٢٠٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إلاَّ أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ».
وَلِلْبُخَارِيِّ: «وَلا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ. وَلا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن لبس المحرم للقميص، وما كان في معناه من الثياب التي تغطي أعلى الجسد مما هو مخيط أو نحوه على قدر الأعضاء فله حكمه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٠ - ١١١): «فما كان في معنى القميص فهو مثله، وليس له أن يلبس القميص لا بكم ولا بغير كم وسواء أدخل فيه يديه أو لم يدخلهما وسواء كان سليمًا أو مخروقًا، وكذلك لا يلبس الجبة، ولا القباء الذي يدخل يديه فيه، وكذلك الدرع الذي يسمى: "عرق جين" وأمثال ذلك باتفاق الأئمة. وأمَّا إذا طرح القباء على كتفيه
[ ٧ / ٦٠ ]
من غير إدخال يديه ففيه نزاع. وهذا معنى قول الفقهاء: لا يلبس المخيط. والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو» اهـ.
قُلْتُ: ذهبت الحنفية إلى أنَّ من دخل القباء على كتفيه ولم يدخل فيه يديه فيكره ذلك ولا يحرم.
قَالَ [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٤٦):
«تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ زِيَادَةَ ذِكْرِ الْقَبَاءِ وَعَدَّهُ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ الْمُحْرِمُ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَزُفَرُ، وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ بِمَا إذَا أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى لُبْسِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ الْخِرَقِيِّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٤):
«وَالْقَبَاءُ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَعْرُوفٌ وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مُفَرَّجٍ وَمَنْعُ لُبْسِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ يُشْتَرَطُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لَا إِذَا أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيْهِ وَوَافَقَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَظِيرَهُ إِنْ كَانَ كُمُّهُ ضَيِّقًا فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَلَا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٢٨٦):
[ ٧ / ٦١ ]
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ الْقَبَاءَ وَالدُّوَاجَ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ" ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إبَاحَةُ لُبْسِ الْقَبَاءِ، مَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: إذَا أَدْخَلَ كَتِفَيْهِ فِي الْقَبَاءِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَخِيطٌ لَبِسَهُ الْمُحْرِمُ عَلَى الْعَادَةِ فِي لُبْسِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إذَا كَانَ عَامِدًا، كَالْقَمِيصِ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ".
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِي مَسْأَلَةِ إنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ. وَلِأَنَّ الْقَبَاءَ لَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ بِوَضْعِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ، إذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، كَالْقَمِيصِ يَتَّشِحُ بِهِ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالرِّدَاءِ الْمُوَصَّلِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى لُبْسِهِ مَعَ إدْخَالِ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر المنع لأنَّه إذا أدخل كتفيه بالقباء فقد لبس مخيطًا محيطًا بالكتفين، والمحيط على جميع العضو أو على بعضه مما يمنع منه ألا ترى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهي المحرم عن لبس السراويلات وألحق العلماء بها التبان مع أنَّ تغطيته دون تغطية السراويلات.
ورجح العلامة ابن عثيمين ﵀ الجواز.
[ ٧ / ٦٢ ]
ولا يشترط في اللباس الذي نُهي عنه المحرم الخياطة، بل الغرض أن يكون على قدر العضو سواء خيط بخيط أو بغير ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ١٥ - ١٦):
«وكذلك لو وضع على مقدار العضو بغير خياطة، مثل أن ينسج نسجًا أو يلصق بلصوق أو يربط بخيوط أو يخلل بخلال أو يزر، ونحو ذلك مما يوصل به الثوب المقطع حتى يصير كالمخيط فإنَّ حكمه حكم المخيط، وإنَّما يقول الفقهاء المخيط بناء على الغالب» اهـ.
قُلْتُ: والنهي عن لبس القميص وارد فيما إذا لبسه على الوجه المعتاد، فأمَّا إذا لبسه على هيئة الرداء، أو الإزار فلا بأس بذلك.
قال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٠٢):
«المراد باللبس المنهي عنه اللبس المعتاد فلو ارتدى القميص ونحوه لم يمنع منه فإنَّه لا يعد لابسًا له في العرف» اهـ.
فائدة/ قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٢٩٤):
«القميص معروف وجمعه قمص بضم القاف والميم ويجوز تخفيف ميمه وهو قياس مطرد في الجمع الذي على وزن فعل وجاء في الرواية الأولى بالإفراد وفي الثانية بالجمع وكذا بقية المذكورات معه، وكأنَّه مأخوذ من الجلدة التي هي غلاف القلب اسمها القميص» اهـ.
[ ٧ / ٦٣ ]
٢ - وفيه النهي عن لبس العمائم، ويلحق به كل غطاء للرأس كالقلنسوة وغيرها. ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٢٦٦)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْصَعَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
قُلْتُ: وأمَّا إذا احتاج إلى حمل المتاع على رأسه فلا بأس بذلك؛ لأنَّ ذلك لا يريد منه تغطية الرأس، نعم إذا أراد بذلك تغطية الرأس فلا يجوز له ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٥٦):
«قال أصحابنا: وله أن يحمل فوق رأسه شيئًا مثل الكبك والطبق ونحوه، وحرره ابن عقيل فقال: إذا احتاج لحمل متاع من موضعه إلى غيره فحمله فغطى رأسه لم تجب الفدية لأنَّ الحمل لا يقصد به التغطية بل النقل.
وإن تعمد لحمل شيء على رأسه تحيلًا للتغطية لم تسقط الفدية وكان مأثومًا وهذا مقتضى تعليل بقيتهم أن يفرق بين أن يقصد الحمل فقط أو يقصد مع الحمل التغطية.
وعلله القاضي في موضع بأنَّه لا يستدام في العادة فهو كما لو وضع على رأسه يده.
قالوا: وله أن يضع يده على رأسه وأن يقلب ذوائبه على رأسه» اهـ.
[ ٧ / ٦٤ ]
قُلْتُ: وأمَّا تغطية الرأس بشيء منفصل عنه فالصحيح جوازه مطلقًا؛ وذلك لما رواه مسلم (١٢١٨) في حديث جابر الطويل في حجة الوداع قال فيه: «فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ».
وما رواه مسلم (١٢٩٨) عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».
وفي لفظ آخر عنده من حديثها أنَّها قالت: «حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١٧٩):
«قُلْتُ: فيه من الفقه أنَّ للمحرم أن يستظل بالمظال نازلًا بالأرض وراكبًا على ظهور الدواب ورخص فيه أكثر أهل العلم، إلَّا أنَّ مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كانا يكرهان للمحرم أن يستظل راكبًا» اهـ.
[ ٧ / ٦٥ ]
قُلْتُ: وهذا الاستظلال يحتمل أن يكون في يوم النحر، ويحتمل أن يكون ذلك في أيام منى بعد التحلل، ولا حجة فيه حينئذ على مشروعية ذلك.
لكن قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٦٢ - ٦٤):
«فإن قيل: هذا التظليل إن كان يوم النحر ففيه مستدل وإن كان في أحد أيام منى فلا حجة فيه لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حل من إحرامه يوم النحر وليس فيه بيان أنَّ ذلك كان يوم النحر بل فيه ما يشعر أنَّه كان في أيام منى؛ لأنَّ الجمرة ترمى أيام منى بعد الزوال حين اشتداد الحر فأمَّا يوم النحر فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ رماها ضحى وليس ذلك الوقت للشمس حر يحتاج إلى تظليل. قيل: قد روى ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا راجعًا رواه الترمذي وصححه، ورواه أبو داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا ويخبر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك. ورواه أحمد فقال: كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبًا وسائر ذلك ماشيًا ويخبرهم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك.
ففي هذا ما يدل أنَّ ذلك الرمي كان يوم النحر لأنَّه كان راكبًا وهو ﷺ لم يفض من جمع حتى كادت الشمس تطلع وما بين أن يفيض إلى أن يجيء إلى جمرة العقبة يصير للشمس مس وحر فإنَّ حجته ﷺ كانت في … ويبين ذلك وقد أخبرت أم حصين أنَّه خطب عند جمرة العقبة وإنَّما خطب عند جمرة العقبة يوم النحر …» اهـ.
[ ٧ / ٦٦ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٣٩):
«والحديث ذهب إليه أحمد، فلم يكره أن يستتر بثوب ونحوه، فإنَّ ذلك لا يقصد للاستدامة، والهودج بخلافه، والخيمة والبيت يرادان لجمع الرحل وحفظه، لا للترفه. وظاهر كلام أحمد، أنَّه إنما كره ذلك كراهة تنزيه لوقوع الخلاف فيه».
وقال ﵀ (٦/ ٤٤١):
«فصل: ولا بأس أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء، وإن نزل تحت شجرة، فلا بأس أن يطرح عليها ثوبًا يستظل به، عند جميع أهل العلم.
وقد صح به النقل، فإنَّ جابرًا قال في حديث حجة النبي ﷺ: "وأمر بقبة من شعر، فضربت له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس".
رواه مسلم، وابن ماجه، وغيرهما.
ولا بأس أيضًا أن ينصب حياله ثوبًا يقيه الشمس والبرد، إمَّا أن يمسكه إنسان، أو يرفعه على عود، على نحو ما روي في حديث أم الحصين: "أنَّ بلالًا أو أسامة كان رافعًا ثوبًا يستر به النبي ﷺ من الحر". ولأنَّ ذلك لا يقصد به الاستدامة، فلم يكن به بأس، كالاستظلال بحائط» اهـ.
قُلْتُ: جواز ذلك مطلقًا هو الصحيح، وليس في التفريق بين هذه الصور حجة قوية، ولا معنى ظاهر. والله أعلم.
[ ٧ / ٦٧ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٦٠ - ٦٢):
«الثاني: المحمل والعمارية والقبة والهودج ونحو ذلك مما يصنع على الإبل وغيرها من المراكب لأجل الاستظلال شفعًا كانت أو وترًا فهذا إذا كان متجافيًا عن رأسه فالمشهور عن أحمد الكراهة وعنه لا بأس به ذكرها ابن أبي موسى لأنَّ المنع من الاستظلال والبروز للسماء إنَّما كان يعتقده برًا أهل الجاهلية كما تقدم عنهم وقد رد الله ذلك كما تقدم.
ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما رأى أبا إسرائيل قائما في الشمس سأل عنه فقيل نذر أن يقوم ولا يتكلم ولا يستظل ويصوم قال: "مروه فليقعد وليستظل وليتكلم وليتم صومه". رواه البخاري.
فبين النبي ﷺ أنَّ الضحى للشمس مثل الصمت والقيام ليس مشروعًا ولا مسنونًا ولا بر فيه.
وأيضًا: فليس في المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع فوجب أن يبقى على أصل الإباحة.
وأيضًا: فإنَّه يجوز له الاستظلال بالخيمة والسقف والشجر وغير ذلك وهذا في معناه ولا يقال هذه الأشياء المقصود بها جمع المتاع فإنَّه لو دخل البيت لقصد الاستظلال أو نصب له خيمة لمجرد الاستظلال جاز بلا تردد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٤٣):
[ ٧ / ٦٨ ]
«الحكم العاشر: أنَّ المحرم ممنوع من تغطية رأسه، والمراتب فيه ثلاث: ممنوع منه بالاتفاق، وجائز بالاتفاق، ومختلف فيه، فالأول: كل متصل ملامس يراد لستر الرأس، كالعمامة، والقبعة، والطاقية، والخوذة، وغيرها.
والثاني: كالخيمة، والبيت، والشجرة، ونحوها، وقد صح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه ضربت له قبة بنمرة وهو محرم، إلَّا أنَّ مالكًا منع المحرم أن يضع ثوبه على شجرة ليستظل به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابه المحرم أن يمشي في ظل المحمل.
والثالث: كالمحمل، والمحارة، والهودج، فيه ثلاثة أقوال: الجواز، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، والثاني: المنع. فإن فعل، افتدى، وهو مذهب مالك ﵀. والثالث: المنع، فإن فعل، فلا فدية عليه، والثلاثة روايات عن أحمد ﵀» اهـ.
قُلْتُ: واختلف العلماء في تغطية الوجه للمحرم، وحجة من منع من ذلك ما رواه مسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٤٤):
[ ٧ / ٦٩ ]
«الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه، وقد اختلف في هذه المسألة. فمذهب الشافعي وأحمد في رواية: إباحته، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية: المنع منه، وبإباحته قال ستة من الصحابة: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر ﵃. وفيه قول ثالث شاذ: إن كان حيًا، فله تغطية وجهه، وإن كان ميتًا، لم يجز تغطية وجهه، قاله ابن حزم، وهو اللائق بظاهريته.
واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله: "ولا تخمروا رأسه"، وأجابوا عن قوله: "ولا تخمروا وجهه"، بأنَّ هذه اللفظة غير محفوظة فيه. قال شعبة: حدثنيه أبو بشر، ثم سألته عنه بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان، إلَّا أنَّه قال: "لا تخمروا رأسه، ولا وجهه". قالوا: وهذا يدل على ضعفها. قالوا: وقد روى في هذا الحديث: "خمروا وجهه، ولا تخمروا رأسه"» اهـ.
قُلْتُ: سبق الكلام على هذه المسألة في كتاب الجنائز، وبيَّنا هناك عدم صحة هذه اللفظة.
٣ - وفيه نهي المحرم عن لبس السراويلات.
قُلْتُ: ويلحق به كل ما غطى الفخذين، أو بعضهما مما صنع على قدر العضو، فيلحق به التُّبَّانُ ونحوه، ومن ذلك الحافظات التي تستعمل للمرضى، والأطفال.
٤ - واحتج به الإمام أحمد على مشروعية لبس السراويل لغير المحرم.
[ ٧ / ٧٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ١٧٥):
«وسئل الإمام أحمد: السراويل أحب إليك أم الميازر؟ فقال: السراويل محدث لكنَّه استر. وقال أيضًا: الأزر كانت لباس القوم، والسراويل أستر.
قال: والحديث: "من لم يجد الإزار فليلبس السراويل"، وهذا دليل أنَّ القوم قد لبسوا السراويلات» اهـ.
٥ - وفيه تحريم لبس البرنس على المحرم.
والبرنس قَالَ فيه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ٣٠٨):
«هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره. وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من البرس - بكسر الباء - القطن والنون زائدة. وقيل إنَّه غير عربي» اهـ.
٦ - وفيه جواز لبس البرنس لغير المحرم، فإنَّ النهي عنه للمحرم يفهم منه جوازه لغيره.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٧٢):
«وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنَّه كان من لباس الرهبان وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به. قيل: فإنَّه من لبوس النصارى. قال: كان يلبس ها هنا، وقال عبد الله بن أبي بكر ما كان أحد من القراء إلَّا له برنس» اهـ.
[ ٧ / ٧١ ]
٧ - وفيه منع المحرم من لبس الخفين إلَّا إذا لم يجد النعلين بشرط أن يقطعهما أسفل من الكعبين.
قُلْتُ: والأمر بقطع منسوخ على الصحيح من أقوال العلماء.
ويدل على ذلك أنَّ حديث ابن عمر هذا كان في المدينة قبل الإحرام كما روى ذلك أحمد (٤٨٦٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ إِذَا أَحْرَمُوا عَمَّا يُكْرَهُ لَهُمْ: «لَا تَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِمَا، فَيَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، وَلَا الزَّعْفَرَانُ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو من المدلسين. لكن يدل لمعناه ما رواه البخاري (٥٨٠٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ إِذَا أَحْرَمْنَا؟ .. الحديث، فقوله:
«إِذَا أَحْرَمْنَا». يدل على أنَّ السؤال كان قبل الإحرام.
ونسخ الأمر بالقطع بما رواه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩١ - ١٩٢): «ثم إنَّه في عرفات بعد ذلك قال: "السراويل لمن لم يجد الإزار والخفاف
[ ٧ / ٧٢ ]
لمن لم يجد النعلين". هكذا رواه ابن عباس وحديثه في الصحيحين، ورواه جابر وحديثه في مسلم فأرخص لهم بعرفات في البدل فأجاز لهم لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار بلا فتق وعليه جمهور العلماء فمن اشترط فتقه خالف النص. وأجاز لهم حينئذ لبس الخفين إذا لم يجدوا النعلين بلا قطع فمن اشترط القطع فقد خالف النص فإنَّ السراويل المفتوق والخف المقطوع لا يدخل في مسمى السراويل والخف عند الإطلاق كما أنَّ القميص إذا فتق وصار قطعًا لم يسم سراويل، وكذلك البرنس وغير ذلك. فإنَّما أمر بالقطع أولًا لأنَّ رخصة البدل لم تكن شرعت فأمرهم بالقطع حينئذ لأنَّ المقطوع يصير كالنعلين، فإنَّه ليس بخف. ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين. ودل هذا على أنَّ كل ما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرهما كالخف المقطوع تحت الكعبين أولى بالجواز فتكون إباحته أصلية كما تباح النعلان لا أنَّه أبيح على طريق البدل وإنَّما المباح على طريق البدل هو الخف المطلق والسراويل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٤ - ٢٣٨):
«الحكم الرابع: أنَّه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه، في حديث ابن عمر، لأنَّه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل. فاختلف الفقهاء في هذا القطع، هل هو واجب أم لا؟ على قولين:
[ ٧ / ٧٣ ]
أحدهما: أنَّه واجب، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد، لأمر رسول الله ﷺ بقطعهما، وتعجب الخطابي من أحمد فقال: العجب من أحمد في هذا! فإنَّه لا يكاد يخالف سنة تبلغه. وَقَلَّتْ سنة لم تبلغه. وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية.
والثاني: أنَّ القطع ليس بواجب، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ويروى عن علي بن أبي طالب، وهو قول أصحاب ابن عباس، وعطاء، وعكرمة. وهذه الرواية أصح، لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين". فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنَّه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلَّا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل"، فهذا كلام مبتدأ من النبي ﷺ، بين فيه في عرفات في أعظم جمع كان له، أنَّ من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع. فدل هذا على أنَّ هذا
[ ٧ / ٧٤ ]
الجواز لم يكن شرع بالمدينة، وأنَّ الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع، ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع. فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد: وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع.
فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ قوله في حديث ابن عمر: "وليقطعهما" قد قيل: إنَّه مدرج من كلام نافع. قال صاحب المغني: كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح: أنَّ نافعًا قال بعد روايته للحديث: "وليقطع الخفين أسفل من الكعبين"، والإدراج فيه محتمل، لأنَّ الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها، فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحًا به أنَّ نافعًا قاله زال الإشكال. ويدل على صحة هذا أنَّ ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عَنْ عَائِشَةَ: " أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع".
الجواب الثاني: أنَّ الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: "ما يلبس المحرم من الثياب"؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع وحديث ابن عباس وجابر بعده وعمرو بن دينار روى الحديثين معًا ثم قال: "انظروا أيهما كان قبل"، وهذا يدل على أنَّهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.
[ ٧ / ٧٥ ]
وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل، لأنَّه قال: "نادى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد". فذكره، وابن عباس يقول: "سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات". فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج وهشيم كلهم عَنْ عُمَرَو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ولم يقل أحد منهم "بعرفات" غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هذا عبث، فإنَّ هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد، ولهذا رواه الشيخان. وقد قال علي: "قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما". وهذا مقتضى القياس فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل، لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما. ولهذا كان مذهب الأكثرين أنَّه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار، فكذلك الخف يلبس ولا يقطع، ولا فرق بينهما، وأبو حنيفة طرد القياس وقال: يفتق السراويل، حتى يصير كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "السراويل لمن لم يجد الإزار". وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز. ولا يسلم من مخالفة النص
[ ٧ / ٧٦ ]
والقياس إلَّا من جوز لبسهما بلا قطع، أمَّا القياس فظاهر، وأمَّا النص فما تقدم تقديره» اهـ.
٨ - جواز لبس ما كان أسفل من الكعبين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٤ - ٤٩):
«وأمَّا المقطوع دون الخف والجمجم والمداس ونحو ذلك مما يصنع على مقدار القدم فالمشهور في المذهب أنَّ حكمه حكم الخف لا يجوز إلَّا عند عدم النعل وهو المنصوص عنه.
قال في رواية ابن إبراهيم وقد سئل عن لبس الخفين دون الكعبين فقال: يلبسه ما لم يقدر على النعلين إذا اضطر إلى لبسهما.
وقال في رواية الأثرم: لا يلبس نعلًا لها قيد وهو السير يجعل في الزمام معترضًا فقيل له فالخف المقطوع قال هذا أشد.
وقال في رواية المروذي: أكره المحمل الذي على النعل والعقب وكان عطاء يقول: فيه دم.
فإذا منع من أن يجعل على النعل سيرًا فأن يمنع من الجمجم ونحوه أولى.
وسواء نصب عقبه أو طواه فإن عقبه فإن لبسه فذكر القاضي والشريف وأبو الخطاب وابن عقيل وغيرهم أنَّه يفدي لأنَّ أحمد منع منه وممنوعات الإحرام فيها
[ ٧ / ٧٧ ]
الفدية ولأنَّه قد نقل عنه أنَّ في النعال المكلفة والمعقبة الفدية فهذا أولى وقد حكى قول عطاء كالمفتي به.
وذكر القاضي في المجرد وابن عقيل في بعض المواضع من الفصول أنَّه ليس له لباس المقطوعين وأنَّه يكره النعال المكلفة ونحو ذلك. قال: ولا فدية في ذلك. قال: لأنَّه أخف حكمًا من الخف المقطوع وقد أباح النبي ﷺ لبسه وسقطت الفدية فيه.
وذكر القاضي وابن عقيل في موضع من خلافهما أنَّه إذا قطع الخفين جاز لبسهما وإن وجد النعلين لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جوز لبسهما بعد القطع في حديث ابن عمر فلولا أنَّ قطعهما يخرجهما عن المنع لم يكن في القطع فائدة وإنَّما ذكر جواز لبسهما مقطوعين لمن لم يجد النعل لأنَّه إذا وجد النعل لم يجز له أن يقطع الخف ويفسده وإن كان لبس المقطوع جائزًا فإذا عدم النعل صار مضطرًا إلى قطعها ويؤيد هذا أنَّه قد تقدم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يرخص في حديث ابن عمر في لبس السراويل ولا الخف وإنَّما رخص بعد عرفات فعلم أنَّ قوله: "فليلبس الخفين ويقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين". بيان لما يجوز لبسه ويخرج به عن حد الخف الممنوع ويصير بمنزلة النعل المباح وإلَّا لم يكن فرق بين لبسهما مقطوعين وصحيحين وجعل ذلك لمن لم يجد النعل لما تقدم ثم إنَّه رخص بعد ذلك في لبس الخف والسراويل للعادم فبقى المقطوع كالسراويل المفتوق يجوز لبسه بكل حال.
[ ٧ / ٧٨ ]
وأيضًا: فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما نهى المحرم عن الخف كما رخص في المسح على الخف والمقطوع وما أشبه من الجمجم والحذاء ونحوهما ليس بخف ولا في معنى الخف فلا يدخل في المنع كما لم يدخل في المسح لا سيما ونهيه عن الخف إذن فيما سواه لأنَّه سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: لا يلبس كذا فحصر المحرم فما لم يذكره فهو مباح.
وأيضًا: فإنَّه إمَّا أن يلحق بالخف أو بالنعل وهو بالنعل أشبه فإنَّه لا يجوز المسح عليه كالنعل.
وأيضًا: فإنَّ القدم عضو يحتاج إلى لبس فلا بد أن يباح ما تدعو إليه الحاجة وكثير من الناس لا يتمكن من المشي في النعل فلا بد أن يرخص لهم فيما يشبهه من الجمجم والمداس ونحوهما وهو في ذلك بخلاف اليد فإنَّها لا تستر بالقفاز ونحوه لعدم الحاجة.
ووجه الأول: قوله في حديث ابن عمر: "ولا الخفين إلَّا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين". وفي لفظ صحيح: "إلَّا أن يضطر يقطعه من عند الكعبين". وفي رواية: "إلَّا أن يضطر مضطر فيقطعها أسفل من الكعبين". وفي روايات متعددة: "ولا الخفين إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبسهما أسفل من الكعبين". فلم يرخص في لبس المقطوع إلَّا لعادم النعل وعلقه باضطراره إلى ذلك وهذا صريح في نهيه عنه إذا لم يضطر وإذا كان واجدًا وليس بمفهوم.
[ ٧ / ٧٩ ]
قالوا: وإنَّما أمر أولا بالقطع ليقارب النعل لا ليصير مثله من كل وجه إذ لو كان مثله من كل وجه لم ينه عنه إلَّا في الضرورة ثم إنَّه نسخ ذلك كما تقدم. ويؤيد ذلك أنَّه قال في حديث ابن عمر: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين". فلما كانت الأعضاء التي يحتاج إلى سترها ثلاثة ذكر لكل واحد نوعًا غير مخيط على قدره والأمر بالشيء نهى عن ضده فعلم أنَّه لا يجز الإحرام إلَّا في ذلك ولأنَّه مخيط مصنوع على قدر العضو فمنع منه المحرم كالمخيط لجميع الأعضاء والحاجة إنَّما تدعو إلى شيء يقيه مس قدمه الأرض وذلك يحصل بالنعل لما لم يثبت بنفسه رخصة له في سيور تمسكه كما يرخص في عقد الإزار لما لم يثبت إلَّا بالعقد.
فأمَّا ستر جوانب قدمه وظهرها وعقيبته فلا حاجة إليه فلبس ما صنع لستره ترفه ودخول في لباس العادة كلبس القفاز والسراويل ولأنَّ نسبة الجمجم ونحوه إلى النعل كنسبة السراويل إلى الإزار فإنَّ السراويل ..
فعلى هذا قال أحمد في رواية الأثرم: لا يلبس نعلًا لها قيد وهو السير في الزمام معترضًا. فقيل له فالخف المقطوع. فقال: هذا أشد.
وقال حرب سئل أحمد عن النعل يوضع عليها شراك بالعرض على ظهر القدم كما يفعله المحرس يلبسه المحرم فكرهه.
وقال في رواية المروذي أكره المحمل والعقب الذي يجعل للنعل وكان عطاء يقول فيه دم والقيد والمحمل واحد.
[ ٧ / ٨٠ ]
قال القاضي وغيره هي النعال المكلفات. واختلف أصحابنا فمنهم من حمله على التحريم بكل حال على عموم كلامه قال ابن أبي موسى ويزيل ما على نعله من قيد أو عقب فإن لم يفعل فعليه دم. وقد روي عن أحمد في القيد في النعل يفتدي لأنَّا لا نعرف النعال هكذا.
ومعنى القيد سير ثان على ظهر القدم والعقب الذي يكون في مؤخر القدم وهذا لأنَّ القدر الذي يحتاج إليه النعل من السيور الزمام لأنَّه يمنع النعل من التقدم والتأخر والشراك فإنَّه إذا عقده امتنع من أن ينتحي يمينًا وشمالًا فأمَّا سير ثان على ظهر القدم مع الشراك أو عقب بإزاء الزمام فلا حاجة إليه ولأنَّه ستر ظهر القدم وجانبه بما صنع له مما لا حاجة إليه فهو كما لو ستره بظهر قدم الجمجم وعقبه وهذا لأنَّ الظهر والعقب يصير بهما بمنزلة المداس ويصير القدم في مثل الخف فأشبه ما لو صنع قميصًا مشبكًا أو لبس خفًا مخرقًا فإنَّه بمنزلة القميص والخف السليمين.
ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أباح النعال وأذن فيها فخرج كلامه على النعال التي يعرفونها والقيد والعقب محدثان يصير بهما النعل شبيها بالحذاء كالرداء إذا زرره أو خلله فإنَّه يصير كالبقير من القمصان وهذا القول مقتضي كلامه وهو أقيس على قول من يمنع المحرم من الجمجم وهو أتبع للأثر.
[ ٧ / ٨١ ]
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما إنَّما كره ذلك إذا كان العقب والقيد عريضًا يستر بعض الرجل قالوا ولا فدية في ذلك قالوا لأنَّه أخف حكمًا من الخف المقطوع وقد أباح النبي ﷺ لبسه وسقطت الفدية فيه وتخصيصهم الكلام بالعريضة ليس في كلام أحمد تعرض له فإنَّ الرقيق أيضًا يستر بحسبه ولا حاجة إليه.
وأمَّا إسقاط الفدية فيحتمله كلام أحمد حيث نطق بالكراهة وحكى عن عطاء أنَّ فيه دمًا ولم يجزم به» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٢٨):
«فصل: فإن لبس المقطوع، مع وجود النعل، فعليه الفدية، وليس له لبسه. نص عليه أحمد، وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه؛ لأنَّه لو كان لبسه محرمًا، وفيه فدية، لم يأمر النبي ﷺ بقطعهما، لعدم الفائدة فيه، وعن الشافعي كالمذهبين.
ولنا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شرط في إباحة لبسهما عدم النعلين، فدل على أنَّه لا يجوز مع وجودهما، ولأنَّه مخيط لعضو على قدره، فوجبت على المحرم الفدية بلبسه، كالقفازين» اهـ.
وقال ﵀ (٦/ ٤٣٠): «فصل: فأمَّا النعل، فيباح لبسها كيفما كانت، ولا يجب قطع شيء منها؛ لأنَّ إباحتها وردت مطلقًا.
وروي عن أحمد في القيد في النعل: يفتدي؛ لأننا لا نعرف النعال هكذا.
[ ٧ / ٨٢ ]
وقال: إذا أحرمت فاقطع المحمل الذي على النعال، والعقب الذي يجعل للنعل، فقد كان عطاء يقول: فيه دم.
وقال ابن أبي موسى، في "الإرشاد": في القيد والعقب الفدية، والقيد: هو السير المعترض على الزمام.
قال القاضي: إنَّما كرههما إذا كانا عريضين.
وهذا هو الصحيح؛ فإنَّه إذا لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين فقطع سير النعل أولى أن لا يجب.
ولأنَّ ذلك معتاد في النعل، فلم تجب إزالته، كسائر سيورها، ولأنَّ قطع القيد والعقب ربما تعذر معه المشي في النعلين؛ لسقوطهما بزوال ذلك، فلم يجب، كقطع القبال» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا بأس بلبس الأحذية التي لا تغطي جميع القدم، وأمَّا ما غطى القدم دون الكعب فالأظهر جواز لبسه، فإن قيل: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أذن بقطع الخفين أسفل من الكعبين بشرط عدم وجود النعل لا مطلقًا؛ لما رواه البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا
[ ٧ / ٨٣ ]
البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ».
قُلْتُ: الذي يظهر لي في ذلك أنَّ هذا الشرط - وهو عدم قطع الخف إلَّا عند عدم وجود النعل - من أجل أنَّ في القطع إتلافًا للخف من غير حاجة تدعو إلى ذلك، والأذن بلبس الخف عند قطعه دليل على جواز لبس ما كان كذلك. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٠):
«ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين وإنَّما رخص في المقطوع أولًا؛ لأنَّه يصير بالقطع كالنعلين. ولهذا كان الصحيح أنَّه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين: مثل الخف المكعب والجمجم والمداس ونحو ذلك سواء كان واجدًا للنعلين أو فاقدًا لهما وإذا لم يجد نعلين ولا ما يقوم مقامهما: مثل الجمجم والمداس ونحو ذلك. فله أن يلبس الخف ولا يقطعه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩):
«والعجب أنَّ من يوجب القطع يوجب ما لا فائدة فيه، فإنَّهم لا يجوزون لبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما. بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لبسه. فأي معنى للقطع، والمقطوع عندكم كالصحيح؟! وأمَّا أبو حنيفة فيجوز لبس المقطوع، وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما. قال شيخنا: وأفتى به جدي أبو البركات في آخر عمره لما حج: قال شيخنا: وهو الصحيح، لأنَّ المقطوع لبسه أصل لا بدل. قال شيخنا: فأبو حنيفة
[ ٧ / ٨٤ ]
فهم من حديث ابن عمر أنَّ المقطوع لبسه أصل لا بدل، فجوز لبسه مطلقًا، وهذا فهم صحيح، وقوله في هذا أصح من قول الثلاثة والثلاثة فهموا منه الرخصة في لبس السراويل عند عدم الإزار والخف عند عدم النعل، وهذا فهم صحيح، وقولهم في هذا أصح من قوله، وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحًا بلا قطع عند عدم النعل، وأنَّ ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح، وقوله في ذلك أصح الأقوال.
فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلًا لم يكن عدم النعل شرطًا فيه، والنبي ﷺ إنَّما جعله عند عدم النعل. قيل: بل الحديث دليل على أنَّه ليس كالخف، إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه فدل على أنَّ بقطعه يخرج من شبه الخف، ويلتحق بالنعل. وأمَّا جعله عدم النعل شرطًا فلأجل أنَّ القطع إفساد لصورته وماليته، وهذا لا يصار إليه إلَّا عند عدم النعل، وأمَّا مع وجود النعل فلا يفسد الخف ويعدم ماليته، فإذا تبين هذا تبين أنَّ المقطوع ملحق بالنعل لا بالخف، كما قال أبو حنيفة، وأنَّ على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه، فإنَّهم لا يجوزون لبس المقطوع، وهو عندهم كالخف.
فأي معنى للقطع والمقطوع عندكم كالصحيح وأمَّا أبو حنيفة فيجوز لبس المقطوع وليس عنده كالصحيح وكذلك المداس والجمجم ونحوهما» اهـ.
٩ - تحريم لبس الثوب الذي مسه زعفران أو ورس.
[ ٧ / ٨٥ ]
قُلْتُ: ويلحق به سائر الأطياب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (١/ ٢١٣):
«ونهيه له عن الوَرْسِ والزعفران، قطع للذريعة إلى الطيب للمحرم لما فيهما من دواعي النساء، وتحريك اللذة والله الموفق» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمل العلامة ابن القيم الحديث على غير معنى النهي عن الطيب.
فقال ﵀ في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٣): «الحكم الثاني: أنَّه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران، وليس هذا لكونه طيبًا، فإنَّ الطيب في غير الورس والزعفران أشد، ولأنَّه خصه بالثوب دون البدن. وإنَّما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه، أن لا يكون مصبوغًا بورس ولا زعفران. وقد نهي أن يتزعفر الرجل، وهذا منهي عنه خارج الإحرام، وفي الإحرام أشد. والنبي ﷺ لم يتعرض هنا إلَّا لأوصاف الملبوس، لا لبيان جميع محظورات الإحرام» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّه نهي عنهما من أجل الطيب، والنهي عن الأخف يقتضي النهي عن الأشد، وكونه خصه بالثوب دون البدن، وذلك أنَّه يجوز لغير المحرم أن يصبغ به ثوبه على الصحيح، فقد يظن الظان أنَّه لا يدخل في الطيب لكون المراد به الصبغ، فاحتيج إلى التنصيص عليه، والله أعلم.
قُلْتُ: واختلف العلماء في شم الطيب دون التطيب به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٧١):
[ ٧ / ٨٦ ]
«مسألة: قال: "ولا يتعمد لشم الطيب" أي لا يقصد شمه من غيره بفعل منه، نحو أن يجلس عند العطارين لذلك، أو يدخل الكعبة حال تجميرها، ليشم طيبها، أو يحمل معه عقدة فيها مسك ليجد ريحها.
قال أحمد: سبحان الله، كيف يجوز هذا؟ وأباح الشافعي ذلك، إلَّا العقدة تكون معه يشمها، فإنَّ أصحابه اختلفوا فيها؛ لأنَّه يشم الطيب من غيره، أشبه ما لو لم يقصده.
ولنا، أنَّه شم الطيب قاصدًا مبتدئًا به في الإحرام، فحرم، كما لو باشره، يحققه أنَّ القصد شمه لا مباشرته، بدليل ما لو مس اليابس الذي لا يعلق بيده لم يكن عليه شيء، ولو رفعه بخرقة وشمه لوجبت عليه الفدية، ولو لم يباشره، فأمَّا شمه من غير قصد، كالجالس عند العطار لحاجته، وداخل السوق، أو داخل الكعبة للتبرك بها، ومن يشتري طيبًا لنفسه وللتجارة ولا يمسه، فغير ممنوع منه؛ لأنَّه لا يمكن التحرز من هذا، فعفي عنه، بخلاف الأول» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٦):
«ومما ينهى عنه المحرم: أن يتطيب بعد الإحرام في بدنه أو ثيابه أو يتعمد شم الطيب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٤٢):
[ ٧ / ٨٧ ]
«وأمَّا شمه من غير مس، فإنَّما حرمه من حرمه بالقياس، وإلَّا فلفظ النهى لا يتناوله بصريحه، ولا إجماع معلوم فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمه يدعو إلى ملامسته في البدن والثياب، كما يحرم النظر إلى الأجنبية، لأنَّه وسيلة إلى غيره، وما حرم تحريم الوسائل، فإنَّه يباح للحاجة، أو المصلحة الراجحة، كما يباح النظر إلى الأمة المستامة، والمخطوبة، ومن شهد عليها، أو يعاملها، أو يطبها. وعلى هذا، فإنَّما يمنع المحرم من قصد شم الطيب للترفه واللذة، فأمَّا إذا وصلت الرائحة إلى أنفه من غير قصد منه، أو شمه قصدًا لاستعلامه عند شرائه، لم يمنع منه، ولم يجب عليه سد أنفه، فالأول: بمنزلة نظر الفجأة، والثاني: بمنزلة نظر المستام والخاطب، ومما يوضح هذا، أنَّ الذين أباحوا للمحرم استدامة الطيب قبل الإحرام، منهم من صرح بإباحة تعمد شمه بعد الإحرام، صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: في "جوامع الفقه" لأبي يوسف: لا بأس بأن يشم طيبًا تطيب به قبل إحرامه، قال صاحب "المفيد": إنَّ الطيب يتصل به، فيصير تبعًا له ليدفع به أذى التعب بعد إحرامه، فيصير كالسحور في حق الصائم يدفع به أذى الجوع والعطش في الصوم، بخلاف الثوب، فإنَّه بائن عنه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ قول من منع الحاج من تعمد شم الطيب قول قوي؛ وذلك أنَّ الطيب إنَّما يراد منه الرائحة، ووضعه في الثوب أو البدن وسيلة لذلك.
١٠ - واحتج به من قال بجواز التزعفر لغير المحرم في الثوب دون البدن.
[ ٧ / ٨٨ ]
قُلْتُ: وقد جاء في النهي عن التزعفر مطلقًا ما رواه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٩/ ١١٩ - ١٢٠):
«وأجازوا لباس الثياب المصبوغة بالزعفران في غير حال الإحرام للرجال، وروى ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وهو قول مالك وأهل المدينة، قال مالك: رأيت عطاء بن يسار يلبس الرداء والازرار المصبوغ بالزعفران ورأيت ابن هرمز، ومحمد بن المنكدر يفعلان، ورأيت في رأس ابن المنكدر الغالية. وحملت طائفة نهيه ﵇ عن لباس المزعفر للرجال في حال الإحرام وفي كل حال وهو قول الكوفيين والشافعي» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ النهي عن التزعفر إنَّما ذلك للبدن دون الثوب، والشيب، ويدل على ذلك أنَّه قد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قد صبغ به فروى أحمد (٥٧١٧، ٦٠٩٦)، والنسائي (٥١١٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه أبو داود (٤٠٦٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ أَسْلَمَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ
[ ٧ / ٨٩ ]
حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ فَقِيلَ لَهُ لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه النسائي (٥٠٨٥) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْخَلُوقِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّكَ تُصَفِّرُ لِحْيَتَكَ بِالْخَلُوقِ، قَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَفِّرُ بِهَا لِحْيَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الصِّبْغِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَلَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٩١):
«والخلوق بفتح الخاء هو طيب من أنواع مختلفة يجمع بالزعفران» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٣٣):
«والخلوق طيب يصنع من زعفران وغيره» اهـ.
وروى أبو يعلى (٦٧٨٩)، والحاكم (٧٣٩٥) مِنْ طَرِيْقِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مَصْبُوغَانِ بِالزَّعْفَرَانِ رِدَاءٌ وَعِمَامَةٌ».
[ ٧ / ٩٠ ]
قُلْتُ: والد مصعب ضعفه ابن معين، ولا بأس بهذا الحديث في الشواهد.
وروى البخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قال: «وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا».
وفي الباب حديث صحيح وهو طارق بن أشيم، وسيأتي عند كلامنا على "الورس".
وقد جاء عند النسائي (٥٢٥٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ جِلْدَهُ».
قُلْتُ: لكن هذه الزيادة في الحديث وهي «جِلْدَهُ». زيادة منكرة جاء بها زكريا الأنصاري.
قُلْتُ: والزعفران يحدث صفرة في الجسد، ومن أجل ذلك نهي عنه، وذلك أنَّ ما ظهر لونه فإنَّه من طيب النساء، وذلك لما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٦٤٨٦) حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيّ ﷺ قَوْمٌ يُبَايِعُونَهُ وَفِيهِمْ رَجُلٌ فِي يَدِهِ أَثَرُ خَلُوقٍ فَلَمْ يَزَلْ يُبَايِعُهُمْ وَيُؤَخِّرُهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ طِيبَ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ».
[ ٧ / ٩١ ]
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
وجاء عند أحمد (١٠٩٩٠)، وأبي داود (٢١٧٤)، والترمذي (٢٧٨٧)، والنسائي (٥١١٧، ٥١١٨) من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، وعند الترمذي (٢٧٨٨) من حديث عمران بإسناد لا يثبت أيضًا.
وأمَّا استعماله لصبغ الشيب فلا محذور فيه، وهو شبيه بصبغه بالحناء، وهكذا صبغ الثياب به لا محذور فيه. والله أعلم.
قُلْتُ: وممن أجاز التزعفر في الثوب دون البدن الإمام مالك، والإمام البخاري، واحتج بحديث الباب، ومنع من ذلك الإمام الشافعي، وأبو حنيفة وغيرهما مطلقًا.
١١ - وظاهر الحديث النهي عن الثوب المزعفر مطلقًا ولو كان غسيلًا قد ذهبت رائحته، لكن جاء في حديث ابن عباس ما يدل على أنَّ المراد بالنهي ماله أثر يصيب الجسد، وهو ما رواه البخاري (١٥٤٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ».
قُلْتُ: ومعنى: «تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ». أي تلزق على الجلد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٤):
[ ٧ / ٩٢ ]
«واستدل بقوله: "مسه" على تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولو خفيت رائحته. قال مالك في "الْمُوَطَّأِ": إنَّما يكره لبس المصبغات لأنَّها تنفض. وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع. والحجة فيه حديث ابن عباس الآتي في الباب الذي تقدم بلفظ: "ولم ينه عن شيء من الثياب إلَّا المزعفرة التي تردع الجلد". وأمَّا المغسول فقال الجمهور إذا ذهبت الرائحة جاز خلافًا لمالك» اهـ.
وروى أحمد (٥٠٠٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْبُرْنُسَ، وَلَا الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ يَقْطَعُهُ مِنْ عِنْدِ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، وَلَا الزَّعْفَرَانُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا».
لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٤):
«واستدل لهم بما روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث إلَّا أن يكون غسيلًا أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مسنده" عنه وروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحماني فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي: قد كتبته عن أبي معاوية وقام في الحال فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيى بن معين انتهى. وهي زيادة شاذة لأنَّ أبا معاوية وإن كان متقنًا لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال قال أحمد أبو معاوية مضطرب الحديث في
[ ٧ / ٩٣ ]
عبيد الله ولم يجيء بهذه الزيادة غيره. قُلْتُ: والحماني ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال» اهـ.
١٢ - وفيه ما يدل على جواز صبغ الثوب بالورس لغير المحرم.
وقد جاء في ذلك ما رواه أبو داود (٤٢١٠)، والنسائي (٥٢٤٤) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرٍو بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ غير ابن أبي رواد وهو عبد العزيز فإنَّه حسن الحديث، لكن في حديثه عن نافع ضعف، فقد قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٢/ ٦٢٨): «وقال ابن حبان: روى عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - نسخة موضوعة» اهـ.
وجاء في خضاب الشيب به ما رواه أحمد (١٥٩٢٣) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عِيسَى أَبُو بِشْرٍ الْبَصْرِيُّ الرَّاسِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، وَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَرْسَ، وَالزَّعْفَرَانَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٥٤):
[ ٧ / ٩٤ ]
«والورس نبات باليمن قاله جماعة وجزم بذلك ابن العربي وغيره. وقال بن البيطار في "مفرداته": الورس يؤتى به من اليمن والهند والصين وليس بنبات بل يشبه زهر العصفر ونبته شيء يشبه البنفسج ويقال إن الكركم عروقه» اهـ.
١٣ - وظاهر النهي عن لبس ما مسه زعفران أو ورس يشمل الرجال والنساء، وقد جاء ذلك صريحًا فيما رواه أحمد (٤٧٤٠، ٤٨٦٨)، وأبو داود (١٨٢٧) عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَإِنَّ نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ القُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصًا أَوْ خُفًّا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٥/ ١٠٦):
«ورواه ابن المبارك عن موسى بن عقبة عن نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ مرفوعًا أيضًا» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٢):
«قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر وإنَّما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس» اهـ.
١٤ - واحتج به على إجابة السائل بأكثر مما سأل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ١٥٩):
[ ٧ / ٩٥ ]
«وقد ترجم البخاري لذلك في صحيحه فقال: "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه" ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ ما يلبس المحرم فقال رسول الله ﷺ: "لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف إلَّا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين".
فسئل رسول الله ﷺ عمَّا يلبس المحرم فأجاب عمَّا لا يلبس وتضمن ذلك الجواب عمَّا يلبس، فإنَّ مالا يلبس محصور، وما يلبسه غير محصور، فذكر لهم النوعين وبين لهم حكم لبس الخف عند عدم النعل وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر فقال لهم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث بلفظ مطابق لسؤال السائل، وهو ما رواه أحمد (٤٥٣٨)، وأبو داود (١٨٢٣) عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، وَلَا الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. واللفظ الأول هو اللفظ الثابت في الصحيحين، وهو الأشهر، ورواته أكثر ممن روى اللفظ الآخر.
[ ٧ / ٩٦ ]
١٤ - وفيه نهي المرأة أن تلبس النقاب، والقفازين، ويلحق بهما كل ما صنع بقدر أحد العضوين.
قُلْتُ: ووجه المرأة كيديها، وكبدن الرجل لا كرأسه على الصحيح، فكما يجوز لها أن تستر يدها بغير القفازين، وما شابهما، بأن تدلي عليهما ثوبها، كذلك يجوز لها أن تدلي ثوبًا على وجهها، ولا يجب أن يكون متجافيًا عن وجهها، بل ولا يستحب لعدم الدليل على ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١):
«والذي يدل عليه كلام أحمد وقدماء أصحابه جواز الإسبال سواء وقع البشرة أو لم يقع لأنَّ أحمد قال: تسدل الثوب، وقال ابن أبي موسى إحرامها في وجهها فلا تغطيه ولا تتبرقع فإن احتاجت سدلت على وجهها؛ لأنَّ عائشة ذكرت أنَّهن كن يدلين جلابيبهن على وجوههن من رؤوسهن ولم تذكر مجافاتها فالأصل عدمه لا سيما وهو لم يذكر مع الحاجة، والظاهر أنَّه لم يفعل لأنَّ الجلباب متى أرسل مر ببشرة الوجه ولأنَّ في مجافاته مشقة شديدة والحاجة إلى ستر الوجه عامة وكل ما احتيج إليه لحاجة عامة أبيح مطلقًا كلبس السراويل …».
إلى أن قال ﵀: «ولأنَّ وجه المرأة كبدن الرجل وكيد المرأة لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين". ولم ينهها عن تخمير الوجه مطلقًا فمن ادعى تحريم تخميره مطلقًا فعليه الدليل بل تخصيص
[ ٧ / ٩٧ ]
النهي بالنقاب وقرانه بالقفاز دليل على أنه إنَّما نهاها عما صنع لستر الوجه كالقفاز المصنوع لستر اليد والقميص المصنوع لستر البدن، فعلى هذا يجوز أنَّ تخمره بالثوب من أسفل ومن فوق ما لم يكن مصنوعًا على وجه يثبت على الوجه وأن تخمره بالملحفة وقت النوم ورأس الرجل بخلاف هذا كله» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ في [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (٣/ ١٤١): «وَلَا يَضُرُّهَا تَرْكُ مُجَافَاةِ رِدَائِهَا عَنْ وَجْهِهَا إذَا سَدَلَتْهُ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ الْيَوْمَ مِنْ الْقُفَّةِ الْمَعْمُولَةِ مِنْ السَّعَفِ وَيَرْبِطْنَهَا عَلَى وُجُوهِهِنَّ، ثُمَّ يَسْدُلْنَ عَلَيْهَا الثَّوْبَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَطَالَ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي الْمَرْأَةِ تَتَبَرْقَعُ، وَتُجَافِي الْبُرْقُعَ عَنْ وَجْهِهَا: إنَّ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: لِأَنَّ الْبُرْقُعَ مَخِيطٌ وُضِعَ لِلْوَجْهِ قَدْ عَقَدَتْهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَّ لُبْسُهُ» اهـ.
قُلْتُ: وذهب كثير من أصحاب المذاهب كالشافعية والحنفية إلى أنَّها تجافي الثوب عن وجهها إذا أسدلت، ولا أعلم لذلك حجة قوية.
وفي تغطية الوجه من أسفل نزاع بين أهل العلم، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٧٧): «قال أحمد: إنَّما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
كأنَّه يقول: إنَّ النقاب من أسفل على وجهها» اهـ.
قُلْتُ: وما قاله شيخ الإسلام أظهر. والله أعلم.
[ ٧ / ٩٨ ]
وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٢):
«ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق وإن كان يمسه فالصحيح أنَّه يجوز أيضًا. ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سوى بين وجهها ويديها وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه. وأزواجه ﷺ كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة ولم ينقل أحد من أهل العلم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إحرام المرأة في وجهها" وإنَّما هذا قول بعض السلف لكن النبي ﷺ نهاها أن تنتقب أو تلبس القفازين. كما نهى المحرم أن يلبس القميص والخف مع أنَّه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة والبرقع أقوى من النقاب. فلهذا ينهى عنه باتفاقهم ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه. فإنَّه كالنقاب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٤١ - ٢٤٣):
«فصل: وأمَّا نهيه في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب، وأن تلبس القفازين، فهو دليل على أنَّ وجه المرأة كبدن الرجل، لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سوى بين وجهها ويديها، ومنعها من القفازين والنقاب، ومعلوم أنَّه لا يحرم عليها ستر يديها، وأنَّهما
[ ٧ / ٩٩ ]
كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنَّما يحرم ستره بالنقاب ونحوه، وليس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام، إلَّا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله.
وقد ثبت عن أسماء أنَّها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وقالت عائشة: " كانت الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا". ذكره أبو داود.
واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي وغيره ضعيف لا أصل له دليلًا ولا مذهبًا. قال صاحب المغني: ولم أر هذا الشرط يعني المجافاة عن أحمد ولا هو في الخبر، مع أنَّ الظاهر خلافه، فإنَّ الثوب المسدل لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطًا لبين، وإنَّما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما، مما يعد لستر الوجه، قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنَّه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. تم كلامه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها". فجعل وجه المرأة كرأس الرجل، وهذا يدل على وجوب كشفه؟
[ ٧ / ١٠٠ ]
قيل: هذا الحديث لا أصل له، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها، ولا يعرف له إسناد، ولا تقوم به حجة، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أنَّ وجهها كبدنها، وأنَّه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر عائشة رواه أحمد (٢٤٠٦٧)، ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجة (٢٩٣٥) مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا، أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف يزيد بن أبي زياد.
ورواه سفيان بن عيينة عن يزيد، وجعله من مسند أم سلمة كما عند الدارقطني (٢٧٦٤).
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٨٣٢) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، ثنا أَبِي، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
«الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلَا تَتَبَرْقَعُ، وَلَا تَلَثَّمُ وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وأبو عمرو بن مطر هو: محمد بن جعفر بن محمد بن مطر.
[ ٧ / ١٠١ ]
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٧١٨) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
١٥ - واحتج به من قال بمشروعية كشف المرأة لوجها، ووجه الشاهد من الحديث أنَّ الوجه لو كان عورة لأمرت المحرمة بستره، فلما لم تؤمر بستره دل على أنَّه ليس بعورة، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال وقد أوضحنا لك فيما سبق أنَّ المرأة لم تنهى عن ستر وجهها مطلقًا، وإنَّما نهيت عن تغطية وجهها بما صنع على قدره كالنقاب ونحوه.
* * *
[ ٧ / ١٠٢ ]
٢١٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتِ:
«مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ - لِلْمُحْرِمِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الإذن بلبس النعلين لمن لم يجد الخف، وظاهره من غير قطع، وقد سبق تحرير هذه المسألة في شرحنا للحديث الماضي، وقد بيَّنا هناك نسخ الأمر بالقطع في حديث ابن عمر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩٥):
«فهذا كلام مبتدأ منه ﷺ بين فيه في عرفات - وهو أعظم مجمع كان له - أنَّ من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين. ولم يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما سمعوا أمره بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فعلم أنَّ هذا الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة وأنَّه بالمدينة إنَّما أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع فدل ذلك على أنَّ من عدم ما يشبه به الخفين يلبس الخف» اهـ.
[ ٧ / ١٠٣ ]
٢ - الإذن بلبس السراويل لمن لم يجد الإزار، وظاهره من غير فتق للسراويل حتى تصير كالإزار.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩٦):
«الثالث: أنَّه دل على أنَّه يلبس سراويل بلا فتق. وهو قول الجمهور والشافعي وأحمد» اهـ.
قُلْتُ: وذهبت الحنفية والمالكية إلى فتقه والإتزار به.
٣ - أنَّ من لبس النعلين عند عدم الخفين، أو السراويل عند عدم الإزار ليس عليه في ذلك فدية، لعدم أمر النبي ﷺ بذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٥١٥):
«أجمعوا أنَّ المحرم إذا وجد إزارًا لم يجز له لبس السراويل. واختلفوا إذا لم يجد إزارًا؛ فقال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يلبسه ولا شيء عليه. وأخذوا بحديث ابن عباس. وقال مالك وأبو حنيفة: عليه الفدية إذا لبسها سواء وجد إزارًا أم لا إلَّا أنَّه يشقها ويتزر بها. خَالَفا ظاهر الحديث» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩٦ - ١٩٧): «والثلاثةُ تبيَّنَ لهم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرخص في البدل وهو الخف ولبس السراويل فمن لبس السراويل إذا عدم الأصل فلا فدية عليه. وهذا فهم صحيح. وأحمد فهم من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنَّه ناسخ
[ ٧ / ١٠٤ ]
للقطع المتقدم. وهذا فهم صحيح. وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفًا أو سراويل إذا لم يفتقه وإن عدم كما قال ذلك ابن عمر وغيره.
وزاد أنَّ الرخصة في ذلك إنَّما هي للحاجة والمحرم إذا احتاج إلى محظور فعله وافتدى. وأمَّا الأكثرون فقالوا: من لبس البدل فلا فدية عليه كما أباح ذلك النبي ﷺ بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق قالوا: والناس كلهم محتاجون إلى لبس ما يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم فالحاجة إلى ذلك عامة وما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو برد ومن ذلك حاجة لعارض؛ ولهذا أرخص النبي ﷺ للنساء في اللباس مطلقًا من غير فدية ونهى المحرمة عن النقاب والقفازين؛ فإنَّ المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستره فدية. وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار والنعال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠):
«فإن قيل: فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والإزار، وهذا يفيد الجواز، وأمَّا سقوط الفدية فلا، فهلا قُلْتُم كما قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية؟ فاستفاد الجواز من هذا الحديث، واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة، حيث جوَّز له فعل المحظور مع الفدية فكان أسعد بالنصوص وبموافقتها منكم مع موافقته لابن عمر في ذلك.
[ ٧ / ١٠٥ ]
قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النص والقياس فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكر البدل في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة ولم يأمر في شيء منها بالفدية مع الحاجة إلى بيانها وتأخير البيان عن وقته ممتنع، فسكوته عن إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه لو كان واجبًا دليل على عدم الوجوب، كما أنَّه جوَّز لبس السراويل بلا فتق ولو كان الفتق واجبًا لبينه.
وأما القياس فضعيف جدًا.
فإن قيل: هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مبدلاتها، كالتراب عند عدم الماء، وكالصيام عند العجز عن الإعتاق والإطعام، وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره، وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية، والفرق بينهما أنَّ الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم، ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه، فالحاجة إلى ذلك عامة، ولما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم، ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد، فإنَّ ذلك حاجة لعارض، ولهذا رخص النبي ﷺ للنساء في اللباس مطلقًا بلا فدية، ونهى عن النقاب والقفازين، فإنَّ المرأة لما كانت كلها عورة وهي محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستر بدنها فدية وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخفاف هي عامة إذا لم يجدوا الإزار والنعال» اهـ.
قُلْتُ: ثبتت الفدية أيضًا عن مالك فقد جاء في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٤٦٤):
[ ٧ / ١٠٦ ]
«قُلْت: فَإِنْ كَانَ يَجِدُ النَّعْلَيْنِ وَاحْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِضَرُورَةٍ بِقَدَمَيْهِ وَقَطَعَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَلْبَسُهُمَا وَيَفْتَدِي، قُلْت: لِمَ جَعَلَ عَلَيْهِ فِي هَذَا إذَا كَانَ بِقَدَمَيْهِ ضَرُورَةُ الْفِدْيَةِ، وَتَرَكَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الَّذِي لَا يَجِدُ فِيهِ نَعْلَيْهِ الْفِدْيَةَ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا كَانَ إنَّمَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّمَا هَذَا يُشْبِهُ الدَّوَاءَ، وَاَلَّذِي لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ لَيْسَ بِمُتَدَاوٍ وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ الْأَثَرُ» اهـ.
٤ - وفيه استحباب خطبة الإمام بعرفة، أو من نائبه.
* * *
[ ٧ / ١٠٧ ]
٢١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ:
«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ».
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: «لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ».
قوله: «لَبَّيْكَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥):
«في معنى التلبية ثمانية أقوال:
أحدها: إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية. إيذانًا بتكرير الإجابة.
الثاني: أنَّه انقياد، من قولهم: لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه، ومنه: لببته بردائه. والمعنى: انقدت لك، وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لبب بردائه، وقبض على تلابيبه.
الثالث: أنَّه من لب بالمكان، إذا قام به ولزمه والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها. اختاره صاحب الصحاح.
[ ٧ / ١٠٨ ]
الرابع: أنَّه من قولهم: داري تلب دارك أي تواجهها وتقابلها، أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك. حكاه في الصحاح عن الخليل.
الخامس: معناه حبًا لك بعد حب. من قولهم: امرأة لَبَّةٌ إذا كانت محبة لولدها.
السادس: أنَّه مأخوذ من لب الشيء وهو خالصه، ومنه لب الطعام، ولب الرجل عقله وقلبه. ومعناه: أخلصت لبي وقلبي لك، وجعلت لك لبي وخالصتي.
السابع: أنَّه من قولهم: فلان رخي اللبب، وفي لبب رخي، أي في حال واسعة منشرح الصدر. ومعناه: إنِّي منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلبب رخي يوجد المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف.
الثامن: أنَّه من الإلباب وهو الاقتراب أي اقترابًا إليك بعد اقتراب كما يتقرب المحب من محبوبه» اهـ.
قُلْتُ: الياء في التلبية للتثنية لكن ليس المراد بها حقيقة التثنية بل المراد التكرير والتكثير والتوكيد كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. يعني مرة مره بعد مرة.
و«إنَّ». يجوز فيها الكسر والنصب، فإذا كسرت كانت لابتداء الكلام، وإن فتحت كانت تعليلًا للتلبية.
قَالَ صَاحِبُ [تَاجِ الْعَرُوسِ] (٤/ ١٩٣):
«التلبيب من الإنسان: "ما في موضع اللبب من الثياب".
[ ٧ / ١٠٩ ]
وأخذ بتلبيبه: أي لببه وهو "اسم كالتمتين". وفي التهذيب: يقال: أخذ بتلبيب فلان: إذا جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه عند صدره، وقبض عليه يجره. وفي الحديث: "أخذت بتلبيبه، وجررته". وكذلك: أخذت بتلابيبه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٥):
«واختلف النحاة في الياء في "لبيك". فقال سيبويه: هي ياء التثنية. وهو من الملتزم نصبه على المصدر، كقولهم: حمدًا وشكرًا وكرامة ومسرة. والتزموا تثنيته إيذانًا بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعي. وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادرًا كقول الشاعر: دعوت لما نابني مسورًا فلبى فلبى يدي مسور.
والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، وليس المراد مما يشفع الواحد فقط. وكذلك: "سعديك ودواليك". وقال يونس: هو مفرد والياء فيه مثل عليك وإليك ولديك. ومن حجة سيبويه على يونس: أنَّ "على" و"إلى" يختلفان بحسب الإضافة، فإن جرا مضمرًا كانا بالياء، وإن جرا ظاهرًا كانا بالألف. فلو كان "لبيك" كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر كما قال: فلبي يدي مسور. وقالت طائفة من النحاة: أصل الكلمة لبًا لبًا، أي إجابة بعد إجابة، فثقل عليهم تكرار الكلمة، فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم، فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافة» اهـ.
[ ٧ / ١١٠ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٥٨٥):
«والمستحب كسر إنَّ نص عليه ويجوز فتحها فإذا فتح كان المعنى لبيك لأنَّ الحمد لك، أو بأنَّ الحمد لك، وعلى هذا فينبغي أن توصل أن بالتلبية التي قبلها لأنَّها متعلقة بها تعلق المفعول بفاعله، وتكون التلبية فيها خصوص أي: لبيناك بالحمد لك، أو بسبب أنَّ الحمد لك، أو لأنَّ الحمد لك، وأمَّا الحمد فلا خصوص فيه كما توهمه بعض أصحابنا.
وأمَّا إذا كسر فإنَّها تكون جملة مبتدأة، وإن كانت تتضمن معنى التعليل فتكون التلبية مطلقة عامة والحمد مطلق كما في قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وفي قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩):
«الخامسة عشرة: في "إنَّ" وجهان: فتحها وكسرها، فمن فتحها تضمنت معنى التعليل، أي لبيك الحمد والنعمة لك، ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على الله، والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها، وأمَّا إذا فتحت فإنَّها بلام التعليل المحذوفة معها قياسًا، والمعنى: لبيك لأنَّ الحمد لك.
[ ٧ / ١١١ ]
والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها، ولهذا قال ثعلب: من قال: "إنَّ" بالكسر فقد عم، ومن قال: "أنَّ" بالفتح فقد خص. ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، كسر "إنَّ" وفتحها. فمن فتح كان المعنى: "ندعوه لأنَّه هو البر الرحيم"، ومن كسر كان الكلام جملتين:
أحدهما قوله: ﴿نَدْعُوهُ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، قال أبو عبيد: والكسر أحسن، ورجحه بما ذكرناه» اهـ.
وقوله: «وَسَعْدَيْكَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٥/ ١٣١):
«ومعنى قول ابن عمر وغيره لبيك وسعديك أي: أسعدنا سعادة بعد سعادة، وإسعادًا بعد إسعاد، وقد قيل معنى سعديك مساعدة لك» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٢٢٣):
«وكذلك قولهم: سعديك، أي إسعادًا لك بعد إسعاد، أي أنا مساعد لك ومتابع لإرادتك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٥):
«و"سعديك": من المساعدة، وهي المطاوعة. ومعناه: مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة. قال الحربي: ولم يسمع "سعديك"» اهـ.
[ ٧ / ١١٢ ]
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٧٨):
«قوله: "وسعديك". قال القاضي عياض إعرابها وتثنيتها كما سبق في لبيك ومعناه: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. وقال المازري وقيل معناه اسعدنا سعادة بعد سعادة، وإسعادًا بعد إسعاد. وكذا قال ابن العربي إنَّه سؤال من الله السعد وتأكيد فيه» اهـ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ] (٢/ ٤٣):
«قُلْتُ: وأصل الإسعاد والمساعدة متابعة العبد أمر ربّه» اهـ.
وقوله: «وَالرَّغْبَاءُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٥): «و"الرغباء إليك" يقال بفتح الراء مع المد، وبضمها مع القصر. ومعناها الطلب والمسألة والرغبة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب التلبية بهذه الألفاظ التي كان النبي ﷺ يقولها.
واختلف العلماء في حكم التلبية على أقوال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٠٠):
«وليست واجبة، وبهذا قال الحسن بن حي، والشافعي.
وعن أصحاب مالك أنَّها واجبة، يجب بتركها دم.
[ ٧ / ١١٣ ]
وعن الثوري، وأبي حنيفة، أنَّها من شرط الإحرام، لا يصح إلَّا بها، كالتكبير للصلاة، لأنَّ ابن عباس، قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، قال ابن عباس: الإهلال.
وعن عطاء، وطاووس، وعكرمة: هو التلبية.
ولأنَّ النسك عبادة ذات إحرام وإحلال، فكان فيها ذكر واجب، كالصلاة.
ولنا، أنَّها ذكر، فلم تجب في الحج، كسائر الأذكار.
وفارق الصلاة، فإنَّ النطق يجب في آخرها؛ فوجب في أولها، والحج بخلافه» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الأدلة وجوب الإهلال عند الإحرام سواء كان بلفظ التلبية أو بغير ذلك، وذلك لما رواه البخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٨٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
وفي رواية لمسلم: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ، مِنْ قَرْنٍ».
والإهلال رفع الصوت بالتلبية.
قُلْتُ: والأصل في الأمر الوجوب.
[ ٧ / ١١٤ ]
وروى مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «… "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ ". قَالَ قُلْتُ: اللهُمَّ، إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ" …».
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ فرض الحج يكون بقول يقوله الحاج، وهو مؤيد لتفسير ابن عباس للآية الماضية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٠٨):
«ولا يكون الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإنَّ القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرمًا هذا هو الصحيح من القولين» اهـ.
وَقَال كما في [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٤٦٥):
«وينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية أو سوق الهدي وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقاله جماعة من المالكية وحكي قولًا للشافعية» اهـ.
٢ - وفيه إثبات صفتي الكلام والسمع لله ﷿، وذلك أنَّ التلبية إجابة لنداء الله، والنداء من الكلام، ولا تكون التلبية إلَّا لمن يسمع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٦):
«إحداها: أنَّ قولك: "لبيك" يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه» اهـ.
[ ٧ / ١١٥ ]
٣ - أنَّ الله ﷿ لا شريك له في إجابة الدعوى ولا في الحمد والإنعام والملك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٢):
«في إعادة الشهادة له بأنَّه لا شريك له لطيفة، وهي أنَّه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله: "لبيك"، ثم أعادها عقب قوله: "إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وذلك يتضمن أنَّه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمن أنَّه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة» اهـ.
٤ - أنَّ الله ﷿ هو المستحق لكمال الحمد.
٥ - الاعتراف لله بالنعمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٨):
«أنَّها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها، ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق، أي النعم كلها لك، وأنت موليها والمنعم بها» اهـ.
٦ - الاعتراف بأنَّ الملك لله ﷿ وحده لا شريك له.
٧ - وفي زيادة ابن عمر على تلبية النبي ﷺ دليل على جواز الزيادة على التلبية، ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵁ في صفته لحجة الوداع، وفي حديثه: فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ
[ ٧ / ١١٦ ]
لَكَ». وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.
"فرع" وتستحب التلبية في الميقات عند الصعود على المركوب.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٥٥٢)، ومسلم (١١٨٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً».
وما رواه البخاري (١٥١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
"فرع" ويستحب استقبال القبلة عند الابتداء بالتلبية.
وذلك لما رواه البخاري (١٥٥٣) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الحَرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ». وَزَعَمَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
"فرع" ويستحب أن يتلفظ في تلبيته بما أراد من النسك.
ويدل عليه ما رواه البخاري (١٥٣٤) عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٧ / ١١٧ ]
وَسَلَّمَ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «… "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ ". قَالَ قُلْتُ: اللهُمَّ، إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ" …».
وروى البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٢٣٠) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إِذًا " أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ، قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
[ ٧ / ١١٨ ]
وروى البخاري (١٥٤٨) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا».
وروى مسلم (١٢٤٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ».
وروى مسلم (١٢٤٨) عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَا: «قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَنَحْنُ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣): «ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئًا. لا يقول: اللهم إني أريد العمرة والحج ولا الحج والعمرة ولا يقول: فيسره لي وتقبله مني ولا يقول: نويتهما جميعًا ولا يقول: أحرمت لله ولا غير ذلك من العبادات كلها. ولا يقول قبل التلبية شيئًا بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة. وكان هو وأصحابه يقولون: فلان أهل بالحج أهل بالعمرة؛ أو أهل بهما جميعًا. كما يقال كبر للصلاة والإهلال رفع الصوت بالتلبية وكان يقول في تلبيته: "لبيك حجًا وعمرة" ينوي ما يريد أن يفعله بعد التلبية؛ لا قبلها. وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل
[ ٧ / ١١٩ ]
التكبير وقبل التلبية وفي الطهارة وسائر العبادات فهي من البدع التي لم يشرعها رسول الله ﷺ» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي "منسكه" كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٠٤ - ١٠٥):
«فإذا أراد الإحرام فإن كان قارنًا قال لبيك عمرة وحجًا وإن كان متمتعًا قال لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج وإن كان مفردًا قال لبيك حجة أو قال: اللهم إنِّي أوجبت عمرة وحجًا أو أوجبت عمرة أتمتع بها إلى الحج أو أوجبت حجًا أو أريد الحج أو أريدهما أو أريد التمتع بالعمرة إلى الحج فمهما قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة ليس في ذلك عبارة مخصوصة ولا يجب شيء من هذه العبارات باتفاق الأئمة كما لا يجب التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة والصيام باتفاق الأئمة بل متى لبى قاصدًا للإحرام انعقد إحرامه باتفاق المسلمين. ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء. ولكن تنازع العلماء: هل يستحب أن يتكلم بذلك؟ كما تنازعوا: هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنَّه لا يستحب شيء من ذلك فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه» اهـ.
"فرع" ويستحب أن يقول بعد تلبيته: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ».
وذلك لما رواه ابن ماجة (٢٨٩٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
[ ٧ / ١٢٠ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلٍ، رَثٍّ، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ».
قُلْتُ: يزيد بن أبان هو الرقاشي ضعيف الحديث.
ورواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٧٣٤٣) وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ عُمَرَو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَس؛ أَنْ النَّبِيّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَتَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَقَالَ: «حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا، ولَا سُمْعَةَ».
قُلْتُ: وعمرو بن مالك هو الراسبي ضعيف الحديث.
ورواه أيضًا الأصبهاني في [التَّرْغِيْبِ وَالتَّرْهِيْبِ] (١٠٥٦)، والضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (١٧٠٥) كلاهما مِنْ طَرِيْقِ عُلَيْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَنْزِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عليل نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ به.
قُلْتُ: أحمد بن يزيد بن عليل لم أقف له على ترجمة. لكن الحديث حسن بهذه الطرق.
"فرع" واختلف العلماء متى يقطع المعتمر التلبية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٣٣):
[ ٧ / ١٢١ ]
«قال أبو عبد الله: يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن. وهو معنى قول الخرقي: "إذا وصل إلى البيت".
وبهذا قال ابن عباس، وعطاء، وعمرو بن ميمون، وطاووس، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وقال ابن عمر، وعروة، والحسن: يقطعها إذا دخل الحرم.
وقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة.
وحكي عن مالك، أنَّه إن أحرم من الميقات، قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل، قطع التلبية حين يرى البيت» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في قطع التلبية للمعتمر عند الوصول إلى أدنى الحرم ما رواه البخاري (١٥٧٣) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: «إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ»، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وجاء في انقطاع التلبية عند استلام الحجر ما رواه أحمد (٦٦٨٥، ٦٦٨٦) مِنْ طَرِيْقِ حَجَّاجٍ، عَنْ عُمَرَو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف الحجاج وهو ابن أرطأة.
ويشهد له ما رواه البزار في [مُسْنَدِه] (٣٦٣٢)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٢/ ٥٦)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩١٩٧) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ،
[ ٧ / ١٢٢ ]
ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، ثنا بَحْرُ بْنُ مُرَّارِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فِي بَعْضِ عُمَرِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَمَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف عمرو بن مالك، وعبد الرحمن بن عثمان، وبحر بن مرار.
وروى أبو داود (١٨١٩)، والترمذي (٩١٩) مِنْ طَرِيْقِ هُشَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ».
قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا اهـ.
قُلْتُ: الصحيح فيه الوقف.
فالذي يظهر لي ثبوت الأمرين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. والله أعلم.
"فرع" ويقطع الحاج التلبية عند بلوغه جمرة العقبة.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ، «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ».
[ ٧ / ١٢٣ ]
ويدل على ذلك أيضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان منشغلًا بالتكبير عند رمي الجمار، فناسب أن تقطع التلبية قبل ذلك.
وقد روى مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه: «… حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا …».
وأمَّا ما رواه ابن خزيمة في [صَحِيْحَهِ] (٢٨٨٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٨٦) مِنْ طَرِيْقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ ﵁، قَالَ: «أَفَضْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ».
قُلْتُ: هذه لفظة شاذة، مخالفة لسائر من روى الحديث عن ابن عباس.
قال الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته لهذا الحديث: «وأمَّا ما في رواية الفضل بن عباس من الزيادة فإنَّها غريبة أوردها محمد بن إسحاق بن خزيمة واختارها وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس فالله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في ذلك، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٧٩): «مسألة: قال: "ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي"، وممن قال: يلبي حتى يرمي الجمرة.
[ ٧ / ١٢٤ ]
ابن مسعود، وابن عباس، وميمونة. وبه قال عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف.
وعن علي، وأم سلمة، أنَّهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس من يوم عرفة.
وهذا قريب من قول سعد، وعائشة.
وكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة.
وقال مالك: يقطع التلبية إذا راح إلى المسجد.
ولنا، أنَّ الفضل بن عباس روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
وكان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره، وقول النبي ﷺ وفعله مقدم على كل من خالفه.
واستحب قطع التلبية عند أول حصاة؛ للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة. رواه حنبل، في "المناسك" وهذا بيان يتعين الأخذ به.
وفي رواية من روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يكبر مع كل حصاة، دليل على أنَّه لم يكن يلبي، ولأنَّه يتحلل بالرمي، فإذا شرع فيه قطع التلبية، كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف» اهـ.
[ ٧ / ١٢٥ ]
قُلْتُ: روى ابن خزيمة في [صَحِيْحَهِ] (٢٨٨٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٨٥) مِنْ طَرِيْقِ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، ثنا شَرِيكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ».
قُلْتُ: أخطأ شريك بن عبد الله وهو ابن أبي نمر في رفع هذا الحديث، والصحيح فيه الوقف، كما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤١٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّهُ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَقَطَعَ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ».
* * *
[ ٧ / ١٢٦ ]
٢١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلاَّ وَمَعَهَا حُرْمَةٌ».
وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «لا تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فيه النهي عن سفر المرأة مسيرة يوم وليلة، أو يوم من غير محرم.
قُلْتُ: وجاء تقييد ذلك بليلة فيما رواه مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا».
وجاء تقييد ذلك بيوم فيما رواه مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»
قُلْتُ: وعزو المؤلف هذه الرواية للبخاري وهم وإنَّما هي في مسلم.
وجاء تقييد ذلك بيومين فيما رواه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٨٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلَّا مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ».
.
[ ٧ / ١٢٧ ]
وقد جاء تقييد النهي بمسيرة ثلاثة أيام، فيما رواه البخاري (١٠٨٦)، ومسلم (١٣٣٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وفيما رواه مسلم (٨٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وجاء تقييد النهي بمسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا فيما رواه مسلم (١٣٤٠) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا».
وجاء النهي عن سفر المرأة مطلقًا مع غير محرم فيما رواه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٥٠٠):
«قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة الليلة أو البريد.
[ ٧ / ١٢٨ ]
قال البيهقي: كأنَّه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم: فقال: لا، وسئل عن سفرها يوما فقال: لا. وكذلك البريد، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفرًا، فالحاصل أنَّ كل ما يسمى سفرًا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يومًا أو بريدًا أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة:
"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرًا. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المحرم فعرفه الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٧٧) بقوله: «وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة، وبنتها، وبحرمتها الملاعنة. واستثنى أحمد من حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال: لا يكون محرمًا لها لأنَّه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها. ومن قال إنَّ عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يدخله» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٠٢):
[ ٧ / ١٢٩ ]
«ويشترط في المحرم أن يكون بالغًا عاقلًا.
قيل لأحمد: فيكون الصبي محرمًا؟ قال: لا، حتى يحتلم؛ لأنَّه لا يقوم بنفسه، فكيف يخرج مع امرأة.
وذلك لأنَّ المقصود بالمحرم حفظ المرأة، ولا يحصل إلَّا من البالغ العاقل، فاعتبر ذلك» اهـ.
وبهذا أخذ الحنفية، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَّنَائِعِ] (٤/ ٣٦٥): «وقالوا في الصبي الذي لم يحتلم، والمجنون الذي لم يفق: إنَّهما ليسا بمحرمين في السفر؛ لأنَّه لا يتأتى منهما حفظها، وقالوا في الصبية التي لا يشتهى مثلها: إنَّها تسافر بغير محرم؛ لأنَّه يؤمن عليها فإذا بلغت حد الشهوة لا تسافر بغير محرم؛ لأنّها صارت بحيث لا يؤمن عليها» اهـ.
قُلْتُ: وهناك من أهل العلم من لم يشترط البلوغ للمحرم كما هو المشهور عند علماء الشافعية، وقالوا: يُكتفَى بالمراهق، وذهب العلامة النووي إلى أنَّ الصبي المميز الذي يستحيى منه يعد محرمًا، وقد نقل ذلك عنه الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١٤/ ٣٥٢) فقال:
«كما صرح به المصنف في فتاويه حيث قال: ويشترط أن يكون بالغا عاقلًا، أو مراهقًا، أو مميزًا يستحيى منه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ زَكَرِيَا الْأَنْصَارِيُّ ﵀ فِي [أَسْنَى الْمَطَالِبِ] (٣/ ٤٠٧):
[ ٧ / ١٣٠ ]
«وَقَضِيَّةُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ كَأَصْلِهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُمَيِّزِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا أَوْ مُرَاهِقًا أَوْ مُمَيِّزًا يُسْتَحْيَا مِنْهُ» اهـ.
قُلْتُ: وفيه شيء من التوسع لأنَّ الصبي يحتاج إلى من يقوم بحفظه فكيف يتولى حفظ غيره.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٧/ ٢٣٤):
«ولا يشترط في المحرم البلوغ بل يكفي التمييز ووجود الكفاية» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا يشترط فيه العقل فلا تصح محرمية المجنون ولا أعلم في ذلك نزاعًا.
ويشترط الإسلام في محرمية السفر في مذهب الإمام أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٧٥): «وكذلك الكافر ليس بمحرم لقرابته المسلمة.
قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت بنته: لا يسافر بها، ليس هو محرمًا لها.
والظاهر أنَّه أراد ليس محرمًا لها في السفر، أمَّا النظر فلا يجب عليها الحجاب منه؛ لأنَّ أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك، فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت فراش رسول الله ﷺ لئلا يجلس عليه، ولم تحتجب منه، ولا أمرها بذلك النبي ﷺ» اهـ.
ولم تر الحنفية ذلك شرطًا غير أنَّهم استثنوا المجوسي، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ عُبْدُ اللهِ بْنُ مَحْمُودٍ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيْلِ الْمُخْتَارِ] (١/ ١٥١): «والعبد والحر
[ ٧ / ١٣١ ]
والمسلم والذمي سواء، إلَّا المجوسي الذي يعتقد إباحة نكاحها، والفاسق لأنَّه لا يحصل به المقصود، ولا بد فيه من العقل والبلوغ لعجز الصبي والمجنون عن الحفظ» اهـ.
قُلْتُ: إذا لم يحصل مقصود المحرمية من الفاسق فعدم حصوله من الكافر من باب أولى.
ويشترط في المحرم أن يكون بصيرًا لأنَّ المقصود منه الحفظ والصيانة وهذا لا يتأتى من الأعمى.
وقد صرَّح بهذا بعض علماء الشافعية.
قَالً الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١٤/ ٣٥٣): «ويشترط في المحرم أن يكون بصيرًا كما قاله الزركشي، فلا يكفي الأعمى، كما لا يكفي في السفر بالمرأة إذا كان محرمًا لها» اهـ.
٢ - ظاهر الحديث شمول سفر الحج وغيره.
قُلْتُ: وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز سفر المرأة لحج الفريضة من غير محرم إذا أمنت على نفسها، واحتجوا بما رواه البخاري (٣٥٩٥) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ».
[ ٧ / ١٣٢ ]
قُلْتُ: هذا الحديث غاية ما فيه الإخبار عن حصول الأمن، ولا يدل على جواز ما يحصل من بعض النساء في ذلك الوقت من السفر بغير محرم؛ لأنَّ هذا مما قد نص النبي ﷺ على منعه في سنته ومن ذلك ما رواه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا». فإنَّه وارد بخصوص الحج.
واحتجوا أيضًا بما رواه البخاري (١٨٦٠) وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الأَزْرَقِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَذِنَ عُمَرُ ﵁، لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ».
قُلْتُ: لعل ذلك كان مع محارمهن، وإنَّما بعثهما عمر ليكونا وكلاء له في النظر في أمورهن، وعلى كلٍ سنة النبي ﷺ مقدمة على ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٩٨):
«مسألة: قال: "وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل". ظاهر هذا أنَّ الحج لا يجب على المرأة التي لا محرم لها؛ لأنَّه جعلها بالمحرم كالرجل في وجوب الحج، فمن لا محرم لها لا تكون كالرجل، فلا يجب عليها الحج.
[ ٧ / ١٣٣ ]
وقد نص عليه أحمد، فقال أبو داود: قُلْتُ: لأحمد: امرأة موسرة، لم يكن لها محرم، هل يجب عليها الحج؟ قال: لا.
وقال أيضًا: المحرم من السبيل.
وهذا قول الحسن، والنخعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
وعن أحمد، أنَّ المحرم من شرائط لزوم السعي دون الوجوب، فمتى فاتها الحج بعد كمال الشرائط الخمس، بموت، أو مرض لا يرجى برؤه، أخرج عنها حجة؛ لأنَّ شروط الحج المختصة به قد كملت، وإنَّما المحرم لحفظها، فهو كتخلية الطريق، وإمكان المسير.
وعنه رواية ثالثة، أنَّ المحرم ليس بشرط في الحج الواجب.
قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل: هل يكون الرجل محرمًا لأم امرأته، يخرجها إلى الحج؟ فقال: أمَّا في حجة الفريضة فأرجو؛ لأنَّها تخرج إليها مع النساء، ومع كل من أمنته، وأمَّا في غيرها فلا والمذهب الأول، وعليه العمل.
وقال ابن سيرين، ومالك والأوزاعي، والشافعي. ليس المحرم شرطًا في حجها بحال.
قال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين، لا بأس به.
وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء.
وقال الشافعي: تخرج مع حرة مسلمة ثقة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٧/ ٨٦):
[ ٧ / ١٣٤ ]
«أمَّا حكم المسألة: فقال الشافعي والأصحاب ﵏ تعالي: لا يلزم المرأة الحج إلَّا إذا أمنت علي نفسها بزوج أو محرم نسب أو غير نسب أو نسوة ثقات فأي هذه الثلاثة وجد لزمها الحج بلا خلاف، وإن لم يكن شيء من الثلاثة لم يلزمها الحج علي المذهب سواء وجدت امرأة واحدة أم لا.
وقول ثالث: أنَّه يجب أن تخرج للحج وحدها إذا كان الطريق مسلوكًا كما يلزمها إذا أسلمت في دار الحرب الخروج إلى دار الإسلام وحدها بلا خلاف، وهذا القول اختيار المصنف وطائفة والمذهب عند الجمهور ما سبق وهو المشهور من نصوص الشافعي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٢٥٣): «وعند شيخنا: تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا في سفر المرأة لحج الفريضة، أو لما تضطر إليه المرأة كالأسيرة التي تخلصت من الأسر، وما سوى ذلك فالنزاع فيه ضعيف.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٧٦):
«قال البغوي: لم يختلفوا في أنَّه ليس للمرأة السفر في غير الفرض، إلَّا مع زوج أو محرم، إلَّا كافرة أسلمت في دار الحرب، أو أسيرة تخلصت. وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنَّه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة» اهـ.
[ ٧ / ١٣٥ ]
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٥٠٠):
«واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلَّا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح؛ للأحاديث الصحيحة.
وقد قال القاضي: واتفق العلماء على أنَّه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلَّا مع ذي محرم إلَّا الهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أنَّ عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أنَّ إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج، فإنَّهم اختلفوا في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟» اهـ.
* * *
[ ٧ / ١٣٦ ]