واختلف العلماء في "التورق" في حكمه، وهل هو داخل في العينة أو لا، فأجازه أكثر العلماء، وكرهها عمر بن عبد العزيز، وإحدى الروايتين عن أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله رواية بتحريمها.
[ ٨ / ٤٦٣ ]
وأقوى ما احتج به المانعون ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٠٢٨) أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا اسْتَقَمْتَ بِنَقْدٍ، وَبِعْتَ بِنَقْدٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِذَا اسْتَقَمْتَ بِنَقْدٍ فَبِعْتَ بِنَسِيئَةٍ، فَلَا، إِنَّمَا ذَلِكَ وَرِقٌ بِوَرِقٍ».
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا».
قَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا يَسْتَقِيمُ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ بِدَيْنٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٣):
«ومعنى كلامه: أنَّك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة، وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس. فإنَّ ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٤٢): «والثالث: أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا؛ بل مقصوده دراهم لحاجته إليها. وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضًا أو سلمًا فيشتري سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا هو "التورق" وهو مكروه في أظهر قولي العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد؛ كما قال عمر بن عبد العزيز: التورق أخية الربا. وقال ابن عباس: "إذا استقمت بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم". ومعنى كلامه إذا استقمت؛ إذا قومت. يعني: إذا
[ ٨ / ٤٦٤ ]
قومت السلعة بنقد وابتعتها إلى أجل فإنَّما مقصودك دراهم بدراهم هكذا "التورق" يقوم السلعة في الحال ثم يشتريها إلى أجل بأكثر من ذلك. وقد يقول لصاحبه: أريد أن تعطيني ألف درهم فكم تربح؟ فيقول: مائتين أو نحو ذلك. أو يقول: عندي هذا المال يساوي ألف درهم، أو يحضران من يقومه بألف درهم ثم يبيعه بأكثر منه إلى أجل فهذا مما نهي عنه في الصحيح.
وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة كهذه المعاملات المسئول عنها وغيرها وكان متأولًا في ذلك ومعتقدًا جوازه لاجتهاد أو تقليد أو تشبه ببعض أهل العلم، أو لأنَّه أفتاه بذلك بعضهم ونحو ذلك. فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك وأنَّ الذي أفتاهم أخطأ. فإنَّهم قبضوها بتأويل فليسوا أسوأ حالًا مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل. فإنَّ الكفار إذا تبايعوا بينهم خمرًا أو خنزيرًا وهم يعتقدون جواز ذلك وتقابضوا من الطرفين، أو تعاملوا بربا صريح يعتقدون جوازه وتقابضوا من الطرفين ثم أسلموا ثم تحاكموا إلينا: أقررناهم على ما بأيديهم وجاز لهم بعد الإسلام أن ينتفعوا بذلك. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فأمرهم بترك ما بقي لهم في الذمم ولم يأمرهم بإعادة ما قبضوه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٠٢): «والأقوى كراهته» اهـ.
[ ٨ / ٤٦٥ ]
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٦/ ٥٠ - ٥٢):
«وَأَمَّا إنْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ بَيْعًا ثَابِتًا وَلَمْ تَعُدْ إلَى الْأَوَّلِ بِحَالٍ، فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي كَرَاهَتِهِ وَيُسَمُّونَهُ التَّوَرُّقَ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْوَرِقُ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَكْرَهُهُ وَقَالَ: التَّوَرُّقُ أَخْبَثُ الرِّبَا، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يُرَخِّصُ فِيهِ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَأَشَارَ فِي رِوَايَةِ الْكَرَاهَةِ إلَى أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أُسَامَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى هَذَا أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ بِخِلَافِ رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ لَا يَكَادُ يُفْعَلُ إلَّا عِنْدَ صِفَةِ الْمَالَيْنِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ إنَّمَا الْعَالِمُ زَيْدٌ وَلَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَارِ يَعْنِي أَنَّهُ هُوَ الْكَامِلُ فِي بَابِهِ وَكَذَلِكَ النَّسِيئَةُ هِيَ أَعْظَمُ الرِّبَا وَكُبْرُهُ.
يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا اسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْت بِنَقْدٍ، فَلَا بَأْسَ، وَإِذَا اسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ تِلْكَ وَرِقٌ بِوَرِقٍ" - رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ - يَعْنِي إذَا قَوَّمْتهَا بِنَقْدٍ ثُمَّ بِعْتهَا نَسِيئًا كَانَ مَقْصُودُ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاءَ دَرَاهِمَ مُعَجَّلَةٍ بِدَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ وَهَذَا شَأْنُ الْمُوَرِّقِينَ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ فَيَقُولُ أُرِيدُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَيُخْرِجُ لَهُ سِلْعَةً تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَهَذَا هُوَ الِاسْتِقَامَةُ - يَقُولُ أَقَمْت السِّلْعَةَ وَقَوَّمْتهَا وَاسْتَقَمْتهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهِيَ لُغَةٌ مَكِّيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِمَعْنَى التَّقْوِيمِ - فَإِذَا قَوَّمْتهَا بِأَلْفٍ قَالَ اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَقَوْلُ ابْنِ
[ ٨ / ٤٦٦ ]
عَبَّاسٍ يُوَافِقُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِنَقْدٍ فَلْيُسَاوِمْهُ بِنَقْدٍ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِنَسْأٍ فَلْيُسَاوِمْهُ بِنَسْإٍ كَرِهُوا أَنْ يُسَاوِمَهُ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِنَسْإٍ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ دَلِيلٍ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ، لِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا قَدْ حُفِظَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا بَيْعَ " ده بدوازده "؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ: أَبِيعُك الْعَشَرَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ، فَكَرِهُوا هَذَا الْكَلَامَ لِمُشَابَهَتِهِ الرِّبَا، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ ذَلِكَ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا" فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي تَفْسِيرِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ تَفْسِيرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ هُوَ لَك بِنَقْدٍ بِكَذَا وَبِنَسِيئَةٍ بِكَذَا، كَمَا رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ" قَالَ سِمَاكٌ: الرَّجُلُ يَبِيعُ الْبَيْعَ فَيَقُولُ هُوَ بِنَسْإٍ بِكَذَا وَبِنَقْدٍ بِكَذَا وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَهُ بِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا وَيَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا تَفْسِيرُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرِّبَا هُنَا وَلَا صَفْقَتَيْنِ هُنَا، وَإِنَّمَا هِيَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِثَمَنٍ مُبْهَمٍ.
[ ٨ / ٤٦٧ ]
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ هِيَ بِنَقْدٍ بِكَذَا أَبِيعُكَهَا بِنَسِيئَةٍ كَذَا كَالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ صَفْقَتَيْ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ النَّقْدَ مِعْيَارًا لِلنَّسِيئَةِ وَهَذَا مُطَابِقٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: "فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا". فَإِنَّ مَقْصُودَهُ حِينَئِذٍ، هُوَ بَيْعُ دَرَاهِمَ عَاجِلَةٍ بِآجِلَةٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ، وَهُوَ أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ وَهُوَ مِقْدَارُ الْقِيمَةِ الْعَاجِلَةِ فَإِنْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ فَهُوَ مُرْبٍ.
التَّفْسِيرُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهُ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، وَأَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا أَوْلَى بِلَفْظِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَإِنَّهُ بَاعَ السِّلْعَةَ وَابْتَاعَهَا، أَوْ بَاعَ بِالثَّمَنِ وَبَاعَهُ، وَهَذَا صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ حَقِيقَةً، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْعِينَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ نَسْئًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا، أَوْ يَبِيعَهُ نَقْدًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسْئًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَعُودُ حَاصِلُ هَاتَيْنِ الصَّفْقَتَيْنِ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ وَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَسِلْعَتُهُ عَادَتْ إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ إلَّا أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ، وَهُوَ النَّقْدُ، فَإِنْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْحَدِيثِ هَذَا، وَنَحْوُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ "نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَعَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ" - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - وَكِلَا هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ يُؤَوَّلَانِ إلَى الرِّبَا، وَفِي النَّهْيِ عَنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْحِيَلِ الَّتِي هِيَ فِي الظَّاهِرِ بَيْعٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ رِبًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦):
[ ٨ / ٤٦٨ ]
«وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنَّها من العينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: "التورق أخية الربا". ورخص فيها إياس بن معاوية. وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنَّه بيع مضطر …» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٣٠):
«وأخفها التورق وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال: هو أخيه الربا، وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى إنَّه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، قال: فإنَّ هذا لا يدخل فيه إلَّا مضطر. وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٥٧) - على لسان أرباب الحيل في ردهم على الحنابلة -:
«وقالوا بجواز مسألة التورق وهي شقيقة مسألة العينة فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره، بل قد يكون عودها إلى البائع أرفق بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع لخسارته وتعنيه، فكيف تحرمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه، والحقيقة في الموضوعين واحدة وهي عشرة بخمسة
[ ٨ / ٤٦٩ ]
عشر وبينهما حريرة رجعت في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦):
«فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أنَّ العينة إنَّما تقع من رجل مضطر إلى نقد، لأنَّ الموسر يضن عليه بالقرض، فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل الثمن حال أنقص منه، ولا معنى للربا إلَّا هذا لكنه ربا بسلم، لم يحصل له مقصوده إلَّا بمشقة، ولو لم يقصده كان ربا بسهولة» اهـ.
قُلْتُ: أكثر العلماء من المتقدمين، والمتأخرين على جواز التورق، وقد أفتى بجوازه من العلماء المتأخرين، محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وابن باز، وابن عثيمين، والفوزان، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد العزيز آل الشيخ، واللجنة الدائمة للإفتاء.
قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٩/ ٥٠ - ٥١):
«لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه، وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها، فهذه المعاملة تسمى مسألة: (التورق) ويسميها بعض العامة (الوعدة)، وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين:
[ ٨ / ٤٧٠ ]
أحدهما: أنَّها ممنوعة أو مكروهة؛ لأنَّ المقصود منها شراء دراهم بدراهم وإنَّما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة.
والقول الثاني: للعلماء جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها؛ لأنَّه ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا؛ لدخولها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، ولأنَّ الأصل في الشرع حل جميع المعاملات إلَّا ما قام الدليل على منعه، ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة.
وأمَّا تعليل من منعها أو كرهها بكون المقصود منها هو النقد، فليس ذلك موجبًا لتحريمها ولا لكراهتها؛ لأنَّ مقصود التجار غالبًا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنَّما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة. فإنَّ ذلك يتخذ حيلة على الربا، وصورة ذلك أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة، ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه، فهذا ممنوع شرعًا؛ لما فيه من الحيلة على الربا وتسمى هذه المسألة مسألة العينة، وقد ورد فيها من حديث عائشة وابن عمر ﵃ ما يدل على منعها.
أما مسألة التورق التي يسميها بعض الناس الوعدة فهي معاملة أخرى، ليست من جنس مسألة العينة؛ لأنَّ المشتري فيها اشترى السلعة من شخص إلى أجل
[ ٨ / ٤٧١ ]
وباعها من آخر نقدًا من أجل حاجته للنقد وليس في ذلك حيلة على الربا؛ لأنَّ المشتري غير البائع» اهـ.
قُلْتُ: وما ذكره العلامة ابن باز ﵀ هو الذي يظهر لي رجحانه في مسألة التورق، لكن بشرط ألَّا يزيد في قيمتها نسيئة فإن زاد فلا يشرع كما يدل عليه أثر ابن عباس فإنَّه يكون حينئذ باع دراهم معجلة بدراهم مؤجلة مع الزيادة، وبيان ذلك أنَّ المشتري لا غرض له في البضاعة وإنَّما يريد المال فإذا كان يريد مثلًا عشرة دراهم من البائع فجاءه البائع ببضاعة قيمتها عشرة دراهم حالة وباعها له نسيئة باثني عشر درهمًا فكأنَّه باع له عشرة دراهم باثني عشر درهمًا، لكن إن قوم البضاعة حالًا بعشرة وباعها له نسيئة بعشرة فهذا محسن وليس بمرابي، ويجوز له حينئذ أن يبيعها لشخص آخر بتسعة دراهم حالة ولا ربا في ذلك ولا احتيال عليه. والله أعلم.
وقد ظهر في هذه الأزمان المتأخرة ما يسمى بـ"التورق المصرفي"، وهو تحصيل النقد بشراء سلعة من البنك وتوكيله في بيعها وتقييد ثمنها في حساب المشتري.
وصورة ذلك: أن يقوم البنك بشراء كمية من البضائع من السوق الدولية، وتبقى في المخازن الدولية، وتحرر الشركة للبنك المشتري شهادة تخزين بمواصفات السلعة وكميتها ورقم صنفها.
ثم يقوم البنك ببيع السلعة إلى العميل بالمرابحة مؤجلة الثمن.
ثم يبيع العميل السلعة بعد تملكها بثمن حال بتوكيل البنك بالبيع.
[ ٨ / ٤٧٢ ]
قُلْتُ: وهذه المعاملة من المعاملات الباطلة، وهي داخلة عند بعض العلماء في بيع العينة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦ - ١٥٧):
«وللعينة صورة رابعة - وهي أخت صورها - وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلَّا نسيئة، ونص أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلَّا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وقال أيضًا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنَّما كره ذلك لمضارعته الربا، فإنَّ البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا. وعلله شيخنا ابن تيمية ﵁ بأنَّه يدخل في بيع المضطر، فإنَّ غالب من يشتري بنسيئة إنَّما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلَّا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار» اهـ.
قُلْتُ: والناظر إلى ما يسمى بـ"التورق المصرفي"، يقطع أنَّهم، لا غرض لهم في التجارة، وإنَّما غرضهم بذلك التحايل على الربا، و"إنَّما الأعمال بالنيات".
أضف إلى ذلك أنَّ التعامل بهذه المعاملة بالبيع والشراء يتم قبل القبض للبضاعة، فالبنك يبيعها لعميله قبل قبضها، والعميل يوكل البنك في بيعها قبل قبضها له.
قُلْتُ: وبيع الشيء قبل قبضه لا يجوز، وهذا مما يدل على أنَّ البضاعة دخلت في هذه المعاملة دخولًا صوريًا لا معنى لها، فهي أشبه بالحرف الذي جاء لمعنى في
[ ٨ / ٤٧٣ ]
غيره، فإنَّما أتي بها لتحليل الربا، كالتيس المستعار الذي يقصد منه تحليل ما حرم من النكاح.
وهناك صورة أخرى من صور العينة، وهي من أشدها، وذلك إذا تواطأ المترابيان على الربا ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن أكثر مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا وهذه تسمى الثلاثية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٧): «وهي أقبح صورها وأشدها تحريمًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀: «وهذه تسمى الثلاثية لأنَّها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية. وفي الثلاثية: قد أدخلا بينهما محللًا يزعمان أنَّه يحلل لهما ما حرم الله من الربا. وهو كمحلل النكاح. فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية. بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» اهـ.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ للعينة خمسة صور:
الصورة الأولى: أن يبيع السلعة إلى أجل ثم يشتريها من المشتري بأقل من ذلك حالًا. وهذه هي أشهر صورها.
الصورة الثانية: أن يبيع سلعة بنقد ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة. وهي عكس الأولى.
[ ٨ / ٤٧٤ ]
الصورة الثالثة: أن يشتري الشخص السلعة إلى أجل، ثم يبيعها لغير بائعها الأول نقدًا في الحال بأقل من ثمنها. وهذه هو "التورق".
الصورة الرابعة: أن يتواطأ المترابيان على الربا ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن أكثر مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا. وهذه تسمى الثلاثية.
الصورة الخامسة: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلَّا نسيئة.
١٠ - وفيه أنَّ من سد على الناس بابًا من أبواب الشر أن يفتح لهم بابًا من أبواب الخير.
١١ - وفيه أنَّ النية الصالحة لا تصحح العمل الفاسد.
* * *
[ ٨ / ٤٧٥ ]
٢٧٢ - عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: «سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، عَنْ الصَّرْفِ؟ فَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنِّي. وَكِلاهُمَا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم النسيئة في الصرف.
٢ - ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من التواضع.
٣ - الاعتراف بفضل الأكابر.
٤ - أنَّ من سئل عن شيء من العلم، وعنده من هو أعلم منه، فإنَّ من الأدب أن يرد السائل إلى من هو أعلم منه.
٥ - جواز مدح الشخص لغيره من غير مبالغة في ذلك إذا أمنت الفتنة على الشخص الممدوح.
وجاء في ذم التمادح ما رواه مسلم (٣٠٠٢) عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ».
[ ٨ / ٤٧٦ ]
وروى أحمد (١٦٨٨٣، ١٦٨٩٢، ١٦٩٤٩، ١٦٩٥٠)، وابن ماجة (٣٧٤٣) مِنْ طَرِيْقِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ».
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٨/ ٢٧٧):
«قال أهل العلم: هذا كله في التفاوت في المدح ووصف الإنسان مما ليس فيه، أو لمن يخشى عليه العجب والفساد بسماع المدح دالًا، فقد مدح ﵇ ومدح بحضرته غيره بالنظم والنثر فلم ينكر، بل قد حض كعب بن زهير» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٨٢):
«قال العلماء: وطريق الجمع بينها أنَّ النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح.
[ ٨ / ٤٧٧ ]
وأمَّا من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به، كان مستحبًا. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٣١٣ - ٣١٤):
«وَهَذَا كَمَا أَنَّ مِنَ الْمَدْحِ مَا يَكُونُ ذَمًّا وَمُوجِبًا لِسُقُوطِ مَرْتَبَةِ الْمَمْدُوحِ عِنْدَ النَّاسِ فَإِنَّهُ يُمْدَحُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَتُطَالِبُهُ النُّفُوسُ بِمَا مُدِحَ بِهِ وَتَظُنُّهُ عِنْدَهُ فَلَا تَجِدُهُ كَذَلِكَ فَتَنْقَلِبُ ذَمًّا، وَلَوْ تُرِكَ بِغَيْرِ مَدْحٍ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَيُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةً سَيِّئَةً، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، فَإِنَّهُ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَيَنْقُصُ فِي نَفُوسِ النَّاسِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا، وَفِي هَذَا قَالَ الْقَائِلُ:
إِذَا مَا وَصَفْتَ امْرَأً لِامْرِئٍ … فَلَا تَغْلُ فِي وَصْفِهِ وَاقْصِدْ
فَإِنَّكَ إِنْ تَغْلُ تَغْلُ الظُّنُونُ … فِيهِ إِلَى الْأَمَدِ الْأَبْعَدِ
فَيَنْقُصُ مِنْ حَيْثُ عَظَّمْتَهُ … لِفَضْلِ الْمَغِيبِ عَنِ الْمَشْهَدِ
وَأَمْرٌ آخَرُ: وَهُوَ ظَنُّ الْمُسَمَّى وَاعْتِقَادُهُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَيَقَعُ فِي تَزْكِيَةِ
نَفْسِهِ وَتَعْظِيمِهَا، وَتَرَفُّعِهَا عَلَى غَيْرِهِ» اهـ.
* * *
[ ٨ / ٤٧٨ ]
٢٧٣ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا: أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ».
.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم التفاضل في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة.
٢ - جواز التفاضل في بيع الذهب بالفضة والعكس لاختلاف الأجناس.
٣ - ويحتج به على مجيء الأمر، والمراد به الإباحة.
٤ - وفيه إثبات المشيئة للعباد خلافًا للجبرية.
قُلْتُ: قوله: «هَكَذَا سَمِعْتُ». فيها احتمالان.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٤٣):
«فيحتمل أن يرجع على قوله: "يدًا بيد". كما جاء في الأحاديث الأخر، ويحتمل أن يقول: كذا سمعت ما حدثت به بغير زيادة» اهـ.
فائدة: يحرم الربا بين الوالد وولده، وبين الزوجين، وبين العبد وسيده، وبين المسلم والحربي لعموم الأدلة.
[ ٨ / ٤٧٩ ]
قَالَ مُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الرَّيْمِيُّ ﵀ فِي [الْمَعَانِي الْبَدِيْعَةُ فِي مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِ أَهْلِ الشَّرِيْعَةِ] (١/ ٤٦٤):
«مَسْأَلَةٌ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وكافة العلماء أن الربا يجري بين الولد ووالده، وبين الزوج وزوجته، وبين العبد ومولاه، وبين الذمي والمسلم. وعند الْإِمَامِيَّة لا يجري الربا بين من ذكرناه.
مَسْأَلَةٌ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِك يثبت الربا بين السيد وعبده المأذون له. وعند الزَّيْدِيَّة لا يثبت.
مَسْأَلَةٌ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِك وَأَحْمَد وأَبِي يُوسُفَ وأَكْثَر الْعُلَمَاءِ وسائر الزَّيْدِيَّة يجري حكم الربا في دار الحرب بين المسلمين وبين المسلم والكافر. وعند أَبِي حَنِيفَةَ ومحمد ومن الزَّيْدِيَّة النَّاصِر لا يجري الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي، وهل يجري بين المسلمين؟ فيه رِوَايَتَانِ عند أَبِي حَنِيفَةَ» اهـ.
* * *
[ ٨ / ٤٨٠ ]