قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٧٧ - ٧٨):
«أمَّا المسألة الأولى: وهي إيجاب الشارع الغسل من المني دون البول فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة فإنَّ المني يخرج من جميع البدن ولهذا سماه الله ﷾ سلالة لأنَّه يسيل من جميع البدن، وأمَّا البول فإنَّما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة فتأثر البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول. وأيضًا فإنَّ الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنَّها تقوى بالاغتسال والغسل يخلف عليه ما تحلل منه بخروج المني وهذا أمر يعرف بالحس. وأيضًا فإنَّ الجنابة توجب ثقلًا وكسلًا والغسل يحدث له نشاطًا وخفة؛ ولهذا قال أبو ذر: لما اغتسل من الجنابة كأنَّما ألقيت عني حملًا.
وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم وفطرة صحيحة ويعلم أنَّ الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة فإذا اغتسل زال ذلك البعد ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إنَّ العبد إذا نام عرجت روحه فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود وإن كان جنبًا لم يؤذن لها ولهذا أمر النبي ﷺ الجنب إذا نام أن يتوضأ وقد صرح أفاضل الأطباء بأنَّ
[ ١ / ٥٣١ ]
الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته ويخلف عليه ما تحلل منه وإنَّه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه وبالله التوفيق» اهـ.
* * *
[ ١ / ٥٣٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣١ - عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ:
«وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلاثًا - ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، أَوْ الْحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلاثًا - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ».
قولها: «وَضُوءَ الْجَنَابَةِ» أي ماء الاغتسال من الجنابة، وذلك أنَّ الوَضوء بفتح الواو المراد به الماء لكن هل يراد به ماء الوضوء أم الماء مطلقًا؟ هذا الحديث يدل أنَّ المراد به الماء مطلقًا لإضافته إلى الجنابة.
وقولها: «ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ» المراد بالفرج القبل سمي بذلك لانفراجه أي انفتاحه، لأنَّ فيه فتحة منفرجة.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء.
وجاءت رواية للبخاري (٢٧٦) صريحة بذلك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ …».
[ ١ / ٥٣٣ ]
وفي رواية أخرى له (٢٥٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ:
«صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا …».
وفي رواية أبي داود (٢٤٥) في حديثه عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «وَضَعْتُ للنبى ﷺ غُسْلًا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ …».
قلت: ورواية البخاري السابقة ترد ما ذكره العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٩٥) حيث قال:
«وَيَكْفِي غَسْلُ الْيُمْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لِيُمَكِّنَّهُ غَرْفُ الْمَاءِ بِهَا وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَهَا لِأَنَّهُ يَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُبَاشِرُ النَّجَاسَةَ وَلَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِيُمْنَاهُ فَلِذَلِكَ غَسَلَهَا لِيَتَنَاوَلَ بِهَا الْمَاءَ» اهـ.
وذلك أنَّ رواية البخاري فيها غسل اليدين معًا، ورواية الباب فيها التصريح بغسل اليسرى.
قلت: وغسل اليدين قبل غسل الفرج من أجل إدخالهما في الإناء.
لكن هل يدخل هذا في جملة غسل الجنابة أو لا؟
الذي يظهر لي دخوله لأنَّه لم يغسلهما مرة أخرى بعد الفراغ من غسل الفرج، وإنَّما اكتفى بغسل اليسرى التي لامست الفرج لإزالة ما علق بها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧٠):
«وَثَالِثُهَا: أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَأَوْكَدَ؛ لِأَنَّ هُنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُمَا بِذَلِكَ» اهـ.
[ ١ / ٥٣٤ ]
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٦٣):
«وَفِيهِ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْفَرْجِ لِمَنْ يُرِيدُ الِاغْتِرَافَ لِئَلَّا يُدْخِلَهُمَا فِي الْمَاءِ وَفِيهِمَا مَا لَعَلَّهُ يُسْتَقْذَرُ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِبْرِيقٍ مَثَلًا فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ غَسْلِ الْفَرْجِ لِتَوَالِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ» اهـ.
قلت: الأولى موافقة ظاهر السنة، والنبي ﷺ صب الماء على يديه وغسلهما ثم صب الماء وغسل فرجه ولم يدخل يده في الإناء، ومع هذا فراعى تقديم غسل اليدين على غسل الفرج، وهذا يبطل ما ذكره الحافظ ﵀.
٢ - استحباب غسل الفرج قبل الشروع في غسل الجنابة. وقد احتج بذلك من ذهب إلى نجاسة المني، ورطوبة فرج المرأة، - فأمَّا رطوبة الفرج فهو ماء أبيض متردد بين المذي والعرق -، ولا حجة فيه على نجاستهما وذلك لأنَّ الغسل المجرد عن الأمر لا يدل على النجاسة.
وسيأتي بمشيئة الكلام على المني، وأمَّا رطوبة فرج المرأة، فاحتج القائلون بنجاسته بما رواه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي».
وما رواه البخاري (١٧٩، ٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧) عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان:
[ ١ / ٥٣٥ ]
«"يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ" قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٥٧١): «وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ بِلَا غُسْلٍ مَنْسُوخَانِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَأَمَّا الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْهَا فَثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ بنجاسة رطوبة الفرج والقائل الآخر يحمله عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَكِنْ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وكلامه قبل هذا يدل على أنَّه يختار الطهارة فقد قال ﵀ (٢/ ٥٧٠): «رُطُوبَةُ الْفَرْجِ مَاءٌ أَبْيَضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْعَرَقِ فَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِيهَا ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ رَجَّحَ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ النَّجَاسَةَ وَرَجَّحَهُ أَيْضًا الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْأَصَحُّ الطَّهَارَةُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ وَحُكِيَ التَّنْجِيسُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْآخَرُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْأَصَحُّ طهارتها» اهـ.
وهكذا قال في [شرح مسلم] (٣/ ١٩٨):
«وَالْأَظْهَرُ طَهَارَتُهَا» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤): «فصل: وفي رطوبة فرج المرأة احتمالان أحدهما: أنَّه نجس لأنَّه في الفرج لا يخلق منه الولد أشبه المذي.
[ ١ / ٥٣٦ ]
والثاني: طهارته لأنَّ عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ هو من جماع فإنَّه ما احتلم نبي قط وهو يلاقي رطوبة الفرج ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها لأنَّه يخرج من فرجها فيتنجس برطوبته.
وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس لأنَّه لا يسلم من المذي وهو نجس ولا يصح التعليل فإنَّ الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي كحال الاحتلام» اهـ.
قلت: القول بطهارة رطوبة فرج المرأة هو الأقوى، وذلك أنَّ الأحاديث التي استدل بها المنجسون ليست صريحة في مسألة الرطوبة، وذلك أنَّ الأمر بالغسل باعتبار ما يصيبه الذكر من مذيها وهو نجس يجب غسل الذكر منه.
وفي الأحاديث أحتمال آخر وهو أن تحمل تلك الأحاديث على الاستحباب دون الوجوب.
ومما يدل على طهارة هذه الرطوبات أنَّها ملازمة للفرج غالبًا، وقد علل الله تعالى حرمة إتيان المرأة في حال حيضها بأنَّه أذى، وأخذ من ذلك العلماء حرمة الوطء في الدبر لأنَّه موضع الأذى فإذا كانت الرطوبة نجسة لما جاز وطؤها في ذلك الموضع لوجود الأذى، وإذا كان أذى الحيض العارض يمنع من الوطء فمن باب أولى الأذى المستمر. والله أعلم.
وقال المنجسون: حديث عائشة في حك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيه احتمالان:
[ ١ / ٥٣٧ ]
الأول: أنَّ ذلك المني كان من احتلام وليس من جماع، والقول بأنَّ الاحتلام ممتنع عن النبي ﷺ لأنَّه من تلاعب الشيطان يحتاج إلى دليل، ولا يلزم أن يكون جميع الاحتلام من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه ما هو فيض زيادة المني يخرج في وقت من الأوقات.
والآخر: أنَّه مني ملاعبة وليس مني جماع.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ٤٦٧): «وأجاب القائلون بنجاسة رطوبة فرج المرأة بجوابين أحداهما: جواب بعضهم أنَّه يمتنع استحالة الاحتلام منه ﷺ وكونها من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه جائز ﷺ، وليس هو من تلاعب الشيطان، بل هو فيض زيادة المني يخرج في وقت.
والثاني: أنَّه يجوز أن يكون ذلك المني حصل بمقدمات جماع فسقط منه شيء على الثوب، وأمَّا المتلطخ بالرطوبة فلم يكن على الثوب. والله أعلم» اهـ.
أقول: حمل المني على مني الاحتلام أو الملاعبة من حمل الحديث على أندر معانيه، والأصل حمل الحديث على الأمر الغالب دون النادر، والغالب هو مني الجماع.
وقد فصَّل بعض الشافعية في رطوبة الفرج فقال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٣٠١):
«وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ ثَلَاثُ أَقْسَامٍ طَاهِرَةٌ قَطْعًا وَهِيَ مَا تَكُونُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْغُسْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، وَنَجِسَةٌ
[ ١ / ٥٣٨ ]
قَطْعًا وَهِيَ مَا وَرَاءَ ذَكَرِ الْمُجَامِعِ، وَطَاهِرَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَهِيَ مَا يَصِلُهُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ» اهـ.
قلت: ومذهب الحنفية طهارة رطوبة فرج المرأة، ومذهب المالكية نجاستها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ١١٢):
«وَأَمَّا الرُّطُوبَةُ الَّتِي فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَطَاهِرٌ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ» اهـ.
قلت: هذا ما يتعلق بطهارة رطوبة فرج المرأة، لكن بقى ما يتعلق بنقضها للوضوء وعدمه.
فأقول: أمَّا بالنسبة لمذهب الإمام مالك فلا أعلم له ولا لأصحابه كلامًا حول رطوبة الفرج هل ينتقض بها الوضوء أو لا، لكنه ﵀ لا يرى النقض بالأمور النادرة الغير معتادة، فقد يقال: إنَّ الرطوبة من الأمور المعتادة لدى النساء فيحصل بذلك النقض عنده، والله أعلم.
وأمَّا علماء الشافعية فقد عدها بعضهم من النواقض فقال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ١٣٠):
«أَوْ خَرَجَتْ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ يَقِينًا وَإِلَّا فَلَا» اهـ.
وأمَّا علماء الحنابلة فلا أعلم لهم كلامًا في رطوبة فرج المرأة هل هي ناقضة أو لا لكن لازم مذهبهم النقض لأنَّهم يرون النقض بكل خارج من السبيلين سواء كان نجسًا أو طاهرًا.
[ ١ / ٥٣٩ ]
وهكذا علماء الحنفية فلم أجد لهم كلامًا في ذلك، والأظهر أنَّهم لا يرون الرطوبة ناقضة للوضوء لأنَّها طاهرة عندهم والناقض عندهم لا يخلو من نجاسة حتى الريح فإنَّها تحمل أجزاءً من النجاسة.
وشبيه بهذه المسألة القصة البيضاء.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٣٠٢):
«ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِ "الْعُبَابِ": نَعَمْ إنْ انْفَصَلَتْ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا فَنَجِسَةٌ مَا نَصُّهُ بِأَنْ خَرَجَتْ مِنْ جَوْفِهَا وَلَوْ إلَى دَاخِلِهِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ كَغَيْرِهِ فَالِانْفِصَالُ لَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ الرُّطُوبَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الْجَوْفِ طَاهِرَةٌ وَإِنْ انْفَصَلَتْ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي طَهَارَةِ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ عَقِبَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ خُرُوجُهَا مِنْ بَاطِنِ الْفَرْجِ أَوْ أَنَّهَا نَحْوُ دَمٍ مُتَجَمِّدٍ فَنَجِسَةٌ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ اهـ» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي في جميع ما سبق الطهارة، وحصول النقض بخروجها هو الأحوط والأقوى لخروجه من أحد السبيلين كسائر الأحداث. والله أعلم.
وذهب أبو محمد بن حزم ﵀ إلى عدم النقض بالقصة البيضاء فقال في [المحلى] (١/ ٢٤٠):
«وَيُقَالُ لِلشَّافِعِيَّيْنِ وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا: قَدْ وَجَدْنَا الْخَارِجَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مُخْتَلِفَ الْحُكْمِ، فَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَدَمِ النِّفَاسِ، وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ وَالْمَذْيِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُوجِبُ شَيْئًا كَالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ فَأَوْجَبْتُمْ فِيهِ الْوُضُوءَ قِيَاسًا عَلَى مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
[ ١ / ٥٤٠ ]
مِنْ ذَلِكَ، دُونَ أَنْ تُوجِبُوا فِيهِ الْغُسْلَ قِيَاسًا عَلَى مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ دُونَ أَنْ لَا تُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا قِيَاسًا عَلَى مَا لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا التَّحَكُّمُ بِالْهَوَى الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُكْمَ بِهِ وَبِالظَّنِّ الَّذِي أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَمَعَ فَسَادِ الْقِيَاسِ وَمُعَارَضَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا» اهـ.
قلت: وأمَّا الكدرة والصفرة فهما نجسان لأنَّ الطهر من الحيض لا يكون إلَّا بعد زوالهما، ولأنَّهما إذا اتصلا بالحيض كانا من جملة الحيض، ويبعد أن يقال بطهارتهما إلَّا عند اتصالهما بالحيض فيحكم بنجاستهما وهما هما من قبل ومن بعد.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [مغني المحتاج] (١/ ٢٣٢):
«وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ لَيْسَتَا بِدَمٍ وَهُمَا نَجِسَانِ» اهـ.
قلت: والأظهر نقض الوضوء بهما وذهب أبو محمد بن حزم ﵀ إلى عدم النقض بهما فقال في [المحلى] (١/ ٢٤٣):
«وَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ وَالدَّمُ الْأَحْمَرُ فَسَيُذْكَرُ فِي الْكَلَامِ فِي الْحَيْضِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - حُكْمُهُ وَإِنَّهُ لَيْسَ - حَيْضًا وَلَا عِرْقًا، فَإِذًا لَيْسَ حَيْضًا وَلَا عِرْقًا فَلَا وُضُوءَ فِيهِ. إذْ لَمْ يُوجِبْ فِي ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ» اهـ.
قلت: ومذهب اللجنة الدائمة نجاسة جميع الإفرازات الخارجة من رحم المرأة وعدها من نواقض الوضوء.
وذهب العلامة ابن عثيمين ﵀ في آخر أقواله إلى طهارتها وعدم نقض الوضوء بها إلَّا ما دل الدليل على النقض به.
[ ١ / ٥٤١ ]
٣ - أنَّ غسل الفرج يكون باليد اليسرى، وصب الماء باليد اليمنى، وهذا مأخوذ من رواية البخاري وأبي داود التي سبق ذكرهما.
٤ - تطهير اليد بعد غسل الفرج بالأرض أو على الحائط، ويقوم مقام ذلك تطهيرها بالصابون ونحوه من المطهرات.
ويستحب بعد دلكها أن تغسل بالماء لما رواه البخاري (٢٦٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الْحَائِطَ ثُمَّ غَسَلَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧٠):
«وَرَابِعُهَا: أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بَعْدَهُ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ؛ لِئَلَّا تُمَاعَ بِالْمَاءِ، وَلِئَلَّا يَتَوَقَّفَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ عَلَى زَوَالِهَا فِي الْمَشْهُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ غَسْلَ الْفَرْجِ، فَإِنْ مَسَّ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ أَخَلَّ بِسُنَّةِ الدَّلْكِ، وَرُبَّمَا لَا يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَغَابِنِهِ إِلَّا بِالدَّلْكِ، وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَّ ذَكَرَهُ» اهـ.
قلت: وإذا غسل يده بالماء والصابون بدل دلكها فلا حاجة إلى غسلها بعد ذلك بالماء. والله أعلم.
٥ - المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، وحكمهما الوجوب كما في الوضوء.
[ ١ / ٥٤٢ ]
وقد جاء الأمر بهما في الوضوء، وإذا كان حكمهما الوجوب فيه ففي الغسل من باب أولى، وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة.
٦ - أنَّ الرأس في وضوء الجنابة لا يمسح، وإنَّما يغسل لأنَّ الوضوء من جملة الغسل، وليس في الغسل مسح.
٧ - تأخير غسل القدمين إلى آخر الغسل، وقد احتج بذلك من لم ير وجوب المولاة في الوضوء، ولا حجة فيه لأنَّ الوضوء في هذا الموضع ليس بوضوء حدث بل هو من جملة الغسل.
قلت: وإذا اغتسل الإنسان في مكان لا تجتمع فيه الغسالة تحت قدميه كالحمامات المبلطة هل يؤخر غسل قدميه أم يقدهما محل احتمال والأخذ بظاهر السنة أحسن.
قال العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٢٩ - ٣٠):
«ثمَّ إِنَّمَا يُؤَخر غسل الْقَدَمَيْنِ إِذا اغْتسل فِي مَوْضُوع تَجْتَمِع فِيهِ الغسالة تَحت
الْقَدَمَيْنِ فَأَما إِذا لم تَجْتَمِع بِأَنْ اغْتسل على حجر وَنَحْوه فَلَا يُؤَخر لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي تَأْخِيره» اهـ.
قلت: الأصل البقاء على ظاهر الحديث لا سيما وقد ذكر بعض العلماء حكمة أخرى لتأخير غسل القدمين.
قال العلامة القرطبي ﵀ في [المفهم] (٤/ ٥٣):
«استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل رجليه على ظاهر هذه الأحاديث، وذلك ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء» اهـ.
[ ١ / ٥٤٣ ]
٨ - وقولها: «فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ» احتج بها من كره التنشيف، ولا حجة فيه على ذلك لأننا لا ندري ما هو السبب في رد النبي ﷺ له هل لكراهته له أم لعدم الحاجة إليه.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٢٢): «فيه استحباب ترك تنشيف الأعضاء وقد اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء
والغسل على خمسة أوجه أشهرها: أنَّ المستحب تركه ولا يقال فعله مكروه. والثاني: أنَّه مكروه. والثالث: أنَّه مباح يستوي فعله وتركه وهذا هو الذي نختاره فإنَّ المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر.
والرابع: أنَّه مستحب لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ. والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء هذا ما ذكره أصحابنا.
وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب أحدها: أنَّه لا بأس به في الوضوء والغسل وهو قول أنس بن مالك والثوري. والثاني: مكروه فيهما وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى.
والثالث: يكره في الوضوء دون الغسل وهو قول ابن عباس ﵄. وقد جاء في ترك التنشيف هذا الحديث والحديث الآخر في الصحيح أنَّه ﷺ "اغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء" وأمَّا فعل التنشيف فقد رواه جماعة من الصحابة ﵃ من أوجه لكن أسانيدها ضعيفة.
قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء.
[ ١ / ٥٤٤ ]
وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث: "وجعل يقول بالماء هكذا يعني ينفضه" قال: فإذا كان النفض مباحًا كان التنشيف مثله أو أولى لاشتراكهما في إزالة الماء والله أعلم» اهـ.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح عمدة الأحكام] ص (٧٠):
«أخذ من رده ﷺ الخرقة: أنَّه لا يستحب تنشيف الأعضاء من ماء الطهارة واختلفوا هل يكره؟ والذين أجازوا التنشيف استدلوا بكونه ﷺ جعل ينفض الماء فلو كره التنشيف لكره النفض فإنَّه إزالة. وأمَّا رد المنديل: فواقعه حال يتطرق إليها الاحتمال فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشيف بل لأمر يتعلق بالخرقة أو غير ذلك والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥):
«واستدل بعضهم، برد النبي ﷺ الثوب على ميمونة، على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيهِ على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحبًا، ولا أنَّ فعله هوَ أولى، لا دلالة للحديث على أكثر من ذَلِكَ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره من العلماء.
وأكثر العلماء على أن التنشيف من الغسل والوضوء غير مكروه.
وقد روي فعله عن جماعة من الصحابة، منهم: عمر وعثمان وعلي ﵃، وعن خلق من التابعين، وهو قول الشعبي والثوري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق وغيرهم.
وهو المشهور عندَ الشافعية، وليس للشافعي في المسألة نص.
[ ١ / ٥٤٥ ]
وكرهه طائفة من التابعين، وهو قول الحسن بن صالح وابن مهدي، ورواية عن أحمد، وأنكرها الخلال ولم يثبتها.
وكرهه ابن عباس، في الوضوء دون الغسل.
عمدة من كرهه: أنَّه أثر عبادة على البدن، فكره إزالته، كخلوف فم الصائم.
والخلوف، مختلف فيهِ - أيضًا.
وكان مكحول يتنشف بطرف ثوبه، ويرد المنديل، ويقول: إنَّ فضل الوضوء بركة، فأريد أن يكون ذَلِكَ في ثيابي.
خرجه حرب الكرماني» اهـ.
قلت: وجاء في التنشيف ما رواه ابن ماجه (٤٦٨) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ السِّمْطِ، حَدَّثَنَا الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ».
قلت: الوضين حوله كلام، وفي سماع محفوظ من سلمان نظر.
وروى الترمذي (٥٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ».
قال أبو عيسى: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الأَفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي التَّمَنْدُلِ بَعْدَ الوُضُوءِ.
وَمَنْ كَرِهَهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ وَرُوِيَ ذَلِكَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيِّ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنِّي، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ، عَنْ ثَعْلَبَة، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ الْمِنْدِيلُ بَعْدَ الوُضُوءِ لأَنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ» اهـ.
قلت: وهذان الحديثان يقوي بعضهما بعضًا.
وروى أحمد (١٥٥١٤) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «زَارَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَنْزِلِنَا، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ". قَالَ: فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، قَالَ قَيْسٌ: فَقُلْتُ: أَلَا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: ذَرْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ". فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ، وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ، قَالَ: فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ، أَوْ قَالَ: نَاوَلُوهُ - مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ، وَوَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا، ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ، وَرَحْمَتَكَ عَلَى
[ ١ / ٥٤٧ ]
آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ". قَالَ: ثُمَّ أَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا أَرَادَ الاِنْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا قَيْسُ، اصْحَبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ قَيْسٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ارْكَبْ". فَأَبَيْتُ، ثُمَّ قَالَ: "إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ". قَالَ: فَانْصَرَفْتُ».
ورواه أبو داود (٥١٨٧)، والنسائي في [الكبرى] (١٠١٥٧) من طريق الوليد به.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَابْنُ سَمَاعَةَ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ مُرْسَلًا وَلَمْ يَذْكُرَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ» اهـ.
قلت: ابن سماعة هو إسماعيل بن عبد الله بن سماعة القرشي العدوي.
وهذا الحديث كما ترى مختلف في وصله وإرساله.
ورواه أحمد (٢٣٨٩٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ، فَوَضَعْنَا لَهُ غِسْلًا فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ، فَاشْتَمَلَ بِهَا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِحِمَارٍ لِيَرْكَبَ، فَقَالَ: "صَاحِبُ الْحِمَارِ أَحَقُّ بِصَدْرِ حِمَارِهِ". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْحِمَارُ لَكَ».
ورواه ابن ماجه (٤٦٦) من طريق وكيع به.
قلت: ابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، وهو ضعيف الحديث، ومحمد بن شرحبيل مجهول.
[ ١ / ٥٤٨ ]
٩ - يدل الحديث على جواز نفض الماء بعد غسل الجنابة، ومثله في ذلك الوضوء.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٢٣): «فيه دليل على أنَّ نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به وقد اختلف أصحابنا فيه على أوجه أشهرها: أنَّ المستحب تركه ولا يقال أنَّه مكروه. والثاني: أنَّه مكروه. والثالث: أنَّه مباح يستوي فعله وتركه. وهذا هو الأظهر المختار فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة ولم يثبت في النهي شيء أصلًا والله أعلم» اهـ.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح عمدة الأحكام] ص (٧٠):
«ذكر بعض الفقهاء في صفة الوضوء: أن لا ينفض أعضاءه وهذا الحديث دليل على جواز نفض الماء عن الأعضاء في الغسل والوضوء مثله، وما استدل به على كراهة النفض - وهو ما ورد: "لا تنفضوا أيديكم فإنَّها مراوح الشيطان" حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح والله أعلم» اهـ.
١٠ - وفيه حجة لمن قال: إنَّ مس الفرج لا يؤثر في غسل الجنابة، ولا يلزم من مس فرجه أن يعيد الوضوء.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«ونص أحمد في إعادة غسل اليدين ثلاثًا بعد الاستنجاء إنَّما هوَ في الوضوء من غير الجنابة، فإنَّ الوضوء من الحدث الأصغر ينتقض بمس الفرج، فلذلك لا […] فيهِ على غسل اليدين قبله، وأمَّا غسل الجنابة، فإذا غسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل فرجه لم يحتج إلى إعادة غسل يديه بعده؛ لأنَّ مس الفرج لا يؤثر في غسل الجنابة،
[ ١ / ٥٤٩ ]
فإنَّه من حين نوى وسمى وغسل كفيه ثلاثًا قد بدأ غسل الجنابة، ولذلك لا يحتاج إلى إعادة غسل فرجه عندَ غسل جسده، بل يكتفى بغسله أولًا» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧٠):
«وَرَابِعُهَا: أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بَعْدَهُ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ؛ لِئَلَّا تُمَاعَ بِالْمَاءِ، وَلِئَلَّا يَتَوَقَّفَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ عَلَى زَوَالِهَا فِي الْمَشْهُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ غَسْلَ الْفَرْجِ، فَإِنْ مَسَّ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ أَخَلَّ بِسُنَّةِ الدَّلْكِ، وَرُبَّمَا لَا يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَغَابِنِهِ إِلَّا بِالدَّلْكِ، وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَّ ذَكَرَهُ» اهـ.
وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٩٥):
«وَقَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ بَدَأَ بِغَسْلِ فَرْجِهِ قَبْلَ وُضُوئِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ بَعْدَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ مِنْهَا وَلِأَنَّ فِي غَسْلِ الْفَرْجِ مِنْ الذَّكَرِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ بَعْدَ الْوُضُوءِ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمِمَّا يَجِبُ التَّوَقِّي مِنْهُ عِنْدَ سَائِرِهِمْ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِك» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ مس الفرج في أول غسل الجنابة لا يوجب الوضوء، لكن إن مسه بعد ذلك فيستحب أو يجب عليه الوضوء على النزاع في ذلك.
ومن أحدث في أثناء غسله لا يلزمه إعادة الغسل، ويكفيه أن يتوضأ لرفع الحدث الأصغر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٧٧):
[ ١ / ٥٥٠ ]
«وقد روي عن ابن سيرين، في الجنب يحدث بين ظهراني غسله من الجنابة.
قالَ: الغسل من الجنابة، والوضوء من الحدث.
وعن الحسن، في الجنب يغسل بعض جسده، ثم يبول؟ قالَ: يغسل ما بقي من جسده.
خرجه الخلال في "الجامع" من طريق حنبل.
قالَ حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: يبدأ فيتوضأ وضوءه للصلاة ثم يغتسل؛ لأنَّ الغسل ياتي على طهارة الوضوء، وهذا حدث يوجب الوضوء.
وظاهر كلام أحمد وابن سيرين: أنَّه يعيد الوضوء والغسل؛ لياتي بسنة الغسل بكاملها، وتقديم الوضوء على الغسل، وليس ذَلِكَ على الوجوب.
وروي - أيضًا - عن ابن عمر، بإسناد فيهِ ضعف، أنَّه يعيد الغسل.
خرجه ابن أبي شيبة» اهـ.
١١ - وفي الحديث خدمة المرأة لزوجها.
وقد اختلف العلماء في خدمة المرأة لزوجها في بيتها كالطبخ والغسل، والعجن والخبز والكنس ونحوها فالجمهور على استحباب ذلك وعدم وجوبه، وهو مذهب الظاهرية.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٩/ ٢٢٧ - ٢٢٨):
«مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي شَيْءٍ أَصْلًا، لَا فِي عَجْنٍ، وَلَا طَبْخٍ، وَلَا فَرْشٍ، وَلَا كَنْسٍ، وَلَا غَزْلٍ، وَلَا نَسْجٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ أَصْلًا - وَلَوْ أَنَّهَا فَعَلَتْ
[ ١ / ٥٥١ ]
لَكَانَ أَفْضَلَ لَهَا وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِكِسْوَتِهَا مَخِيطَةً تَامَّةً، وَبِالطَّعَامِ مَطْبُوخًا تَامًّا وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُحْسِنَ عِشْرَتَهُ، وَلَا تَصُومَ تَطَوُّعًا وَهُوَ حَاضِرٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُدْخِلُ
بَيْتَهُ مَنْ يَكْرَهُ، وَأَنْ لَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا مَتَى أَرَادَ، وَأَنْ تَحْفَظَ مَا جَعَلَ عِنْدَهَا مِنْ مَالِهِ» اهـ.
قلت: وذهب أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وأبو ثور وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم ﵏ إلى وجوب ذلك عليها، وهذا هو الصحيح، لقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فأثبت الله حقًا عليهنَّ بالمعروف، والقيام في أمور البيت من المعروف الذي جرت به العادة.
وقال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
وإذا كان أمر البيت من الطبخ والخبز والطحن والكنس والغسل على الرجل دون المرأة فإنَّ القوامة لها دونه.
ومما يدل على أنَّ المرأة يجب عليها الخدمة في البيت أنَّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ اشتكت إلى رسول الله ﷺ ما تجده من المشقة في ذلك وطلبت منه خادمًا فلم يجب طلبها، ولو لم تكن الخدمة واجبة عليها لبيَّن لها أنَّ ذلك من الواجبات على زوجها دونها ولأزم عليًا بذلك.
[ ١ / ٥٥٢ ]
فروى البخاري (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧) عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ «أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْىٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لأَقُومَ فَقَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمَا" فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي. وَقَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ"».
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٥/ ١٧٠ - ١٧١):
«فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَأَوْجَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ خِدْمَتَهَا لَهُ فِي مَصَالِحِ الْبَيْتِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ وُجُوبَ خِدْمَتِهِ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مالك وَالشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، قَالُوا: لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ إِنَّمَا اقْتَضَى الِاسْتِمْتَاعَ لَا الِاسْتِخْدَامَ وَبَذْلَ الْمَنَافِعِ، قَالُوا: وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى التَّطَوُّعِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَأَيْنَ الْوُجُوبُ مِنْهَا؟.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْخِدْمَةَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ مَنْ خَاطَبَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِكَلَامِهِ، وَأَمَّا تَرْفِيهُ الْمَرْأَةِ وَخِدْمَةُ الزَّوْجِ وَكَنْسُهُ وَطَحْنُهُ وَعَجْنُهُ وَغَسِيلُهُ وَفَرْشُهُ وَقِيَامُهُ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ فَمِنَ الْمُنْكَرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ
[ ١ / ٥٥٣ ]
بِالْمَعْرُوفِ (٢٢٨)﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨]، وَقَالَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (٣٤)﴾ [النِّسَاءِ: ٣٤] وَإِذَا لَمْ تَخْدِمْهُ الْمَرْأَةُ، بَلْ يَكُونُ هُوَ الْخَادِمَ لَهَا، فَهِيَ الْقَوَّامَةُ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ، وَكُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَقْضِي وَطَرَهُ مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَفَقَتَهَا وَكُسْوَتَهَا وَمَسْكَنَهَا فِي مُقَابَلَةِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَخِدْمَتِهَا، وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْأَزْوَاجِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُقُودَ الْمُطْلَقَةَ إِنَّمَا تَنْزِلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ وَقِيَامُهَا بِمَصَالِحِ الْبَيْتِ الدَّاخِلَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ خِدْمَةَ فاطمة وأسماء كَانَتْ تَبَرُّعًا وَإِحْسَانًا يَرُدُّهُ أَنَّ فاطمة كَانَتْ تَشْتَكِي مَا تَلْقَى مِنَ الْخِدْمَةِ، فَلَمْ يَقُلْ لعلي: لَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَيْكَ وَهُوَ ﷺ لَا يُحَابِي فِي الْحُكْمِ أَحَدًا، وَلَمَّا رَأَى أسماء وَالْعَلَفَ عَلَى رَأْسِهَا، والزبير مَعَهُ لَمْ يَقُلْ: لَهُ لَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ هَذَا ظُلْمٌ لَهَا، بَلْ أَقَرَّهُ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا، وَأَقَرَّ سَائِرَ أَصْحَابِهِ عَلَى اسْتِخْدَامِ أَزْوَاجِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ مِنْهُنَّ الْكَارِهَةَ وَالرَّاضِيَةَ هَذَا أَمْرٌ لَا رَيْبَ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ شَرِيفَةٍ وَدَنِيئَةٍ وَفَقِيرَةٍ وَغَنِيَّةٍ فَهَذِهِ أَشْرَفُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، كَانَتْ تَخْدِمُ زَوْجَهَا وَجَاءَتْهُ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ الْخِدْمَةَ، فَلَمْ يُشْكِهَا، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْأَةَ عَانِيَةً، فَقَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ".
وَالْعَانِي: الْأَسِيرُ، وَمَرْتَبَةُ الْأَسِيرِ خِدْمَةُ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ النِّكَاحِ نَوْعٌ مِنَ الرِّقِّ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُنْصِفِ الرَّاجِحُ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ وَالْأَقْوَى مِنَ الدَّلِيلَيْنِ» اهـ.
[ ١ / ٥٥٤ ]
قلت: وهذا كلام نفيس لا مزيد عليه.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩٥):
«فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا، مِنْ الْعَجْنِ، وَالْخَبْزِ، وَالطَّبْخِ وَأَشْبَاهِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ» اهـ.
١٢ - وفي الحديث استحباب التنحي إلى موضع آخر من أجل غسل القدمين، وذلك حتى لا يرجع القذر الذي وقع في الأرض إلى القدمين عند صب الماء عليهما. والله أعلم.
وبناء على هذا فإنَّ الحمامات المبلطة في هذه الأزمان لا يبقى القذر ولا النجس في موضع الاغتسال فلا بأس بغسل القدم في نفس الموضع. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٥٥٥ ]
فصل في بيان صفة الغسل الكامل.
أقول:
الصفة الكاملة في الغسل هي ما اشتملت على إحدى عشرة خصلة وهي كالتالي:
الخصلة الأولى: النية.
الخصلة الثانية: التسمية.
الخصلة الثالثة: غسل الكفين ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء.
الخصلة الرابعة: غسل الفرج باليد اليسرى.
ومما ينبه له أنَّ الغسل يشمل القبل والدبر فإنَّ حلقة الدبر وما بين الإليتين مما يجب غسله لأنَّ ذلك في حكم الظاهر.
الخصلة الخامسة: دلك اليد في الأرض، أو على الحائط، ويقوم مقام ذلك غسلهما بالصابون.
وبعد دلك يده يقوم بغسلها.
الخصلة السادسة: البداءة بغسل أعضاء الوضوء مع المضمضة والاستنشاق.
الخصلة السابعة: تخليل شعر الرأس بالماء حتى يظن أنَّه قد أروى بشرته.
وهكذا يجب غسل الأذنين دون مسحهما لكن يغسل ما كان في حكم الظاهر ولا يدخل الماء إلى داخل أذنه.
الخصلة الثامنة: إفاضة الماء على الرأس ثلاث مرات يبدأ بالشق الأيمن، ثم الأيسر، ثم وسط الرأس.
[ ١ / ٥٥٦ ]
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٥٨)، ومسلم (٧٢٣) واللفظ له عن عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ».
الخصلة التاسعة: إفاضة الماء على سائر الجسد مرة واحدة يبدأ بالشق الأيمن، ثم الأيسر، لأنَّ النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في كل شيء.
الخصلة: العاشرة: التنحي عن مكان الاغتسال وغسل القدمين بعد الانتهاء من الغسل.
الخصلة الحادية عشر: أن يدلك بدنه بيده عند الغسل.
وأمَّا الصفة المجزئة في غسل الجنابة فهي أن يفيض الماء على جميع بدنه مع المضمضة والاستنشاق.
* * *
[ ١ / ٥٥٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ"».
قلت: الحديث يدل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم، وهو قول أكثر العلماء، وخالف في ذلك الظاهرية والإمام مالك في أحد قوليه فذهبوا إلى الوجوب. حكاه عنه الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (٧١) حيث قال ﵀: «وضوء الجنب قبل النوم: مأمور به والشافعي حمله على الاستحباب وفي مذهب مالك قولان أحدهما: الوجوب» اهـ.
وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٤٣٤): «واختلف العلماء في نوم الجنب، فقالت طائفة: بظاهر خبر رسول الله ﷺ، أنَّه توضأ وضوءه للصلاة، وكذلك ينام، روى هذا عن علي، وابن عباس، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، ومن التابعين: النخعي، وطاووس، والحسن، وبه قال: مالك، والليث، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، كلهم يستحبون الوضوء، ويأمرون به.
وشذ أهل الظاهر، فأوجبوا عليه الوضوء فرضًا، وهذا قول مهجور لم يتابعهم عليه أحد، فلا معنى له، وروى عن سعيد بن المسيب أنَّه قال: إن شاء أن ينام قبل أن يتوضأ، وإليه ذهب أبو يوسف، فقال: لا بأس أن ينام الجنب قبل أن يتوضأ، لأنَّ الوضوء لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة، ومن حجته ما رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "كان رسول
[ ١ / ٥٥٨ ]
الله ﷺ يجنب ثم ينام ولا يمس ماء، حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل"
قال الطحاوي: هذا الحديث غلط، اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ فيه، وذلك ما حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت: حدثني ما حدثتك عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ قال: قالت: كان ينام أول الليل، ويحيى آخره، ثم إن كانت له حاجة، قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول، أفاض عليه الماء، وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة، فهذا الأسود بن يزيد قد بان في حديثه أنه كان إذا أراد أن ينام، وهو جنب، توضأ للصلاة، وبان أنَّ قولها: ثم ينام قبل أن يمس ماء، يعنى الغسل لا الوضوء، والدليل على صحة ذلك ما رواه البخاري عن عمر، وعائشة، وعلى هذا التأويل لا تتضاد الأخبار» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٠ - ٦١):
«ورخص آخرون في نوم الجنب مِنْ غير وضوء، مِنهُم: سعيد بن المسيب، وربيعة، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، والحسن بنِ حي، ووكيع.
وروى أبو حنيفة، عَنْ حماد، عَنْ إبراهيم، قال: كانوا ينامون وهم جنب- يعني: قبل الوضوء.
[ ١ / ٥٥٩ ]
وقد ورد حديث يدل على الرخصة، مِنْ رواية أبي إسحاق، عَنْ الأسود، عَنْ عائشة، قالت: "كانَ النبي ﷺ ينام وَهوَ جنب، ولا يمس ماء".
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي.
وقال: قَدْ روى غير واحد عَنْ الأسود، عَنْ عائشة، أنَّ النبي ﷺ: "كانَ يتوضأ قبل أن ينام -يعني: جنبًا".
قالَ: وهذا أصح مِنْ حديث أبي إسحاق، عَنْ الأسود.
قالَ: ويرون أن هَذا غلط مِنْ أبي إسحاق.
وقد تقدم حديث الحكم، عَنْ إبراهيم، عَنْ الأسود، عَنْ عائشة بخلاف هَذا.
خرجه مسلم.
وكذلك رواه حجاج بنِ أرطاة، عَنْ عبد الرحمن بنِ الأسود، عَنْ أبيه عَنْ عائشة.
خرج حديثه الإمام أحمد، ولفظه: "كانَ النبي ﷺ يجنب مِنْ الليل، ثُمَّ يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح، ولا يمس ماء".
وخرجه بقي بنِ مخلد مِنْ طريق أبي إسحاق، عَنْ عبد الرحمن بنِ الأسود، عَنْ أبيه، قالَ: سألت عائشة: كيف كانَ رسول الله ﷺ يصنع إذا أراد أن ينام وهو جنب؟ قالت: "يتوضأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ ينام".
وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث مِنْ السلف على إنكاره على أبي إسحاق، مِنهُم: إسماعيل بنِ أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بنِ حنبل، وأبو
[ ١ / ٥٦٠ ]
بكر بنِ أبي شيبة، ومسلم بنِ حجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزاني، والترمذي، وحكى ابن عبد البر عَنْ سفيان الثوري، أنَّهُ قالَ: هوَ خطأ.
وعزاه إلى "كِتابِ أبي داود"، والموجود في كتابه هَذا الكلام عَنْ يزيد بن هارون، لا عَنْ سفيان.
وقال أحمد بنِ صالح المصري الحافظ: لا يحل أن يروي هَذا الحديث.
يعني: أنَّهُ خطأ مقطوع بهِ، فلا تحل روايته مِنْ دونَ بيان علته.
وأمَّا الفقهاء المتأخرون، فكثير مِنهُم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء يظنون أنَّ كل حديث رواة ثقة فَهوَ صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث.
ووافقهم طائفة مِنْ المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي، والدارقطني» اهـ.
قلت: ويستحب غسل الفرج أيضًا لما رواه البخاري (٢٨٩)، ومسلم (٣٠٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ».
وما رواه البخاري (٢٨٨) عن عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ».
[ ١ / ٥٦١ ]
قلت: وقد جاء في وضوء الجنب إذا أراد أن يأكل ما رواه مسلم (٣٠٥) عَنْ عائشة، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ».
لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٦):
«قال الإمام أحمد: قال يحيى بن سعيد: رجع شعبة عن قوله: "يأكل"، قال أحمد: وذلك لأنَّه ليس أحد يقوله غيره، إنَّما هو في النوم. انتهى» اهـ.
وروى أبو داود (٢٢٥)، والترمذي (٦١٣) من طريق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ».
قلت: هذا إسناد منقطع بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر.
قال أبو داود: «بَيْنَ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ» اهـ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٦): «وإسناده منقطع؛ فإنَّ يحيى بن يعمر لَم يسمع من عمار بن ياسر -: قاله ابن معين، وأبو داود، والدارقطني وغيرهم» اهـ.
وروى الطبراني في [الكبير] (١٢٠١٦) حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يوسف بن خالد السمتي عن عيسى بن هلال السدوسي عن عكرمة عن ابن عباس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ».
قلت: هذا إسناد شديد الضعف فيه يوسف بن خالد السمتي كذبه الحافظ ابن معين.
[ ١ / ٥٦٢ ]
وروى ابن ماجه (٥٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ صَبِيحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْجُنُبِ، هَلْ يَنَامُ، أَوْ يَأْكُلُ، أَوْ يَشْرَبُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ"».
قلت: وإسناده ضعيف لضعف شرحبيل بن سعد، لكنه يتقوى بحديث عمار ويرتقي لمرتبة الحسن لغيره. والله أعلم.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٧): «وقد اختلف العلماء في الجنب إذا أراد الأكل:
فقالت طائفة منهم: يتوضأ، منهم: علي، وابن عمر، وابن سيرين، وأبو جعفر محمد بن علي، والنخعي، ورخص في الشرب بغير وضوء دون الأكل.
واستحباب الوضوء للأكل قول الشافعي، وأحمد في رواية، وقال مع هذا: لا يكره تركه.
وقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكره تركه.
وقالت طائفة: المستحب للجنب إذا أراد الأكل أن يغسل كفيه- ومنهم من قال: ويمضمض -، وروي هذا عن ابن المسيب، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو رواية عن أحمد، وزعم الخلال أنَّ أحمد رجع إليها أخيرًا.
وأنكرت طائفة الوضوء وغسل اليد للأكل، روي عن مالك، وقال: لا يغسل يده إلَّا أن يكون فيها قذر» اهـ.
[ ١ / ٥٦٣ ]
وأمَّا ما يتعلق بغسل اليد للجنب إذا أراد الأكل فروى أحمد (٢٥٦٣٩)، والنسائي في [الكبرى] (٩٠٤٥) من طريق صَالِح بْنِ أَبِي الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ يَدَيْهِ».
قلت: صالح بن أبي الأخضر ضعيف الحديث. وقد خالفه يونس بن يزيد الأيلي بذكر عروة.
فروى أبو داود (٢٢٣)، وابن ماجه (٥٩٣) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ يَدَيْهِ».
قال أبو داود ﵀: «وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، فَجَعَلَ قِصَّةَ الأَكْلِ قَوْلَ عَائِشَةَ مَقْصُورًا، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، أَوْ أَبِي سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي ثبوت الرفع في الحديث، وأنها من قبيل الزيادة المقبولة. والله أعلم.
[ ١ / ٥٦٤ ]
قلت: وبهذا يتبين أنَّ الجنب إذا أراد النوم فالأفضل له أن يغتسل، وله أن يكتفي بالوضوء مع غسل الفرج.
وإذا أراد الأكل أو الشرب فالأفضل له أن يتوضأ وله أن يكتفي بغسل يده، وقد صحت السنة بكل ذلك والله أعلم.
قلت: وهذا الحكم يختص بحدث الجنابة دون الحيض والنفاس لكن إن انقطع الدم عنهما فهما في حكم الجنب في ذلك، والله أعلم.
قال العلامة الشيرازي ﵀ في [المهذب] (١/ ٦٤):
«ولا يستحب ذلك للحائض لأنَّ الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لأنَّه يخففه ويزيله عن أعضاء الوضوء» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٥٦):
«وَلَا يُسْتَحَبُّ هَذَا الْوُضُوءُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا لِأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ فَلَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ وَهَذَا مَا دَامَتْ حَائِضًا فَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا فَتَصِيرُ كَالْجُنُبِ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا كَالْجُنُبِ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إنَّ الْوُضُوءَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجُنُبِ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ لَا يرتفع شئ مِنْ الْحَدَثِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّوَائِدِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [الكافي] (١/ ١١٣):
«فأمَّا الحائض فلا يستحب لها شيء من ذلك، لأنَّ الوضوء لا يؤثر في حدثها، ولا يصح منها» اهـ.
وقال في [المغني] (١/ ١٠٨):
«فَأَمَّا الْحَائِضُ إذَا تَوَضَّأَتْ فَلَا يُبَاحُ لَهَا اللُّبْثُ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا لَا يَصِحُّ» اهـ.
قلت: وهذا الوضوء للجنب لا ينتقض بنواقض الوضوء، وإنَّما ينتقض بالإيلاج أو الإنزال.
[ ١ / ٥٦٥ ]
قال العلامة السيوطي ﵀ في [تنوير الحوالك] (١/ ٥٣):
«قَالَ الْبَاجِيّ: وَلَا يبطل هَذَا الْوضُوء ببول وَلَا غَائِط قَالَه مَالك فِي الْمَجْمُوعَة وَلَا يبطل بِشَيْء إِلَّا بمعاودة الْجِمَاع فَإِنْ جَامع بعد وضوئِهِ أعَاد الْوضُوء لِأَنَّ الْجِمَاع الثَّانِي يحْتَاج من إِحْدَاث الْوضُوء مثل مَا احتاجه الأول.
قلت: وَيخرج من هَذَا لغز لطيف فَيُقَال لنا وضوء لَا يُبطلهُ الْحَدث وَإِنَّمَا يُبطلهُ الْجِمَاع وَقد نظمته فَقلت:
قل للفقيه وللمفيد … وَلكُل ذِي بَاعَ مديد
مَا قلت فِي متوضئ … قد جَاءَ بِالْأَمر السديد
لَا ينقضون وضوءه … مهما تغوط أَوْ يزِيد
ووضوؤه لم ينْتَقض … إِلَّا بإيلاج جَدِيد» اهـ.
قلت: وفائدة وضوء الجنب تخفيف الجنابة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧١):
«وَلِذَلِكَ كَانَ وُضُوءُ الْجُنُبِ مُؤَثِّرًا فِي نَوْمِهِ وَأَكْلِهِ وَجِمَاعِهِ وَجُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ» اهـ.
قلت: ولا يبيح هذا الوضوء مس المصحف ولا الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٤٥):
«وَإِذَا كَانَ الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْمَلَائِكَةُ تَشْهَدُ جِنَازَتَهُ حِينَئِذٍ عُلِمَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ الْحَاصِلَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَاكَ هُوَ الْوُضُوءُ
[ ١ / ٥٦٦ ]
الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ هُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ» اهـ.
قلت: ولا يبيح هذا الوضوء أيضًا المسح على الخفين.
فإذا إذا أدخل الشخص قدميه في خفيه وهما طاهرتان ثم أجنب فتوضأ لتخفيف الجنابة فليس له أن يمسح على قدميه بل يغسلهما، وذلك أنَّ الجنابة تزيل حكم المسح، ولأنَّ وضوء الجنب لتخفيف الجنابة يرفع حدث الجنابة عن أعضاء الوضوء ولا يرتفع حدث الجنابة عن القدم بمجرد المسح على الخفين.
قال العلامة الدردير المالكي ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير] (١/ ١٤٥):
«"وَبَطَلَ" الْمَسْحُ أَيْ حُكْمُهُ أَيْ انْتَهَى حُكْمُهُ "بِغُسْلٍ وَجَبَ" وَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ بِالْفِعْلِ فَلَا يَمْسَحُ إذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ لِلنَّوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَوْ قَالَ بِمُوجِبِ غُسْلٍ كَانَ أَظْهَرَ فِي إفَادَةِ الْمُرَادِ» اهـ.
قلت: وأجاز ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح".
وقال العلامة ابن عابدين ﵀ في [حاشيته] (١/ ٢٧١):
«"قوله خرج الناقص" أقول: وخرج أيضًا ما لو توضأ الجنب ثم تخفف ثم أحدث ثم غسل باقي بدنه لا يمسح. أمَّا على الصحيح من عدم تجزي الحدث ثبوتًا وزوالًا فظاهر. وأمَّا على مقابله فلعدم التمام، ولم أر من تعرض لهذه المسألة من أئمتنا تأمل» اهـ.
[ ١ / ٥٦٧ ]
قلت: الذي يظهر لي في المسألة التي ذكرها ابن عابدين جواز المسح على الخفين، وذلك أنَّ الطهارة حاصلة لقدميه داخل الخفين فلا معنى لخلع الخفين وإعادة لبسهما. والله أعلم.
قلت: ومن توضأ لتخفيف الجنابة فإنَّ الحدث يرتفع عن أعضاء الوضوء، ولهذا إذا اغتسل قبل ذلك فلا يلزمه أن يعيد غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٩١):
«وَهَذَا لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْحَدَثَيْنِ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَيَرْفَعُ حُكْمَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ فَيُقَارِبُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَقَطْ» اهـ. أي يقارب المسجد.
ومضى قول وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٥٦):
«وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إنَّ الْوُضُوءَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجُنُبِ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ لَا يرتفع شئ مِنْ الْحَدَثِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّوَائِدِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ» اهـ.
قلت: وهذا مبني على أنَّ الموالاة لا تجب في الغسل وهو مذهب أكثر العلماء.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٦٢):
«وَأَكْثُرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ مُبْطِلًا لَهُ، إلَّا أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ، كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ» اهـ.
[ ١ / ٥٦٨ ]
قلت: وهل يشرع الاقتصار على غسل أعضاء الوضوء دون غسل القدمين أو لا يشرع ذلك؟.
أقول: جاء في ذلك ما رواه مالك في [الموطأ] (١٢٠) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٠٧٤)، ومن طريقه أحمد في [المسند] (٤٩٢٩) عَنْ عُبْيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: هَلْ يَنَامُ أَحَدُنَا أَوْ يَطْعَمُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ مَا خَلَا رِجْلَيْهِ».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٢٧٩):
«وَلَمْ يعجب مالكًا فعل بن عُمَرَ وَأَظُنُّهُ أَدْخَلَهُ إِعْلَامًا أَنَّ ذَلِكَ الْوُضُوءَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْجَبَهُ فَرْضًا إِلَّا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَمْصَارِ فَلَا يُوجِبُونَهُ وَأَكْثَرُهُمْ يَأْمُرُونَ بِهِ وَيَسْتَحِبُّونَهُ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٩٤):
«وَيُحْمَلُ ترك بن عُمَرَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ» اهـ.
قلت: وهذه تعليلات لا يخفى ضعفها.
[ ١ / ٥٦٩ ]
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (١/ ١٢٢):
«قَالَ شَيْخُنَا: إذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْبَعْضِ، كَوُضُوءِ ابْنِ عُمَرَ لِنَوْمِهِ جُنُبًا، إلَّا رِجْلَيْهِ» اهـ.
قلت: ما قاله شيخ الإسلام هو الأظهر.
ويشبه هذا ما رواه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٣٠٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ …» الحديث.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٣١٠):
«لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْوَطْءَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْحَدَثَ وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢١٥):
«الظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ الْحَدَثُ وَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ إِذْهَابُ النُّعَاسِ وَآثَارِ النَّوْمِ وَأَمَّا غسل اليد فقال القاضي لعله كان لشئ نَالَهُمَا» اهـ.
قلت: حمل ذلك على إذهاب النعاس فيه بعد وذلك أنَّ النبي ﷺ رجع إلى نومه.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٨٥) عند ذكره لفوائد الحديث:
«وَاسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَلَعَلَّه المُرَاد بِالْوضُوءِ للْجنب» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ المراد بذلك تخفيف الحدث الأصغر من أجل النوم.
[ ١ / ٥٧٠ ]
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٣٠):
«وضابط الباب أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزمه الإتيان به كإمساك بعض اليوم وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به كتطهير الجنب بعض أعضائه فإنه يشرع كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوء تخفيفا للجنابة.
وعلى هذا جوز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر» اهـ.
قلت: والسنة لمن أتى مضجعه أيضًا الوضوء لما رواه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ». قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ: «لَاَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».
* * *
[ ١ / ٥٧١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ"».
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (٧١ - ٧٢):
«قولها: "إنَّ الله لا يستحيي من الحق" هذا تمهيد لبسط عذرها في ذكرها ما يستحيي النساء من ذكره وهو أصل فيما يصنعه الكتاب والأدباء في ابتداء مكاتباتهم ومخاطباتهم من التمهيدات لما يأتون به بعد ذلك والذي يحسنه في مثل هذا: أنَّ الذي يعتذر به إذا كان متقدمًا على المعتذر منه أدركته النفس صافية من العتب وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر منه فتأثرت بقبحه ثم يأتي العذر رافعًا وعلى الأول يأتي دافعًا» اهـ.
قولها: «إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ» الاحتلام وهو ما يراه النائم في نومه. ثم جعل اسمًا لما يراه النائم من الجماع فيحدث معه إنزال المني غالبًا فغلب لفظ الاحتلام في هذا دون غيره من أنواع المنام لكثرة الاستعمال.
قوله: «نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» المراد به المني. وماء المرأة مخالف لماء الرجل فماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة رقيق أصفر.
وفي الحديث مسائل منها:
[ ١ / ٥٧٢ ]
١ - إثبات صفة الحياء لله ﷿ كما يليق به ﷾ من غير مشابهة المخلوقين.
٢ - وفيه بيان أنَّ الاستحياء من الحق ليس من الصفات المحمودة، قال الحسن البصري: لا يتعلم مستح ولا متكبر.
وروى مسلم (٣١٠) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ. فَقَالَ لِعَائِشَةَ: "بَلْ أَنْتِ فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَاكِ"».
وروى مسلم (٣٣٢) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ: "تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا". فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِينَ بِهَا". فَقَالَتْ: عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. فَقَالَ: "تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ". فَقَالَتْ: عَائِشَةُ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ».
٣ - فيه دليل على أنَّ إنزال المرأة للماء في حالة النوم موجب للغسل كإنزال الرجل.
[ ١ / ٥٧٣ ]
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩):
«وهذا الحديث: نص على أنَّ المرأة إذا رأت حلمًا في منامها، ورأت الماء في اليقظة أنَّ عليها الغسل.
وإلى هَذا ذهب جمهور العلماء، ولا يعرف فيهِ خلاف، إلَّا عَنْ النخعي وَهوَ شذوذ.
ولعل النخعي أنكر وقوع ذَلِكَ من المرأة كَما أنكرته أم سلمة على أم سليم، حتى قالَ لها النبي ﷺ: "تربت يمينك، وبم يشبهها ولدها".
فبين ﷺ أنَّ للمرأة ماء كما للرجل، وأنَّها إذا رأت الماء في نومها باحتلام، فإنَّه يجب عليها الغسل منهُ. وفي ذَلِكَ تنبيه على أنَّ الرجل كذلك، وأنَّه إذا رأى حلمًا ورأى الماء، أنَّهُ يلزمه الغسل. وهذا مما لا اختلاف فيهِ بين العلماء» اهـ.
٤ - قوله: «نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» دليل على بطلان قول من زعم أنَّ ماء المرأة لا يبرز وإنَّما يعرف إنزالها بشهوتها.
قلت: وأمَّا إذا شك في البلل الذي يراه في ثوبه عند استيقاظه من النوم هل هو مني أم شيء آخر فاختلف في ذلك العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤):
«إذا احتلم ولم ير الماء فلا غسل عليه وإن استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل وإن استيقظ فرأى بللًا لا يعلم مني هو أم مذي فإن ذكر احتلامًا لزمه الغسل سواء تقدم نومه بفكر أو مسيس أم لا؛ لأنَّ هناك سببًا قريبًا يضاف الحكم إليه،
[ ١ / ٥٧٤ ]
وإن لم يذكر احتلامًا لزمه أيضًا الغسل إلَّا أن يتقدمه بفكر أو نظر أو لمس أو تكون به إبرادة فلا غسل عليه.
وعنه ما يدل على أن لا غسل عليه مطلقًا لأنَّه يجوز أن يكون منيًا وأن يكون مذيًا وهو طاهر بيقين فلا تزول طهارته بالشك.
والصحيح الأول لما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنَّه سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا قال: "يغتسل" وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل قال: "لا غسل عليه" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه واحتج به أحمد ولأنَّ هذا الماء لا بد لخروجه من سبب وليس هناك سبب ظاهر إلَّا الاحتلام والماء الذي يخرج بالاحتلام في الغالب إنَّما هو المني فألحقت هذه الصورة المجهولة بالأعم الأغلب ولهذا إذا كان هناك سبب ظاهر يضاف إليه مثل لمس أو تفكير أو إبردة أضفناه إليه وجعلناه مذيًا لأنَّ الأصل عدم ما سواه» اهـ.
قلت: حديث عائشة في إسناده عبد الله العمري، وهو ضعيف الحديث.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٣/ ٧٧٦):
«ومن هذا الباب ما لو استيقظ فرأى في ثوبه بللًا واشتبه عليه أمني هو أم مذي؟ ففي هذه المسألة قولان في كل مذهب من المذاهب الأربعة إلَّا أنَّ أصحاب الإمام أحمد ﵁ قالوا: إن سبق منه سبب يمكن إحالة كونه مذيًا عليه مثل القبلة والملاعبة والفكر مع الانتشار فهو مذي إذ الظاهر أنَّ الذكر بعد ذلك إنَّما انكسر به فهو المتيقن وما زاد عليه فمشكوك فيه فلا يجب عليه غسل بالشك، وإن لم يتقدم منه شيء من ذلك فهو مني في الحكم إذ هو الغالب على
[ ١ / ٥٧٥ ]
النائم ولم يتقدم سبب يعارضه والنوم في مظنة الاحتلام وقد قام شاهد المظنة ظاهر القياس بموجب شهادته وقوة هذا المسلك مما لا يخفي على منصف» اهـ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥١ - ٥٢): «ولو رأى الرجل والمرأة بللًا ولم يذكر احتلامًا، فإن كانت أوصاف المني موجودة فيه لزم الغسل، وإن احتمل أن يكون منيًا وأن يكون مذيًا وغير ذلك ففيه قولان:
أحدهما: عليه الغسل، حكاه الترمذي في كتابه عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، وعن سفيان، وأحمد.
وممن روي عنه أنَّه قال: يغتسل: ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والنخعي.
وهو قول أبي حنيفة، وظاهر مذهب أحمد، إلَّا أنَّه استثنى من ذلك أن يكون ثم سبب يقتضي خروج غير المني، مثل أن يكون قد سبق منه ملاعبته لأهله، أو فكر قبل نومه، أو يكون به أبردة فخرج منه بلل بسببها، فلم يوجب الغسل في هذه الصور؛ لأنَّ إحالة البلل الخارج على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم.
والقول الثاني: لا غسل عليه بذلك حتى يتيقن أنَّه مني، وهو قول مجاهد، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف، لأنَّ الأصل الطهارة، فلا يجب الغسل بالشك.
والقول الأول أصح.
ولا يشبه هذا من تيقن الطهارة وشك في الحدث؛ فإنَّ ذاك لم يتيقن شيئًا موجبًا لطهارة في ذمته، بل هو مستصحب للطهارة المتيقنة، ولم يتيقن اشتغال ذمته بشيء،
[ ١ / ٥٧٦ ]
وهذا قد تيقن أنَّ ذمته اشتغلت بطهارة، فلا تبرأ ذمته بدون الإتيان بالوضوء والغسل.
ورجح هذا القول طائفة من محققي الشافعية -أيضًا.
وأمَّا إن رأى الرجل والمرأة احتلامًا، ولم ير بللًا، فلا غسل عليه، كما دل عليه هذا الحديث الصحيح، وحكاه الترمذي عن عامة أهل العلم، وحكاه ابن المنذر إجماعًا عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم.
وحكى ابن أبي موسى من أصحابنا رواية عَنْ أحمد: أنَّهُ إذا رأى في منامه احتلامًا ووجد لذة الإنزال في منامه، ولم يجد بللًا عند استيقاظه، أنَّهُ يلزمه الغسل، وبناه على قول الإمام أحمد المشهور عَنهُ: إن المني إذا انتقل من محله، ولم يخرج، فإنَّه يجب الغسل بانتقاله.
وفي هَذا نظر؛ فإنه قَدْ لا يتحقق انتقاله بمجرد وجود اللذة في النوم» اهـ.
قلت: وهذا الذي صححه وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، هو الذي يظهر لي أنَّه الصواب والله أعلم.
وصفات المني إن كان رطبًا هو البياض والثخونة في مني الرجل، والرقة والاصفرار في مني المرأة.
وريح المني إن كان رطبًا كريح الطلع أو العجين، وإن كان يابسًا كريح بياض البيض.
٥ - احتج به من قال من أهل العلم: إنَّ المني يجب منه الغسل مطلقًا ولو خرج من غير شهوة.
[ ١ / ٥٧٧ ]
قلت: المني الذي يوجب الغسل هو المني الذي يخرج بشهوة على الصحيح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀، وأمَّا الخارج لمرض من غير شهوة فلا يوجب الغسل، شأنه كشأن دم الاستحاضة مع دم الحيض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٥١ - ٣٥٣):
«والمني هو الماء الدافق إذا خرج بشهوة وماء الرجل أبيض غليظ يشبه رائحة طلع النخل ورائحة العجين، ومني المرأة أصفر رقيق. فإن خرج بغير دفق وشهوة مثل أن يخرج لمرض أو إبرادة فلا غسل فيه في المشهور من نصه ومذهبه لأنَّ علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلًا مذاء فسألت رسول الله ﷺ فقال: "إذا خذفت الماء فاغتسل من الجنابة وإذا لم تكن حاذفًا فلا تغتسل" رواه أحمد.
وفي رواية لأحمد وأبي داود: "فإذا رأيت المذي فاعتبر الخذف والفضخ" وهو خروجه بقوة وشدة وعجلة كما تخرج الحصاة من بين يدي الخاذف والنواة من بين مجرى الفاضخ.
وروى سعيد في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومجاهد وعطاء قالوا: دخلت أم سليم على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله المرأة ترى في منامها كما يرى الرجل أفيجب عليها الغسل قال: "هل تجد شهوة"؟ قالت: لعله. قال: "وهل ترى بللًا" قالت: لعله. قال: "فلتغتسل".
وهذا تفسير ما جاء من العمومات مثل قوله: "الماء من الماء". وقوله: "إذا رأت المني فلتغتسل" وبيَّن أنَّه ليس بمني لفساده واستحالته، أو وإن كان منيًا
[ ١ / ٥٧٨ ]
لكان لفساده خرج عن حكمه لأنَّه خارج يوجب الغسل فإذا تغير عن صفة الصحة والسلامة لم يوجب كدم الاستحاضة مع دم الحيض وذكر القاضي في الجامع رواية ثانية له يوجب الغسل على أي صفة خرج بشهوة أو بغير شهوة للعمومات فيه وأخذها من نصه على أنَّ من جامع ثم اغتسل ثم أنزل فعليه الغسل مع أنَّ ظاهر حاله أنَّه يخرج بغير شهوة» اهـ.
قلت: حديث علي ﵁ رواه أحمد (٨٤٧) حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا رِزَامُ بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ، عَنْ جَوَّابٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ يَعْنِي التَّيْمِيَّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِذَا خَذَفْتَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ"».
قلت: هذا حديث حسن. جواب التيمي مختلف فيه ولا ينزل حديثه عن الحسن. والله أعلم.
وروى أحمد (٨٦٨)، وأبو داود (٢٠٦)، والنسائي في [المجتبى] (١٩٣)، [الكبرى] (١٩٩)
من طريق عَبِيدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ التَّيْمِيُّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رُكَيْنٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ، إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ"».
قلت: هذا حديث حسن من أجل عبيدة بن حميد.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٣٣):
«وَالْفَضْخُ: خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ الشَّدَّةِ.
[ ١ / ٥٧٩ ]
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: خُرُوجُهُ بِالْعَجَلَةِ» اهـ.
قلت: وقد قال الله ﷿ في وصف المني الذي خلق منه الإنسان: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦].
يعني: من ماء مدفوق.
وقال الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ [القيامة: ٣٧] يمنى أي يراق من الأصلاب في الأرحام.
قلت: فهذا هو المني الذي تتعلق به الأحكام، وهو المدفوق الذي يراق، ولا يكون كذلك إلَّا إذا خرج لشهوة، فأمَّا الذي يسيل سيلانًا من غير شهوة فلا يوجب الغسل. والله أعلم.
وخروج المني بعد الاغتسال لا يوجب إعادة الغسل في المشهور عن الإمام أحمد ﵀.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦):
«والمشهور عنه أنَّه لا يوجب غسلًا ثانيًا حتى أنَّ من أصحابنا من يجعله رواية واحدة لما روى سعيد عن ابن عباس أنَّه سئل عن الجنب يخرج منه المني بعد الغسل قال: يتوضأ وكذلك ذكره الإمام أحمد عن علي ولأنَّه مني واحد فلا يوجب غسلين كما لو ظهر ولأنَّ الموجب هو المني المقترن بالشهوة وهو واحد ولأنَّ الثاني خارج عن غير شهوة فأشبه ما لو خرج لإبردة أو مرض وهذا تعليل الإمام أحمد فقال: لا غسل فيه لأنَّ الشهوة ماضية وإنَّما هو حدث ليس بجنابة أرجو أن يجزئه الوضوء لأنَّه خارج من السبيل.
[ ١ / ٥٨٠ ]
وعنه أنَّه يوجب الغسل ثانيًا لأنَّه مني انتقل لشهوة فأوجب الغسل كالأول وكما لو خرج عقيب انتقاله.
وعنه إن خرج قبل البول اغتسل وإن خرج بعده لم يغتسل لأنَّ ذلك يروى عن علي وقد ضعفه الإمام أحمد ولأنَّ ما قبل البول هو بقية المني الأول وقد انتقل بشهوة وما بعد البول يجوز أن يكون بقية الأول ويجوز أن يكون غيره خرج لإبردة أو مرض وهو الأظهر لأنَّ البول يدفع بقايا المني لأنَّ مخرج المني تحت مخرج البول وبينهما حاجز رقيق فينعصر مخرج المني تحت مخرج البول فيخرج ما فيه والوجوب لا يثبت بالشك» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٦٣): «فصل: فأمَّا إن احتلم أو جامع فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه مني فالمشهور عن أحمد أنَّه لا غسل عليه. قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله أنَّه ليس عليه إلَّا الوضوء بال أو لم يبل فعلى هذا استقر قوله، وروى ذلك عن علي وابن عباس وعطاء والزهري ومالك والليث والثوري وإسحاق وقال سعيد بن جبير: لا غسل عليه إلَّا من شهوة.
وفيه رواية ثانية: إن خرج بعد البول فلا غسل فيه وإن خرج قبله اغتسل وهذا قول الأوزاعي وأبي حنيفة ونقل ذلك عن الحسن؛ لأنَّه بقية ماء خرج بالدفق والشهوة فأوجب الغسل كالأول بعد البول خرج بغير دفق وشهوة ولا نعلم أنَّه بقية الأول لأنَّه لو كان بقيته لما تخلف بعد البول.
[ ١ / ٥٨١ ]
وقال القاضي: فيه رواية ثالثة عليه الغسل بكل حال وهو مذهب الشافعي لأنَّ الاعتبار بخروجه كسائر الأحداث.
وقال في موضع آخر: لا غسل عليه رواية واحدة لأنَّه جنابة واحدة فلم يجب به غسلان كما لو خرج دفعة واحدة.
والصحيح أنَّه يجب الغسل لأنَّ الخروج يصلح موجبًا للغسل ما ذكره يبطل بما إذا جامع فلم ينزل فاغتسل ثم أنزل فإنَّ أحمد قد نص على وجوب الغسل عليه بالإنزال مع وجوبه بالتقاء الختانين» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ القول بعدم وجوب إعادة الغسل هو الأصح لثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنَّ المني الذي يوجب الغسل هو المني المتدفق، لا الذي يسيل سيلانًا.
الأمر الثاني: أنَّ هذا القول هو الموافق لفتوى علي وابن عباس ﵄.
الأمر الثالث: أنَّ إيجاب غسلين من جنابة واحدة يحتاج إلى دليل ظاهر، والأصل أنَّه لا يجب في الجنابة الواحدة إلَّا غسل واحد.
والمسألة التي ذكرها ابن قدامة ﵀ في الذي وطء فلم ينزل ثم اغتسل وأنزل، فالذي يظهر أنَّه إذا أنزل بشهوة متدفقًا فعليه الغسل لأنَّها جنابة جديدة وإلَّا فلا.
٦ - وفي الحديث حجة لمن ذهب من أهل العلم إلى عدم وجوب الغسل في حق من شعر بانتقال المني فأمسك ذكره فلم يخرج المني ذلك الوقت ولا بعد ذلك.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
[ ١ / ٥٨٢ ]
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٤٠):
«لو قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فِي الْحَالِ شئ وَلَا عَلِمَ خُرُوجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَجِبُ الْغُسْلُ قَالَ: وَلَا يُتَصَوَّرُ رُجُوعُ الْمَنِيِّ.
دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ: "إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ" وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِالْحَدَثِ كَالْقَرْقَرَةِ وَالرِّيحِ وَلَمْ يخرج منه شئ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فَكَذَا هُنَا» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٤٧):
«فَصْلٌ: فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ، وَأُحِبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ خِلَافًا، قَالَ: لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ مَحَلِّهِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَتَكُونُ الْجَنَابَةُ مَوْجُودَةً، فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ تُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الِاغْتِسَالَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ، بِقَوْلِهِ: "إذَا رَأَتْ الْمَاءَ" وَ"إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ" فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى جُنُبًا لِمُجَانَبَتِهِ الْمَاءَ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْهُ أَوْ لِمُجَانَبَتِهِ
[ ١ / ٥٨٣ ]
الصَّلَاةَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُمَا؛ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ، وَلَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ مَعَ الْخُرُوجِ، لَمْ يَلْزَمْهُ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ، فَإِنَّ الِاشْتِقَاقَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاطِّرَادُ، وَمُرَاعَاةُ الشَّهْوَةِ لِلْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِقْلَالُهَا بِهِ، فَإِنَّ أَحَدَ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ وَشَرْطَ الْحُكْمِ مُرَاعًى لَهُ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِلَمْسِ النِّسَاءِ، وَبِمَا إذَا وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ هَاهُنَا مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ؛ فَإِنَّ الشَّهْوَةَ لَا تَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعَ مُرَاعَاتِهَا فِيهِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا انْتَقَلَ، لَزِمَ مِنْهُ الْخُرُوجُ.
وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ، وَلِذَلِكَ يَتَأَخَّرُ الْغُسْلُ إلَى حِينِ خُرُوجِهِ، فَعَلَى هَذَا إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَالَ انْتِقَالِهِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ﵀، فِي الرَّجُلِ يُجَامِعُ وَلَمْ يُنْزِلْ، فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ: عَلَيْهِ الْغُسْلُ. وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُجَامِعُ فَاسْتَيْقَظَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَلَمَّا مَشَى خَرَجَ مِنْهُ، الْمَنِيُّ، قَالَ: يَغْتَسِلُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الَّذِي أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ مِنْ غَيْرِ مُقَارَنَةِ شَهْوَةٍ بَعْدَ الْبَوْلِ: فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ. رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبَوْلِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبَوْلِ غَيْرُ الْمَنِيِّ الْمُنْتَقِلِ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ لِمَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ ذَلِكَ الْمَنِيُّ الَّذِي انْتَقَلَ.
وَوَجْهُ مَا قُلْنَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْغُسْلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَفَضْخِهِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُجَامِعِ الَّذِي يَرَى الْمَاءَ بَعْدَ غُسْلِهِ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَلَمْ يَخْرُجْ لَا غُسْلَ
[ ١ / ٥٨٤ ]
عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ بِظُهُورِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ انْتِقَالِ الْمَنِيِّ لِشَهْوَةٍ وَخُرُوجِهِ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥):
«فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَجَبَ الْغُسْلُ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِي الْأُخْرَى: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا حَذَفْتَ وَفَضَخْتَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَنَقُّلِهِ فِيهِ طَهَارَةٌ كَالرِّيحِ الْمُتَنَقِّلَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ إِلَى قَرِيبِ الْمَخْرَجِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَنِيٌّ انْعَقَدَ وَأَخَذَ فِي الدَّفْقِ وَالْخُرُوجِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ مِنَ الْأَقْلَفِ الْمُرْتَتِقِ إِلَى مَا بَيْنَ الْقَلَفَةِ وَالْحَشَفَةِ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا أَنْزَلَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى ظَاهِرِ فَرْجِهَا؛ وَلِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَالْخُرُوجِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَأَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْخُرُوجُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ، بَلْ وَلَا يَعُودَ إِلَى مَحَلِّهِ.
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا أَخَذْتَ فِي الْحَذْفِ وَالْفَضْخِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ الْغُسْلُ إِجْمَاعًا، وَلَا حَذْفَ وَلَا فَضْخَ هَذَا يُخَالِفُ الرِّيحَ الْمُتَرَدِّدَةُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ، بِخِلَافِ الرِّيحِ، فَإِنَّهَا قَدْ تَعُودُ إِلَى مَحَلِّهَا. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ، فَإِذَا خَرَجَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ سَوَاءٌ كَانَ قَدِ اغْتَسَلَ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ انْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ وَخَرَجَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجِبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ عَقِيبَ الِانْتِقَالِ،
[ ١ / ٥٨٥ ]
بِخِلَافِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِلَا شَهْوَةٍ، وَإِذَا قُلْنَا: " يَجِبُ الْغُسْلُ " فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ لِمَنِيٍّ خَرَجَ بَعْضُهُ ثُمَّ خَرَجَ بَاقِيهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غُسْلًا ثَانِيًا حَتَّى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَ: " يَتَوَضَّأُ " وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ. وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ وَاحِدٌ فَلَا يُوجِبُ غُسْلَيْنِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الْمَنِيُّ الْمُقْتَرِنُ بِالشَّهْوَةِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ خَارِجٌ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ لِإِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل لكنه نادر في النساء ولذلك أنكرته أم سلمة.
فروى البخاري (١٣٠)، ومسلم (٣١٣) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ. قَالَ: "نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا"».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٢٩٣):
«فِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ كُلُّهُنَّ يَحْتَلِمْنَ وَلِهَذَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ سُؤَالَ أُمِّ سُلَيْمٍ وَقَدْ يُعْدَمُ الِاحْتِلَامُ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ فَالنِّسَاءُ أَحْرَى أَنْ يُعْدَمَ ذَلِكَ فِيهِنَّ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ إِنْكَارَ عَائِشَةَ لِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِصِغَرِ سِنِّهَا وَكَوْنِهَا مَعَ زَوْجِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَحِضْ إِلَّا عِنْدَهُ وَلَمْ تَفْقِدْهُ فَقْدًا طَوِيلًا إِلَّا بِمَوْتِهِ ﵇ فَلِذَلِكَ لَمْ تَعْرِفْ فِي
[ ١ / ٥٨٦ ]
حَيَاتِهِ الِاحْتِلَامَ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ وَلَا أَكْثَرُ الرِّجَالِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْجِمَاعِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ فَإِذَا فَقَدَ النِّسَاءُ أَزْوَاجَهُنَّ احْتَلَمْنَ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَصَحُّ وَأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ فَقَدَتْ زَوْجَهَا وَكَانَتْ كَبِيرَةً عَالِمَةً بِذَلِكَ وَأَنْكَرَتْ مِنْهُ مَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رَحِمَهَا اللَّهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَا تُنْزِلُ الْمَاءَ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ الَّذِي يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْيَقَظَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
[ ١ / ٥٨٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْت أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ».
اللفظ الأول للبخاري دون مسلم.
قولها: «أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ» أي أثر الجنابة وهو المني.
قولها: «بُقَعَ الْمَاءِ» بضم الباء وفتح القاف أي مواضعه جمع بقعة وأصلة لون يخالف بعضه بعضًا ومنه الغراب الأبقع الذي فيه بياض وسواد، فأمَّا البقعة من الأرض بفتح الباء وضمها فجمعها بقاع وبقع.
قلت: احتج بغسل عائشة للمني من ثوب رسول الله ﷺ القائلون بنجاسة المني، ولا حجة فيه فإنَّ الغسل المجرد لا يدل على النجاسة، فقد يكون للاستقذار.
واحتج بالحديث الآخر الذي فيه فرك عائشة للمني من ثوب رسول الله ﷺ القائلون بطهارة المني.
وهذه مسألة اختلف فيها العلماء. فذهب الشافعي وأحمد إلى طهارة المني.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى نجاسته.
واختلف أبو حنيفة ومالك في كيفية طهارته. فذهب الإمام مالك رحمه إلى غسله رطبًا ويابسًا، وذهب أبو حنيفة إلى غسله رطبًا وفركه يابسًا.
[ ١ / ٥٨٨ ]
قلت: روى أحمد (٢٦١٠١)، وابن خزيمة (٢٩٤) من طريق مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْلُتُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإِذْخِرِ، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَحُتُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ».
قلت: هذا حديث حسن من أجل عكرمة بن عمار فإنَّه حسن الحديث في غير روايته عن يحيى بن أبي كثير.
وفي هذا رد على أبي حنيفة في تفريقه بين الرطب واليابس.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبحث نفيس في طهارة المني حرر فيه هذه المسألة غاية التحرير، وإليك نص كلامه ﵀.
قال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٥٨٧ - ٦٠٣): «الفصل الثاني: في مني الآدمي وفيه أقوال ثلاثة:
أحدها: أنَّه نجس كالبول فيجب غسله رطبًا ويابسًا من البدن والثوب وهذا قول مالك والأوزاعي والثوري وطائفة.
وثانيها: أنَّه نجس يجزئ فرك يابسه وهذا قول أبي حنيفة، وإسحاق ورواية عن أحمد.
ثم هنا أوجه قيل: يجزئ فرك يابسه ومسح رطبه من الرجل دون المرأة لأنَّه يعفى عن يسيره ومني الرجل يتأتى فركه ومسحه بخلاف مني المرأة فإنَّه رقيق كالمذي وهذا منصوص أحمد.
وقيل: يجزئ فركه فقط منهما لذهابه بالفرك وبقاء أثره بالمسح.
[ ١ / ٥٨٩ ]
وقيل: بل الجواز مختص بالفرك من الرجل دون المرأة كما جاءت به السنة كما سنذكره.
وثالثها: أنَّه مستقذر كالمخاط والبصاق وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه وهو الذي نصرناه والدليل عليه وجوه:
أحدها: ما أخرج مسلم وغيره عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي فيه"- وروي في لفظ الدارقطني - "كنت أفركه إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا". فهذا نص في أنَّه ليس كالبول يكون نجسًا نجاسة غليظة. فبقي أن يقال: يجوز أن يكون نجسًا كالدم أو طاهرًا كالبصاق لكن الثاني أرجح؛ لأنَّ الأصل وجوب تطهير الثياب من الأنجاس قليلها وكثيرها فإذا ثبت جواز حمل قليله في الصلاة ثبت ذلك في كثيره؛ فإنَّ القياس لا يفرق بينهما.
فإن قيل: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه". فهذا يعارض حديث الفرك في مني رسول الله ﷺ والغسل دليل النجاسة فإنَّ الطاهر لا يطهر.
فيقال: هذا لا يخالفه؛ لأنَّ الغسل للرطب والفرك لليابس كما جاء مفسرًا في رواية الدارقطني. أو هذا أحيانًا وهذا أحيانًا. وأمَّا الغسل فإنَّ الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق والنخامة استقذارًا لا تنجيسًا؛ ولهذا قال سعد بن أبي وقاص. وابن عباس: أمطه عنك ولو بإذخرة فإنَّما هو بمنزلة المخاط والبصاق. الدليل الثاني: ما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عائشة قالت:
[ ١ / ٥٩٠ ]
"كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه". وهذا من خصائص المستقذرات لا من أحكام النجاسات.
فإنَّ عامة القائلين بنجاسته لا يجوزون مسح رطبه.
الدليل الثالث: ما احتج به بعض أولينا بما رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: "سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: إنَّما هو بمنزلة المخاط والبصاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة".
قال الدارقطني: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. قالوا: وهذا لا يقدح؛ لأنَّ إسحاق بن يوسف الأزرق أحد الأئمة. وروى عن سفيان وشريك وغيرهما وحدث عنه أحمد ومن في طبقته وقد أخرج له صاحبا الصحيح فيقبل رفعه وما ينفرد به.
وأنا أقول: أمَّا هذه الفتيا فهي ثابتة عن ابن عباس وقبله سعد بن أبي وقاص ذكر ذلك عنهما الشافعي وغيره في كتبهم. وأمَّا رفعه إلى النبي ﷺ فمنكر باطل لا أصل له؛ لأنَّ الناس كلهم رووه عن شريك موقوفًا. ثم شريك ومحمد بن عبد الرحمن - وهو ابن أبي ليلى - ليسا في الحفظ بذاك والذين هم أعلم منهم بعطاء مثل ابن جريج الذي هو أثبت فيه من القطب وغيره من المكيين لم يروه أحد إلَّا موقوفًا وهذا كله دليل على وهم تلك الرواة.
[ ١ / ٥٩١ ]
فإن قلت: أليس من الأصول المستقرة أنَّ زيادة العدل مقبولة؟ وأنَّ الحكم لمن رفع لا لمن وقف لأنَّه زائد؟.
قلت: هذا عندنا حق مع تكافؤ المحدثين المخبرين وتعادلهم وأمَّا مع زيادة عدد من لم يزد فقد اختلف فيه أولونا. وفيه نظر.
وأيضًا فإنَّما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا وأمَّا متى تعارضتا يسقط رواية الأقل بلا ريب وها هنا المروي ليس هو مقابلًا بكون النبي ﷺ قد قالها ثم قالها صاحبه تارة. تارة ذاكرًا وتارة آثرًا وإنَّما هو حكاية حال وقضية عين في رجل استفتى على صورة وحروف مأثورة فالناس ذكروا أنَّ المستفتي ابن عباس وهذه الرواية ترفعه إلى النبي ﷺ وليست القضية إلَّا واحدة إذ لو تعددت القضية لما أهمل الثقات الأثبات ذلك على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ذلك. وأيضًا فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد بذلك وليسوا يشكون في أنَّ هذه الرواية وهم.
الدليل الرابع: أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته حتى يجيئنا ما يوجب القول بأنَّه نجس وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك أصلًا فعلم أنَّ كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه ومعلوم أنَّ المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم فهو طواف الفضلات بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط المصيب ثيابه ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته ولو كان المقتضي للتنجيس قائمًا.
[ ١ / ٥٩٢ ]
ألا ترى أنَّ الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد مع أنَّ إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني لا سيما في الشتاء في حق الفقير ومن ليس له إلَّا ثوب واحد.
فإن قيل: الذي يدل على نجاسة المني وجوه:
أحدها: ما روي عن عمار بن ياسر عن - النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّما يغسل الثوب من البول والغائط والمني والقيء" رواه ابن عدي. وحديث عائشة قد مضى في أنَّ النبي ﷺ كان يغسله.
الوجه الثاني: أنَّه خارج يوجب طهارتي الخبث والحدث فكان نجسًا كالبول والحيض؛ وذلك لأنَّ إيجاب نجاسة الطهارة دليل على نجس فإنَّ إماطته وتنحيته أخف من التطهر منه فإذا وجب الأثقل فالأخف أولى. لا سيما عند من يقول بوجوب الاستنجاء منه؛ فإنَّ الاستنجاء إماطة وتنحية فإذا وجب تنحيته في مخرجه ففي غير مخرجه أحق وأولى.
الوجه الثالث: أنَّه من جنس المذي فكان نجسًا كالمذي وذاك لأنَّ المذي يخرج عند مقدمات الشهوة والمني أصل المذي عند استكمالها وهو يجري في مجراه ويخرج من مخرجه فإذا نجس الفرع فلأن ينجس الأصل أولى.
الوجه الرابع: أنَّه خارج من الذكر أو خارج من القبل فكان نجسًا كجميع الخوارج: مثل البول والمذي والودي؛ وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة منوط بالمخرج. ألا ترى أنَّ الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة وفي أسافله تكون نجسة وإن جمعها الاستحالة في البدن؟.
[ ١ / ٥٩٣ ]
الوجه الخامس: أنَّه مستحيل عن الدم؛ لأنَّه دم قصرته الشهوة ولهذا يخرج عند الإكثار من الجماع أحمر والدم نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة عندكم.
الوجه السادس: أنَّه يجري في مجرى البول فيتنجس بملاقاة البول فيكون كاللبن في الظرف النجس.
فهذه أدلة كلها تدل على نجاسته.
فنقول: الجواب وعلى الله قصد السبيل:
أمَّا حديث عمار بن ياسر فلا أصل له. في إسناده ثابت بن حماد قال الدارقطني: ضعيف جدًا. وقال ابن عدي: له مناكير وحديث عائشة مضى القول فيه.
وأما الوجه الثاني فقولهم: يوجب طهارتي الخبث والحدث أمَّا الخبث فممنوع؛ بل الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من الثوب والبدن وقد قيل: هو واجب كما قد قيل يجب غسل الأنثيين من المذي وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج الخارج من الفرج فهذا كله طهارة وجبت لخارج وإن لم يكن المقصود بها إماطته وتنجيسه؛ بل سبب آخر كما يغسل منه سائر البدن. فالحاصل أنَّ سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة؛ بل سبب آخر. فقولهم: يوجب طهارة الخبث وصف ممنوع في الفرع فليس غسله عن الفرج للخبث وليست الطهارات منحصرة في ذلك: كغسل اليد عند القيام من نوم الليل وغسل الميت والأغسال المستحبة وغسل الأنثيين وغير ذلك. فهذه الطهارة إن قيل: بوجوبها فهي من القسم الثالث فيبطل قياسه على البول؛ لفساد الوصف الجامع.
وأمَّا إيجابه طهارة الحدث فهو حق؛ لكن طهارة الحدث ليست أسبابها منحصرة في النجاسات. فإن الصغرى تجب من الريح إجماعًا وتجب بموجب
[ ١ / ٥٩٤ ]
الحجة من ملامسة الشهوة ومن مس الفرج ومن لحوم الإبل ومن الردة وغسل الميت، وقد كانت تجب في صدر الإسلام من كل ما غيرته النار وكل هذه الأسباب غير نجسة.
وأمَّا الكبرى: فتجب بالإيلاج إذا التقى الختانان ولا نجاسة وتجب بالولادة التي لا دم معها على رأي مختار والولد طاهر. وتجب بالموت ولا يقال هو نجس. وتجب بالإسلام عند طائفة. فقولهم: إنَّما أوجب طهارة الحدث أو أوجب الاغتسال نجس منتقض بهذه الصور الكثيرة فبطل طرده. فإن ضموا إلى العلة كونه خارجًا انتقض بالريح والولد نقضًا قادحًا.
ثم يقال: قولكم خارج وصف طردي فلا يجوز الاحتراز به. ثم إنَّ عكسه أيضًا باطل والوصف عديم التأثير فإنَّ ما لا يوجب طهارة الحدث منه شيء كثير: نجس كالدم الذي لم يسل واليسير من القيء.
وأيضًا فسيأتي الفرق إن شاء الله تعالى. فهذه أوجه ثلاثة أو أربعة.
وأمَّا قولهم: التطهير منه أبعد من تطهيره. فجمع ما بين متفاوتين متباينين فإنَّ الطهارة منه طهارة عن حدث وتطهيره إزالة خبث وهما جنسان مختلفان في الحقيقة والأسباب والأحكام من وجوه كثيرة؛ فإنَّ هذه تجب لها النية دون تلك. وهذه من باب فعل المأمور به وتلك من باب اجتناب المنهي عنه، وهذه مخصوصة بالماء أو التراب، وقد تزال تلك بغير الماء في مواضع بالاتفاق وفي مواضع على رأي، وهذه يتعدى حكمها محل سببها إلى جميع البدن، وتلك يختص حكمها بمحلها، وهذه تجب في غير
[ ١ / ٥٩٥ ]
محل السبب أو فيه وفي غيره، وتلك تجب في محل السبب فقط، وهذه حسية وتلك عقلية، وهذه جارية في أكثر أمورها على سنن مقايس البحاثين، وتلك مستصعبة على سبر القياس، وهذه واجبة بالاتفاق، وفي وجوب الأخرى خلاف معلوم، وهذه لها بدل وفي بدل تلك في البدن خاصة خلاف ظاهر. وبالجملة فقياس هذه الطهارة على تلك الطهارة كقياس الصلاة على الحج؛ لأنَّ هذه عبادة وتلك عبادة مع اختلاف الحقيقتين.
وأمَّا الوجه الثالث: وهو إلحاقه بالمذي فقد منع الحكم في الأصل على قول بطهارة المذي والأكثرون سلموه وفرقوا بافتراق الحقيقتين؛ فإنَّ هذا يخلق منه الولد الذي هو أصل الإنسان وذلك بخلافه. ألا ترى أنَّ عدم الإمناء عيب يبنى عليه أحكام كثيرة: منشؤها على أنَّه نقص وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضًا وهو فضلة محضة لا منفعة فيه كالبول وإن اشتركا في انبعاثهما عن شهوة النكاح فليس الموجب لطهارة المني أنَّه عن شهوة الباءة فقط؛ بل شيء آخر. وإن أجريناه مجراه فنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
وأمَّا كونه فرعًا فليس كذلك؛ بل هو بمنزلة الجنين الناقص: كالإنسان إذا أسقطته المرأة قبل كمال خلقه فإنَّه وإن كان مبدأ خلق الإنسان فلا يناط به من أحكام الإنسان إلَّا ما قل ولو كان فرعًا؛ فإنَّ النجاسة استخباث وليس استخباث الفرع بالموجب خبث أصله: كالفضول الخارجة من الإنسان.
وأمَّا الوجه الرابع: فقياسه على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن في المخرج منقوض بالفم فإنَّه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين والقيء النجس. وكذلك الدبر مخرج الريح الطاهر والغائط النجس. وكذلك الأنف مخرج المخاط الطاهر
[ ١ / ٥٩٦ ]
والدم النجس. وإن فصلوا بين ما يعتاد الناس من الأمور الطبيعية وبين ما يعرض لهم لأسباب حادثة.
قلنا: النخامة المعدية - إذا قيل: بنجاستها - معتادة وكذلك الريح.
وأيضًا فإنَّا نقول: لم قلتم إنَّ الاعتبار بالمخرج؟ ولم لا يقال الاعتبار بالمعدن والمستحال فما خلق في أعلى البدن فطاهر وما خلق في أسفله فنجس والمني يخرج من بين الصلب والترائب؛ بخلاف البول والودي. وهذا أشد اطرادًا؛ لأنَّ القيء والنخامة المنجسة خارجان من الفم لكن لما استحالا في المعدة كانا نجسين. وأيضًا فسوف نفرق إن شاء الله تعالى.
وأمَّا الوجه الخامس فقولهم: مستحيل عن الدم والاستحالة لا تطهر: عنه عدة أجوبة مستنيرة قاطعة.
أحدها: أنَّه منقوض بالآدمي وبمضغته فإنَّهما مستحيلان عنه وبعده عن العلقة وهي دم ولم يقل أحد بنجاسته وكذلك سائر البهائم المأكولة.
وثانيها: أنَّا لا نسلم أنَّ الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجسًا فلا بد من الدليل على تنجيسه ولا يغني القياس عليه إذا ظهر وبرز باتفاق الحقيقة؛ لأنَّا نقول للدليل على طهارته وجوه:
أحدها: أنَّ النجس هو المستقذر المستخبث وهذا الوصف لا يثبت لهذه الأجناس إلَّا بعد مفارقتها مواضع خلقها فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما لا تتصف به.
[ ١ / ٥٩٧ ]
وثانيها: أنَّ خاصة النجس وجوب مجانبته في الصلاة. وهذا مفقود فيها في البدن من الدماء وغيرها.
ألا ترى أنَّ من صلى حاملًا وعاء مسدودًا قد أوعي دمًا لم تصح صلاته فلئن قلت: عفي عنه لمشقة الاحتراز. قلت: بل جعل طاهرًا لمشقة الاحتراز. فما المانع منه والرسول ﷺ يعلل طهارة الهرة بمشقة الاحتراز حيث يقول: "إنَّها ليست بنجسة إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات"؟. بل أقول: قد رأينا جنس المشقة في الاحتراز مؤثرًا في جنس التخفيف. فإن كان الاحتراز من جميع الجنس مشقًا عفي عن جميعه فحكم بالطهارة. وإن كان من بعضه عفي عن القدر المشق وهنا يشق الاحتراز من جميع ما في داخل الأبدان فيحكم لنوعه بالطهارة كالهر وما دونها وهذا وجه ثالث.
الوجه الرابع: أنَّ الدماء المستخبثة في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلَّا بها حتى سميت نفسًا فالحكم بأنَّ الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعًا نجسًا في غاية البعد.
الوجه الخامس: أنَّ الأصل الطهارة فلا تثبت النجاسة إلَّا بدليل وليس في هذه الدماء المستخبثة شيء من أدلة النجاسة وخصائصها.
الوجه السادس: أنَّا قد رأينا الأعيان تفترق حالها: بين ما إذا كانت في موضع عملها ومنفعتها وبين ما إذا فارقت ذلك. فالماء المستعمل ما دام جاريًا في أعضاء المتطهر فهو طهور فإذا انفصل تغيرت حاله.
والماء في المحل النجس ما دام عليه فعمله باق وتطهيره ولا يكون ذلك إلَّا لأنَّه طاهر مطهر فإذا فارق محل عمله فهو إمَّا نجس أو غير مطهر؛ وهذا مع تغير
[ ١ / ٥٩٨ ]
الأمواه في موارد التطهير تارة بالطاهرات وتارة بالنجاسات فإذا كانت المخالطة التي هي أشد أسباب التغيير لا تؤثر في محل عملنا وانتفاعنا فما ظنك بالجسم المفرد في محل عمله بخلق الله وتدبيره فافهم هذا فإنَّه لباب الفقه.
الوجه الثالث عن أصل الدليل: أنَّا لو سلمنا أن الدم نجس فإنَّه قد استحال وتبدل. وقولهم: الاستحالة لا تطهر. قلنا: من أفتى بهذه الفتوى الطويلة العريضة المخالفة للإجماع فإنَّ المسلمين أجمعوا أنَّ الخمر إذا بدأ الله بإفسادها وتحويلها خلا طهرت وكذلك تحويل الدواب والشجر بل أقول: الاستقراء دلنا أنَّ كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلًا والدم منيًا والعلقة مضغة ولحم الجلالة الخبيث طيبًا وكذلك بيضها ولبنها، والزرع المسقي بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر وغير ذلك فإنَّه يزول حكم التنجيس ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه؛ فإنَّ جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال ويبدلها خلقًا بعد خلق ولا التفات إلى موادها وعناصرها. وأمَّا ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رمادًا ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحًا ففيه خلاف مشهور. وللقول بالتطهير اتجاه وظهور ومسألتنا من القسم الأول ولله الحمد.
الدليل الخامس: أنَّ المني مخالف لجميع ما يخرج من الذكر في خلقه فإنَّه غليظ وتلك رقيقة. وفي لونه فإنَّه أبيض شديد البياض. وفي ريحه فإنَّه طيب كرائحة الطلع وتلك خبيثة. ثم جعله الله أصلًا لجميع أنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين والإنسان المكرم فكيف يكون أصله نجسًا ولهذا قال ابن عقيل: وقد ناظر بعض
[ ١ / ٥٩٩ ]
من يقول بنجاسته لرجل قال له: ما بالك وبال هذا؟ قال: أريد أن أجعل أصله طاهرًا وهو يأبى إلَّا أن يكون نجسًا.
ثم ليس شأنه شأن الفضول بل شأن ما هو غذاء ومادة في الأبدان إذ هو قوام النسل فهو بالأصول أشبه منه بالفضل.
الدليل السادس: وفيه أجوبة:
أحدها: لا نسلم أنَّه يجري في مجرى البول فقد قيل: إن بينهما جلدة رقيقة وإنَّ البول إنَّما يخرج رشحًا وهذا مشهور. وبالجملة فلا بد من بيان اتصالهما وليس ذلك معلومًا إلاَّ في ثقب الذكر وهو طاهر أو معفو عن نجاسته.
الوجه الثاني: أنَّه لو جرى في مجراه فلا نسلم أنَّ البول قبل ظهوره نجس. كما مر تقريره في الدم وهو في الدم أبين منه في البول؛ لأنَّ ذلك ركن وبعض وهذا فضل.
الوجه الثالث: أنَّه لو كان نجسًا فلا نسلم أنَّ المماسة في باطن الحيوان موجبة للتنجيس. كما قد قيل في الاستحالة وهو في المماسة أبين. يؤيد هذا قوله تعالى:
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. ولو كانت المماسة في الباطن للفرث مثلًا موجبة للنجاسة لنجس اللبن.
فإن قيل: فلعل بينهما حاجزًا. قيل: الأصل عدمه على أنَّ ذكره هذا في معرض بيان ذكر الاقتدار بإخراج طيب من بين خبيثين في الاغتذاء ولا يتم إلَّا مع عدم الحاجز وإلَّا فهو مع الحاجز ظاهر في كمال خلقه سبحانه. وكذلك قوله:
[ ١ / ٦٠٠ ]
﴿خَالِصًا﴾ والخلوص لا بد أن يكون مع قيام الموجب للشوب وبالجملة فخروج اللبن من بين الفرث والدم أشبه شيء بخروج المني من مخرج البول وقد سلك هذا المسلك من رأى إنفحة الميتة ولبنها طاهرًا لأنَّه كان طاهرًا وإنَّما حدث نجاسة الوعاء فقال: الملاقاة في الباطن غير ظاهر. ومن نجس هذا فرق بينه وبين المني بأنَّ المني ينفصل عن النجس في الباطن أيضًا بخلاف اللبن فإنَّه لا يمكن فصله من الميتة إلَّا بعد إبراز الضرع وحينئذ يصير في حد ما يلحقه النجاسة.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب: ٤] والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وهذا الذي حضرني في هذا الوقت ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم» اهـ.
وقد عقد العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٣/ ٦٣٩ - ٦٤٧) مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته.
فقال ﵀: «قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق البشر فكان طاهرًا كالتراب.
قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهورًا ومساعدًا للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأى، والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أنَّ الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادئ، وهل الخمر إلَّا ابنة العنب، والمني إلَّا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني.
[ ١ / ٦٠١ ]
قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح، وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه، ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول، والدم، وأمَّا كون التراب طهورًا دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني، وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق، وأمَّا دعواك أنَّ الاستحالة تعمل عملها فنعم، وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول، والعذرة، والدم، والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبنًا، وكذلك خروج اللبن من بين الفرث، والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأنَّ المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته.
قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني، وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر، وما أصابه منه، وإذا كان مبدؤه نجسًا فكيف بنهايته ومعلوم أنَّ المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل.
قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أنَّ المذي مبدأ المني، وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية، والصفات، والعوارض، والرائحة، والطبيعة فدعواك أنَّ المذي مبدأ المني وأنَّه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي، وعقلي، وحسي فلا تكون مقبولة، ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئًا البتة فإنَّ للمبادئ أحكامًا تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن، وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين، ومبدأه عندك نجس العين فهذا منا ظهر ما يفسد دليلك، ويوضح تناقضك، وهذا مما لا حيلة في دفعة فإنَّ المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهرًا لأنَّ النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد
[ ١ / ٦٠٢ ]
من نقض أحد أصليك فإمَّا أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة، وإمَّا أن تقول المني نجس، والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلَّا النكير له.
قال المنجس: لا ريب أنَّ المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو أي كالبول، ولا يرد على البصاق، والمخاط، والدمع، والعرق لأنَّها لا تخرج من مخرج البول.
قال المطهر: حكمك بالنجاسة إمَّا أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع، والمخاط، والبصاق، وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنَّما يفيدك أنَّه متنجس لنجاسة مجراه لا أنَّه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه، وهو فاسد فإنَّ المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنَّما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين، والذي يوضح هذا أنَّا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى: طاهر كالبصاق، والعرق، والمخاط، ونجس كالبول، والغائط فدل على أنَّ جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أنَّ النجاسة دارت مع الخبث وجودًا وعدمًا فالبول، والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمي بزيادة الخبث، والنتن، والاستقذار تنفر منهما النفوس، وتنأى
[ ١ / ٦٠٣ ]
عنهما، وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم.
وهي من أشرف جواهر الإنسان، وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه، ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم، وأبعده عن الصواب.
والله تعالى أحكم من أن يجعل محال، وحيه، ورسالاته، وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك.
وأيضًا: فإنَّ الله تعالى أخبر عنه هذا الماء، وكرر الخبر عنه في القرآن، ووصفه مرة بعد مرة، وأخبر أنَّه دافق يخرج من بين الصلب، والترائب، وأنَّه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة، والبول، ويعيده، ويبديه، ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق، وغيره ولم يصفه بالمهانة إلَّا لإظهار قدرته البالغة أنَّه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين هنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث.
وأيضًا: فلو كان المني نجسًا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول، والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول، والغائط في الخبث، والنجاسة، والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث، وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة، وكل نجس خبيث لكان هذا السب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء، ونحو ذلك، وإن كانوا إنَّما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في
[ ١ / ٦٠٤ ]
غير حالها فذاك خبث على خبث، ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئًا من الخبث بوجه ما.
قال المنجسون: قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي، وأطلتم القول، وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنَّه كما أنَّ الله يجعل خواص عباده ظروفًا وأوعية للنجاسة كالبول والغائط، والدم، والمذي، ولا يكون ذلك عائدًا عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق؟!.
قال المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفًا للنجاسة البتة وإنَّما تصير الفضلة بولًا وغائطًا إذا فارقت محلها فحينئذٍ يحكم عليها بالنجاسة وإلَّا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنَّما يصير خبيثًا بعد قذفه وإخراجه وكذلك الدم إنَّما هو نجس إذا سفح، وخرج فأمَّا إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفًا للخبائث والنجاسات.
قالوا: والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أنَّ النبي صلى الله عليه وسل علم أنَّ الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم، ولم يأمرهم فيه يومًا ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب البتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله، وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه.
[ ١ / ٦٠٥ ]
قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة، وقد ثبت عن عائشة أنَّها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء، ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها، وقالت: إنَّما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله بإصبعي ذكره ابن أبي شيبة.
حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال: نزل بعائشة ضيف فذكره.
وقال أيضًا حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله عنه" تعنى المني، وهذا قول عائشة، وسعد ابن أبي، وقاص، وعبد الله بن عباس.
قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد أنَّه كان يفرك الجنابة من ثوبه ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد أنَّه كان يفرك الجنابة من ثوبه.
حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: امسحه بإذخرة.
ثنا هشيم أنبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنَّما هو كالنخامة، أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة".
قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله يسلت المني من ثوبه بعرق الأذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلًا البتة.
[ ١ / ٦٠٦ ]
قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن أبن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: "إنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنَّما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" قالوا هذا إسناد صحيح فإنَّ إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول.
قال المنجس: صح عن عائشة ﵂ أنَّها كانت تغسله من ثوب رسول الله وثبت ابن عباس ﵄ أنَّه أمر بغسله.
قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثرًا فليغسله وإن لم ير فيه أثرًا فلينضحه.
ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب كله.
ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت أنَّ عمر بن الخطاب غسل ما رأى، ونضح ما لم ير وأعاده بعدما أضحى متمكنًا.
[ ١ / ٦٠٧ ]
ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: يغسله كله.
ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه.
ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال سأل رجل عمر بن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة فقال: "إن كان رطبًا فاغسله وإن كان يابسًا فاحككه، وإن خفي عليك فارششه".
قالوا: وقد ثبت تسمية المني أذى كما سمى دم الحيض أذى، والأذى هو النجس فقال الطحاوي: ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق بن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه قالت: "نعم إذا لم يصبه أذى" وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه.
وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: " كان رسول الله يصلي في لحف نسائه".
قالوا: وأَّما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بإذخرة وفركه فإنَّما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة.
قالوا: وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط، والبول، والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك.
[ ١ / ٦٠٨ ]
قالوا: وإنَّما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك، ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئًا مما روي في ذلك عن النبي ﷺ.
قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب، ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثًا أغلظ الأحداث لأنَّه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط، والبول خروجهما حدث، وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما، ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضًا أنَّه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه.
قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أمَّا كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ فلا ريب أنَّ الثوب يغسل من القذر، والوسخ. والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة. وتمسحه أخرى. وتفركه أحيانًا ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها، واختلافها، وأمَّا أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنَّه قال: "إنَّما هو بمنزله المخاط، والبصاق فأمطه عنك، ولو بإذخرة"، وأمره بغسله للاستقذار،
[ ١ / ٦٠٩ ]
والنظافة، ولو قدر أنَّه للنجاسة عنده، وأنَّ الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنَّا لا نعلم عن صحابي، ولا أحد أنَّه قال إنَّه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلًا وأمرًا وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطبًا وفركه يابسًا كالمخاط.
وأمَّا قولكم: ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك. وقول أم حبيبة: "ما لم ير فيه أذى" لا يدل على أنَّ مرادها بالأذى المني لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام فإنَّها إنَّما أخبرت بأنَّه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه مالم يصبه أذى، ولم تزد.
فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد بتفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني البتة فإنَّ لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها، وهي لا تشعر، وقد يكون الترك تنزها عنه، وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه، وأنظف فأين دليل التنجيس.
وأمَّا حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتم الأحاديث حقها، وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنَّها إنَّما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة، وإنكارهم على من نجس المني.
قالت عائشة ﵂: "كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه" وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعًا وموقوفًا: "إنَّما هو كالمخاط، والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة" وبالجملة فمن المحال أن يكون نجسًا والنبي صلى الله
[ ١ / ٦١٠ ]
عليه وسلم يعلم شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يومًا من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه.
وأمَّا قولكم: إنَّ الآثار قد اختلفت في هذا الباب، ولم يكن في المروي عن النبي ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم ذلك من طريق النظر فيقال: الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة، وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أنَّ الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف البتة.
ولم يأمر رسول الله أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بيانًا شافيًا ولله الحمد.
وأمَّا ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلًا، ولا شرعًا، ولا حسًا، وإنَّما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار، والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسًا، ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضًا فقد ثبت عن الصحابة أنَّهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة، وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا، وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته، والآثار تدل على طهارته، وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلاَّ ما
[ ١ / ٦١١ ]
نجسه الشرع، وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة، والله أعلم» اهـ.
قلت: ومن الأدلة التي استدل بها القائلون بطهارة المني
ما رواه ابن خزيمة (٢٩٠)، والبيهقي في [المعرفة] (١٣٥٤) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق عن محمد بن قيس الأسدي عن محارب بن دثار عن عائشة: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحُتُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي».
قلت: هذا إسناد منقطع بين محارب بن دثار وعائشة ﵂.
وروى ابن حبان (١٣٨٠) أخبرنا محمد بن علان بأذنة قال: حدثنا لوين قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ».
قلت: الحديث رواه حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ».
أخرجه والشافعي في [مسنده] (١٥٩٢)، وأحمد (٢٤٩٨٠، ٢٥٨١٩)، وأبو داود (٣٧٢)، وابن الجارود في [المنتقى] (١٣٧)، والبيهقي في [المعرفة] (١٣٥٣).
ورواه خالد بن مهران الحذاء عن زياد بن كليب التميمي الحنظلي، أبو معشر الكوفي عن إبراهيم عن علقمة والأسود أن رجلًا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه
[ ١ / ٦١٢ ]
فقالت عائشة: «إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ إِنْ رَأَيْتَهُ أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ فَإِنْ لَمْ تَرَ نَضَحْتَ حَوْلَهُ وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ». أخرجه مسلم (٢٨٨).
ورواه البخاري (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١) واللفظ له، ومسلم (٢٨٨) من طريق سليمان بن يسار عن عائشة قالت: «كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ».
قلت: هذا هو المحفوظ في حديث عائشة. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٦١٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».
وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».
قوله: «شُعَبِهَا الأَرْبَعِ» الشعب جمع شعبة وهي الطائفة من الشيء والقطعة منه واختلف العلماء في المراد بالشعب الأربع فقال بعضهم: يداها ورجلاها، وقال بعضهم: رجلاها وفخذاها، وقال بعضهم: فخذاها وإسكتاها، وقال بعضهم: فخذاها وشفراها وهما طرفا الإسكتين، والإسكتان هما ناحيتا الفرج كالشفتين بالنسبة للفم، وقال بعضهم: نواحي الفرج الأربع. والمراد بذلك التكنية عن الجماع.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (٧٦): «والأقرب عندي: أن يكون المراد: اليدين والرجلين أو الرجلين والفخذين ويكون الجماع مكنيًا عنه بذلك ويكتفي بما ذكر عن التصريح وإنَّما رجحنا هذا: لأنَّه أقرب إلى الحقيقة إذ هو حقيقة في الجلوس بينهما وأمَّا إذا حمل على نواحي الفرج: فلا جلوس بينها حقيقة» اهـ.
قوله: «ثُمَّ جَهَدَهَا» أي بلغ جهدها وهو مشقتها. وهو عبارة عن الاجتهاد في إيلاج الحشفة في الفرج.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه لا يشترط في الجلوس تمكين المقعدة من الأرض.
[ ١ / ٦١٤ ]
٢ - أنَّ الغسل يجب بمجرد الإيلاج ولو لم يحصل إنزال.
وجاء الحديث عند مسلم (٣٤٨) بلفظ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».
وقد كان هناك نزاع قديم في هذه المسألة ثم استقر الإجماع على وجوب الغسل بمجرد الإيلاج وإن لم يحصل الإنزال.
قلت: وأمَّا حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ». رواه مسلم (٣٤٣) فلأهل العلم في توجيه قولان:
القول الأول: أنَّ المفهوم من هذا الحديث منسوخ، والمفهوم ها هنا هو مفهوم الحصر.
القول الآخر: ما ذهب إليه ابن عباس ﵁ وغيره إلى أنَّه ليس بمنسوخٍ بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل وهذا الحكم باق بلا شك.
وأمَّا حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي أَهْلَهُ ثُمَّ لَا يُنْزِلُ قَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ». رواه مسلم (٣٤٦) بهذا اللفظ، ورواه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي».
وحديث زيد بن خالد الجهني أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، ﵁، قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ: «"يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ"
[ ١ / ٦١٥ ]
قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ». رواه البخاري (١٧٩، ٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧).
فهذا كان في أول الأمر ثم وجب الاغتسال بمجرد الإيلاج.
ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (٢١٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْبَزَّازُ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللهِ فِي بَدْءِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالاِغْتِسَالِ بَعْدُ».
قلت: هذا حديث ظاهره أنَّه صحيح، ورواه أحمد (٢١١٣٨، ٢١١٣٩، ٢١١٤٢) الترمذي (١١٠)، وابن ماجه (٦٠٩) من طريق أخرى.
* * *
[ ١ / ٦١٦ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٦ - عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃: أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ؟ فَقَالَ: صَاعٌ يَكْفِيكَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْك شَعَرًَا، وَخَيْرًا مِنْكَ - يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ». وفي لفظ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثًا».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٠): «وقد قيل: إنَّ هذا الرجل الذي قال لجابر: "ما يكفيني" هو الحسن بن محمد بن الحنفية، وهو أول من تكلم بالإرجاء.
وقيل: إنَّه كان يميل إلى بعض مذاهب الإباضية في كثرة استعمال الماء في الطهارة» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٩): «وفي هذا: دلالة على أنَّ سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي ﷺ كما كان يطلبه غيرهم، فدل ذلك كذب ما تزعمه الشيعة، أنَّهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم، وأنَّهم مختصون بعلم، يحتاج الناس كلهم إليه، ولا يحتاجون هم إلى أحد، وقد كذبهم في ذلك جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت ﵃» اهـ.
[ ١ / ٦١٧ ]
٢ - فيه استحباب الاقتصاد في ماء الجنابة.
٣ - الأفضل الاقتصار على الصاع في الغسل، والمد في الوضوء؛ لأنَّ هذا هو الغالب من فعل النبي ﷺ، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٣٢٦) عن سفينة قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَيُوَضِّؤُهُ الْمُدُّ».
وفي اللفظ الآخر قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَطَهَّرُ بِالْمُدِّ» اهـ.
ويجوز الزيادة على ذلك في بعض الأوقات لما رواه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥)
عن أنس قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ».
وروى مسلم (٣١٩) عن عائشة: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ مِنْ الْجَنَابَةِ».
وفي لفظ: قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ وَهُوَ الْفَرَقُ وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٨): «قوله: "الفرق" قال سفيان: هو ثلاثة آصع. أمَّا كونه ثلاثة آصع فكذا قاله الجماهير وهو بفتح الفاء وفتح الراء وإسكانها لغتان حكاهما ابن دريد وجماعة غيره، والفتح أفصح وأشهر. وزعم الباجي أنَّه الصواب. وليس كما قال بل هما لغتان» اهـ.
[ ١ / ٦١٨ ]
لكنه ﵀ قال بعد ذلك: «وأمَّا قولها: "كان يغتسل من الفرق" فلفظه "من" هنا المراد بها بيان الجنس والإناء الذي يستعمل الماء منه وليس المراد أنه يغتسل بماء الفرق بدليل الحديث الآخر كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من قدح يقال له الفرق وبدليل الحديث الآخر يغتسل بالصاع» اهـ.
وقال ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٧): «قال العلماء: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد. والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. والمد رطل وثلث. ذلك معتبر على التقريب لا على التحديد وهذا هو الصواب المشهور» اهـ.
٤ - احتج به من قال: لا يجزئ في الغسل دون الصاع ولا في الوضوء دون المد، وحكي ذلك عن أبي حنيفة.
والصحيح الإجزاء لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنَّ الله ﷿ أمر بالغسل مطلقًا من غير أن يحد ذلك بشيء معين.
الوجه الثاني: أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه حد الاغتسال بمقدار معين من الماء.
الوجه الثالث: أنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ الاغتسال والوضوء بما هو دون ذلك.
[ ١ / ٦١٩ ]
فروى مسلم (٧٢٨) عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر - وكانت تحت المنذر بن الزبير - أنَّ عائشة أخبرتها: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ».
وروى أبو داود (٩٤)، والنسائي (٧٤) عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن حبيب الأنصاري قال سمعت عباد بن تميم عن جدته وهي أم عُمَارَةَ: «أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَأُتِىَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرُ ثُلُثَىِ الْمُدِّ».
قلت: هذا حديث صحيح وقد خولف محمد بن جعفر المشهور بغندر في هذا الحديث.
فرواه الحاكم (٥١٠، ٥٧٨)، وابن حبان (١٠٨٣) البيهقي في [الكبرى] (١/ ١٩٦) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا شعبة عن حبيب بن زيد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد:
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ».
وقد تابع يحيى بن زكريا بن أبي زائدة في هذا الحديث سليمان بن حيان الأزدي أبو خالد الأحمر، ومعاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري. رواه البيهقي في [الكبرى] (١/ ١٩٦).
وقال ﵀: «قال أبو زرعة الرازي: الصحيح عندي حديث غندر» اهـ.
قلت: كلام أبي زرعة رواه ابن أبي حاتم في [العلل] (١/ ٢٥) حيث قال ﵀:
[ ١ / ٦٢٠ ]
«وسألت أبا زرعة، عن حديث؛ رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبو داود، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، عن النبي ﷺ: "أنه أتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد فتوضأ به".
ورواه غندر، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن جدته أم عمارة، عن النبي ﷺ.
فقال أبو زرعة: الصحيح عندي حديث غندر» اهـ.
٥ - وفي الحديث أنَّ النبي صلى اله عليه وسلم كان يعفي شعر رأسه.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٦/ ٧٧ - ٧٨): «أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر يعني الأثرم قال سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن صفة شعر النبي ﷺ؟ فقال: جاء في الحديث أنَّه كان إلى شحمة أذنيه وفي بعض الحديث إلى منكبيه وفي بعض الحديث أنَّه فرق، قال: وإنَّما يكون الفرق إذا كان له شعر قال، وأحصيت عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ أنَّهم كان لهم شعر فذكر منهم أبا عبيدة ابن الجراح، وعمار بن ياسر، والحسن، والحسين، وعن ابن مسعود أنَّ شعره كان يبلغ ترقوته وأنَّه كان إذا صلى جعله وراء أذنيه.
قال أبو عمر: فيما حكاه أحمد بن حنبل ﵀ أنَّه أحصى من الصحابة ثلاثة عشر رجلًا لهم شعر دليل على أنَّ غيرهم وهم الأكثر لم يكن لهم شعر على تلك الهيئة والشعر الذي يشير إليه هي الجمة والوفرة وفي هذا دليل على إباحة الحلق
[ ١ / ٦٢١ ]
وعلى حبس الشعر لأنَّ الهيئتين جميعًا قد أقر عليهما رسول الله ﷺ أصحابه ولم ينه عن شيء منهما فصار كل ذلك مباحًا بالسنة وبالله التوفيق».
وقال ﵀: (٦/ ٨٠): «قد حلق الناس رؤوسهم وتقصصوا وعرفوا كيف ذلك قرنًا بعد قرن من غير نكير والحمد لله.
قال أبو عمر: صار أهل عصرنا لا يحبس الشعر منهم إلاَّ الجند عندنا لهم الجمم والوفرات وأضرب عنها أهل الصلاح والستر والعلم حتى صار ذلك علامة من علاماتهم وصارت الجمم اليوم عندنا تكاد تكون علامة السفهاء وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" أو "حشر معهم" فقيل من تشبه بهم في أفعالهم وقيل من تشبه بهم في هيئاتهم وحسبك بهذا فهو مجمل في الإقتداء بهدى من الصالحين على أي حال كانوا والشعر والحلق لا يغنيان يوم القيامة شيئًا وإنَّما المجازاة على النيات والأعمال فرب محلوق خير من ذي شعر ورب ذي شعر رجلًا صالحًا» اهـ.
قلت: وقد استحب اتخاذ الشعر الإمام أحمد ﵀.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١١١): «فصل: واتخاذ الشعر أفضل من إزالته.
قال أبو إسحاق سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر فقال: سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه» اهـ.
[ ١ / ٦٢٢ ]
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (١/ ١٥٠) - عند كلامه على حديث عائشة ﵂ قالت: «كان شعر رسول الله ﵌ فوق الوفرة ودون الجمة» -:
«والحديث يدل على استحباب ترك الشعر على الرأس إلى أن يبلغ ذلك المقدار» اهـ.
وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ] (٢/ ٢٩):
«اتخاذ الشعر والاعتناء به مستحب، ولهذا في صفة الخوارج أنَّ من سيماهم التحليق فدل على أن غيرهم في ذلك الزمان لا يحلقون فالشعور توفر وتبقى، وبقاؤها سنة لمن قصد الاستنان بالنبي، وهي محبوبة متخذة للجمال بالنسبة إلى الأمور الطبيعية، أمَّا إبقاء الشعر مع إهماله فلا.
ثم إبقاء الشعر مستحب - كما تقدم - ما لم يخرج إلى طور آخر كأن يكون من شأن السفهاء فإذا كان كذلك فلا ينبغي» اهـ.
قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [شرح رياض الصالحين] (١/ ١٩٤٧): «وفي هذه الأحاديث دليل على أن اتخاذ الشعر ليس بسنة ومعنى اتخاذ الشعر أن الإنسان يبقي شعر رأسه حتى يكثر ويكون ضفرة أو لمة فهو عادة من العادات ولو كان سنة لقال النبي ﷺ اتركوه لا تحلقوه في الصبي ولما حلق رؤوس أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ ولكنه أي اتخاذ الشعر عادة إذا اعتاده الناس فاتخذه وإن لم يعتده الناس فلا تتخذه وأما من ذهب إلى أنه سنة
[ ١ / ٦٢٣ ]
من أهل العلم فإن هذا اجتهاد منهم والصحيح أنه ليس بسنة وأننا لا نأمر الناس باتخاذ الشعر بل نقول إن اعتاده الناس وصار الناس يتخذون الشعر فاتخذه لئلا تشذ على العادة وإن كانوا لا يتخذونه كما هو معروف الآن في أهلنا فلا تتخذه ولهذا كان مشايخنا الكبار كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهم من العلماء لا يتخذون الشعر لأنَّه ليس بسنة ولكنه عادة والله الموفق» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين] (١١/ ٧٧):
«واتخاذ شعر الرأس مختلف فيه هل هو من السنن المطلوب فعلها؟ أو هو من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما اعتاده الناس في وقته؟
والراجح عندي: أنَّ هذا من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما جرى عليه الناس في وقته، فإذا كان من عادة الناس اتخاذ الشعر وتطويله - فإنه يفعل، وإذا كان من عادة الناس حلق الشعر أو تقصيره فإنه يفعل.
ولكن البلية كل البلية أنَّ هؤلاء الذين يعفون شعور رؤوسهم لا يعفون شعور لحاهم ثم هم يزعمون أنَّهم يقتدون بالرسول ﷺ، وهم في ذلك غير صادقين فهم يتبعون أهواءهم ويدل على عدم صدقهم في اتباع الرسول ﷺ، إنَّك تجدهم قد أضاعوا شيئًا من دينهم هو من الواجبات كإعفاء اللحية مثلًا، فهم لا يعفون لحاهم وقد أمروا بإعفائها وكتهاونهم في الصلاة وغيرها من الواجبات الأخرى مما يدلك على أن صنيعهم في إعفاء شعورهم ليس المقصود به التقرب إلى الله ولا اتباع رسول الله ﷺ، وإنما هي عادة استحسنوها فأرادوها ففعلوها» اهـ.
[ ١ / ٦٢٤ ]
٦ - قوله: «ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ» يدل على مشروعية الصلاة في الثوب الواحد، وقد كان هناك خلاف قديم ينسب إلى ابن مسعود وغيره، ثم استقر الأمر على الجواز.
وقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٢٠٧) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «اخْتَلَفَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ أُبَيٌّ: ثَوْبٌ، وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: ثَوْبَانِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا عُمَرُ فَلَامَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيَسُوؤُنِي أَنْ يَخْتَلِفَ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَعَنْ أَيِّ فُتْيَاكُمَا يَصْدُر النَّاسُ؟ أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَأْلُ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ».
قلت: هذا أثر صحيح.
قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥): «فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد وهو قول كافة العلماء وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة إذا كان ساترًا للعورة، وقال القاضي عياض والنووي وغيرهما لا خلاف في جواز الصلاة في الثوب الواحد إلَّا شيء روي عن ابن مسعود. قال النووي ولا أعلم صحته.
قلت: له عنه أربع طرق رواه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد قال اختلف أبي وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد فقال أبي ثوب وقال ابن مسعود ثوبان.
[ ١ / ٦٢٥ ]
ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عيينة عن عمرو عن الحسن قال اختلف أبي وابن مسعود فذكره وهو منقطع فإن الحسن لم يسمع من ابن مسعود. في معجم الطبراني الكبير عن عاصم عن ذر عن عبد الله قال يصلي الرجل في ثوبين.
وفي مصنف ابن أبي شيبة من رواية أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود قال لا تصلين في ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض وهذا إسناد ضعيف جدًا وذكر ابن بطال أنَّه روي عن عمر مثل قول ابن مسعود.
قلت: والصحيح المشهور عنه كقول الجمهور» اهـ.
قلت: وقد روى البخاري (٣٦٥)، ومسلم (٥١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
«قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ، عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: "أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ" ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ- قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ».
هذا لفظ البخاري واقتصر مسلم على المرفوع.
وروى البخاري (٣٥٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: «صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ».
وروى البخاري (٣٥٣) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: «رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ
[ ١ / ٦٢٦ ]
وَاحِدٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ».
وفي لفظ للبخاري (٣٧٠) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ قَالَ نَعَمْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي هَكَذَا».
وروى مسلم (٣٠٠٧) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِى نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِى هَذَا الْحَىِّ مِنَ الأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا- إلى أن قال-:
«ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِى مَسْجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَتُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ قَالَ فَقَالَ بِيَدِهِ فِى صَدْرِى هَكَذَا وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَىَّ الأَحْمَقُ مِثْلُكَ فَيَرَانِى كَيْفَ أَصْنَعُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ …».
وروى مسلم (٥١٨) من طريق أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ».
وروى البخاري (٣٥٥)، ومسلم (٥١٧) عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ».
[ ١ / ٦٢٧ ]
وروى مسلم (٥١٩) عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ».
* * *
[ ١ / ٦٢٨ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: