٢٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
البيوع جمع بيع وهو في اللغة: مبادلة المال بالمال، تمليكًا، وتملكًا.
وهو مشتق من الباع؛ لأنَّ كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات خيار المجلس في البيع، وهو من محاسن هذه الشريعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٦٤):
«فإنَّ الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضي الذي شرطه تعالى فيه، فإنَّ العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروى فيه المتبايعان ويعيدان النظر ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًا، فلا أحسن من هذا الحكم ولا أرفق لمصلحة الخلق» اهـ.
٢ - أنَّ خيار المجلس ينتهي بأحد أمرين:
[ ٨ / ٢ ]
الأول: التخيير. وهو أن يخير أحدهما الآخر بإمضاء البيع أو فسخه، فأيهما اختارا تم، ولا خيار مجلس حينئذٍ. وهو مذهب الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين، وغيرهم، وقال أحمد في الرواية الأخرى: لا يتم البيع حتى يتفرقا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٣٦):
«وأمَّا قوله ﷺ: "إلَّا بيع الخيار". فيه ثلاثة أقوال ذكرها أصحابنا وغيرهم من العلماء:
وأصحها: أنَّ المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلَّا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة.
والقول الثاني: أنَّ معناه إلَّا بيعًا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة.
والثالث: معناه إلَّا بيعًا شرط فيه ألَّا خيار لهما في المجلس فيلزم البيع بنفس البيع ولا يكون فيه خيار وهذا تأويل من يصحح البيع على هذا الوجه.
والأصح عند أصحابنا بطلانه بهذا الشرط فهذا تنقيح الخلاف في تفسير هذا الحديث. واتفق أصحابنا على ترجيح القول الأول وهو المنصوص للشافعي ونقلوه عنه وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله» اهـ.
[ ٨ / ٣ ]
والآخر: التفرق، والمراد به التفرق بالأبدان على الصحيح، وهو مذهب الجمهور.
وحمله آخرون على التفرق بالأقوال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢٣٩):
«وذهبت طائفة إلى أنَّ البيع يتم بالقول دون الافتراق بالأبدان، ومعنى قوله ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" أنَّ البائع إذا قال له: قد بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشترى: قد قبلت. والمتبايعان هما المتساومان. روى هذا القول عن النخعي، وهو قول ربيعة ومالك وأبي حنيفة ومحمد» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تأويل لا يستقيم لوجوه:
الأول: أنَّ راويا الحديث ابن عمر، وأبو برزة الأسلمي فسرا الحديث بالتفرق بالأبدان لا الأقوال.
فروى البخاري (٢١٠٧) عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ».
ورواية مسلم (١٥٣١): «فَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا، فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ، قَامَ فَمَشَى هُنَيَّةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ».
وروى أبو داود (٣٤٥٧) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ، قَالَ: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا بِغُلَامٍ، ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا فَلَمَّا أَصْبَحَا مِنَ الْغَدِ حَضَرَ الرَّحِيلُ، فَقَامَ إِلَى فَرَسِهِ يُسْرِجُهُ فَنَدِمَ، فَأَتَى الرَّجُلَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ فَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو
[ ٨ / ٤ ]
بَرْزَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَقَالَا لَهُ: هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».
قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: حَدَّثَ جَمِيلٌ أَنَّهُ، قَالَ: مَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
الثاني: قوله في الحديث: «وَكَانَا جَمِيعًا». ظاهر في حمل التفرق على التفرق في الأبدان.
الثالث: جاء الحديث في البخاري (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) عن ابن عمر، ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه قال: «… وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ». وهو ظاهر في التفرق بالأبدان، وذلك أنَّ التفرق بعد التبايع هو التفرق بالأبدان، والتفرق بالأقوال هو حقيقة التبايع المتقدم.
الرابع: أنَّ حمل المتبايعين على المتساومين حمل للكلام على غير ظاهره، وهذا مما لا يقبل من غير دليل يدل عليه.
الخامس: أنَّ حمل التفرق على التفرق بالإيجاب من جهة البائع، والقبول من جهة المشتري غير مستقيم؛ فإنَّ حقيقة ذلك التوافق لا الافتراق.
[ ٨ / ٥ ]
السادس: روى أحمد (٦٧٢١)، وأبو داود (٣٤٥٨)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٤٤٨٣) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وهذا الحديث صريح على المفارقة بالأبدان، فإنَّ المفارقة بالأقوال لا ينهى عنها.
السابع: حمل الخيار في الفسخ أو الإمضاء على ما كان قبل قبول المشتري مما لا يحتاج إلى التنصيص عليه، فإنَّ كل شخص يعلم أنَّه لا إلزام في البيع قبل انعقاده فأي فائدة في التنصيص على مثل ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ١٨ - ١٩):
«وأمَّا ما اعتلوا به من أنَّ الافتراق قد يكون بالكلام وأنَّه جائز أن يكون أريد بذكر الافتراق في هذا الحديث الافتراق بالكلام، فيقال لهم خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره، فإن قالوا هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل لأنَّه ليس ثم كلام غير ذلك، وإن قالوا هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم: كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم بيعهما به افترقا وبه انفسخ بيعهما هذا ما لا يفهم ولا يعقل والاجتماع ضد
[ ٨ / ٦ ]
الافتراق فكيف يجوز أن يكون الكلام الذي اجتمعا به افتراقا به نفسه هذا عين المحال والفاسد من المقال.
وأمَّا قولهم المتساومان في معنى المتبايعين فلا وجه له لأنَّه لا تكون حينئذ في الكلام فائدة ومعلوم أنَّ المتساومين بالخيار كل واحد منهما على صاحبه ما لم يقع الإيجاب بالبيع والعقد والتراضي فكيف يرد الخبر بما لا يفيد فائدة وهذا ما لا يظنه ذو لب على رسول الله ﷺ» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٣١):
«قال البيضاوي ومن نفى خيار المجلس أرتكب مجازين بحمله التفرق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضًا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه لأنَّه يصير تقديره أنَّ المتساومين إن شاءا عقدا البيع وإن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل الحاصل، لأنَّ كل أحد يعرف ذلك، ويقال لمن زعم أنَّ التفرق بالكلام ما هو الكلام الذي يقع به التفرق أهو الكلام الذي وقع به العقد أم غيره فإن كان غيره فما هو فليس بين المتعاقدين كلام غيره، وإن كان هو ذلك الكلام بعينه لزم أن يكون الكلام الذي اتفقا عليه وتم بيعهما به هو الكلام الذي افترقا به وانفسخ بيعهما به وهذا في غاية الفساد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣١):
[ ٨ / ٧ ]
«فإن قيل: المراد بالتفرق هاهنا التفرق بالأقوال، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وقال النبي ﷺ: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". أي بالأقوال والاعتقادات.
قلنا: هذا باطل لوجوه:
منها: أنَّ اللفظ لا يحتمل ما قالوه؛ إذ ليس بين المتبايعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد، إنَّما بينهما اتفاق على الثمن والمبيع بعد الاختلاف فيه.
الثاني: أنَّ هذا يبطل فائدة الحديث؛ إذ قد علم أنَّهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه، أو تركه.
الثالث: أنَّه قال في الحديث: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار".
فجعل لهما الخيار بعد تبايعهما، وقال: "وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع".
الرابع: أنَّه يرده تفسير ابن عمر للحديث بفعله، فإنَّه كان إذا بايع رجلًا مشى خطوات؛ ليلزم البيع، وتفسير أبي برزة له، بقوله على مثل قولنا، وهما راويا الحديث، وأعلم بمعناه» اهـ.
قُلْتُ: ومرجع التفرق إلى العرف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٣):
[ ٨ / ٨ ]
«والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعادتهم، فيما يعدونه تفرقا؛ لأنَّ الشارع علق عليه حكمًا، ولم يبينه، فدل ذلك على أنَّه أراد ما يعرفه الناس، كالقبض، والإحراز، فإن كانا في فضاء واسع، كالمسجد الكبير، والصحراء، فبأن يمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات، وقيل: هو أن يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة.
قال أبو الحارث: سئل أحمد عن تفرقة الأبدان؟ فقال: إذا أخذ هذا كذا، وهذا كذا، فقد تفرقا.
وروى مسلم، عن نافع، قال: فكان ابن عمر إذا بايع، فأراد أن لا يقيله، مشى هنيهة، ثم رجع.
وإن كانا في دار كبيرة، ذات مجالس وبيوت، فالمفارقة أن يفارقه من بيت إلى بيت، أو إلى مجلس، أو صفة، أو من مجلس إلى بيت، أو نحو ذلك.
فإن كانا في دار صغيرة، فإذا صعد أحدهما السطح، أو خرج منها، فقد فارقه.
وإن كانا في سفينة صغيرة، خرج أحدهما منها ومشى، وإن كانت كبيرة صعد أحدهما على أعلاها، ونزل الآخر في أسفلها.
وهذا كله مذهب الشافعي» اهـ.
٣ - إطلاق الحديث يشمل من تعمد التفرق خشية الإقالة، وبه أخذ ابن عمر، لكن روى أحمد (٦٧٢١)، وأبو داود (٣٤٥٨)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي
[ ٨ / ٩ ]
(٤٤٨٣) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ كما سبق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٦):
«وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية من فسخ البيع، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، فإنَّه ذكر له فعل ابن عمر، وحديث عمرو بن شعيب، فقال: هذا الآن قول النبي ﷺ، وهذا اختيار أبي بكر.
وذكر القاضي، أنَّ ظاهر كلام أحمد، جواز ذلك؛ لأنَّ ابن عمر كان إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه. متفق عليه.
والأول أصح؛ لأنَّ قول النبي ﷺ يقدم على فعل ابن عمر. والظاهر أنَّ ابن عمر لم يبلغه هذا، ولو علمه لما خالفه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٦٤ - ١٦٥):
«وقد قال النبي ﷺ: "البيعان بالخيار حتى يتفرقا إلَّا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله". فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل، وقد أشكل هذا على كثير من الفقهاء بفعل ابن عمر فإنَّه كان إذا أراد أن يلزم البيع مشى خطوات ولا إشكال بحمد الله في الحديث وهو من أظهر الأدلة على بطلان التحيل لإسقاط حق من له حق فإنَّ الشارع صلوات الله
[ ٨ / ١٠ ]
وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضي الذي شرطه تعالى فيه فإنَّ العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروى فيه المتبايعان ويعيدان النظر ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًا فلا أحسن من هذا الحكم ولا أرفق لمصلحة الخلق فلو مكن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر ومقصود الخيار بالنسبة إليه وهب أنَّك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروى فنهوضك حيلة على إسقاط حقه من الخيار فلا يجوز حتى يخيره فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حق الآخر من الخيار لم يدخل في هذا التحريم ولا يقال هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار لأنَّ باب سد الذرائع متى فاتت به مصلحة راجحة أو تضمن مفسدة راجحة لم يلتفت إليه فلو منع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة راجحة فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفقه للمصلحة والحكمة ولله الحمد» اهـ.
قُلْتُ: وقد ادعى ابن عبد البر ﵀ الإجماع على حل تعمد التفرق خشية الإقالة، فقال ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ١٦): «وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على ظاهر الحديث وقد كان ابن عمر وهو الذي روى حديث:
[ ٨ / ١١ ]
"البيعان بالخيار ما لم يفترقا". إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلًا ثم رجع» اهـ.
قُلْتُ: دعوى الإجماع في ذلك لا تصح لما سبق من مخالفة الإمام أحمد ﵀ في ذلك.
٤ - وظاهره شمول خيار المجلس في كل بيع، وقد استثنى بعض العلماء ما إذا تولى رجلٌ واحد طرفي البيع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٣):
«فإن كان المشتري هو البائع، مثل أن يشتري لنفسه من مال ولده، أو اشترى لولده من مال نفسه، لم يثبت فيه خيار المجلس؛ لأنَّه تولى طرفي العقد، فلم يثبت له خيار، كالشفيع، ويحتمل أن يثبت فيه، ويعتبر مفارقة مجلس العقد للزومه؛ لأنَّ الافتراق لا يمكن هاهنا، لكون البائع هو المشتري، ومتى حصل التفرق لزم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٧١):
«مسألة ذكرها العلماء: قالوا: إذا تولى واحد طرفي العقد فمتى يكون الخيار؟
يقولون: ليس فيه خيار؛ لأننا لو قلنا له الخيار بقي البيع جائزًا؛ لأنَّه لا يمكن أن يفارق الشخص نفسه.
مثاله: وكلتك أن تشتري لي كتابًا ووكلك آخر أن تبيعه له، فقُلْتُ: اشتريت الكتاب من فلان لفلان، فهنا تولى الوكيل طرفي العقد، والصحيح أن تولي طرفي العقد فيه الخيار ويكون المدار على مفارقة هذا الرجل للمكان الذي أمضى فيه
[ ٨ / ١٢ ]
البيع، فإذا قال الوكيل: اشتريت هذا الكتاب من فلان لفلان، ثم قام ومشى فالآن لزم البيع» اهـ.
قُلْتُ: والقول الأول أظهر عندي، فإنَّ مفارقة المكان في هذه الصورة كمفارقته من جانب البائع والمشتري معًا وهذا لا يفيد، فإنَّ الغرض إنَّما هو مفارقة البائع للمشتري، والعكس لا مفارقة المكان مع عدم افتراقهما.
٥ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٤٣٥):
«والتفرق بالموت أعظم، ويحتمل أن لا يبطل؛ لأنَّ التفرق بالأبدان لم يحصل. فإن حمل الميت بطل الخيار؛ لأنَّ الفرقة حصلت بالبدن والروح معًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٥/ ٥٧ - ٥٨):
«ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَيَكُونُ مَوْرُوثًا.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ: إِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَقَدْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ.
زَادَ أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ.
فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ: يُوجِبُ قَطْعَ الْخِيَارِ بِالْمَوْتِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَوْرُوثًا لِسَيِّدِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
[ ٨ / ١٣ ]
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَلَا إِلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْخِيَارُ بِمُفَارَقَةِ الْأَبْدَانِ، فَأَوْلَى أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْمَوْتِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ - وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ - لِأَنَّ الْخِيَارَ قَدْ ثَبَتَ فِي الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَفِي الثَّلَاثِ بِالشَّرْطِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الثَّلَاثِ بِالْمَوْتِ وَكَانَ مَوْرُوثًا، وَجَبَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْمَوْتِ وَيَكُونَ مَوْرُوثًا.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إِكْرَاهًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَكُونُ مُتَنَقِّلًا إِلَى وَارِثِ الْحُرِّ وسيد المكاتب.
وقوله فِي الْمُكَاتَبِ: فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ:
قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ يموت عبدًا.
[ ٨ / ١٤ ]
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْجَوَابَ مُخْتَلِفٌ عَلَى اخْتِلَافِ نَصَّيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ مُنْتَقِلًا عَنِ الْحُرِّ إِلَى وَارِثِهِ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. وَلَا يَنْتَقِلُ عَنِ الْمُكَاتَبِ إِلَى سَيِّدِهِ، وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحُرَّ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى وَارِثِهِ بِالْإِرْثِ وَحُدُوثِ الْمَوْتِ، فَقَامَ فِي الْخِيَارِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ، كَمَا قَامَ مَقَامَهُ فِي غَيْرِهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى سَيِّدِهِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ، لَا بِالْإِرْثِ، فَلَمَّا بَطَلَ خِيَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْمَوْتِ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى سَيِّدِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، كَالْوَكِيلِ إِذَا مَاتَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْتَقِلِ الْخِيَارُ إِلَى مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٩):
«الْأَحْكَامُ: فَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَطُرُقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَخِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَإِلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ فِي مُدَّتِهِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى أَنَّ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُخَرَّجًا مِنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَمَرْدُودٌ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَإِنْ كانت المدة باقية عند بلوع الْخَبَرِ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ الْخِيَارُ إلَى انْقِضَائِهَا وَإِنْ كانت قد انقضت فأربعة أوجه الوجهان الْأَوَّلَانِ مِنْهَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا:
أَصَحُّهُمَا: يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ.
[ ٨ / ١٥ ]
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَثْبُتُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ بَقِيَ عِنْدَ الْمَوْتِ.
والثالث: يبقى الخيار مادام الْمَجْلِسُ الَّذِي بَلَغَهُ فِيهِ الْخَبَرُ حَكَاهُ الْقَفَّالُ والروياني.
وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: يَسْقُطُ الْخِيَارُ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ لِفَوَاتِ الْمُدَّةِ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْخِيَارَ لِوَارِثِهِ، وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا بَاعَ وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ وَجَبَ الْبَيْعُ وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثُ طُرُقٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بدلائلها واضحة:
أحدها: وهو قول أبي إسحاق الْمَرْوَزِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَانِ:
أَصَحُّهُمَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ وَلِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَالثَّانِي: لَا يَثْبُتُ بَلْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمُفَارَقَةِ مِنْ مُفَارَقَتِهِ بِالْبَدَنِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُمَا قَطْعًا وَتَأْوِيلُ نَصِّ الْمُكَاتَبِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالثَّالِثُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْوَارِثِ دُونَ السَّيِّدِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ.
[ ٨ / ١٦ ]
وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ فَفِي انْتِقَالِ الْخِيَارِ إلَى وَارِثِهِمَا وَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي مَوْتِ أَحَدِهِمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إذَا بَاعَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ أَوْ اشْتَرَى وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ فَكَالْمُكَاتَبِ وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ هَلْ لَلْمُوَكِّلِ الْخِيَارُ فِيهِ الْخِلَافُ كَالْمُكَاتَبِ هَذَا إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَجْلِسِ الْوَكِيلِ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ ضَعِيفٍ يُعْتَبَرُ مجلس الموكل وهو شاذ ليس بشيء.
قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ فَقَدْ انْقَطَعَ خِيَارُ الْمَيِّتِ.
وَأَمَّا الْعَاقِدُ الْآخَرُ الْحَيُّ فَذَكَرَ الْبَغَوِيّ أَنَّ خِيَارَهُ لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَلْزَمُ الْعَقْدُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجُوزُ تَقْرِيرُ خِلَافٍ لِمَا سَبَقَ أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَتَبَعَّضُ سُقُوطُهُ كَمَوْتِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يُفَارِقَ مَجْلِسَهُ ثُمَّ يَنْقَطِعَ.
وَالثَّانِي: يَبْقَى إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ الْآخَرُ.
وَالثَّالِثُ: يَمْتَدُّ إلَى مُفَارَقَتِهِ مَجْلِسَ الْعَقْدِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا رَابِعًا أَنَّهُ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ فَإِذَا بَلَغَ الْخَبَرُ إلَى وَارِثِهِ حَدَثَ لِهَذَا الْحَيِّ الْخِيَارُ مَعَهُ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
[ ٨ / ١٧ ]
فَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ امْتَدَّ الْخِيَارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَاقِدِ الْآخَرِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلَهُ الْخِيَارُ إذَا وَصَلَهُ الْخَبَرُ وَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ إذَا وَرِثَهُ الْوَارِثُ وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ فَفِي وَجْهٍ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَفِي وَجْهٍ يَمْتَدُّ كَمَا كَانَ يَمْتَدُّ لِلْمَيِّتِ لَوْ بَقِيَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهِ لِلْعَاقِدِ الْبَاقِي:
أحدهما: له الخيار مادام فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خِيَارُ الْوَارِثِ ثَابِتًا فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يُشَاهِدُ فِيهِ الْمَبِيعَ.
وَالثَّانِي: يَتَأَخَّرُ خِيَارُهُ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالْوَارِثُ فِي مَجْلِسٍ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ وَجَمَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ هَذَا الخلاف فحكى في المسألة ثلاثة أوجه أحدها: يَثْبُتُ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَالثَّانِي: مَا لَمْ يُفَارِقْ مَجْلِسَ بُلُوغِ الْخَبَرِ.
وَالثَّالِثُ: مَا لَمْ يَجْتَمِعْ هُوَ وَالْعَاقِدُ الْآخَرُ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا رَابِعًا: أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا أَبْصَرَ السِّلْعَةَ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ ذَلِكَ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ خيار الوارث يثبت مادام فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ وهو قول أبي إسحاق الْمَرْوَزِيِّ
(فَرْعٌ): إذَا وَرِثَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَكَانُوا حُضُورًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَلَهُمْ الْخِيَارُ إلَى أَنْ يُفَارِقُوا الْعَاقِدَ الْآخَرَ وَلَا يَنْقَطِعُ بِمُفَارَقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ
[ ٨ / ١٨ ]
الْمَشْهُورِ وَبِهِ جَزَمَ الْأَكْثَرُونَ فَإِنْ كَانُوا غَائِبِينَ عَنْ الْمَجْلِسِ قَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ قُلْنَا فِي الْوَارِثِ الْوَاحِدِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ مُشَاهَدَةِ الْمَبِيعِ فَلَهُمْ الْخِيَارُ إذَا اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الْخِيَارُ إذَا اجْتَمَعَ هُوَ وَالْعَاقِدُ وَكَذَا لَهُمْ الْخِيَارُ إذَا اجْتَمَعُوا هُمْ وَهُوَ وَمَتَى فَسَخَ بَعْضُهُمْ وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ:
أحدهما: لا ينفسخ في شيء.
وَأَصَحُّهُمَا: يَنْفَسِخُ فِي الْجَمِيعِ كَالْمُوَرِّثِ لَوْ فَسَخَ فِي حَيَاتِهِ فِي بَعْضِهِ وَأَجَازَ فِي بَعْضٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُبَعَّضُ الفسخ لأنَّ فيه إضرارًا بِالْعَاقِدِ الْآخَرِ قَالَ: وَلَوْ حَضَرَ بَعْضُهُمْ وَغَابَ الْبَعْضُ فَلِلْحَاضِرِ الْخِيَارُ فَإِنْ فَسَخَ وَقُلْنَا يَغْلِبُ الْفَسْخُ نَفَذَ الْفَسْخُ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ أَجَازَ تَوَقَّفْنَا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ إلَى الْغَائِبِ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنْ مَاتَ الْبَائِعُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ فِي حِصَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ الْفَسْخُ لِكُلٍّ مِنْ وَرَثَتِهِ كَعَكْسِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ الْفَسْخُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ فَيَزُولُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ المتولي.
[ ٨ / ١٩ ]
(فرع): لوجن الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْقَطِعْ الْخِيَارُ بَلْ يَقُومُ وَلِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْحَظُّ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَفِيهِ وَجْهٌ مُخَرَّجٌ مِنْ الْمَوْتِ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْهُمْ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ قَالَ وليس هو بشيء وَلَوْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَجْلِسِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ أَوْ كِتَابَةٌ فهو على خياره وإلَّا نصب الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
(فَرْعٌ): إذَا جُنَّ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَأَقَامَ الْقَاضِي فِيمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْخِيَارِ فَفَسَخَ الْقَيِّمُ أَوْ أَجَازَ فَأَفَاقَ الْعَاقِدُ وَادَّعَى أَنَّ الْغِبْطَةَ خِلَافُ مَا فَعَلَهُ الْقَيِّمُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ وَجَدَ الْأَمْرَ كَمَا يَقُولُ الْمُفِيقُ مَكَّنَهُ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ وَنَقَضَ فِعْلَ الْقَيِّمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ادَّعَاهُ الْمُفِيقُ ظَاهِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَيِّمِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا فَعَلَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُفِيقُ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ.
(فَرْعٌ): قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ حَيْثُ أَثْبَتْنَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ لِلْوَارِثِ وَكَانَ وَاحِدًا فَإِنْ قَالَ: أَجَزْتُ انْبَرَمَ الْعَقْدُ، وَإِنْ قَالَ: فَسَخْتُ انْفَسَخَ، وَإِنْ قَالَ: أَجَزْتُ وَفَسَخْتُ أَوْ فَسَخْتُ وَأَجَزْتُ فَالْحُكْمُ بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا، وَإِنْ قَالَ: أَجَزْتُ في النصف وفسخت فِي النِّصْفِ غَلَبَ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ فَسَخَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَأَجَازَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْفَسْخُ كَمَا سَبَقَ» اهـ.
[ ٨ / ٢٠ ]
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو انتفاء الخيار بمجرد الموت، فإنَّ المفارقة بالموت أعظم من مفارقة الأبدان في حال الحياة. والله أعلم.
٦ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢٦٢):
«وقوله: "وكانا جميعًا" تأكيد لعدم التفرق، وفيها فائدة وهي ما إذا تبايع رجلان بالهاتف فإنَّه في هذه الحال لا خيار، بمجرد ما يقول أحد: بعت والثاني يقول: اشتريت وجب البيع» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو نفوذ البيع بإغلاق الهاتف، وأمَّا قبل إغلاقه فهما كالمجتمعين. والله أعلم.
* * *
[ ٨ / ٢١ ]
٢٤٩ - وَفِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيْثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات خيار المجلس إلى حين الافتراق، وقد مضى القول في ذلك.
٢ - أنَّ الصدق والبيان من أسباب البركة في البيع والشراء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣١١):
«وقوله: "صدقا". أي من جانب البائع في السوم ومن جانب المشترى في الوفاء. وقوله: "وبينا" أي لما في الثمن والمثمن من عيب فهو من جانبيهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٣٢):
«وقوله: "فإن صدقا وبيَّنا"؛ أي: إن صدقا في الإخبار عن الثمن والمثمون فيما يباع مرابحة، وبيّنا ما فيها من العيوب» اهـ.
٣ - وفيه أنَّه إذا حصل عكس ذلك وهو الكتمان، والكذب كان ذلك من أسباب محق البركة.
٤ - وفيه أنَّ الطاعات من أسباب البركة في المعاش، وأنَّ المعاصي من أسباب المحق في المعاش.
[ ٨ / ٢٢ ]
٥ - وفيه الحث على نصيحة المسلم لأخيه المسلم، وإن كانت في أمر الدنيا.
* * *
[ ٨ / ٢٣ ]