٢١٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».
وَلِمُسْلِمٍ: «يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».
قُلْتُ: رواية مسلم ليست كما ذكر المؤلف، وإنَّما جاء عنده (١١٩٨) بلفظ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».
وجاء عنده أيضًا: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ».
والغراب سمي بذلك لسواده ومنه قول الله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧].
والحِدَأة بكسر الحاء، وبفتحها الفأس ذو الرأسين.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز قتل هذه الحيوانات المذكورة في الحديث، في الحل، والحرم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٠):
[ ٧ / ٢٦٨ ]
«مسألة: قال: "وله أن يقتل الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور، وكل ما عدا عليه، أو آذاه، ولا فداء عليه". هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وحكي عن النخعي أنَّه منع قتل الفأرة.
والحديث صريح في حل قتلها، فلا يعول على ما خالفه» اهـ.
٢ - وجاء تقييد الغراب بالأبقع، فيما رواه مسلم (١١٩٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨): «وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الحكم لا يختص به، وعدوه إلى سائر الغربان، واستثنوا منها غراب الزرع، الذي يقال له الزاغ، وهو أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين، وذلك لحل أكله، وقد اتفق الأئمة الأربعة على حل أكله.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨):
«وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا
[ ٧ / ٢٦٩ ]
بالأبقع، ومنها الغداف على الصحيح في "الروضة" بخلاف تصحيح الرافعي» اهـ.
وَقَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٣٢): «فظهر بذلك أنَّ مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنَّه يستثنى من الأمر بقتل الغراب غراب الزرع خاصة، فإمَّا أن يكونوا اعتمدوا التقييد الذي في حديث عائشة بالأبقع وألحقوا به ما في معناه في الأذى وأكل الجيف وهو الغداف، وإمَّا أن يكونوا أخذوا بالروايات المطلقة وجعلوا التقييد بالأبقع لغلبته لا لاختصاص الحكم به وأخرجوا عن ذلك غراب الزرع وهو الزاغ لحل أكله، فهو مستثنى بدليل منفصل والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٦٦ - ٦٧):
«وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْغُرَابَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهُمَا: الْأَبْقَعُ وَهُوَ فَاسِقٌ مُحَرَّمٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَالثَّانِي: الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ وَيُقَالُ لَهُ الْغُدَافُ الْكَبِيرُ وَيُقَالُ لَهُ الْغُرَابُ الْجَبَلِيُّ لِأَنَّهُ يَسْكُنُ الْجِبَالَ.
وَالثَّالِثُ: غُرَابٌ صَغِيرٌ أَسْوَدُ أَوْ رَمَادِيُّ اللَّوْنِ وَقَدْ يُقَالُ لَهُ الْغُدَافُ الصَّغِيرُ وَالْأَصَحُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا التَّحْرِيمُ.
وَالرَّابِعُ: غُرَابُ الزَّرْعِ وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ الزَّاغُ وَقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ وَهُوَ حَلَالٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ شُمُولُ الْحَدِيثِ لِلْكُلِّ إلَّا غُرَابَ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْحَنَابِلَةِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَبْقَعِ وَيُوَافِقُ أَيْضًا
[ ٧ / ٢٧٠ ]
مَذْهَبَ مَالِكٍ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ فِي اسْتِثْنَاءِ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ -وَهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنْهُمْ-:
وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَخْلِطُ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى أَمَّا الْعَقْعَقُ غَيْرُ مُسْتَثْنًى لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى وَقَالَ فِيمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا لَا يَحِلُّ وَلَا بَأْسَ بِغُرَابِ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّ وَلَيْسَ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَلَا يُؤْكَلُ الْأَبْقَعُ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَكَذَا الْغُدَافُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْعَقْعَقِ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ فَأَشْبَهَ الدَّجَاجَةَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ غَالِبُ أَكْلِهِ الْجِيَفُ انْتَهَى.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْغُرَابِ غُرَابُ الزَّرْعِ خَاصَّةً فَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا اعْتَمَدُوا التَّقْيِيدَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِالْأَبْقَعِ وَأَلْحَقُوا بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ فِي الْأَذَى وَأَكْلِ الْجِيَفِ وَهُوَ الْغُدَافُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا بِالرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَجَعَلُوا التَّقْيِيدَ بِالْأَبْقَعِ لِغَلَبَتِهِ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ وَأَخْرَجُوا عَنْ ذَلِكَ غُرَابَ الزَّرْعِ وَهُوَ الزَّاغُ لِحِلِّ أَكْلِهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد أخذ بقيد "الأبقع" الحافظ ابن خزيمة ﵀ فقد قال في [صَحِيْحِهِ] (٤/ ١٩١): «باب ذكر الخبر المفسر للفظة المجملة التي ذكرتها في بعض ما أبيح قتله للمحرم، والدليل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أباح للمحرم قتل
[ ٧ / ٢٧١ ]
بعض الغربان لا كلها، وإنَّه إنَّما أباح قتل الأبقع منها دون ما سواه من الغربان» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٠):
«ولنا، ما روت عائشة؛ قالت: "أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور".
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قال: "خمس من الدواب، ليس على المحرم جناح في قتلهن". وذكر مثل حديث عائشة. متفق عليه.
وفي لفظ لمسلم، في حديث ابن عمر: "خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام".
وهذا عام في الغراب، وهو أصح من الحديث الآخر.
ولأنَّ غراب البين محرم الأكل، يعدو على أموال الناس، فلا وجه لإخراجه من العموم.
وفارق ما أبيح أكله، فإنَّه مباح ليس هو في معنى ما أبيح قتله، فلا يلزم من تخصيصه تخصيص ما ليس في معناه» اهـ.
قُلْتُ: غراب البين هو الأبقع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨):
[ ٧ / ٢٧٢ ]
«وسمى ابن قُدَامَةَ الْغُدَافَ غُرَابَ الْبَيْنِ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ الْأَبْقَعُ قِيلَ سُمِّيَ غُرَابُ الْبَيْنِ لِأَنَّهُ بَانَ عَنْ نُوحٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ مِنَ السَّفِينَةِ لِيَكْشِفَ خَبَرَ الْأَرْضِ فَلَقِيَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى نُوحٍ» اهـ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ فِي [الْحَيِوَانِ] (٢/ ٤١٨):
«إنَّما لزمه هذا الاسم لأنَّ الغراب إذا بان أهل الدّار للنَّجعة، وقع في مرابض بيوتهم يلتمس ويتقمَّم، فيتشاءمون به ويتطيّرون منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلَّا إذا بانوا، فسمُّوه غراب البين» اهـ.
قُلْتُ: في أكثر الروايات تعدي الحكم إلى غير الأبقع، لمشاركة غير الأبقع له في المفسدة التي من أجلها أحل قتل الأبقع، ولعل هذا الوصف من الأوصاف الخارجة مخرج الغالب فلا مفهوم لها.
٣ - وفي الحديث تقييد الكلب بكونه عقورًا، والعقر الجرح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٥٢):
«واتفق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم، واختلفوا في المراد به، فقيل: هذا الكلب المعروف خاصة، حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح، وألحقوا به الذئب، وحمل زفر معنى الكلب على الذئب وحده، وقال جمهور العلماء: ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف، بل المراد هو كل عاد مفترس غالبًا كالسبع والنمر
[ ٧ / ٢٧٣ ]
والذئب والفهد ونحوها، وهذا قول زيد بن أسلم وسفيان الثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد وغيرهم، وحكاه القاضي عياض عنهم وعن جمهور العلماء ومعنى "العقور" و"العاقر": الجارح» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١١):
«قال مالك: الكلب العقور، ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد والنمر والفهد والذئب.
فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم أو في أموالهم، مثل سباع البهائم كلها، المحرم أكلها، وجوارح الطير، كالبازي، والعقاب، والصقر، والشاهين، ونحوها، والحشرات المؤذية، والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث، والذباب.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: يقتل ما جاء في الخبر، والذئب، قياسًا عليه.
ولنا، أنَّ الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيها على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلى منه» اهـ.
قُلْتُ: ومما احتج به العلماء على أنَّ الكلب يطلق على سائر السباع، ما رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٣٩٨٤)، والبغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٢١٤١)، والبيهقي
[ ٧ / ٢٧٤ ]
في [دَلَائَلِ النُّبُوَةِ] (٢/ ٣٣٨)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (٥٤٦٥، ٦٣٠٦) مِنْ طَرِيْقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ لَهَبُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ» فَخَرَجَ فِي قَافِلَةٍ يُرِيدُ الشَّامَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالُوا لَهُ: كَلَّا، فَحَطُّوا مَتَاعَهُمْ حَوْلَهُ وَقَعَدُوا يَحْرُسُونَهُ فَجَاءَ الْأَسَدُ فَانْتَزَعَهُ فَذَهَبَ بِهِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ جِدًّا فيه عباس بن الفضل الأزرق، قَالَ فِيْهِ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٧/ ٥): «ذهب حديثه» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٦/ ٢١٣): «وسمعت أبي يقول ذهب حديثه، وترك أبو زرعة حديثه ولم يقرأه علينا» اهـ.
وذكر العقيلي ﵀ في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٣٦١) عن أَحْمَدَ بْنِ أَصْرَمَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ: «رَوَى حَدِيثًا، شَبِيهًا بِالْمَوْضُوعِ وَضَعَّفَهُ بِهِ، وَلَمْ يَحْمَدْهُ».
وعن ابن معين أنَّه قال فيه: «لَيْسَ بِثِقَةٍ». وعن البخاري أنَّه قال فيه: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ».
ورواه ابن قانع في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١١٨٨) فِي كِتَابِي بِخَطِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّوَّاقِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ
[ ٧ / ٢٧٥ ]
سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] حَتَّى انْتَهَى إِلَى: ﴿دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] قَالَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ: أَنَا أَكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَقَالَ: يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ» فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأَسَدُ فَافْتَرَسَهُ.
قُلْتُ: داود بن إبراهيم العقيلي، قال فيه الأزدي: مجهول كذاب.
وروى الدولابي في [الذُّرِيَّةِ الطَّاهِرَةِ] (٧٧) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حُدِّثْتُ عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَعُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ فَطَلَّقَهَا فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ قَالَ: لَآتِيَنَّ مُحَمَّدًا فَلَأُوذِيَنَّهُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هُوَ يُكْفُرُ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ثُمَّ قَفَلَ وَرَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ»، وَأَبُو طَالِبٍ حَاضِرٌ فَوَجَمَ لَهَا فَقَالَ: مَا كَانَ أَغْنَاكَ عَنْ دَعْوَةِ ابْنِ أَخِي ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَاهِبٌ مِنَ الدَّيْرِ فَقَالَ: أَرْضُ مَسْبَعٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَعِينُوا بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ فَإِنِّي أَخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ فَجَمَعُوا أَحْمَالَهُمْ فَفَرَشُوا لِعُتْبَةَ فِي
[ ٧ / ٢٧٦ ]
أَعْلَاهَا وَنَامُوا حَوْلَهُ فَجَاءَ الْأَسَدُ فَجَعَلَ يَتَشَمَّمُ وُجُوهَهُمْ ثُمَّ ثَنَّى ذَنْبَهُ فَوَثَبَ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَخَدَشَهُ فَقَالَ: قَتَلَنِي وَمَاتَ.
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ لم يسمِّ إبراهيم بن يعقوب من حدثه، وفيه ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن.
ورواه أبو نعيم في [دَلَائَلِ النُّبُوَةِ] (٣٦٩)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٨/ ٣٠١ - ٣٠٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: فذكره.
قُلْتُ: هكذا وصله محمد بن حميد وهو ممن لا يعتمد عليه، وقد كذبه النسائي، وابن وارة.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الحديث.
وتقييد الكلب بالعقور يقتضي أنَّ من لم يكن كذلك من سائر الكلاب والسباع لا يدخل في حل قتله. والله أعلم.
٤ - ويلحق بهذه المذكورات غيرها بجامع الأذى فما كان من الحيوانات مؤذيًا بطبعه فله حكمها، وهذه الخمس سماهن النبي ﷺ فواسق لخروجهن عن سائر الحيوان بالأذية والعدوان. والفسق في اللغة الخروج.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٥٢):
[ ٧ / ٢٧٧ ]
«واتفقوا على أنَّه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناهن، ثم اختلفوا في المعنى فيهن، وما يكون في معناهن، فقال الشافعي: المعنى في جواز قتلهن كونهن مما لا يؤكل، وكل ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول وغيره فقتله جائز للمحرم، ولا فدية عليه، وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٣٩):
«فذكر النبي ﷺ ما يؤذي الناس في أنفسهم وأموالهم وسماهن فواسق لخروجهن على الناس.
ولم يكن قوله: "خمس" على سبيل الحصر لأنَّ في أحد الحديثين ذكر الحية، وفي الآخر ذكر العقرب، وفي آخر ذكرها وذكر السبع العادي، فعلم أنَّه قصد بيان ما تمس الحاجة إليه كثيرًا وهو هذه الدواب وعلل ذلك بفسوقها؛ لأنَّ تعليق الحكم بالاسم المشتق المناسب يقتضي أنَّ ما منه الاشتقاق علة للحكم فحيث ما وجدت دابة فاسقة وهي التي تضر الناس وتؤذيهم جاز قتلها» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣/ ١٤٠ - ١٤٩):
«فَأَمَّا مَا هُوَ مُضِرٌّ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْتَدِئَ النَّاسَ بِالْأَذَى فِي مَسَاكِنِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ، وَإِنَّمَا إِذَا اجْتَمَعَ بِالنَّاسِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَتَاهُ النَّاسُ آذَاهُمْ، مِثْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، مِثْلِ الْأَسَدِ،
[ ٧ / ٢٧٨ ]
وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالدُّبِّ، وَالْفَهْدِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْبَاشِقِ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مِثْلِ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ.
وَقَدْ نَصَّ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ - عَلَى أَنَّهُ يَقْتُلُ السَّبُعَ عَدَا عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَعْدُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَالصَّيْدُ اسْمٌ لِلْمُبَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَ قَتْلَ السَّبُعِ الْعَادِي، وَالْعَادِي صِفَةٌ لِلسَّبُعِ سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ الْعُدْوَانُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ. كَمَا قَالَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَكَمَا يُقَالُ: السَّيْفُ قَاطِعٌ، وَالْخُبْزُ مُشْبِعٌ، وَالْمَاءُ مُرْوٍ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ السَّبُعِ وَبَيْنَ الصَّيْدِ، فَإِنَّ الصَّيْدَ إِذَا عَدَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ، قَالُوا: وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ أَدْنَاهُ ضَرَرًا لِيُنَبِّهَ بِإِبَاحَةِ قَتْلِهِ عَلَى إِبَاحَةِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ضَرَرًا، فَنَصَّ عَلَى الْفَأْرَةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا مِنَ الْحَشَرَاتِ، وَذَكَرَ الْغُرَابَ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنَ الْجَوَارِحِ، وَذَكَرَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَهُوَ أَدْنَى السِّبَاعِ تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى سَائِرِ السِّبَاعِ.
قَالُوا: وَفَحْوَى الْخِطَابِ تَنْبِيهُهُ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِهِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ، وَرُبَّمَا قَالُوا: الْكَلْبُ الْعَقُورُ اسْمٌ لِجَمِيعِ السِّبَاعِ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي دُعَائِهِ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ"، فَأَكَلَهُ السَّبُعُ.
[ ٧ / ٢٧٩ ]
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْتَلُ إِذَا عَدَا عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ، فَإِذَا لَمْ يَعْدُ فَلَا يَنْبَغِي قَتْلُهُ; لِأَنَّهُ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْدُوَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ.
وَقَالَ أَيْضًا -: يَقْتُلُ مَا عَدَا عَلَيْهِ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
فَخَصَّ قَتْلَهُ بِمَا إِذَا عَدَا عَلَيْهِ أَوْ بِمَا إِذَا عَدَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ إِذَا لَمْ يَعْدُ. وَلَوْ أَرَادَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الْعُدْوَانَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلسَّبُعِ لَمْ يَقُلْ: كُلُّ مَا عَدَا مِنَ السِّبَاعِ، فَإِنَّ جَمِيعَ السِّبَاعِ عَادِيَةٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَفْتَرِسُ وَلِذَلِكَ حَرُمَ أَكْلُهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ عُدْوَانًا تُنْشِئُهُ وَتَفْعَلُهُ، فَلَا تُقْصَدُ فِي مَوَاضِعِهَا وَمَسَاكِنِهَا فَتُقْتَلُ، إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْدُوَ عَلَى بَنِي آدَمَ كَالْأَسَدِ، فَيُقْتَلُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْدُوَ دُونَ أَوْلَادِهَا الصِّغَارِ، وَدُونَ مَا لَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَيُنْظَرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ; لِأَنَّهُ قَالَ: يَقْتُلُ السَّبُعَ مُطْلَقًا.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: وَيُقْتَلُ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَكُلُّ سَبُعٍ عَدَا عَلَيْكَ أَوْ عَقَرَكَ.
فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنَ السِّبَاعِ هُوَ الَّذِي يَعْدُو عَلَى الْمُحْرِمِ وَيُرِيدُ عَقْرَهُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهِيَ اخْتِيَارُ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوْ أَرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْإِذْنَ فِي قَتْلِ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَقَالَ: يَقْتُلُ كُلَّ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَيَقْتُلُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، أَلَا
[ ٧ / ٢٨٠ ]
تَرَاهُ لَمَّا أَرَادَ النَّهْيَ عَنْهَا قَالَ: "كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ". وَلَمْ يُعَدِّدْ أَنْوَاعًا مِنْهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَّلَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُنَّ فَوَاسِقُ، وَالْفَاسِقُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى غَيْرِهِ ابْتِدَاءً بِأَنْ يَقْصِدَهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَمَّا مَنْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُقْصَدَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَيْسَ بِفَاسِقٍ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ خَصَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَلَوْ قَصَدَ مَا لَا يُؤْكَلُ، أَوْ مَا هُوَ سَبُعٌ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَخُصَّ الْعَقُورَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْكَلْبَ سَبُعٌ مِنَ السِّبَاعِ، وَأَكْلُهُ حَرَامٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ ذَكَرَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ مَا يَأْتِي النَّاسَ فِي مَوَاضِعِهِمْ، وَيَعُمُّ بَلْوَاهُمْ بِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِقَتْلِهِ، مِثْلُ الْحُدَيَّا، وَالْغُرَابِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ إِهْدَارُهُ عَنِ الِاعْتِبَارِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ إِلَّا بِنَصٍّ آخَرَ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَالَ: وَالسَّبُعُ الْعَادِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعُدْوَانُ صِفَةً لَازِمَةً، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ السَّبُعَ الَّذِي يَعْتَدِي، أَوِ السَّبُعَ إِذَا اعْتَدَى وَنَحْوَ ذَلِكَ أَوِ السَّبُعَ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى النَّاسِ فَيَأْتِيَهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. كَمَا يُقَالُ: الرَّجُلُ الظَّالِمُ، كَمَا قَالَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، فَكَانَ ذَلِكَ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الْكِلَابِ; فَلِذَلِكَ هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ السِّبَاعِ لِوُجُوهٍ:
[ ٧ / ٢٨١ ]
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعُدْوَانَ الَّذِي فِي طِبَاعِ السِّبَاعِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَفْتَرِسُ غَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ لَكَانَتْ جَمِيعُ السِّبَاعِ عَادِيَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَتَبْقَى الصِّفَةُ ضَائِعَةً، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَأْتِي لِلتَّوْكِيدِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّقْيِيدُ لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ مَعَ أَنَّ الْعُدْوَانَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ صِفَةً تَخُصُّ بَعْضَ السِّبَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصِّفَاتِ أَنْ تَكُونَ لِتَمْيِيزِ الْمَوْصُوفِ مِمَّا شَارَكَهُ فِي الِاسْمِ وَتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِهَا، وَقَدْ تَجِيءُ لِبَيَانِ حَالِ الْمَوْصُوفِ وَإِظْهَارِهِ وَإِيضَاحِهِ، لَكِنَّ هَذَا خِلَافٌ لِلْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ فِي إِظْهَارِ الصِّفَةِ فَائِدَةٌ مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ تَنْبِيهٍ عَلَى شَيْءٍ خَفِيٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهُنَا قَالَ: الْعَادِي، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَادِي تَقْيِيدًا لِلسَّبُعِ أَوْ إِخْرَاجًا لِلسَّبُعِ الَّذِي لَيْسَ بِعَادٍ، إِذْ إِرَادَةُ عُدْوَانٍ لَازِمٍ: مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْعُدْوَانُ الطَّبِيعِيُّ مَعْلُومٌ بِنَفْسِ قَوْلِهِ: سَبُعٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُدْوَانَ الَّذِي هُوَ فِعْلُ السَّبُعِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وَالْعُدْوَانُ الَّذِي هُوَ طَبْعُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادًا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ.
السَّابِعُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الدَّوَابِّ قَدْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا فِي الْإِحْلَالِ، مِثْلُ الضِّفْدَعِ، وَالنَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْإِحْرَامِ؟ وَقَدْ قَالَ فِي الْفَوَاسِقِ: " يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ".
الثَّامِنُ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْكِلَابِ: "لَوْلَا أَنَّهَا أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[ ٧ / ٢٨٢ ]
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَوْنَهَا أُمَّةً وَصْفٌ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِيعَابِهَا بِالْقَتْلِ لِتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ تَعْبُدُ اللَّهَ وَتُسَبِّحُهُ، نَعَمْ خَصَّ مِنْهَا مَا يَضُرُّ بَنِي آدَمَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ; لِأَنَّ رِعَايَةَ جَانِبِهِمْ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ جَانِبِهِ، وَيَبْقَى مَا يُمْكِنُهُمُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عَلَى الْعُمُومِ.
فَعَلَى هَذَا قَتْلُهُ: حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، وَبِكُلِّ حَالٍ لَا جَزَاءَ فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ هَذَا، فَغَيْرُهُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا فِي طَبْعِهِ الْأَذَى أَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَ الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَالسَّبُعَ، وَالذِّئْبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ الْأَبْقَعَ، وَالزُّنْبُورَ، وَالْقِرْدَ، وَالنَّسْرَ، وَالْعُقَابَ إِذَا وَثَبَ عَلَيْهِ، وَالْبَقَّ، وَالْبَعُوضَ، وَالْحَلَمَ، وَالْقِرْدَانَ، وَكُلَّ مَا عَدَا عَلَيْهِ وَآذَاهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى: فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُبَاحُ قَتْلُ كُلِّ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَسَمَّى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَالَ: وَالْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ وَالْبَعُوضُ وَالْقُرَادُ وَالْوَزَغُ وَسَائِرُ الْحَشَرَاتِ وَالذُّبَابِ، وَيَقْتُلُ النَّمْلَ إِذَا آذَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ: كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْجِرْجِسِ وَالْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ وَالْبَعُوضِ وَالْعَلَقِ وَالْقُرَادِ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ.
الثَّانِي: مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ: كَالْبَازِي وَالْفَهْدِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ مِنَ الطَّيْرِ وَالْمِخْلَبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَقَتْلُهُ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
الثَّالِثُ: مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ: كَالْخَنَافِسِ وَالْجِعْلَانِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالرَّخَمِ وَالذُّبَابِ وَالنَّحْلِ، وَالنَّمْلِ إِذَا لَمْ يَلْسَعْهُ يُكْرَهُ قَتْلُهُ وَلَا يَحْرُمُ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْقِسْمِ …، وَهُوَ مَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَذَكَرْنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: فَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يَضُرَّ، ثُمَّ قَدْ أَدْخَلُوا فِيهِ الْكَلْبَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ.
وَأَمَّا الذُّبَابُ: فَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: مِنَ الْمُؤْذِي، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي: فِيمَا لَا يُؤْذِي وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا يَجُوزُ أَكْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْمَنَ.
وَأَمَّا الذَّرُّ: فَقَدْ رَوَى عَنْهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الذَّرِّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: " وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْقَمْلَةَ، وَلَا يَقْتُلَ النَّمْلَةَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا يَقْتُلُ الضِّفْدَعَ، وَهَذِهِ الْمَنْهِيَّاتُ عَنْ قَتْلِهَا، مِثْلُ الصُّرَدِ وَالنَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، مَرَدُّ هَلْ هُوَ مَنْعُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَا يَقْتُلُ النَّمْلَ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ وَلَا الضِّفْدَعَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا - وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ، فَقَالَ: "إِذَا آذَتْهُ قَتَلَهَا"، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّحْلِ وَالصُّرَدِ وَهُوَ طَيْرٌ ".
[ ٧ / ٢٨٤ ]
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ - فِي الضَّفَادِعِ لَا تُؤْكَلُ وَلَا تُقْتَلُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الضِّفْدَعُ لَا يُؤْكَلُ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ يُجْعَلَ فِي الدَّوَاءِ مَنْ يَأْكُلُهُ!. فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَتْلَهَا وَأَكْلَهَا سَوَاءٌ وَأَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
فَأَمَّا إِذَا عَضَّتْهُ النَّحْلَةُ أَوِ النَّمْلَةُ أَوْ تَعَلَّقَ الْقُرَادُ بِبَعِيرِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُ أَدْنَاهُ بِدُونِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ النَّمْلَةَ بَعْدَ أَنْ تَقْرُصَهُ» اهـ.
قُلْتُ: هذا تحرير نفيس.
٥ - واحتج به لمذهب الإمام مالك والشافعي على قتل من قتل خارج الحرم ثم لاذ به إلحاقًا له بالفواسق المذكورة في الحديث بجامع الفسق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ٥٠):
«وقد استدل مالك، والشافعي، وأصحابهما بإباحة قتل هذه الفواسق في الحرم؛ على أنَّ الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بحد» اهـ.
وقد أجاب على ذلك العلامة ابن القيم ﵀ فَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٨):
«وأمَّا قولكم: إنَّه حيوان مفسد، فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس، فإنَّ الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأمَّا الآدمي فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنَّما أبيح لعارض،
[ ٧ / ٢٨٥ ]
فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإنَّ الحرم يعصمها. وأيضًا فإنَّ حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور، والحية، والحدأة كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها» اهـ.
٦ - والأمر في هذا الحديث محمول على الندب عند جماعة من أهل العلم.
٧ - وظاهر الحديث الندب إلى قتل هذه المذكورات ابتداءً وإن لم تبدأ بالعدوان في مذهب جماهير العلماء، ونقل عن أشهب خلاف ذلك.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٢٩): «ومذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية استحباب قتل المؤذيات وهي الخمس المذكورة وما في معناها وتمسكوا بالأمر به في هذا الحديث» اهـ.
٨ - وظاهر الحديث شمول كبار هذه الحيوانات وصغارها. والمشهور عن أهل العلم أنَّهم لا يفرقون، والتفريق مذكور في مذهب المالكية. فقد اختلفوا في قتل ما صغر من الحيات والعقارب التي لا يمكن منها الأذى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ١٩١):
«قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي» اهـ.
قُلْتُ: الأخذ بعموم الحديث هو الأرجح، وصغار هذه الحيوانات سوف تصير كبارًا، ويحصل منها ما يحصل من كبارها، فيقطع شرها قبل حصوله. والله أعلم.
فائدة/ جاء في مسلم (١٢٠٠) من حديث ابن عمر ذكر الحية بدل العقرب.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
وجاء عند أحمد (١١٠٠٣)، ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (١٨٤٨)، ورواه ابن ماجة (٣٠٨٩) كلهم مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: «الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفُوَيْسِقَةُ، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالسَّبُعُ الْعَادِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، فيه يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث.
واختلف العلماء في قتل الأوزاغ في الحرم، فذهب الأكثر على جواز ذلك، واحتجوا بما رواه مسلم (٢٢٣٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا».
ورواه البخاري (٣٣٠٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ لِلْوَزَغِ: «الفُوَيْسِقُ» وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وبما رواه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧) عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ».
وقد نازع في ذلك الإمام مالك ﵀، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ١٠٧): «قال مالك: لا يقتل المحرم الوزغ فإن قتله فداه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤١):
[ ٧ / ٢٨٧ ]
«ونقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، لكن نقل بن عبد الحكم وغيره عن مالك لا يقتل المحرم الوزغ. زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدق؛ لأنَّه ليس من الخمس المأمور بقتلها.
وروى بن أبي شيبة أنَّ عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله وهذا يفهم توقف قتله على أذاه» اهـ.
وَقَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٣٥): «وحكى ابن حزم عن الطحاوي أنَّه قال: لا يقتل المحرم الحية ولا الوزغ ولا شيئًا غير الخمس المنصوص عليها» اهـ.
* * *
[ ٧ / ٢٨٨ ]