة وَلَا عَنْ أحد من أَصْحَابه
وروى ابْن الْقَاسِم عَنْ مَالك أَنَّه قَالَ: أمَّا أَنا فَلَا أَزِيد على أم الْقُرْآن وَحدهَا لقَوْل عَائِشَة أَنْ النَّبِي ﷺ كَانَ يُخَفف رَكْعَتي الْفجْر حَتَّى أَقُول أَقرَأ فيهمَا بِأم الْقُرْآن أم لَا.
وَذكر عَنهُ ابْن الْقَاسِم أَيْضًا أَنه يقْرَأ فِي كل رَكْعَة مِنْهَا بِأم الْقُرْآن وَسورَة من قصار الْمفصل.
وَإِنْ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن وَحدهَا فِي كل رَكْعَة أَجْزَأَ وَذكر عَنهُ ابْن وهب فِي رِوَايَة أَنَّه لَا يقْرَأ فيهمَا بِأم الْقُرْآن.
وَقَالَ الثَّوْريّ: يُخَفف فَإِنْ فَاتَهُ شَيْء من اللَّيْل فَلَا بَأْس بِأَنْ يطول.
وَقَالَ الشَّافِعِي يُخَفف.
قَالَ أَبُو جَعْفَر وروى الْأَعْمَش عَنْ أبي سُفْيَان عَنْ جَابر عَنْ النَّبِي ﷺ أفضل الصَّلَاة طول الْقُنُوت» اهـ.
وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ١٥٩ - ١٦٠):
[ ٢ / ٣١٧ ]
«واحتج لهم الطحاوى، فقال: لما كانت ركعتا الفجر من أشرف التطوع، لقوله ﷺ: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها". كان أولى أن يفعل فيها أشرف ما يفعل فى التطوع من إطالة القراءة فيهما، وهو عندنا أفضل من التقصير، لأنَّه من طول القنوت الذى فضله رسول الله ﷺ في التطوع على غيره» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ٤٦):
«وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ
فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَزِيدُ فِيهِمَا عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ.
رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ: لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخَفِّفُ فِيهِمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ سُورَةً قَصِيرَةً.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا مِثْلَهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُخَفِّفُ فَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ حِزْبِهِ بِاللَّيْلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَهُ فِيهِمَا وَيَطُولُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رُبَّمَا قَرَأْتُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حزبي مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: السُّنَّةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ» اهـ.
[ ٢ / ٣١٨ ]
قلت: والقول ما قاله ابن عبد البر ﵀، وسيأتي ذكر ما يقرأ في سنة الفجر في شرح الحديث الآتي.
١١ - وفيه إطلاق السجدة على الركعة، وهذا مما يدل على ركنية السجود في الصلاة، وذلك أنَّ إطلاق الجزء على الكل دليل على ركنية ذلك الجزء.
١٢ - وفيه تبليغ أزواج النبي ﷺ لما يعلمنه من هدي رسول الله ﷺ في بيته، وهذا من امتثال قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
* * *
[ ٢ / ٣١٩ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦١ - عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ على شيءٍ منَ النَّوافِلِ تَعاهُدًَا منْهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتا الفَجْرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - شدة تعاهد النبي ﷺ لركعتي الفجر.
ولشدة تعاهده لهما أنَّه كان يصليهما في السفر، بل لما نام في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قضاها مع الفريضة.
فروى مسلم (٦٨١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا". فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ. قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ. فَقَالَ: "مَنْ هَذَا". قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: "مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي". قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَالَ: "حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ". ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ". ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ". قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا
[ ٢ / ٣٢٠ ]
رَاكِبٌ آخَرُ حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ قَالَ فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا". فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ قَالَ فَقُمْنَا فَزِعِينَ ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبُوا". فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَزَلَ ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: "احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ". ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبْنَا مَعَهُ قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ثُمَّ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا". ثُمَّ قَالَ: "مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا". قَالَ ثُمَّ قَالَ: أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ، وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ "فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا" قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطِشْنَا فَقَالَ: "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ" ثُمَّ قَالَ: "أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي". قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ
[ ٢ / ٣٢١ ]
سَيَرْوَى". قَالَ: فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لِي: "اشْرَبْ". فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا". قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً».
٢ - بيان ما لركعتي الفجر من الفضل.
٣ - أنَّ ركعتي الفجر أفضل السنن الرواتب.
وقد اختلف في تسميتها سُنة فالأكثر على تسميتها بذلك، وخالف الإمام مالك فلم يسمها سنة.
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٢٦):
«وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ السُّنَنَ مِنْ النَّافِلَةِ مَا تَكَرَّرَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَمَاعَةِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ فَقَصَرَ عَنْ رُتْبَةِ السُّنَنِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مِنْ الرَّغَائِبِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَيْسَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ بِسُنَّةٍ وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا وَقَالَ أَصَبْغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَهِيَ مِنْ الرَّغَائِبِ وَهَذِهِ كُلُّهَا عِبَارَاتُ اصْطِلَاحٍ بَيْنَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ وَلَا خِلَافَ فِي تَأَكُّدِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» اهـ.
قلت: قد جاء تسميتها بالسنة فيما رواه البخاري (١١٦١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً، حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ».
[ ٢ / ٣٢٢ ]
قلت: والسنة فيها الإسرار، ويدل على ذلك ما البخاري (١١٦٥)، ومسلم (٧٢٤) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ».
وما جاء في ذكر ما كان يقرؤه فيهما محمول على أنَّ النبي ﷺ أعلم أصحابه بما يقرأ أو جهر في بعض الأوقات للتعليم.
وأمَّا ما رواه أحمد (٥٦٩١)، والترمذي (٤١٧)، وابن ماجه (١١٤٩) من طريق أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾».
ورواه النسائي (٩٩٢) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْجَوَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَمَقْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِشْرِينَ مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾».
فهو حديث معل عند علماء الحديث.
قال الإمام مسلم ﵀ في [التمييز] برقم (٨٦):
«ثنا أبوبكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ أكثر من عشرين مرة يقرأ في
[ ٢ / ٣٢٣ ]
الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وإبراهيم النخعي، عن مجاهد، عن ابن عمر بهذا.
وهذا الخبر وهم عن ابن عمر.
والدليل على ذلك الروايات الثابتة عن ابن عمر أنَّه ذكر ما حفظ عن النبي ﷺ من تطوع صلاته بالليل والنهار فذكر عشر ركعات ثم قال: وركعتي الفجر، أخبرتني حفصة أنَّ النبي ﷺ كان يصلى ركعتين خفيفتين إذا طلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها. فكيف سمع منه أكثر من عشرين مرة قراءته فيها وهو يخبر أنَّه حفظ الركعتين من حفصة عن النبي ﷺ.
وسنذكر إن شاء الله ما ثبت عن ابن عمر في الرواية في ذلك» إلخ.
وقال العلامة ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ١٠٥): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: أنَّه كان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قال أبي: ليس هذا الحديث بصحيح، وهو عن أبي إسحاق مضطرب، وإنَّما روى هذا الحديث نفيع الأعمى، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ» اهـ.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٣/ ١١٥ - ١١٨): «روي عن سالم، وعن مجاهد، ونافع، ووبرة، ووقع فيه وهم.
فأمَّا حديث سالم، فرواه عبد العزيز بن عمران، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن سالم، عن أبيه بذلك. وهذا حديث ضعيف.
والمحفوظ عن سالم، عن ابن عمر: أنَّه عد صلاة النبي ﷺ: التطوع، فلما ذكر ركعتي الفجر، قال: وأمَّا ركعتي الفجر، فإنَّه كان يصليها في ساعة لا يدخل عليه أحد، وأخبرتني حفصة: أنَّه كان يصلي ركعتي الفجر.، وعبد العزيز بن عمران هذا ضعيف.
وروى أبو إسحاق السبيعي هذا الحديث، واختلف عنه؛ فرواه إسرائيل بن يونس، وسفيان الثوري، وعمرو بن أبي قيس، وأبو الأحوص سلام بن سليم، ومعمر بن راشد، رووه عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر: رمقت النبي ﷺ يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب.
وخالفهم عمار بن رزيق، رواه عن أبي إسحاق، عن إبراهيم، عن مجاهد، عن ابن عمر.
وإبراهيم لم ينسب فقال بعضهم: هو النخعي، وقال بعضهم: هو ابن مهاجر.
وليس ذلك بمحفوظ.
ورواه شريك عن أبي إسحاق، عن رجل، لم يسمه، عن ابن عمر.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
فاضطرب هذا الحديث من رواية أبي إسحاق، لكثرة الخلاف عليه فيه.
وقال أبو هانئ إسماعيل بن خليفة: عن شريك، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، ووهم فيه على شريك.
والمحفوظ عن شريك: عن أبي إسحاق، عن رجل، لم يسمه، عن ابن عمر.
كذلك رواه عبد المنعم بن نعيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بذلك.
وحدث به أحمد بن بديل، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وقال فيه: إنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في المغرب ..، وليس هذا من الحديث بسبيل.
ورواه يعقوب القمي، عن أبي سيف، لا نعرفه إلَّا كذلك، عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عمر.
ويعقوب وأبو سيف ضعيفان، ولا يصح هذا عن الأعمش.
ورواه ليث بن أبي سليم، واختلف عنه؛ فرواه عبيد الله بن زحر، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر.
وخالفهم الحسن بن الحر، وزائدة، روياه عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر.
وكذلك قال أسباط بن محمد، عن ليث.
وقال عبد الواحد بن غياث، عن ليث: حدثني أبو محمد، عن ابن عمر، وأبو محمد هذا مجهول.
وقال زفر بن الهذيل: عن ليث: عن جدته، عن ابن عمر.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
كلها مضطربة، وليث مضطرب الحديث.
ورواه يوسف بن ميمون الصباغ، وكان ضعيفًا، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر.
ورواه مندل بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر.
وجعفر هذا هو جعفر بن أبي جعفر الأشجعي، وهو ضعيف، وأبوه أيضًا مثله.
ورواه نفيع بن الحارث، أبو داود، عن ابن عمر. وهو متروك الحديث.
حدث به زيد بن أبي أنيسة، وسفيان الثوري.
وهذا الحديث إنَّما حدث به ابن عمر، عن أخته حفصة، عن النبي ﷺ. وكل من رواه عن ابن عمر أنَّه حفظه من النبي ﷺ، فقد وهم عليه فيه» إلخ.
وقال العلامة محمد بن نصر المروزي ﵀ كما في [مختصر قيام الليل] (ص ٨٤): «وهذا غير محفوظ عندي لأنَّ المعروف عن ابن عمر ﵁ أنَّه روى عن حفصة ﵂: أنَّ النبي ﷺ كان يصلي الركعتين قبل الفجر، وقال تلك ساعة لم أكن أدخل على النبي ﷺ فيها» اهـ.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢٢٧):
«وَمِنْ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا الْإِسْرَارُ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ أَقْرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا وَلَوْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَغْرِيرِ قِرَاءَتِهِ وَلَعَلِمَتْ مَاذَا قَرَأَ بِهِ فِيهِمَا» اهـ.
قلت: ولا تصلى سنة الفجر عند إقامة الصلاة.
فقد روى البخاري (٦٦٣) عن حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَاثَ بِهِ النَّاسُ وَقَالَ لَه رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الصُّبْحَ أَرْبَعًا الصُّبْحَ أَرْبَعًا».
ورواه مسلم (٧١١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَالَ لِي: «يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَرْبَعًا».
قلت: والنهي وارد فيمن صلاهما بعد إقامة الصلاة في المسجد.
فقد روى ابن أبي شيبة في [شرح معاني الآثار] (٢٢٠٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
«أَنَّهُ جَاءَ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَصَلَّاهُمَا فِي حُجْرَةِ حَفْصَةَ ﵂، ثُمَّ إِنَّهُ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ».
قلت: إسناده حسن، وعلي بن شيبة هو أخو يعقوب بن شيبة له ترجمة في [تاريخ بغداد] (٦٣٣٢).
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٠١٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، بَيْنَا هُوَ يَلْبَسُ لِلصُّبْحِ إِذْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ، فَصَلَّى فِي الْحُجْرَةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ قَالَ: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا وَجَدَ الْإِمَامَ يُصَلِّي وَلَمْ يَكُنْ رَكَعَهُمَا، دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ».
قلت: عبد الله بن عمر هو العمري الضعيف لكن يشهد له ما سبق.
قلت: والأحسن في حق من فاتته سنة الفجر أن يقضيها في وقت الضحى.
فقد روى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٠١٧) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَدَخَلَ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلَاتِهِمْ، ثُمَّ قَعَدَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ قَضَاهَا قَالَ:
وَكَانَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الطُّرُقِ صَلَّاهُمَا فِي الطَّرِيقِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
قلت: ومن السنة أن يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص.
فروى مسلم (٧٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ».
[ ٢ / ٣٢٩ ]
ومما يقرأ فيهما ما رواه مسلم (٧٢٧) وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ يَعْنِي مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾».
وقال ﵀: وحدثني علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن عثمان بن حكيم في هذا الإسناد بمثل حديث مروان الفزاري اهـ.
قلت: وهذه متابعة من عيسى بن يونس لمروان الفزاري.
وتابعهم: زهير بن معاوية، وحديثه عند أبي داود (١٢٥٩).
وعبد الله بن نمير عند أحمد (٢٠٣٨).
ويعلى بن عبيد عند أحمد (٢٠٤٥). فهؤلاء خمسة من الرواة.
وخالفهم أبو خالد الأحمر فروى مسلم (٧٢٧) فقال: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾».
قلت: أبو خالد الأحمر سليمان بن أحيان له بعض الأخطاء والأوهام ولا يبعد أن يكون أخطأ في الآية للتشابه في آخر الآيتين فإنَّ ختام الآية الأولى: ﴿وَاشْهَدْ
[ ٢ / ٣٣٠ ]
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وختام الثانية: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
وعلى كل حال لم أقف على من أعل حديث أبي خالد، والأصل صحة ما في الصحيح.
فائدة:
ذهب الحسن البصري إلى وجوب هاتين الركعتين وخالفه سائر العلماء وهذا هو الصواب فإنَّه لا دليل على وجوبهما وقد دلت الأدلة على أنَّه لا يجب في اليوم والليلة غير الصلوات الخمس. والله أعلم.
والاحتجاج على وجوبها بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]- وقد فسرها أكثر السلف بركعتي الفجر - ليس بظاهر لأمرين:
الأول: أنَّ هنالك من فسرها بصلاة الفرض.
والآخر: أنَّ الأدلة قد دلت على أنَّه لا واجب في اليوم والليلة غير الخمس الصلوات.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٦ - ٢٩):
«يستحب تخفيف سنة الفجر وقد سبق في باب صفة الصلاة في فصل قراءة السورة أنه يسن أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية وفى الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية أو ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وذكرنا هناك أحاديث صحيحة في هذا.
[ ٢ / ٣٣١ ]
ومما يستدل به يستحب تخفيفها حديث عائشة ﵂ قالت "كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى أنى لأقول هل قرأ بأم الكتاب" رواه البخاري ومسلم.
وعنها قالت "كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما" رواه البخاري ومسلم.
(الثالثة) السنة أن يضطجع علي شقه الأيمن بعد صلاة سنة الفجر ويصليها في أول الوقت ولا يترك الاضطجاع ما أمكنه فإن تعذر عليه فصل بينهما وبين الفريضة بكلام.
ودليل تقديمها حديث عائشة السابق في المسألة قبلها ودليل الاضطجاع أحاديث صحيحة منها حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا صلي ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن" رواه البخاري وعنها قالت "كان رسول الله ﷺ يصلي فذكرت صلاة الليل ثم قالت فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع علي شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة" رواه مسلم وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "إذا صلي أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع علي يمينه" فقال له مروان بن الحكم أما يجزى أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه قال: "لا" حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح علي شرط البخاري ومسلم ورواه الترمذي مختصرًا عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: "إذا صلي أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه" قال الترمذي حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلَّا اضطجع" رواه البخاري ومسلم. وقولها حدثني وإلَّا اضطجع يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ﷺ يضطجع يسيرًا ويحدثها وإلَّا فيضطجع كثيرًا.
والثاني: أنَّه ﷺ في بعض الأوقات القليلة كان يترك الاضطجاع بيانًا لكونه ليس بواجب كما كان يترك كثيرًا من المختارات في بعض الأوقات بيانًا للجواز كالوضوء مرة، مرة ونظائره ولا يلزم من هذا أن يكون الاضطجاع وتركه سواء ولابد من أحد هذين التأويلين للجمع بين هذه الرواية وروايات عائشة السابقة وحديث أبى هريرة المصرح بالأمر بالاضطجاع والله أعلم.
وقد نقل القاضي عياض في "شرح مسلم" استحباب الاضطجاع بعد سنة الفجر عن الشافعي وأصحابه ثم أنكره عليهم وقال قال مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة ليس هو سنة بل سموه بدعة واستدل بأنَّ أحاديث عائشة في بعضها الاضطجاع قبل ركعتي الفجر بعد صلاة الليل وفي بعضها بعد ركعتي الفجر وفى حديث ابن عباس قبل ركعتي الفجر فدل علي أنَّه لم يكن مقصوده وهذا الذي قاله مردود بحديث أبي هريرة الصريح في الأمر بها وكونه ﷺ اضطجع في بعض الأوقات أو أكثرها أو كلها بعد صلاة الليل لا يمنع أن يضطجع أيضًا بعد ركعتي الفجر وقد صح اضطجاعه بعدهما وأمره به فتعين المصير إليه ويكون سنة وتركه يجوز جمعًا بين الأدلة وقال البيهقي في "السنن
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الكبير" أشار الشافعي إلي أنَّ المراد بهذا الاضطجاع الفصل بين النافلة والفريضة فيحصل بالاضطجاع والتحدث أو التحول من ذلك المكان أو نحو ذلك ولا يتعين الاضطجاع هذا ما نقله البيهقي والمختار الاضطجاع لظاهر حديث أبي هريرة.
وأمَّا ما رواه البيهقي عن ابن عمر أنه قال: "هي بدعة" فإسناده ضعيف ولأنَّه نفى فوجب تقديم الإثبات عليه والله أعلم» اهـ.
قلت: وللعلامة ابن القيم ﵀ كلام حسن في الاضطجاع فقال في [زاد المعاد] (١/ ٣٠٨ - ٣١١):
«فَصْلٌ: وَكَانَ ﷺ يَضْطَجِعُ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، هَذَا الَّذِي ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثِ عائشة ﵂. وَذَكَرَ الترمذي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ". قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَسَمِعْتُ ابن تيمية يَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ عَنْهُ الْفِعْلُ لَا الْأَمْرُ بِهَا، وَالْأَمْرُ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ وَغَلِطَ فِيهِ، وَأَمَّا ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ هَذِهِ الضَّجْعَةَ، وَيُبْطِلُ ابْنُ حَزْمٍ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَضْطَجِعْهَا
بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَرَأَيْتُ مُجَلَّدًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ قَدْ نَصَرَ فِيهِ هَذَا الْمَذْهَبَ.
وَقَدْ ذَكَرَ عبد الرزاق فِي "الْمُصَنَّفِ" عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أبا موسى وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَنَسَ بْنِ مَالِكٍ ﵃، كَانُوا يَضْطَجِعُونَ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِذَلِكَ. وَذُكِرَ عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ، وَيَقُولُ: كَفَانَا بِالتَّسْلِيمِ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ أُصَدِّقُ أَنَّ عائشة ﵂ كَانَتْ تَقُولُ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَضْطَجِعُ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ لَيْلَهُ فَيَسْتَرِيحُ" قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْصِبُهُمْ إِذَا رَآهُمْ يَضْطَجِعُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أبي الصديق الناجي، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى قَوْمًا اضْطَجَعُوا بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ بِذَلِكَ السُّنَّةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ. وَقَالَ أبو مجلز: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْهَا فَقَالَ: يَلْعَبُ بِكُمُ الشَّيْطَانُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: مَا بَالُ الرَّجُلِ إِذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْحِمَارُ إِذَا تَمَعَّكَ.
وَقَدْ غَلَا فِي هَذِهِ الضَّجْعَةِ طَائِفَتَانِ، وَتَوَسَّطَ فِيهَا طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ، فَأَوْجَبَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَأَبْطَلُوا الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا كَابْنِ حَزْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَسَمَّوْهَا بِدْعَةً، وَتَوَسَّطَ فِيهَا مالك وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَرَوْا بِهَا بَأْسًا لِمَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً، وَكَرِهُوهَا لِمَنْ فَعَلَهَا اسْتِنَانًا، وَاسْتَحَبَّهَا طَائِفَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَوَاءٌ اسْتَرَاحَ بِهَا أَمْ لَا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالَّذِينَ كَرِهُوهَا، مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ كابن عمر وَغَيْرِهِ، حَيْثُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ فَعَلَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ اضْطِجَاعَهُ كَانَ بَعْدَ الْوِتْرِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة فَاخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ، فَقَالَ مالك عَنْهُ: فَإِذَا فَرَغَ يَعْنِي مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّ الضَّجْعَةَ قَبْلَ سُنَّةِ الْفَجْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَذَانِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ.
قَالُوا: وَإِذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ مالك، لِأَنَّهُ أَثْبَتُهُمْ فِيهِ وَأَحْفَظُهُمْ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلِ الصَّوَابُ فِي هَذَا مَعَ مَنْ خَالَفَ مالكًا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: رَوَى مالك عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة، عَنْ عائشة: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ".
وَخَالَفَ مالكًا، عقيل، ويونس، وشعيب، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، فَرَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "كَانَ يَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ لِلْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَيَخْرُجُ مَعَهُ" فَذَكَرَ مالك أَنَّ اضْطِجَاعَهُ كَانَ قَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. وَفِي حَدِيثِ الْجَمَاعَةِ، أَنَّهُ اضْطَجَعَ بَعْدَهُمَا، فَحَكَمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مالكًا أَخْطَأَ وَأَصَابَ غَيْرُهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ أبو طالب: قُلْتُ لأحمد: حَدَّثَنَا أبو الصلت، عَنْ أبي كدينة، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اضْطَجَعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ"، قَالَ: شعبة لَا يَرْفَعُهُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَضْطَجِعْ، عَلَيْهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، عائشة تَرْوِيهِ وَابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُهُ. قَالَ الخلال: وَأَنْبَأَنَا المروزي أَنَّ أبا عبد الله قَالَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ بِذَاكَ. قُلْتُ: إِنَّ الْأَعْمَشَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ أبي صالح،
[ ٢ / ٣٣٦ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: عبد الواحد وَحْدَهُ يُحَدِّثُ بِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: إِنَّ أبا عبد الله سُئِلَ عَنِ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَالَ: مَا أَفْعَلُهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ رَجُلٌ، فَحَسَنٌ. انْتَهَى.
فَلَوْ كَانَ حَدِيثُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أبي صالح صَحِيحًا عِنْدَهُ، لَكَانَ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ عِنْدَهُ الِاسْتِحْبَابَ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ عائشة ﵂ رَوَتْ هَذَا، وَرَوَتْ هَذَا، فَكَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُبَاحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي اضْطِجَاعِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ سِرٌّ، وَهُوَ أَنَّ الْقَلْبَ مُعَلَّقٌ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَإِذَا نَامَ الرَّجُلُ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ، اسْتَثْقَلَ نَوْمًا، لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي دَعَةٍ وَاسْتِرَاحَةٍ، فَيَثْقُلُ نَوْمُهُ، فَإِذَا نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَإِنَّهُ يَقْلَقُ وَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ، لِقَلَقِ الْقَلْبِ، وَطَلَبِهِ مُسْتَقَرَّهُ، وَمَيْلِهِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ الْأَطِبَّاءُ النَّوْمَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ لِكَمَالِ الرَّاحَةِ وَطِيبِ الْمَنَامِ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يَسْتَحِبُّ النَّوْمَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، لِئَلَّا يَثْقُلَ نَوْمُهُ فَيَنَامَ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَالنَّوْمُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَنْفَعُ لِلْقَلْبِ، وَعَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ أَنْفَعُ لِلْبَدَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: حديث أبي هريرة رواه أحمد (٩٣٦٨)، وأبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠) من طريق عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ».
قلت: هذا الحديث ضعفه الإمام أحمد.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
قال العلامة الأثرم ﵀ في [ناسخ الحديث ومنسوخه] (ص: ٧٠ - ٧١):
«ولم يثبته أبو عبد الله» اهـ.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٤٨٨٨) أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أنبأ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، ثنا أَبُو الْأَزْهَرِ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ رَكْعَتَيْهِ مِنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَ الصُّبْحِ بِضَجْعَةٍ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ». قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا لِمُوَافَقَتِهِ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ اهـ.
وقال العلامة الزركشي ﵀ في [النكت] (٢/ ١٦٣):
«قَالَ الْبَيْهَقِيّ خَالف عبد الْوَاحِد الْعدَد الْكثير فِي هَذَا الحَدِيث فَإِنْ النَّاس إِنَّمَا رَوَوْهُ من فعل النَّبِي ﷺ لَا من أمره وَانْفَرَدَ عبد الْوَاحِد من بَين ثِقَات أَصْحَاب الْأَعْمَش بِهَذَا اللَّفْظ انْتهى» اهـ.
وقال الشيخ مقبل ﵀ في [أحاديث معلة] (٤٥٧)
«إذا نظرت إلى رجال هذا السند وجدتهم رجال الصحيح، إلا بشر بن معاذ وقد قال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. ولكن رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش ضعيفة، ففي"تهذيب التهذيب" في ترجمة عبد الواحد بن زياد: وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني: سمعت يحي بن سعيد يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثًا قط بالبصرة ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش فلا نعرف منه حرفًا.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وفيه أيضًا: وقال أبو داود: ثقة عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها. اهـ
وذكر الحافظ الذهبي ﵀ في"الميزان"هذا الحديث مما أنكر على عبد الوحد. اهـ
والحديث في"الصحيحين"عن عائشة من فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ» اهـ.
قلت: وقد احتج العلامة ابن حزم بهذا الحديث على شرطية هذه الضجعة في صحة صلاة الفجر في حق من صلى سنة الفجر، فقال في [المحلى] (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨):
«مَسْأَلَةٌ: كُلُّ مَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ إلَّا بِأَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ بَيْنَ سَلَامِهِ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ تَكْبِيرِهِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ.
وَسَوَاءٌ - عِنْدَنَا - تَرْكُ الضَّجْعَةِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؛ وَسَوَاءٌ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا أَوْ صَلَّاهَا قَاضِيًا لَهَا مِنْ نِسْيَانٍ، أَوْ عَمْدِ نَوْمٍ.
فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الضَّجْعَةِ عَلَى الْيَمِينِ لِخَوْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَسْبَ طَاقَتِهِ فَقَطْ» اهـ.
قلت: وأثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في [مصنف] (٦٣٩٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي، قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ قَوْمًا اضْطَجَعُوا بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ بِذَلِكَ السُّنَّةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ».
[ ٢ / ٣٣٩ ]
قلت: العمي ضعيف.
قلت: وقد جاء ما يدل على اضطجاعه بعد الوتر وهو ما رواه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّي فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».
وما رواه البخاري (١١٣٣)، ومسلم (٧٤٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ».
وروى البخاري (١١٤٦)، ومسلم (٧٣٩) عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، ﵂، كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ قَالَتْ: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ».
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِ آخِرَهُ ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ قَالَتْ وَثَبَ - وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ قَامَ - فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ - وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ اغْتَسَلَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ».
وجاء ما يدل على نومه قبل الوتر.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فروى البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"».
قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٢١٦):
«وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بِإِثْرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ لِصَلَاتِهِ وَوِتْرِهِ فَقَالَتْ لَهُ كَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِك النَّوْمُ عَنْ وِتْرِك.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ. وَهَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَالْعِصْمَةِ وَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ لِعِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُ» اهـ.
قلت: والأظهر أنَّ الاضطجاع يفعله المرء إذا احتاج إليه لا أنَّه من السنن مطلقًا، ويدل عليه ما رواه البخاري (١١٦١)، ومسلم (٧٤٣) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً، حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ».
قلت: وظاهر الأحاديث أنَّ محل الاضطجاع البيت دون المسجد.
[ ٢ / ٣٤١ ]
قال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٥٨ - ٥٩):
«قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ" انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: "فِي بَيْتِهِ" لَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ سِيَاقَ حَدِيثِهَا دَالٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ صَلَاتِهِ ﵊ فِي اللَّيْلِ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ وَكَذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِهِ وَلَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ إلَى أَنَّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إنَّمَا يُشْرَعُ إذَا كَانَتْ صَلَاتُهُمَا فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاسْتِرَاحَةِ بِخِلَافِ الِاضْطِجَاعِ فِي الْمَسْجِدِ خُصُوصًا مَعَ تَرْصِيصِ الصُّفُوفِ لِلصَّلَاةِ فَرُبَّمَا اُسْتُقْبِحَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ حَصَبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُنْكِرُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِعْلَهُ لِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ».
إلى قوله: «قَالَ وَالِدِي ﵀ وَلَمْ يُنْقَلْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ فِيمَا عَلِمْت إنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى» اهـ.
٤ - فيه حقارة الدنيا، وفضل العمل الصالح.
فائدة ذهب بعض العلماء إلى أنَّ الرواتب تصلى في السفر واحتج بما رواه أحمد (٥٦٣٤)، والترمذي (٥٥٢) من طريق عَنْ عَطِيَّةَ، وَنَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
«صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا
[ ٢ / ٣٤٢ ]
رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالمَغْرِبَ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءً، ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، لَا يُنْقِصُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ».
قلت: هذا حديث ضعيف منكر لا يثبت.
وهو مخالف لما رواه البخاري (١١٠١) من طريق حفص بن عاصم عن ابن عمر ﵄ قال: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾».
وروى مسلم (١٥٩٢) من طريق حفص بن عاصم عن ابن عمر قال: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ قَالَ سِتَّ سِنِينَ.
قَالَ حَفْصٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ فَقُلْتُ أَيْ عَمِّ لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ قَالَ: لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ».
قال العلامة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (٢/ ٢٤٤):
«وقد روى الكوفيون أعجوبة عن ابن عمر إنِّي خائف أن لا تجوز روايتها إلَّا تبين علتها لا إنَّها أعجوبة في المتن إلَّا أنَّها أعجوبة في الإسناد في هذه القصة رووا عن نافع وعطية بن سعد العوفي عن ابن عمر قال: "صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر فصليت معه في الحضر الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتين والعصر أربع ركعات ليس بعدها شيء والمغرب ثلاثًا وبعدها ركعتين والعشاء أربعًا وبعدها ركعتين والغداة ركعتين وقبلها ركعتين وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين والعصر ركعتين وليس بعدها شيء والمغرب
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ثلاثًا وبعدها ركعتين وقال هي وتر النهار لا ينقص في حضر ولا سفر والعشاء ركعتين وبعدها ركعتين والغداة ركعتين وقبلها ركعتين"
ناه أبو الخطاب نا مالك بن سعير نا ابن أبي ليلى عن نافع وعطية بن سعد العوفي عن ابن عمر.
وروى هذا الخبر جماعة من الكوفيين عن عطية عن ابن عمر منهم أشعت بن سوار وفراس وحجاج بن أرطاة منهم من اختصر الحديث ومنهم من ذكره بطوله
وهذا الخبر لا يخفى على عالم بالحديث أن هذا غلط وسهو عن ابن عمر قد كان ابن عمر ﵀ ينكر التطوع في السفر ويقول لو كنت متطوعا ما باليت أن أتم الصلاة وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبلها ولا بعدها في السفر» اهـ.
وبما رواه أحمد (١٨٥٨٣) حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُسْرَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:
«سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَلَمْ أَرَهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ».
ورواه أيضًا أبو داود (١٢٢٤)، والترمذي (٥٥٠) من طريق الليث به.
قلت: هذا حديث ضعيف لجهالة أبي بسرة.
وروى الطبراني في [المعجم الأوسط] (٢٨٦٥) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: نا سَعْدٌ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ تَطَوُّعِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَتْ: «رَكْعَتَانِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ»
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُجَالِدٍ إِلَّا ابْنُهُ اهـ.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قلت: هذا حديث ضعيف مجالد ضعيف.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٠):
«فأمَّا سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس وروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها.
وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر وجماعة من التابعين كثير وهو قول مالك والشافعي وإسحق وأبي ثور وابن المنذر وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها إلَّا من جوف الليل ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ ترك الراتبة في السفر هو الأفضل اقتداءً بالنبي ﷺ، ولم يصح عن النبي ﷺ أنّه صلى الراتبة في السفر كما سبق، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٣/ ١٢):
«ويوتر ويركع سنة الفجر، ويخير في غيرهما (ش) في فعله، وعن الحنفية كقولنا وقوله، وعند شيخنا: يسن ترك غيرهما» اهـ.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٣/ ٣٩٩):
«وقال الشيخ تقي الدين: يسن ترك التطوع بغير الوتر، وسنة الفجر» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٤٥٦):
[ ٢ / ٣٤٥ ]
«وأمَّا ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلَّا من جوف الليل مع الوتر وهذا هو الظاهر من هدي النبي ﷺ أنَّه كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئًا ولكن لم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنَّه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة ويؤيد هذا أنَّ الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين فلو لا قصد التخفيف على المسافر وإلَّا كان الإتمام أولى به ولهذا قال عبد الله بن عمر: لو كنت مسبحًا لأتممت، وقد ثبت عنه ﷺ أنَّه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى وهو إذ ذاك مسافر» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٣٤٦ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: