من المسائل التي يحتاج إلى معرفتها عقد الاستصناع، وهل يدخل في بيع السلم أو لا.
وقبل الخوض في ذلك نبدأ في تبيين حقيقة هذا العقد.
فَأَقُوْلُ: الاستصناع في اللغة: طلب الصنعة، والصنعة: عمل الصانع في صنعته أي حرفته.
وهو في اصطلاح الفقهاء: العقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة. كالعقد مع النجار على صناعة بعض الأبواب، والدواليب، وغير ذلك. ومثل ذلك أيضًا التعاقد مع الخياطين، والحدادين، وصناع الأواني والأحذية وغيرهم.
وفي هذا العقد تكون مادة الصنعة والعمل من الصانع، فإذا كانت العين من المستصنع لا من الصانع، فإنَّ العقد يكون إجارة لا استصناعًا. وتدخل في هذه المعاملة ما يسمى بالمقاولات، ويشترط في جميع ذلك أن تكون مواد العمل من الصانع، أو المقاول، وإلَّا كانت إجارة.
والذي عليه جمهور العلماء أنَّ الاستصناع على الصورة التي ذكرناها من بيع السلم، ويجري فيه شروط بيع السلم، وخالفت الحنفية فلم يجعلوه من السلم، ولم يجروا عليه جميع شروط السلم، فذهبوا إلى أنَّه لا يذكر فيه الأجل وإذا ذكر فيه صار سلمًا وجرت عليه أحكام السلم وخالف في ذلك صاحبا أبي حنيفة فأجازاه لأجل ولغير أجل، وجوزت الحنفية تأخير جميع الثمن أو بعضه في هذه المعاقدة.
[ ٨ / ٣٠٢ ]
وخالف زفر من الحنفية فذهب إلى عدم مشروعية الاستصناع على الصفة المذكورة عند الحنفية.
والذي عليه أكثر الحنفية أنَّ الاستصناع بيع عين وليس بإجارة، وذهب بعضهم إلى أنَّه إجارة.
ويشترط في الاستصناع عند من جوَّزه أن تكون مواد الصنع من الصانع لا من المستصنع فإذا كانت من المستصنع فإنَّ العقد يكون إجارة لا استصناعًا كما سبق.
وأكثر أهل العلم المعاصرين على صحة الاستصناع وأنَّه لا يشترط فيه تقديم الثمن في مجلس العقد فيجوز تقديم البعض وتأخير البعض، أو تأخير الجميع، وذهبوا إلى أنَّ الأجل شرط فيه.
وقد جعلوا الاستصناع عقدًا مستقلًا لا يدخل في أي نوع من أنواع العقود.
وهو متردد عندهم بين ثلاث عقود:
فهو يشبه عقد البيع لدخول المادة فيه وكونها من جهة الصانع.
وهو يشبه عقد الإجارة لدخول العمل فيه.
وهو يشبه عقد السلم لكونه في الذمة.
فلما لم يمكن اعتباره عقدًا من هذه العقود لتردده بينها اعتبروه عقدًا مستقلًا.
وَأَقُوْلُ: الذي عليه عامة العلماء - خلافًا لبعض الحنفية الذين جعلوه إجارة - هو أنَّ الاستصناع من جملة البيع وأنَّه عقد على المبيع بالصفات المتفق عليها.
[ ٨ / ٣٠٣ ]
وإذا كان الأمر كذلك فبيع الشيء في الذمة إلى أجل هو السلم.
ودخول العمل في الاستصناع كدخول العمل من الزارع في أرضه، وذلك أنَّ من عَقَدَ السَّلَمَ مثلًا مع صاحب زرع على شيء معلوم من الحب فإنَّ الحب لا يتم إلَّا بعمل من الزارع، ومثل هذا العمل لا يخرج العقد عن أن يكون سلمًا، وأجاز الجمهور السلم في الخبز وهو مما تدخله الصناعة.
فالصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء من أنَّ عقد الاستصناع من بيع السلم فلا بد من مراعاة شروطه الشرعية التي سبق ذكرها. والله أعلم.
ومن أراد أنَّ يتعامل بهذه المعاملة -وهي الاستصناع- فينبغي له أن يسلك في ذلك بعض الطرق الشرعية وهي كالآتي:
الأولى: أن يشتري المواد بنفسه ويعقد مع المصنع عقد إجارة بأجرة معلومة.
الثانية: أن يوكل المصَنِّع بشراء مواد التصنيع ثم يوليه صناعتها بأجرة معلومة.
الثالث: أن يعقد مع المصنع عقد سلم وتكون مادة التصنيع من قبل المصَنِّع ويراعى في ذلك سائر شروط السلم.
ولا يجوز في عقد السلم أن يشترط أن تكون السلعة من صناعة البائع نفسه، أو من صنعة صانع آخر معين، بل يجب أن يكون العقد مبهمًا.
* * *
[ ٨ / ٣٠٤ ]