٢٥٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُنَابَذَةِ - وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ - وَنَهَى عَنْ الْمُلامَسَةِ. وَالْمُلامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ وَلا يُنْظَرُ إلَيْهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم بيع المنابذة، والنهي عن ذلك لما في هذا البيع من جهالة المبيع وهذا هو المعنى الصحيح، وقيل: نهي عن ذلك من أجل عدم حصول الإيجاب والقبول، ووجه ذلك أنَّ البائع والمشتري جعلا مجرد النبذ عقدًا للبيع، والصحيح الأول لقوله في الحديث: "وَلا يُنْظَرُ إلَيْهِ" وجاءت رواية عند البخاري (٥٨٢٠)، ومسلم (١٥١٢) من حديث أبي سعيد وفيها: «وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ».
وروى أبو عوانة (٤٨٦٧) أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ أَنْ يَتَبَايَعَ الْقَوْمُ السِّلَعَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَتَنَابَذَ الْقَوْمُ السِّلَعَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا فَهَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْقِمَارَ».
[ ٨ / ٢٤ ]
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى مسلم (١٥١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «نُهِيَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، أَمَّا الْمُلَامَسَةُ: فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٩):
«وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنَّها مفاعلة فتستدعى وجود الفعل من الجانبين» اهـ.
وروى النسائي (٤٥١٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، أَمَّا الْبَيْعَتَانِ: فَالْمُنَابَذَةُ وَالْمُلَامَسَةُ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُكَ ثَوْبِي بِثَوْبِكَ، وَلَا يَنْظُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ الْآخَرِ، وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ لَمْسًا، وَأَمَّا الْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولُ: أَنْبِذُ مَا مَعِي، وَتَنْبِذُ مَا مَعَكَ لِيَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمْ مَعَ الْآخَرِ، وَنَحْوًا مِنْ هَذَا الْوَصْفِ».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ أيضًا.
[ ٨ / ٢٥ ]
وكل هذا صريح في المعنى الأول، وأمَّا المعنى الآخر فلا محذور فيه، ولا يشترط في الإيجاب والقبول أن يكون لفظًا، بل يصح بالفعل الدال عليه.
وهناك معنى آخر فسر به الحديث وهو أن يجعل النبذ شرطًا في قطع خيار المجلس وغيره، وليس هذا بصحيح، والصحيح الأول.
٢ - تحريم بيع الملامسة. والقول فيه كالقول في المنابذة.
٣ - واحتج به على عدم صحة بيع المعاطاة، وهذا مبني على تفسير من فسر المنابذة والملامسة بأن يجعلا نفس اللمس والنبذ بيعًا بغير صيغة زائدة. وسبق بيان ضعف هذا التفسير.
قُلْتُ: والصحيح جواز البيع بالمعاطاة وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧):
«وكذلك المشهور من مذهب الشافعي أنَّه لا بد في العقود من الصيغ فلا يصح بيع المعاطاة لكن الجمهور يخالفون هذا. فمذهب مالك أنَّ كل ما عده الناس بيعًا فهو بيع فيجوز بيع المعاطاة في القليل والكثير وكذلك ظاهر مذهب أحمد. ومذهب أبي حنيفة تجويز ذلك في المحقرات وهو قول آخر في مذهب أحمد وقول طائفة من أصحاب الشافعي. وأيضًا أنَّ العقود يرجع فيها إلى عرف الناس. فما عده الناس بيعًا أو إجارة أو هبة: كان بيعًا وإجارة وهبة؛ فإنَّ هذه الأسماء ليس لها
[ ٨ / ٢٦ ]
حد في اللغة والشرع. وكل اسم ليس له حد في اللغة والشرع فإنَّه يرجع في حده إلى العرف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٨٧٥)
«وهذه قاعدة من قواعد الشرع عظيمة النفع أنَّ كل ما يعلم أنَّه لا غنى بالأمة عنه ولم يزل يقع في الإسلام ولم يعلم من النبي تغييره ولا إنكاره ولا من الصحابة فهو من الدين وهذا كإجارة الإقطاع وبيع المعاطاة وقرض الخبز والخمير ورد أكثر منه وأصغر …» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (٣٠): «ومن ذلك انعقاد التبايع في سائر الأعصار والأمصار بمجرد المعاطاة من غير لفظ اكتفاء بالقرائن والأمارات الدالة على التراضي الذي هو شرط في صحة البيع» اهـ.
٤ - واحتج به على تحريم بيع الغائب مطلقًا، وهو مذهب الشافعي ﵀ في الجديد، ورواية عن أحمد، وصححه أبو حنيفة مطلقًا لكن أثبت له الخيار إذا رآه، وأجازه مالك وأحمد في الرواية الأخرى وغيرهما في الموصوف. وهذا هو الصحيح؛ ويدل على ذلك صحة بيع السلم وهو لا يكون إلَّا في غائب موصوف.
وليس في الحديث النهي عن بيع كل غائب، وغاية ما فيه النهي عن المجهول. وبالرؤية، أو الوصف تزول الجهالة. والله أعلم.
[ ٨ / ٢٧ ]
قُلْتُ: وهكذا يجوز على الصحيح بيع المغيب في الأرض، ويلحق المعدوم منها بالموجود، ويجوز بيع الشيء في قشره رفعًا للحرج، ولأنَّ الجهالة في ذلك يسيرة، وأهل المعرفة يستدلون بما ظهر على ما بطن، وما زال الناس يتعاملون في ذلك من قبل الإسلام وبعد الإسلام ولم يأت نهي عن ذلك، وقد جاء الشريعة بجواز بيع الغائب إذا كانت الحاجة ماسة إلى ذلك كبيع المنافع في الإجارة، وكبيع العقار كالبيت ونحوه مع الجهل بأساسه، وهذا نظيرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٥):
«مسألة؛ قال: ولا يجوز بيع القثاء، والخيار، والباذنجان، وما أشبهه، إلَّا لقطة، لقطة. وجملة ذلك؛ أنَّه إذا باع ثمرة شيء من هذه البقول لم يجز إلَّا بيع الموجود منها، دون المعدوم. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأنَّ ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعًا لما ظهر، كما أنَّ ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٧):
«فصل: ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض، كالجزر، والفجل، والبصل، والثوم حتى يقلع، ويشاهد. وهذا قول الشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
وأباحه مالك، والأوزاعي، وإسحاق؛ لأنَّ الحاجة داعية إليه، فأشبه بيع ما لم يبد صلاحه تبعًا لما بدا» اهـ.
[ ٨ / ٢٨ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٨):
«فصل: ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء الأخضر في قشرته مقطوعًا، وفي شجره، وبيع الحب المشتد في سنبله، وبيع الطلع قبل تشققه، مقطوعًا على وجه الأرض، وفي شجره.
وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز، حتى ينزع عنه قشره الأعلى، إلَّا في الطلع والسنبل» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح جواز كل ذلك كما سبق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٤٦):
«ومن هذا الباب أنَّ مالكًا يجوز بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت وبيع المقاثي جملة، كما يجوز هو والجمهور بيع الباقلاء ونحوه في قشره. ولا ريب أنَّ هذا هو الذي عليه عمل المسلمين من زمن نبيهم ﷺ وإلى هذا التاريخ ولا تقوم مصلحة الناس بدون هذا وما يظن أنَّ هذا نوع غرر فمثله جائز في غيره من البيوع لأنَّه يسير والحاجة داعية إليه وكل واحد من هذين يبيح ذلك فكيف إذا اجتمعا؟!» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٦):
«والثاني: أنَّه يجوز بيعها مطلقًا كمذهب مالك إلحاقًا لها بلب الجوز. وهذا القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين:
[ ٨ / ٢٩ ]
أحدهما: أنَّ أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه. والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به وهم يقرون بأنَّهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى.
الثاني: أنَّ هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه؛ فإنَّه إذا لم يبع حتى يقلع حصل على أصحابه ضرر عظيم؛ فإنَّه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه. وإن قلعوه جملة فسد بالقلع. فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما في قشره الأخضر. وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة لحاجة المشتري إلى أكل الرطب أو البائع إلى أكل التمر، فحاجة البائع هنا أوكد بكثير. وسنقرر ذلك إن شاء الله تعالى» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٨٤ - ٤٨٥):
«وأمَّا بيع المقاثي كالبطيخ والخيار والقثاء ونحو ذلك: فإنَّه وإن كان من العلماء في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد من قال: لا يباع إلَّا لقطة، لقطة جعلا ذلك من باب بيع الثمر قبل بدو صلاحه. والصحيح أنَّه يجوز بيعها بعروقها جملة كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وهو مذهب مالك وغيره؛ لكن هذا القول له مأخذان:
[ ٨ / ٣٠ ]
أحدهما: أنَّ العروق كأصول الشجر. فبيع الخضراوات بعروقها قبل بدو صلاحها كبيع الشجر بثمره قبل بدو صلاحه يجوز تبعًا. وهذا مأخذ طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وإن كان هذا على خلاف أصوله.
والمأخذ الثاني: - وهو الصحيح - أنَّ هذه لم تدخل في نهي النَّبي ﷺ بل تصح مع العقود الذي هو اللقطة الموجودة واللقطة المعدومة إلى أن تيبس المقثاة وإن كانت تلك معدومة لم توجد؛ لأنَّ الحاجة داعية إلى ذلك ولا يمكن بيعها إلَّا كذلك وبيعها لقطة لقطة متعذر أو متعسر لعدم التمييز وكلاهما منتف شرعًا والشريعة استقرت على أنَّ ما يحتاج إلى بيعه يجوز بيعه وإن كان معدومًا كالمنافع وأجر الثمر الذي لم يبد صلاحه مع الأصل والذي بدا صلاحه مطلقًا. وأيضًا فإنَّهم يقولون: هذه معلومة في العرف والعادة كالعلم بالثمار وتلفها بعد ذلك كتلف الثمار بالجائحة وتلف منافع الإجارة من جنسه. وثبت بالنص أنَّ الجوائح توضع بلا محذور في ذلك أصلًا بل المنع من بيع ذلك من الفساد والله لا يحب الفساد، وإن كان بيع ذلك قد يفضي إلى نوع من الفساد فالفساد في تحريم ذلك أعظم فيجب دفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما إذ ذلك قاعدة مستقرة في الشريعة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣١١ - ٣١٢):
[ ٨ / ٣١ ]
«وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية: لا يصح بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان إلَّا لقطة ولم يجعلوا المعدوم تبعًا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك وجعلوا المعدوم منزلًا منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك وهذا مثله من وجه لأنَّه يستخلف كما تستخلف المنافع وما يقدر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع وقد جوزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها ومعلوم أنَّ بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعًا للموجود. فإن فرقوا بأنَّ هذه أجزاء متصلة وتلك أعيان منفصلة فهو فرق فاسد من وجهين:
أحدهما: أنَّ هذا لا تأثير له البتة.
الثاني: أنَّ الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارًا متعددة كالتوت والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزام بما لا يقدر عليه إلَّا بأعظم كلفة ومشقة وفيه مفسدة عظيمة يردها القياس فإنَّ اللقطة لا ضابطًا لها فإنَّه يكون في المقثأة الكبار والصغار وبين ذلك فالمشتري يريد استقصاءها والبائع يمنعه من أخذ الصغار فيقع بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة فأين هذه المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمل مقاصد الشريعة علم قصد الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة التي في جعل ما لم يوجد تبعًا لما وجد لما فيه من المصلحة وقد اعتبرها الشارع ولم يأت عنه حرف واحد أنَّه نهى عن بيع المعدوم وإنَّما نهى عن بيع الغرر والغرر شيء وهذا شيء ولا يسمى هذا البيع غررًا لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا» اهـ.
[ ٨ / ٣٢ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣):
«المثال السادس والستون: يجوز بيع المقاثي والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحها كما تباع الثمار في رؤوس الأشجار ولا يمنع من صحة البيع تلاحق المبيع شيئًا بعد شيء كما لم يمنع ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئًا بعد شيء هذا محض القياس وعليه تقوم مصالح بني آدم ولا بد لهم منه ومن منع بيع ذلك إلَّا لقطة، لقطة فمع أنَّ ذلك متعذر في الغالب لا سبيل إليه إذ هو في غاية الحرج والعسر فهو مجهول لا ينضبط ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار أو الصغار أو المتوسط أو بعض ذلك وتكون المقثأة كبيرة جدًا لا يمكن أخذ اللقطة الواحدة إلَّا في أيام متعددة فيحدث كل يوم لقطة أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تميزها منه ولا سبيل إلى الاحتراز من ذلك إلَّا أن يجمع دواب المصر كلها في يوم واحد ومن أمكنه من القطافين ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرضه للتلف والضياع وحاشا أكمل الشرائع بل غيرها من الشرائع أن تأتى بمثل هذا وإنَّما هذا من الأغلاط الواقعة بالاجتهاد وأين حرم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوج الناس إليه ثم أباح لهم نظيره. فإن كان هذا غررًا فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غرر وإن لم يكن ذلك غررًا فهذا مثله، والصواب أنَّ كليهما ليس غررًا لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا ودعوى أنَّ ذلك غرر دعوى بلا برهان فإن ادعى ذلك على اللغة طولب بالنقل ولن يجد إليه سبيلًا، وإن ادعى ذلك على العرف فالعرف شاهد
[ ٨ / ٣٣ ]
بخلافه وأهل العرف لا يعدون ذلك غررًا وإن ادعاه على الشرع طولب بالدليل الشرعي فإن بلي بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعروقه فإذا استوفى ثمرته تصرف في العروق بما يريد والمانعون يجوزون هذه الحيلة ومن المعلوم أنَّ العروق غير مقصودة وإنَّما المقصود الثمرة فإن امتنع البيع لأجل الغرر لم يزل بملك العروق وهذا في غاية الظهور وبيع ذلك كبيع الثمار وهو قول أهل المدينة واحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخنا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨٠٨):
«والمعدوم ثلاثة أقسام:
معدوم موصوف في الذمة، فهذا يجوز بيعه اتفاقًا، وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة، وهذا هو السلم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثر منه وهو نوعان: نوع متفق عليه ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد، ولكن جاز بيعها للموجود، وقد يكون المعدوم متصلًا بالموجود، وقد يكون أعيانًا أخر منفصلة عن الوجود لم تخلق بعد.
[ ٨ / ٣٤ ]
والنوع المختلف فيه كبيع المقاثي والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان، أحدهما: أنَّه يجوز بيعها جملة، ويأخذها المشترى شيئًا بعد شيء، كما جرت به العادة، ويجرى مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
والذين قالوا: لا يباع إلَّا لقطة لا ينضبط قولهم شرعًا ولا عرفًا ويتعذر العمل به غالبًا، وإن أمكن، ففي غاية العسر، ويؤدى إلى التنازع والاختلاف الشديد، فإنَّ المشترى يريد أخذ الصغار والكبار، ولا سيما إذا كان صغاره أطيب من كباره والبائع لا يؤثر ذلك، وليس في ذلك عرف منضبط، وقد تكون المقثأة كثيرة، فلا يستوعب المشترى اللقطة الظاهرة حتى يحدث فيها لقطة أخرى، ويختلط المبيع بغيره، ويتعذر تمييزه، ويتعذر أو يتعسر على صاحب المقثأة أن يحضر لها كل وقت من يشترى ما تجدد فيها، ويفرده بعقد، وما كان هكذا، فإنَّ الشريعة، لا تأتى به، فهذا غير مقدور ولا مشروع، ولو ألزم الناس به، لفسدت أموالهم وتعطلت مصالحهم ثم إنَّه يتضمن التفريق بين متماثلين من كل الوجوه، فإنَّ بدو الصلاح في المقاثي بمنزلة بدو الصلاح في الثمار، وتلاحق أجزائها كتلاحق أجزاء الثمار،
[ ٨ / ٣٥ ]
وجعل ما لم يخلق منها تبعًا لما خلق في الصورتين واحد، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين.
ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لقطة، لقطة من الفساد والتعذر قالوا: طريق رفع ذلك بأن يبيع أصلها معها، ويقال: إذا كان بيعها جملة مفسدة عندكم، وهو بيع معدوم وغرر، فإنَّ هذا لا يرتفع ببيع العروق التي لا قيمة لها، وإن كان لها قيمة، فيسيرة جدًا بالنسبة إلى الثمن المبذول، وليس للمشتري قصد في العروق، ولا يدفع فيها الجملة من المال، وما الذي حصل ببيع العروق معها من المصلحة لهما حتى شرط، وإذا لم يكن بيع أصول الثمار شرطًا في صحة بيع الثمرة المتلاحقة كالتين والتوت وهي مقصودة، فكيف يكون بيع أصول المقاثي شرطًا في صحة بيعها وهي غير مقصودة، والمقصود أنَّ هذا المعدوم يجوز بيعه تبعًا للموجود، ولا تأثير للمعدوم، وهذا كالمنافع المعقود عليها في الإجارة، فإنَّها معدومة، وهي مورد العقد، لأنَّها لا يمكن أن تحدث دفعة واحدة، والشرائع مبناها على رعاية مصالح العباد، وعدم الحجر عليهم فيما لا بد لهم منه، ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلَّا به.
فصل:
الثالث: معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكون المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدومًا، بل لكونه غررًا، فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر رضي
[ ٨ / ٣٦ ]
الله عنهما، فإنَّ البائع إذا باع ما ليس في ملكه، ولا له قدرة على تسليمه، ليذهب ويحصله، ويسلمه إلى المشتري، كان ذلك شبيهًا بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد، ولا تتوقف مصلحتهما عليه، وكذلك بيع حبل الحبلة- وهو بيع حمل ما تحمل ناقته-، ولا يختص هذا النهي بحمل الحمل، بل لو باعه ما تحمل ناقته أو بقرته أو أمته، كان من بيوع الجاهلية التي يعتادونها» اهـ.
قُلْتُ: وقد أطلنا بذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀ في هذه المسألة لأنَّهما حررا القول في هذه المسألة أتم تحرير، وأتيا بنفائس من القول مما لا يستغني الناظر عنه.
٥ - واحتج بالحديث على تحريم بيع الأعمى، لأنَّ المعنى الذي من أجله حرمت المنابذة والملامسة وهي عدم الرؤية للمبيع موجودة في الأعمى.
قُلْتُ: والصحيح جواز بيع وشراء الأعمى إذا أمكنه العلم بذلك وذلك عن طريق سائر الحواس غير النظر، كالذوق إذا كان من الطعام، أو بالمس إذا كان مما يعرف بذلك كالثياب مثلًا، أو بالشم إذا كان مما يدرك بذلك كالطيب مثلًا، أو بالسمع إذا كان مما يتميز بصوته، ويدخل في ذلك أيضًا الوصف.
والقول بأنَّ بيع المنابذة والملامسة نهي عنهما من أجل عدم الرؤية ليس بصحيح، وإنَّما من أجل الجهالة، فإذا انتفت جاز البيع، وهي قد تنتفي بغير الرؤية كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٨٨):
[ ٨ / ٣٧ ]
«فصل: فأمَّا بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع، بالذوق إن كان مطعومًا، أو بالشم إن كان مشمومًا، صح بيعه وشراؤه. وإن لم يمكن، جاز بيعه، كالبصير، وله خيار الخلف في الصفة.
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأثبت أبو حنيفة له الخيار، إلى معرفته بالمبيع، إمَّا بحسه أو ذوقه أو وصفه، وقال عبيد الله بن الحسن شراؤه جائز، وإذا أمر إنسانًا بالنظر إليه، لزمه.
وقال الشافعي لا يجوز إلَّا على الوجه الذي يجوز فيه بيع المجهول، أو يكون قد رآه بصيرًا، ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير المبيع فيه؛ لأنَّه مجهول الصفة عند العاقد، فلم يصح كبيع البيض في الدجاج، والنوى في التمر.
ولنا، أنَّه يمكن الاطلاع على المقصود ومعرفته، فأشبه بيع البصير، ولأنَّ إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه، فكذلك شم الأعمى وذوقه، وأما البيض والنوى، فلا يمكن الاطلاع عليه، ولا وصفه، بخلاف مسألتنا» اهـ.
* * *
[ ٨ / ٣٨ ]
٢٥١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«لا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، وَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». وَفِي لَفْظٍ: «هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثًَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن تلقي الركبان. وهم الجالبون للطعام إلى البلد، وذكر الركوب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فلو كانوا مشاةً نهي أيضًا عن تلقيهم، والمراد بالنهي عن تلقيهم أي للشراء منهم قبل وصولهم السوق.
قُلْتُ: والنهي عن ذلك هو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك بعض العلماء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٦/ ٤٧٥):
«وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به وإن كان يضر بأهلها فهو مكروه.
وقال الأوزاعي: إذا كان الناس من ذلك شباعًا فلا بأس به وإن كانوا محتاجين فلا يقربوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق» اهـ.
[ ٨ / ٣٩ ]
قُلْتُ: وليس في الحديث بيان متى ينتهي النهي عن التلقي، والظاهر أنَّه ينتهي عند زوال العلة التي من أجلها نهي عن التلقي، وذلك بدخول السوق إذا وجد في البلد، أو دخول البلد إذا لم يكن في البلد سوق.
وقد روى البخاري (٢١٦٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ».
قُلْتُ: وليس في الحديث ذكر مبدأ التلقي المنهي عنه، والمعنى يقتضي النهي عن ذلك مطلقًا يشمل ما قرب، وما بعد حتى يصلوا إلى الموضع الذي أرادوا البيع فيه في البلد، كالسوق ونحوه.
وتنازع العلماء في سبب النهي هل المراد به نفع أصحاب السلع، أم نفع أهل السوق؟.
فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، إلى الأول، وذهب مالك إلى الآخر.
والذي يظهر لي أنَّ النهي من أجل أصحاب السلع، ويدل على ذلك إثبات الخيار لهم إذا أتوا السوق، وذلك فيما رواه مسلم (١٥١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٤):
[ ٨ / ٤٠ ]
«وجعل النَّبي ﷺ الخيار له يدل على أنَّ النهي عن تلقي الركبان لحقه، لا لحق غيره» اهـ.
قُلْتُ: وبناءً على هذا فلو كان أصحاب السلع عالمين بسعر السوق في البلد فلا بأس بتلقيهم لانتفاء المحذور. والله أعلم.
٢ - وظاهر النهي عن التلقي أنَّه في حق المتعمد، أمَّا غير المتعمد فلا ذكر له والمعنى يقتضي التسوية بينهما، لما في ذلك من الإضرار بهم إذا اشترى منهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٧):
«فصل: فإن خرج لغير قصد التلقي، فلقي ركبًا، فقال القاضي: ليس له الابتياع منهم، ولا الشراء.
وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي.
ويحتمل أن لا يحرم عليه ذلك. وهو قول الليث بن سعد. والوجه الثاني لأصحاب الشافعي؛ لأنَّه لم يقصد التلقي، فلم يتناوله النهي ووجه الأول، أنَّه إنَّما نهى عن التلقي دفعًا للخديعة والغبن عنهم، وهذا متحقق، سواء قصد التلقي، أو لم يقصده، فوجب المنع منه، كما لو قصد» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الراجح. والله أعلم.
٣ - ومفهومه أنَّه إذا لم يحصل التلقي، وإنَّما ابتدأ الجالب بطلب البيع أنَّه يجوز ذلك.
[ ٨ / ٤١ ]
٤ - وظاهر النهي يقتضي فساد هذا البيع الذي حصل فيه التلقي، وهي رواية عن أحمد، والأكثر على الصحة، وهو الصحيح لإثبات النَّبي ﷺ الخيار لأصحاب السلع، وإثبات الخيار فرع عن صحة البيع.
٥ - واحتج به على شمول النهي أيضًا لمن تلقاهم من أجل أن يبيع لهم، ولما في ذلك من الغبن لهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٦):
«فصل: فإن تلقى الركبان، فباعهم شيئًا، فهو بمنزلة الشراء منهم، ولهم الخيار إذا غبنهم غبنًا يخرج عن العادة. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. وقالوا في الآخر: النهي عن الشراء دون البيع، فلا يدخل البيع فيه.
وهذا مقتضى قول أصحاب مالك؛ لأنَّهم عللوا ذلك بما ذكرنا عنهم، ولا يتحقق ذلك في البيع لهم.
ولنا، قول النبي ﷺ: "لا تلقوا الركبان". والبائع داخل في هذا.
ولأنَّ النهي عنه لما فيه من خديعتهم وغبنهم، وهذا في البيع كهو في الشراء، والحديث قد جاء مطلقًا، ولو كان مختصًا بالشراء لألحق به ما في معناه، وهذا في معناه» اهـ.
قُلْتُ: هذا كلام سديد. والله أعلم.
[ ٨ / ٤٢ ]
٦ - وظاهر النهي عن تلقي الركبان يشمل من تلقاهم من أجل القوت أو التجارة وحكى ابن حزم عن مالك أنَّه لا يجوز فعله للتجارة ولا بأس به لابتياع القوت من الطعام والأضحية.
لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٣١٩):
«وقال ابن وهب سمعنا مالكًا وسئل عن الرجل يخرج في الأضحى إلى مثل الإسطبل وهو نحو من ميل يشتري ضحايا وهو موضع فيه الغنم والناس يخرجون إليهم يشترون منهم هناك فقال مالك لا يعجبني ذلك وقد نهى عن تلقي السلع فلا أرى أن يشتري شيء منها حتى يهبط بها إلى الأسواق قال مالك والضحايا أفضل ما احتيط فيه لأنَّها نسك يتقرب به إلى الله تعالى فلا أرى ذلك» اهـ.
٧ - نهي المسلم أن يبيع على بيع أخيه. ولا يجوز ذلك أيضًا في السوم كما يدل عليه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلْأَعْرَابِيِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ». رواه البخاري (٢٧٢٧)، ومسلم (١٤١٣).
وروى مسلم (١٤٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى
[ ٨ / ٤٣ ]
عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللهُ لَهَا».
قُلْتُ: وإنَّما ينهى عنه في السوم إذا حصل الرضا من جهة البائع تصريحًا أو تلميحًا، وأمَّا إذا لم يحصل الرضا فلا محذور في ذلك.
وإذا لم يعلم الرضا ولا عدمه فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩٥): «الثالث، أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا على عدمه، فلا يجوز له السوم أيضًا، ولا الزيادة؛ استدلالًا بحديث فاطمة بنت قيس، حين ذكرت للنَّبي ﷺ أنَّ معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه، فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر» اهـ.
قُلْتُ: حديث فاطمة بنت قيس رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي
[ ٨ / ٤٤ ]
أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
٨ - ويدخل في ذلك الشراء على شراء أخيه، فإنَّ الشراء داخل في مسمى البيع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٩٨):
«أمَّا البيع على بيع أخيه فمثاله أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه. ونحو ذلك، وهذا حرام.
يحرم أيضًا الشراء على شراء أخيه وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن ونحو هذا» اهـ.
قُلْتُ: وتدخل أيضًا الإجارة في ذلك لأنَّها من جملة البيع فهي بيع للمنافع.
٩ - وظاهر النهي اختصاصه بالمسلم دون الكافر. وأصرح منها ما رواه مسلم (١٤١٣، ١٥١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ».
وبه قال الأوزاعي ورواية عن أحمد، وذهب الجمهور إلى تحريم ذلك مطلقًا، وقالوا ذكر الأخ ونظيره المسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٣١٩):
[ ٨ / ٤٥ ]
«وقال سائر العلماء لا يجوز ذلك والحجة لهم أنَّه كما دخل الذمي في النهي عن النجش وفي ربح ما لم يضمن ونحوه كذلك يدخل في هذا، وقد يقال هذا طريق المسلمين ولا يمنع ذلك أن يدخل فيه ويسلكه أهل الذمة. وقد أجمعوا على كراهية سوم الذمي على الذمي فدل على أنَّهم مرادون والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣١):
«وهذا يدل على أنَّ هذا حق للمسلم على المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خطبته، وهو قول الأوزاعي وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أنَّ النهي عام في حق المسلم والكافر» اهـ.
قُلْتُ: ويقوى المنع في حق الذمي والمعاهد ما في ذلك من الأذية والظلم وذلك مما لا يجوز فعله في حق الذمي والمعاهد. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٠١ - ٢٠٢):
«والقول الثاني في المسألة: أنَّه يحرم البيع على بيع المعصوم، سواء كان مسلمًا أو كافرًا أو ذميًّا؛ لأنَّ العدوان على الكافر الذمي حرام لا يحل؛ إذ أنَّه معصوم الدم والعِرض والمال، وتقييد النبي ﷺ ذلك بالأخ بناءً على الأغلب، أو من أجل العطف على أخيك، وعدم التعرض له، وهذا القول أقرب للعدل» اهـ.
١٠ - وظاهر النهي تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، وهو الصحيح.
[ ٨ / ٤٦ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣١):
«واختلفوا: هل النهي للتحريم، أو للتنزيه، فمن أصحابنا من قال: هو للتنزيه دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنَّه للتحريم» اهـ.
١١ - وظاهر النهي عن البيع والشراء على بيع أخيه وشراه أنَّه غير مختص بزمن الخيار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٤٨):
«وهاتان الصورتان إنَّما تتصوران فيما إذا كان البيع في حالة الجواز وقبل اللزوم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (١/ ٣٣٢):
«ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكون قد باع منه شيئًا، فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها، ويفسخ بيع الأول. وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار، بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه، أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه اختلاف بين العلماء، قد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنَّه عام في الحالين، وهو قول طائفة من أصحابنا. ومنهم من خصه بما إذا كان ذلك في مدة الخيار، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيش، ومنصوص الشافعي، والأول أظهر، لأنَّ المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار فإنَّه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها، فإنَّه يتسبب في ردها عليه
[ ٨ / ٤٧ ]
بأنواع من الطرق المقتضية لضرره، ولو بالإلحاح عليه في المسألة، وما أدى إلى ضرر المسلم، كان محرمًا، والله أعلم» اهـ.
١٢ - وظاهر النهي عن بيع الشخص على بيع أخيه فساد هذا البيع، وصححه الشافعي وأبو حنيفة.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٥٤):
«لو ارتكب المنهي في هذا وعقد فهو آثم بذلك والبيع صحيح لعدم اختلال الأركان والشروط والنهي عن سبب ذلك لأذى غيره ولا يرجع ذلك إلى العقد وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور وقال داود وابن حزم الظاهريان: لا ينعقد؛ وعن مالك روايتان كالمذهبين وجزم ابن خويز منداد وابن عبد البر عن مالك بالبطلان.
وأنكر ابن الماجشون أن يكون مالك قاله في البيع. وقال: إنَّما قاله في الخطبة وهما وجهان عند الحنابلة» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر النهي فساد ذلك. والله أعلم.
١٣ - واحتج به من منع من البيع فيمن يزيد.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٥٤):
«وأمَّا السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد فليس بحرام.
وقال مالك والشافعي والجمهور بجواز البيع والشراء فيمن يزيد وكرهه بعض السلف ونقل ابن عبد البر الإجماع على الجواز» اهـ.
[ ٨ / ٤٨ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩٥): «وهذا أيضًا إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة» اهـ.
وروى ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٧٠)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٨٢٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٦٦٩) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكِيمِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شَهْرٌ كَانَ تَاجِرًا وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ، فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ إِلَّا الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وعمر بن مالك وثقه أحمد بن صالح المصري.
قُلْتُ: وهو في مسند أحمد (٥٣٩٨) مِنْ طَرِيْقِ الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر به.
ورواه الدارقطني (٢٨٢٦) ثنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِمْلَاءً مِنْ حِفْظِهِ، نا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ أَبُو يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَلَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِلَّا الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ».
[ ٨ / ٤٩ ]
قُلْتُ: هذا الحديث صريح في نهي النبي ﷺ عن بيع المزايدة، لكن المحفوظ في الحديث هو ما روى الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة. وكما روى ذلك أيضًا عمر بن مالك عن عبيد الله بن أبي جعفر.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٢٥):
«رواية الدارقطني استثناء الغنائم والمواريث ومقتضاها جواز البيع على البيع فيهما خاصة، وحكى الترمذي في "جامعه" عن أهل العلم أنَّهم لم يروا بأسًا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الباب واحد والمعنى مشترك لا يختص به غنيمة ولا ميراث.
وقال والدي ﵀ في شرح الترمذي، وإنَّما قيد ذلك بالغنيمة والميراث تبعًا للحديث الوارد في ذلك فأورد هذا الحديث ثم قال: والظاهر أنَّ الحديث خرج على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة وهي الغنائم والمواريث فإن وقع البيع في غيرهما مزايدة فالمعنى واحد كما قال ابن العربي والله أعلم.
قُلْتُ: وقد يكون الميراث لواحد أو لجماعة ويتفقون على بيعه لشخص بثمن معين من غير طلب زيادة فلا تجوز الزيادة حينئذ وكذلك في الغنيمة فظهر أنَّ هذا الاستثناء لا يصح التمسك به في جميع الصور لا عكسًا ولا طردًا، وإنَّما خرج على الغالب كما تقدم والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٤):
[ ٨ / ٥٠ ]
«وكأنَّه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة وهي الغنائم والمواريث ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك في الحكم وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث وعن إبراهيم النخعي أنَّه كره بيع من يزيد» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي صواب ما ذكره هؤلاء العلماء من كون الاستثناء خرج مخرج الغالب إذ لا معنى يقتضي تخصيص ما ذكر في الحكم دون غيره.
وحديث ابن عمر هذا يدل على أنَّه يرى أنَّ بيع المزايدة داخل في بيع الرجل على بيع أخيه لكنه مستثنى من النهي.
وجاء في البيع فيمن يزيد حديث لا يثبت، وهو ما رواه أحمد (١٢١٥٥)، وأبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، وابن ماجة (٢١٩٨) مِنْ طَرِيْقِ الْأَخْضَرِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا عِنْدَكَ شَيْءٌ؟» فَأَتَاهُ بِحِلْسٍ وَقَدَحٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟» فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. قَالَ: «هُمَا لَكَ» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثٍ: ذِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ».
[ ٨ / ٥١ ]
قُلْتُ: فيه أبو بكر الحنفي قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال ابن القطان الفاسي: عدالته لم تثبت، فحاله مجهولة.
١٤ - وفيه النهي عن التناجش، والتناجش أصله في اللغة الاستثارة والاستخراج، وسمي الصائد ناجشًا لأنَّه يستثير الصيد، وقيل: أصل النجش المدح والإطراء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٩):
«وقوله: "ولا تناجشوا"؛ أصل النجش: الاستثارة والاستخراج. ومنه سُمي الصَّائد: ناجشًا لاستخراجه الصيد من مكانه. والمرادُ به في الحديث: النهي عن أن يزيد في ثمن السلعة ليغرَّ غيره، وكأنَّه استخرج منه في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه. فإذا وقع؛ فمن رآه لحق الله تعالى فسخ. ومن رآه لحق المشتري خيره، فإمَّا رضي، وإمَّا فسخ.
قال أبو عبيد الهروي: قال أبو بكر: أصل النَّجش: مدح الشيء وإطراؤه. فالنَّاجش يغرُّ المشتري بمدحه ليزيد في الثمن.
والمراد به شرعًا أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وفيه مناسبة مع المعنى اللغوي، وذلك أنَّه يثير الغير في السلعة عند رفعه لثمنها» اهـ.
فائدة/ قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٣):
«وقوله هنا: "ولا تناجشوا". ذكره بصيغة التفاعل لأنَّ التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك كان بصدد أن يفعل له مثله» اهـ.
١٥ - واستدل به على فساد البيع الذي يحصل فيه النجش.
[ ٨ / ٥٢ ]
قُلْتُ: لا يظهر لي صحة القول بفساد البيع الذي حصل فيه النجش، والذي يظهر لي هو صحة البيع مع ثبوت الخيار للمشتري إن حصل الغبن الفاحش كالتصرية وتلقي الركبان.
وغاية ما في الحديث النهي عن النجش في البيع، لا عن البيع الذي حصل فيه النجش، ولو كان النهي واردًا في هذا لحكمنا بفساده؛ لأنَّ الأصل في النهي الفساد، لكنه لم يرد في هذا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨):
«وأجمعوا أنَّ فاعل ذلك عاص بفعله. واختلفوا في البيع على هذا إذا صح.
فقال مالك: لا يجوز النجش في البيع فمن اشترى سلعة منجوشة فهو بالخيار إذا علم وهو عيب من العيوب.
قال أبو عمر: الحجة في هذا لمالك ومن تابعه أنَّ النَّبي نهى عن التصرية والتحصيل في الشاة والبقرة والناقة ثم جعل المشتري بالخيار إذا علم بأنَّها كانت محفلة ولم يقض بفساد البيع.
ومعلوم أنَّ التصرية غش وخديعة فكذلك النجش يصح فيه البيع ويكون المبتاع بالخيار من أجل ذلك قياسًا ونظرًا والله أعلم.
[ ٨ / ٥٣ ]
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: بيع النجش مكروه والبيع لازم ولا خيار للمبتاع في ذلك لأنَّه ليس بعيب في نفس المبيع وإنَّما هي خديعة في الثمن وقد كان على المشتري أن يتحفظ ويحضر من يميز إن لم يكن يميز.
وقالت طائفة من أهل الحديث وأهل الظاهر: البيع في النجش مفسوخ مردود على بائعه لأنَّه طابق النهي ففسد.
وقال ابن حبيب: من فعل ذلك جاهلًا أو مختارًا فسد البيع إن أدرك قبل أن يفوت إلَّا أن يحب المشتري التمسك بالسلعة بذلك الثمن فإن فاتت في يده كانت عليه بالقيمة، هذا إذا كان البائع هو الناجش ولو كان بأمره وإذنه أو بسببه وإن لم يكن شيء من ذلك وكان أجنبيًا لا يعرف فلا شيء على البائع وأمَّا البيع فهو صحيح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩١):
«فإن اشترى مع النجش، فالشراء صحيح، في قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنَّ البيع باطل. اختاره أبو بكر وهو قول مالك؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد.
ولنا، أنَّ النهي عاد إلى الناجش، لا إلى العاقد، فلم يؤثر في البيع.
ولأنَّ النهي لحق الآدمي، فلم يفسد العقد، كتلقي الركبان، وبيع المعيب، والمدلس، وفارق ما كان لحق الله تعالى؛ لأنَّ حق الآدمي يمكن جبره بالخيار، أو
[ ٨ / ٥٤ ]
زيادة في الثمن، لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فللمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء، كما في تلقي الركبان، وإن كان يتغابن بمثله، فلا خيار له.
وسواء كان النجش بمواطأة من البائع، أو لم يكن» اهـ.
قُلْتُ: وما نقله عن مالك خلاف ما نقله الحافظ ابن عبد البر عنه، والأظهر صحة ما نقله ابن عبد البر.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٨٥):
«فالمشتري مع النجش إن شاء رد المبيع فحصل بهذا مقصوده. وإن شاء رضي به إذا علم بالنجش. فأمَّا كونه فاسدًا مردودًا وإن رضي به: فهذا لا وجه له» اهـ.
قُلْتُ: وإذا بلغ الناجش بالسلعة إلى قيمتها فالأظهر أنَّه لا يحرم عليه ذلك لأنَّه لم يغبن المشتري بفعله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٥/ ٨٢):
«وَلِابْنِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي عِنْدِي، إنْ بَلَّغَهَا بِهِ النَّاجِشُ قِيمَتَهَا وَرَفَعَ الْغَبْنَ عَنْ صَاحِبِهَا فَهُوَ مَأْجُورٌ وَلَا خِيَارَ لِمُبْتَاعِهَا» اهـ.
١٦ - وفيه النهي أن يبيع حاضر لباد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٩٨):
«والبادي هاهنا، من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء كان بدويًا، أو من قرية، أو بلدة أخرى» اهـ.
[ ٨ / ٥٥ ]
قُلْتُ: والعلة في النهي مبينة فيما رواه مسلم (١٥٢٢) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤/ ١١):
«فعلمنا بذلك أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ إنَّما نهى الحاضر أن يبيع للبادي؛ لأنَّ الحاضر يعلم أسعار الأسواق فيستقصي على الحاضرين، فلا يكون لهم في ذلك ربح، وإذا باعهم الأعرابي على غرته وجهله بأسعار الأسواق ربح عليه الحاضرون. فأمر النبي ﷺ أن يخلى بين الحاضرين وبين الأعراب في البيوع، ومنع الحاضرين أن يدخلوا عليهم في ذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمل ذلك الإمام البخاري على ما كان بأجرة، وأمَّا ما كان بغير أجره فرأى ذلك داخل في النصيحة، فقال ﵀: «باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعينه، أو ينصحه.
وقال النبي ﷺ: "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له". ورخص فيه عطاء» اهـ.
قُلْتُ: ويشهد لهذا القول ما رواه أحمد (١٨٣٠٨) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «دَعُوا النَّاسَ، فَلْيُصِبْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا اسْتَنْصَحَ رَجُلٌ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ».
[ ٨ / ٥٦ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، وعطاء وإن كان اختلط، فقد رواه عنه حماد كما في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٦٤٣٨) لأبي نعيم، وحماد هذا إن كان هو ابن زيد فروايته عنه قبل الاختلاط، كما ذكر ذلك يحيى بن سعيد القطان، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم، وإن كان حماد هو ابن سلمة فقد قَالَ ابْنُ الْكَيَّالِ ﵀ فِي [الْكَوَاكِبِ النَّيِّراتِ] (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦):
«وقد استثنى الجمهور رواية حماد بن سلمة عنه أيضًا قاله ابن معين وأبو داود والطحاوي وحمزة الكناني وذكر ذلك عن ابن معين ابن عدي في" الكامل"، وعباس الدوري وأبي بكر بن أبي خيثمة.
وقال الطحاوي: وإنَّما حديث عطاء الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من أربعة لا من سواهم وهم شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وحماد بن زيد.
وقال حمزة بن محمد الكناني في "أماليه": حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء.
وقال عبد الحق في "الإحكام" أنَّ حماد بن سلمة سمع منه بعد الاختلاط كما قاله العقيلي.
قال الأبناسي: وقد تعقب الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن المواق كلام عبد الحق يعني الذي ذكرناه وقال: لا نعلم من قاله غير العقيلي، وقد غلط من قال أنَّه قدم في آخر عمره إلى البصرة وإنَّما قدم عليهم مرتين فمن سمع منه في القدمة الأولى صح حديثه منه. واستثنى أبو داود أيضًا هشامًا الدستوائي فقال:
[ ٨ / ٥٧ ]
وقال: غير أحمد قدم عطاء البصرة قدمتين سمع في القدمة الأولى منه الحمادان وهشام، والقدمة والثانية كان تغير فيها سمع منه وهيب وإسماعيل بن عليه وعبد الوارث فسماعهم منه ضعيف» اهـ.
قُلْتُ: وممن ذهب إلى أنَّ سماع حماد بن سلمة كان قديمًا ابن الجارود، ويعقوب بن سفيان الفسوي، والدارقطني.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٣٢٤)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٦٠٢١) مِنْ طَرِيْقِ حماد بن زيد عن عطاء به.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٣٢٥) مِنْ طَرِيْقِ حماد بن سلمه عن عطاء به.
قُلْتُ: بقى أنَّ حكيم بن أبي يزيد هذا مجهول لم يوثقه معتبر، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات". فهو علة الحديث.
والأمر بالنصيحة لمن طلبها أصله في مسلم (٢١٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
قُلْتُ: إذا استنصح البادي الحاضر في قيمة السلعة فعليه أن ينصح له عملًا بهذا الحديث، وأمَّا أن يتولى البيع له فلا، سواء كان بأجرة أو بغير أجرة للنهي عن ذلك. والله أعلم.
[ ٨ / ٥٨ ]
وقد ذهب جمهور العلماء إلى المنع من بيع الحاضر للباد عملًا بهذا الحديث، وأجاز ذلك أبو حنيفة وغيره تمسكًا بأدلة النصيحة في الدين.
واشترط علماء الشافعية والحنابلة أربعة شروط في حرمة ذلك وهي:
الشرط الأول: أن يكون الحاضر قصد البادي؛ ليتولى البيع له، فأمَّا إذا أتى البادي إلى الحاضر وطلب منه ذلك فقالوا: لا يحرم عليه ذلك. وسيأتي نقد العلامة ابن دقيق العيد لهذا الشرط.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِرِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ] (٤/ ٤٢٥):
«واستدل العلماء رحمهم الله تعالى بالعلة على أنَّه إذا جاء البادي إلى الحاضر وقال: يا فلان بع هذه السلعة لي فإنَّه لا بأس بذلك لأنَّ البادي الآن يعلم أنَّه إذا باعه الحضري فهو غالبًا أكثر ثمنًا ولا يهمه أن يبقى يومًا أو يومين من أجل أن يأخذ الثمن، ولكن ظاهر الحديث العموم وأنَّ الحاضر لا يبيع للبادي وأنَّه إذا جاء إليه قال يا فلان خذ سلعتي بعها يقول: لا، بعها أنت» اهـ.
قُلْتُ: ووجه ذلك أنَّ المفسدة من بيع الحاضر للبادي حاصلة فيما إذا طلب الحاضر أن يبيع للبادي، أو كان الطلب من جهة البادي على حد سواء، فإنَّ العلة في ذلك أنَّ الحاضر سوف يستقصي في السعر لمعرفته بأسعار البلد، وهذه العلة موجودة في الصورتين على حدٍ سواء.
[ ٨ / ٥٩ ]
لكن من اشترط هذا الشرط فقد فرق بين المسألتين بفرق آخر، وهو أنَّ التضييق حصل من البادي لا من الحاضر فأشبه ما لو امتنع هو من بيعها إلَّا بسعر غال. فالمنهي من ذلك أن يسعى الحاضر في التضييق على أهل البلد، فأمَّا إذا كان الاستقصاء في السعر من جهة البادي فهو الطالب لذلك فلا محذور حينئذ من بيع الحاضر له. ولهذا القول حظ من النظر، ولا سيما وقد تكون البضاعة كثيرة يشق على البادي أن يتولى بيعها بمفرده.
الشرط الثاني: أن يكون البادي جاهلًا بالسعر، فإذا كان البادي عارفًا بالسعر، لم يحرم.
قُلْتُ: وهذا الشرط من الشروط المعتبرة فيما يظهر لي، وذلك أنَّه إذا كان عالمًا بسعر البلد فلا فرق بينه في ذلك وبين أهل البلد، فيستوي الحال حينئذ فيما إذا باع بنفسه، أو وكل رجلًا من أهل البلد بالبيع، لأنَّ الظاهر أنَّه لا يبيعها إلَّا بسعرها. والله أعلم.
الشرط الثالث: أن يكون قد جلب السلع للبيع. فأمَّا إن جاء بها ليأكلها أو يخزنها أو يهديها فليس في بيع الحاضر له تضييق، بل فيه توسعة.
الشرط الرابع: أن يكون البادي مريدًا لبيعها بسعر يومها. فأمَّا إن أحضرها وفي نفسه أن لا يبيعها رخيصة بل يتربص بها حتى يبيعها بالسعر المرتفع فليس في بيع الحاضر للبادي من تضييق على الناس، بل التضييق جاء من جهة البادي.
قُلْتُ: وهذه الشروط الأربعة لها حظ من النظر.
[ ٨ / ٦٠ ]
وأضاف بعض الحنابلة شرطًا خامسًا وهو: أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه، وضيق في تأخير بيعه.
قُلْتُ: وقد أشار إلى هذا الشرط شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٧٥): «وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري» اهـ.
وَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٩٢):
«والبيع والشراء في الأصل جائزان غير واجبين؛ لكن لحاجة الناس يجب البيع تارة ويحرم الشراء أخرى. هذا في نفس العقد. وأمَّا في مقدار الثمن فنهيه ﷺ عن أن يبيع حاضر لباد لما فيه من إضرار المشتري إذا توكل الحاضر للقادم بسلعته في البيع مع حاجة الناس إليها» اهـ.
وَقَالَ تِلْمِيْذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (٣٥٤):
«وهذا النهي لما فيه من ضرر المشتري فإنَّ المقيم إذا وكله القادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر أضر ذلك بالمشتري كما أنَّ النهي عن تلقي الجلب لما فيه من الإضرار بالبائعين» اهـ.
[ ٨ / ٦١ ]
قُلْتُ: ومن اشترط هذا الشرط فقد نظر إلى المعنى الذي من أجله ورد الحديث، وهو رفع الضرر عن المشترين، وهذا إنَّما يكون فيما يحتاجه الناس فإنَّه لا ضرر عليهم فيما لا يحتاجون إليه غالبًا.
وقد نقد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِرِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ] (٤/ ٤٢٥): «واستنبط بعض العلماء من العلة أنَّه لابد أن تكون السلعة هذه للناس بها حاجة يعني مما تتعلق به حوائج الناس وأمَّا الشيء الذي لا يحتاجه الناس إلَّا نادرًا فلا باس، لكن هذا الاستنباط ضعيف. والصواب أنَّه لا فرق بين السلعة التي يحتاجها الناس والسلعة التي لا يحتاجونها إلَّا نادرًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد قرر الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ مذهب الإمام مالك ﵀ في ذلك فقال في [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٠):
«وحمله مالك على أهل العمود من بعد منهم عن الحضر، ولا يعرف الأسعار، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء. وإنَّما قيده مالك بهذه القيود نظرًا إلى المعنى المستفاد من قوله ﷺ: "دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وذلك: أنَّ مقصوده أن يرتفق أهل الحاضرة بأهل البادية، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا. وهذا لا يحصل إلَّا بمجموع تلك القيود.
وبيانه: أنَّهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى، وغالبهم يعرف الأسعار. وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم. فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم. وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار
[ ٨ / ٦٢ ]
يقصدون الأرباح، فلا يحال بينهم وبينها. فلهم التوصل إليها بالسَّماسرة وغيرهم، وأمَّا أهل العمود، والموصوفون بالقيود المذكورة: فإن باع لهم السماسرة وغيرهم ضروا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان، فيما أصله على أهل البادية بغير ثمن، فقصد الشرع أن يباشروا بيع سلعهم بأنفسهم ليرتفق أهل الحاضرة بالرخص فيما لا ضرر على أهل البادية فيه. وأعرض الشرع عمَّا يلحق أهل البادية في ذلك دفعًا لأشد الضررين، وترجيحًا لأعظم المصلحتين» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٤٩):
«اعلم أنَّ أكثر هذه الأحكام: قد تدور بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ ولكن ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء فحيث يظهر ظهورًا كثيرًا فلا بأس باتباعه وتخصيص النص به أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى ولا يظهر ظهورًا قويًا فاتباع اللفظ أولى، فأمَّا ما ذكر من اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك: فلا يقوي لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه فإنَّ الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البدوي وعدمه ظاهرًا.
وأمَّا اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه: فمتوسط في الظهور وعدمه لاحتمال أن يراعي مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله ﷺ: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
[ ٨ / ٦٣ ]
وأمَّا اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعر في البلد فكذلك أيضًا أي إنَّه متوسط في الظهور لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد.
وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه كشرطنا العلم بالنهي ولا إشكال فيه ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى فيخرج على قاعدة أصولية وهي أنَّ النص إذا استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص هل يصح أولا؟ ويظهر لك هذا باعتبار بعض ما ذكرناه من الشروط» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّه إذا عين البادي السعر للحاضر، فلا بأس أن يبيعها له، لعدم المحذور في ذلك. والله أعلم.
١٧ - واحتج به على النهي عن شراء الحاضر للباد.
ووجه ذلك أنَّ البيع يطلق أيضًا على الشراء. وإلى هذا ذهب الإمام البخاري ﵀ حيث قال في "صحيحه": «باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة. وكرهه ابن سيرين وإبراهيم للبائع والمشتري.
وقال إبراهيم: إنَّ العرب تقول بع لي ثوبًا وهي تعني الشراء» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على صحة ذلك ما رواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠١٢)
حَدَّثَنَا الدَّنْدَانِيُّ، قثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، قثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ يُقَالَ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَلَقِيتُ أَنَسَ
[ ٨ / ٦٤ ]
بْنَ مَالِكٍ فَقُلْتُ: نُهِيتُمْ أَنْ تَبِيعُونَ لَهُمْ أَوْ تَبْتَاعُوا لَهُمْ، قَالَ: «نُهِينَا أَنْ نَبِيعَ لَهُمْ، وَأَنْ نَبْتَاعَ لَهُمْ».
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَصَدَقَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، والدنداني هو موسى بن سعيد.
ورواه أبو داود (٣٤٤٠) سَمِعْت حَفْصَ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ يُقَالُ: لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَا يَبِيعُ لَهُ شَيْئًا، وَلَا يَبْتَاعُ لَهُ شَيْئًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ أيضًا، وهو صحيح بهذين الوجهين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢٨٨):
«وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إنَّ النهى إنَّما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ، روي ذلك عن الحسن البصري. واختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال: لا يشترى له ولا يشير عليه، ومرة أجاز الشراء له. وبهذا قال الليث والشافعي» اهـ.
وممن أجازه أيضًا الإمام أحمد ﵀ كما في [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٠٠).
قُلْتُ: والصحيح المنع لما سبق. والله أعلم.
[ ٨ / ٦٥ ]
١٨ - وفيه النهي عن تصرية الغنم، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، وأصل التصرية جمع الماء في الحوض، والمراد به هاهنا جمع اللبن في ضرع البهيمة من أجل إيهام المشتري أنَّها كثيرة اللبن.
١٩ - وفيه إثبات الخيار لمشتري المصرَّاة، وبه قال أكثر العلماء خلافًا لأبي حنيفة. فقد قال لا يردها بعد أن يحلبها، وإنَّما يرجع بنقصان العيب.
٢٠ - وأخذ بعمومه بعض الشافعية فقالوا: للمشتري الخيار سواء علم بالتصرية قبل الشراء أو لا.
قُلْتُ: وهذا قول ضعيف، وهو جمود على الظاهر دون نظر للمعنى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٤ - ٢٤٥):
«وقال أصحاب الشافعي: يثبت له الخيار في وجه؛ للخبر، ولأنَّ انقطاع اللبن لم يوجد، وقد يبقى على حاله، فلم يجعل ذلك رضى، كما لو تزوجت عنينًا، ثم طلبت الفسخ.
ولنا، أنَّه اشتراها عالمًا بالتدليس، فلم يكن له خيار، كما لو اشترى من سود شعرها عالمًا بذلك، ولأنَّه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد، كما لو اشترى معيبًا يعلم عيبه، وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد، لا يعلق عليه حكم، والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع» اهـ.
٢١ - وفيه أنَّ المشتري إذا رد المصرَّاة لزمه أن يرد معها صاعًا من تمر.
[ ٨ / ٦٦ ]
وبه قال الشافعي، وأحمد وغيرهما، وذهب مالك، وبعض الشافعية، والحنابلة، إلى أنَّ الواجب صاع من غالب قوت البلد.
واحتجوا بما رواه مسلم (١٥٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٤):
«ووصفه بقوله: "لا سَمْرَاءَ" رفعًا للحرج في تكلُّف السمراء؛ لقلَّتها عندهم» اهـ.
ووجهه بعض العلماء بخلاف ذلك فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٦): «وفي لفظ له: "طعامًا لا سَمْرَاءَ" يعني لا يرد قمحًا» اهـ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٨٥):
«قوله في أحد لفظي رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة: "وصاعًا من تمر لا سَمْرَاءَ". تنصيص على أنَّ السمراء وهي القمح لا تجزئ في هذا، وإنَّما نص عليه دون غيره لفهم غيره مِنْ طَرِيْقِ الأولى فإنَّه أغلى الأقوات، وأنفسها فإذا لم يجزئ فغيره أولى بذلك» اهـ.
أقول: رواية مسلم مِنْ طَرِيْقِ قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به.
ورواه أبو داود (٣٤٤٦) مِنْ طَرِيْقِ حماد عن أيوب، هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد عن ابن سيرين كرواية قرة.
[ ٨ / ٦٧ ]
وحماد هو ابن سلمة كما صرح به الدارقطني (٣٠٧٠).
قُلْتُ: رواية حبيب ابن الشهيد جاءت عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠٢٢) مِنْ طَرِيْقِ يونس بن محمد، قال: حدثنا حماد، عن حبيب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به بذكر التمر.
ورواه الدارمي (٢٥٥٣) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن زريع عن هشام به بذكر الطعام.
رواه مسلم (١٥٢٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ».
ورواه ابن ماجة (٢٢٣٩) مِنْ طَرِيْقِ أبي أسامة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وذكر في حديثه التمر.
وهو عند أحمد (١٠٥٩٤) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن هارون، ومحمد بن جعفر غندر عن هشام به.
وهكذا رواه أبو يعلى (٦٠٦٥) مِنْ طَرِيْقِ إسماعيل بن علية عن هشام به.
وهكذا رواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠٢٦) مِنْ طَرِيْقِ النضر بن شميل عن هشام به.
ورواه ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٦٦) مِنْ طَرِيْقِ وهب بن جرير عن هشام به.
ورواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٩٩٥) مِنْ طَرِيْقِ أبي جعفر الرازي عن هشام به.
[ ٨ / ٦٨ ]
ورواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠٢٧) مِنْ طَرِيْقِ يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة بذكر التمر.
ورواه تمام في [فَوَائِدِهِ] (١٤٢٦) مِنْ طَرِيْقِ الأوزاعي عن ابن سيرين بذكر التمر.
قُلْتُ: وتلخص من هذا أنَّ أكثر من روى عن هشام بن حسان بذكر التمر، وهم أبو أسامة، ويزيد بن هارون، ومحمد بن جعفر غندر، وإسماعيل بن علية، والنضر بن شميل، ووهب بن جرير، وأبو جعفر الرازي، وخالفهم حماد بن سلمة، ويزيد بن زريع فذكرا عنه الطعام.
وهكذا أكثر من روى عن ابن سيرين ذكر في حديثه التمر، ومنهم:
يونس بن عبيد، والأوزاعي.
وجاء ذكر الطعام في حديث أيوب، هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وقد اختلف الرواة في حديثهم فمنهم من ذكر التمر ومنهم من ذكر الطعام.
قال الإمام البخاري في "صحيحه" (٢١٤٨): «وقال بعضهم، عن ابن سيرين صاعًا من تمر ولم يذكر ثلاثًا والتمر أكثر» اهـ.
وهكذا أكثر من روى الحديث عن أبي هريرة إنَّما ذكروا في حديثهم التمر.
فهكذا رواه ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، وحديثه في البخاري (٢١٥١).
وموسى بن يسار، وحديثه في مسلم (١٥٢٤).
وأبو صالح السمان ذكوان، وحديثه في مسلم (١٥٢٤).
[ ٨ / ٦٩ ]
وهمام بن منبه وحديثه في مسلم (١٥٢٤).
والأعرج عبد الرحمن بن هرمز، عند البخاري (٢١٥٠).
ومحمد بن زياد، عند أحمد (٩٥٥٥)، والترمذي (١٢٥١).
وموسى بن يسار، عند النسائي (٤٤٨٨).
وعبد الرحمن بن سعد المدني، وحديثه عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٥٤٨).
وعكرمة، عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٥٤٨).
والوليد بن رباح، عند أحمد (٩١٠٩).
ويعقوب بن أبي يعقوب، عند أحمد (١٠٢٧١).
ومجاهد، عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٩٣١)، و[الْأَوْسَطِ] (٧٤١١).
وسعيد بن المسيب، عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٣٥١)، و[الْأَوْسَطِ] (٨٥٤٠).
ورواه البزار (٩٩٧١) حدثنا أحمد بن عبد الله أبو بكر البلالي قال: حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا حماد بن الجعد، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ بُرٍ لَا سَمْرَاءَ».
قُلْتُ: حماد بن الجعد ضعيف الحديث.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٦٤):
[ ٨ / ٧٠ ]
«والذي يظهر في الجمع بينها أنَّ من زاد الثلاث معه زيادة علم وهو حافظ ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنَّه لم يحفظها أو اختصرها وتحمل الرواية التي فيها الطعام على التمر» اهـ.
قُلْتُ: لكن روى أحمد (١٨٨٤١)، وابن أبي شيبة في [مُسْنَدِهِ] (٩٦٧) مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٍ، قَالَ: نا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ إِنْ رَدَّهَا، رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٥/ ٣١٩):
«يحتمل أن يكون هذا شكًا من بعض الرواة فقال: صاعًا من هذا، أو من ذلك لا أنَّه من وجه التخيير ليكون موافقًا للأحاديث الثابتة في هذا الباب والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٦٤):
«لكن يعكر على هذا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب وفيه: "فإن ردها رد معها صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر". فإنَّ ظاهره يقتضى التخيير بين التمر والطعام وأنَّ الطعام غير التمر، ويحتمل أن تكون أو شكًا من الراوي لا تخييرًا وإذا وقع الاحتمال في هذه
[ ٨ / ٧١ ]
الروايات لم يصح الاستدلال بشيء منها فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها وهي التمر فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختار العلامة ابن القيم ﵀ عدم تعيين التمر في ذلك، بل يجزئ عنده غيره من قوت البلد، فقال ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٣ - ١٤):
«المثال الخامس: أنَّ النَّبي ﷺ نص في المصرَّاة على رد صاع من تمر بدل اللبن فقيل هذا حكم عام في جميع الأمصار حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قط ولا رأوه فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر ولا يجزئهم إخراج صاع من قوتهم، وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة وجعل هؤلاء التمر في المصرَّاة كالتمر في زكاة التمر لا يجزى سواه فجعلوه تعبدًا فعينوه اتباعًا للفظ النص. وخالفهم آخرون فقالوا: بل يخرج في كل موضع صاعًا من قوت ذلك البلد الغالب فيخرج في البلاد التي قوتهم البر صاعًا من بر وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه وهذا هو الصحيح وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعض أصحاب أحمد وهو الذي ذكره أصحاب مالك قال القاضي أبو الوليد: روى ابن القاسم أنَّ الصاع يكون من غالب قوت البلد. قال صاحب الجواهر بعد حكاية ذلك: ووجهه أنَّه ورد في ألفاظ هذا الحديث صاعًا من طعام فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنَّه غالب قوت ذلك البلد انتهى.
[ ٨ / ٧٢ ]
ولا ريب أنَّ هذا أقرب إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه والله أعلم.
وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها كنصه على الأحجار في الاستجمار ومن المعلوم أنَّ الخرق والقطن والصوف أولى منها بالجواز. وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب والأشنان أولى منه هذا فيما علم مقصود الشارع منه وحصول ذلك المقصود على أتم الوجوه بنظيره وما هو أولى منه» اهـ.
قُلْتُ: إنَّما عين النبي ﷺ الصاع من التمر قطعًا للنزاع، ولو أجزنا غير التمر من أي نوع من أنواع القوت لما انقطع بذلك النزاع، فإنَّ الأقوات تختلف اختلافًا بينًا فمنها الثمين ومنها ما ليس كذلك، فلا يرتفع النزاع إلَّا بتعيين نوع واحد من القوت، وأكثر الروايات واردة في التمر، وما جاء في بعض الروايات في مسلم وغيره بذكر الطعام إن لم نحكم بشذوذها فهي محمولة على التمر، وأمَّا حديث الرجل من أصحاب النبي ﷺ فالشك فيه محتمل من الراوي، وما كان كذلك فلا يقدم على الروايات الصريحة بذكر التمر. هذا ما يظهر لي. والله أعلم.
قُلْتُ: وإذا لم يوجد التمر فينتقل إلى قيمته في موضعه.
[ ٨ / ٧٣ ]
وليس في حديث المصرَّاة ما يخالف الأصول كما تدعيه الحنفية، ولا ما يخالف القياس كما بيَّن ذلك أهل العلم أتم بيان.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٤/ ٥٣٧ - ٥٣٧): «السابع: أن يقال: المخالف لحديث أبي هريرة في "المصرَّاة" يقول: إنَّه يخالف الأصول، أو قياس الأصول.
فيقال له: بل القول فيه كالقول في نظائره التي اتبعت فيها النصوص فهذا الحديث ورد فيما يخالف غيره لا فيما يماثل غيره؛ والقياس هو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين؛ وذلك أنَّ من خالفه يقول: إنَّه أثبت الرد بالمعيب وقدر بدل المتلف؛ بل إن كان من المثليات ضمن بمثله وإلَّا فقيمته وهذا مضمون بغير مثل ولا قيمة وجعل الضمان على المشتري والخراج بالضمان. فيقال له: الرد يثبت بالتدليس ويثبت باختلاف الصفة باتفاق الأئمة "والمدلس" الذي أظهر أنَّ المبيع على صفة وليس هو عليها كالواصف لها بلسانه وهذا النوع من الخيار غير خيار الرد بالعيب.
ويقال له: المشتري لم يضمن اللبن الحادث على ملكه. ولكن ضمن ما في الضرع؛ فإنَّه لما اشترى المصرَّاة وفيها لبن تلف عنده: كان عليه ضمانه؛ وإنَّما قدر الشارع البدل لأنَّه اختلط اللبن القديم باللبن الحادث فلم يبق يعرف مقدار اللبن القديم. فلهذا لم يمكن ضمانه بمثله ولا بقيمته فقدر الشارع في ذلك بدلًا يقطع به النزاع كما قدر ديات النفس وديات الأعضاء ومنافعها ونحو ذلك من المقدرات التي
[ ٨ / ٧٤ ]
يقطع بها نزاع الناس فإنَّه إذا أمكن العلم بمقدار الحق: كان هو الواجب. وإذا تعذر ذلك شرع الشارع ما هو أمثل الطرق وأقربها إلى الحق. فتارة يأمر بالخرص إذا تعذر الكيل أو الوزن؛ إقامة للظن مقام العلم عند تعذر العلم ويأمر بالاستهام لتعيين المستحق عند كمال الإبهام. وتارة يقدر بدل الاستحقاق إذا لم يكن طريق آخر لقطع الشقاق؛ ورد المشتري للصاع بدل ما أخذ من اللبن من هذا الباب» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٥٦ - ٥٥٨):
«فقال قائلون: هذا يخالف قياس الأصول من وجوه:
منها: أنَّه رد المبيع بلا عيب ولا خلف في صفة. ومنها: أنَّ الخراج بالضمان فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وهنا قد ضمنه.
ومنها: أنَّ اللبن من ذوات الأمثال فهو مضمون بمثله.
ومنها: أنَّ ما لا مثل له يضمن بالقيمة من النقد وهنا ضمنه بالتمر.
ومنها: أنَّ المال المضمون يضمن بقدره لا بقدر بدله بالشرع وهنا قدر بالشرع.
فقال المتبعون للحديث: بل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق للأصول ولو خالفها لكان هو أصلًا كما أنَّ غيره أصل فلا تضرب الأصول بعضها ببعض بل يجب إتباعها كلها فإنَّها كلها من عند الله.
[ ٨ / ٧٥ ]
أمَّا قولهم: رد بلا عيب ولا فوات صفة فليس في الأصول ما يوجب انحصار الرد في هذين الشيئين بل التدليس نوع ثبت به الرد وهو من جنس الخلف في الصفة فإنَّ البيع تارة تظهر صفاته بالقول وتارة بالفعل فإذا ظهر أنَّه على صفة وكان على خلافها فهو تدليس وقد أثبت النبي ﷺ الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر وليس كذلك واحد من الأمرين ولكن فيه نوع تدليس.
وأمَّا قوله: "الخراج بالضمان". فأولًا حديث المصرَّاة أصح منه باتفاق أهل العلم مع أنَّه لا منافاة بينهما فإنَّ الخراج ما يحدث في ملك المشتري ولفظ الخراج اسم للغلة: مثل كسب العبد وأمَّا اللبن ونحوه فملحق بذلك وهنا كان اللبن موجودًا في الضرع فصار جزءًا من المبيع ولم يجعل الصاع عوضًا عمَّا حدث بعد العقد بل عوضًا عن اللبن الموجود في الضرع وقت العقد وأمَّا تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع فلأنَّ اللبن المضمون اختلط باللبن الحادث بعد العقد فتعذرت معرفة قدره فلهذا قدر الشارع البدل قطعًا للنزاع وقدر بغير الجنس لأنَّ التقدير بالجنس قد يكون أكثر من الأول أو أقل فيفضي إلى الربا بخلاف غير الجنس فإنَّه كأنَّه ابتاع لذلك اللبن الذي تعذرت معرفة قدره بالصاع من التمر والتمر كان طعام أهل المدينة وهو مكيل مطعوم يقتات به كما أنَّ اللبن مكيل مقتات وهو أيضًا يقتات به بلا صنعة بخلاف الحنطة والشعير فإنَّه لا يقتات به إلَّا بصنعة فهو أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن. ولهذا كان من موارد الاجتهاد أنَّ جميع
[ ٨ / ٧٦ ]
الأمصار يضمنون ذلك بصاع من تمر أو يكون ذلك لمن يقتات التمر فهذا من موارد الاجتهاد كأمره في صدقة الفطر بصاع من شعير أو تمر» اهـ.
٢٢ - وفيه إثبات خيار التدليس، وهو غير خيار العيب، فإنَّ خيار العيب يكون عند كتم عيب في السلعة، وأمَّا خيار التدليس فيكون عند إيهام صفة كمال في السلعة، كالتصرية، وتسويد شعر الأمة الشمطاء، ونحو ذلك.
٢٣ - واحتج بعمومه من ذهب إلى ثبوت الخيار في المصرَّاة وإن استمر اللبن على حاله بعد التصرية.
قُلْتُ: وهذا من الجمود على الظاهر دون نظر للمعنى الذي من أجله ثبت الخيار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٥):
«ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة، واستمر على كثرته، لم يكن له الرد.
وقال أصحاب الشافعي له الرد، في أحد الوجهين؛ للخبر، ولأنَّ التدليس كان موجودًا حال العقد، فأثبت الرد، كما لو نقص اللبن.
ولنا، أنَّ الرد جعل لدفع الضرر بنقص اللبن، ولم يوجد، فامتنع الرد، ولأنَّ العيب لم يوجد، ولم تختلف صفة المبيع عن حالة العقد، فلم يثبت التدليس، ولأنَّ الخيار ثبت لدفع الضرر، ولم يوجد ضرر» اهـ.
[ ٨ / ٧٧ ]
٢٤ - وفيه ما يدل على إثبات الصاع من التمر فيما إذا احتلبها، وأمَّا إذا علم بالتصرية قبل حلبها فلم يحتلبها، بل ردها بما فيها من اللبن فليس عليه أن يدفع صاعًا من تمر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٧):
«فصل: وإن علم بالتصرية قبل حلبها، مثل أن أقر به البائع، أو شهد به من تقبل شهادته، فله ردها، ولا شيء معها؛ لأنَّ التمر إنَّما وجب بدلًا للبن المحتلب، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها، ففي حلبتها صاع من تمر".
ولم يأخذ لها لبنا هاهنا، فلم يلزمه رد شيء معها.
وهذا قول مالك.
قال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه» اهـ.
٢٥ - وظاهر الحديث أنَّه إذا احتلبها وجب عليه الصاع من التمر حتى ولو بقي بعد حلبه على حاله، فلا يجزئه رده.
قُلْتُ: وفي ذلك نزاع بين أهل العلم، والذي يظهر لي أنَّه إذا بقي على حاله ولم يتغير فيجزئه رده ولا يلزمه الصاع من التمر. والله أعلم.
وقد روى البخاري (٢١٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً، فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ».
[ ٨ / ٧٨ ]
وفي هذا الحديث إثبات الصاع من التمر مقابل الحلب، وهذا يدل على لزوم الصاع بفوات اللبن، فإنَّ البدل لا يلزم مع وجود المبدل منه، فأمَّا مع وجود المبدل فالحكم متعلق به دون بدله. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨):
«وأمَّا لو احتلبها وترك اللبن بحاله ثم ردها، رد لبنها، ولا يلزمه أيضًا بشيء؛ لأنَّ المبيع إذا كان موجودًا فرده، لم يلزمه بدله.
فإن أبى البائع قبوله، وطلب التمر، لم يكن له ذلك، إذا كان بحاله لم يتغير.
وقيل: لا يلزمه قبوله؛ لظاهر الخبر، ولأنَّه قد نقص بالحلب، وكونه في الضرع أحفظ له.
ولنا، أنَّه قدر على رد المبدل، فلم يلزمه البدل، كسائر المبدلات مع أبدالها.
والحديث المراد به رد التمر حالة عدم اللبن؛ لقوله: "ففي حلبتها صاع من تمر". ولما ذكرنا من المعنى.
وقولهم إنَّ الضرع أحفظ له. لا يصح؛ لأنَّه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام، وبقاؤه يضر بالحيوان.
وإن كان اللبن قد تغير، ففيه وجهان؛ أحدهما، لا يلزمه قبوله.
وهذا قول مالك؛ للخبر، ولأنَّه قد نقص بالحموضة، أشبه ما لو أتلفه.
[ ٨ / ٧٩ ]
والثاني، يلزمه قبوله لأنَّ النقص حصل بإسلام المبيع، وبتغرير البائع، وتسليطه على حلبه، فلم يمنع الرد، كلبن غير المصرَّاة» اهـ.
٢٦ - وفيه أنَّ مدة الخيار مقدرة بثلاثة أيام، وتقدير ذلك جاء في مسلم دون البخاري، وقد رواه مسلم (١٥٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
٢٧ - وظاهر الحديث أنَّ الخيار يثبت من بعد الحلب.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ ذكر الحلب قيد أغلبي فإنَّ الغالب في التصرية أنَّه لا تعرف إلَّا بعد الحلب، وإلَّا فلو علم بالتصرية قبل الحلب فيبدأ في حقه الخيار من وقت علمه بذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٦٢):
«والجمهور على أنَّه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبًا إلَّا بعد الحلب ذكر قيدًا في ثبوت الخيار فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت» اهـ.
قُلْتُ: وهناك جواب آخر لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٥٢) حيث قال: «قوله ﵇: "فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها" وقد يقال هاهنا سؤال وهو: أنَّ الحديث يقتضي إثبات الخيار بعد الحلب، والخيار ثابت قبل الحلب إذا علمت التصرية.
[ ٨ / ٨٠ ]
وجوابه: أنَّه يقتضي إثبات الخيار في هذين الأمرين أعني الإمساك والرد مع الصاع وهذا إنَّما يكون بعد الحلب لتوقف هذين المعنيين على الحب لأنَّ الصاع عوض عن اللبن ومن ضرورة ذلك: الحلب» اهـ.
٢٨ - وفيه رد على من ذهب إلى أنَّ ابتداء الخيار يكون من وقت العقد، أو التفرق كما هو مذهب الشافعية.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الخيار يبدأ من وقت العلم بالتصرية.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٧٠):
«القائلون بامتداد الخيار ثلاثة أيام اختلفوا في ابتدائها وللشافعية في ذلك وجهان: أحدهما: أنَّ ابتداءها من العقد.
والثاني: أنَّه من التفرق وشبهوا الوجهين بالوجهين في خيار الشرط، ومقتضى ذلك أنَّ الراجح أن ابتداءها من العقد وقال الحنابلة: إن ابتداءها من حين تبينت التصرية» اهـ.
وقال ﵀ (٦/ ٢٧١): «والظاهر أنَّ الشارع إنَّما اعتبر المدة من حين معرفة سبب الخيار».
إلى أن قال ﵀ (٦/ ٢٧١): «وهذا مما يقوي مذهب الحنابلة في ذلك وهو عندي أظهر، وأوفق للحديث وللمعنى والله أعلم» اهـ.
[ ٨ / ٨١ ]
٢٩ - وظاهر الحديث أنَّ الخيار مختص بتصرية الغنم دون غيرها، لكن جاء في رواية للبخاري (٢١٤٨)، ومسلم (١٥١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ».
قُلْتُ: واحتج بذلك داود الظاهري على اختصاص ذلك بالإبل، والغنم.
قُلْتُ: ذهب جمهور العلماء إلى تعدي ذلك إلى البقر أيضًا. وهو الصحيح لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالخِيَارِ إِذَا حَلَبَهَا، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
رواه أحمد (١٠٢٧١، ١٠٥٩٤)، والترمذي (١٢٥١)، والنسائي (٤٤٨٨)، وابن ماجة (٢٢٣٩) من طرق عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح. كما مرَّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٥٢):
«ولأنَّه تصرية بلبن من بهيمة الأنعام، أشبه الإبل والغنم، والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر؛ لأنَّ لبنها أغزر وأكثر نفعًا» اهـ.
قُلْتُ: وتنازع العلماء في إثبات حكم التصرية في غير بهيمة الأنعام، والذي يظهر لي عدم ثبوت ذلك.
وقد أثبته الإمام الشافعي ﵀.
[ ٨ / ٨٢ ]
٣٠ - واحتج بقوله: «وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ». من قال بتحريم التصرية مطلقًا سواء أراد البيع أو لا وعللوا النهي عن ذلك من أجل ما في ذلك من أذية البهيمة. وهو مذهب المتولي من علماء الشافعية.
قُلْتُ: وليس هذا بصحيح، وقول النبي ﷺ في آخر الحديث:
«وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». يدل على أنَّ النهي عن ذلك من أجل البيع.
وأصرح من ذلك ما رواه الحميدي في [مُسْنَدِهِ] (١٠٧٦)، والدارقطني (٣٠٧٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «لَا تَصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ، مَنِ اشْتَرَى مِنْكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمُرَاءَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وبناءً على ما سبق فيجوز تصرية البهيمة من أجل ولدها، أو من أجل ضيف قادم، بشرط أن لا يبلغ إلى حد الإضرار بالبهيمة. والله أعلم.
٣١ - وإثبات الخيار لمشتري المصرَّاة دليل على صحة البيع، فإنَّ الخيار لا يثبت في البيع الفاسد.
[ ٨ / ٨٣ ]
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٦٩): «وهو مجمع عليه» اهـ.
٣٢ - وظاهر الحديث أنَّ البائع إذا لم يتعمد التصرية فلا خيار للمشتري وقد قال بذلك بعض علماء الشافعية كالغزالي وغيره.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ التصرية ثابتة للمشتري سواء تعمد ذلك البائع أو لا، كأن يحصل ذلك لانشغال البائع عن حلبها ونحوه، وذلك لأنَّ المفسدة حاصلة للمشتري في الصورتين، والشارع لا يفرق بين المتماثلين.
٣٣ - وفيه أنَّ الصاع من التمر يشمل جميع المصرَّاة فلا يختلف ذلك باختلاف مقدار اللبن في كل مصراة.
وخالف في ذلك بعض علماء الشافعية فذهبوا إلى اختلاف مقدار التمر باختلاف مقدار اللبن، وليس هذا بصحيح.
٣٤ - واحتج بظاهر هذه الرواية من قال: إنَّ الصاع الواحد من التمر يجزئ عن الجماعة من المصرَّاة، وذلك لأنَّ النبي ﷺ نهى عن تصرية الغنم ثم ذكر أنَّ المشتري إذا حلبها أي الغنم المصرَّاة وأراد ردها جعل معها صاعًا من تمر، وظاهر ذلك أنَّه عن الجميع. وهذا مذهب ابن حزم، وبعض المالكية.
قُلْتُ: ولا يظهر لي صحة هذا القول، وهذه الرواية مفسرة بغيرها، وذلك فيما رواه مسلم (١٥٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ
[ ٨ / ٨٤ ]
مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ». فبيَّن النَّبي ﷺ في هذه الرواية أنَّ الصاع من التمر يكون في الشاة الواحدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٥٣):
«فصل: إذا اشترى مصرَّاتين أو أكثر في عقد واحد، فردهن، رد مع كل مصراة صاعًا.
وبهذا قال الشافعي، وبعض أصحاب مالك.
وقال بعضهم: في الجميع صاع واحد؛ لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "من اشترى غنمًا مصرَّاة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر".
ولنا، عموم قوله: "من اشترى مصراة ومن اشترى محفلة". وهذا يتناول الواحدة.
ولأنَّ ما جعل عوضًا عن الشيء في صفقتين، وجب إذا كان في صفقة واحدة، كأرش العيب، وأمَّا الحديث فإنَّ الضمير يعود إلى الواحدة» اهـ.
٣٥ - وظاهره اختصاص الصاع من التمر فيما إذا رد البهيمة بعلة التصرية، لكن إن رضيها، ثم ظهر له عيب في البهيمة غير التصرية فأراد ردها بذلك العيب، فهل يردها مع صاع من تمر أو لا.
قُلْتُ: في ذلك نزاع والقياس يقتضي ردها مع صاعٍ من التمر، لأنَّ الشارع جعل الصاع بدلًا من اللبن في التصرية فكذلك هاهنا.
[ ٨ / ٨٥ ]
لكن إذا ردها لعيب غير التصرية وكانت عند بيعها ذات لبن غير مصرَّاة فلا يظهر لي لزوم الصاع لقلة ذلك وعدم مشابهتها للمصرَّاة. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٤٩):
«فصل: وإذا رضي بالتصرية فأمسكها، ثم وجد بها عيبًا آخر، ردها به؛ لأنَّ رضاه بعيب لا يمنع الرد بعيب آخر، كما لو اشترى أعرج، فرضي بعيبه، ثم أصاب به برصًا.
وإذا رد لزمه صاع من تمر عوض اللبن؛ لأنَّه قد جعل عوضًا له فيما إذا ردها بالتصرية، فيكون عوضًا له مطلقًا.
فصل: ولو اشترى شاة غير مصراة فاحتلبها، ثم وجد بها عيبًا، فله الرد، ثم إن لم يكن في ضرعها لبن حال العقد، فلا شيء عليه؛ لأنَّ ما حدث من اللبن بعد العقد يحدث على ملك المشتري، وإن كان فيه لبن حال العقد، إلا أنَّه شيء لا يخلو الضرع من مثله في العادة، فلا شيء فيه؛ لأنَّ مثل هذا لا عبرة به، ولا قيمة له في العادة، فهو تابع لما حدث، وإن كان كثيرًا، وكان قائمًا بحاله، فهل له رده؟ يبنى على رد لبن التصرية، وقد سبق.
فإن قلنا: ليس له رده، كان بقاؤه كتلفه.
وهل له أن يرد المبيع؟ يخرج على الروايتين فيما إذا اشترى شيئًا فتلف منه جزء أو تعيب.
[ ٨ / ٨٦ ]
والأشهر في المذهب أنَّه يرده، فعلى هذا يلزمه رد مثل اللبن؛ لأنَّه من ذوات الأمثال.
والأصل ضمان ما كان من المثليات بمثله، إلَّا أنَّه خولف في لبن التصرية بالنص، ففيما عداه يبقى على الأصل، ولأصحاب الشافعي، في هذا الفصل، نحو مما ذكرنا» اهـ.
قُلْتُ: معرفة المثل في ذكر متعذر، وذلك أنَّه لا يمكن أن يتميز ما كان من اللبن في ضرع الشاة قبل بيعها، وما حدث فيها بعد بيعها، فإنَّ ذلك يختلط بعضه مع بعض اختلاطًا يتعذر التمييز فيه.
فلا يمكن حينئذ أن نحكم بالمثل، ولا القيمة، ولا نستطيع أن نعطي هذه حكم المصرَّاة لأنَّ اللبن الذي فيها لم يبلغ مبلغ لبن المصرَّاة، فيعفى عن ذلك إلَّا ما كان كثيرًا شبيهًا بلبن المصرَّاة فله حكمها. والله أعلم.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٧٨):
«وحكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي أنَّه لا يرد بدل اللبن؛ لأنَّه قليل غير معتنى بجمعه بخلاف المصرَّاة» اهـ.
* * *
[ ٨ / ٨٧ ]
٢٥٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ. وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ. ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا».
قِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ - وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ - بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٨):
«تُنْتَج بضم أوله وفتح ثالثه أي تلد ولدًا والناقة فاعل وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول وهو حرف نادر» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم بيع حبل الحبلة لما في ذلك من الغرر، وذكر الجزور إمَّا من باب المثال لمعنى هذا البيع، أو حكاية عمَّا كانوا يفعلونه بمعنى أنَّهم كانوا يفعلون ذلك في الجزور دون غيره، والجزور هو البعير ذكرًا كان أو أنثى.
٢ - تحريم بيع الغرر.
وجاء في تحريمه ما رواه مسلم (١٥١٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ».
[ ٨ / ٨٨ ]
وقد اختلف العلماء في معنى بيع الحصاة على أقول ذكرها الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١٧ - ٨١٨) فقال: «أمَّا بيع الحصاة، فهو من باب إضافة المصدر إلى نوعه، كبيع الخيار، وبيع النسيئة ونحوهما، وليس من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، كبيع الميتة والدم.
والبيوع المنهي عنها ترجع إلى هذين القسمين، ولهذا فسر بيع الحصاة بأن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت، فهو لك بدرهم، وفسر بأن بيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، وفسر بأن يقبض على كف من حصا، ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع، أو يبيعه سلعة، ويقبض على كف من الحصا، ويقول: لي بكل حصاة درهم، وفسر بأن يمسك أحدهما حصاة في يده، ويقول: أي وقت سقطت الحصاة، وجب البيع، وفسر بأن يتبايعا، ويقول أحدهما: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع، وفسر بأن يعترض القطيع من الغنم، فيأخذ حصاة، ويقول: أي شاة أصبتها، فهي لك بكذا، وهذه الصور كلها فاسدة لما تتضمنه من أكل المال بالباطل، ومن الغرر والخطر الذي هو شبيه بالقمار» اهـ.
وأمَّا الغرر فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٢ - ٢٣):
[ ٨ / ٨٩ ]
«والغرر: هو المجهول العاقبة. فإنَّ بيعه من الميسر الذي هو القمار. وذلك: أنَّ العبد إذا أبق أو الفرس أو البعير إذا شرد؛ فإنَّ صاحبه إذا باعه فإنَّما يبيعه مخاطرة فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير. فإن حصل له قال البائع: قمرتني وأخذت مالي بثمن قليل وإن لم يحصل قال المشتري: قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض فيفضي إلى مفسدة الميسر: التي هي إيقاع العداوة والبغضاء مع ما فيه من أكل المال بالباطل الذي هو نوع من الظلم. ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء. ومن نوع الغرر ما نهى عنه النبي ﷺ من بيع حبل الحبلة والملاقيح والمضامين ومن بيع السنين وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع الملامسة والمنابذة ونحو ذلك: كله من نوع الغرر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٥):
«وأمَّا الغرر: فإنَّه ثلاثة أنواع. إمَّا المعدوم كحبل الحبلة وبيع السنين. وإمَّا المعجوز عن تسليمه كالعبد الآبق.
وإمَّا المجهول المطلق أو المعين المجهول جنسه أو قدره، كقوله: بعتك عبدًا أو بعتك ما في بيتي أو بعتك عبيدي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١٨):
«وأمَّا بيع الغرر، فمن إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الملاقيح والمضامين والغرر: هو المبيع نفسه، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مغرور به كالقبض والسلب بمعنى المقبوض والمسلوب، وهذا كبيع العبد الآبق الذي لا يقدر على تسليمه، والفرس
[ ٨ / ٩٠ ]
الشارد، والطير في الهواء، وكبيع ضربة الغائص وما تحمل شجرته أو ناقته، أو ما يرضى له به زيد، أو يهبه له، أو يورثه إياه ونحو ذلك مما لا يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه، أو لا يعرف حقيقته ومقداره» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ فَتْحِ الْبَارِي] (ص: ١٥٨):
«قوله: "بيع الغرر" بفتحتين أي المخاطرة ومنه عش ولا تغتر والمراد به في البيع الجهل به أو بثمنه أو بأجله» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ البيع لا يصح مع الجهالة في الأجل.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٨): «ومن حقه على هذا التفسير أن يذكر في السلم» اهـ.
٤ - جواز إطلاق الحبل على غير الآدميات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٧): «وأصل الحبل في بنات آدم، والحمل في غيرهن. قاله أبو عبيد» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٩٧): «واتفق أهل اللغة على أنَّ الحبل مختص بالآدميات، ويقال في غيرهن: الحمل. يقال: حملت المرأة ولدًا وحبلت بولد، وحملت الشاة سخلة، ولا يقال: حبلت» اهـ.
[ ٨ / ٩١ ]
قُلْتُ: وقد تعقبه الْعَلَّامَةُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٣١ - ٢٣٢) فقال: «وفيما حكاه من الاتفاق نظر فقد جعل صاحب المحكم هذا قولًا وحكى معه غيره» اهـ.
قُلْتُ: ولا يستقيم أن يقع الاتفاق على مخالفة هذا الحديث الصحيح.
٥ - ظاهر تفسير ابن عمر للحديث أنَّ المراد بنهي النبي ﷺ عن بيع حبل الحبلة النهي عن البيع إلى حبل الحبلة فيكون حبل الحبلة أجلًا للمبيع، لا عن بيع عين حبل الحبلة فيكون حبل الحبلة هو المبيع.
قُلْتُ: لفظ الحديث أظهر في المعنى الآخر، لكن تفسير الصحابي مقدم على غيره، ولا مانع من حمله على المعنيين معًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٩٧): «وهذا أقرب إلى اللغة لكن الراوي هو ابن عمر وقد فسره بالتفسير الأول وهو أعرف ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أنَّ تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِيِّ] (٤/ ٦٣): «وقال الطيبي، فإن قُلْتُ: تفسيره مخالف لظاهر الحديث فكيف يقال إذا لم يخالف الظاهر؟ وأجاب باحتمال أن يكون المراد بالظاهر الواقع فإنَّ هذا البيع كان في الجاهلية بهذا الأجل فليس التفسير حلاًّ للفظ بل بيان للواقع» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٣١٣): «قد جاء تفسير هذا الحديث كما ترى في سياقه وإن لم يكن تفسيره مرفوعًا فهو من قبل ابن عمر
[ ٨ / ٩٢ ]
وحسبك. وبهذا التأويل قال مالك والشافعي وأصحابهما وهو الأجل المجهول ولا خلاف بين العلماء أنَّ البيع إلى مثل هذا من الأجل لا يجوز وقد جعل الله الأهلة مواقيت للناس ونهى رسول الله ﷺ عن البيع إلى مثل هذا من الأجل وأجمع المسلمون على ذلك وكفى بهذا علمًا» اهـ.
قُلْتُ: وعلى المعنى الأول فظاهر الحديث أنَّ أجل المبيع هو حصول الحمل في النتاج، وأمَّا تفسير ابن عمر ﵁ للحديث فقد حمل الأجل على نتاج النتاج لا على حمله.
وتفسير ابن عمر بهذا اللفظ انفرد به البخاري، وله تفسير آخر موافق لظاهر الحديث وهو ما رواه البخاري (٣٨٤٣)، ومسلم (١٥١٤) وفيه: «ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ».
قُلْتُ: وعلى جميع ما سبق فالبيع فاسد من أجل الجهالة والغرر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢٧١):
«قال مالك: هذا الحديث أصل في النهى عن البيوع إلى الآجال المجهولة، لقوله: "إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها"، واختلف العلماء في معنى نهيه ﵇ عن بيع حبل الحبلة، فقال مثل قول مالك الشافعي، ولا خلاف بين الأمة أنَّ البيع إلى مثل هذا الأجل المجهول غرر لا يجوز، وإنَّما يجوز إلى أجل معلوم،
[ ٨ / ٩٣ ]
لأنَّ الله قد جعل الأهلة مواقيت للناس والحج، وهى معلومة، فما كان من الآجال لا يختلف، ولا يجهل وقته فجائز البيع إليه بإجماع.
وقال آخرون: معنى بيع حبل الحبلة: هو النهى عن بيع الجنين في بطن أمه، فلا يجوز بيع ما لم يخلق، ولا بيع ما لا تقع عليه العين، ولا يحيط به العلم. هذا قول أحمد وإسحاق وأبي عبيد.
قال ابن المنذر: فأي ذلك كان فالبيع فيه باطل من وجوه، وكذلك يبطل كل ما كان في معناه مما يحتمل أن يكون موجودًا أو غير موجود، وهذا كله من أكل المال بالباطل، وقد نهى الله عن ذلك» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٣١٤): «وقال آخرون في تأويل هذا الحديث معناه بيع ولد الجنين الذي في بطن الناقة هذا قول أبي عبيد قال أبو عبيد عن ابن علية هو نتاج النتاج وبهذا التأويل قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقد فسر بعض أصحاب مالك هذا الحديث بمثل ذلك أيضًا وهو بيع أيضًا مجتمع على أنَّه لا يجوز ولا يحل لأنَّه بيع غرر ومجهول وبيع ما لم يخلق وقد أجمع العلماء على أنَّ ذلك لا يجوز في بيوع المسلمين» اهـ.
٦ - وفيه رد على من حمل الحديث على أنَّ المراد بالحبلة الكرمة وأنَّ النَّهى عن بيع حبلها أي حملها قبل صلاحها كما نهى عن بيع ثمر النخلة قبل أن تزهي. وهو قول المُبَرِّد أَبي العَبَّاسِ مُحَمَّدِ بنِ يَزِيْدَ بنِ عَبْدِ الأَكْبَرِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٧):
[ ٨ / ٩٤ ]
«قال المبرِّد: حبل الحبلة عندي: حمل الكرمة قبل أن تبلغ. والحبْلَة: الكرمة -بسكون الباء وفتحها-» اهـ.
وعزاه الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٥٨) لابن كيسان.
٧ - قال المصنف ﵀: «قِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ - وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ - بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ».
قُلْتُ: وعلى هذا التأويل يكون النهي واردًا من أجل الجهالة في الثمن.
وأمَّا على التأويل الذي ذكره أبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، فيكون من أجل الجهالة في المثمن.
وعلى ما ذكره ابن عمر، ومن وافقه على ذلك، فيكون النهي من أجل الجهالة في الأجل.
ولا يصح البيع إلَّا بعد العلم بالأجل فيما كان مؤجلًا، وهكذا لا يصح حتى يعلم الثمن والمثمن. والله أعلم.
* * *
[ ٨ / ٩٥ ]
٢٥٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وهذا النهي يشمل البائع والمشتري.
وهو للتحريم عند جمهور العلماء، وخالف أبو حنيفة فحمله على التنزيه. والصحيح مذهب الجمهور.
٢ - ظاهر النهي فساد هذا البيع، وهي رواية عن أحمد، والأكثر على صحته، والراجح الفساد لأنَّ الأصل في النهي الفساد.
٣ - تحريم أكل مال المسلم بغير حق؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لأنَّها معرضة للآفات فيضي ذلك إلى أكل مال المسلم بغير حق.
وجاء عند مسلم (١٥٣٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ».
[ ٨ / ٩٦ ]
ورواه مسلم (١٥٣٤) أيضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ».
قَالَ: "يَبْدُوَ صَلَاحُهُ: حُمْرَتُهُ وَصُفْرَتُهُ".
وسيأتي حديث أنس في بيان ذلك بعد هذا الحديث.
٤ - فيه نهي المشتري من تضييع ماله فيما لا ينتفع به.
٥ - فيه أنَّ المقصود من البيع القبض فلما كانت الثمرة غير مقدور عليها قبل بدو صلاحها نهي عن بيعها إذ لا معنى من بيع ما لا يمكن قبضه.
٦ - وهل يدخل في عمومه النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ولو بشرط القطع.
فالجواب: أنَّ هذا العموم غير مراد هنا لعدم المفسدة في ذلك، والمفسدة حاصلة فيما إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها واشترط التبقية، فإنَّ الآفة قد تتعرض لها قبل بدو صلاحها فتذهب فيأكل البائع مال المشتري بغير عوض، وهو من أكل المال بالباطل، وهذا لا وجود له إذا باع الثمرة بشرط القطع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٢١٨):
«القسم الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع لأنَّ المنع إنَّما كان خوفًا من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها بدليل ما روى أنس أنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو قال: "أرأيت إذا منع الله
[ ٨ / ٩٧ ]
الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه"؟ رواه البخاري وهذا مأمون فيما يقطع فصح بيعه كما لو بدا صلاحه» اهـ.
قُلْتُ: حكى الْقُرْطُبِي ﵀ نزاعًا في ذلك فقال فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٣٥):
«وعلى مذهب الجمهور؛ فهل يجوز بيعها قبل بدوِّ الصلاح بشرط القطع - وهو مذهب عامتهم-، أو لا يجوز؛ وإن شرطه؟ وهو مروي عن الثوري، وابن أبي ليلى، تمسكًا بعموم تلك الأحاديث» اهـ.
٧ - وفيه رد على أبي حنيفة في منعه من بيع الثمرة مطلقًا إلَّا بشرط القطع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٢٩):
«ومن جوز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقًا وجعل موجب العقد القطع وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقًا لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ولم يكن فرق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه فإنَّه يقول موجب العقد التسليم في الحال فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبد والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول الله ﷺ» اهـ.
٨ - وظاهره يشمل النهي فيما إذا وقع البيع على الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا من غير شرط قطع ولا إبقاء. وهو مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة وقال يلزم قطعها في الحال وتفريغ النخل منها لأنَّه مبيع مشغول بملك البائع فلزم نقله وتفريغه منه كما لو باع دارًا فيها طعام أو قماش له.
[ ٨ / ٩٨ ]
٩ - ولا يدخل في النهي بيع الثمرة تابعة للشجرة فإنَّ هذا يجوز اتفاقًا، ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ …».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٢١٨):
«الثاني: أن يبيعها مع الأصل فيجوز بالإجماع لقول النبي ﷺ: "من اتباع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلَّا أن يشترط المبتاع". ولأنَّه إذا باعها مع الأصل حصلت تبعًا في البيع فلم يضر احتمال الغرر فيها كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع بيع الشاة والنوى في التمر مع التمر وأساسات الحيطان في بيع الدار» اهـ.
١٠ - وظاهر الحديث يعم بيع الثمرة لمالك الشجرة كأن تكون الثمرة للبائع ولا يشترطها المبتاع فيبيعها له بعد ذلك.
وقد أجاز ذلك الإمام مالك في المشهور وهو أحد الوجهين عند الحنابلة والشافعية، والوجه الآخر عندهما المنع، وهو ظاهر الحديث. والله أعلم.
وخلاصة ذلك: أنَّه يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها في ثلاث صور:
الأولى: أن يبيعها بشرط القطع.
الثانية: أن يبيعها تبعًا لأصلها.
[ ٨ / ٩٩ ]
الثالثة: أن يبيعها تبعًا لما بدا صلاحه.
١١ - وظاهر الحديث اشتراط بدو الصلاح في جميع الثمار لجواز بيعها، ولا يكفي بدو الصلاح في بعضها دون بعض، وهذا الظاهر غير مراد ها هنا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٢٢):
«فصل: ولا يختلف المذهب أنَّ بدو الصلاح في بعض ثمرة النخلة أو الشجرة صالح لجمعيها أعني أنَّه يباح بيع جميعها بذلك ولا أعلم فيه اختلافًا، وهل يجوز بيع سائر ما في البستان من ذلك النوع؟ فيه روايتان أظهرهما جوازه وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن، وعنه لا يجوز إلَّا بيع ما بدا صلاحه لأنَّ ما لم يبد صلاحه داخل في عموم النهي ولأنَّه لم يبد صلاحه فلم يجز بيعه من غير شرط القطع كالجنس الآخر وكالذي في البستان الآخر.
ووجه الأولى أنَّه بدا الصلاح في نوعه من البستان الذي هو فيه فجاز بيع جميعه كالشجرة الواحدة؛ ولأنَّ اعتبار بدو الصلاح في الجميع يشق ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي فوجب أن يتبع ما لم يبد صلاحه من نوعه لما بدا على ما ذكرنا فيما أبر بعضه دون البعض.
فأمَّا نوع آخر من ذلك الجنس فقال القاضي: لا يتبعه وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وقال محمد بن الحسن: ما كان متقارب الإدراك فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه وإن كان يتأخر إدراك البعض تأخيرًا كثيرًا فالبيع جائز فيما أدرك ولا يجوز في الباقي. وقال أبو الخطاب: يجوز بيع ما في البستان من ذلك
[ ٨ / ١٠٠ ]
الجنس وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأنَّ الجنس الواحد يضم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب في الزكاة فيتبعه في جواز البيع كالنوع الواحد.
والأول أولى لأنَّ النوعين قد يتباعد إدراكهما فلم يتبع أحدهما الآخر في بدو الصالح كالجنسين ويخالف الزكاة فإنَّ القصد هو الغني من جنس ذلك المال لتقارب منفعته وقيام كل نوع مقام النوع الآخر في المقصود. والمعنى ها هنا هو تقارب إدراك أحدهما من الآخر ودفع الضرر الحاصل بالاشتراك واختلاف الأيدي ولا يخص ذلك في النوعين فصارا في هذا كالجنسين.
فصل: فأمَّا النوع الواحد من بستانين فلا يتبع أحدهما الآخر في جواز البيع حتى يبدو الصلاح في أحدهما متجاورين كانا أو متباعدين وهذا مذهب الشافعي وحكي عن أحمد رواية أخرى أنَّ بدو الصلاح في شجرة من القراح صلاح له ولما قاربه وبهذا قال مالك لأنَّهما يتقاربان في الصلاح فأشبها القراح الواحد ولأنَّ المقصود الأمن من العاهة وقد وجد. والمذهب الأول لأنَّه إنَّما جعل ما لم يبد صلاحه بمنزلة ما بدا وتابعًا له دفعًا لضرر الاشتراك واختلاف الأيدي وإلَّا فالأصل اعتبار كل شيء بنفسه وما في قراح آخر لا يوجد فيه هذا الضرر فوجب أن لا يتبع الآخر كما لو تباعدا وما ذكروه ينتقض بما لم يجاوره من ذلك النوع، ولو بدا صلاح بعض النوع والواحد فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه من بقية النوع من ذلك البستان لم يجز لدخوله تحت عموم النهي ويقدر قياسه على الصورة
[ ٨ / ١٠١ ]
المخصوصة من العموم وهي ما إذا باعه مع ما بدا صلاحه لأنَّه دخل في جواز البيع تبعًا دفعًا لمضرة الاشتراك واختلاف الأيدي ولا يوجد ذلك ها هنا؛ ولأنَّه قد يدخل في البيع تبعًا ما يجوز إفراده كالثمرة تباع مع الأصل والزرع مع الأرض واللبن في الضرع مع الشاة. ويحتمل الجواز لأنَّ الكل في حكم ما بدا صلاحه ولأنَّه يجوز بيعه مع غيره فجاز بيعها مفردًا كالذي بدا صلاحه» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٧ - ٣٩): «وأيضًا: فإنَّ الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح في حديقة من الحدائق هل يجوز بيع جميعها أم لا يباع إلَّا ما صلح منها على روايتين:
أشهرهما عنه: أنَّه لا يباع إلَّا ما بدا صلاحه وهي اختيار قدماء أصحابه كأبي بكر وابن شاقلاء.
والرواية الثانية: يكون بدو الصلاح في البعض صلاحًا للجميع، وهي اختيار أكثر أصحابه كابن حامد والقاضي ومن تبعهما.
ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنَّه قال إذا كان في بستان بعضه بالغ وبعضه غير بالغ بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ، فمنهم من فرق بين صلاح القليل والكثير كالقاضي أخيرًا، وأبي حكيم النهرواني وأبي البركات وغيرهم ممن قصر الحكم بما إذا غلب الصلاح ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير كأبي الخطاب وجماعات وهو قول مالك والشافعي والليث وزاد مالك فقال: يكون صلاحًا لما جاوره من الأقرحة وحكوا ذلك رواية عن أحمد.
[ ٨ / ١٠٢ ]
واختلف هؤلاء هل يكون صلاح النوع كالبرني من الرطب صلاحًا لسائر أنواع الرطب على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد:
أحدهما: المنع وهو قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد.
والثاني: الجواز وهو قول أبي الخطاب، وزاد الليث على هؤلاء فقال: صلاح الجنس كالتفاح واللوز يكون صلاحًا لسائر أجناس الثمار.
ومأخذ من جوز شيئًا من ذلك أنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك فإنَّ بيع بعض ذلك دون بعض يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي وهذه علة من فرق بين البستان الواحد والبساتين.
ومن سوى بينهما قال: المقصود الأمن من العاهة وذلك يحصل بشروع الثمر في الصلاح.
ومأخذ من منع ذلك أنَّ قول النبي ﷺ: "حتى يبدو صلاحها". يقتضي بدو صلاح الجميع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٨٢):
«فهذه المسألة إذا كان البستان مشتملًا على أنواع ففيها أيضًا قولان:
أحدهما - وهو قول الليث بن سعد - أنَّه يجوز بيع جميع البستان إذا صلح نوع منه كما يجوز بيع النوع جميعه إذا بدا صلاح بعضه؛ وذلك لأنَّ التفريق فيه ضرر عظيم، وذلك لأنَّ المشتري للنوع قد يتفق في النوع الآخر وقد لا يتفق من يشتري
[ ٨ / ١٠٣ ]
نوعًا دون نوع، وهذا القول أقوى من القول الثاني وهو المنع مطلقًا كما هو المشهور والجواز هنا بمجرد الحاجة وذلك أنَّ بيع المزابنة أعظم من بيع الثمر قبل بدو صلاحه فإنَّه بيع ربوي بجنسه خرصًا. والربا أعظم من الغرر لا سيما ونهيه عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها قد خص منه مواضع كما خص بيعه مع الشجر. فعلم أنَّ النَّهي لم يتناول بيعه مع غيره مطلقًا؛ بل قد يقال: إنَّما نهي عنه مفردًا كما نهي عن الذهب والحرير مفردًا ويباح مع غيره ما لا يباح مفردًا؛ ولأنَّه بيع رطب بجنسه الربوي يابسًا وهذا محرم بالنص أيضًا كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وقد جاز من دخول المعدوم في بيع الثمرة ما لم يثبت نظيره في المزابنة. فإذا كان النَّبي ﷺ قد أرخص في العرايا استثناء من المزابنة للحاجة فلأنَّ يجوز بيع النوع تبعًا للنوع مع أنَّ الحاجة إلى ذلك أشد وأولى ولا يلزم من منعه مفردًا منعه مضمومًا. ألا ترى أنَّ الحمل لا يجوز إفراده بالبيع وبيع الحيوان الحامل جائز بالإجماع وإن اشترط كونه حاملًا، ونظائره كثيرة في الشريعة. وسر الشريعة في ذلك كله: أنَّ الفعل إذا اشتمل على مفسدة منع منه إلَّا إذا عارضها مصلحة راجحة كما في إباحة الميتة للمضطر. وبيع الغرر نهى عنه لأنَّه من نوع الميسر الذي يفضي إلى أكل المال بالباطل فإذا عارض ذلك ضرر أعظم من ذلك أباحه دفعًا لأعظم الفسادين باحتمال أدناهما. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٢٣):
[ ٨ / ١٠٤ ]
«إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان.
وقال شيخنا: يجوز بيع البستان كله تبعًا لما بدا صلاحه سواء كان من نوعه أولم يكن، تقارب إدراكه وتلاحق أم تباعد، وهو مذهب الليث بن سعد» اهـ.
قُلْتُ: اشتراط بدو الصلاح في كل ثمرة لجواز بيعها فيه مفسدة ظاهرة على صاحب المزرعة، فإنَّه إن انتظر بدو الصلاح في كل ثمرة من ثمار البستان أدى ذلك إلى فساد كثير من الثمار، فإنَّ الثمار لا يبدو صلاحها دفعة واحدة، وإنَّما شيئًا فشيئًا.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ١٥٥):
«وأيضًا فلو قيل بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره وقد من الله تعالى بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطول زمن التفكه بها» اهـ.
فإن قيل: المخرج من ذلك أن يبيع كل ما بدا صلاحه حتى لا يفسد عليه، قيل بيع كل ما يبدو صلاحه على حدة مما فيه حرج على صاحب البستان، وقد لا يتسر وجود مشتري عند صلاح كل ثمرة فيؤدي ذلك إلى إفسادها عليه، وهذا مما لا تأتي به الشريعة.
[ ٨ / ١٠٥ ]
وهكذا التفريق بين الأنواع فيه حرج على المشتري إذ قد لا يتيسر له من يشتري منه كل نوع على حدة، فالذي يظهر لي صحة قول من ذهب إلى جواز بيع الجنس الواحد من الثمرة وإن اختلفت أنواعه. والله أعلم.
وخلاصة ما سبق يمكن تقريبه في فقرات:
الأولى: أنَّ بدو الصلاح في بعض ثمار الشجرة الواحدة كبدو الصلاح في جميعها فيباع ما لم يبدو صلاحه تبعًا لما بدا صلاحه بالاتفاق.
الثانية: هل صلاح بعض الثمار في نوع يجيز بيع ما لم يبدو صلاحه من ذلك النوع تبعًا له.
في ذلك نزاع:
المذهب الأول: الجواز وإليه ذهب مالك، والشافعي وأحمد في رواية.
لكن الإمام أحمد اعتبر أن يكون بدو الصلاح هو الغالب، ولم يعتبر ذلك الإمامان مالك والشافعي.
المذهب الثاني: المنع وهي الرواية الأخرى لأحمد.
الثالثة: هل صلاح بعض الثمار في نوع يجيز بيع ما لم يبدو صلاحه من نوع آخر من نفس الجنس تبعًا له.
في ذلك نزاع بين العلماء:
المذهب الأول: جواز ذلك وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وأحمد.
[ ٨ / ١٠٦ ]
المذهب الثاني: جواز ذلك فيما قرب إدراكه دون ما بعد وهو قول محمد بن الحسن.
المذهب الثالث: المنع من ذلك وهو الوجه الآخر لأصحاب الشافعي وأحمد.
الرابعة: هل صلاح بعض الثمار في جنس يجيز بيع ما لم يبدو صلاحه من جنس آخر تبعًا له.
الأكثر على المنع، وأجازه الليث بن سعد، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
وإليه ذهب ابن حزم لكنه استثنى النخل والعنب فقال كما في [الْمُحَلَّى] (٨/ ٤٥٧): «حاشا ثمر النخل والعنب فقط: فإنَّه لا يجوز بيع شيء منه لا وحده، ولا مع غيره إلَّا حتى يزهى ثمر النخل، ويبدأ سواد العنب أو طيبه» اهـ.
الخامسة: هل صلاح بعض الثمار في نوع يجيز بيع ما لم يبدو صلاحه من نفس النوع إذا كان في بستان آخر مجاور له.
في ذلك نزاع بين العلماء:
المذهب الأول: المنع وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية.
المذهب الآخر: الجواز وهو مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى.
١٢ - وفيه النهي عن القمار، وذلك أنَّ مشتري الثمرة قبل بدو صلاحها إنَّما يشتريها بأقل من ثمنها من أجل المخاطرة، فهو دائر في ذلك بين مغنم ومغرم؛
[ ٨ / ١٠٧ ]
وذلك أنَّه إذا لم تصب الثمرة العاهة فهو غانم، وإن أصابتها فهو غارم، وهذا هو القمار.
١٣ - وفيه حرص الشارع على قطع النزاع والخصومة بين الناس.
١٤ - وفيه النهي عن الغرر، وذلك أنَّ الغرر على ما سبق بيانه هو مجهول العاقبة، والعاقبة في بيع الثمر قبل بدو صلاحها بشرط الإبقاء مجهولة، فقد تسلم الثمرة من العاهة وقد لا تسلم.
وبهذا يتبين أنَّ النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها داخل في قاعدة النهي عن القمار والغرر.
١٥ - واحتج به البخاري على جواز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح ولو وجبت عليه الزكاة.
فقال ﵀ في "صحيحه": «باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه وقد وجب فيه العشر أو الصدقة فأدى الزكاة من غيره أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٥٢):
«ظاهر سياق هذه الترجمة أنَّ المصنف يرى جواز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح ولو وجبت فيها الزكاة بالخرص مثلًا لعموم قوله: "حتى يبدو صلاحها" وهو أحد قولي العلماء، والثاني: لا يجوز بيعها بعد الخرص لتعلق حق المساكين بها وهو أحد
[ ٨ / ١٠٨ ]
قولي الشافعي، وقائل هذا حمل الحديث على الجواز بعد الصلاح وقبل الخرص جمعًا بين الحديثين.
وأمَّا قوله: "العشر أو الصدقة" فمن العام بعد الخاص وفيه إشارة إلى الرد على من جعل في الثمار العشر مطلقًا من غير اعتبار نصاب ولم يرد أنَّ الصدقة تسقط بالبيع.
وأمَّا قوله: "فأدى الزكاة من غيره" فلأنَّه إذا باع بعد وجوب الزكاة فقد فعل أمرًا جائزًا كما تقدم فتعلقت الزكاة بذمته فله أن يعطيها من غيره أو يخرج قيمتها على رأي من يجيزه وهو اختيار البخاري كما سبق.
وأمَّا قوله: "ولم يخص من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب" فيتوقف على مقدمة أخرى وهي أنَّ الحق يتعلق بالصلاح وظاهر القرآن يقتضي أنَّ وجوب الإيتاء إنَّما هو يوم الحصاد على رأي من جعلها في الزكاة إلَّا أن يقال إنَّما تعرضت الآية لبيان زمن الإيتاء لا لبيان زمان الوجوب، والظاهر أنَّ المصنف اعتمد في تصحيح هذه المقدمة استعمال الخرص عند الصلاح لتعلق حق المساكين فطواها بتقديمه حكم الخرص فيما سبق أشار إلى ذلك ابن رشيد.
وقال ابن بطال: أراد البخاري الرد على أحد قولي الشافعي بفساد البيع كما تقدم.
وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار ويؤخذ العشر منه ويرجع هو على البائع.
[ ٨ / ١٠٩ ]
وعن مالك: العشر على البائع إلَّا أن يشترطه على المشتري وهو قول الليث، وعن أحمد الصدقة على البائع مطلقًا وهو قول الثوري والأوزاعي والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٣٥):
«اختلف العلماء في هذه المسألة، فقال مالك: من باع أصل حائطه أو أرضه، وفي ذلك زرع أو ثمر قد بدا صلاحه وحل بيعه، فزكاة ذلك التمر على البائع إلَّا أن يشترطها على المبتاع، ووجه قوله أنَّ المراعاة في الزكاة إنَّما تجب بطيب الثمرة، فإذا باعها ربها وقد طاب أولها فقد باع ماله، وحصة المساكين معه، فيحمل على أنَّه قد ضمن ذلك ويلزمه.
وقال أبو حنيفة: المشترى بالخيار بين إنفاذ البيع ورده، فالعشر مأخوذ من الثمرة من يد المشترى، ويرجع على البائع بقدر ذلك، ووجه قوله في العشر مأخوذ من الثمرة، لأنَّ سنة الساعي أن يأخذ الزكاة من كل ثمرة يجدها، فوجب الرجوع على البائع بقدر ذلك، كالعيب الذي يرجع بقيمته، وقال الشافعي في أحد قوليه: إنَّ البيع فاسد، لأنَّه باع ما يملك وما لا يملك، وهو نصيب المساكين ففسدت الصفقة، وعلى هذا القول رد البخاري بقوله في هذا الباب فلم يحظر البيع بعد الصلاح على أحد، ولم يخص من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب.
والشافعي منع البيع بعد الصلاح فخالف إباحة النبي ﷺ لبيع الثمار إذا بدا صلاحها، واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي أنَّه إذا باع أصل الثمرة
[ ٨ / ١١٠ ]
وفيها ثمر لم يبد صلاحه أنَّ البيع جائز، والزكاة على المشترى لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وأمَّا الذي ورد فيه نهى النبي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها هو بيع الثمرة خاصة دون الأصل، لأنَّه يخشى عليه أن لا تتم الثمرة، فيذهب مال المشترى في غير عوض، وإن ابتاع رقبة الثمرة، وإن كان فيها ثمر لم يبد صلاحه، فهو جائز، لأنَّ البيع إنَّما وقع على الرقبة لا ثمرتها التي لم تظهر بعد، فهذا الفرق بينهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٠٩):
«فصل: ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص، وبعده، بالبيع والهبة وغيرهما.
فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه، فصدقته على البائع والواهب.
وبهذا قال الحسن، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وبه قال الليث، إلَّا أن يشترطها على المبتاع، وإنَّما وجبت على البائع؛ لأنَّها كانت واجبة عليه قبل البيع فبقي على ما كان عليه، وعليه إخراج الزكاة من جنس المبيع والموهوب.
وعن أحمد، أنَّه مخير بين أن يخرج ثمرًا أو من الثمن.
قال القاضي: والصحيح أنَّ عليه عشر الثمرة؛ فإنَّه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، على صحيح المذهب، ولأنَّ عليه القيام بالثمرة حتى يؤدي الواجب منها ثمرًا، فلا يسقط ذلك عنه ببيعها ولا هبتها.
[ ٨ / ١١١ ]
ويتخرج أن تجب الزكاة على المشتري، على قول من قال: إنَّ الزكاة إنَّما تجب يوم حصاده، لأنَّ الوجوب إنَّما تعلق بها في ملك المشتري، فكان عليه.
ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، ثم بدا صلاحها في يد المشتري على وجه صحيح، مثل أن يشتري نخلة مثمرة، ويشترط ثمرتها، أو وهبت له ثمرة قبل بدو صلاحها، فبدا صلاحها في يد المشتري أو المتهب، أو وصى له بثمرة فقبلها بعد موت الموصي، ثم بدا صلاحها، فالصدقة عليه؛ لأنَّ سبب الوجوب وجد في ملكه، فكان عليه، كما لو اشترى سائمة أو اتهبها، فحال الحول عليها عنده» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي جواز بيع جميع الثمرة بعد بدو صلاحها على ظاهر الحديث، وأمَّا ما يتعلق بالزكاة فتكون على البائع إلَّا إذا اشترطها على المبتاع، وأمَّا قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فقد تنازع العلماء في الحق الذي يؤتى قبل الحصاد هل هي الزكاة المفروضة أو غيرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥):
«اختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا وهل هو منسوخ أو لا؟ فقال جماعة من العلماء: هذا الحق هو الزكاة المفروضة وممن قال بهذا أنس بن مالك وابن عباس وطاووس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضحاك وسعيد بن المسيب ومالك نقله عنهم القرطبي، ونقله ابن كثير عن أنس وسعيد وغيرهما
[ ٨ / ١١٢ ]
ونقله ابن جرير عن ابن عباس وأنس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب وقتادة وطاووس ومحمد بن الحنفية والضحاك وابن زيد.
وقال قوم: ليس المراد به الزكاة وإنَّما المراد به أنَّه يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة والضغث ونحو ذلك وحمله بعضهم على الوجوب وحمله بعضهم على الندب قال القرطبي: وقال علي بن الحسين وعطاء والحكم وحماد وسعيد بن جبير ومجاهد: هو حق في المال سوى الزكاة أمر الله به ندبًا وروي عن ابن عمر ومحمد بن الحنفية أيضًا ورواه أبو سعيد الخدري عنه ﷺ.
قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل وإذا جذذت فألق لهم في الشماريخ وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته.
وقال قوم: هو حق واجب غير الزكاة وهو غير محدد بقدر معين وممن قال به عطاء كما نقله عنه ابن جرير.
وقال قوم: هي منسوخة بالزكاة واختاره ابن جرير وعزاه الشوكاني في تفسيره لجمهور العلماء وأيده بأنَّ هذه السورة مكية وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة.
[ ٨ / ١١٣ ]
وقال ابن كثير في القول بالنسخ نظر لأنَّه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنَّه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته. قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة. والله أعلم. انتهى من ابن كثير.
ومراده أن شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له وممن روى عنه القول بالنسخ ابن عباس ومحمد ابن الحنفية والحسن والنخعي وطاووس وأبو الشعثاء وقتادة والضحاك وابن جريج نقله عنهم الشوكاني والقرطبي أيضًا ونقله عن السدي وعطية ونقله ابن جرير أيضا عن ابن عباس وابن الحنفية وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن والسدي وعطية واستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أنَّ زكاة الحرث لا تؤخذ إلَّا بعد التذرية والتنقية وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجذاذ فدل على عدم الأخذ يوم الحصاد فعلم أنَّ الآية منسوخة أو أنها على سبيل الندب فالأمر واضح» اهـ.
قُلْتُ: وعلى فرض أنَّ الآية واردة في الزكاة فهي واردة في بيان زمن الإيتاء لا زمن الوجوب، وأمَّا الوجوب فيكون من حين بدو صلاحها لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وهكذا القول بمشروعية إخراج القيمة في هذه الصورة له حظه من النظر كما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية.
[ ٨ / ١١٤ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٨٢ - ٨٣): «وأمَّا إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك. فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنَّه لا يجوز وعند أبي حنيفة يجوز وأحمد ﵀ قد منع القيمة في مواضع وجوزها في مواضع فمن أصحابه من أقر النص ومنهم من جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أنَّ إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه ولهذا قدر النبي ﷺ الجبران بشاتين أو عشرين درهمًا ولم يعدل إلى القيمة ولأنَّه متى جوز إخراج القيمة مطلقًا فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة وقد يقع في التقويم ضرر ولأنَّ الزكاة مبناها على المواساة وهذا معتبر في قدر المال وجنسه وأمَّا إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به، مثل: أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل وليس عنده من يبيعه شاة فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء» اهـ.
١٦ - ومفهوم الحديث جواز بيع المشتري للثمرة بعد بدو صلاحها ولو بأكثر مما اشتراه. وذلك أنَّ البيع لا يكون غالبًا إلَّا بربح.
[ ٨ / ١١٥ ]
لكن روى أحمد (٦٦٢٨، ٦٦٧١، ٦٩١٨)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦٣٠، ٤٦٣١)، والترمذي (١٢٣٤)، وابن ماجة (٢١٨٨)
عن عبد الله بن عمرو قال، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
ولفظ ابن ماجة: «لَا يَحِلُّ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ».
وفي لفظ لأحمد: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٧٧):
«ولنا في جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان؛ لما في ذلك من ربح ما لم يضمن. ورواية ثالثة: إن زاد فيها عمارة جازت زيادة الأجرة فتكون الزيادة في مقابلة الزيادة. فالروايتان في بيع الثمار المشتراة نظير الروايتين في إيجار العين المؤجرة. ولو قيل في الثمار: إنَّما يمنع من الزيادة على الثمن كرواية المنع في الإجارة لتوجه ذلك» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختار ﵀ جواز ذلك في الإجارة فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٣٠٨):
[ ٨ / ١١٦ ]
«وأمَّا التجارة المجردة في المنافع: مثل أن يستأجر دارًا ويؤجرها بأكثر من الأجرة من غير عمل يحدثه. ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: "أشهرهما" عنه يجوز وهو قول أكثر العلماء: كمالك والشافعي.
"والثاني": لا يجوز كقول أبي حنيفة. قالوا. لأنَّه يدخل في ربح ما لم يضمن. والأول أصح؛ لأنَّ هذه المنافع مضمونة على المستأجر. بمعنى أنَّه إذا سلم إليه العين المؤجرة ولم ينتفع بالعين تلفت على ملكه؛ بخلاف ما إذا تلفت العين المؤجرة؛ فإنَّ هذا بمنزلة تلف الثمر قبل صلاحه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٩٤ - ١٩٧):
«والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علته وهو من محاسن الشريعة. فإنَّه لم يتم عليه استيلاء، ولم تنقطع علق البائع عنه فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الاقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنَّما يقبضه على إغماض وتأسف على فوت الربح فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم بالمشاهدة. فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستقر عليه ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ، وتنقطع علقه عنه. وقد نص أحمد على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره: أنَّه إنَّما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
[ ٨ / ١١٧ ]
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمسألتين. إحداهما: بيع الثمار بعد بدو صلاحها، فإنَّكم تجوزون لمشتريها أن يبيعها على رءوس الأشجار وأن يربح فيها ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمانة البائع، فيلزمكم أحد أمرين: إمَّا أن تمنعوا بيعها. وإمَّا أن لا تقولوا بوضع الجوائح. كما يقول الشافعي وأبو حنيفة. بل تكون من ضمانه فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟
المسألة الثانية: أنَّكم تجوزون للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة، مع أنَّها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر، فهذا ربح ما لم يضمن.
قيل: النقض الوارد إمَّا أن يكون بمسألة منصوص عليها، أو مجمع على حكمها. وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما ولا مجمع على حكمهما فلا يردان نقضًا. فإنَّ في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد. فإن منعنا البيع بطل النقض وإن جوزنا البيع - وهو الصحيح - فلأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك. فإنَّ الثمار قد لا يمكن بيعها إلَّا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضًا، فجوزنا له بيعها، لأنَّها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة، لأنَّها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه رتبنا على الوجهين مقتضاهما وهذا من ألطف الفقه.
[ ٨ / ١١٨ ]
وأمَّا مسألة الإجارة: فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة على ثلاث روايات:
إحداهن: المنع مطلقًا، لئلا يربح فيما لم يضمن وعلى هذا فالنقض مندفع.
والثانية: أنَّه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة، وإلَّا فلا، لأنَّ الزيادة لا تكون ربحًا بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة. وعلى هذه الرواية أيضًا فالنقض مندفع.
والثالثة: أنَّه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقًا، وهذا مذهب الشافعي، وهذه الرواية أصح. فإنَّ المستأجر لو عطل المكان وأتلف منافعه بعد قبضه لتلف من ضمانه، لأنَّه قبضه القبض التام. ولكن لو انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجر لزوال محل المنفعة فالمنافع مقبوضة. ولهذا له استثناؤها بنفسه وبنظيره، وإيجارها والتبرع بها، ولكن كونها مقبوضة مشروط ببقاء العين. فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء، فكانت من ضمان المؤجر. وسر المسألة: أنَّه لم يربح فيما لم يضمن وإنَّما هو مضمون عليه بالأجرة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس. والله أعلم.
١٧ - وفيه جواز بيع الجزاف في غير الربوي بجنسه.
ولا خلاف في ذلك.
* * *
[ ٨ / ١١٩ ]
٢٥٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: «حَتَّى تَحْمَرَّ».
قَالَ: «أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فيه النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
٢ - وفيه أنَّ صلاح ثمرة النخيل باحمرار الثمرة، أو اصفرارها. و"الإزهاء" تغير لون الثمرة.
قُلْتُ: وصلاح كل شيء على حسبه، ويجمع ذلك بلوغها إلى حالة تصلح لأنَّ يؤكل منها أكلًا غالبًا.
٣ - وفيه بيان العلة من تحريم ذلك، وهو أنَّ الثمرة قبل بدو صلاحها معرضة للآفة فيكون البائع حينئذ قد أكل مال أخيه بغير عوض ناله، وهو من أكل المال بالباطل.
وهذه الجملة: «أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ»؟. تنازع العلماء في رفعها ووقفها.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٣٧٨/ ١١٢٩):
[ ٨ / ١٢٠ ]
«وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه محمد بن عباد، عن عبد العزيز الدراوردي، عن حميد، عن أنس، أنَّ النَّبي ﷺ، قال: "إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه".
فقالا: هذا خطأ، إنَّما هو كلام أنس.
قال أبو زرعة: كذا يرويه الدراوردي، ومالك بن أنس، مرفوعًا، والناس يروونه، موقوفًا، من كلام أنس» اهـ.
وَسُئِلَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ عن هذا الحديث فقال فِي [الْعِلَلِ] (١٢/ ٦٠):
«يرويه مالك، عن حميد، عن أنس. وأسند الحديث كله إلى النبي ﷺ. ورواه الدراوردي - من رواية محمد بن عباد، عنه - عن حميد، عن أنس.
وأسند آخر الحديث كما أسنده مالك.
وخالفه إبراهيم بن حمزة ويحيى بن سليمان بن نضلة، فجعلا آخر الحديث من كلام أنس.
وكذلك رواه إسماعيل بن جعفر، وبشر بن المفضل، وأبو خالد الأحمر، ومعتمر بن سليمان، وعبيدة بن حميد، وسفيان بن حبيب، ويحيى بن أيوب، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، جعلوا آخر الحديث من قول أنس. وهو الصواب» اهـ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَاكِمُ ﵀ فِي [مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيْثِ] (ص: ٢٠٣):
[ ٨ / ١٢١ ]
«هذه الزيادة في هذا الحديث: "أرأيت أن منع الله الثمرة" عجيبة فإنَّ مالكَ بن أنس ينفرد بها ولم يذكرها غيره علمي في هذا الخبر، وقد قال بعض أئمتنا: أنَّها من قول أنس فسمعت الشيخ أبا بكر إسحاق يقول: رأيت مالك بن أنس في المنام شيخ أسمر طوال، فقُلْتُ: أحدثكم حميد الطويل عن أنس أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أرأيت أن منع الله الثمرة؟ فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " قال: "نعم"» اهـ.
وَقَالَ الْخَطِيْبُ الْبِغْدَادِيُّ ﵀ فِي [الْفَصْلِ لِلْوَصْلِ الْمُدْرَجِ] (١/ ١٢٥ - ١٢٦): «قال أبو القاسم بن منيع روى هذا الحديث جماعة كلهم عن حميد من قول أنس ولا نعلم أحدًا رفعه إلَّا الدراوردي.
قد رواه إبراهيم بن حمزة الزبيري عن الدراوردي موقوفًا كما ذكرناه وإبراهيم أتقن من محمد بن عباد وليس يصح أنَّ أحدًا رفعه سوى مالك والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٣/ ٧٥):
«وقد بينت في المدرج أنَّ هذه الجملة موقوفة من قول أنس وأنَّ رفعها وهم وبيانها عند مسلم» اهـ.
قُلْتُ: رواية مسلم في [صَحِيْحِهِ] (١٥٥٥) هي قوله: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ»، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: «تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟».
[ ٨ / ١٢٢ ]
وَقَالَ فِي [الدِّرَايَةِ] (٢/ ١٦٠): «مدرج من قَول أنس» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ فَتْحِ الْبَارِي] (٣٥٨):
«قُلْتُ: سبق الدارقطني إلى دعوى الإدراج في هذا الحديث أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وابن خزيمة وغير واحد من أئمة الحديث كما أوضحته في كتابي تقريب المنهج بترتيب المدرج» اهـ.
قُلْتُ: وكلامه في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٩٩) بخلاف هذا فقد قال ﵀:
«قلت: وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا لأنَّ مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٦٥):
«قال أبو مسعود الدمشقي جعل مالك والدراوردي قول أنس أرأيت إن منع الله الثمرة من حديث النبي أدرجاه فيه ويرون أنَّه غلط. وفيما قاله أبو مسعود نظر» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّها مدرجة من كلام أنس.
٤ - واحتج بالحديث على وضع الجوائح. وحمله بعض العلماء وضعها قبل بدو صلاحها وستأتي مناقشة شيخ الإسلام لذلك، وقد دلت السنة على وضعها بعد بدو صلاحها وقبل التمكن من أخذها، وذلك ما رواه مسلم (١٥٥٤) عَنْ جَابِرِ
[ ٨ / ١٢٣ ]
بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٦٨):
«والأصل في أنَّ تلف المبيع والمستأجر قبل التمكن من قبضه ينفسخ به العقد: من السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " وفي رواية أخرى: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أمر بوضع الجوائح. فقد بين النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح أنَّه إذا باع ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل له أن يأخذ منه شيئًا. ثم بين سبب ذلك وعلته فقال: "بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " وهذا دلالة على ما ذكره الله في كتابه من تحريم أكل المال بالباطل وأنَّه إذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه كان أخذ شيء من الثمن أخذ ماله بغير حق؛ بل بالباطل وقد حرم الله أكل المال بالباطل؛ لأنَّه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به السماء والأرض. وهذا الحديث أصل في هذا الباب» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٧٠ - ٢٨٣):
«ووضع الجوائح من هذا الباب فإنَّها ثابتة بالنص وبالعمل القديم الذي لم يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين وبالقياس الجلي والقواعد المقررة؛ بل عند التأمل الصحيح ليس في العلماء من يخالف هذا الحديث على التحقيق. وذلك أنَّ
[ ٨ / ١٢٤ ]
القول به هو مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا وعليه العمل عندهم من لدن رسول الله ﷺ إلى زمن مالك وغيره وهو مشهور عن علمائهم: كالقاسم بن محمد ويحيى بن سعيد القاضي ومالك وأصحابه وهو مذهب فقهاء الحديث: كالإمام أحمد وأصحابه وأبي عبيد والشافعي في قوله القديم. وأمَّا في القول الجديد فإنَّه علق القول به على ثبوته؛ لأنَّه لم يعلم صحته فقال ﵁: لم يثبت عندي أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أمر بوضع الجوائح ولو ثبت لم أعده ولو كنت قائلًا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. فقد أخبر أنَّه إنَّما لم يجزم به؛ لأنَّه لم يعلم صحته. وعلق القول به على ثبوته فقال: لو ثبت لم أعده. والحديث ثابت عند أهل الحديث لم يقدح فيه أحد من علماء الحديث؛ بل صححوه ورووه في الصحاح والسنن رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والإمام أحمد. فظهر وجوب القول به على أصل الشافعي أصلًا.
وأمَّا أبو حنيفة فإنَّه لا يتصور الخلاف معه في هذا الأصل على الحقيقة؛ لأنَّ من أصله: أنَّه لا يفرق بين ما قبل بدو الصلاح وبعده ومطلق العقد عنده وجوب القطع في الحال. ولو شرط التبقية بعد بدو الصلاح لم يصح عنده؛ بناء على ما رآه من أنَّ العقد موجب التقابض في الحال فلا يجوز تأخيره؛ لأنَّه شرط يخالف مقتضى العقد فإذا تلف الثمر عنده بعد البيع والتخلية فقد تلف بعد وجوب قطعه كما لو تلف عند غيره بعد كمال صلاحه. وطرد أصله في الإجارة فعنده لا يملك
[ ٨ / ١٢٥ ]
المنافع فيها إلَّا بالقبض شيئًا فشيئًا لا تملك بمجرد العقد وقبض العين؛ ولهذا يفسخها بالموت وغيره. ومعلوم أنَّ الأحاديث عن النبي ﷺ متواترة في التفريق بين ما بعد بدو الصلاح وقبل بدوه كما عليه جماهير العلماء حيث نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وذلك ثابت في الصحاح من حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبي هريرة، فلو كان أبو حنيفة ممن يقول ببيع الثمار بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح ظهر النزاع معه.
والذين ينازعون في وضع الجوائح لا ينازعون في أنَّ المبيع إذا تلف قبل التمكن من القبض يكون من ضمان البائع؛ بل الشافعي أشد الناس في ذلك قولًا؛ فإنَّه يقول: إذا تلف قبل القبض كان من ضمان البائع في كل مبيع ويطرد ذلك في غير البيع. وأبو حنيفة يقول به في كل منقول، ومالك وأحمد القائلان بوضع الجوائح يفرقان بين ما أمكن قبضه كالعين الحاضرة وما لم يمكن قبضه؛ لما روى البخاري من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: "مضت السنة أنَّ ما أدركته الصفقة حبًا مجموعًا فهو من مال المشتري".
وأمَّا النزاع في أنَّ تلف الثمر قبل كمال صلاحه تلف قبل التمكن من القبض أم لا؟ فإنَّهم يقولون: هذا تلف بعد قبضه؛ لأنَّ قبضه حصل بالتخلية بين المشتري وبينه؛ فإنَّ هذا قبض العقار وما يتصل به بالاتفاق؛ ولأنَّ المشتري يجوز تصرفه فيه بالبيع وغيره وجواز التصرف يدل على حصول القبض؛ لأنَّ التصرف في المبيع
[ ٨ / ١٢٦ ]
قبل القبض لا يجوز فهذا سر قولهم. وقد احتجوا بظاهر من أحاديث معتضدين بها. مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: "أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلَّا ذلك". ومثل ما روي في الصحيحين: "أنَّ امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إنَّ ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى ألا يفعل. فقال النبي ﷺ: "تألى أن لا يفعل خيرًا". ولا دلالة في واحد من الحديثين.
أمَّا الأول: فكلام مجمل فإنَّه حكى أنَّ رجلًا اشترى ثمارًا فكثرت ديونه فيمكن أنَّ السعر كان رخيصًا فكثر دينه لذلك. ويحتمل أنَّها تلفت أو بعضها بعد كمال الصلاح أو حوزها إلى الجرين أو إلى البيت أو السوق. ويحتمل أن يكون هذا قبل نهيه أن تباع الثمار قبل بدو صلاحها. ولو فرض أنَّ هذا كان مخالفًا لكان منسوخًا؛ لأنَّه باق على حكم الأصل وذاك ناقل عنه وفيه سنة جديدة فلو خولفت لوقع التغيير مرتين.
وأمَّا الحديث الثاني فليس فيه إلَّا قول النبي ﷺ: "تألى إلَّا يفعل خيرًا" والخير قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا ولم يحكم عليه لعدم مطالبة
[ ٨ / ١٢٧ ]
الخصم وحضور البينة أو الإقرار ولعل التلف كان بعد كمال الصلاح. وقد اعترض بعضهم على حديث الجوائح بأنَّه محمول على بيع الثمر قبل بدو صلاحه كما في حديث أنس. وهذا باطل لعدة أوجه.
أحدها: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة". والبيع المطلق لا ينصرف إلَّا إلى البيع الصحيح.
والثاني: أنَّه أطلق بيع الثمرة ولم يقل قبل بدو صلاحها. فأمَّا تقييده ببيعها قبل بدو صلاحها فلا وجه له.
الثالث: أنَّه قيد ذلك بحال الجائحة وبيع الثمر قبل بدو صلاحه لا يجب فيه ثمن بحال.
الرابع: أنَّ المقبوض بالعقد الفاسد مضمون فلو كان الثمر على الشجر مقبوضًا لوجب أن يكون مضمونًا على المشتري في العقد الفاسد. وهذا الوجه يوجب أن يحتج بحديث أنس على وضع الجوائح في البيع الصحيح كما توضع في البيع الفاسد؛ لأنَّ ما ضمن في الصحيح ضمن في الفاسد وما لا يضمن في الصحيح لا يضمن في الفاسد.
وأمَّا قولهم: إنَّه تلف بعد القبض فممنوع بل نقول: ذلك تلف قبل تمام القبض وكماله؛ بل وقبل التمكن من القبض؛ لأنَّ البائع عليه تمام التربية من سقي الثمر حتى لو ترك ذلك لكان مفرطًا ولو فرض أنَّ البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية فالمشتري إنَّما عليه أن يقبضه على الوجه المعروف المعتاد. فقد وجد التسليم دون
[ ٨ / ١٢٨ ]
تمام التسلم وذلك أحد طرفي القبض. ولم يقدر المشتري إلَّا على ذلك. وإنَّما على المشتري أن يقبض المبيع على الوجه المعروف المعتاد الذي اقتضاه العقد سواء كان القبض مستعقبًا للعقد أو مستأخرًا. وسواء كان جملة أو شيئًا فشيئًا. ونحن نطرد هذا الأصل في جميع العقود فليس من شرط القبض أن يستعقب العقد؛ بل القبض يجب وقوعه على حسب ما اقتضاه العقد؛ لفظًا وعرفًا؛ ولهذا يجوز استثناء بعض منفعة المبيع مدة معينة وإن تأخر بها القبض على الصحيح كما يجوز بيع العين المؤجرة ويجوز بيع الشجر واستثناء ثمره للبائع وإن تأخر معه كمال القبض. ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد. وسر ذلك أنَّ القبض هو موجب العقد فيجب في ذلك ما أوجبه العاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما وعرفهما؛ ولهذا قلنا إن شرطا تعجيل القطع جاز إذا لم يكن فيه فساد يحظره الشرع فإن المسلمين عند شروطهم إلَّا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. وإن أطلقا فالعرف تأخير الجذاذ والحصاد إلى كمال الصلاح.
وأمَّا استدلالهم بأنَّ القبض هو التخلية فالقبض مرجعه إلى عرف الناس حيث لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع. وقبض ثمر الشجر لا بد فيه من الخدمة والتخلية المستمرة إلى كمال الصلاح؛ بخلاف قبض مجرد الأصول. وتخلية كل شيء بحسبه. ودليل ذلك المنافع في العين المؤجرة.
وأمَّا استدلالهم بجواز التصرف فيه بالبيع فعن أحمد في هذه المسألة روايتان:
[ ٨ / ١٢٩ ]
إحداهما: لا يجوز بيعه ما دام مضمونًا على البائع؛ لأنَّه بيع ما لم يقبض فلا يجوز. وعلى هذا يمنع الحكم في الأصل.
والرواية الثانية: يجوز التصرف. وعلى هذه الرواية فذلك بمنزلة منافع الإجارة بأنَّها لو تلفت قبل الاستيفاء كانت من ضمان المؤجر بالاتفاق ومع هذا فيجوز التصرف فيها قبل القبض وذلك لأنَّه في الموضعين حصل الإقباض الممكن فجاز التصرف فيه باعتبار التمكن ولم يدخل في الضمان؛ لانتفاء كماله وتمامه الذي به يقدر المشتري والمستأجر على الاستيفاء وعلى هذا فعندنا لا ملازمة بين جواز التصرف والضمان؛ بل يجوز التصرف بلا ضمان كما هنا. وقد يحصل الضمان بلا جواز تصرف كما في المقبوض قبضًا فاسدًا كما لو اشترى قفيزًا من صبرة فقبض الصبرة كلها وكما في الصبرة قبل نقلها على إحدى الروايتين. اختارها الخرقي. وقد يحصلان جميعًا. وقد لا يحصلان جميعًا.
ولنا في جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان؛ لما في ذلك من ربح ما لم يضمن. ورواية ثالثة: إن زاد فيها عمارة جازت زيادة الأجرة فتكون الزيادة في مقابلة الزيادة. فالروايتان في بيع الثمار المشتراة نظير الروايتين في إيجار العين المؤجرة. ولو قيل في الثمار: إنَّما يمنع من الزيادة على الثمن كرواية المنع في الإجارة لتوجه ذلك.
وبهذا الكلام يظهر المعنى في المسألة وأنَّ ذلك تلف قبل التمكن من القبض المقصود بالعقد فيكون مضمونًا على البائع كتلف المنافع قبل التمكن من قبضها؛
[ ٨ / ١٣٠ ]
وذلك لأنَّ التخلية ليست مقصودة لذاتها وإنَّما مقصودها تمكن المشتري من قبض المبيع والثمر على الشجر ليس بمحرز ولا مقبوض؛ ولهذا لا قطع فيه. ولا المقصود بالعقد كونه على الشجر؛ وإنَّما المقصود حصاده وجذاذه ولهذا وجب على البائع ما به يتمكن من جذاذه وسقيه والأجزاء الحادثة بعد البيع داخلة فيه وإن كانت معدومة كما تدخل المنافع في الإجارة وإن كانت معدومة. فكيف يكون المعدوم مقبوضًا قبضًا مستقرًا موجبًا لانتقال الضمان؟.
فصل:
وعلى هذا الأصل تتفرع المسائل. فالجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد: مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك كما لو تلف بها غير هذا المبيع. فإن أتلفها آدمي يمكن تضمينه أو غصبها غاصب فقال أصحابنا كالقاضي وغيره: هي بمنزلة إتلاف المبيع قبل التمكن من قبضه يخير المشتري بين الإمضاء والفسخ كما تقدم. وإن أتلفها من الآدميين من لا يمكن ضمانه كالجيوش التي تنهبها واللصوص الذين يخربونها: فخرجوا فيه وجهين:
أحدهما: ليست جائحة لأنَّها من فعل آدمي.
والثاني: وهو قياس أصول المذهب أنَّها جائحة وهو مذهب مالك. كما قلنا مثل ذلك في منافع الإجارة لأنَّ المأخذ إنَّما هو إمكان الضمان؛ ولهذا لو كان المتلف
[ ٨ / ١٣١ ]
جيوش الكفار أو أهل الحرب كان ذلك كالآفة السماوية. والجيوش واللصوص وإن فعلوا ذلك ظلمًا ولم يمكن تضمينهم: فهم بمنزلة البرد في المعنى. ولو كانت الجائحة قد عيبته ولم تتلفه فهو كالعيب لحادث قبل التمكن من القبض وهو كالعيب القديم يملك به أو الأرش حيث يقول به. وإذا كان ذلك بمنزلة تلف المبيع قبل التمكن من قبضه فلا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين. وهي قول الشافعي وأبي عبيدة وغيرهما من فقهاء الحديث؛ لعموم الحديث والمعنى.
والثانية: أنَّ الجائحة الثلث فما زاد كقول مالك؛ لأنَّه لا بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير". وعلى الرواية الأولى يقال: الفرق مرجعه إلى العادة فما جرت العادة بسقوطه أو أكل الطير أو غيره له فهو مشروط في العقد والجائحة ما زاد على ذلك؛ وإذا زادت على العادة وضعت جميعها وكذلك إذا زادت على الثلث وقلنا بتقديره فإنَّها توضع جميعها. وهل الثلث مقدر بثلث القيمة أو ثلث المقدار؟ على وجهين. وهما قولان في مذهب مالك.
فصل:
والجوائح موضوعة في جميع الشجر عند أصحابنا وهو مذهب مالك. وقد نقل عن أحمد أنَّه قال: إنَّما الجوائح في النخل وقد تأوله القاضي على أنَّه أراد إخراج
[ ٨ / ١٣٢ ]
الزرع والخضر من ذلك ويمكن أنَّه أراد أنَّ لفظ الجوائح الذي جاء به الحديث هو في النخل وباقي الشجر ثابتة بالقياس لا بالنص؛ فإنَّ شجر المدينة كان النخل. وأمَّا الجوائح فيما يبتاع من الزرع ففيه وجهان ذكرهما القاضي وغيره.
أحدهما: لا جائحة فيها. قال القاضي: وهذا أشبه لأنَّها لا تباع إلَّا بعد تكامل صلاحها وأوان جذاذها؛ بخلاف الثمرة فإنَّ بيعها جائز بمجرد بدو الصلاح ومدته تطول. وعلى هذا الوجه حمل القاضي كلام أحمد: إنَّما الجوائح في النخل - يعني لما كان ببغداد - وقد سئل عن جوائح الزرع فقال: إنَّما الجوائح في النخل. وكذلك مذهب مالك أنَّه لا جائحة في الثمرة إذا يبست والزرع لا جائحة فيه كذلك لأنَّه إنَّما يباع يابسًا وهذا قول من لا يضع الجوائح في الثمر. كأبي حنيفة والشافعي في القول الجديد المعلق.
والوجه الثاني: فيها الجائحة كالثمرة. وهذا هو الذي قطع به غير واحد من أصحابنا كأبي محمد لم يذكروا فيه خلافًا ولم يفرقوا بين ذلك وبين الثمرة؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود وبيع الحب حتى يشتد فبيع هذا بعد اسوداده كبيع هذا بعد اشتداده. ومن حين يشتد إلى حين يستحصد مدة قد تصيبه فيها جائحة. ومن أصحابنا من قال: ما تكرر حمله كالقثاء والخيار ونحوهما من الخضر والبقول وغيرهما فهو كالشجر وثمره كثمره في ذلك؛ لصحة بيع أصوله صغارًا كانت أو كبارًا مثمرة أو غير مثمرة.
[ ٨ / ١٣٣ ]
فصل:
هذا إذا تلفت قبل كمال صلاحها ووقت جذاذها. فإن تركها إلى حين الجذاذ فتلفت حينئذ فكذلك عند أصحابنا. ونقل عن مالك أنَّها تكون من ضمان المشتري. وللشافعي قولان؛ وذلك لأنَّه لم يبق على البائع شيء من التسليم والمشتري لم يحصل منه تفريط لا خاص ولا عام فإنَّ تأخيرها إلى هذا الحين من موجب العقد. فأصحابنا راعوا عدم تمكن المشتري وعدم تفريطه والمنازع راعى تسليم البائع وتمكينه. وأمَّا إن تركها حتى تجاوز وقت نقلها وتكامل بلوغها ثم تلفت: ففيها لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون من ضمان البائع أيضًا لعدم كمال قبض المشتري وهو الذي قطع به القاضي في المجرد وابن عقيل وأكثر الأصحاب وهو مذهب مالك والشافعي؛ لكن القاضي في المجرد علله بما إذا لم يكن له عذر؛ دون ما إذا عاقه مرض أو مانع. وأمَّا غيره فذهبوا إلى:
الوجه الثالث: وهو عدم اعتبار إمكان الرفع والجد. قال ابن عقيل: هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا. وهو كما قال؛ فإنَّ هذه الثمرة بمنزلة المنفعة في الإجارة. ولو حال بين المستأجر وبينها حائل يخصه مثل مرضه ونحوه لم تسقط عنه الأجرة؛ بخلاف العام فإنَّه يسقط أجرة ما ذهب به من المنفعة.
فصل:
[ ٨ / ١٣٤ ]
هذا إذا اشترى الثمرة والزرع فإن اشترى الأصل بعد ظهور الثمر أو قبل التأبير واشترط الثمر فلا جائحة في ذلك عند أصحابنا ومالك وغيرهما. ولذلك احترز الخرقي من هذه الصورة فقال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة من السماء رجع بها على البائع وذلك لأنَّه هنا حصل القبض الكامل بقبض الأصل؛ ولهذا لا يجب على البائع سقي ولا مئونة أصلًا؛ فإنَّ المبيع عقار والعقار قبض بالتخلية والثمر دخل ضمنًا وتبعًا فإذا جاز بيعه قبل صلاحه جاز هنا تبعًا. ولو بيع مقصودًا لم يجز بيعه قبل صلاحه» اهـ.
قُلْتُ: ومن هذا الباب وضع الجوائح في منفعة الإجارة، فإنَّ منفعة الإجارة إذا نقصت بسبب بعض الجوائح فإنَّه يوضع من القيمة بمقدار ذلك.
ومن هذا ما يحصل من نقصان المنافع بسبب الحروب ودخول الأعداء أو البغاة أو الخوارج بلدة من البلدان فتتعطل أسواق الناس ويخرج كثير منهم من مساكنهم المستأجرة، فإنَّ من الظلم أن يطالب مثل هؤلاء بكمال الأجرة مع نقصان المنفعة أو انعدامها.
وهناك كلام جميل لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٩٨ - ٣٠٢) - عند كلامه على نقصان المنفعة في إجارة الأرض - قال فيه:
«فأي وقت نقصت فيه هذه المنفعة: بنقص ماء وانقطاعه أو بزيادته وتغريقه أو حدوث جراد أو برد أو حر أو ثلج ونحو ذلك مما يكون خارجًا عن العادة ومانعًا
[ ٨ / ١٣٥ ]
من المنفعة المعتادة فإنَّ ذلك يمنع المنفعة المستحقة المعقود عليها. فيجب أن يملك الفسخ أو يسقط من الأجرة بقدر ما فات من المنفعة كانقطاع الماء وليس بين انقطاع الماء وزيادته وسائر الموانع فرق يصلح لافتراق الحكم.
فصل:
إذا تبين ذلك فقد تقدم نص أحمد والخرقي وغيرهما على أنَّه عليه من الأجرة بقدر ما حصل له من المنفعة. وهذا نوعان:
أحدهما: حصول المنفعة في بعض زمن الإجارة أو بعض أجزاء العين المستأجرة فهذا تسقط فيه الأجرة على قدر ذلك ويجب بقسط ما حصل من المنفعة وتكون الأجرة مقسومة على قدر قيمة الأمكنة والأزمنة؛ فإن كلًا منهما قد يكون متماثلًا وقد يكون مختلفًا؛ بأن يكون بعض الأرض خيرًا من بعض وكري بعض فصول السنة أغلى من بعض. وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم.
والثاني: نقص المنفعة في نفس المكان الواحد والزمان الواحد؛ مثل أن يقل ماء السماء عن الوجه المعتاد أو يحصل غرق ينقص الزرع ونحو ذلك فهنا لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنَّه لا يملك إلَّا الفسخ.
والثاني - وهو مقتضى المنصوص وقياس المذهب -: أنَّه يخير بين الفسخ وبين الأرش كالبيع؛ بل هو في الإجارة أوكد؛ لأنَّه في البيع يمكنه الرد والمطالبة بالثمن. وهنا لا يمكنه رد جميع المنفعة فإنَّه لا يردها إلَّا متغيرة. فلو قيل هنا: إنَّه
[ ٨ / ١٣٦ ]
ليس له إلَّا المطالبة بالأرش: كما نقول على إحدى الروايتين: إن تعيب المبيع عند المشتري يمنع الرد بالعيب القديم ويوجب الأرش - لكان ذلك أوجه وأقيس من قول من يقول: ليس له إذا تعقب المنفعة إلَّا الرد دون المطالبة بالأرش. فهذا قول ضعيف جدًا بعيد عن أصول الشريعة وقواعد المذهب وخلاف ما نص عليه أحمد وأئمة أصحابه؛ وإن كان القاضي قد يقوله في " المجرد " ويتبعه عليه ابن عقيل أو غيره فالقاضي ﵁ صنف "المجرد" قديمًا بعد أن صنف "شرح المذهب" وقبل أن يحكم " التعليق" و"الجامع الكبير" وهو يأخذ المسائل التي وضعها الناس وأجابوا فيها على أصولهم فيجيب فيها بما نص عليه أحمد وأصحابه وبما تقتضيه أصوله عنده فربما حصل في بعض المسائل التي تتفرع وتتشعب ذهول للمفرع في بعض فروعها عن رعاية الأصول والنصوص في نحو ذلك. وعلى هذا فإذا حصل من الضرر - كالبرد الشديد والغرق والهواء المؤذي والجراد والجليد والفأر ونحو ذلك - ما نقص المنفعة المقصودة المعتادة المستحقة بالعقد فيصنع في ذلك كما يصنع في أرش المبيع المعيب: تنظر قيمة الأرض بدون تلك الآفة وقيمتها مع تلك الآفة وينسب النقص إلى القيمة الكاملة ويحط من الأجرة المسماة بقدر النقص كأن تكون أجرتها مع السلامة تساوي ألفًا ومع الآفة تساوي ثمانمائة فالآفة قد نقصت خمس القيمة فيحط خمس الأجرة المسماة وكذلك في جائحة الثمر: ينظر كم نقصته الجائحة؟ هل نقصته ثلث قيمته أو ربعها أو خمسها؟ يحط
[ ٨ / ١٣٧ ]
عنه من الثمن بقدره. وكذلك لو تغير الثمر وعاب نظر كم نقصه ذلك العيب من قيمته؟ وحط من الثمن بنسبته.
وأمَّا ما قد يتوهمه بعض الناس أنَّ جائحة الزرع في الأرض المستأجرة توضع من رب الأرض أو يوضع من رب الأرض بعض الزرع قياسًا على جائحة المبيع في الثمر والزرع: فهذا غلط؛ فإنَّ المشتري للثمر والزرع ملك بالعقد نفس الثمر والزرع. فإذا تلفت قبل التمكن من القبض تلفت من ملك البائع. وأمَّا المستأجر فإنَّما استحق بالعقد الانتفاع بالأرض. وأمَّا الزرع نفسه فهو ملكه الحادث على ملكه؛ لم يملكه بعقد الإجارة وإنَّما ملك بعقد الإجارة المنفعة التي تنبته إلى حين كمال صلاحه. فيجب الفرق بين جائحة الزرع والثمر المشترى وبين الجائحة في منفعة الأرض المستأجرة المزروعة؛ فإنَّ هذا مزلة أقدام ومضلة أفهام غلط فيها خلائق من الحكام والمقومين والمجيحين والملاك والمستأجرين حتى أنَّ بعضهم يظنون أنَّ جائحة الإجارة للأرض المزروعة بمنزلة جائحة الزرع المشترى. وبعض المتفقهة يظن أنَّ الأرض المزروعة إذا حصل بها آفة منعت من كمال الزرع لم تنقص المنفعة ولم يتلف شيء منها وكلا الأمرين غلط لمن تدبر. ونظير الأرض المستأجرة للازدراع الأرض المستأجرة للغراس والبناء؛ فإنَّ المؤجر لا يضمن قيمة الغراس والبناء إذا تلف؛ ولكن لو حصلت آفة منعت كمال المنفعة المستحقة بالعقد مثل أن يستولي عدو يمنع الانتفاع بالغراس والبناء أو تحصل آفة من جراد أو آفة تفسد الشجر المغروس أو حصل ريح يهدم الأبنية ونحو ذلك فهنا نقصت
[ ٨ / ١٣٨ ]
المنفعة المستحقة بالعقد نظير نقص المنفعة في الأرض المزروعة. ولما كان كثير من الناس يتوهم أنَّ المستأجر توضع عنه الجائحة في نفس الزرع والبناء والغراس كالمشتري: نفى ذلك العلماء ويشبه أن يكون هذا معنى ما نص عليه أحمد ونقله أصحابنا. كالقاضي وأبي محمد حيث قالوا - واللفظ لأبي محمد -: إذا استأجر أرضًا فزرعها فتلف الزرع فلا شيء على المؤجر. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأنَّ المعقود عليه منافع الأرض ولم تتلف إنَّما تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابًا فتلفت الثياب فيها. فهذا الكلام يقتضي أنَّ المؤجر لا يضمن شيئًا من زرع المستأجر كما يضمن البائع بزرع المشتري ولذلك ذكر ذلك في باب جوائح الأعيان وعلل ذلك بأنَّ التالف إنَّما هو عين ملك المستأجر لا المنفعة. وهذا حسن في نفي ضمان نفس الزرع. ويظهر ذلك فيما إذا تلف الزرع بعد كماله. وقد بينا فيما تقدم أنَّ نفس المنفعة المعقود عليها تنقص وتتعطل بما يصيب الزرع من الآفة فيحط من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة. فما نفى فيه الشيخ الخلاف ضمان نقص العين ولم يذكر ضمان نقص المنفعة هنا؛ لكن ذكره في كتاب الإجارة. والموضع موضع اشتباه وفي كلام أكثر العلماء فيها إجمال. وبما حققناه يتضح الصواب. والله ﷾ أعلم» اهـ.
٥ - وفيه تحريم أكل مال المسلم بغير حق.
* * *
[ ٨ / ١٣٩ ]
٢٥٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ».
قَالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن تلقي الركبان.
٢ - النهي عن بيع الحاضر للباد. وقد مضى القول فيهما.
٣ - جواز إطلاق السمسار على متولي البيع والشراء، والسمسار هو الدلال، وهو متولي البيع والشراء لغيره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٢/ ٩٩٥):
«السماسرة: جمع سمسار وهو القيم بالأمر الحافظ له وهو في البيع اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع» اهـ.
وقد روى أحمد (١٦١٧٩، ١٦١٨٢، ١٦١٨٣، ١٦١٨٤، ١٨٤٩٠)، وأبو داود (٣٣٢٦)، والنسائي (٣٧٩٧، ٣٧٩٨، ٣٨٠٠، ٤٤٦٣)، وابن ماجة (٢١٤٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ
[ ٨ / ١٤٠ ]
هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٥٣):
«السمسار أعجمي وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجمًا فتلقنوا هذا الاسم عنهم فغيره رسول الله ﷺ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: فسمانا باسم هو أحسن منه.
وقد تدعو العرب التاجر أيضًا الرّقاحي والترقيح في كلامهم إصلاح المعيشة» اهـ.
تنبيه: كان الأنسب أن يذكر المؤلف هذا الحديث إثر حديث أبي هريرة في باب ما ينهي من البيوع.
* * *
[ ٨ / ١٤١ ]
٢٥٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلًا: بِتَمْرٍ كَيْلًا. وَإِنْ كَانَ كَرْمًا: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا: أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن بيع المزابنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٠٦):
«المزابنة عند العرب: المدافعة، وذلك أنَّ المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن أراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه تزابنا أي: تدافعا واختصما» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨٤):
«بالزاي والموحدة والنون مفاعلة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد ومنه سميت الحرب الزبون لشدة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص المزابنة لأنَّ كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأنَّ أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع» اهـ.
[ ٨ / ١٤٢ ]
قُلْتُ: وقد جاء تفسير المزابنة فيما رواه البخاري (٢١٨٥)، ومسلم (١٥٤٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا».
وفيما رواه مسلم (١٥٣٦) عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إِلَّا الْعَرَايَا».
قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ، قَالَ: «أَمَّا الْمُخَابَرَةُ: فَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ، يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ: بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا».
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١١٥):
«فإن كان هذا التفسير مرفوعًا فلا إشكال في وجوب الأخذ به وإن كان موقوفًا على هؤلاء الصحابة فهم رواة الحديث وأعرف بتفسيره من غيرهم. قال ابن عبد البر: ولا مخالف لهم علمته بل قد أجمع العلماء على أنَّ ذلك مزابنة، ولذلك أجمعوا على أنَّ كل ما لا يجوز إلَّا مثلا بمثل أنَّه لا يجوز منه كيل بجزاف ولا جزاف بجزاف لأنَّ في ذلك جهل المساواة ولا يؤمن مع ذلك التفاضل.
قُلْتُ: وحقيقتها الجامعة لأفرادها: بيع الرطب من الربوي باليابس منه» اهـ.
[ ٨ / ١٤٣ ]
قُلْتُ: ما ذكره من المعنى الجامع فيه نظر، وذلك أنَّه يدخل في معنى المزابنة ما لو باع الرطب الذي على النخيل برطب مكيل، وهكذا لو باع عنبًا على الأشجار بعنب مكيل، ولهذا عرف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ المزابنة بأوسع مما ذكره صاحب "طرح التثريب" فقال: «وهو: اشتراء الثمر والحب بخرص» اهـ. كما سيأتي. وقوله" (بخرص) يقيد بقيد: (من جنسه).
٢ - أنَّ النهي عن المزابنة غير مختص بثمرة النخل، بل يشمل بيع الربط باليابس عمومًا، ويستثنى من ذلك أصحاب العرايا كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٠٧):
«والتفاضل حرام في كل ما كان في معنى الرطب بالتمر، ومعنى الزبيب بالعنب من سائر المأكولات والمشروبات إذا كان أحدهما مجهولًا، وهذا إجماع» اهـ.
٣ - وفيه حجة لقاعدة من قواعد الربا، وهي أنَّ الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٥٠):
«ثم إنَّ النَّبي ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة وهو: اشتراء الثمر والحب بخرص، وكما نهى عن بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى؛ لأنَّ الجهل بالتساوي فيما يشترط فيه التساوي كالعلم بالتفاضل، والخرص لا يعرف مقدار المكال إنَّما هو حزر وحدس وهذا متفق عليه بين الأئمة» اهـ.
٤ - وفيه النهي عن ربا الفضل.
[ ٨ / ١٤٤ ]
٥ - واحتج به على النهي عن الغرر، ووجه الغرر في هذا البيع أنَّ عاقبة الرطب مجهولة بعد يبسه، وعاقبة الثمر أيضًا مجهولة بعد قطعها.
قُلْتُ: لكن هذا الغرر، يجوز إذا بيع الطعام جزافًا بغير جنسه لأنَّه غرر يسير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨٢٠):
«وكذا بيع الصبرة العظيمة التي لا يعلم مكيلها، وكذا بيع البيض والرمان والبطيخ والجوز واللوز والفستق، وأمثال ذلك مما لا يخلو من الغرر، فليس كل غرر سببًا للتحريم، والغرر إذا كان يسيرًا أو لا يمكن الاحتراز منه، لم يكن مانعًا من صحة العقد» اهـ.
٦ - واحتج به على حرمة القمار؛ وذلك أنَّ البائع والمشتري في مخاطرة في البيع بين غنم وغرم، وهذه هي حقيقة القمار.
فإن قيل: والتجارة بكافة أشكالها لا تخلو من مخاطرة؟!
قيل قد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١٦) فقال -ناقلًا عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
«والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك، والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل، فهذا الذي حرمه الله تعالى ورسوله مثل بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ومن هذا النوع يكون
[ ٨ / ١٤٥ ]
أحدهما قد قمر الآخر، وظلمه، ويتظلم أحدهما من الآخر بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة، ثم بعد هذا نقص سعرها، فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة، ولا يتظلم مثل هذا من البائع» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا إذا فسدت عليه فهو قدر من الله ﷾ لم يظلمه فيه أحد. وأمَّا إن باع بضاعته بدون ثمنها مع رواج بضاعته فمن نفسه أوتي ولم يعتدي عليه أحد، فأين هذا من القمار الذي هو عين الظلم في أموال الناس.
قُلْتُ: ولا يظهر لي أنِّ العلة في النهي عن المزابنة هي القمار أو الغرر، وذلك لجواز بيع الجزاف في غير الربوي بجنسه كما دلت عليه السنة، وسيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى. والمخاطرة اليسيرة مما يعفى عنها في الشرع.
٧ - ويدخل في بيع المزابنة بيع الرطب بعد جزه من أشجاره بيابس من جنسه أيضًا، فإنَّ الجهالة في حال الرطب بعد يبسه موجودة في هذه الصورة أيضًا خلافًا لأبي حنيفة.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٩٣)، ومِنْ طَرِيْقِه:
أحمد (١٥١٥، ١٥٤٤)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والنسائي (٤٥٤٥)، والترمذي (١٢٢٥)، وابن ماجة (٢٢٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ، سَأَلَ سَعْدًا عَنِ البَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ، فَقَالَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ البَيْضَاءُ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ سَعْدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ
[ ٨ / ١٤٦ ]
بِالرُّطَبِ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ»، قَالُوا: نَعَمْ، «فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٥٩):
«وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعًا، وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعًا جاز بيعه بمثله من اليابس» اهـ.
٨ - وظاهر الحديث أنَّ المزابنة مختصة ببيع الجنس بجنسه مما يجري فيه الربا.
وأدخل الإمام مالك ورواية عن أحمد في المزابنة ما بيع جزافًا بجنسه وبغير جنسه، لما في ذلك من الغرر والقمار.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨٤):
«وقال مالك: المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا وسبب النهى عنه ما يدخله من القمار والغرر قال ابن عبد البر نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة وهي المدافعة ويدخل فيها القمار والمخاطرة» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣١٧):
«ويشهد لقول مالك والله أعلم أصل معنى المزابنة في اللغة المخاطرة لأنَّه لفظ مأخوذ من الزبن وهو المقامرة والدفع والمغالبة وفي معنى القمار والزيادة
[ ٨ / ١٤٧ ]
والنقصان أيضًا حتى لقد قال بعض أهل اللغة: إنَّ القمر مشتق من القمار لزيادته ونقصانه فالمزابنة والقمار والمخاطرة شيء متداخل حتى يشبه أن يكون أصل اشتقاقهما واحدًا والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز ذلك في غير الربويات، وفي الربوي إذا بيع بغير جنسه، فإنَّ النبي ﷺ أجاز بيع الثمرة بعدو بدو صلاحها، ويدخل في ذلك إذا بيعت بالنقدين أو بثمرة من غير جنسها، وأباح بيع الجزاف في غير الربويات.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٦٥):
«فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك إذ غايته التفاضل بين الجنسين والتفاضل المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون، وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك لا لأجل التفاضل ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: جاء في بيع الجزاف ما رواه البخاري (٦٨٥٢)، ومسلم (١٥٢٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ».
والجزاف مثلث الجيم وهو ما بيع بغير كيل ولا وزن.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٠٧):
[ ٨ / ١٤٨ ]
«إجارة الأرض المعينة جائزة وإن لم يعلم ذرعاتها كما يجوز بيعها وبيع سائر المعينات وإن لم يعلم مقدارها فإنَّ بيع العين جزافًا جائز بالسنة والإجماع. كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه أجاز بيع الشرك في الأرض الربعة والحائط وبيع الثمر على الشجر بعد بدو صلاحه. وأقرهم على بيع الطعام جزافًا» اهـ.
٩ - وفيه جواز تسمية العنب كرمًا، وقد جاء النهي عن ذلك فيما رواه البخاري (٦١٨٣)، ومسلم (٢٢٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ».
هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «وَيَقُولُونَ الكَرْمُ، إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ».
وفي لفظ لمسلم: «لَا تَقُولُوا كَرْمٌ فَإِنَّ الْكَرْمَ، قَلْبُ الْمُؤْمِنِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٦/ ٢٩٤):
«وهم سموا العنب "الكرم" لأنَّه أنفع الفواكه يؤكل رطبًا ويابسًا ويعصر فيتخذ منه أنواع. وهو أعم وجودًا من النخل يوجد في عامة البلاد والنخل لا يكون إلَّا في البلاد الحارة. ولهذا قال في رزق الإنسان: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. فقدم العنب. وقال في صفة الجنة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)
[ ٨ / ١٤٩ ]
حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾، ومع هذا نهى النبي ﷺ عن تسميته بالكرم وقال: "الكرم قلب المؤمن". فإنَّه ليس في الدنيا أكثر ولا أعظم خيرًا من قلب المؤمن. والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن. وقال الزجاج: الزوج النوع والكريم المحمود. وقال غيرهما: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف وضرب ﴿كَرِيمٍ﴾ حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام. يقال: "نخلة كريمة" إذا طاب حملها و"ناقة كريمة " إذا كثر لبنها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٤٥٥):
«العرب تسمي شجر العنب كرمًا لكرمه، والكرم كثرة الخير والمنافع والفوائد لسهولة تناولها من الكريم ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، وفي آية أخرى ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، فهو كريم مخبره بهيج في منظره، وشجر العنب قد جمع وجوهًا من ذلك. منها: تذليل ثمره لقاطفه. ومنها أنَّه ليس دونه شوك يؤذي مجتنيه. ومنها: أنَّه ليس بممتنع على من أراده لعلو ساقه وصعوبته كغيره. ومنها: أنَّ الشجرة الواحدة منه - مع ضعفها ودقة ساقها - تحمل أضعاف ما تحمله غيرها. ومنها: أنَّ الشجرة الواحدة منه إذا قطع أعلاها أخلفت من جوانبها وفروعها، والنخلة إذا قطع أعلاها ماتت، ويبست جملة. ومنها: أنَّ ثمره يؤكل قبل نضجه، وبعد نضجه، وبعد يبسه. ومنها: أنَّه يتخذ منه من أنواع
[ ٨ / ١٥٠ ]
الأشربة الحلوة والحامضة، كالدبس والخل، ما لا يتخذ من غيره، ثم يتخذ من شرابه من أنواع الحلاوة والأطعمة والأقوات ما لا يتخذ من غيره، وشرابه الحلال غذاء وقوت ومنفعة وقوة. ومنها: أنَّه يدخر يابسه قوتًا وطعامًا وأدمًا. ومنها: أنَّ ثمره قد جمع نهاية المطلوب من الفاكهة من الاعتدال، فلم يفرط إلى البرودة كالخوخ وغيره، ولا إلى الحرارة، كالتمر، بل هو في غاية الاعتدال، إلى غير ذلك من فوائده. فلما كان بهذه المنزلة سموه كرمًا، فأخبرهم النبي ﷺ أنَّ الفوائد والثمرات والمنافع التي أودعها الله قلب عبده المؤمن - من البر وكثرة الخير - أعظم من فوائد كرم العنب فالمؤمن أولى بهذه التسمية منه. فيكون معنى الحديث على هذا: النهي عن قصر اسم الكرم على شجر العنب، بل المسلم أحق بهذا الاسم منه. وهذا نظير قوله: "ليس الشديد بِالصُّرَعَةِ، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب" أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديدًا من الذي يصرع الرجال. وكقوله: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان ولكنه الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه" أي هذا أولى بأن يقال له مسكين من الطواف الذي تسمونه مسكينًا. ونظيره في المفلس والرقوب وغيرهما. ونظيره قوله "ليس الواصل بالمكافئ ولكنه الذي إذا قطعت رحمه وصلها" وإن كان هذا ألطف من الذي قبله.
[ ٨ / ١٥١ ]
وقيل في معنى وجه آخر، وهو: قصد النبي ﷺ سلب هذا الاسم المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تتخذ منها أم الخبائث، فيسلبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها، ولا سيما فإنَّ العرب قد تكون سمتها كرمًا لأنَّ الخمر المتخذة منها تحث على الكرم وبذل المال، فلما حرمها الشارع نفى اسم المدح عن أصلها، وهو "الكرم" كما نفى اسم المدح عنها، وهو الدواء، فقال: "إنَّها داء، وليست بدواء"، ومن عرف سرَّ تأثير الأسماء في مسمياتها نفرة وميلًا عرف هذا، فسلبها النبي ﷺ هذا الاسم الحسن، وأعطاه ما هو أحق به منها، وهو "قلب المؤمن".
ويؤكد المعنى الأول: أنَّ النبي ﷺ شبه المسلم بالنخلة لما فيها من المنافع والفوائد، حتى إنَّها كلها منفعة، لا يذهب منها شيء بلا منفعة، حتى شوكها، ولا يسقط عنها لباسها وزينتها، كما لا يسقط عن المسلم زينته، فجذوعها للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها، وسعفها للسقوف وغيرها، وخوصها للحصر والمكاتل والآنية وغيرها، ومسدها للحبال وآلات الشد والحل وغيرها، وثمرها يؤكل رطبًا ويابسًا، ويتخذ قوتًا وأدمًا، وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقربًا إلى الله وطهرة للصائم ويتخذ منه ما يتخذ من شراب الأعناب وتزيد عليه بأنَّه قوت وحده بخلاف الزبيب ونواه علف للإبل التي تحمل الأثقال إلى بلد لا يبلغه الإنسان إلَّا بشق النفس. ويكفي فيه: أنَّ نواه يشترى به العنب، فحسبك بتمر نواه ثمن لغيره» اهـ.
* * *
[ ٨ / ١٥٢ ]
٢٥٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَّا الْعَرَايَا».
الْمُحَاقَلَةُ: بيعُ الحِنْطَةِ في سُنْبُلِها بِحِنْطَةِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن المخابرة. والمخابرة قيل مأخوذة من الخبير هو الأكَّارُ أي الفلاح، وقيل من الخَبار وهي الأرض الرخوة، أو من الْخَبَرِ وَالْخَبَرُ حَرْثُ الْأَرْضِ، أو من الخُبْرَة، وهي النصيب، أو من خيبر لأنَّ النبي ﷺ عامل أهل خيبر على الشطر منها، والأكثر على المعنى الأول.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١١٦ - ١١٧): «قال أبو عبيد: الخِبر - بكسر الخاء - بمعنى المخابرة. والمخابرة: المزارعة بالنصف والثلث والربع وأقل وأكثر. وكان أبو عبيد يقول: لهذا سمي الأكار خبيرًا؛ لأنَّه يخابر على الأرض والمخابرة: هي المؤاكرة. وقد قال بعضهم: أصل هذا من خيبر؛ لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أقرها في أيديهم على النصف فقيل: خابرهم أي عاملهم في خيبر. وليس هذا بشيء؛ فإنَّ معاملته بخيبر لم ينه
[ ٨ / ١٥٣ ]
عنها قط بل فعلها الصحابة في حياته وبعد موته. وإنَّما روى حديث المخابرة رافع بن خديج وجابر. وقد فسرا ما كانوا يفعلونه. والخبير: هو الفلاح سمي بذلك لأنَّه يخبر الأرض» اهـ.
قُلْتُ: علماء الشافعية يفرقون بين المخابرة والمزارعة، والصحيح عدم التفريق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ١٦٨):
«قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُمَا بِمَعْنًى، وَالصَّحِيحُ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: أَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ. فَالْمُخَابَرَةُ: هِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. وَالْمُزَارَعَةُ مِثْلُهَا، إِلَّا أَنَّ الْبَذْرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَقَدْ يُقَالُ: الْمُخَابَرَةُ: اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمُزَارَعَةُ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ لِزَرْعِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: هُمَا بِمَعْنًى، فَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، فَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث احتج به من منع من المزارعة، والصحيح جواز المزارعة، وإنَّما المنهي من ذلك اشتراط بقعة معينة من الأرض، أو شيء معين من الزرع، كما روى مسلم (١٥٤٧) عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ،
[ ٨ / ١٥٤ ]
وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ الْفَتْحِ] (ص: ١٨٢):
«الماذيانات بكسر الذال ويجوز فتحها قيل هي السواقي الصغار وقيل الأنهار الكبار» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٨):
«وأمَّا قوله: "وأَقبال" فبفتح الهمزة أي أوائلها ورؤوسها، والجداول جمع جدول وهو النهر الصغير كالساقية» اهـ.
ورواه البخاري (٢٣٣٢ عَنْ رَافِعٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ القِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، «فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ».
ورواه (٢٧٢٢) أيضًا عَنْ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁، يَقُولُ: «كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نُنْهَ عَنِ الوَرِقِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٠٨):
[ ٨ / ١٥٥ ]
«وأخبر رافع أنَّه لم يكن لهم كراء على عهد النبي ﷺ إلَّا هذا وأنَّه إنَّما زجر عنه لأجل ما فيه من المخاطرة ومعنى القمار. وأنَّ النهي إنَّما انصرف إلى ذلك الكراء المعهود؛ لا إلى ما تكون فيه الأجرة مضمونة في الذمة» اهـ.
قُلْتُ: وقد بيَّن جابر ﵁ المخابرة التي نهى عنها النبي ﷺ فيما رواه مسلم (١٥٣٦) عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِيِّ وَمِنْ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهَا».
والْقِصْرِيُّ بينه وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَالَ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٧٦):
«هو ما بقي من الحب في السنبل بعد الدياس. ويقال له: القُصارة بضم القاف وهذا الاسم أشهر من الْقِصْرِيِّ» اهـ.
قُلْتُ: وهذه مخابرة فاسدة لما فيها من الغرر والقمار.
وأمَّا المزارعة بالنصف من الزرع أو الثلث، أو غير ذلك من النسب المشتركة، فإنَّها جائزة. لما رواه البخاري (٢٣٢٩)، ومسلم (١٥٥١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ».
وهكذا المؤاجرة بشيء معلوم جائزة، لحديث رافع المتقدم، ولما رواه مسلم (١٥٤٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، فَسَأَلْنَاهُ
[ ٨ / ١٥٦ ]
عَنِ الْمُزَارَعَةِ، فَقَالَ: زَعَمَ ثَابِتٌ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهَا». وثابت هو ابن الضحاك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٨٢ - ٨٥): «والمزارعة جائزة في أصح قولي، العلماء وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين وعليها عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان وآل علي وغيرهم من بيوت المهاجرين وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود وهي مذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل؛ وإسحاق بن راهويه؛ وداود بن علي؛ والبخاري؛ ومحمد بن إسحاق بن خزيمة؛ وأبي بكر بن المنذر وغيرهم ومذهب الليث بن سعد؛ وابن أبي ليلى؛ وأبي يوسف؛ ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء المسلمين. وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم وكان البذر منهم لا من النبي ﷺ، ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أنَّ البذر يجوز أن يكون من العامل؛ بل طائفة من الصحابة قالوا: لا يكون البذر إلَّا من العامل. والذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسرًا بأنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فإنَّ هذا لا
[ ٨ / ١٥٧ ]
يجوز بالاتفاق؛ لأنَّ المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات؛ والمشاركة إنَّما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلًا؛ بل كان ظلمًا. وقد ظن طائفة من العلماء أنَّ هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول؛ فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح المضاربة استحسانًا للحاجة؛ لأنَّ الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة إمَّا مطلقًا كقول مالك والقديم للشافعي. أو على النخل والعنب كالجديد للشافعي؛ لأنَّ الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعًا للمساقاة؛ فأباحوا المزارعة تبعًا للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب. أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك.
وأمَّا جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من باب الإجارة التي يقصد فيها العمل؛ فإنَّ مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر والزرع؛ وهما متشاركان: هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة. ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أنَّ هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإمَّا نصفه؛ كما جرت العادة في مثل ذلك؛ ولا يجب أجرة مقدرة؛ فإنَّ ذلك قد يستغرق المال وأضعافه وإنَّما يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة؛ بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك والمزارعة أحل من
[ ٨ / ١٥٨ ]
المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول؛ فإنَّهما يشتركان في المغنم والمغرم؛ بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل والعلماء مختلفون في جواز هذا؛ وجواز هذا. والصحيح جوازهما» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٩٧):
«فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر: لم يكن إجماع أعظم من هذا؛ بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا. لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا على عهد رسول الله ﷺ وبعده إلى أن أجلى عمر اليهود إلى تيماء» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٩٩ - ١٠٠):
«وإذا كانت التصرفات المبنية على المعادلة هي معاوضة أو مشاركة. فمعلوم قطعًا: أنَّ المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنَّما حرم بيعه في المعاوضة لأنَّه أكل مال بالباطل. وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر؛ لأنَّه إن لم ينبت الزرع فإنَّ رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر؛ إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد ولا هي مقصودة؛ بل ذهبت منفعة بدنه كما ذهبت منفعة أرض هذا ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئًا؛ بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر؛ فإنَّ أحد المتعاوضين يأخذ شيئًا والآخر يبقى تحت الخطر فيفضي إلى ندم أحدهما
[ ٨ / ١٥٩ ]
وخصومتهما. وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة لا في غرر ولا في غير غرر. ومن تأمل هذا تبين له مأخذ هذه الأصول. وعلم أنَّ جواز هذه أشبه بأصول الشريعة وأعرف في العقول وأبعد عن كل محذور من جواز إجارة الأرض؛ بل ومن جواز كثير من البيوع والإجارات المجمع عليها حيث هي مصلحة محضة للخلق بلا فساد. وإنَّما وقع اللبس فيها على من حرمها من إخواننا الفقهاء بعد ما فهموه من الآثار: من جهة أنَّهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول؛ لما فيها من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيرًا كعمل الشريكين في المال المشترك وعمل الشريكين في شركة الأبدان وكاشتراك الغانمين في المغانم ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى نعم لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله: كان هذا إجارة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٣٦٣):
«والذين منعوا المزارعة منهم من احتج بأنَّ النبي ﷺ نهى عن المخابرة ولكن الذي نهى عنه هو الظلم فإنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها ويشترطون ما على الماذيانات وأقبال الجداول وشيئًا من التبن يختص به صاحب الأرض ويقتسمان الباقي.
وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع فإنَّ المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات لا من باب المعاوضات والمشاركة العادلة
[ ٨ / ١٦٠ ]
هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلمًا.
فهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الليث بن سعد الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه علم أنَّه لا يجوز وأمَّا ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه» اهـ.
قُلْتُ: ومن أقوى حجج المانعين ما رواه مسلم (١٥٤٨) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: «كُنَّا نُحَاقِلُ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مَنْ عُمُومَتِي، فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالْأَرْضِ فَنُكْرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا، أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ».
قُلْتُ: وقد أجاب عنه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٣١ - ١٣٧) فقال:
«وأمَّا حديث رافع بن خديج: فجوابه من وجوه.
أحدها: أنَّه حديث في غاية الاضطراب والتلون. قال الإمام أحمد: حديث رافع بن خديج: ألوان. وقال أيضًا: حديث رافع: ضروب.
[ ٨ / ١٦١ ]
الثاني: أنَّ الصحابة أنكروه على رافع، قال زيد بن ثابت - وقد حكى له حديث رافع - "أنا أعلم بذلك منه، وإنَّما سمع النبي ﷺ رجلين قد اقتتلا فقال: "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" وقد تقدم. وفي البخاري: عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاووس: "لو تركت المخابرة، فإنَّهم يزعمون أنَّ النَّبي ﷺ نهى عنها؟ قال: إن أعلمهم - يعني ابن عباس - أخبرني: أنَّ النبي ﷺ لم ينه عنها ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا".
فإن قيل: إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه، فقد أقره ابن عمر، ورجع إليه؟ فالجواب:
أولًا: أنَّ ابن عمر لم يحرم المزارعة، ولم يذهب إلى حديث رافع، وإنَّما كان شديد الورع، فلما بلغه حديث رافع خشي أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في المزارعة شيئًا لم يكن علمه، فتركها لذلك.
الثاني: وقد جاء هذا مصرحًا به في الصحيحين: "أنَّ ابن عمر إنَّما تركها لذلك ولم يحرمها على الناس".
الثالث: أنَّ في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق. ومعلوم: أنَّ النبي ﷺ لم ينه عن كرائها مطلقًا، فدل على أنَّه غير محفوظ.
[ ٨ / ١٦٢ ]
الرابع: أنَّه تارة يحدثه عن بعض عمومته وتارة عن سماعه وتارة عن رافع بن ظهير، مع اضطراب ألفاظه، فمرة يقول: "نهى عن الجعل"، ومرة يقول: "عن كراء الأرض"، ومرة يقول: "لا يكاريها بثلث، ولا ربع، ولا طعام مسمى" كما تقدم ذكر ألفاظه. وإذا كان شأن الحديث هكذا وجب تركه والرجوع إلى المستفيض المعلوم من فعل رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده الذي لم يضطرب ولم يختلف.
الخامس: أنَّ من تأمل حديث رافع، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض وحمل مجملها على مفسرها ومطلقها على مقيدها على أنَّ الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمر بين الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنَّه قال: "كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه". وفي لفظ له: "كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع". كما تقدم. وقوله: "ولم يكن للناس كراء إلَّا هذا فلذلك زجر عنه وأمَّا بشيء معلوم مضمون فلا بأس". وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه وما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظًا وحكمًا. قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله ﷺ: أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنَّه لا يجوز. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن
[ ٨ / ١٦٣ ]
النهي كان لتلك العلل. فلا تعارض إذن بين حديث رافع وأحاديث الجواز بوجه.
السادس: أنَّه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز، وامتنع الجمع بينها لكان منسوخًا قطعًا بلا ريب، لأنَّه لا بد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي ﷺ إلى أن توفي واستمرار عمل الخلفاء الراشدين بها وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل كما تقدم ذكره فيتعين نسخ حديث رافع.
السابع: أنَّ الأحاديث إذا اختلفت عن النبي ﷺ فإنَّه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم وغيرهم من الصحابة بالمزارعة.
الثامن: أنَّ الذي في حديث رافع: إنَّما هو النهي عن كرائها بالثلث أو الربع لا عن المزارعة، وليس هذا بمخالف لجواز المزارعة فإنَّ الإجارة شيء والمزارعة شيء فالمزارعة من جنس الشركة يستويان في الغنم والغرم فهي كالمضاربة بخلاف الإجارة، فإنَّ المؤجر على يقين من المغنم وهو الأجرة والمستأجر على رجاء، ولهذا كان أحد القولين لمجوزي المزارعة: أنَّها أحل من الإجارة وأولى بالجواز، لأنَّهما على سواء في الغنم والغرم، فهي أقرب إلى العدل، فإذا استأجرها بثلث أو ربع كانت هذه إجارة لازمة، وذلك لا يجوز، ولكن المنصوص عن الإمام أحمد جواز ذلك. واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال في نصه. فقالت طائفة: يصح ذلك بلفظ المؤاجرة ويكون مزارعة، فيصح بلفظ الإجارة كما يصح بلفظ
[ ٨ / ١٦٤ ]
المزارعة. قالوا: والعبرة في العقود بمعانيها وحقائقها لا بصيغها وألفاظها. قالوا: فتصح مزارعة، ولا تصبح إجارة وهذه طريقة الشيخ أبي محمد المقدسي.
الثاني: أنَّها لا تصح إجارة ولا مزارعة. أمَّا الإجارة: فلأنَّ من شرطها كون العوض فيها معلومًا متميزًا معروف الجنس والقدر، وهذا منتف في الثلث والربع. وأمَّا المزارعة: فلأنَّهما لم يعقدا عقد مزارعة. إنَّما عقدا عقد إجارة وهذه طريقة أبي الخطاب.
الثالث: أنَّها تصح مؤاجرة ومزارعة، وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه. فحديث رافع: إمَّا أن يكون النهي فيه عن الإجارة دون المزارعة، أو عن المزارعة التي كانوا يعتادونها، وهي التي فسرها في حديثه. وأمَّا المزارعة التي فعلها النبي ﷺ وأصحابه وخلفاؤه من بعده فلم يتناولها النهي بحال.
التاسع: أنَّ ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة، وقيام أمر الناس عليها يمنع من تحريمها والنهي عنها، لأنَّ أصحاب الأرض كثيرًا ما يعجزون عن زرعها ولا يقدرون عليه، والعمال والأكرة يحتاجون إلى الزرع، ولا أرض لهم، ولا قوام لهؤلاء ولا هؤلاء إلَّا بالزرع، فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة وشفقته عليها، ونظره لهم: أنَّ جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها، ويشتركان في الزرع هذا بعمله وهذا بمنفعة أرضه، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا في غاية
[ ٨ / ١٦٥ ]
العدل والحكمة، والرحمة والمصلحة. وما كان هكذا فإنَّ الشارع لا يحرمه ولا ينهى عنه، لعموم مصلحته وشدة الحاجة إليه، كما في المضاربة والمساقاة، بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة، لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو القوت والأرض لا ينتفع بها إلَّا بالعمل عليها بخلاف المال. فإن قيل: فالشارع نهى عنها، مع هذه المنفعة التي فيها، ولهذا قال رافع: "نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا"؟. فالجواب: أنَّ الشارع لا ينهى عن المنافع والمصالح، وإنَّما ينهى عن المفاسد والمضار وهم ظنوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة، وإنَّما كان فيه عليهم مضرة ومفسدة مقتضية للنهي، وما تخيلوه من المنفعة فهي منفعة جزئية لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع وما يسعد منه بالماء وما على أقبال الجداول، فهذا - وإن كان فيه منفعة له - فهو مضرة على المزارع، فهو من جنس منفعة المرابي بما يأخذه من الزيادة، وإن كان مضرة على الآخر. والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه، فجواب رافع: أنَّ هذا وإن كان منفعة لكم فهو مضرة على إخوانكم فلهذا نهاكم عنه. وأمَّا المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما، ولا مضرة فيها على أحد، فلم ينه عنها، فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضمنها منفعة مرجوحة جزئية، والذي فعله ﷺ وأصحابه من هذه مصلحة ومنفعة راجحة، لا مضرة فيها على واحد منهما، فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا يستويان عند الله ولا عند رسوله ولا عند الناس. وكذلك الجواب عن
[ ٨ / ١٦٦ ]
حديث جابر سواء. وقد تقدم في بعض طرقه: "أنَّهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القصري ومن كذا ومن كذا. فقال ﷺ: من كان له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه" فهذا مفسر مبين ذكر فيه سبب النهي، وأطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على أنَّ هذا هو المراد بالنهي. فاتفقت السنن عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتآلفت، وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وبان أنَّ لكل فيها وجهًا، وأنَّ ما نهى عنه غير ما أباحه وفعله، وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر، والحمد لله رب العالمين» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب كثير من المحققين من علماء الشافعية إلى مشروعية المزارعة بجزء شائع معلوم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ١٦٨ - ١٦٩):
«قُلْتُ: قَدْ قَالَ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا، ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَصَنَّفَ فِيهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ جُزْءًا، وَبَيَّنَ فِيهِ عِلَلَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا، وَجَمَعَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، ثُمَّ تَابَعَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ النَّهْيِ، وَقَالَ: هُوَ مُضْطَرِبٌ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَبْطَلَهَا مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، ﵃، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلَّتِهِ، قَالَ: فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَهِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، لَا يُبْطِلُ
[ ٨ / ١٦٧ ]
الْعَمَلَ بِهَا أَحَدٌ. هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا إِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا زَرْعَ قِطْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْآخَرُ أُخْرَى» اهـ.
وقد بيَّن قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ مذهب الشافعي في المزارعة فقال فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ١٧٠):
«أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ، فَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخِيلِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّحَادُ الْعَامِلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ وَاحِدًا، وَيُزَارِعَ آخَرَ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَعَذُّرُ إِفْرَادِ النَّخِيلِ بِالسَّقْيِ، وَالْأَرْضِ بِالْعِمَارَةِ، لِانْتِفَاعِ النَّخْلِ بِسَقْيِ الْأَرْضِ وَتَقْلِيبِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ الْإِفْرَادُ، لَمْ تَجُزِ الْمُزَارَعَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: اتِّحَادُ الصَّفْقَةِ، فَلَفْظُ الْمُعَامَلَةِ، يَشْمَلُ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ. فَلَوْ قَالَ: عَامَلْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخِيلِ وَالْبَيَاضِ بِالنِّصْفِ، كَفَى. وَأَمَّا لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، فَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، بَلْ يُسَاقِي عَلَى النَّخِيلِ، وَيُزَارِعُ عَلَى الْبَيَاضِ، وَحِينَئِذٍ إِنْ قَدَّمَ الْمُسَاقَاةَ، نُظِرَ، إِنْ أَتَى بِهِمَا عَلَى الِاتِّصَالِ، فَقَدِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، وَإِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، فَقِيلَ: تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، لِحُصُولِهِمَا لِشَخْصٍ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ، فَلَا تُفْرَدُ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَإِنْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ، فَسَدَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً. فَإِنْ سَاقَاهُ بَعْدَهَا، بَانَتْ صِحَّتُهَا، وَإِلَّا، فَلَا.
الثَّانِي: لَوْ شُرِطَ لِلْعَامِلِ نِصْفُ الثَّمَرِ، وَرُبْعُ الزَّرْعِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي، لِأَنَّ التَّفْضِيلَ يُزِيلُ التَّبَعِيَّةَ.
[ ٨ / ١٦٨ ]
الثَّالِثُ: لَوْ كَثُرَ الْبَيَاضُ الْمُتَخَلِّلُ مَعَ عُسْرِ الْإِفْرَادِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مَتْبُوعٌ لَا تَابِعٌ. وَالْأَصَحُّ: الْجَوَازُ، لِلْحَاجَةِ. ثُمَّ النَّظَرُ فِي الْكَثْرَةِ إِلَى زِيَادَةِ النَّمَاءِ، أَمْ إِلَى مِسَاحَةِ الْبَيَاضِ وَمَغَارِسِ الشَّجَرِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٢ - وفيه النهي عن المحاقلة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٢٧)
«و"المحاقلة" أن يشتري الحنطة في سنبلها بخرصها من الحنطة. والخرص هو الحزر والتقدير» اهـ.
قُلْتُ: وما ذكر ﵀ هو من قبيل التمثيل وإلَّا فإنَّ المحاقلة بيع الحب في سنبله بمكيل أو موزون من جنسه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٠٤):
«قوله: "عن المحاقلة". قال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل.
وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقة. والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل بيع ما في رؤوس النخل بالتمر.
وعن مالك: هو كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام.
[ ٨ / ١٦٩ ]
والمشهور أنَّ المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠):
«في تفسير المحاقلة ثلاث أقوال: فقال بعضهم: هي بيع الزرع في سنبله بالحنطة. وقيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة. وقيل: هي المزارعة بالثلث والربع ونحوه، وهذا الوجه أشبه بها على طريق اللغة؛ لأنَّ المحاقلة مأخوذة من الحقل والمفاعلة من اثنين في أمر واحد كالمزارعة، ويقال للأرض التي تزرع: المحاقل، كما يقال لها: المزارع» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣١٨ - ٣٢٠):
«وأجمع مالك وأصحابه كلهم أنَّ الأرض لا يجوز كراؤها ببعض ما يخرج منها مما يزرع فيها ثلثًا كان أو ربعًا أو جزافًا كان لأنَّه غرر ومحاقلة وقد نهى عن ذلك كله رسول الله ﷺ وقال جماعة من أهل العلم معنى المحاقلة دفع الأرض على الثلث والربع وعلى جزء مما يخرج منها. قالوا وهي المخابرة أيضًا فلا يجوز لأحد أن يعطى أرضه على جزء مما يخرج منها لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك لأنَّه مجهول ولا يجوز الكراء إلَّا بشيء معلوم.
قالوا وكراء الأرض بالذهب والورق وبالعروض كلها الطعام وغيره مما ينبت في الأرض ومما لا ينبت فيها جائز كما يجوز كراء المنازل وإجارة العبيد هذا كله قول الشافعي، ومن تابعه وهو قول أبي حنيفة وداود وإليه ذهب ابن عبد الحكم.
[ ٨ / ١٧٠ ]
وقال آخرون: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بعد أن يشتد ويستحصد بالحنطة. ذكر الشافعي عن ابن عيينة عن ابن جريح قال قلت لعطاء: ما المحاقلة؟ قال المحاقلة: في الحرث كهيئة المزابنة في النخل سواء وهو بيع الزرع بالقمح. قال ابن جريج قلت لعطاء فسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني قال نعم.
قال أبو عمر: وكذلك فسر المحاقلة سعيد بن المسيب في حديثه المرسل في "الموطأ" إلَّا أنَّ سعيد بن المسيب جمع في تأويل الحديث الوجهين جميعًا فقال: والمحاقلة اشتراء الزرع بالحنطة واستكراء الأرض بالحنطة وإلى هذا التفسير في المحاقلة أنَّه بيع الزرع في سنبله بالحنطة دون ما عداه ذهب الليث بن سعد والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد وهو قول ابن عمر وطاووس وبه قال أحمد بن حنبل وكل هؤلاء لا يرون بأسًا أن يعطى الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع؛ لأنَّ المحاقلة عندهم في معنى المزابنة وأنَّها في بيع الثمر بالثمر والحنطة بالزرع. قالوا: ولما اختلف في المحاقلة كان أولى ما قيل في معناها ما تأولناه من بيع الزرع بالحنطة واحتجوا على صحة ما تأولوه وذهبوا إليه من إجازة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها بقصة خيبر وأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم وثمارهم» اهـ.
[ ٨ / ١٧١ ]
قُلْتُ: والصحيح في معنى المحاقلة، ما قاله راوي الحديث جابر بن عبد الله فقد روى مسلم (١٥٣٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ»، وَالْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ، أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَالْمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، قَالَ زَيْدٌ: قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وجاء في رواية عند مسلم: قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ، قَالَ: «أَمَّا الْمُخَابَرَةُ: فَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ، يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ: بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا».
قُلْتُ: وهذا التفسير للمحاقلة من كلام جابر كما هو مبين في هذه الرواية.
٣ - وفي الحديث أيضًا النهي عن المزابنة، وقد مضى الكلام عليها.
٤ - وفيه النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
٥ - وظاهره جواز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها بالذهب والفضة دون سائر العروض، وهذا الظاهر غير مراد اتفاقًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩):
[ ٨ / ١٧٢ ]
«بيع التمر على رءوس النخل إذا بدا صلاحه بالذهب والفضة لا خلاف بين الأمة في جوازه، وكذلك يجوز بيعها بالعروض قياسًا على الدنانير والدراهم، وإنَّما خص ﵇ الدنانير والدراهم في هذا الحديث؛ لأنَّهما جل ما يتعامل الناس به» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٣):
«معناه لا يباع الرطب بعد بدو صلاحه بتمر، بل يباع بالدينار والدرهم وغيرهما. والممتنع إنَّما هو بيعه بالتمر إلَّا العرايا فيجوز بيع الرطب فيها بالتمر بشرطه السابق في بابه» اهـ.
٦ - واحتج أهل الكوفة بنهي النبي ﷺ عن المزابنة على نسخ إباحة المزابنة لأهل العرايا.
قُلْتُ: وهذه دعوى عارية عن الدليل، وهذا الحديث يردها فإنَّ النبي ﷺ نهى عن المزابنة واستثنى أهل العرايا كما في هذا الحديث.
٧ - جواز بيع الرطب بالتمر لأهل العرايا، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه بمشيئة الله تعالى.
* * *
[ ٨ / ١٧٣ ]
٢٥٨ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم بيع الكلاب، وظاهره يشمل جميع الكلاب، حتى ما أذن في اقتنائها، ككلب الصيد، والماشية، والزرع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦٧ - ٧٧٢):
«فتضمنت هذه السنن أربعة أمور.
أحدها: تحريم بيع الكلب، وذلك يتناول كل كلب صغيرًا كان أو كبيرًا، للصيد، أو للماشية، أو للحرث، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبة، والنزاع في ذلك معروف عن أصحاب مالك، وأبي حنيفة، فجوز أصحاب أبي حنيفة بيع الكلاب، وأكل أثمانها، وقال القاضي عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم، انتهى.
وعقد بعضهم فصلًا لما يصح بيعه، وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب، فقال: ما كانت منافعه كلها محرمة لم يجز بيعه، إذ لا فرق بين المعدوم حسًا، والممنوع شرعًا، وما تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة، فإن كان المقصود من العين خاصة كان الاعتبار بها، والحكم تابع لها، فاعتبر نوعها، وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزعت
[ ٨ / ١٧٤ ]
في النوعين، لم يصح البيع، لأنَّ ما يقابل ما حرم منها أكل مال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولًا.
قال: وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل، قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعددت جملة منافعه، ثم نظر فيها، فمن رأى أن جملتها محرمة، منع، ومن رأى جميعها محللة، أجاز، ومن رآها متنوعة، نظر: هل المقصود المحلل، أو المحرم، فجعل الحكم للمقصود، ومن رأى منفعة واحدة منها محرمة وهى مقصودة، منع أيضًا، ومن التبس عليه كونها مقصودة، وقف أو كره، فتأمل هذا التأصيل والتفصيل، وطابق بينهما يظهر لك ما فيهما من التناقض والخلل، وأنَّ بناء بيع كلب الصيد على هذا الأصل من أفسد البناء، فإنَّ قوله: من رأى أنَّ جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد تعديدها، لم يجز بيعه، فإنَّ هذا لم يقله أحد من الناس قط، وقد اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة، وهما جل منافعه، ولا يقتنى إلَّا لذلك، فمن الذي رأى منافعه كلها محرمة، ولا يصح أن تراد منافعه الشرعية؟ فإنَّ إعارته جائزة.
وقوله: ومن رأى جميعها محللة، أجاز، كلام فاسد أيضًا، فإنَّ منافعه المذكورة محللة اتفاقًا، والجمهور على عدم جواز بيعه. وقوله: ومن رآها متنوعة، نظر، هل المقصود المحلل أو المحرم؟ كلام لا فائدة تحته البتة، فإنَّ منفعة كلب الصيد هي الاصطياد دون الحراسة، فأين التنوع وما يقدر في المنافع من التحريم يقدر مثله في
[ ٨ / ١٧٥ ]
الحمار والبغل؟ وقوله: ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة، منع. أظهر فسادًا مما قبله، فإنَّ هذه المنفعة المحرمة ليست هي المقصودة من كلب الصيد، وإن قدر أنَّ مشتريه قصدها، فهو كما لو قصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه، وتبين فساد هذا التأصيل، وأنَّ الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النص الصريح الذي لا معارض له البتة من تحريم بيعه.
فإن قيل: كلب الصيد مستثنى من النوع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ، بدليل ما رواه الترمذي، من حديث جابر ﵁، أنَّ النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب، إلَّا كلب الصيد.
وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي، حدثنا حجاج ابن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبى الزبير، عن جابر ﵁، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلَّا كلب الصيد.
وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن أبى مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبى رباح، عن أبي هريرة ﵁، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ثمن الكلب سحت إلَّا كلب صيد".
وقال ابن وهب عمن أخبره، عن ابن شهاب، عن أبى بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث هن سحت: حلوان الكاهن، ومهر الزانية، وثمن الكلب العقور".
[ ٨ / ١٧٦ ]
وقال ابن وهب: حدثني الشمر بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن على بن أبي طالب ﵁، أنَّ النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب العقور. ويدل على صحة هذا الاستثناء أيضًا، أنَّ جابرًا أحد من روى عن النبي ﷺ النهى عن ثمن الكلب، وقد رخص جابر نفسه في ثمن كلب الصيد، وقول الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجة، فكيف إذا كان معه النص باستثنائه والقياس؟ وأيضًا لأنَّه يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه بالميراث، والوصية، والهبة، وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء، وهما وجهان للشافعية، فجاز بيعه كالبغل والحمار.
فالجواب: أنَّه لا يصح عن النبي ﷺ استثناء كلب الصيد بوجه: أمَّا حديث جابر ﵁، فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب أنَّه موقوف على جابر. وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث.
وقال في حديث أبي هريرة ﵁: هذا لا يصح، أبو المهزم ضعيف، يريد راويه عنه.
وقال البيهقي: روى عن النبي ﷺ النهى عن ثمن الكلب جماعة، منهم: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، ورافع بن خديج، وأبو جحيفة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. والحديث الذي روى في استثناء كلب
[ ٨ / ١٧٧ ]
الصيد لا يصح وكأنَّ من رواه أراد حديث النهى عن اقتنائه، فشبه عليه، والله أعلم.
وأمَّا حديث حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، فهو الذي ضعفه الإمام أحمد ﵀ بالحسن بن أبي جعفر، وكأنَّه لم يقع له طريق حجاج بن محمد، وهو الذي قال فيه الدارقطني: الصواب أنَّه موقوف، وقد أعله ابن حزم، بأنَّ أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر، وهو مدلس، وليس من رواية الليث عنه. وأعله البيهقي بأنَّ أحد رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نهى عن اقتنائه من الكلاب، فنقله إلى البيع.
قُلْتُ: ومما يدل على بطلان حديث جابر هذا، وأنَّه خلط عليه أنَّه صح عنه، أنَّه قال: أربع من السحت: ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام. وهذا علة أيضًا للموقوف عليه من استثناء كلب الصيد، فهو علة للموقوف والمرفوع.
وأمَّا حديث المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، فباطل، لأنَّ فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرحه الإمام أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضعفه عندهم مشهور، ويدل على بطلان الحديث ما رواه النسائي، حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال أبو هريرة رضى الله
[ ٨ / ١٧٨ ]
عنه: أربع من السحت، ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام.
وأمَّا الأثر عن أبي بكر الصديق ﵁، فلا يدرى من أخبر ابن وهب عن ابن شهاب، ولا من أخبر ابن شهاب عن الصديق ﵁، ومثل هذا لا يحتج به.
وأمَّا الأثر عن علي ﵁: ففيه ابن ضميرة في غاية الضعف، ومثل هذه الآثار الساقطة المعلولة لا تقدم على الآثار التي رواها الأئمة الثقات الأثبات، حتى قال بعض الحفاظ: إنَّ نقلها نقل تواتر، وقد ظهر أنَّه لم يصح عن صحابي خلافها البتة، بل هذا جابر، وأبو هريرة، وابن عباس يقولون: ثمن الكلب خبيث.
قال وكيع: حدثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس ﵄ يرفعه: "ثمن الكلب، ومهر البغي، وثمن الخمر حرام".
وهذا أقل ما فيه أن يكون قول ابن عباس.
وأمَّا قياس الكلب على البغل والحمار، فمن أفسد القياس، بل قياسه على الخنزير أصح من قياسه عليهما، لأنَّ الشبه الذي بينه وبين الخنزير أقرب من الشبه الذي بينه وبين البغل والحمار، ولو تعارض القياسان لكان القياس المؤيد بالنص الموافق له، أصح وأولى من القياس المخالف له.
[ ٨ / ١٧٩ ]
فإن قيل: كان النهى عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها، فلما حرم قتلها، وأبيح اتخاذ بعضها، نسخ النهى، فنسخ تحريم البيع.
قيل: هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها لصحتها دليل، ولا شبهة، وليس في الأثر ما يدل على صحة هذه الدعوى البتة بوجه من الوجوه، ويدل على بطلانها: أنَّ أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كلها، وأحاديث الأمر بقتلها، والنهى عن اقتنائها نوعان: نوع كذلك وهو المتقدم، ونوع مقيد مخصص وهو المتأخر، فلو كان النهى عن بيعها مقيدًا مخصوصًا، لجاءت به الآثار كذلك، فلما جاءت عامة مطلقة، علم أنَّ عمومها وإطلاقها مراد، فلا يجوز إبطاله. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤١٨):
«وأمَّا النهي عن ثمن الكلب وكونه من شر الكسب وكونه خبيثًا فيدل على تحريم بيعه، وأنَّه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه سواء كان معلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء منهم أبو هريرة والحسن البصري وربيعة والأوزاعي والحكم وحماد والشافعي وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها. وحكى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعي جواز بيع كلب الصيد دون غيره. وعن مالك روايات: إحداها لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة
[ ٨ / ١٨٠ ]
على متلفه. والثانية يصح بيعه، وتجب القيمة. والثالثة لا يصح، ولا تجب القيمة على متلفه.
دليل الجمهور هذه الأحاديث. وأمَّا الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلَّا كلب صيد وفي رواية: "إلَّا كلبًا ضاريًا"، وأنَّ عثمان غرَّم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا، وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الحديث النهي عن بيع الكلب مطلقًا من غير استثناء، والصحيح أيضًا أنَّه لا قيمة على متلفه، وذلك أنَّ القيمة لا تكون إلَّا لما جاز بيعه.
٢ - وفيه تحريم مهر الْبَغِيِّ. وأصل البغي الطلب، وأكثر ما يستعمل في طلب الفساد، والفاحشة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٧٤ - ٧٧٨):
«والحكم الثالث: مهر البغي، وهو ما تأخذه الزانية في مقابل الزنا بها، فحكم رسول الله ﷺ أنَّ ذلك خبيث على أي وجه كان، حرة كانت أو أمة، ولا سيما فإنَّ البغاء إنَّما كان على عهدهم في الإماء دون الحرائر، ولهذا قالت هند: وقت البيعة: "أو تزني الحرة؟ ". ولا نزاع بين الفقهاء في أنَّ الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلًا من نفسها فزنا بها أنّه لا مهر لها.
واختلف في مسألتين.
[ ٨ / ١٨١ ]
إحداهما: الحرة المكرهة. والثانية: الأمة المطاوعة، فأمَّا الحرة المكرهة على الزنا، ففيها أربعة أقوال، وهي روايات منصوصات عن أحمد.
أحدها: أنَّ لها المهر بكرًا كانت أو ثيبًا، سواء وطئت في قبلها أو دبرها.
والثاني: أنَّها إن كانت ثيبًا، فلا مهر لها، وإن كانت بكرًا، فلها المهر، وهل يجب معه أرش البكارة؟ على روايتين منصوصتين، وهذا القول اختيار أبي بكر.
والثالث: أنَّها إن كانت ذات محرم، فلا مهر لها، وإن كانت أجنبية، فلها المهر.
الرابع: أنَّ من تحرم ابنتها كالأم والبنت والأخت، فلا مهر لها، ومن تحل ابنتها كالعمة والخالة، فلها المهر.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا مهر للمكرهة على الزنا بحال، بكرًا كانت أو ثيبًا.
فمن أوجب المهر. قال: إنَّ استيفاء هذه المنفعة جعل مقومًا في الشرع بالمهر، وإنَّما لم يجب للمختارة، لأنَّها باذلة للمنفعة التي عوضها لها، فلم يجب لها شيء، كما لو أذنت في إتلاف عضو من أعضائها لمن أتلفه.
ومن لم يوجبه قال: الشارع إنَّما جعل هذه المنفعة متقومة بالمهر في عقد أو شبهة عقد، ولم يقومها بالمهر في الزنا البتة، وقياس السفاح على النكاح من أفسد القياس. قالوا: وإنَّما جعل الشارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحد والعقوبة، فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر. قالوا: والوجوب إنَّما يتلقى من الشرع من نص خطابه أو عمومه، أو فحواه، أو تنبيهه، أو معنى نصه، وليس شيء من ذلك ثابتًا متحققًا عنه. وغاية ما يدعى قياس السفاح على النكاح، ويا بعد ما بينهما. قالوا: والمهر إنَّما
[ ٨ / ١٨٢ ]
هو من خصائص النكاح لفظًا ومعنى، ولهذا إنَّما يضاف إليه فيقال: مهر النكاح، ولا يضاف إلى الزنا، فلا يقال: مهر الزنا، وإنَّما أطلق النبي ﷺ المهر وأراد به العقد، كما قال: "إنَّ الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". وكما قال: "ورجل باع حرًا فأكل ثمنه". ونظائره كثيرة.
والأولون يقولون: الأصل في هذه المنفعة، أن تقوَّم بالمهر، وإنَّما أسقطه الشارع في حق البغي، وهي التي تزني باختيارها، وأمَّا المكرهة على الزنا فليست بغيًا، فلا يجوز إسقاط بدل منفعتها التي أكرهت على استيفائها، كما لو أكره الحر على استيفاء منافعه، فإنَّه يلزمه عوضها، وعوض هذه المنفعة شرعًا هو المهر، فهذا مأخذ القولين.
ومن فرق بين البكر والثيب، رأى أنَّ الواطئ لم يذهب على الثيب شيئًا، وحسبه العقوبة التي ترتبت على فعله، وهذه المعصية لا يقابلها شرعًا مال يلزم من أقدم عليها، بخلاف البكر، فإنَّه أزال بكارتها، فلا بد من ضمان ما أزاله، فكانت هذه الجناية مضمونة عليه في الجملة، فضمن ما أتلفه من جزء منفعة، وكانت المنفعة تابعة للجزء في الضمان، كما كانت تابعة له في عدمه من البكر المطاوعة.
ومن فرق بين ذوات المحارم وغيرهن، رأى أنَّ تحريمهن لما كان تحريمًا مستقرًا، وأنَّهن غير محل الوطء شرعًا، كان استيفاء هذه المنفعة منهن بمنزلة التلوط، فلا
[ ٨ / ١٨٣ ]
يوجب مهرًا وهذا قول الشعبي، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنَّه عارض يمكن زواله.
قال صاحب "المغني": وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرضاع، لأنَّه طارئ أيضًا.
ومن فرق في ذوات المحارم، بين من تحرم ابنتها، وبين من لا تحرم، فكأنَّه رأى أنَّ من لا تحرم ابنتها تحريمها أخف من تحريم الأخرى، فأشبه العارض.
فإن قيل: فما حكم المكرهة على الوطء في دبرها، أو الأمة المطاوعة على ذلك؟ قيل: هو أولى بعدم الوجوب، فهذا كاللواط لا يجب فيه المهر اتفاقًا.
وقد اختلف في هذه المسألة الشيخان، أبو البركات ابن تيمية، وأبو محمد بن قدامة، فقال أبو البركات في "محرره": ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة، والمكرهة على الزنا في قبل أو دبر.
وقال أبو محمد في "المغني": ولا يجب المهر بالوطء في الدبر، ولا اللواط، لأنَّ الشرع لم يرد ببدله، ولا هو إتلاف لشيء، فأشبه القبلة والوطء دون الفرج، وهذا القول هو الصواب قطعًا، فإنَّ هذا الفعل لم يجعل له الشارع قيمة أصلًا، ولا قدر له مهرًا بوجه من الوجوه، وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس، ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللوطية من الذكور، وهذا لم يقل به أحد البتة.
فصل: وأمَّا المسألة الثانية: وهي الأمة المطاوعة، فهل يجب لها المهر؟ فيه قولان. أحدهما: يجب، وهو قول الشافعي، وأكثر أصحاب أحمد ﵀. قالوا: لأنَّ
[ ٨ / ١٨٤ ]
هذه المنفعة لغيرها، فلا يسقط بدلها مجانًا، كما لو أذنت في قطع طرفها. والصواب المقطوع به: أنَّه لا مهر لها، وهذه هي البغي التي نهى رسول الله ﷺ عن مهرها، وأخبر أنَّه خبيث، وحكم عليه وعلى ثمن الكلب، وأجر الكاهن بحكم واحد، والأمة داخلة في هذا الحكم دخولًا أوليًا، فلا يجوز تخصيصها من عمومه لأنَّ الإماء هن اللاتي كن يعرفن بالبغاء، وفيهن وفى ساداتهن أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾، فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نص أردن به قطعًا، ويحمل على غيرهن.
وأمَّا قولكم: إنَّ منفعتها لسيدها، ولم يأذن في استيفائها، فيقال: هذه المنفعة يملك السيد استيفاءها بنفسه، ويملك المعاوضة عليها بعقد النكاح أو شبهته، ولا يملك المعاوضة عليها إلَّا إذا أذنت، ولم يجعل الله ورسوله للزنا عوضًا قط غير العقوبة، فيفوت على السيد حتى يقضى له، بل هذا تقويم مال أهدره الله ورسوله، وإثبات عوض حكم الشارع بخبثه، وجعله بمنزلة ثمن الكلب، وأجر الكاهن، وإن كان عوضًا خبيثًا شرعًا، لم يجز أن يقضى به.
ولا يقال: فأجر الحجام خبيث، ويقضى له به، لأنَّ منفعة الحجامة منفعة مباحة، وتجوز، بل يجب على مستأجره أن يوفيه أجره، فأين هذا من المنفعة الخبيثة المحرمة التي عوضها من جنسها، وحكمه حكمها، وإيجاب عوض في مقابلة هذه
[ ٨ / ١٨٥ ]
المعصية، كإيجاب عوض في مقابلة اللواط، إذ الشارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضًا.
فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضًا، وهو المهر من حيث الجملة، بخلاف اللواطة.
قلنا: إنَّما جعل في مقابلته عوضًا، إذا استوفى بعقد أو بشبهة عقد، ولم يجعل له عوضًا إذا استوفى بزنا محض لا شبهة فيه، وبالله التوفيق. ولم يعرف في الإسلام قط أنَّ زانيًا قضى عليه بالمهر للمزني بها، ولا ريب أنَّ المسلمين يرون هذا قبيحًا، فهو عند الله ﷿ قبيح» اهـ.
قُلْتُ: ما نقله العلامة ابن القيم ﵀ عن الشافعي من وجوب المهر على من زنا بالأمة المطاوعة فهو خلاف المشهور عن الشافعي ﵀ وأصحابه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٧/ ٣٥٧):
«والوجه الثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵁ وقول جمهور أصحابه أنَّه لا مهر لها عليه؛ لأنَّها بالمطاوعة تكون بغي، وقد نهى رسول الله ﷺ عن مهر البغي وخالف قطع اليدين منها؛ لأنَّ القطع نقص دخل على بدنها وقيمتها وليس الوطء نقص في بدنها، ولا قيمتها، ثم إن كانت بكرًا فعليه أرش بكارتها بالافتضاض؛ لأنَّه استهلاك جزء منها وهكذا يلزمه غرم ما نقص من قيمتها بالولادة فإن تطاول زمان غصبها حتى يكون لمثلها أجرة فعليه أجرة مثلها» اهـ.
[ ٨ / ١٨٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ٦٠):
«وإن كانت طائعة فعليهما الحد ولا يجب المهر على الصحيح المنصوص، وقيل على المشهور» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو عدم وجوب المهر في الزنا مطلقًا لعدم الدليل على ذلك، ويُكتفى بمجرد الحد الذي جاء به الشرع، وإن كانت بكرًا فلها الأرش من أجل زوال بكارتها.
وقد ذكر الخلاف في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٨٣) فقال: «ومن استكره امرأة على الزنا، فعليه الحد دونها؛ لأنَّها معذورة، وعليه مهرها حرة كانت أو أمة، فإن كانت حرة كان المهر لها، وإن كانت أمة كان لسيدها.
وبه قال مالك، والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب المهر؛ لأنَّه وطء يتعلق به وجوب الحد، فلم يجب به المهر، كما لو طاوعته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٣٥٥):
«وأطلق شيخنا رواية أنَّه لا مهر لمكرهة، واختارها، وأنَّه خبيث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣١٣):
«والصحيح أنَّه لا مهر، لا في هذا، ولا في هذا؛ لأنَّ الله - تعالى - أوجب في الزنا حدًا معلومًا، فلا نزيد على ما أوجب الله، ولا يمكن أن نقيس هذا الجماع - الذي
[ ٨ / ١٨٧ ]
يعتقد المجامع أنَّه حرام - على الحلال؛ ولكن نقيم عليه الحد، فإن كان الرجل بكرًا، أي: لم يتزوج من قبل، فحده مائة جلدة وتغريب عام، وإن كان قد تزوج من قبل وجامع زوجته، وتمت شروط الإحصان فإنَّه يرجم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣١٣ - ٣١٤):
«وعلى القول الذي رجحنا - وهو أنَّ المزني بها كرهًا أو طوعًا لا مهر لها - نقول: يجب عليه أرش البكارة، إذا كانت بكرًا وزنى بها كرهًا؛ لأنَّه أتلف البكارة بسبب يتلفها عادة. وأرش البكارة هو فرق ما بين مهرها ثيبًا ومهرها بكرًا، فإذا قلنا: إنَّ مهرها ثيبًا ألف ريال، ومهرها بكرًا ألفان، فيكون الأرش ألف ريال.
في الوقت الحاضر ترقى الطب، وصار يمكن أن يجعل لها بكارة صناعية، بواسطة عملية جراحية، فإذا قال: أنا لا أعطيكم دراهم، بل نجري لها عملية ونعيد البكارة، فهل يُمَكَّن؟ الجواب: لا، فإذا قال: الأصل أنَّ المثلي يضمن بمثله، فهو أذهب بكارة فيعيد لها بكارة أخرى؟
فنقول: هذا لا يكفي ولا يُطاع؛ لأنَّه مهما كان من ترقيع فلا يمكن أن يكون كالأصل، مع أننا نرى منع هذه العملية مطلقًا، لأنَّها تفتح باب الشر، فتكون كل امرأة تشتهي أن تزني زنت، وإذا زالت بكارتها أجرت العملية» اهـ.
٣ - وفيه النهي عن حلوان الكاهن وهو ما يتعاطاه الكاهن من أجل كهانته.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٢٧):
[ ٨ / ١٨٨ ]
«الحكم الرابع: حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب.
والحلوان مصدر حلوته حلوانًا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنَّه يأخذه سهلًا بلا كلفة ولا مشقة، يقال حلوته إذا أطعمته الحلو والحلوان أيضًا الرشوة والحلوان أيضًا أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه» اهـ.
٤ - وفيه النهي عن الزنا.
٥ - وفيه النهي عن الكهانة.
* * *
[ ٨ / ١٨٩ ]
٢٥٩ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ».
قُلْتُ: هذا الحديث مما انفرد به مسلم (١٥٦٨) دون البخاري.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم ثمن الكلب، وقد مضى القول في ذلك في الحديث السابق.
٢ - تحريم مهر البغي، وقد سبق أيضًا بيان ذلك في الحديث الذي قبل هذا الحديث.
٣ - واحتج به من قال بحرمة أجرة الحجام، وهو مذهب لبعض العلماء، والذي عليه أكثر العلماء عدم تحريم ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤١٩):
«وكونه خبيثًا ومن شر الكسب ففيه دليل لمن يقول بتحريمه. وقد اختلف العلماء في كسب الحجام فقال الأكثرون من السلف والخلف: لا يحرم كسب الحجام، ولا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد، وهو المشهور من مذهب أحمد، وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد، واعتمدوا هذه الأحاديث وشبهها، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره.
[ ٨ / ١٩٠ ]
قالوا: ولو كان حرامًا لم يعطه. رواه البخاري ومسلم.
وحملوا هذه الأحاديث التي في النهي على التنزيه والارتفاع عن دنيء الأكساب، والحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور. ولو كان حرامًا لم يفرق فيه بين الحر والعبد فإنَّه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحل» اهـ.
قُلْتُ: لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٦٢):
«وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام، ولا الاستئجار عليها، وإنَّما قال: نحن نعطيه كما أعطى النبي ﷺ ونقول له كما قال النبي ﷺ لما سئل عن أكله نهاه، وقال: "اعلفه الناضح والرقيق".
وهذا معنى كلامه في جميع الروايات، وليس هذا صريحًا في تحريمه، بل فيه دليل على إباحته، كما في قول النبي ﷺ وفعله، على ما بينا، وأنَّ إعطاءه للحجام دليل على إباحته إذ لا يعطيه ما يحرم عليه، وهو ﵇ يعلم الناس وينهاهم عن المحرمات، فكيف يعطيهم إياها، ويمكنهم منها، وأمره بإطعام الرقيق منها دليل على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة دون التحريم.
وكذلك قول الإمام أحمد، فإنَّه لم يخرج عن قول النبي ﷺ وفعله، وإنَّما قصد اتباعه ﷺ، وكذلك سائر من كرهه من الأئمة، يتعين حمل كلامهم على هذا، ولا يكون في المسألة قائل بالتحريم» اهـ.
[ ٨ / ١٩١ ]
قُلْتُ: حديث "اعلفه الناضح والرقيق".
رواه مالك في [الْمُوَطَأِ] (٢٨)، ومن طريقه أحمد (٢٣٦٩٠)، وأبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلْهُ فِيهَا حَتَّى قَالَ لَهُ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ».
ورواه أحمد (٢٣٦٩٣، ٢٣٦٩٨) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، وابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، أَنَّ مُحَيِّصَةَ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كَسْبِ حَجَّامٍ لَهُ، فَنَهَاهُ عَنْهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ يُكَلِّمُهُ حَتَّى قَالَ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ».
ورواه ابن ماجة (٢١٦٦) من طريق ابن أبي ذئب به.
قُلْتُ: الحديث حكم عليه ابن عبد البر ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١١/ ٧٧)
بالإرسال.
وله شاهد حَسَنٌ عند أحمد (١٥٠٧٩) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ».
قُلْتُ: الصحيح كراهة أجرة الحجام دون تحريمها، والدليل على عدم تحريمها ما رواه البخاري (٢٢٧٩)، ومسلم (١٢٠٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ».
[ ٨ / ١٩٢ ]
وروى البخاري (٢١٠٢)، ومسلم (١٥٧٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ».
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ».
قُلْتُ: ووصف ثمن الحجامة بالخبث في الحديث لدناءة هذا الكسب لا لتحريمه، وقد يأتي الخبث لغير التحريم كما في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وفيما رواه أحمد (١٦٢٩٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٦٨١) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدِ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قُرَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا». هذا لفظ النسائي.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، والمراد بالشجرتين الخبيثتين الثوم والبصل كما جاء بيان ذلك في رواية أحمد.
وروى مسلم (٥٦٥) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ الثُّومِ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرِّيحَ فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي
[ ٨ / ١٩٣ ]
الْمَسْجِدِ» فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ، حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا».
قُلْتُ: وقد يكون الخبث في الحجامة لملاقاة الحاجم الخَبَث وهو الدم كما سمي الخارج من الإنسان خبيثًا فيما رواه مسلم (٥٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ، قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ، عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، حَدِيثًا وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا، أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ، قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ١٩٢):
«قَالَ الْأَوَّلُونَ: قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا" فَسَمَّاهُمَا خَبِيثَتَيْنِ بِخُبْثِ رِيحِهِمَا وَلَيْسَتَا حَرَامًا. وَقَالَ: "لَا يُصَلِّيَن أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثِينَ" أَيْ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ. فَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ خَبِيثًا لِمُلَاقَاةِ صَاحِبِهِ النَّجَاسَةَ؛ لَا لِتَحْرِيمِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يُطْعَمُ مِنْهُ رَقِيقٌ وَلَا
[ ٨ / ١٩٤ ]
بَهِيمَةٌ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَحَالُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَيْسَتْ كَحَالِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ كَمَا قَالَ السَّلَفُ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٩٠):
«ويدخل فيه الفاصد والشارط، وكل من يكون كسبه من إخراج الدم» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ كسب المخبري خبيث قياسًا على الحجام لأنَّ عمله في الدم والبول والغائط.
* * *
[ ٨ / ١٩٥ ]