٢٠٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ. فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ. فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ».
قَالَ الْعَّلَامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ في [فَتْحِ الْقَدِيْرِ] (٨/ ٣٣):
«قيل سميت ليلة القدر لأنَّ الله سبحانه يقدِّر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة. وقيل: إنَّها سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر، أي: شرف ومنزلة، كذا قال الزهري. وقيل: سميت بذلك لأنَّ للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا. وَقَالَ الخليل: سميت ليلة القدر؛ لأنَّ الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق» اهـ.
قُلْتُ: لكن قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٤١٠):
«وَلِأَنَّ لَفْظَ "قَدَرَ" بِمَعْنَى ضَيَّقَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي اللُّغَةِ. وَمَنْ اسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ فَقَدْ اسْتَشْهَدَ بِمَا لَا
[ ٦ / ٥٨٠ ]
يَشْهَدُ لَهُ. فَإِنَّ اللَّفْظَ كَانَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أَيْ اجْعَلْ ذَلِكَ بِقَدْرِ وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَيْ جَعَلَ رِزْقَهُ قُدِرَ مَا يُغْنِيه» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ ليلة القدر في رمضان، وأنَّها في العشر الأواخر.
٢ - جواز الأخذ برؤيا المؤمنين إذا تواطأت ما لم تخالف الشريعة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [مِنْهَاجِ الْسُنَّةِ] (٣/ ٥٠٠):
«وإذا تواترت الروايات أورثت العلم وكذلك الرؤيا قال النبي ﷺ: "أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في السبع الأواخر فمن كان منكم متحريها فيلتحرها في السبع الأواخر"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الرُّوْحِ] (١٣٦):
«وقد قال النبي ﷺ: "أرى رؤياكم قد تواطأت على أنَّها في العشر الأواخر". فأعتبر تواطؤ رؤيا المؤمنين وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (١/ ٥١):
«وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب وقد قال النبي ﷺ لأصحابه لما أروا ليلة القدر في العشر الأواخر قال: "أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر فمن كان منكم متحريها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان"» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٣٨٠):
[ ٦ / ٥٨١ ]
«ويستفاد من الحديث أنَّ توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة» اهـ.
٣ - استحباب تحري ليلة القدر.
وقد كان من هدي النبي ﷺ الاجتهاد في العشر الأواخر متحريًا بذلك ليلة القدر فروى مسلم (١١٧٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ».
وروى البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ».
٤ - حث النبي ﷺ على تحري ليلة القدر في السبع الأواخر كان في ذلك العام لا مطلقًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ١٥١):
«يريد في ذلك العام الذى تواطأت فيه الرؤيا على ذلك» اهـ.
لكن جاء ما يدل على أنَّ السبع الأواخر من أرجى أيام العشر، وهو ما رواه مسلم (١١٦٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵂ قَالَ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ - يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي».
[ ٦ / ٥٨٢ ]
٥ - أنَّ ليلة القدر غير معلومة بعينها في العشر الأواخر، ولعلَّ من حكمة الله تعالى في ذلك أن يجتهد العباد في جميع العشر الأواخر، فينالوا بذلك خيرًا عظيمًا. والله أعلم.
* * *
٢٠١ - عَنْ عائشة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ».
الحديث بهذا اللفظ عند البخاري (٢٠١٧)، وليس عند مسلم ذكر الوتر.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب تحري ليلة القدر.
٢ - أنَّ ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
٣ - أنَّ الوتر من العشر أرجى ليالي العشر الأواخر.
وقد تنازع العلماء في الوتر هل هو باعتبار ما مضى، أو باعتبار ما بقي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٦٧٨): «ثم الوتر باعتبار ما بقي لا باعتبار ما مضى. وكذلك ذكره أحمد. وفي بعضها: أنَّه باعتبار ما مضى.
فإذا كان باعتبار ما مضى؛ فليالي الوتر إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين.
[ ٦ / ٥٨٣ ]
وإن كان باعتبار ما بقي، وكان الشهر ثلاثين؛ فتاسعة تبقى ليلة اثنتين وعشرين، وسابعة تبقى ليلة أربع وعشرين، وخامسة تبقى ليلة ست وعشرين، وثالثة تبقى ليلة ثمان وعشرين، وواحدة تبقى آخر ليلة. وهكذا في حديث أبي بكرة المرفوع، وتفسير أبي سعيد.
وإذا كان الشهر تسعًا وعشرين، فتاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين.
ويستوي على هذا التقدير الوتر باعتبار ما مضى وما بقي.
وقد يكون قوله: "لثلاث بقين، أو خمس بقين، أو سبع بقين" من الليالي إلتزام الكوامل. فإذا كان الشهر تامًا أيضًا؛ كان الأوتار مما مضى هي الأوتار مما بقي؛ فليلة إحدى وعشرين قد بقي تسع كوامل» اهـ.
قُلْتُ: هذا توجيه حسن، وأراد أنَّ السابعة التي تبقي هي ليلة ثلاث وعشرين؛ لأنَّ ما بعد ذلك سبع ليالي كوامل، وسماها كوامل لعدم إدخال ليلة ثلاث وعشرين فيها.
ويمكن حمل الأحاديث على اعتبار أنَّ الشهر تسع وعشرون لما رواه مسلم (١٠٨٠) مِنْ طَرِيْقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ».
فهذا الحديث يدل على أنَّ الأصل في الشهر أنَّه تسع وعشرون ويستوي على هذا التقدير الوتر باعتبار ما مضى وما بقي كما سبق في قول شيخ الإسلام ﵀؛ لكن يتقوى توجيه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ
[ ٦ / ٥٨٤ ]
أطلق عليها العشر الأواخر، فهذا يدل على اعتبار النبي ﷺ لها عشرًا لا تسعًا.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٦٢):
«والذي يظهر أنَّ في التعبير بذلك الإشارة إلى الاحتمالين فإن كان الشهر مثلًا ثلاثين فالتسع معناها غير الليلة وإن كان تسعًا وعشرين فالتسع بانضمامهما والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو معنى ما ذكره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ كما سبق.
وحديث أبي سعيد الذي أشار إليه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ هو ما رواه مسلم (١١٦٧) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» قَالَ قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا، قَالَ: «أَجَلْ، نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ»، قَالَ قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: «إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ».
[ ٦ / ٥٨٥ ]
وحديث أبي بكرة فرواه أحمد (٢٠٣٩٢، ٢٠٤٢٠)، والترمذي (٧٩٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٣٤٠٣، ٣٤٠٤) مِنْ طَرِيْقِ عُيَيْنَةُ هو ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ لِسَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ لِخَمْسٍ، أَوْ لِثَلَاثٍ، أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وآخر ليلة من رمضان قد تكون وترًا إذا كان الشهر تسعًا وعشرين، وقد تكون شفعًا إذا كان الشهر ثلاثين، وهذا مما يدل على أنَّ ليلة القدر قد تكون في غير الأوتار.
وأبو سعيد الخدري ﵁ في الحديث السابق اعتبر الوتر مما بقي من الشهر، ولم يعتبره مما مضى، واعتبر مع ذلك الشهر تامًا، ولم يعتبر ذلك بالليالي الكوامل؛ إذ لو اعتبر ذلك بالليالي الكوامل لكانت التاسعة التي تبقي هي ليلة إحدى وعشرين، والسابعة التي تبقي هي ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة التي تبقي هي ليلة خمس وعشرين.
ومما يدل على أنَّ ليلة القدر قد تأتي في أيام الشفع باعتبار حساب الوتر مما مضى ما رواه البخاري (٢٠٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، وَعِكْرِمَةَ، قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ، أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ» يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ، وَعَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «التَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ».
[ ٦ / ٥٨٦ ]
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٦٢):
«ظاهره أنَّه من رواية عبد الوهاب عن خالد أيضًا لكن جزم المزي بأنَّ طريق خالد هذه معلقة والذي أظن أنَّها موصولة بالإسناد الأول وإنَّما حذفها أصحاب الْمُسْنَدات لكونها موقوفه» اهـ.
وروى أحمد (١٧٠٢٥) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْعَوَّامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ».
قُلْتُ: فيه عمران أبو العوام القطان ضعيف الحديث؛ لكن رواه أبو يعلى (٢١٩٠) دَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مَلَيحٍ، حَدَّثَنَا جَابِرٌ، قَالَ: «أَنْزَلَ اللَّهُ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الزَّبُورَ عَلَى دَاوُدَ فِي إِحْدَى عَشَرَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ».
قُلْتُ: سفيان بن وكيع ضعيف الحديث، وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ] (١٤/ ٣٥٠):
«قُلْتُ: هذا مقلوب وإنَّما هو عن واثلة ﵁» اهـ.
[ ٦ / ٥٨٧ ]
وللحديث شاهد من حديث ابن عباس رواه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦/ ٢٠٢) بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٌ بين علي بن أبي طلحة وابن عباس.
قُلْتُ: ويمكن تحسين الحديث بذلك، وقد حسنه العلامة الألباني ﵀ في [الصَّحِيْحَةِ] (١٥٧٥).
ومعلوم أنَّ القران أنزله الله تعالى في ليلة القدر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
وروى الطيالسي (٢٢٨١) حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، والجريري وإن كان قد اختلط لكن رواية الحمادين عنه قبل الاختلاط.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في [التَّفْسِيْرِ] (٨/ ٤٤٧): «إسناده رجاله ثقات» اهـ.
قُلْتُ: ولا بد من تأويل هذا الحديث بما لا يخالف سائر الأدلة، وذلك إمَّا بأن يحمل على ليلة القدر في عام معين قال فيه النبي ﷺ ذلك لا مطلقًا، أو يحمل على معنى ليلة القدر الذي أنزل فيه القرآن، والأول أظهر عندي. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥): «الحمد لله، ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان هكذا صح عَنِ
[ ٦ / ٥٨٨ ]
النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "هي في العشر الأواخر من رمضان". وتكون في الوتر منها. لكن الوتر يكون باعتبار الماضي فتطلب ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين.
ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي ﷺ "لتاسعة تبقى لسابعة تبقى لخامسة تبقى لثالثة تبقى". فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع. وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى. وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح. وهكذا أقام النبي ﷺ في الشهر. وإن كان الشهر تسعًا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ الماضي وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال النبي ﷺ: "تحروها في العشر الأواخر"» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الوتر يحسب بما مضى من الشهر، ويحسب أيضًا بما بقي بما يوافق ما مضى؛ وذلك أننا إذا لم نوافق بين الحسابين فإنَّ مقتضى ذلك أنَّ الوتر يشمل جميع العشر الأواخر، وفي هذا إبطال لدلالة الحديث الماضي:
«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ».
* * *
[ ٦ / ٥٨٩ ]
٢٠٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ. فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ: "مَنْ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا. فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ". فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ. فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ».
قوله: «عَلَى عَرِيشٍ» أي أنَّ سقفه كان من الجريد والخوص ولم يكن محكمًا بحيث يمنع من سقوط المطر على أرضه.
وقوله: «فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ» أي قطر الماء من سقفه.
[ ٦ / ٥٩٠ ]
وقوله: «وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٥٧):
«قَوْلُهُ: "فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا" فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبَابِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ خُطْبَتَهُ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَوَّلُ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ الْأَخِيرِ لَيْلَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهُوَ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي صُبْحِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ وَوُقُوعَ الْمَطَرِ كَانَ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا أَيْ مِنَ الصُّبْحِ الَّذِي قَبْلَهَا وَيَكُونُ فِي إِضَافَةِ الصُّبْحِ إِلَيْهَا تَجَوُّزٌ وَقَدْ أَطَالَ بن دِحْيَةَ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ اللَّيْلَةَ تُضَافُ لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا وَرَدَّ عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَلَكِن لم يُوَافق على ذَلِك فَقَالَ ابن حزم رِوَايَة بن أَبِي حَازِمٍ والدَّرَاوَرْدِيِّ يَعْنِي رِوَايَةَ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَقِيمَةٌ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ مُشْكِلَةٌ وَأَشَارَ إِلَى تَأْوِيلِهَا بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِيضَاحِ وَأفَاد بن عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ الرُّوَاةَ عَنْ مَالِكٍ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يحيى وَيحيى بْنِ بُكَيْرٍ وَالشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ يَخْرُجُ فِي صبيحتها من اعْتِكَافه وَرَوَاهُ بن الْقَاسِم وبن وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ
[ ٦ / ٥٩١ ]
فَقَالُوا وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ وَقد روى بن وهب وبن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنَ اعْتِكَافِهِ وَمَنِ اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيته حَتَّى يشْهد الْعِيد قَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ هَلْ يَخْرُجُ إِذا غَابَتْ الشَّمْس أو لا يَخْرُجُ حَتَّى يُصْبِحَ قَالَ وَأَظُنُّ الْوَهْمَ دَخَلَ مِنْ وَقْتِ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ قُلْتُ وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا قَرَّرَهُ هُوَ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ الِاخْتِلَافِ وَقَدْ وَجَّهَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَيْ حَتَّى إِذَا كَانَ الْمُسْتَقْبَلُ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَوْلُهُ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِدْخَالِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
٢ - مشروعية الاعتكاف في العشر الأواسط من رمضان.
٣ - احتج به من قال: إنَّ الأفضل للمعتكف أن يخرج من معتكفه صباحًا، وفيه بحث كما سيأتي.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٦):
«وأمَّا قول مالك أنَّه رأى أهل العلم إذا اعتكفوا في العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع المسلمين.
[ ٦ / ٥٩٢ ]
قال مالك: وبلغني ذلك عن أهل الفضل الذين مضوا وهو أحب ما سمعت إليَّ في ذلك.
قال أبو عمر: هذا من قوله يدل على أنه سمع الاختلاف في هذه المسألة وقد اختلف قوله فيها فالأكثر عنه ما في موطئه أنه لا يخرج من معتكفه من اعتكف العشر الأواخر إلَّا إلى المصلى وإن خرج فلا شيء عليه رواه بن القاسم عن مالك في المدونة وهو قول ابن القاسم.
وَقَالَ ابن الماجشون وسحنون يعيد اعتكافه.
قال سحنون: لأنَّ السنة المجتمع عليها أن يبيت في معتكفه حتى يصبح.
قال أبو عمر: لم يقل بقولهما أحد من أهل العلم فيما علمت إلَّا رواية جاءت عن مالك ذكرها إسماعيل في المبسوط لا وجه لها في القياس لما وصفنا والصحيح عن مالك فيها ما ذكرنا ولم يجتمع على ما ذكر سحنون أنها سنة مجمع عليها والخلاف موجود فيها والخلاف لا حجة فيه.
وذكر ابن وهب عن الليث أنَّ عقيلًا حدثه عن ابن شهاب أنَّه كان لا يرى بأسًا أن ينصرف المعتكف إلى أهله ليلة الفطر. وبه قال الليث بن سعد.
قال أبو عمر: هي مسألة استحباب ليصل المعتكف اعتكافه بصلاة العيد فيكون قد وصل نسكًا بنسك والله أعلم؛ لأنَّ ذلك لا واجب ولا لازم ولا سنة مؤكدة لأنَّ الأصل ليلة العيد ويوم العيد ليس بموضع اعتكاف لا سيما عند من لا يراه إلَّا بصيام ومع هذا فإنَّ الذي ذكره مالك معلوم بالمدينة وبالكوفة
[ ٦ / ٥٩٣ ]
ذكر ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يكون غدوه منه إلى العيد.
وعن وكيع عن ابن عمر عن عمران بن جرير عن أبي مجلز قال: يبيت ليلة الفطر في المسجد الذي اعتكف فيه حتى يكون خروجه منه إلى مصلاه.
وعن إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة أنه فعل مثل ذلك.
فهؤلاء من أهل الكوفة والبصرة أعلام إلى ما حكاه مالك عن طائفة من فضلاء أهل المدينة وعلمائهم
ومذهب أحمد بن حنبل في ذلك على ما اختاره مالك واستحبه.
وكان الشافعي والأوزاعي يقولان يخرج من اعتكافه إذا غربت الشمس من آخر أيامه.
قال الشافعي: إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل قبل الغروب فإذا أهل هلال شوال فقد أتم العشر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
قال أبو عمر: قد أجمعوا في المعتكف في العشر الأول أو الوسط من رمضان أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه.
وفي إجماعهم على ذلك ما يوهن ورواية من روى يخرج من صبيحتها أو في صبيحتها وإجماعهم على ذلك نقيض ما اختلفوا فيه من الخروج لمن اعتكف العشر الأواخر ويدل على تصويب رواية من روى يخرج فيها من اعتكافه يعني بعد الغروب والله أعلم.
[ ٦ / ٥٩٤ ]
والصحيح في تحصيل مذهب مالك أن يقام المعتكف ليلة الفطر في معتكفه وخروجه منه إلى العيد استحباب وفضل لا إيجاب وهو الذي ذكر فيه قوله في موطئه بل قد نص عليه وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٥٢):
«فصل: ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه.
نص عليه أحمد.
وروي عن النخعي، وأبي مجلز، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والمطلب بن حنطب، وأبي قلابة، أنهم كانوا يستحبون ذلك.
وروى الأثرم، بإسناده عن أيوب، عن أبي قلابة، أنَّه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم يغدو كما هو إلى العيد، وكان - يعني في اعتكافه - لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم.
قال: فأتيته في يوم الفطر، فإذا في حجره جويرية مزينة ما ظننتها إلَّا بعض بناته، فإذا هي أمة له، فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد.
وَقَالَ إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد» اهـ.
قُلْتُ: جاء في حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ في البخاري (٢٠١٨)، ومسلم (١١٦٧) قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ العَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي، وَيَسْتَقْبِلُ
[ ٦ / ٥٩٥ ]
إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، وَأَنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ العَشْرَ، ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَابْتَغُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَابْتَغُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ»، فَاسْتَهَلَّتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَمْطَرَتْ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ فِي مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَبَصُرَتْ عَيْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً.
ففي هذا الحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يخرج من اعتكافه حين يمسي من عشرين، والمساء يطلق على آخر النهار وعلى أول الليل.
وجاء عند البخاري (٢٠٤٠) عنه أنَّه قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ، فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ»، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ وَهَاجَتِ السَّمَاءُ، فَمُطِرْنَا، فَوَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَقَدْ هَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَرِيشًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ.
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ خروجهم من الاعتكاف كان في الصباح، لا في المساء، وقد بوَّب عليه البخاري فقال: «باب من خرج من اعتكافه عند الصبح».
ويمكن أن يقال: كان خروجهم من الاعتكاف في المساء ونقل أمتعتهم في الصباح.
[ ٦ / ٥٩٦ ]
وروى البخاري (٢٠١٦) عنه أنَّه قَاَل: اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا، وَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا - أَوْ نُسِّيتُهَا - فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلْيَرْجِعْ»، فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ المَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
قُلْتُ: وأمره لهم بالرجوع إلى الاعتكاف صبيحة عشرين يدل على أنَّهم قد كانوا خرجوا من اعتكافهم.
وروى البخاري (٢٠٣٦)، ومسلم (١١٦٧) عنه أنَّه قال: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ»، فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، قَالَ: فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الطِّينِ وَالمَاءِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ.
قُلْتُ: ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان كان يخرج من اعتكافه في العشر الْأَوْسَطِ مساء العشرين، إلَّا في ذلك العام الذي
[ ٦ / ٥٩٧ ]
أتاه فيه جبريل وأخبره بأنَّ ما يطلبه أمامه، فإنَّه خرج من اعتكافه صبيحة عشرين. والله أعلم.
وعلى كل حال فالخروج صبيحة عشرين شبيه بالخروج صبيحة الثلاثين، وذلك أنَّ يوم العشرين هو تمام العشر الأوسط، ويوم الثلاثين هو تمام العشر الأواخر، ولا يستقيم الاستدلال بحديث الباب لمذهب من ذهب إلى استحباب اعتكاف ليلة العيد والخروج لصلاة العيد إلَّا إذا قررنا أنَّ خروج النبي ﷺ من معتكفه كان صبيحة إحدى وعشرين كما في رواية الباب لكن فيها ما سبق من الإشكال، وقد اختلف فيها على الإمام مالك وهي إمَّا متأولة أو من قبيل الوهم. والله أعلم.
٤ - أنَّ ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
٥ - أنَّ أرجى ليالي العشر الأواخر الأوتار منها.
٦ - مجيء ليلة القدر في ذلك الزمن في ليلة إحدى وعشرين يدل على خطإ من قصرها على سبع وعشرين، أو غير ذلك من الليالي.
وقد جاءت ليلة القدر في زمنه ﵊ في ليلة ثلاث وعشرين، فيما رواه مسلم (١١٦٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ» قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ.
قُلْتُ: وليلة السابعة من أرجى ليالي العشر، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٢١٤٩) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
[ ٦ / ٥٩٨ ]
بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ، يَشُقُّ عَلَيَّ الْقِيَامُ، فَأْمُرْنِي بِلَيْلَةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يُوَفِّقُنِي فِيهَا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالسَّابِعَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، ويحتمل أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أمره بتحريها في ذلك العام، أو في كل عام.
بقى هل المراد بالسابعة، ليلة السابع والعشرين، أو المراد بالسابعة، السابعة التي تبقي من الشهر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٢١/ ٢١٣):
«يريد سابعة تبقى والله أعلم وذلك محفوظ في حديث ابن عباس إذ ذكر ما خص الله على سبع من خلقه ثم قال: وما أراها إلَّا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين» اهـ.
قُلْتُ: لكن روى أحمد (١٨٤٢٦) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْمَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ حِمْصَ: «قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَامَ بِنَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ، قَالَ: وَكُنَّا نَدْعُو السُّحُورَ الْفَلَاحَ. فَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: لَيْلَةُ السَّابِعَةِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ السَّابِعَةُ، فَمَنْ أَصَوْبُ نَحْنُ، أَوْ أَنْتُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. هو يدل على أنَّ ليلة سابعة هي ليلة سبع وعشرين.
[ ٦ / ٥٩٩ ]
وقد جاء في ليلة سبع وعشرين ما رواه مسلم (٧٦٢) عَنْ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ ﵀: «أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي، أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ؟ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ، لَا شُعَاعَ لَهَا».
وجاء في ذلك ما رواه أبو داود (١٣٨٦) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُطَرِّفًا، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
ورواه أبو داود الطيالسي (١٠٥٤) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: هكذا أوقفه الطيالسي، وقد رفعه معاذ بن معاذ.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٧/ ٦٦): «ولا يصح، عن شعبة مرفوعًا» اهـ.
قُلْتُ: وقع في "الْعِلَلِ" في حديث معاوية: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: وخالفهما عفان في لفظ الحديث فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٦٣٠) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ».
[ ٦ / ٦٠٠ ]
واختلف فيه على مطرف فرواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦١٧١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، ثنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: سعيد الحراني لم أعرفه، وسعيد الذي يروي عن يزيد بن عبد الله، ويروي عنه خالد بن عبد الله إنَّما هو سعيد بن إياس الجريري البصري، لكنَّهم لا يذكرون في ترجمته أنَّه حراني، والجريري هذا مختلط.
وجاء في ذلك أيضًا ما رواه الطبراني في [الصَّغِيْرِ] (٢٨٥) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
لَمْ يَرْوِهِ عَنْ شُعْبَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وِجَادَةً فِي كِتَابِهِ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وإسحاق هو ابن إبراهيم الخليل قال فيه الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٣٩٢): «وكان ثقة» اهـ.
ومن ذلك ما رواه أحمد (٤٨٠٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بَنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، وَقَالَ: «تَحَرَّوْهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ٦ / ٦٠١ ]
وقد قام النبي ﷺ بأصحابه ليلة سبع وعشرين إلى قريب الفجر.
وجاء في ليلة ثلاث وعشرين ما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٦٢٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٣٢٠) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قَالَ: «كُنَّا بِالْبَادِيَةِ فَقُلْنَا إِنْ قَدِمْنَا بِأَهْلِينَا شَقَّ عَلَيْنَا وَإِنْ خَلَّفْنَاهُمْ أَصَابَتْهُمْ ضِيقَةٌ، قَالَ: فَبَعَثُونِي وَكُنْتُ أَصْغَرَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ قَوْلَهُمْ فَأَمَرَنَا بِلَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٦٠٨٧) منقطعًا فقال: ثنا أبو سلمة الخزاعي قال ثنا عبد الله بن جعفر يعني المخرمي عن يزيد بن الهاد عن أبي بكر بن حزم عن عبد الله بن أنيس به.
ورواه أبو داود (١٣٨٠) مِنْ طَرِيْقِ ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه، وضمرة لم يوثقه معتبر.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٩٥) عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أنَّ عبد الله بن أنيس الجهني به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أبي النضر وعبد الله بن أنيس.
[ ٦ / ٦٠٢ ]
والصحيح من أقوال العلماء أنَّها تتنقل في العشر الأواخر، والأوتار أرجى لياليها، والسبع الأواخر أرجى من غيرها، وأرجى ليلى فيها هي ليلة سبع وعشرين، والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٦٥):
«القول الخامس والعشرون: أنَّها في أوتار العشر الأخير وعليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٤/ ٢٦٥):
«القول السابع والعشرون: تنتقل في العشر الأخير كله قاله أبو قلابة ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ٤٥٠):
«وروي عن أبي قِلابَة أنَّه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر.
وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نص عليه مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو بكر بن خُزَيمة، وغيرهم. وهو محكي عن الشافعي -نقله القاضي عنه، وهو الأشبه. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٢٣/ ٦٤):
«وعن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال "ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر".
قال أبو عمر: هذا أصح …» اهـ.
[ ٦ / ٦٠٣ ]
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٦٩٦): «وهذه الأحاديث كلها تقتضي أنَّها تكون في هذه الليالي كلها، وقد كانت في عام من الأعوام في إحدى هذه الليالي، فتكون متنقلة في الليالي العشر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ ﵀ في [الْإِنْصَاف] (٣/ ٢٥١):
«وَقَالَ غيره تنتقل في العشر الأخير وحكاه بن عبد البر عن الْإِمَام أحمد.
قُلْتُ: وهو الصواب الذي لا شك فيه» اهـ.
٧ - يدل الحديث على استحباب كشف الجبهة عند السجود؛ لقوله: «فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ». فهذا يدل على أنَّ جبهته كانت مكشوفه، إذ لو سجد على كور عمامته لكان أثر الماء والطين على عمامته لا على جبهته.
٨ - وفي المقابل احتج به على جواز السجود على الحائل المتصل؛ فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يمسح ما أصابه من الطين على جبهته مع كثرته، فقد جاء في بعض ألفاظ الحديث في البخاري (٢٠١٨):
«وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً»، ورواه مسلم (١١٦٧) بلفظ: «وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طِينًا وَمَاءً».
وفي الاحتجاج بذلك نظر لأنَّ الطين علق بغير اختياره، وإذا أراد مسح الطين فإنَّ الفعل فيه يكثر، وهكذا الطين من جنس الأرض التي يسجد عليها.
٩ - واحتج ابن دِحْيَةَ بقوله: «وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ». على أنَّ الليلة تضاف لليوم الذي قبلها.
[ ٦ / ٦٠٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ١٦٢):
«يريد الصبيحة التي قبل ليلة إحدى وعشرين، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضًا الصبيحة التي بعدها إلى الليلة، وكل متصل بشيء فهو مضاف إليه، سواء كان فيه أو بعده، وإن كانت العادة في نسبة الصبيحة إلى الليلة التي قبلها؛ لتقديم الليل على النهار، فإنَّ نسبة الشيء إلى ما بعده جائز بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ فنسب الضحى إلى ما بعده» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٥٨):
«فكأن قوله في رواية مالك المذكورة: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها". أي من الصبح الذي قبلها ويكون في إضافة الصبح إليها تجوز وقد أطال ابن دِحْيَة في تقرير أنَّ الليلة تضاف لليوم الذي قبلها ورد على من منع ذلك ولكن لم يوافق على ذلك».
إلى أن قال ﵀: «وقد وجه شيخنا الْإِمَام البلقيني رواية الباب بأنَّ معنى قوله: "حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين". أي حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين. وقوله: "وهي الليلة التي يخرج". الضمير يعود على الليلة الماضية ويؤيد هذا قوله: "من كان أعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر". لأنَّه لا يتم ذلك إلَّا بإدخال الليلة الأولى» اهـ.
قُلْتُ: وقد دلت سائر الروايات على أنَّ خروجه كان صبيحة عشرين، كما روى البخاري (٢٠١٦) عن أبي سعيد أنَّه قال: «فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا».
[ ٦ / ٦٠٥ ]
وفي لفظ للبخاري (٢٠٣٦)، ومسلم (١١٦٧): «فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ».
١٠ - واحتج به من قصر ليلة القدر على ليلة إحدى وعشرين.
١١ - وفيه أنَّ من الرؤيا ما تطابق الواقع فلا تحتاج إلى تعبير.
١٢ - واحتج به من قال: إنَّ الطين إذا كان يسيرًا يسجد عليه المصلي، ولا يومئ في سجوده.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
«ومذهب مالك: أنَّه يصلي في الطين بالأرض، ولا يصلي على الراحلة.
واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين: فروي عنه: أنَّه يسجد عليه. وروي عنه أنَّه يومئ.
وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين: فالحال التي يسجد عليه: إذا كان خفيفًا، كما سجد النبي ﷺ في اعتكافه في الماء والطين، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين. والحال التي يومئ: إذا كان كثيرًا، يغرق فيه المصلي. ونص أحمد على أنَّه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ، ولم يسجد عليه. وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤):
«وفي الحديث: أنَّ المصلى في الطين يسجد عليه، وهذا عند العلماء إذا كان يسيرًا لا يمرث وجهه ولا ثيابه؛ ألا ترى أنَّ وجهه كان سالمًًا من الطين، وإنَّما كان منه شيء على جبهته وأرنبته، فإذا كان الطين كثيرًا، فالسنة فيه ما روى يعلى بن أمية عن الرسول أنَّه صلى بإيماء على راحلته في الماء والطين، وبه قال أكثر الفقهاء.
[ ٦ / ٦٠٦ ]
واختلف قول مالك في ذلك، فروى أشهب عنه في العتبية أنَّه لا يجزئه إلَّا أن ينزل بالأرض ويسجد عليها على حسب ما يمكنه؛ استدلالًا بحديث أبي سعيد، وَقَالَ ابن حبيب: مذهب مالك أنَّه يُؤمي، إلَّا عبد الله بن عبد الحكم، فإنَّه كان يقول: يسجد عليه ويجلس فيه إذا كان لا يعم وجهه ولا يمنعه من ذلك إلَّا إحراز ثيابه. قال ابن حبيب: وبالأول أقول؛ لأنَّه أشبه بِيُسْر الله في الدين، وأنَّه لا طاعة في تلوث الثياب في الطين، وإنَّما يؤمي في الطين إذا كان لا يجد المصلى موضعًا نقيًا من الأرض يصلى عليه، فإن طمع أن يدرك موضعًا نقيًا قبل خروج الوقت لم يجزه الإيماء في الطين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٢٣/ ٦١):
«أمَّا إذا كان الطين والماء مما يمكن السجود عليه وليس فيه كبير تلويث وفساد للثياب وجاز تمكين الجبهة والأنف من الأرض فهذا موضع لا تجوز فيه الصلاة على الراحلة ولا على الأقدام بالإيماء لأنَّ الله ﷿ قد افترض الركوع والسجود على كل من قدر على ذلك كيفما قدر وأمَّا إذا كان الطين والوحل والماء الكثير قد أحاط بالمسجون أو المسافر الذي لا يرجو الانفكاك منه ولا الخروج منه قبل خروج الوقت وكان ماء معينًا غرقًا وطينًا قبيحًا وحلًا فجائز لمن كان في هذه الحال أن يصلي بالإيماء على ما جاء في ذلك عن العلماء من الصحابة والتابعين فالله أعلم بالعذر وليس بالله حاجة إلى تلويث وجهه وثيابه وليس في ذلك طاعة إنَّما الطاعة الخشية والعمل بما في الطاقة» اهـ.
١٣ - واحتج به على أنَّ السنَة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة.
[ ٦ / ٦٠٧ ]
وأمَّا تسوية الأرض فجاء في ذلك ما رواه مسلم (٥٤٦) عَنْ مُعَيْقِيبٍ، قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي الْحَصَى قَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً».
ورواه البخاري (١٢٠٧) عَنْ مُعَيْقِيبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً».
١٤ - وفيه أنَّ السجود يكون على الجبهة والأنف.
والسجود على الجبهة واجب وعلى الأنف مستحب، وجاءت أدلة بوجوب ذلك ولا تصح.
وأوجب السجود على الأنف مالك وأحمد والشافعي في رواية عنهم، والرواية الأخرى لا تجب.
١٥ - قول النبي ﷺ في: «وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ». ليس ذلك علامة ليلة القدر على سبيل الاستمرار؛ وإنَّما كانت علامة في ذلك العام.
وقد ثبتت علامتان لليلة القدر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
الأولى: في أثناء ليلتها، وهي أنَّ ليلة القدر لا حارة ولا باردة.
والأخرى: بعد انقضاءها، وهي أنَّ الشمس تطلع صبيحة ليلة القدر بيضاء لا شعاع لها.
وقد جاء في ذلك عدة أحاديث منها:
حديث عبد الله بن عباس ﵄:
[ ٦ / ٦٠٨ ]
فروى الطيالسي (٢٨٠٢)، وابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢١٩٢)، وابن نصر المروزي في [قِيَامِ رَمَضَانَ] (٥٠)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٧٢٨) ومِنْ طَرِيْقِ الطيالسي البيهقي في [الشُّعَبِ] (٣٤١٩)، وأبو نعيم في [تَارِيْخِ أَصْبَهَان] (١٩٥) مِنْ طَرِيْقِ زَمْعَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ، وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ شَمْسُهَا صَبِيحَتَهَا ضَعِيفَةً حَمْرَاءَ».
قُلْتُ: زمعة هو ابن صالح ضعيف الحديث لكن الحديث حسن بشواهده الآتية.
ومنها حديث جابر ﵁.
وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢١٩٠)، ومن طريقه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٦٨٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ لَيْلَتِهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ»، وَزَادَ الزِّيَادِيُّ: «كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا»، وَقَالَا: «لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، محمد بن زياد، ومحمد بن موسى في حديثهما لين، والفضيل ضعيف، وأبو الزبير مدلس وقد عنعن.
[ ٦ / ٦٠٩ ]
قُلْتُ: وزيادة الزيادي منكرة فإنَّه ضعيف الحديث، وقد خالف فيها محمد بن موسى الحرشي الثقة الحافظ.
ومنها حديث عبادة بن الصامت ﵁.
رواه الفسوي في [الْمَعْرِفَة وَالتَّارِيْخِ] (١/ ١٩٥) حَدَّثَنِي يُوسُفُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ معاوية بن يحي عن الزهري عن محمد بن بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ مَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَهِيَ لَيْلَةُ وَتْرٍ لِثَالِثَةٍ أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ، وَمِنْ أَمَارَتِهَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ بلجة صافة سَاكِنَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قصر، وَلَا يَحِلُّ لِنَجْمٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى الصَّبَاحِ. وَمِنْ أَمَارَتِهَا- يَعْنِي عَلَامَتِهَا- أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا مُسْتَوِيَةً لَا شُعَاعَ لَهَا، كَأَنَّهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا».
قُلْتُ: معاوية بن يحيى ضعيف الحديث، ومحمد بن عبادة لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، ويوسف هو ابن يعقوب الصفار.
ورواه أحمد (٢٢٨١٧)، ومن طريقه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (٣٤٢)، والطبراني في [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (١١١٩)، وابن نصر المروزي في [قِيَامِ رَمَضَانَ] (٤٩) مِنْ طَرِيْقِ بَقِيَّةَ، حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ حِسْبَتِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، وَهِيَ لَيْلَةُ وِتْرٍ تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ ثَالِثَةٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ لَا بَرْدَ فِيهَا،
[ ٦ / ٦١٠ ]
ولَا حَرَّ وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ».
قُلْتُ: خالد بن معدان لا يصح له سماع من عبادة بن الصامت.
ومنها مرسل الحسن البصري ﵀.
روى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٨٧٧٠، ٩٦٣٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ سَمْحَةٌ تَطْلُعُ شَمْسُهَا لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحٌ.
ومنها حديث واثلة بن الأسقع ﵁.
رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٧٦٠٥)، وفي [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (٣٣٨٩) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، وَلَا سَحَابَ فِيهَا، وَلَا مَطَرَ، وَلَا رِيحَ، وَلَا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ، وَمِنْ عَلَامَةِ يَوْمَهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَا شُعَاعَ لَهَا».
قُلْتُ: بشر بن عون، وبكار جهلهما أبو حاتم، وَقَالَ ابن حبان في [الْمَجْرُوحَيْنَ] (١/ ١٩٠): «بشر بن عون القرشي الشامي، يروى عن بكار بن تميم عن مكحول، روى عنه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، روى عن بكار بن
[ ٦ / ٦١١ ]
تميم عن مكحول عن وائلة نسخة فيها ستمائة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال» اهـ.
قُلْتُ: والوليد بن حماد قال فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [السِّيَّر] (٢٧/ ٨١): «ولا أعلم فيه مغمزًا، وله أسوة غيره في رواية الواهيات» اهـ.
قُلْتُ: وغاية ما يثبت من ألفاظ هذه الأحاديث باعتبار الشواهد، هو أنَّ ليلة القدر ليلة لا حارة ولا باردة، وأنَّ الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، وما سوى ذلك لا يثبت.
وأمَّا علامة بعد انقضائها، وهي أنَّ الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها.
فيدل على ذلك ما مضى من الأحاديث، وما رواه مسلم (٧٦٢) عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، يَقُولُ: وَقِيلَ لَهُ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: «مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ»، فَقَالَ أُبَيٌّ: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَوَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا».
١٦ - وفيه أنَّ من اعتكف العشر له أن يخرج من معتكفه صبيحة اليوم العاشر، ولا ينتظر غروب الشمس؛ فإنَّ المقصود من اعتكاف العشر تحري ليالي القدر، والأيام تبع لذلك، وتنتهي آخر ليلة من ليالي العشر بطلوع فجر اليوم العاشر. ووجه الشاهد من الحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لما اعتكف العشر الْأَوْسَطِ خرج من اعتكافه صبيحة عشرين، ولم يتم يوم عشرين إلى غروب الشمس.
[ ٦ / ٦١٢ ]
١٧ - وفيه أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ينسى، ونظير هذا ما رواه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢) مِنْ حَدِيْثِ عَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ».
ونسيان النبي ﷺ لا يكون فيما أمر بتبليغه؛ لقول الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. والاستثناء راجع على ما أراد الله نسخه.
* * *
[ ٦ / ٦١٣ ]