٩٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ- الله ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ". فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ" - ثَلاثًا - فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا. وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا"».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج بحديث المسيء العلامة ابن القيم ﵀ على أنَّ الداخل إلى المسجد يبدأ بصلاة التحية قبل السلام على الناس.
فقَالَ ﵀ في [زاد المعاد] (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧):
«ومن هديه ﷺ أنَّ الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق هو حق لهم وحق الله في مثل هذا أحق
[ ٣ / ٢٧٣ ]
بالتقديم بخلاف الحقوق المالية فإنَّ فيها نزاعًا معروفًا، والفرق بينهما حاجة الآدمي وكانت عادة القوم معه هكذا، يدخل أحدهم المسجد فيصلي ركعتين ثم يجيء فيسلم على النبي ﷺ ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بينما هو جالس في المسجد يومًا قَالَ رفاعة ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى، فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ فقَالَ النبي ﷺ: "وعليك فارجع فصل فإنَّك لم تصل" … وذكر الحديث فأنكر عليه صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه ﷺ إلى ما بعد الصلاة» اهـ.
قلت: وقد رد عليه الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٣) فقَالَ:
«استدل بعضهم بهذا الحديث على أنَّ من دخل المسجد وفيه قوم جلوس، فإنَّه يبدأ فيصلي تحية المسجد، ثم يسلم على من فيه، فيبدأ بتحية المسجد قبل تحية الناس.
وفي هذا نظر، وهذه واقعة عين، فيحتمل أنَّه لما دخل المسجد صلى في مؤخره قريبًا من الباب، وكَانَّ النَّبِيُّ ﷺ في صدر المسجد، فلم يكن قد مرَّ عليهم قبل صلاته، أو أنَّه لما دخل المسجد مشى إلى قريبٍ من قبلة المسجد، بالبعد من الجالسين في المسجد، فصلى فيه، ثم أنصرف إلى الناس.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
يدل على ذلك: أنَّه روي في هذا الحديث: أنَّ رجلًا دخل المسجد، فصلى، ورسول الله ﷺ في ناحية المسجد، فجاء فسلم - وذكر الحديث -. خرَّجه ابن ماجه.
فأمَّا من دخل المسجد فمر على قوم فيه، فإنَّه يسلم عليهم ثم يصلى» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ كلام الحافظ ابن رجب ﵀ أصوب من كلام العلامة ابن القيم ﵀.
وحديث ابن ماجه الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب أخرجه البخاري (٦٢٥١) عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ …». وذكر الحديث.
٢ - وفيه دليل على أنَّ من قام عن قوم لحاجته، ثم عاد إليهم، فأنَّه يسلم عليهم وإن لم يكن قد غاب عنهم.
٣ - وفيه دليل على أنَّ من أساء في الصلاة فإنَّه يؤمر بإحسان صلاته مجملًا، حتى يتبين أنَّه جاهلٌ، فيعلم ما جهله.
٤ - وفيه دليل على أنَّ من أساء في صلاة تطوعٍ فأنَّه يؤمرُ بإعادتها. ذكر جميع ما سبق الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه للبخاري.
قلت: وفي هذا الأخير نظر لاحتمال أن تكون الصلاة التي صلاها فريضة.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
٥ - ويدل الحديث على وجوب الاطمئنان في الصلاة. والجمهور على ركنيته وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى أنَّ الطمأنينة ليست فرضًا في ركوع ولا غيره، لظاهر قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٤):
«وقدر الطمأنينة المفروضة: أدنى سكون بين حركتي الخفض والرفع عند أصحاب الشافعي، وأحد الوجهين لأصحابنا.
والثاني لأصحابنا: أنَّها مقدرة بقدر تسبيحة واحدة» اهـ.
قلت: وذهب بعض علماء الشافعية إلى عدم وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع لعدم الأمر به في هذا الحديث.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٠٨):
«وأمَّا الاعتدال فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء يجب الطمأنينة فيه كما يجب في الجلوس بين السجدتين وتوقف في إيجابها بعض أصحابنا واحتج هذا القائل بقوله ﷺ في هذا الحديث "ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا" فاكتفى بالاعتدال ولم يذكر الطمأنينة كما ذكرها في الجلوس بين السجدتين وفي الركوع والسجود» اهـ.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
٦ - واحتج أبو حنيفة ﵀ «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» على عدم فرضية قراءة الفاتحة وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يخص سورة من غيرها، فإذا قرأ ما تيسر عليه فقد فعل الواجب.
وقَالَ أبو حنيفة: الواجب في القراءة في الصلاة ما تناوله اسم القرآن، وذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة كآية الدين، من أي سورة شاء.
قلت: واحتج الجمهور بما رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٨٧٣) عن عبادة بن الصامت أن الرسول الله ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
قَالَوا: وقوله: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» أي: اقرأ بفاتحة الكتاب فهي ما تيسر من القرآن.
قلت: ومما يدل على ذلك أنَّه قد جاء الأمر بقراءة فاتحة الكتاب في حديث المسيء.
فروى أبو داود (٨٥٩) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ:
«إِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ». وَقَالَ «إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ فَإِذَا رَفَعْتَ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى».
قلت: هذا حديث حسن.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
ورواه أحمد (١٩٠١٧) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ مرفوعًا وفيه: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا شِئْتَ».
قلت: وسند أحمد منقطع بين على بن يحيى بن خلاد ورفاعة بن رافع.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٤٣):
«ويحتمل الجمع أيضًا أن يقَالَ المراد بقوله: "فأقرأ ما تيسر معك من القرآن" أي بعد الفاتحة ويؤيده حديث أبي سعيد عند أبي داود بسند قوي: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر"» اهـ.
حديث أبي سعيد رواه أحمد (١١٠١١، ١١٤٣٥)، وأبو داود (٨١٨) مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٠٥):
«المثال السادس عشر رد النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضًا بالمتشابه من قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وليس ذلك في الصلاة إنَّما هو بدل عن قيام الليل وبقوله للأعرابي: "ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن" وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا
[ ٣ / ٢٧٨ ]
يحسنها وأن يكون لم يسيء في قراءتها فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك له المحكم الصريح» اهـ.
٧ - وقوله: «وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». فيه دليل على أنَّ عليه أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة وقَالَ أبو حنيفة تجب القراءة في الركعتين الأوليين وأمَّا الأخيرتان فلا تجب فيهما قراءة بل إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت.
قَالَ العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٧٠ - ١٧١):
«قوله ﷺ: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" يقتضي وجوب القراءة في جميع الركعات وإذا ثبت أنَّ الذي أمر به الأعرابي: هو قراءة الفاتحة: دل على وجوب قراءتها في جميع الركعات وهو مذهب الشافعي وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال:
أحدها: الوجوب في كل ركعة.
والثاني: الوجوب في الأكثر.
والثالث: الوجوب في ركعة واحدة» اهـ.
قلت: ومذهب الإمام أحمد إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة وهو الصحيح. وعن أحمد: أنَّها لا تجب إلَّا في ركعتين من الصلاة.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
٨ - وفيه دليل أنَّ الجاهل ببعض أركان الصلاة يؤمر بإعادة الصلاة التي ما زال وقتها قائم ولا يؤمر بإعادة ما مضى من الصلوات.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٧ - ٣٩):
«وأمَّا من لم يعلم الوجوب فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها ولا إعادة عليه. كما ثبت في الصحيحين أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للأعرابي المسيء في صلاته: "ارجع فصل فإنَّك لم تصل" قَالَ: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني ما يجزيني في صلاتي فعلمه ﷺ.
وقد أمره بإعادة صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة مع قوله: "لا أحسن غير هذا". وكذلك لم يأمر عمر وعمارًا بقضاء الصلاة وعمر لما أجنب لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت مع قولها: إني أستحاض حيضة شديدة منعتني الصوم والصلاة. ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض من السود بالإعادة والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين، ركعتين ثم لما هاجر زيد في صلاة الحضر ففرضت أربعًا وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من المسلمين لم يعلموا بذلك إلَّا بعد مدة وكانوا يصلون ركعتين فلم يأمرهم بإعادة ما صلوا. كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مدة صلاتهم إليها قبل أن يبلغهم الناسخ فعلم أنَّه لا فرق بين الخطاب المبتدأ والخطاب الناسخ. والركعتان الزائدتان إيجابهما مبتدأ وإيجاب الكعبة ناسخ.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
وكذلك التشهد وغيره إنَّما وجب في أثناء الأمر وكثير من المسلمين لم يبلغهم الوجوب إلَّا بعد مدة. ومن المنسوخ أنَّ جماعة من أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الإقحاط؛ بل يرون الماء من الماء حتى ثبت عندهم النسخ. ومنهم من لم يثبت عنده النسخ وكانوا يصلون بدون الطهارة الواجبة شرعًا لعدم علمهم بوجوبها ويصلي أحدهم وهو جنب» اهـ.
٩ - هذا الحديث وهو المعروف بحديث المسيء في صلاته وهو عمدة أهل العلم في معرفة الواجبات والأركان. فلأصل أنَّ ما ذكر فيه واجب أو ركن، وقد ذهب جمع من العلماء أنَّ ما لم يذكر في حديث المسيء فليس بواجب والتزموا على ذلك عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود، وذهبت الحنفية إلى عدم وجوب التشهد الأخير، ولا السلام من الصلاة. لكنه ﵀ أوجب القعود مقدار التشهد مع أنَّه ليس له ذكر في حديث المسيء، وذهب الإمام مالك إلى عدم وجوب التشهد الأخير ولا القعود له.
قلت: والصواب في ذلك هو الأخذ بما زاد على حديث المسيء من الأوامر ويتأول لحديث المسيء بما ذكره أهل العلم منهم العلامة ابن قدامة ﵀ حيث قَالَ في [المغني] (١/ ٥٧٨):
«على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعلمه كل الواجبات بدليل أنَّه لم يعلمه التشهد ولا السلام ويحتمل أنَّه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه» اهـ.
[ ٣ / ٢٨١ ]
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب سنن أبي داود] (١/ ٦٤):
«وأمّا كون النبي لم يعلمه المسيء في صلاته فما أكثر ما يحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة ولا تدل لأنَّ المسيء لم يسيء في كل جزء من الصلاة فلعله لم يسيء في السلام بل هذا هو الظاهر فإنَّهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلَّا بالسلام» اهـ.
* * *
[ ٣ / ٢٨٢ ]