١٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا».
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِي الْعَدَوِي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ الْطَّالِبِ الْرَّبَانِي] (١/ ٤٢٤):
«(الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) جَمْعُ جِنَازَةٍ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَذْهَبُ الْخَلِيلِ أَنَّ الْجِنَازَةَ بِالْكَسْرِ خَشَبُ سَرِيرِ الْمَوْتَى، وَبِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَيِّتُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَالْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ النَّعْشُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَلَا يُقَالُ دُونَ مَيِّتٍ جِنَازَةٌ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إذَا ثَقُلَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٣):
«وَالنَّجَاشِيُّ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ وَأَمَّا أَصْحَمَةُ فَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ لِهَذَا الْمَلِكِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قال المطرز وبن خَالَوَيْهِ وَآخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَلَامًا مُتَدَاخِلًا حَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ النَّجَاشِيُّ وَمَنْ مَلَكَ الرُّومَ قَيْصَرُ وَمَنْ مَلَكَ الْفَرَسَ كِسْرَى وَمَنْ مَلَكَ التُّرْكَ خاقَانُ وَمَنْ مَلَكَ الْقِبْطَ فِرْعَوْنُ
[ ٥ / ٢٢٥ ]
وَمَنْ مَلَكَ مِصْرَ الْعَزِيزُ وَمَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ تُبَّعُ وَمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ الْقَيْلُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَقِيلَ الْقَيْلُ أَقَلُّ دَرَجَةً مِنَ المَلِكِ» اهـ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ ﵀ فِي [غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ] (١/ ٢١٢):
«قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره من أهل الْعلم: دخل كَلَام بَعضهم فِي بعض فِي الْأَقْيَال العباهلة قَالَ: الْأَقْيَال مُلُوك بِالْيمن دون الْملك الْأَعْظَم واحدهم قيل يكون ملكًا على قومه ومخلافه ومحجره والعباهلة الَّذين قد أقرُّوا على ملكهم لَا يزالون عَنْهُ وَكَذَلِكَ كل شَيْء أهملته فَكَانَ مهملا لَا يمْنَع مِمَّا يُرِيد وَلَا يضْرب على يَدَيْهِ فَهُوَ معبهل قَالَ تأبط شرا:
مَتى تَبِغني مَا دُمْتُ حَيًّا مُسَلَّمًا … تَجِدني مَعَ الْمُسْتَرْعِلِ المتعبهلِ
فالمسترعل: الَّذِي يخرج فِي الرعيل وَهِي الْجَمَاعَة من الْخَيل وَغَيرهَا والمتعبهل: الَّذِي لَا يمْنَع من شَيْء وَقَالَ الراجز يذكر الْإِبِل أَنَّهَا قد أرْسلت على المَاء ترده كَيفَ شَاءَت فَقَالَ:
عَبَاهِلٍ عبهلها الوراد» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الإخبار بموت الميت من أجل الصلاة عليه.
وقد جاء في النهي عن النعي ما رواه أحمد (٢٣٥٠٢)، والترمذي (٩٨٦)، وابن ماجه (١٤٧٦) مِنْ طَرِيْقِ حَبِيبِ بْنِ سُلَيْمٍ العَبْسِيُّ، عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى العَبْسِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ قَالَ: «إِذَا مِتُّ فَلَا تُؤْذِنُوا بِي، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ».
[ ٥ / ٢٢٦ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ حبيب لا يعرف حاله، ورواية بلال عن حذيفة مرسلة.
ومن ذلك ما رواه الترمذي (٩٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، وَهَارُونُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ فيه محمد بن حميد الرازي كذبه غير واحد من حفاظ الحديث، وأبو حمزة واسمه ميمون وهو متروك الحديث.
ثم رواه الترمذي (٩٨٥) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَالنَّعْيُ أَذَانٌ بِالمَيِّتِ.
قَالَ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ١٦٦): «والصحيح من قول عبد الله» اهـ.
قُلْتُ: الموقوف أرجح وإن كان أيضًا لا يثبت لأنَّه مِنْ طَرِيْقِ أبي حمزة أيضًا.
وروى الطبراني [الْكَبِيْر] (١٠٩٤٨) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا زَيْدٌ، ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُؤْذِنُ بِجِنَازَةِ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا إِلَى اللهِ مَوْتَاكُمْ، وَلَا تُؤْذِنُوا بِهِمُ النَّاسَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ زيد هو ابن الحريش مجهول الحال، وعبد الله هو ابن خراش من المتروكين وهناك من كذبه.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
قُلْتُ: هذه أدلة واهية وقد دلت الأدلة المتكاثرة على جواز الإخبار بموت الميت من غير نياحة إنَّما من أجل الصلاة عليه أو ليُعلم أصحابه وأقرباءه بموته ومن تلك الأدلة حديث الباب.
ومن ذلك: ما رواه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا».
وروى البخاري (١٢٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟» قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا، وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
وروى البخاري (٣٧٥٧) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ، نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ».
وروى النسائي (٢٠٢٢)، وابن ماجه (١٥٢٨) مِنْ طَرِيْقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذِهِ فُلَانَةُ مَوْلَاةُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَاتَتْ ظُهْرًا وَأَنْتَ نَائِمٌ قَائِلٌ فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ نُوقِظَكَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَصَفَّ
[ ٥ / ٢٢٨ ]
النَّاسَ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ، فَإِنَّ صَلَاتِي لَهُ رَحْمَةٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أحمد (١٥٧١١)، وابن ماجه (١٥٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا الْقَبْرُ؟» قَالُوا: قَبْرُ فُلَانَةَ، قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي» قَالُوا: كُنْتَ نَائِمًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا فَادْعُونِي لِجَنَائِزِكُمْ فَصَفَّ عَلَيْهَا فَصَلَّى».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ والحديث صحيح كما سبق.
إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة في الباب وهي تدل على مشروعية ما ذكرناه.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٨/ ٨٦):
«وهذا النعي الذي كان من عمل الجاهلية إنَّما كان أنَّ الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب، فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نهى عنه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٨٣ - ٨٤):
«واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم؛ منهم عبد الله بن مسعود، وأصحابه علقمة، والربيع بن خيثم، وعمرو بن شرحبيل.
قال علقمة: لا تؤذنوا بي أحدًا.
[ ٥ / ٢٢٩ ]
وَقَالَ عمرو بن شرحبيل: إذا أنا مت فلا أنعى إلى أحد.
وَقَالَ كثير من أهل العلم: لا بأس أن يعلم بالرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل، من غير نداء.
قال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه، وإنَّما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس: أنعي فلانًا كفعل الجاهلية.
وممن رخص في هذا؛ أبو هريرة، وابن عمر، وابن سيرين.
وروي عن ابن عمر أنَّه نعي إليه رافع بن خديج، قال: كيف تريدون أن تصنعوا به؟ قال: نحبسه حتى نرسل إلى قباء، وإلى من قد بات حول المدينة ليشهدوا جنازته. قال: نعم ما رأيتم.
وَقَالَ النبي ﷺ: في الذي دفن ليلًا: "ألا آذنتموني".
وقد صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نعى للناس النجاشي، في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات. متفق عليه.
وفي لفظ: "إنَّ أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه".
وروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنه قال: "لا يموت فيكم أحد إلا آذنتموني به".
أو كما قال. ولأنَّ في كثرة المصلين عليه أجرًا لهم، ونفعًا للميت، فإنَّه يحصل لكل مصل منهم قيراط من الأجر» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ النجاشي مات على الإسلام مع تركه لكثير من شعائر الإسلام لعجزه.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٩/ ٢١٨ - ٢١٩) وفي [مِنْهَاجِ الْسُنَّةِ] (٥/ ٧١):
«وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت بل قد روي أنَّه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤد الزكاة الشرعية؛ لأنَّ ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعًا أنَّه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنَّه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلَّا بما أنزل الله إليه وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه. وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم وفي الديات بالعدل؛ والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع النفس بالنفس والعين بالعين وغير ذلك. والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذلك وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا بل وإمامًا وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك بل هناك من يمنعه ذلك ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها. وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل وقيل: إنَّه سم على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها» اهـ.
٣ - وفيه مشروعية الصلاة على الغائب الذي لم يصل عليه.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
[ ٥ / ٢٣١ ]
القول الأول: أنَّ ذلك من خصائص النجاشي دون غيره وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤):
«وإنَّما نعى ﷺ النجاشي للناس، وخصه بالصلاة عليه، وهو غائب، لأنَّه كان عند الناس على غير الإسلام، فأراد أن يعلم الناس كلهم بإسلامه، فيدعو له في جملة المسلمين ليناله بركة دعوتهم، ويرفع عنه اللعن المتوجه إلى قومه. والدليل على ذلك أنَّه لم يصل ﷺ على أحد من المسلمين ومتقدمي المهاجرين والأنصار الذين ماتوا في أقطار البلدان، وعلى هذا جرى عمل المسلمين بعد النبي ﷺ، ولم يصل على أحدٍ مات غائبًا، لأنَّ الصلاة على الجنائز من فروض الكفاية يقوم بها من صلى على الميت في البلد التي يموت فيها، ولم يحضر النجاشي مسلمٌ يصلى على جنازته، فذلك خصوص للنجاشي، بدليل إطباق الْأُمة على ترك العمل بهذا الحديث. وَقَالَ بعض العلماء: إنَّ روح النجاشي أحضر بين يدي النبي ﷺ، فصلى عليه، ورفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، وعلم يوم موته ونعاه لأصحابه، وخرج فأمهم في الصلاة عليه قبل أن يُوارَى، وهذه أدلة الخصوص، يدل على ذلك أيضًا إطباق الْأُمة على ترك العمل بهذا الحديث، ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلَّا ما ذكره ابن أبي زيد، عن عبد العزيز بن أبى سلمة، فإنَّه قال: إذا استوقن أنَّه غرق، أو قتل، أو أكلته السباع، ولم يوجد منه شيء صلى عليه كما فعل ﷺ بالنجاشي، وبه قال ابن حبيب» اهـ.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
قُلْتُ: ما قاله ابن بطال ﵀ هاهنا على حسب ما بلغه من العلم وإلَّا فإنَّ النزاع فيها شهير كما سيأتي بيان ذلك.
والقول الثاني: مشروعية الصلاة على كل غائب وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.
القول الثالث: أنَّه يصلى على الغائب الذي لم يصل عليه فإن صلي عليه في بلده لم يصل عليه وهذا قول في مذهب أحمد واختيار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ وتلميذه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥١٩ - ٥٢١):
«ولم يكن من هديه وسنته ﷺ الصلاة على كل ميت غائب.
فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب، فلم يصل عليهم، وصح عنه: أنَّه صلى على النجاشي صلاته على الميت، فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق، أحدها: أنَّ هذا تشريع منه، وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وَقَالَ أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره، قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رفع له سريره فصلى عليه وهو يرى صلاته على الحاضر المشاهد، وإن كان على مسافة من البعد، والصحابة وإن لم يروه، فهم تابعون للنبي ﷺ في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا، أنَّه لم ينقل عنه أنَّه كان يصلي على كل الغائبين غيره، وتركه سنة، كما أنَّ فعله سنة، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويرفع له حتى يصلي عليه، فعلم أنَّ ذلك مخصوص به. وقد روي عنه، أنَّه صلى على معاوية
[ ٥ / ٢٣٣ ]
بن معاوية الليثي وهو غائب، ولكن لا يصح، فإنَّ في إسناده العلاء بن زيد، ويقال: ابن زيد، قال علي بن المديني: كان يضع الحديث، ورواه محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال البخاري: لا يتابع عليه.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الصواب: أنَّ الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه، صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، لأنَّه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات، لم يصل عليه صلاة الغائب، لأنَّ الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي ﷺ صلى على الغائب، وتركه، وفعله، وتركه سنة، وهذا له موضع، وهذا له موضع، والله أعلم، والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحها: هذا التفصيل، والمشهور عند أصحابه: الصلاة عليه مطلقًا» اهـ.
٤ - قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٤٤٤): «واحتج بقصة النجاشي وما يفعله بعض الناس من أنَّه كل ليلة يصلي على جميع من مات من المسلمين في ذلك اليوم لا ريب أنَّه بدعة» اهـ.
قُلْتُ: وفي هذا رد على الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٦٨): «قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ ﵀ لَوْ صُلِّيَ عَلَى الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي يَوْمِهِ وَغُسِّلُوا فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَلَا يُعْرَفُ عَدَدُهُمْ جَازَ قُلْت لَا حَاجَةَ إلَى التَّخْصِيصِ بِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ لَوْ صُلِّيَ عَلَى أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي يَوْمِهِ مِمَّنْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ جَازَ وَكَانَ حَسَنًا مُسْتَحَبًّا لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا وَمَعْرِفَةُ أَعْيَانِ الْمَوْتَى وَأَعْدَادِهِمْ لَيْسَتْ شَرْطًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ٥ / ٢٣٤ ]
٥ - وفيه استحباب الصلاة على الجنازة في المصلى.
ويشرع أن يصلى على الجنازة في المسجد لما رواه مسلم (٩٧٣) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ، أَنْ يَمُرُّوا بِجَنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: «مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ».
وفي لفظ له عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، أَمَرَتْ أَنْ يَمُرَّ بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: «مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ، مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٩٦):
«وفي هذا الحديث دليل للشافعي والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد، وممن قال به أحمد وإسحاق، قال ابن عبد البر: ورواه المدنيون في الْمُوَطَّأِ عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكي، وَقَالَ ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك على المشهور عنه: لا تصح الصلاة عليه في المسجد» اهـ.
٦ - وفيه استحباب التكبير على الجنازة أربعًا.
[ ٥ / ٢٣٥ ]
قُلْتُ: وقد ذهب إلى ذلك جماهير السلف.
وقد جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على أربع
فروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٨٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا أَبِي قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ خَمْسًا وَأَرْبَعًا، فَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعٍ». وَقَالَ وَهْبٌ فِي حَدِيثِهِ: «فَأَمَرَ النَّاسَ بِأَرْبَعٍ».
قُلْتُ: وهَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين سعيد بن المسيب وعمر.
لكن يشهد له ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٦٣٩٥)، وابن أبي شيبة [مُصَنَفِه] (١١٥٦٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٣٨) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: «جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ سَبْعًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ أَرْبَعًا، قَالَ: فَجَمَعَهُمْ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ كَأَطْوَلِ الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ، وعامر بن شقيق مختلف فيه والظاهر أنَّ حديثه لا ينزل عن الحسن.
وقد حسنه الحافظ ابن حجر ﵀ فقد قال في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٠٢):
«وروى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل …». فذكره.
* * *
[ ٥ / ٢٣٦ ]
فصل: في ذكر صور متنوعة للتكبير على الجنازة.
أَقُوْلُ: قد جاء التكبير في صور متنوعة منها:
التكبير ثلاثًا.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِهِ] (٦٤٠٢)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَفِهِ] (١١٥٧٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ بِالْحَمْدِ، وَيُكَبِّرُ عَلَى الْجَنَائِزِ ثَلَاثًا».
ورواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٦٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وجاء ذلك أيضًا عن أنس بن مالك ﵁.
فروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٦٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ قِيلَ لِأَنَسٍ: إِنَّ فُلَانًا كَبَّرَ ثَلَاثًا، فَقَالَ: «وَهَلِ التَّكْبِيرُ إِلَّا ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ، والحجاج هو ابن المنهال، وحماد هو ابن سلمة.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٥٧٥)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٦٩) من طريقه.
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جِنَازَةٍ، «فَكَبَّرَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
وجاء عن أنس التكبير أربعًا فروى عبد الرزاق في [الْأَمَالِي] (١٣٩) أنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «صَلَّى أَنَسٌ عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا قَالَ: وَتُكُلِّمَ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ لَمْ تُكَبِّرْ إِلَّا ثَلَاثًا؟ قَالَ: فَصُفُّوا إِذًا، فَكَبَّرَ الرَّابِعَةَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
ومنها: التكبير خمسًا.
فروى مسلم (٩٥٧) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ زَيْدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا».
قُلْتُ: وزيد هو ابن أرقم.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٥٦٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَالْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَبَّرَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ خَمْسًا».
قُلْتُ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. والمنهال هو ابن عمرو.
ويدل عليه أيضًا الأثر الماضي في جمع عمر الناس على أربع تكبيرات، وذلك أنَّ بعضهم أخبر عمر بأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كبر خمسًا.
وصح أيضًا عن ابن مسعود كما سيأتي فيمن رأى أنَّ التكبير لا يتقيد بعدد معين.
ومنها: التكبير ستًا.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٥٧٣)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٨٤)، ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٥١)،
[ ٥ / ٢٣٨ ]
والْدَارَقُطْنِي (١٨٢٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٣٥) مِنْ طَرِيْقِ حَفْصٌ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ سَلْعٍ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا، وَعَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا».
قُلْتُ: سَنَدُهُ ضَعِيْفٌ. عبد الملك بن سعد لم يوثق وذكره ابن حبان في [الْثِّقَاتِ] (٩١٩٧) فقال: «عبد الملك بن سلع الهمداني من أهل الكوفة يروى عن عبد خير روى عنه مروان بن معاوية وابنه مسهر بن عبد الملك كان ممن يخطئ» اهـ.
ويشهد لبعضه ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٦٤٠٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٥٨٥)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٨٥) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ، «أَنَّ عَلِيًّا، صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سِتًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ. وله طرق أخرى.
فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٤٦٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا».
ورواه (١١٤٦٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ، «أَنَّ عَلِيًّا كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا».
قُلْتُ: صوابه عبد الله بن معقل.
ورواه البخاري في [الْأَوْسَطِ] (٢٩١)، و[الْصَّغِيْرِ] (١/ ١٠٦) حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد ثَنَا بن عُيَيْنَةَ قَالَ أَنْفَذَهُ لَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَاد سَمعه من بن معقل وأنفذه لنا
[ ٥ / ٢٣٩ ]
بن الْأَصْبَهَانِيّ سَمعه عَنْ بن مَعْقِلٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا وَقَالَ: «إِنَّهُ شهد بَدْرًا».
وقد رواه في [الْصَّحِيْحِ] (٤٠٠٤) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: أَنْفَذَهُ لَنَا ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ مَعْقِلٍ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَقَالَ: «إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا». ولم يذكر عدد التكبيرات.
ورواه أيضًا في [الْأَوْسَطِ] (٢٩٣) و[الْصَّغِيْرِ] (١/ ١٠٧) حَدثنَا حجاج ثَنَا أَبُو عوَانَة عَنْ بن أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ «كَبَّرَ عَلِيٌّ ﵁ عَلِى سَهْلِ بنِ حَنِيْفٍ سِتًَا».
ورواه ابن سعد في [الْطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٤٤٥٢) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حَنَشٍ الْكِنَانِيِّ: «أَنَّ عَلِيًّا كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا فِي الرَّحَبَةِ».
ورواه البخاري في [الْأَوْسَطِ] (٢٩٢)، و[الْصَّغِيْرِ] (١/ ١٠٧) حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي بكر ثَنَا حُصَيْن أَوْ مُحصن قَالَ ثَنَا حُصَيْنٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «كَبَّرَ عَلِيٌّ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سَبْعًَا».
قُلْتُ: هذا وهم من حصين وهو ابن عبد الرحمن السلمي وقد كان اختلط بأخرة.
ومنها التكبير سبعًا.
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٥٧٧)، من طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٥٩٧)، ورواه وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٢٧٨٧) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ: «صَلَّى
[ ٥ / ٢٤٠ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَمْزَةَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ تِسْعًا. ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى فَكَبَّرَ عَلَيْهَا سَبْعًا. ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْسًا. حَتَّى فَرَغَ مِنْ جَمِيعِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُ وَتَرَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف يزيد بن أبي زياد.
وروى الحسين المحاملي في [أَمَالِيْهِ] (٣٧٤) ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُيِّئَ لِلْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سَبْعًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ. عبد العزيز بن عمران متروك الحديث.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٥٧٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٣٤)، والبغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٤٣٦)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٤٨)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٨٨) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «صَلَّى عَلِيٌّ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سَبْعًا».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
لكن قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٦):
«هكذا روي وهو غلط لأنَّ أبا قتادة ﵁ بقي بعد علي ﵁ مدة طويلة» اهـ.
وَقَالَ في [الْمَعْرِفَة] (٢/ ٤٣١):
[ ٥ / ٢٤١ ]
«وهو غلط لإجماع أهل التواريخ على أنَّ أبا قتادة الحارث بن ربعي بقي إلى سنة أربع وخمسين وقيل بعدها» اهـ.
قُلْتُ: وقد تعقبه الحافظ ابن حجر ﵀ في [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٢٨٤) فقال: «قلت: وهذه علة غير قادحة لأنَّه قد قيل إنَّ أبا قتادة قد مات في خلافة علي وهذا هو الراجح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ ﵀ في [الْجَوْهَرِ الْنَّقِي] (٤/ ٣٦ - ٣٧):
«قال الحسن بن عثمان: مات أبو قتادة سنة أربعين. وَقَالَ الكلاباذي قال ابن سعد أنا الهيثم بن عدي قال توفي بالكوفة وعلي بها وهو صلى عليه وقد قدمنا في باب كيفية الجلوس في التشهد الأول والثاني أن هذا القول هو الصحيح وأن من قال توفي سنة أربع وخمسين فليس بصحيح وظهر بهذا أن ما ذكره البيهقي أولًا ليس بغلط» اهـ.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٨٧) حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا شُجَاعٌ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَزَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، «أَنَّ عَلِيًّا، كَبَّرَ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ سِتًّا، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. موسى هو ابن هارون الحمال، وشجاع هو ابن مخلد، وإسماعيل هو ابن أبي خالد. وسبق كلام البيهقي في الذي قبله.
والصحيح أنَّ عليًا كبر على أبي قتادة سبعًا لا ستًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِيْعَابِ] (٤/ ١٧٣٢):
«هكذا قال ستًا ورواه زياد بن أيوب وغيره عن هشيم عن زكريا عن الشعبي: "أن عليًا كبر على أبي قتادة سبعًا وكان بدريًا"» اهـ.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
قُلْتُ: ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٦٣٩٥)، وابن أبي شيبة [مُصَنَفِه] (١١٥٦٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٣٨) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: «جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ سَبْعًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ أَرْبَعًا، قَالَ: فَجَمَعَهُمْ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ كَأَطْوَلِ الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ وقد سبق.
ومنها ثمان تكبيرات.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٢٤):
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا وَثَمَانِيًا حَتَّى جَاءَ مَوْتُ النَّجَاشِيِّ فَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَبَتَ النَّبِيُّ ﵇ عَلَى أَرْبَعٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ﷿».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ.
ومنها تسع تكبيرات.
روى الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٨٧)
[ ٥ / ٢٤٣ ]
حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، يَعْنِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بِحَمْزَةَ فَسُجِّيَ بِبُرْدِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى يُصَفُّونَ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وفهد هو ابن سليمان قَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَارِيْخِ الْإِسْلَامِ] (٢٠/ ٤١٦): «قال ابن يونس: كان دلاّلًا في البزّ. وكان ثقة ثبتًا» اهـ.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (١١٢٤٠)، و[الْأَوْسَطِ] (١٥٩٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا بِشْرٌ قَالَ: نا أَبُو يُوسُفَ قَالَ: نا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ تِسْعًا تِسْعًا، ثُمَّ سَبْعًا سَبْعًا، ثُمَّ أَرْبَعًا أَرْبَعًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ﷿».
قُلْتُ: نافع لم أعرف من هو. ولعله نافع أبو هرمز كما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١١١٩٩)، وأبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ] (١٥٩٤) مِنْ طَرِيْقِ شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، ثنا نَافِعٌ أَبُو هُرْمُزٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَعَلَى بَنِي هَاشِمٍ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ كَانَ آخِرُ صَلَاتِهِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ حَتَّى خَرَجَ منَ الدُّنْيَا».
قُلْتُ: نافع أبو هرمز هذا متروك الحديث.
ومنها أنَّ التكبير لا يتقيد بعدد.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
فروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٤٠٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٥٦٩) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّهُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي رَأَيْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَصْحَابَهُ بِالشَّامِ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسًا، فَوَقِّتْهَا لَنَا وَقْتَهَا نُتَابِعُكُمْ عَلَيْهِ قَالَ: فَأَطْرَقَ عَبْدُ اللَّهِ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «كَبِّرُوا مَا كَبَّرَ إِمَامُكُمْ، لَا وَقْتَ، وَلَا عَدَدَ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ. وإسماعيل هو ابن أبي خالد.
ورواه الشافعي في [الْمُسْنَد] (١٨٢٢)، والبزار (١٦٠٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٥٤)
مِنْ طَرِيْقِ الشعبي مختصرًا.
قُلْتُ: هذا غاية ما وقفت عليه من صور التكبير في صلاة الجنازة وقد ادعى جمع من أهل العلم على عدم العمل بما سوى الأربع إجماعًا ومنهم من ادعى النسخ فيما عدا الأربع.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْتَمْهِيْدِ] (٦/ ٣٣٤ - ٣٣٥):
«اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة ثم اتفقوا على أربع تكبيرات وما خالف ذلك شذوذ يشبه البدعة والحدث.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية عن وكيع عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: "جمع عمر الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة وجمعهم على أربع تكبيرات قال وحدثنا وكيع عن مسعر عن عبد الملك الشيباني عن إبراهيم قال
[ ٥ / ٢٤٥ ]
اجتمع أصحاب محمد ﷺ في بيت أبي مسعود فأجمعوا على أنَّ التكبير أربع.
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا عبد الملك بن حبيب المصيصي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن مغيرة عن إبراهيم عن عبد الله: قال أجمعوا على أربع. قال المغيرة بلغني أن عمر جمعهم وسألهم عن أحدث جنازة كبر عليها رسول الله ﷺ فشهدوا أنه صلى على أحدث جنازة وكبر عليها أربعًا حدثنا سعيد بن نصر حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا يوسف بن عدي حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال سئل عبد الله عن التكبير على الجنازة فقال: كل ذلك قد صنع فرأيت الناس قد اجتمعوا على أربع» اهـ.
قُلْتُ: قول ابن مسعود: «أجمعوا على أربع». لا يثبت فإنَّه مِنْ طَرِيْقِ عبد الملك بن حبيب المصيصي ولا يعرف حاله.
وَقَالَ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٢٤):
«اتفق الفقهاء أهل الفتوى بالْأمصار على أنَّ التكبير على الجنائز أربع لا زيادة على ما جاء في الآثار الْمُسْنَدة من نقل الآحاد الثقات وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه اليوم ولا يعرج عليه.
فإذا كان السلف في مسألة على قولين أو أكثر ثم أجمع أهل عصر في آفاق المسلمين بعدهم على قول من أقاويلهم وجب الاحتمال عليه والوقوف عنده والرجوع إليه.
وهذه مسألة من مسائل الأصول ليس هذا موضع ذكر الحجة لها» اهـ.
[ ٥ / ٢٤٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٣٠):
«التكبيرات الأربع أركان لا تصح هذه الصلاة إلَّا بهنَّ وهذا مجمع عليه وقد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أنَّ التكبير المشروع خمس أم أربع أم غير ذلك ثم انقرض ذلك الخلاف وأجمعت الْأُمة الآن علي أنَّه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقص» اهـ.
قُلْتُ: الإجماع في ذلك لم ينعقد فإنَّ النزاع ما زال موجودًا بين الصحابة ﵃ أجمعين بعد وفاة عمر، فأثر ابن عباس في الثلاث التكبير نقل عن ابن عباس بعد وفاة عمر فإنَّ أبا معبد الراوي عنه لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.
ومثل ذلك أيضًا الأثر الذي جاء عن أنس فإنَّ الناقلين له لم يدركوا عمر.
وهكذا صلاة علي بن أبي طالب ﵁ على أبي قتادة وتكبيره على جنازته سبعًا كان ذلك في خلافة علي بعد موت عمر.
فالذي يظهر لي هو مشروعية الزيادة على الأربع كما جاءت بذلك الأحاديث والآثار، أمَّا الإنقاص إلى الثلاث فالْأمر في ذلك محتمل ونفسي إلى عدم الإنقاص أميل. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٠٧ - ٥٠٩):
«وكان ﷺ يأمر بإخلاص الْدُعَاء للميت، وكان يكبر أربع تكبيرات، وصح عنه أنَّه كبر خمسًا، وكان الصحابة بعده يكبرون أربعًا، وخمسًا،
[ ٥ / ٢٤٧ ]
وستًا، فكبر زيد بن أرقم خمسًا، وذكر أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كبرها، ذكره مسلم.
وكبر علي بن أبي طالب ﵁ على سهل بن حنيف ستًا، وكان يكبر على أهل بدر ستًا، وعلى غيرهم من الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا، ذكره الْدَارَقُطْنِي.
وذكر سعيد بن منصور، عن الحكم بن عتيبة أنَّه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسًا، وستًا، وسبعًا. وهذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها، والنبي ﷺ لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده.
والذين منعوا من الزيادة على الأربع، منهم من احتج بحديث ابن عباس، أنَّ آخر جنازة صلى عليها النبي ﷺ، كبر أربعًا قالوا: وهذا آخر الْأمرين، وإنَّما يؤخذ بالآخر، فالآخر من فعله ﷺ هذا. وهذا الحديث، قد قال الخلال في "الْعِلَلِ": أخبرني حرب: قال: سئل الْإِمَام أحمد عن حديث أبي المليح، عن ميمون، عن ابن عباس، فذكر الحديث. فقال أحمد: هذا كذب ليس له أصل، إنَّما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث. واحتجوا بأنَّ ميمون بن مهران روى عن ابن عباس، أنَّ الملائكة لما صلت على آدم ﵊، كبرت عليه أربعًا، وقالوا: تلك سنتكم يا بني آدم. وهذا الحديث قد قال في الأثرم: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة، فسمعت أبا عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعة، فذكر منها عن أبي المليح، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أنَّ الملائكة لما صلت على آدم،
[ ٥ / ٢٤٨ ]
كبرت عليه أربعًا، واستعظمه أبو عبد الله وقال: أبو المليح كان أصح حديثًا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا.
واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى، عن أبي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أن الملائكة لما صلت على آدم، فكبرت عليه أربعًا، وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم، وهذا لا يصح وقد روي مرفوعًا وموقوفًا.
وكان أصحاب معاذ يكبرون خمسًا، قال علقمة: قلت لعبد الله: إنَّ ناسًا من أصحاب معاذ قدموا من الشام، فكبروا على ميت لهم خمسًا، فقال عبد الله: ليس على الميت في التكبير وقت، كبر ما كبر الْإمام، فإذا انصرف الْإِمَام فانصرف» اهـ.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
فصل: في بيان ماذا يقال بعد كل تكبيرة.
أَقُولُ: اعلم أنَّ الاستعاذة وقراءة الفاتحة تكونان بعد التكبيرة الأولى، ثم الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية، ثم الْدُعَاء للميت بعد التكبيرة الثالثة، ثم يكبر الرابعة ويسلم، أو يدعو.
أمَّا الاستعاذة فلقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وأمَّا قراءة الفاتحة فلما رواه البخاري (١٣٣٥) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ قَالَ: «لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ».
وروى النسائي (١٩٨٩) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى أبي أمامة، وأبو أمامة صحابي صغير مات النبي ﷺ وله سنتان ثبتت له الرؤية ولم يثبت له السماع، ويشهد له ما سبق.
قُلْتُ: وقد رواه أبو أمامة عن بعض الصحابة فقد رواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٦٨) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: ثنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ الْأَنْصَارِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَأَبْنَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى
[ ٥ / ٢٥٠ ]
الْجِنَازَةِ: أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يَخْتِمَ الصَّلَاةَ فِي التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. وابن أبي داود هو إبراهيم البرسلي، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع.
ورواه الشافعي في [الْمُسْنَد] (٥٨١)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٥٠)، و[الْصُغْرَى] (١١٢٢)، و[الْمَعْرِفَة] (٢٢٧١) أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيَخْلُصُ الدُّعَاءَ لِلْجَنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ».
قُلْتُ: مطرف كذبه ابن معين وضعفه غيره.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٤٩٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ حَتَّى يَفْرُغَ، وَلَا يَقْرَأَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُسَلِّمَ فِي نَفْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ إلى أبي أمامة.
[ ٥ / ٢٥١ ]
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٤٢٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَا يَقْرَأَ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُسَلِّمَ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ».
وروى ابن ماجه (١٤٩٦) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةُ، قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
قُلْتُ: شهر ضعيف الحديث ويشهد للحديث ما سبق.
وروى الشافعي في [الْأُم] (١/ ٢٧٠)، و[الْمُسْنَد] (٥٧٨)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٤٩)، و[الْمَعْرِفَة] (٢٢٧٠)
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبَعًا وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى متروك الحديث وهناك من كذبه، وابن عقيل ضعيف الحديث.
قُلْتُ: ويدل على ذلك أيضًا عموم قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) عن عبادة بن الصامت.
[ ٥ / ٢٥٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٢٦):
«إذا ثبت هذا فإنَّ قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة وبهذا قال الشافعي، وإسحاق.
وروي ذلك عن ابن عباس وَقَالَ الثوري، والأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة: لا يقرأ فيها بشيء من القرآن؛ لأنَّ ابن مسعود قال: أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يوقت فيها قولًا ولا قراءة» اهـ.
قُلْتُ: واختار شيخ الإسلام استحباب قراءة الفاتحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٠٥):
«قال شيخنا: لا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هي سنة» اهـ.
وأمَّا الصلاة على النبي ﷺ فلما رواه أحمد (٢٣٩٨٢)، وأبو داود (١٤٨٣)، والترمذي (٣٤٧٧) مِنْ طَرِيْقِ حَيْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل أبي هانئ حميد بن هانئ فإنَّه حسن الحديث.
[ ٥ / ٢٥٣ ]
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٠٩) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ تُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَا، لَعَمْرُ اللَّهِ أُخْبِرُكَ. أَتَّبِعُهَا مِنْ أَهْلِهَا. فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْتُ، وَحَمِدْتُ اللَّهَ. وَصَلَّيْتُ عَلَى نَبِيِّهِ». ثُمَّ أَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ. وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ. اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا، فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ. وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا، فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ».
قُلْتُ: سَنَّدُهُ صَحِيْحٌ.
وقد سبق ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٤٩٧) مِنْ طَرِيْقِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ حَتَّى يَفْرُغَ، وَلَا يَقْرَأَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُسَلِّمَ فِي نَفْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ إلى أبي أمامة.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٤٢٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَا يَقْرَأَ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُسَلِّمَ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ».
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٥٤) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَاءُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِسْفَرَائِنِيُّ بِهَا، أنبأ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ٥ / ٢٥٤ ]
نَاجِيَةَ، ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، ثنا أَبِي، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَقَالَ: «أَنَا وَاللهِ أُخْبِرُكَ تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ، ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَتَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانًا كَانَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ حَسَنٌ.
وروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٣٠) أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهُ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَضَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِنَا عَلَى جِنَازَةٍ بِالْأَبْوَاءِ وَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ رَافِعًا صَوْتَهُ بِهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَيَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، أَصْبَحَ فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِكَ، وَأَصْبَحْتَ غَنِيًّا عَنْ عَذَابِهِ، يُخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، إِنْ كَانَ زَاكِيًا فَزَكِّهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»، ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَمْ أَقْرَأْ عَلَنًا إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا السُّنَّةُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وأبو النضر الفقيه هو الطوسي محمد بن محمد بن يوسف. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٣٦٤):
[ ٥ / ٢٥٥ ]
«لا خلاف في مشروعيتها فيها واختلف في توقف صحة الصلاة عليها فقال الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما إنَّها واجبة في الصلاة لا تصح إلَّا بها ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة وَقَالَ مالك وأبو حنيفة تستحب وليست بواجبة وهو وجه لأصحاب الشافعي» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٦٧): «إذا تقرر هذا فالمستحب أن يصلي عليه في الجنازة كما يصلي عليه في التشهد لأّنَّ الْنَّبِيَّ علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي استحباب الصلاة على النبي ﷺ لعدم ورود حجة قوية على الوجوب. والله أعلم.
وأما الْدُعَاء للميت فيدل عليه ما سبق.
ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (٣٢٠١)، وابن ماجه (١٤٩٧) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدٍ بْنَ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ وابن إسحاق قد صرح بالتحديث عند ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٠٧٧).
قُلْتُ: وقد جاءت عدة أدعية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هذا الموضع وأصحها ما رواه مسلم (٩٦٣) عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللهُمَّ، اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ
[ ٥ / ٢٥٦ ]
مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ - أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ -». قَالَ: «حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ».
قُلْتُ: وإذا كان الميت صغيرًا فيدعى له ولوالديه فروى أحمد (١٨١٧٤)، وأبو داود (٣١٨٠) مِنْ طَرِيْقِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي أَمَامَهَا قَرِيبًا عَنْ يَمِينِهَا، أَوْ عَنْ يَسَارِهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد اختلف في رفعه ووقفه ورجح الحافظ الدارقطني ﵀ الوقف، وسيأتي الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٦٥):
«فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلًا، جَعَلَ مَكَانَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِوَالِدَيْهِ، وَذُخْرًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَجِرْهُ بِرَحْمَتِك مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا وَمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ.
وَنَحْوَ ذَلِكَ وَبِأَيِّ شَيْءٍ دَعَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَوْ نَحْوَهُ أَجْزَأَهُ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ» اهـ.
قُلْتُ: وإذا كانت الميت امرأة دعي لها بما يناسب المقام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٣٨):
[ ٥ / ٢٥٧ ]
«قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ الْكَافِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ قَالَ اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُكَ ثُمَّ يُنَسِّقُ الْكَلَامَ وَلَوْ ذَكَرَهَا عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ جَازَ» اهـ.
قُلْتُ: والْدُعَاء للميت يكون بعد التكبيرة الثالثة، ويجوز أن يدعو للميت بعد التكبيرة الرابعة أيضًا لما رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٤٠٤)، والحميدي في [الْمُسْنَد] (٧٥٢)، وأحمد (١٩١٦٣)، واللفظ له، وابن ماجه (١٥٠٣)، والبزار في [الْمُسْنَد] (٣٣٥٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٣٠) مِنْ طَرِيْقِ أحمد، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٠٤) عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَمَاتَتْ ابْنَةٌ لَهُ، وَكَانَ يَتْبَعُ جِنَازَتَهَا عَلَى بَغْلَةٍ خَلْفَهَا، فَجَعَلَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ فَقَالَ: لَا تَرْثِينَ، فَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمَرَاثِي، فَتُفِيضُ إِحْدَاكُنَّ مِنْ عَبْرَتِهَا مَا شَاءَتْ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَدْرَ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ يَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْجِنَازَةِ هَكَذَا».
قُلْتُ: الهجري ضعيف وقد اختلف عليه في قوله: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْجِنَازَةِ هَكَذَا». فمنهم من ذكر ذلك ومنهم من لم يذكر.
وللحديث طريق أخرى رواها البزار في [الْمُسْنَد] (٣٣٤٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٢٨) مِنْ طَرِيْقِ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى ابْنُ أَخِي هَنَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الْيَعْفُورِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: شَهِدْتُهُ وَكَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ سَاعَةً يَعْنِي يَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: «كُنْتُمْ
[ ٥ / ٢٥٨ ]
تَرَوْنَ أَنِّي كُنْتُ مُكَبِّرًا خَمْسًا»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا».
قُلْتُ: سَنَدُهُ حَسَنٌ. وليس فيه رفع الْدُعَاء بعد الرابعة إلى النبي ﷺ.
وأمَّا قراءة ما زاد على الفاتحة.
فجاء في ذلك ما رواه النسائي (١٩٨٧) أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ وَجَهَرَ حَتَّى أَسْمَعَنَا، فَلَمَّا فَرَغَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «سُنَّةٌ وَحَقٌّ».
قُلْتُ: ذكر السورة في الحديث غير محفوظ فقد روى الحديث البخاري (١٣٣٥) مِنْ طَرِيْقِ شعبة عن سعد ولم يذكر السورة وحديثه أصح من حديث إبراهيم بن سعد. وقد تابع شعبه غيره.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٨): «وذكر السورة فيه غير محفوظ» اهـ.
ورواه ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵄ قَرَأَ عَلَى جَنَازَةٍ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ وَقَالَ: «إِنَّمَا جَهَرْتُ لِأُعْلِمَكُمْ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَالْإِمَامُ كَفَّهَا».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ٢٥٩ ]
قُلْتُ: ويدل هذا الحديث أنَّ القراءة في صلاة الجنازة تكون سرًا وإنَّما جهر بذلك ابن عباس من أجل التعليم، وقد سبق من حديث أبي أمامة ما يدل على ذلك.
وأمَّا الاستفتاح في صلاة الجنازة، فلم يثبت في ذلك شيء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا عن أحد من أصحابه فيما أعلم وصلاة الجنازة مبنية على التخفيف فلا يستحب فيها ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٩/ ٣٥٥):
«لم نجد في الأخبار التي جاءت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال بعد أن افتتح الصلاة على الجنازة، كما قال بعد أن افتتح الصلاة المكتوبة قولًا، ولا وجدنا ذلك عن أصحابه، ولا عن التابعين وقد كان الثوري، وإسحاق بن راهويه يستحبان أن يقول المرء بعد التكبيرة الأولى من الصلاة على الجنازة: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، وذكر ذلك لأحمد، فقال: ما سمعت. قال أبو بكر: ولم أجد ذكر ذلك في كتب سائر علماء الْأمصار، فإن قاله قائل فلا شيء عليه، وإن تركه فلا شيء عليه» اهـ.
قُلْتُ: ويستحب رفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة لما روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٤٩٨)، والبخاري في [جُزْءِ الْقِرَاءَةِ] (١٨٣)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٦٤) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
ورواه ابن أبي شيبة [مُصَنَفِه] (١١٥٠٦)، والبخاري في [جُزْءِ الْقِرَاءَةِ] (١٨٤) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ «يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: رواية ابن أبي شيبة مِنْ طَرِيْقِ محمد بن فضيل عن يحيى، ورواية البخاري مِنْ طَرِيْقِ زهير بن معاوية عن يحيى.
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري.
وقد روي الحديث مرفوعًا عن ابن عمر: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان إذا صلى على جنازة رفع يديه في كل تكبيرة، وإذا انصرف سلم».
ذكره الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٣/ ٢١ - ٢٢) وقال:
«يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه؛
فرواه عمر بن شبة، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وخالفه جماعة، رووه عن يزيد بن هارون موقوفًا.
وكذلك رواه عبد الرحمن بن اليمان - شيخ يروي عنه الأوزاعي، وأبو شهاب الحناط، وغيرهما، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وهو الصواب» اهـ.
وأمَّا ما رواه الْدَارَقُطْنِي (١٨٣٢)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (١٦٤٩) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ جَبَلَةَ، ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
[ ٥ / ٢٦١ ]
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَا يَعُودُ».
فلا يصح الحجاج ضعيف، والفضل قال فيه العقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٤٤٩): «الفضل بن السكن الكوفي لا يضبط الحديث وهو مع ذلك مجهول» اهـ.
وَقَالَ الْذَّهَبِي ﵀ في [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٣٥٢): «لا يعرف. وضعفه الْدَارَقُطْنِي» اهـ.
وهكذا ما رواه الترمذي (١٠٧٧) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الوَرَّاقُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ زَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ، وَوَضَعَ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى».
فلا يثبت أيضًا فيحيى بن يعلى ضعيف الحديث، وأبو فروة اسمه يزيد بن سنان ضعيف أيضًا وجرحه النسائي جرحًا شديدًا فقال: ضعيف متروك، وَقَالَ في موضع: ليس بثقة. وَقَالَ ابن معين: ليس بشيء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ٣٢٥):
«أجمع عوام أهل العلم على أنَّ المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها واختلفوا في رفع اليدين في سائر التكبيرات، فقالت طائفة: يرفع الأيدي في كل تكبيرة على الجنازة، كذلك كان ابن عمر يفعل».
[ ٥ / ٢٦٢ ]
إلى أن قال (٩/ ٣٢٦): «وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، وقيس بن أبي حازم، والزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر، وروينا ذلك عن مكحول، والنخعي، وموسى بن نعيم، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق واختلف فيه عن مالك فحكى ابن وهب عنه أنَّه قال: "يعجبني أن يرفع اليدين في التكبيرات الأربع"، وحكى ابن نافع عنه أنه قال: "استحب أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى"، وحكى ابن القاسم: "أنَّه حضره يصلي على الجنازة، فما رأيته يرفع يديه في أول تكبيرة ولا غيرها".
قال أبو بكر: بقول ابن عمر أقول إتباعًا له، ولأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لما بين رفع اليدين في كل تكبيرة يكبرها المرء وهو قائم، وكانت تكبيرات الْعِيْدَيْنِ والجنائز في موضع القيام، ثبت رفع اليدين فيها، قياسًا على رفع اليدين في التكبير في موضع القيام».
إلى أن قال: «وقالت طائفة: ترفع اليد في أول تكبيرة من الصلاة على الميت، ثم لا ترفع بعد، كذلك قال الثوري، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن النخعي خلاف القول الأول عنه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا السَّلام من صلاة الجنازة.
فقد جاء حديثان وعدة آثار تدل على التسليمة الواحدة.
فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٣٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَارِمٍ الْحَافِظُ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامِ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ
[ ٥ / ٢٦٣ ]
اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً التَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: عبد الله بن غنام، ويقال عبيد بن غنام لم أقف له على جرح ولا تعديل، وهكذا والده غنام، وأبو العنبس هو سعيد بن كثير، وأبوه لا يعرف حاله.
ورواه الْدَارَقُطْنِي (١٨١٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرٍو الْعَنْقَزِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً».
قُلْتُ: العنقزي لين الحديث، وإبراهيم بن إسماعيل لم أقف له على جرح ولا تعديل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٠٩):
«قال الْإِمَام أحمد في رواية الأثرم: هذا الحديث عندي موضوع، ذكره الخلال في "الْعِلَلِ"» اهـ.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٤٢٨، ٦٤٤٣)، ومن طريقه ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٤٠)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٩٣، ٣١٠٩) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَا يَقْرَأَ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُسَلِّمَ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ».
[ ٥ / ٢٦٤ ]
قُلْتُ: ذكر السلام على اليمين لا يظهر لي ثبوته في حديث أبي أمامة، وذلك أنَّ عبد الأعلى بن عبد الأعلى روى الحديث عن معمر ولم يذكر التسليمة الواحدة أخرجه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٤٩٧، ١١٥١٦).
ورواه الليث بن سعد روى الحديث عن ابن شهاب عن أبي أمامة ولم يذكر في حديثه هذه اللفظة. أخرج ذلك النسائي (١٩٨٩).
وهكذا رواه يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب كما عند الحاكم (١٣٣١).
وشعيب بن أبي حمزة عن ابن شهاب كما روى ذلك الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٦٨).
وقد جاءت التسليمة الواحدة من صلاة الجنازة عن جماعة من الصحابة منهم:
علي بن أبي طالب ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦١٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٤) مِنْ طَرِيْقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى جِنَازَةِ يَزِيدَ بْنِ مُكَفَّفٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَسَلَّمَ وَاحِدَةً».
قُلْتُ: الحجاج بن أرطأة ضعيف ومدلس وقد عنعن.
وعبد الله بن عمر ﵄.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦١١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَكَبَّرَ، فَإِذَا فَرَغَ سَلَّمَ عَلَى يَمِينِهِ وَاحِدَةً».
[ ٥ / ٢٦٥ ]
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٥) أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أنبأ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثنا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا قَبِيصَةُ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَسْلِيمَةٌ - يَعْنِي فِي الْجِنَازَةِ -».
قُلْتُ: وهَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
ورواه (٦٧٧٦) فَقَالَ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أنبأ عَبْدُ الْوَهَّابِ، أنبأ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ: «كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ سَلَّمَ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ».
قُلْتُ: يحيى بن أبي طالب فيه لين، والعمري هو عبد الله ضعيف الحديث ويشهد له ما سبق.
وعبد الله بن عباس ﵄.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٧) مِنْ طَرِيْقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ «يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً».
[ ٥ / ٢٦٦ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وأبو هريرة ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٦٢٠) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ تَسْلِيمَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ أبو العنبس هو سعيد بن كثير بن عبيد ثقة ووالده لم يوثقه معتبر.
وواثلة بن الأسقع ﵁.
روى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٨)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٦٥/ ٢٨٩) حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، ثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ﵁ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف كلًا من نعيم وهو ابن حماد الخزاعي، وخالد بن يزيد.
قُلْتُ: وجاء ما يدل على التسليمتين فروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٨٠) فَقَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ الْحَافِظُ، أنبأ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ، ثنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «ثَلَاثُ خِلَالٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ، تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلُ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٣٩): «حديث عبد الله هو ابن مسعود رواه البيهقي بإسناد جيد» اهـ.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٧٩) أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الزُّوزَنِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأ شَرِيكٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ، قَالَ: «أَمَّنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَلَى جِنَازَةِ ابْنَتِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْسًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: "إِنِّي لَا أَزِيدُكُمْ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ"، أَوْ "هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ"، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهَ، وَقَالَ لِلْغُلَامِ: "أَيْنَ أَنَا؟ " قَالَ: أَمَامَ الْجِنَازَةِ، قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكَ"، وَكَانَ قَدْ كُفَّ يَعْنِي بَصَرُهُ».
قُلْتُ: الهجري ضعيف واضطرب في حديثه وقد سبق أن ذكرنا حديثه في الْدُعَاء بعد التكبيرة الرابعة وذكرنا أنَّ الحديث رواها البزار في [الْمُسْنَد] (٣٣٤٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٧٢٨) مِنْ طَرِيْقِ السَّرِيِّ بْنُ يَحْيَى ابْنُ أَخِي هَنَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الْيَعْفُورِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: شَهِدْتُهُ وَكَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ سَاعَةً يَعْنِي يَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: «كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي كُنْتُ مُكَبِّرًا خَمْسًا»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا».
قُلْتُ: وهذا هو المعروف في حديث ابن أبي أوفى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٣٦):
«التسليم على الجنازة تسليمة واحدة، عن ستة من أصحاب النبي ﷺ وليس فيه اختلاف إلَّا عن إبراهيم وروي تسليمة واحدة عن علي،
[ ٥ / ٢٦٨ ]
وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن أبي أوفى، وواثلة بن الأسقع.
وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأبو أمامة بن سهل، والقاسم بن محمد، والحارث، وإبراهيم النخعي، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق.
وَقَالَ ابن المبارك: من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل، واختار القاضي أنَّ المستحب تسليمتان، وتسليمة واحدة تجزي.
وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، قياسًا على سائر الصلوات» اهـ.
وجاء في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٢٦٣):
«فِي السَّلَامِ عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجَنَائِزِ: يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَهُوَ دُونَ سَلَامِ الْإِمَامِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجِنَازَةِ: يُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَاحِدَةً قَدْرَ مَا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ، وَيُسَلِّمُ مَنْ وَرَاءَهُ وَاحِدَةً فِي أَنْفُسِهِمْ وَإِنْ أَسْمَعُوا مَنْ يَلِيهِمْ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا» اهـ.
* * *
[ ٥ / ٢٦٩ ]
١٥٣ - عَنْ جَابِرِ ﵁: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ».
لفظ مسلم (٩٥٢) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ»، قَالَ: فَقُمْنَا فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الصلاة على الغائب وقد سبق التفصيل في هذه المسألة فيما مضى.
٢ - وفيه استحباب تكثير الصفوف في صلاة الجنازة بحيث لا تنقص عن ثلاثة صفوف.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٨٧):
«وفي الحديث دلالة على أنَّ للصفوف على الجنازة تأثيرًا ولو كان الجمع كثيرًا لأنَّ الظاهر أنَّ الذين خرجوا معه ﷺ كانوا عددًا كثيرًا وكان المصلي فضاء ولا يضيق بهم لو صفوا فيه صفًا واحدًا ومع ذلك فقد صفهم» اهـ.
قُلْتُ: لا يلزم من كون الصلاة في الفضاء أن يتسع لجميع المصلين إذا ما صفوا صفًا واحدًا فقد يعيق ذلك وجود الأشجار أو الأحجار أو التلول ونحو ذلك، ولهذا لم ينقل أنَّ النبي ﷺ كان يصفهم في صلاة العيد والاستسقاء صفًا واحدًا.
وقد جاء في الثلاث الصفوف ما رواه أبو داود (٣١٦٦)، والترمذي (١٠٢٨)، وابن ماجه (١٤٩٠) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
[ ٥ / ٢٧٠ ]
حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدٍ الْيَزَنِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا أَوْجَبَ».
قُلْتُ: محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (٧٦٨٧) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ، وَمَعَهُ سَبْعَةُ نَفَرٍ، فَجَعَلَ ثَلَاثَةً صَفًّا، وَاثْنَيْنِ صَفًّا، وَاثْنَيْنِ صَفًّا».
قُلْتُ: وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث.
لكن هناك حديث آخر أورده الحافظ ابن رجب ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٩٦) حيث قال: «وخرج أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ - من أصحابنا - بإسناده. عن خير بن نعيم الحضرمي، أنَّ أبا الزبير - أو عطاء بن أبي رباح - أخبره: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى على جنازة، ورسول الله ﷺ سابعهم، فجعلهم ثلاثة صفوف، الصف الأول ثلاثة، والصف الثاني رجلين، والصف الثالث رجلًا، والنبي ﷺ بين أيديهم".
وهذا مرسل. وقد نص أحمد على أنَّه يستحب جعلهم في صلاة الجنائز ثلاثة صفوف، إذا أمكن أن يكون في كل صف اثنان فصاعدًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٤٠):
[ ٥ / ٢٧١ ]
«قال أحمد: أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف، قالوا: فإن كان وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم صفين، في كل صف رجلين، وكره أن يكونوا ثلاثة فيكون في صف رجل واحد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢١٥):
«ويستحب أن تكون صفوفهم ثلاثة فصاعدًا» اهـ.
قُلْتُ: حديث الباب حصل فيه التردد، ورواية الإمام مسلم فيها الجزم بالصفين، والحديث المرفوع ضعيف، والموقوف مختلف في سياقه، ولا تثبت السنة بمثل ذلك. والله أعلم.
* * *
[ ٥ / ٢٧٢ ]
١٥٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية الصلاة على القبر بعد دفن الميت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤١٣):
«فقالت طائفة: يصلى عليها إلى شهر، هكذا قال أحمد بن حنبل».
إلى أن قال ﵀ (٥/ ٤١٤):
«وقالت طائفة: يصلى على القبر إلى شهر للغائب من سفر، وإلى ثلاث للحاضر، هكذا قال إسحاق، وحكاه عن عبد الرحمن بن مهدي، وَقَالَ النعمان: إذا نسي أن يصلي عليه، صلى عليه ما بينهم وبين ثلاث، فإذا جاوزت لم يصلوا عليه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٥):
«أجمع العلماء الذين رأوا الصلاة علي القبر جائزة أنَّه لا يصلى على قبر إلَّا بقرب ما يدفن وأكثر ما قالوا في ذلك شهر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٧٨):
«وجملة ذلك أنَّ من فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها، ما لم تدفن، فإن دفنت، فله أن يصلي على القبر إلى شهر.
[ ٥ / ٢٧٣ ]
هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة ﵃ وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعي.
وَقَالَ النخعي، والثوري، ومالك وأبو حنيفة: لا تعاد الصلاة على الميت، إلَّا للولي إذا كان غائبًا، ولا يصلى على القبر إلَّا كذلك، ولو جاز ذلك لكان قبر النبي ﷺ يصلى عليه في جميع الأعصار.
ولنا، ما روي أنَّ النبي ﷺ ذكر رجلًا مات، فقال: "فدلوني على قبره" فأتى قبره، فصلى عليه. متفق عليه.
وعن ابن عباس أنَّه مرَّ مع النبي ﷺ على قبر منبوذ، فأمهم وصلوا خلفه.
قال أحمد ﵀: ومن شك في الصلاة على القبر يروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من ستة وجوه كلها حسان ولأنَّه من أهل الصلاة، فيسن له الصلاة على القبر، كالولي، وقبر النبي ﷺ لا يصلى عليه؛ لأنَّه لا يصلى على القبر بعد شهر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٤٤):
«وإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر فيه أربعة أوجه:
أحدها: إلي شهر: لأَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ "صلى على أم سعد ابن عبادة ﵄ بعد ما دفنت بشهر".
والثاني: يصلي عليه ما لم يبل لأنَّه إذا بلي لم يبق ما يصلي عليه.
[ ٥ / ٢٧٤ ]
والثالث: يصلى عليه من كان من أهل الفرض عند موته لأنَّه كان من أهل الخطاب بالصلاة عليه وأمَّا من يولد بعد موته أو بلغ بعد موته فلا يصلي عليه لأنَّه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه.
والرابع: يصلي عليه أبدًا لأنَّ القصد من الصلاة علي الميت الْدُعَاء والْدُعَاء يجوز كل وقت» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على التوقيت بالشهر ما رواه أبو داود (١٠٣٨)، والترمذي (١٠٣٨) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ ﷺ غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحُ الْإِسْنَادِ. ومراسيل ابن المسيب جياد.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٤٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: ثنا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَدِمَتْ عَائِشَةُ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهَا بِشَهْرٍ، فَقَالَتْ: «أَيْنَ قَبْرُ أَخِي؟ فَأَتَتْ فَصَلَّتْ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: أبو الربيع هو سليمان بن داود الزهراني، وقد خالفه في ذكر الشهر أبو النعمان محمد بن الفضل كما روى ذلك البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨١٥).
وقد روى غير واحد الحديث عن أيوب ولم يذكروا في حديثهم الشهر ومنهم:
معمر كما عند عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٥٣٩)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣٠٤٠).
وإسماعيل بن علية كما عند ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٠٦٢).
[ ٥ / ٢٧٥ ]
وعبد الوهاب بن عبد المجيد كما روى ذلك أبو عروبة في [الْمُنْتَقَى] (١٠).
قُلْتُ: فالذي يظهر لي أنَّ ذكر الشهر غير محفوظ في الحديث.
وصلاة النبي ﷺ على القبر كانت في الغالب مع قرب العهد بالدفن إلَّا ما رواه البخاري (٤٠٤٢)، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ، كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ». وأصل الحديث في مسلم (٢٢٩٦) من غير ذكر السنين.
وقد تُؤل هذا الحديث بتأويلين:
الأول: أنَّه خاص بالنبي ﷺ.
والآخر: أنَّ المراد بالصلاة هاهنا الْدُعَاء أي دعا لهم كالْدُعَاء على الميت.
قُلْتُ: وهناك من أهل العلم من أجرى هذا الحديث على ظاهرة ومنهم الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقد قال في [تَهْذِيْبِ الْسُنَنِ] (٢/ ١٠٠):
«هذا الحديث يدل على أنَّ ذلك لا يتقيد عنده بوقت لا شهر ولا غيره وقد روى سعيد بن المسيب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى على أم سعد بعد موتها بشهر وهذا مرسل صحيح.
وصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين وصلى على غير واحد في القبر لدون الشهر ولم يأت في التحديد نص» اهـ.
قُلْتُ: قد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه صلى على قتلى أحد وقد سبق ما رواه روى الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٨٨٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بِحَمْزَةَ
[ ٥ / ٢٧٦ ]
فَسُجِّيَ بِبُرْدِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى يُصَفُّونَ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. ويبعد أن يعيد النبي ﷺ صلاة الجنازة عليهم وقد صلى عليهم قبل ذلك.
ثم المعهود من سنة النبي ﷺ هو صلاة الجنازة جماعة.
فالأظهر أنَّ المراد بالصلاة الدعاء.
قُلْتُ: تحديد ذلك بمن مات الميت وهو من أهل الفرض له حظه من النظر أمَّا الصلاة على من مات قبل مئات السنين فلا يظهر لي القول بمشروعية ذلك، والأحوط أن يصلي على القبر مع قرب الوقت كما جاءت بذلك السنة. والله أعلم.
ويخص من ذلك قبر النبي ﷺ فلا يصلى عليه اتفاقًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الرَّدِ عَلَى الأَخْنَائِي] (٢٠):
«واتفقوا على أنَّ قبر النبي ﷺ لا يصلى عليه كما لم يصل عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن فهذا لعلو قدره لا لخفضه عن غيره فإنَّه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من الصلاة عليه عند القبر والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره وثنًا وعيدًا والرسول ﷺ ينبغي أن تكون محبة المؤمن له وتعظيمه له وصلاته وسلامه عليه وسائر حقوقه موجودًا معه في جميع البقاع لا يختص القبر بشيء من حقوقه فمن خص القبر بشيء من حقوقه قصر فيه عند غير القبر فهو مقصر في حق الرسول
[ ٥ / ٢٧٧ ]
ﷺ مريد لما نهى عنه من اتخاذ قبره عيدًا وذلك يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع وكذلك ما يفعل عند قبر غيره من الزيارة هو عند قبره ليس بمأمور ولا مقدور لعلو قدره واختصاصه بما ميزه الله على غيره ﷺ كما خص بأن دفن في الحجرة ولم برزوا قبره» اهـ.
وَقَالَ أيضًا ﵀ في [الرَّدِ عَلَى الأَخْنَائِي] (٩٧):
«والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة تشرع مع القرب والمشاهدة وهو بالإجماع لا يصلى على قبره سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلى على القبر مطلقًا ولم يعرف أن أحدًا من الصحابة الغائبين لما قدم صلى على قبره ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: وقد شذ في ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فقال في [الْمُحَلَّى] (٥/ ١٤١): «ما علمنا أحدًا من الصحابة، ﵃، نهى، عن الصلاة على قبر رسول الله ﷺ وما نهى الله تعالى عنه، ولا رسوله ﵇، فالمنع من ذلك باطل، والصلاة عليه فعل خير، والدعوى باطل إلَّا ببرهان» اهـ.
قُلْتُ: وإذا دفن الميت قبل أن يصلى عليه فالأظهر أن يصلى عليه على القبر ولا حاجة لإخراجه، وإذا دفن قبل أن يكفن أخرج وكفن، وهكذا إذا دفن قبل أن يغسل، وهذا إذا كان الدفن قريبًا قبل أن يتغير الميت.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ ﵀ في [الْمَبْسُوطِ] (٢/ ٦٩):
«وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا صُلِّيَ فِي الْقَبْرِ عَلَيْهَا إنَّمَا لَا يُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ لِأَنَّهُ قَدْ سُلِّمَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ. جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
[ ٥ / ٢٧٨ ]
قَالَ: "الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ" وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ تَتَأَتَّى فَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ تَفَرَّقَ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا عَلَى أَعْضَائِهِ وَفِي الْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَبِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَيِّتِ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ» اهـ.
وَقَالَ الْغَزَالِي الْشَّافِعِي ﵀ فِي [الْوَسِيْطِ] (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١):
«وَلَا يحل نبش الْقُبُور إِلَّا إِذا انمحق أثر الْمَيِّت بطول الزَّمَان أَوْ دفن من غير غسل فَالظَّاهِر أَنه ينبش الْقَبْر وَيغسل أَوْ دفن فِي أَرض مَغْصُوبَة وَترك الْمَالِك إِخْرَاجه فَإِنْ حق الْحَيّ أولى بالمراعاة.
وَلَو دفن قبل الصَّلَاة صلي عَلَيْهِ فِي الْقَبْر.
وَلَو دفن قبل التَّكْفِين فَوَجْهَانِ:
أظهرهمَا: أَنَّه لَا ينبش لِأَنَّ الْقَبْر ستره بِخِلَاف الْغسْل فَإِنَّ مَقْصُوده لَا يحصل بالدفن.
وَلَو دفن فِي كفن مَغْصُوب فَثَلَاثَة أوجه:
أظهرهمَا: أَنه ينبش كالأرض الْمَغْصُوبَة وكما لَو ابتلع لؤلؤة فَإِنَّهُ يشق بَطْنه لأجل ملك الْغَيْر.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
وَالثَّانِي: أَنَّه فِي حكم الْهَالِك فَيغرم الْقيمَة إِنْ أمكن وَإِلَّا فالنبش عِنْد الْعَجز عَنْ الْقيمَة لَا بُد مِنْهُ.
وَالثَّالِث: أَنه إِنْ تغير الْمَيِّت وَأدّى إِلَى هتك حرمته فَلَا ينبش وَهُوَ الأقيس وَإِلَّا فينبش» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِي ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٤١٢ - ٤١٣):
«فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، نُبِشَ، وَغُسِّلَ، وَوُجِّهَ، إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُنْبَشُ؛ لِأَنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا. وَلَنَا، أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ وَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ، كَإِخْرَاجِ مَا لَهُ قِيمَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ. قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُقْبَرُ وَلَا يُنْبَشُ.
فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ صُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ جَازَ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلَا يُنْبَشُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ وَلَمْ يَنْبُشْهَا. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ دُفِنَ قَبْلَ وَاجِبٍ، فَنُبِشَ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا الْمِسْكِينَةُ فَقَدْ كَانَتْ صُلِّيَ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَبْقَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً، فَلَمْ تُنْبَشْ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ.
فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُتْرَكُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْكَفَنِ سَتْرُهُ، وَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُ بِالتُّرَابِ. وَالثَّانِي، يُنْبَشُ وَيُكَفَّنُ؛ لِأَنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ، فَأَشْبَهَ الْغُسْلَ. وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ،
[ ٥ / ٢٨٠ ]
وَلَا يُنْبَشُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْبَشَ، إذَا كَانَ الْكَفَنُ بَاقِيًا بِحَالِهِ؛ لِيُرَدَّ إلَى مَالِكِهِ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بَالِيًا فَقِيمَتُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
فَإِنْ دُفِنَ فِي أَرْضِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ فِي الْأَرْضِ يَدُومُ ضَرَرُهُ، وَيَكْثُرُ، بِخِلَافِ الْكَفَنِ. وَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الدَّفْنِ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا. وَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَعَادَ تُرَابًا، فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ لِحُرْمَةِ مِلْكِ الْآدَمِيِّ، فَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ.
تَبْقَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً، فَلَمْ تُنْبَشْ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ» اهـ.
قُلْتُ: روى البخاري (١٣٥٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ».
وروى البخاري (١٣٤٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟» فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وفي رواية للبخاري (١٣٥١) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
[ ٥ / ٢٨١ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ».
وروى البخاري (١٢٧٠، ١٣٥٠، ٥٧٩٥)، ومسلم (٢٧٧٣) عَنْ جَابِر ﵁، قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ».
وبوَّب عليه البخاري بقوله: «بَابٌ: هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ».
قُلْتُ: وقد تأول الحافظ ابن حجر وغيره الدفن على مجرد الإدلاء في القبر قبل إهالة التراب عليه، وهو صرف للحديث عن ظاهره.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٢٤٤)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٩١٩) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ السَّكُونِيِّ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، أَوْصَى امْرَأَتَهُ، وَخَرَجَ، فَمَاتَتْ وَكَفَّنَّاهَا فِي ثِيَابٍ لَهَا خُلْقَانٍ، فَقَدِمَ بَعْدَ أَنْ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا عَنْ قَبْرِهَا بِسَاعَتَيْنِ، فَقَالَ: «فِيمَا كَفَّنْتُمُوهَا؟»، قُلْنَا فِي ثِيَابِهَا الْخُلْقَانِ، فَنَبَشَهَا وَكَفَّنَهَا فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ، وَقَالَ: «أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ
قُلْتُ: فإذا جاز إخراج الميت لمثل ذلك فإنَّ إخراجه من أجل الكفن الواجب أوكد.
وروى ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْتَّمْهِيْدِ] (١٣/ ١٤٢/ ١٨/ ١٧٤)
[ ٥ / ٢٨٢ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْعَيْنَ الَّتِي فِي أَسْفَلِ أُحُدٍ عِنْدَ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ مَيِّتٌ فَلْيَأْتِهِ فَلْيُخْرِجْهُ فَلْيَحْمِلْهُ قَالَ جَابِرٌ: فَذَهَبْنَا إِلَى أَبِي فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَنْثَنُونَ قَالَ أَبُو سعيد لا ينكر بَعْدَ هَذَا مُنْكَرًا قَالَ جَابِرٌ فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ أَصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَتَقَطَّرَ الدَّمُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَّنٌ.
وفي هذا إخراج الميت لمصلحة، ويلحق بذلك مصلحة تكفينه.
وفي هذا الأثر مشروعية نقل الموتى من أماكنهم لمصلحة عامة للمسلمين، وشبيه بذلك إذا احتاج المسلمون أن يشقوا طريقًا من وسط مقبرة من المقابر فيشرع نقل الموتى من ذلك الموضع إلى غيره.
وقد اختلف في ذلك العلماء المعاصرون فمنع من ذلك العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَدٍ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيْفِ آلِ الْشَّيْخِ] (٣/ ٢١٣ - ٢١٨).
وأفتى غيره بالجواز.
جاء في [لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ] (٢/ ١٢) للعلامة ابن عثيمين ﵀:
«هل يجوز نبش القبور من أجل الطريق العام، كأن يكون الطريق لا يصلح إلا من المقبرة، فهل يجوز نبشها ووضعها في مقبرة ثانية من أجل المصلحة العامة؟
الجواب:
[ ٥ / ٢٨٣ ]
نبش القبور عند الضرورة من أجل الطريق أفتى بعض علماء اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية بجواز ذلك بشرط: ألا يمكن صرف الطريق عن الاتجاه إلى المقبرة، فتنبش القبور وتؤخذ العظام وتوضع في مقبرة» اهـ.
٢ - غاية ما يدل عليه الحديث أنَّ الصلاة على القبر إنَّما يفعلها من لم يصل على الجنازة، إلَّا إذا كان تابعًا لمن لم يصل عليها كما فعل ذلك صحابة النبي ﷺ إذ أعادوا الصلاة مرة أخرى خلف النبي ﷺ.
فروى أحمد (١٥٧١١)، وابن ماجه (١٥٢٩) مِنْ طِرْيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا الْقَبْرُ؟» قَالُوا: قَبْرُ فُلَانَةَ، قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي» قَالُوا: كُنْتَ نَائِمًا فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا فَادْعُونِي لِجَنَائِزِكُمْ فَصَفَّ عَلَيْهَا فَصَلَّى».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ٢٦٣): «وينبني على هذين المأخذين أنَّه إذا حضر الجنازة من لم يصل أولًا: فهل لمن صلى عليها أولًا أن يصلي معه تبعًا؟ كما يفعل مثل هذا في المكتوبة على وجهين. قيل: لا يجوز هنا؛ لأنَّ فعله هنا نفل بلا نزاع، وهي لا يتنفل بها، وقيل: بل له الإعادة؛ فإنَّ النبي ﷺ لما صلى على القبر صلى خلفه من كان قد صلى أولًا، وهذا أقرب فإن هذه الإعادة بسبب اقتضاه لا إعادة مقصودة وهذا سائغ في المكتوبة والجنازة. والله أعلم» اهـ.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
٣ - يؤخذ من هذا جواز الصلاة على الجنازة في المقبرة إذ لا فرق بين الصلاة على الميت وهو في بطن الأرض وبين الصلاة عليه في المقبرة وهو على النعش فإنَّ صلاة الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود فلهذا شرعت في المقبرة فشأنها كشأن الْدُعَاء للميت في المقبرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦):
«فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنَّه المقصود بالصلاة في الموضعين ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات فإنَّها لم تشرع في القبور ولا إليها لأنَّها ذريعة إلى اتخاذها مساجد وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك فأين ما لعن فاعله وحذر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: "إنَّ من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهو أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" إلى ما فعله ﷺ مرارًا وتكرارًا وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذه المسألة من المسائل التي تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤):
«ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري: وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه. إنَّما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت، فإن صلى إليها فلا باس.
[ ٥ / ٢٨٥ ]
وفيه - أيضًا -: قال سفيان: ويكره أن يصلي الرجل إلى القبور أو ما بين القبور. ثم قال: ومن صلى إلى القبور فلا إعادة عليه. وفيه: قال: ولا تعجبني الصلاة على الجنازة في المقبرة.
وهذا قول الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد؛ لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة.
واستدل من رخص في صلاة الجنازة في المقبرة: بأنَّ الصلاة على القبر جائزة بالسنة الصحيحة، فعلم أنَّ الصلاة على الميت في القبور غير منهي عنها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٤٣):
«فصل: فأمَّا الصلاة على الجنازة في المقبرة فعن أحمد فيها روايتان.
إحداهما: لا بأس بها؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ صلى على قبر وهو في المقبرة.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ذكر نافع أنَّه صلي على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع صلى على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز.
والرواية الثانية: يكره ذلك. وروي ذلك عن علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس وبه قال عطاء، والنخعي، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر» اهـ.
قُلْتُ: الصلاة على عائشة وأم سلمة وسط القبور رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٩٣، ٦٥٧٠)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٧٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٤٢٧٨)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٧٦٣، ٣١١٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَسَطَ الْقُبُورِ؟ قَالَ: «لَقَدْ صَلَّيْنَا
[ ٥ / ٢٨٦ ]
عَلَى عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ الْبَقِيعِ» قَالَ: «وَالْإِمَامُ يَوَمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٦٨):
«تكره الصلاة علي الجنازة في المقبرة بين القبور هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمرو عطاء وابن سيرين وأحمد واسحق وأبي ثور قال وبه أقول ولم يكرهها أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وعن مالك روايتان كالمذهبين» اهـ.
قُلْتُ: وتكون الصلاة على الميت بعد تغسيله، وإن صلي عليه قبل تغسيله فذهب جماعة من العلماء إلى إعادة الصلاة عليه، وهناك شروط أخرى نص عليها العلماء لصلاة الجنازة.
قال ابن رشد المالكي في [الْمُقَدِّمَاتِ] (١/ ٢٣٣)
«فصل: فإن ترك غسله استدرك ما لم يدفن، وقيل: ما لم يخش عليه التغير وإن دفن، وتعاد الصلاة عليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٢٢):
«قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا تَقْدِيمُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ حَتَّى لَوْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أَوْ انْهَدَمَ عَلَيْهِ مَعْدِنٌ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بَعْدَ غُسْلِهِ قَبْلَ تَكْفِينِهِ وَيُكْرَهُ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ» اهـ.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
وَقَالَ الْخَطِيْبِ الشِّرْبِينِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (٢/ ٤٩ - ٥٠)
«(وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) عَلَى الْجِنَازَةِ زَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ صَلَاتِهَا شَرْطَانِ أَشَارَ إلَى أَحَدِهِمَا بِقَوْلِهِ (تَقَدُّمُ غُسْلِهِ) أَوْ تَيَمُّمِهِ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ كَصَلَاةِ نَفْسِهِ (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (قَبْلَ تَكْفِينِهِ) كَمَا قَالَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَيْضًا وَاسْتَشْكَلَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَوْجُودَانِ فِيهِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْغُسْلَ شَرْطٌ دُونَ التَّكْفِينِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ اهـ.
وَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّ تَرْكَ السَّتْرِ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِ الطَّهَارَةِ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْقَضَاءِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ (فَلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ) كَأَنْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ بَحْرٍ عَمِيقٍ (وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ) وَتَيَمُّمُهُ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ لَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، لِمَا صَحَّ "وَاذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ وَجَزَمَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ مَنْ أُحْرِقَ فَصَارَ رَمَادًا أَوْ أَكَلَهُ سَبُعٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ بِذَلِكَ، وَبَسَطَ الْأَذْرَعِيُّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالْقَلْبُ إلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَمْيَلُ، لَكِنَّ الَّذِي تَلَقَّيْنَاهُ عَنْ مَشَايِخِنَا مَا فِي الْمَتْنِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ الْحَاضِرَةِ) إذَا صَلَّى عَلَيْهَا (وَ) أَنْ (لَا) يَتَقَدَّمَ عَلَى (الْقَبْرِ) إذَا صَلَّى عَلَيْهِ (عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا) اتِّبَاعًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ؛ وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ كَالْإِمَامِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِإِمَامٍ مَتْبُوعٍ حَتَّى
[ ٥ / ٢٨٨ ]
يَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُ بَلْ هُوَ كَعَبْدٍ جَاءَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ، وَاحْتُرِزَ بِالْحَاضِرَةِ عَنْ الْغَائِبَةِ عَنْ الْبَلَدِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ، وَإِنْ كَانَتْ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
تَنْبِيهٌ إنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ طَرِيقَيْنِ. أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ، وَالثَّانِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَجْمَعَهُمَا مَكَانٌ وَاحِدٌ، كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ: وَأَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا تَنْزِيلًا لِلْمَيِّتِ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ الْمَصْرِيّ الْحَنَفِي ﵀ فِي [الْبَحْرِ الْرَّائِقِ] (٢/ ١٩٣)
«(قَوْلُهُ فَلَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، فَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ إلَخْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِهِ لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَكِنْ صُحِّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْغُسْلِ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ لِتَضَمُّنِهِ أَمْرًا حَرَامًا، وَهُوَ نَبْشُ الْقَبْرِ فَسَقَطَتْ الصَّلَاةُ. اهـ» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ الْحَنَفِي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨):
(قَوْلُهُ: وَشَرْطُهَا) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهَا فَهِيَ شُرُوطُ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ مَعَ زِيَادَةِ الْعِلْمِ بِمَوْتِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ سِتَّةٌ) ثَلَاثَةٌ فِي الْمَتْنِ وَثَلَاثَةٌ فِي الشَّرْحُ، وَهِيَ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَحُضُورُ الْمَيِّتِ، وَكَوْنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّي، وَزَادَ أَيْضًا سَابِعًا: وَهُوَ بُلُوغُ الْإِمَامِ، ثُمَّ هَذِهِ الشُّرُوطُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي فَهِيَ شُرُوطُ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بَدَنًا وَثَوْبًا وَمَكَانًا وَالْحُكْمِيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالنِّيَّةِ
[ ٥ / ٢٨٩ ]
سِوَى الْوَقْتِ (قَوْلُهُ إسْلَامُ الْمَيِّتِ) أَيْ وَلَوْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ لِلدَّارِ أَوْ لِلسَّابِي كَمَا سَيَأْتِي وَالْمُرَادُ بِالْمَيِّتِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ حَيًّا لَا لِبَغْيٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ مُكَابَرَةٍ فِي مِصْرٍ أَوْ قَتْلٍ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ قَتْلٍ لِنَفْسِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ) أَمَّا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَلَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ فَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِلَا غُسْلٍ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَسَّخَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ. هَذَا، وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ صَحَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ لِأَنَّهَا بِلَا غُسْلٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ رَمْلِيٌّ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ أَوَّلًا) أَيْ ثُمَّ تَذَّكَّرُوا أَنَّهُ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ (قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْآنَ زَالَ الْإِمْكَانُ وَسَقَطَتْ فَرِيضَةُ الْغُسْلِ جَوْهَرَةٌ (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) مِثْلُهُ فِي الْمِفْتَاحِ وَالْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى التَّجْرِيدِ إسْمَاعِيلُ، لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ قَاضِي خَانْ عَنْ طَهَارَةِ مَكَانِ الْمَيِّتِ هَلْ تُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؟ قَالَ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا رِوَايَةَ لِهَذَا وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ، وَهَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ اهـ. وَفِي ط عَنْ الْخِزَانَةِ إذَا تَنَجَّسَ الْكَفَنُ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ لَا يَضُرُّ دَفْعًا لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الْكَفَنِ الْمُتَنَجِّسِ ابْتِدَاءً. اهـ. وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ بَدَنُهُ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُكَفَّنَ غُسِّلَ وَبَعْدَهُ لَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْغُسْلِ فَيُقَيَّدُ مَا فِي الْقُنْيَةِ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ أُعِيدَتْ) لِأَنَّهُ لَا صِحَّةَ لَهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْقَوْمِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَبِعَكْسِهِ لَا) أَيْ لَا تُعَادُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ
[ ٥ / ٢٩٠ ]
الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ) أَيْ أَمَّتْ رَجُلًا فَإِنَّ صَلَاتَهَا تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَةً) سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ لِسُقُوطِ فَرْضِهَا بِوَاحِدٍ) أَيْ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِمَسْأَلَةِ الْعَكْسِ وَمَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ بُلُوغُ الْإِمَامِ) الْأَوْلَى ذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الشُّرُوطِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ سَابِعٌ زَائِدٌ عَلَى السِّتَّةِ فَافْهَمْ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ بَحْثًا لَا نَقْلًا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦):
«فَوَائِدُ. يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، إلَّا الْوَقْتَ قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ: وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا حُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ.
وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْبُوقِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: قُرْبُهَا مِنْ الْإِمَامِ مَقْصُودٌ، كَقُرْبِ الْمَأْمُومِ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الدُّنُوُّ مِنْهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِلصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ مَأْخَذَانِ. الْأَوَّلُ: اشْتِرَاطُ اسْتِقْرَارِ الْمَحَلِّ فَقَدْ يَخْرُجُ فِيهِ مَا فِي الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ وَعَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْفَرَائِضِ وَإِمْكَانِ الِانْتِقَالِ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالثَّانِي: اشْتِرَاطُ مُحَاذَاةِ الْمُصَلِّي لِلْجِنَازَةِ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ، وَهَذَا قَدْ يَخْرُجُ فِيهِ مَا فِي عُلُوِّ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ فَلَوْ وُضِعَتْ عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ، أَوْ مِنْبَرٍ: ارْتَفَعَ الْمَحْذُورُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي أَيْضًا: لَوْ صَلَّى عَلَى
[ ٥ / ٢٩١ ]
جِنَازَةٍ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْنَاقِ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ صَغِيرٌ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ: لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ: لَمْ يَصِحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: صَلَاةُ الصَّفِّ الْأَخِيرِ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَوْ حَصَلَ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَبَيْنَهُ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ، وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوْضِعِ الصَّفِّ الْأَخِيرِ بِلَا حَاجَةٍ: لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطَّى، وَقِيلَ: إنْ أَمْكَنَ كَشْفُهُ عَادَةً، وَلَا مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ حَائِلٍ غَيْرِهِ، وَقُلْت: يَصِحُّ كَالْمَكِّيَّةِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا: وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَ الْإِمَامُ الْمَيِّتَ فَإِنْ لَمْ يُسَامِتْهُ كُرِهَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ. انْتَهَى. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ بِمَاءٍ، أَوْ تَيَمُّمٍ لِعُذْرٍ أَوْ عَدَمٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ صَلَّى عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: إسْلَامُ الْمَيِّتِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَيْنِ الْمَيِّتِ، فَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْحَاضِرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ جَهِلَهُ نَوَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامَ، وَقِيلَ: لَا فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْأَوْلَى مَعْرِفَةُ ذُكُورِيَّتَهُ وَأُنُوثِيَّتَهُ، وَاسْمَهُ، وَتَسْمِيَتُهُ فِي دُعَائِهِ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اُعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ. كَتَزْوِيجِهِ إحْدَى مُوَلِّيَتَيْهِ فَإِنْ بَانَ غَيْرُهُ: فَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَقَالَ: إنْ نَوَى عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ. فَالْقِيَاسُ: الْإِجْزَاءُ، لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى عَيْنَهُ فَإِنَّ عَيَّنَ مَيِّتًا فَبَانَ غَيْرُهُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْمُبْدِعِ] (٢/ ٢٥٧):
«فَإِنْ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ صُلِّيَ عَلَيْهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (١/ ٣٦٣): «(وَشُرِطَ لَهَا) أَيْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، (مَعَ مَا) شُرِطَ (لِمَكْتُوبَةٍ، إلَّا
[ ٥ / ٢٩٢ ]
الْوَقْتَ) فَيُشْتَرَطُ لِلْجِنَازَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (حُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي فَلَا تَصِحُّ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ لِأَنَّهَا كَالْإِمَامِ وَلِهَذَا لَا صَلَاةَ بِدُونِ مَيِّتٍ وَلَوْ صَلَّى وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ لَمْ تَصِحَّ.
وَيُسَنُّ دُنُوُّهُ مِنْهَا وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَهَا الْإِمَامُ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَلَا تُحْمَلُ إلَى مَكَان أَوْ مَحَلٍّ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (لَا) إذَا صَلَّى (عَلَى غَائِبٍ مِنْ الْبَلَدِ، وَلَوْ أَنَّهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ فِي غَيْرِ قِبْلَتِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي وَلَوْ صَارَ وَرَاءَهُ حَالَ الصَّلَاةِ فَتَصِحُّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْآحَادِ بِالنِّيَّةِ نَصًّا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَلَاتِهِ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَأَمَرَهُ أَصْحَابُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) إلَّا إذَا صَلَّى (عَلَى غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسِيرٍ، فَيَسْقُطُ شَرْطُ الْحُضُورِ لِلْحَاجَةِ، وَكَذَا غُسْلُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ (فَيُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ ذُكِرَ (إلَى شَهْرٍ) مِنْ مَوْتِهِ (بِالنِّيَّةِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَلَاشٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي جَانِبٍ مِنْ الْبَلَدِ وَالْمُصَلِّي فِي الْآخِرِ; لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ.
(وَ) الثَّانِي (إسْلَامُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ وَدُعَاءٌ لَهُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ.
(وَ) الثَّالِثُ (تَطْهِيرُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَلَوْ بِتُرَابٍ لِعُذْرٍ) كَفَقْدِ الْمَاءِ، أَوْ تَفَرُّقِ أَجْزَائِهِ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَتَفَسُّخِهِ فَيُيَمَّمُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) التَّيَمُّمُ أَيْضًا لِفَقْدِ التُّرَابِ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الطَّهَارَةِ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ، كَالْحَيِّ
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وَكَبَاقِي الشُّرُوطِ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا أَيْضًا: تَكْفِينُهُ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ لِمُلَازَمَتِهِ لِلْغُسْلِ عَادَةً» اهـ.
الشرط الأول: تقديم الغسل أو التيمم بشرطه على الصلاة، وقد اتفق عليه أصحاب المذاهب الأربعة.
وإذا لم يتمكن من تغسيله فلا يصلى عليه عند أكثر الشافعية والحنفية وخالف آخرون منهما، وخالفهم أكثر أصحاب المذاهب، وهو الصحيح لأنَّ العبد يفعل من الواجب ما استطاع ويسقط عنه ما لم يستطعه كما دلت على ذلك الأدلة.
الشرط الثاني: أن تكون الصلاة بعد تكفينه.
ولم يشترط ذلك الشافعية في المشهور عنهم، واستظهر بعضهم الاشتراط.
والأظهر عدم الاشتراط.
الشرط الثالث: أن لا يتقدم الجنازة الحاضرة أو القبر.
واشترط ذلك جماعة من علماء الشافعية، وخالف آخرون منهم، واشترطه الحنفية والحنابلة.
ولم يشترط علماء الشافعية والحنابلة ذلك في الجنازة الغائبة عن البلد فتجوز الصلاة عليها وإن كانت خلف ظهره.
قُلْتُ: وهذا شرط صحيح في الجنازة الحاضرة والقبر.
الشرط الرابع: أن يجمعهم مكان واحد إذا كانت في المسجد، وإن كانت في فلاة فلا تبعد عن المصلين أكثر من ثلاثمائة ذراع.
واشترط ذلك الشافعية.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
قُلْتُ: من كان المصلون في المسجد والجنازة في غير المسجد كأن تكون في بيت أهلها فلا تجزئ الصلاة عليها، ومن كان في فلاة فينبغي أن تكون الجنازة قريبة فإن تباعدت تباعدًا بحيث أنَّ الناظر إذا نظر إليهم لم يعلم أنَّهم يصلون على جنازة فلا تجزئ هذه الصلاة والله أعلم.
الشرط الخامس: أن تكون حاضرة بين يدي المصلي، فلا تشرع على الجنازة المحمولة.
واشترط ذلك الحنابلة والحنفية.
ولا أعلم حجة صحيحة لذلك، نعم رفعت وذهب بها فلا تصح الصلاة ابتداء، وتصح إتمامًا في حق المسبوق.
الشرط السادس: أن لا تكون مستورة بتابوت مغطى أو من وراء حائل كالجدار.
وهذا الشرط عند الحنابلة.
الشرط السابع: أن يكون جل الميت مجتمعًا.
وهذا الشرط عند الإمام مالك وأبي حنيفة.
قَالَ الْعلَّامَةُ أَبُو مَحَمَدٍ الْقَيْرَوَانِي ﵀ فِي [النَّوَادِرِ] (١/ ٦٢٠)
«وفي رواية ابْن الْقَاسِمِ، في "المجموعة" وفي "الْعُتْبِيَّة"، من سماع موسى عن ابْن الْقَاسِمِ، أن مالكا قال: إذا كان جل البدن مجتمعا أو مقطعا، صَلَّى عليه، وغسل، وإن لم يكن جله، فلا، ولكن يدفن ذلك بلا غسل ولا صلاة. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وقاله الشعبي.
[ ٥ / ٢٩٥ ]
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يغسل ما وجد منه، ويُصَلَّى عليه، كان رأسًا أو يدًا أو رجلًا أو عضوًا، وينوي بالصلاة عليه الميت. وقد دفن عروة رجله بعد أن غسلها، فكفنها ولم يصل عليها؛ لأنَّها من حي. وإنَّما ينوى بذلك أن يُصَلَّى على صاحب الرجل الميت لا الحي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٠١ - ٤٠٢):
«فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْضُ الْمَيِّتِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَلَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْأَعْضَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: إنْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ بَعْضٌ لَا يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ، فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، كَاَلَّذِي بَانَ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِ، كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ. وَلَنَا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالَ أَحْمَدُ: صَلَّى أَبُو أَيُّوبَ عَلَى رِجْلٍ، وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ بِالشَّامِ. رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، بِإِسْنَادِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، فَعُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ. وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ جُمْلَةٍ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْأَكْثَرِ، وَفَارَقَ مَا بَانَ فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَالشَّعْرُ وَالظُّفْرُ لَا حَيَاةَ فِيهِ.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
فَصْلٌ: وَإِنْ وُجِدَ الْجُزْءُ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، أَوْ نُبِشَ بَعْضُ الْقَبْرِ وَدُفِنَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى كَشْفِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّ ضَرَرَ نَبْشِ الْمَيِّتِ وَكَشْفِهِ أَعْظَمُ مِنْ الضَّرَرِ بِتَفْرِقَةِ أَجْزَائِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٨):
«قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ) يَعْنِي تَحْقِيقًا: غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَعْنِي غَيْرَ شَعْرٍ وَظُفُرٍ وَسِنٍّ، وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْبَعْضُ الْمَوْجُودُ يَعِيشُ مَعَهُ، كَيَدٍ وَرَجُلٍ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَا، كَرَأْسٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ تَبَعًا لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحُ، قَالَ: هُوَ الْمَشْهُورُ. قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَبَعْضُ الْمَيِّتِ كَكُلِّهِ، وَعَنْهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ قَالَ الْخَلَّالُ: لَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُوَ الْأَوَّلُ.
فَعَلَيْهَا: الِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ فَإِنْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ أَوَّلًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَ بَعْدَهُ الْأَقَلُّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ الْأَقَلُّ أَوَّلًا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِفَقْدِ الْأَكْثَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ الْكَامِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: مَا دُونَ الْعُضْوِ الْقَاتِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ تَمِيمٍ. قَوْلُهُ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) تَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: يَجِبُ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَحَيْثُ
[ ٥ / ٢٩٧ ]
قُلْنَا يُصَلَّى: فَإِنَّهُ يُنْوَى عَلَى الْبَعْضِ الْمَوْجُودِ فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُنْوَى الْجُمْلَةُ وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَأَمَّا غُسْلُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ وَاجِبٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا تَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى الْآمِدِيُّ سُقُوطَ الْغُسْلِ إنْ قُلْنَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: إذَا صُلِّيَ عَلَى الْبَعْضِ، ثُمَّ وُجِدَ الْأَكْثَرُ فَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: احْتَمَلَ أَنْ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَجِبُ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ، جَعْلًا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ، وَتَبِعَ الْمَجْدُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْأَقَلِّ، وَعَنْهُ يُصَلَّى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِذَا وُجِدَتْ جَارِحَةٌ مِنْ جُمْلَةٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجَوَارِحِ: وَجَبَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ إذَا وُجِدَ الْجُمْلَةُ: فَهَلْ تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ تَقَدَّمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: يَجِبُ هُنَا، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيمَا إذَا صُلِّيَ عَلَى الْأَكْثَرِ، ثُمَّ وُجِدَتْ الْجَارِحَةُ، وَهَلْ يُنْبَشُ لِيُدْفَنَ مَعَهُ أَوْ بِجَنْبِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ: وَإِنْ وُجِدَ الْجُزْءُ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، أَوْ يُنْبَشُ بَعْضُ الْقَبْرِ وَيُدْفَنُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: دُفِنَ بِجَنْبِهِ وَلَمْ يُنْبَشْ، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
الثَّانِيَةُ: مَا بَانَ مِنْ حَيٍّ كَيَدٍ وَسَاقٍ انْفَصَلَ فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يُغَسَّلْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهَا إنْ اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ» اهـ.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥):
«وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بَعْضُ مَنْ تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَإِنَّمَا نُصَلِّي عَلَيْهِ إذَا تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ (فَأَمَّا) إذَا قُطِعَ عُضْوٌ مِنْ حَيٍّ كَيْدِ سَارِقٍ وَجَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ شَكَكْنَا فِي الْعُضْوِ هَلْ هُوَ مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ نُصَلِّ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا صاحب الْحَاوِي وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ الْحَيِّ وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
أَحَدُهُمَا: يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَعُضْوِ الْمَيِّتِ وَأَصَحُّهُمَا لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي ﵀ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْيَدَ الْمَقْطُوعَةَ فِي السَّرِقَةِ وَالْقِصَاصِ لَا تُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَلَكِنْ تُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَتُدْفَنُ وَكَذَا الْأَظْفَارُ الْمَقْلُومَةُ وَالشَّعْرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْأَحْيَاءِ لَا يُصَلَّى عَلَى شئ مِنْهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهَا قَالَ وَكَذَا إذَا شَكَكْنَا فِي مَوْتِ صَاحِبِ الْعُضْوِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَذَا الَّذِي سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى بَعْضِ الَّذِي تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ هُوَ فِي الْعُضْوِ أَمَّا إذَا وَجَدْنَا شَعْرَ الْمَيِّتِ أَوْ ظُفُرَهُ أَوْ نَحْوَهُمَا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَأَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْخِلَافِ
[ ٥ / ٢٩٩ ]
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ ﵀ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَلْ يُدْفَنُ.
وَأَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْعُضْوِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀: هَذَا الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ: لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ ﵀: إنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ﵀: وَلَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَأَلْصَقَهَا مَوْضِعَهَا فِي حَرَارَةِ الدَّمِ ثُمَّ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ وَوَجَدْنَا أُذُنَهُ لم نصل عليها لِأَنَّ انْفِصَالَهَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ هَذَا كَلَامُ القاضي ﵀ ويجئ فِيهَا الْوَجْهُ السَّابِقُ عَنْ الْحَاوِي قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَمَتَى صَلَّى فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فلا بدمن تَقَدُّمِ غُسْلِهِ ثُمَّ يُوَارَى بِخِرْقَةٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَالدَّفْنُ لَا يَخْتَصُّ بِعُضْوِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ بَلْ كُلُّ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ مِنْ عُضْوٍ وَشَعْرٍ وَظُفْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ وَكَذَلِكَ تُوَارَى الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ تُلْقِيهِمَا الْمَرْأَةُ وَكَذَا يُوَارَى دَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: وَلَوْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ أَوْ كُلُّهُ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ فِيهَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهِيدِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَمَتَى صَلَّى عَلَى عُضْوِ الْمَيِّتِ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ لَا عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: هَذَا.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
وَالثَّانِي: يُصَلَّى عَلَى الْعُضْوِ خَاصَّةً قَالَ: وَالْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ جُمْلَتَهُ صَلَّى عَلَيْهَا فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ صَلَّى عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَلَّ الْبَعْضُ أَمْ كَثُرَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ﵀ وَقَالَ دَاوُد لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ النِّصْفُ فَلَا غُسْلَ ولا صلاة قال مالك ﵀ لا يصلى علي اليسير منه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا وجد عضو للميت غسل وكفن وصلي عليه ودفن، وإن وجد بعد ذلك بقية الجسد فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في القبر الذي دفنت فيه اليد وذلك أنَّ غالب الجسد يأخذ حكم جميعه، وأمَّا إذا وجد عضو آخر ففي الصلاة عليها احتمال وتردد، والأظهر الاقتصار على الصلاة الأولى فإنَّها صلاة على الميت لا على جزء منه لكن لا بد من غسل وتكفين ودفن ما وجد بعد ذلك من الأعضاء.
وهكذا إن وجد الجسد فغسل وكفن وصلي عليه ودفن ثم وجد عضو من أعضائه فيكتفى بتغسيله وتكفينه ودفنه. والله أعلم.
* * *
[ ٥ / ٣٠١ ]
١٥٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٤٠):
«قوله: "سُحُول" بضم المهملتين وآخره لام أي بيض وهو جمع سَحْلٍ وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلَّا من قطن وقد تقدم في باب الثياب البيض للكفن بلفظ يمانية بيض سحولية من كرسف وعن ابن وهب: السحول القطن. وفيه نظر وهو بضم أوله ويروي بفتحه نسبة إلى سَحول قرية باليمن وَقَالَ الأزهري بالفتح المدينة وبالضم الثياب وقيل النسب إلى القرية بالضم وأمَّا بالفتح فنسبة إلى القصار لأنَّه يسحل الثياب أي ينقيها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ] (٤/ ٣١٧):
«والسحولية مَفْتُوحَة السِّين، منسوبة إِلَى قَرْيَة بِالْيمن يُقَال لَهَا: سحول، قَالَ الْحميدِي: وَقد قَرَأنَا نَحن بِمَكَّة على شيخ من شُيُوخ الحَدِيث كَانَ من أهل هَذِه الْقرْيَة. وَكَانَ ابْن قُتَيْبَة يَقُول: سُحُولِيَّة بِضَم السِّين، وَيَقُول: سحول جمع سحل: وَهُوَ الثَّوْب الْأَبْيَض. وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: إِنَّمَا هِيَ بِفَتْح السِّين.
وَقَالَ: وَقَوله: سحول جمع سحل، خطأ؛ إِنَّمَا جمع سَحَل سُحُل» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر هذا الجمع جماعة من أهل اللغة.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀ فِي: [مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ] (٢/ ٢٠٩):
[ ٥ / ٣٠٢ ]
«سحول بِالضَّمِّ جمع سحل وَهُوَ ثوب أَبيض وَوَقع فِي كتاب مُسلم من رِوَايَة السَّمرقَنْدِي أَثوَاب سحول فَمن فتح السِّين أضَاف الأثواب وَأَرَادَ الْموضع وَمن ضمهَا نون وَأَرَادَ صفة الأثواب أَنَّهَا قطن أَوْ بيض» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ قوله سحولية نسبة إلى السحول وهو مخلاف من مخاليف اليمن وهو الآن تابع لمدينة إب من مدن اليمن. وتفسير السحول بالأبيض لا يستقيم ها هنا لأنَّ البياض قد ذكر في الرواية.
قَالَ يَاقُوتُ الْحَمَوِي فِي [مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ] (٣/ ١٩٥):
«سحول: بضم أوله وآخره لام قال الليث: السحيل والجمع السحل ثوب لا يبرم غزله أي لا يفتل طاقين يقال سحلوه أي لم يفتلوا سداه وسحول قبيلة من اليمن وهو السحول بن سوادة بن عمرو بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد ابن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبإ قرية من قرى اليمن يحمل منها ثياب قطن بيض تدعى السحولية» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب تكفين الميت بثلاثة أثواب. وقد استحب ذلك في الرجل جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة.
قُلْتُ: وأمَّا المرأة فقد جاء فيها ما رواه أحمد (٢٧١٧٩)، ومن طريقه أبو داود (٣١٥٧) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ حَكِيمٍ الثَّقَفِيُّ - وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يُقَالُ لَهُ:
[ ٥ / ٣٠٣ ]
دَاوُدُ - قَدْ وَلَّدَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ لَيْلَى ابْنَةِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، «وَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ»، قَالَتْ: «وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهُ ثَوْبًا ثَوْبًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة نوح.
وهناك حديث آخر رواه ابن عساكر في [الْأَرْبَعِيْنِ حَدِيْثًا مِنَ الْمُسَاوَاةِ] (١١٦):
وَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ، أَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا بِسِدْرٍ وَاغْسِلْنَهَا وِتْرًا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا مَضَى وَقَالَ: فِيهِ قَالَتْ: «وَكَفَّنَّاهَا فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَخَمَّرْنَاهَا كَمَا يُخَمَّرُ الْحَيُّ، وَأَفْضَلْنَا فَضْلَةً مِنْ خِمَارِهَا فَفَزَزْنَاهَا مِنْ آخِرِ خِمَارِهَا، ثُمَّ سَدَلْنَا الْبَقِيَّةَ عَلَى وَجْهِهَا». وَهَذِهِ زِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ فِي الْحَدِيثِ.
وَالْحَدِيثُ بِاللَّفْظِ الأَوَّلِ مِمَّا اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي كُتُبِهِمْ.
فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ الَّذِي سُقْنَا حَدِيثَهُ أَوَّلا، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْعَبْشِيِّ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ اهـ.
قُلْتُ: وقد تكلم العلامة الألباني على شذوذها بكلام نفيس تجده في [الضَّعِيْفَةِ] تحت حديث برقم (٥٨٤٤).
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦١٨٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَفِّنُ أَهْلَهُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ مِنْهَا عِمَامَةٌ وَقَمِيصٌ وَثَلَاثُ لَفَالِفَ».
ورواه عبد الرزاق (٦١٨١) عن عبد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر مثله.
ورواه عبد الرزاق (٦١٨٢) عن ابن جريج قال أخبرني نافع عن بن عمر نحوه.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. لكن ليس فيه أنَّه يكفن النساء من أهله بذلك وذكر العمامة والقميص يدل على أنَّه كان يفعل ذلك بالذكور من أهله. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ١٢٠):
«واختلفوا في عدد كفن المرأة فقال كثير من أهل العلم: تكفن المرأة في خمسة أثواب كذلك قال النخعي، والشعبي، ومحمد بن سيرين، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال أبو بكر: وكذلك نقول يكون درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف يشد على وسطها يجمع ثيابها» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٩٧):
[ ٥ / ٣٠٥ ]
«والذي عليه أكثر أصحابنا وغيرهم، أنَّ الأثواب الخمسة إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان، وهو الصحيح، لحديث ليلى الذي ذكرناه، ولما روت أم عطية، أَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ناولها إزارًا، ودرعًا، وخمارًا، وثوبين» اهـ.
قُلْتُ: ويجوز التكفين بأقل من الثلاثة.
فيجوز في الثوبين لما رواه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
ويجوز في الثوب الواحد لما رواه البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠) عَنْ خَبَّابٍ ﵁، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، «فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ».
قُلْتُ: وهذا أقل ما يجب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٠٧)
«الْوَاجِبُ لِحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَوْبُ وَاحِدٍ بِلَا نِزَاعٍ» اهـ.
لكن قال بعد ذلك:
«وَقِيلَ: تَجِبُ ثَلَاثَةٌ لِلرَّجُلِ، وَخَمْسَةٌ لِلْمَرْأَةِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ "وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ"» اهـ.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
وَقَالَ (٢/ ٥١٤): «قَوْلُهُ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ: سَتْرُ جَمِيعِهِ) يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: تَجِبُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: تَجِبُ خَمْسَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْفَصْلِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا وَزِيَادَةً» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٣٦): «وأمَّا الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق» اهـ.
قُلْتُ: ولا يصح الاتفاق فقد قال في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٥٨):
«واختلف أصحابنا في قدر الثوب الواجب على وجهين أحدهما ما يستر جميع بدنه وبه قال المالكية والحنابلة والثاني ما يستر العورة خاصة ويختلف ذلك باختلاف عورة المكفن في الذكورة والأنوثة وصححه الرافعي في شرحه الصغير والنووي في الروضة وَقَالَ صححه الجمهور وهو ظاهر النص وَقَالَ القاضي من الحنابلة لا يجزي أقل من ثلاثة أثواب لمن يقدر عليها وحكي مثله عن عائشة وَقَالَ الحنفية: يجوز الاقتصار على ثوبين ويكره ثوب واحد إلَّا في حالة الضرورة» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح في ذلك أنَّه يجب الثوب الساتر لجميع الجسد إذا لم يكن محرمًا وحديث خباب يدل على ذلك فإنَّه لو لم يجب ستر جميع البدن لما تكلف بوضع الإذخر على قدميه. ولأنَّ الكفن مأخوذ من الكَفْنُ وهو التغطية والأصل في ذلك تغطية جميع البدن.
٢ - استحباب أن يكون الكفن على اللون الأبيض.
[ ٥ / ٣٠٧ ]
قُلْتُ: وقد روى أحمد (٢٢١٩)، وأبو داود (٣٨٧٨، ٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (٣٥٦٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمِ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَإِنَّ مِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدَ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل ابن خثيم فإنَّه صدوق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٨):
«قَوْلُهَا: "بِيضٌ" دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ التَّكْفِينِ فِي الْأَبْيَضِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ» اهـ.
ولا يستحب أن يكون الكفن من بلاد اليمن ولا من السحول فإنَّ هذه صفات طردية لم يعلق الشارع بها حكمًا من الأحكام.
٣ - الأفضل أن يدرج الميت في الكفن إدراجًا من غير قميص ولا عمامة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدُ الْبِّرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٧):
«وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَا تُخَاطَ اللَّفَائِفُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ لَيْسَ مِمَّا يُخْتَارُ لِأَنَّهُ مَخِيطٌ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠):
«والفقهاء يستحبون في الكفن ما في هذا الحديث، ولا يرون في الكفن شيئًا واجبًا لا يتعدى، وما ستر العورة أجزأ عندهم. قال مالك: ليس في كفن الميت حدّ، ويستحب الوتر، وَقَالَ مرة: لا أحب أن يكفن في أقل من ثلاثة أثواب. وَقَالَ ابن القصار: لا يستحب القميص في الكفن، والسُّنَّة تركه. وبه قال الشافعي. وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنَّه لا يقمص الميت، ولا يعمم، ويدرج في
[ ٥ / ٣٠٨ ]
ثلاثة أثواب بيض إدراجًا، كما فعل النبي ﷺ، وكان جابر بن عبد الله، وعطاء لا يعممان الميت. وقالت طائفة: لا بأس بالقميص، والعمامة في الكفن. روى ذلك عن ابن عمر. وَقَالَ ابن حبيب: استحب مالك للرجل خمسة أثواب يعد فيها القميص والعمامة والمئزر، ويلف في ثوبين، وَقَالَ في المدونة: من شأن الميت أن يعمم عندنا. وَقَالَ أبو حنيفة: لا بأس أن يكفن في قميص» اهـ.
قُلْتُ: ويشرع التكفين بالقميص لما رواه البخاري (١٢٧٠)، ومسلم (٢٧٧٣) عَنْ جَابِرٍ، ﵁، قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٢/ ٧ - ٨):
«وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي كَفَنِهِ جُمْلَةُ قَمِيصٍ وَلَا عِمَامَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ جَمِيعُ مَا كُفِّنَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَمْ يَعْتَدَّ فِيهَا بِقَمِيصِ وَلَا عِمَامَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا كُفِّنَ بِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَيِّتَ يُقَمَّصُ وَيُعَمَّمُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُقَمَّصَ وَلَا يُعَمَّمَ وَنَحَا بِهِ نَحْوَ الْمَنْعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ
[ ٥ / ٣٠٩ ]
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا".
(مَسْأَلَةٌ):
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ الْكَفَنِ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ وَمِئْزَرٌ وَثَوْبَانِ يُدْرَجُ فِيهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الْمِئْزَرُ إلَى الثَّوْبَيْنِ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِمَا وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ ذَلِكَ مِئْزَرٌ وَثَوْبَانِ وَدِرْعٌ وَخِمَارٌ وَالزِّيَادَةُ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْخَمْسَةِ إلَى السَّبْعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ مَا إلَى السَّتْرِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَأَمَّا عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُدْرَجُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ إدْرَاجًا وَتُزَادُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ مِئْزَرًا وَخِمَارًا لِحَاجَةٍ مَا إلَى السَّتْرِ.
(مَسْأَلَةٌ):
وَعِمَامَةُ الْمَيِّتِ عَلَى حَسَبِ عِمَامَةِ الْحَيِّ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ يُجْعَلُ مِنْهَا تَحْتَ لِحْيَتِهِ وَيُتْرَكُ مِنْهَا قَدْرَ الذِّرَاعِ ذُؤَابَةٌ تُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ مِنْ خِمَارِ الْمَيِّتَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعِمَامَةِ لِلرِّجَالِ» اهـ.
قُلْتُ: ويجوز للإنسان أن يجهز كفنه في حال حياته لما رواه البخاري (١٢٧٧) عَنْ سَهْلٍ ﵁: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا
[ ٥ / ٣١٠ ]
يَرُدُّ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ».
قُلْتُ: والأحسن ترك ذلك لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يفعله.
وأمَّا الاستعداد بالقبر قبل الموت فلا يشرع لأنَّ الإنسان لا يدري بأي أرض يموت كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الْاخْتِيَارَاتِ] (٤٤٦):
«ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه والعبد لا يدري أين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون بالعمل الصالح» اهـ.
قُلْتُ: ويستحب تحسين الكفن لما رواه مسلم (٩٤٣) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ».
قُلْتُ: وقد جاء في بيان الحكمة من إحسان الكفن ما رواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٢٤٤)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٩١٩)
حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ السَّكُونِيِّ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، أَوْصَى امْرَأَتَهُ، وَخَرَجَ،
[ ٥ / ٣١١ ]
فَمَاتَتْ وَكَفَّنَّاهَا فِي ثِيَابٍ لَهَا خُلْقَانٍ، فَقَدِمَ بَعْدَ أَنْ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا عَنْ قَبْرِهَا بِسَاعَتَيْنِ، فَقَالَ: «فِيمَا كَفَّنْتُمُوهَا؟»، قُلْنَا فِي ثِيَابِهَا الْخُلْقَانِ، فَنَبَشَهَا وَكَفَّنَهَا فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ، وَقَالَ: «أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ وله حكم الرفع.
ويشكل هذا مع ما جاء في البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩) عن عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ».
وروى البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا».
قَالَ الْسَّخَاوِيُّ ﵀ في [الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ] (١/ ٩٤):
«ويمكن الجمع بين بعثهم في أكفانهم وبين ما ثبت أنَّهم يحشرون عراة بأنَّهم يقومون من القبور بثيابهم ثم عند الحشر يكونون عراة» اهـ.
قُلْتُ: ولا يشترط أن يكون جديدًا فقد روى البخاري (١٣٨٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ، كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ
[ ٥ / ٣١٢ ]
الحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٩):
«وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ دَفْعٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ". وَلَا مَا يُعَارِضُهُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ حَدِيثَ جَابِرٍ هذا هيئة التكفين بدليل قوله: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ وَيُحْسِنَهُ". عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّنَ أَخَاهُ فِي ثَوْبٍ نَقِيٍّ أَبْيَضَ أَوْ ثِيَابٍ بِيضٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَالْبَالِي وَالْجَدِيدُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وتكفين الميت من فروض الكفايات:
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٨٨):
«تكفين الميت فرض كفاية بالنص والإجماع» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا هيئة التكفين فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٨٦): «والمستحب أن يؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها، فيبسط أولًا؛ ليكون الظاهر للناس أحسنها، فإنَّ هذا عادة الحي، يجعل الظاهر أفخر ثيابه، ويجعل عليها حنوطًا، ثم يبسط الثانية التي تليها في الحسن والسعة عليها، ويجعل فوقها حنوطًا وكافورًا، ثم يبسط فوقهما الثالثة، ويجعل فوقها حنوطًا وكافورًا، ولا يجعل على وجه العليا، ولا على النعش شيء من الحنوط؛ لأنَّ الصديق ﵁ قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطًا.
[ ٥ / ٣١٣ ]
ثم يحمل الميت مستورًا بثوب فيوضع فيها مستلقيًا؛ لأنَّه أمكن لإدراجه فيها، ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه، ويجعل من الطيب على وجهه ومواضع سجوده ومغابنه؛ لأنَّ الحي يتطيب هكذا، ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن، ويجعل منه بين أليتيه برفق، ويكثر ذلك ليرد شيئًا إن خرج منه حين تحريكه، ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان، وهو السراويل بلا أكمام، ويجعل الباقي على منافذ وجهه، في فيه، ومنخريه، وعينيه؛ لئلا يحدث منهن حادث.
وكذلك في الجراح النافذة، ويترك على مواضع السجود منه؛ لأنَّها أعضاء شريفة، ثم يثني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر، وإنَّما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، ثم يجمع ما فضل عند رأسه ورجليه، فيرد على وجهه ورجليه، وإن خاف انتشارها عقدها، وإذا وضع في القبر حلها، ولم يخرق الكفن» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر بعض العلماء شروطًا للكفن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٥٠٨):
«يُشْتَرَطُ فِي الْكَفَنِ: أَنْ لَا يَصِفَ الْبَشَرَةَ، وَيُكْرَهُ إذَا كَانَ يَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْ الْبَشَرَةَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا بِشَعْرٍ وَصُوفٍ، وَيَحْرُمُ بِجُلُودٍ، وَكَذَا بِحَرِيرٍ لِلْمَرْأَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَعَلَهُ الْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُ احْتِمَالًا لِابْنِ عَقِيلٍ، قُلْت: صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى النَّصِّ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعِ
[ ٥ / ٣١٤ ]
الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَيَجُوزُ التَّكْفِينُ بِالْحَرِيرِ عِنْدَ الْعَدَمِ لِلضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ ثَوْبًا وَاحِدًا وَالْمُذَهَّبُ مِثْلُ الْحَرِيرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَيُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِمُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ فَلَا يُكْرَهُ لَهَا، لَكِنَّ الْبَيَاضَ أَوْلَى. انْتَهَى. وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ بِمَا فِيهِ النُّقُوشُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْفُصُولِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَيَحْرُمُ تَكْفِينَ الصَّبِيِّ بِحَرِيرٍ.
وَلَوْ قُلْنَا: بِجَوَازِ لُبْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الرَّمْلِي] (٢/ ٣٣)
«وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَفَنِ طَهَارَتُهُ إلَى انْتِهَاءِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِنِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (٣/ ١١٤):
«(قَوْلُهُ: وَجَدَ غَيْرَهُ) أَيْ ثَوْبًا طَاهِرًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ يَجِدُ طَاهِرًا فَيُكَفَّنُ فِي الْمُتَنَجِّسِ أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَارِيًّا إذَا لَا تَصِحُّ مَعَ النَّجَاسَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (١/ ٢٧٣):
«ولا يكفن في ثوب نجس إلَّا أن لا يوجد غيره ولا يمكن إزالة النجاسة عنه» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من منع من التكفين بالجلود ما رواه أحمد (٢٢١٧)، وأبو داود (٣١٣٤)، وابن ماجه (١٥١٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ».
[ ٥ / ٣١٥ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، لضعف علي بن عاصم، وعطاء مختلط.
وقد كره ذلك الحنفية.
والأظهر عدم المشروعية لأنَّ النبي ﷺ أمر بالتكفين بالثياب كما حديث الذي وقصته ناقته الآتي.
والأظهر مشروعية تكفين المرأة بالحرير دون الرجل لحل ذلك لهنَّ في حياتهنَّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٩٧):
«قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَيَجُوزُ تَكْفِينُ كُلِّ إنْسَانٍ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ فَيَجُوزُ مِنْ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَالشَّعْرِ وَالْوَبَرِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَيَحْرُمُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِيهِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَالْمَشْهُورُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ تَكْفِينِهَا فِيهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ لَكِنْ يُكْرَهُ تَكْفِينُهَا فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ سَرَفًا وَيُشْبِهُ إضَاعَةَ الْمَالِ بِخِلَافِ اللُّبْسِ فِي الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ تَجَمُّلٌ لِلزَّوْجِ وَحَكَى صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي زِيَادَاتِ الْمُهَذَّبِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا الْمُعَصْفَرُ وَالْمُزَعْفَرُ فَلَا يَحْرُمُ تَكْفِينُهَا فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَكِنْ يُكْرَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَحَكَى صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَجْهَيْنِ ثَانِيهمَا لَا يُكْرَهُ قَالَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُعْتَبَرُ فِي الْكَفَنِ الْمُبَاحِ حَالُ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا مِنْ الْمَالِ فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَأَوْسَطُهَا وَإِنْ كَانَ مُقِلًّا فَخَشِنُهَا هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرِهِمَا.
الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ تَبْخِيرُ الْكَفَنِ إلَّا فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا صِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ الْكَفَنَ عَلَى عُودٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ يُبَخَّرُ كَمَا يُبَخَّرُ ثِيَابُ الْحَيِّ حَتَّى تَعْبَقَ بِهَا رَائِحَةُ الطِّيبِ قَالَ أَصْحَابُنَا ويستحب أن يكون الطيب عوداو كون الْعُودُ غَيْرَ مُطَيَّبٍ بِالْمِسْكِ فَإِنْ كَانَ مُطَيَّبًا به جاز ويستحب تطييبه ثلاثًا للحديث» اهـ.
[ ٥ / ٣١٦ ]
قُلْتُ: وحجة من لم ير صحة صلاة الجنازة بالكفن النجس أنَّ الميت يعامل معاملة المصلي من حيث الطهارة والستارة.
٤ - وفيه الوتر بالكفن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٤/ ٣٠٠):
«وَالْوِتْرُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَفَنِ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ. وَالْمُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْبَيَاضُ» اهـ.
٥ - ظاهر الحديث أنَّ الثياب التي مات فيها النبي ﷺ وغسل فيها نزعت منه عند تكفينه إذ لو كانت باقية لذكرت في جملة أكفانه.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٢٠٨٠) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُلَبَّدَةَ، قَالَ: «فَأَقْسَمَتْ بِاللهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ».
قُلْتُ: ولو كانت ثيابه بقت عليه عند تكفينه لما كانت عند عائشة ﵂ بعد موته.
* * *
[ ٥ / ٣١٧ ]
١٥٦ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ - بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي".
فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ. فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ. وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا بِهِ" - تَعْنِي إزَارَهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «"أَوْ سَبْعًا"، وَقَالَ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" وَإِنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ».
قوله: «أَشْعِرْنَهَا بِهِ» أي: اجعلنه شعارها وهو الثوب الذي يلي الجسد وسمي شعارًا لأنَّه يلي شعر الجسد.
قُلْتُ: وحديث أم عطية هذا هو أصل باب غسل الميت وعليه اعتمد العلماء في هذه المسألة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣):
[ ٥ / ٣١٨ ]
«ولست أعلم في غسل الميت حديثًا جعله العلماء أصلًا في ذلك إلَّا حديث أم عطية الأنصارية هذا فعليه عدلوا في غسل الموتى» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب غسل الميت المسلم إذ أنَّ الأصل في الْأمر الوجوب وهو من فروض الكفايات وأمَّا قوله: «إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ». فإنَّه راجع إلى العدد لا إلى أصل الغسل.
ومما يدل على وجوب غسل الميت ما رواه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
قُلْتُ: ولا يدخل في هذا شهيد المعركة بين المسلمين والكفار فإنَّهم يدفنون في دمائهم لما رواه البخاري (١٣٤٦) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ» - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
وقد خالف في ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري فذهبا إلى تغسيل شهيد المعركة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ١١):
«مسألة؛ قال: "والشهيد إذا مات في موضعه، لم يغسل، ولم يصل عليه" يعني إذا مات في المعترك، فإنَّه لا يغسل، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا
[ ٥ / ٣١٩ ]
نعلم فيه خلافًا، إلَّا عن الحسن، وسعيد بن المسيب، قالا: يغسل الشهيد، ما مات ميت إلَّا جنبًا.
والاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه في ترك غسلهم أولى» اهـ.
قُلْتُ: وذهب بعض العلماء إلى غسل الشهيد إذا مات جنبًا واحتجوا بما رواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٧٠٢٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤٩١٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٦٠٥)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٢٠٣٦) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى ثَقِيفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: وَقَدْ كَانَ النَّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إِلَى دُونِ الْأَعْرَاضِ عَلَى جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ كَانَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَعَلَاهُ شَدَّادٌ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَقَدْ كَادَ يَقْتُلُ أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ»، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ وهو مرسل صحابي ومراسيل الصحابة الذين مات النبي ﷺ وهم في سن التمييز حجة عند الجمهور. وقد اختلف في الحديث على ابن إسحاق:
[ ٥ / ٣٢٠ ]
فرواه أبو نعيم في [حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ] (١/ ٣٥٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ شَعْوَبٍ، قَدْ عَلَا أَبَا سُفْيَانَ فَضَرَبَهُ شَدَّادٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ - يَعْنِي حَنْظَلَةَ - لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَاسْأَلُوا أَهْلَهُ: مَا شَأْنُهُ؟»، فَسَأَلْتُ صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَاتِفَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٦٠٦) فقال: وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ تَغُسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ»، يَعْنِي حَنْظَلَةَ، «فَاسْأَلُوا أَهْلَهَ مَا شَأْنُهُ»، فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وحديث محمد بن مسلمة الباهلي عن ابن إسحاق أصح. والله أعلم.
وله شاهد من حديث أنس ﵁.
[ ٥ / ٣٢١ ]
فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٩٧٧)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٣٤١٠)
مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ:
«افْتَخَرَ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَقَالَتِ الْأَوْسُ: مِنَّا مَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدِّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْأَفْلَحِ، وَمِنَّا مَنْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ، وَمِنَّا مَنْ أُجِيزَتٍ شَهَادَتُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّونَ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ جَمَعُوا الْقُرْآنَ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ».
قُلْتُ: طريق الحاكم حسنة، وفي طريق الطبراني محمد بن عثمان بن أبي شيبة وهو مقدوح فيه.
وله شاهد من حديث ابن عباس ﵁.
رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١١٩٢٦)، والبيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٢٠٢) مِنْ طَرِيْقِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَحَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ أُصِيبَا يَوْمَ أُحُدٍ وَهُمَا جُنُبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا».
قُلْتُ: القاسم شديد الضعف كذبه الدارقطني، وَقَالَ الذَّهَبِي في [تَارِيْخِ الْإِسْلَامِ] (١٧/ ٢٩٨):
«القاسم بْن محمد بْن أَبِي شَيْبَة.
أخو أَبِي بَكْر، وعثمان. ضعيف الحديث بمرّة» اهـ.
[ ٥ / ٣٢٢ ]
وشريك هو النخعي ضعيف أيضًا، والحجاج بن أرطأة ضعيف ومدلس وقد عنعن.
وروى ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٢٧٨٥) قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ. قَالَ حَدَّثَنِي أَشْعَثُ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ أَيُغَسَّلُ الشُّهَدَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ تَغْسِلُ حَمْزَةَ».
قُلْتُ: وهو مرسل من مراسيل الحسن. فلا يثبت الحديث في شأن حمزة ﵁.
وله شاهد أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
قَالَ الطَّحَاوِي فِي [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٤١٧٤) وَوَجَدْنَا أَبَا أُمَيَّةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارُ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ، قَالَ لِأُمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهِيَ تَبْكِي عَلَيْهِ: انْظُرِي مَا تَقُولِينَ يَا أُمَّ سَعْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعْهَا يَا عُمَرُ، كُلُّ نَائِحَةٍ مُكَذَّبَةٌ إِلَّا أُمَّ سَعْدٍ، مَا قَالَتْ مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ تَكْذِبَ» ثُمَّ احْتُمِلَ فَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتَ لَتَقْطَعُنَا، يَعْنُونَ فِي السُّرْعَةِ، قَالَ: «خَشِيتُ أَنْ تَسْبِقَنَا الْمَلَائِكَةُ إِلَى غُسْلِهِ كَمَا سَبَقَتْنَا إِلَى غُسْلِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ …». الحديث.
[ ٥ / ٣٢٣ ]
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ فأبو أمية عبد الله بن محمد بن خلاد الوسطي ذكره ابن حبان في "الثقات"، ويعقوب ضعيف الحديث، وعبد العزيز بن عمران متروك الحديث لكنه متابع، ومن تابعاه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ١٤):
«فصل: فإن كان الشهيد جنبًا غسل، وحكمه في الصلاة عليه حكم غيره من الشهداء.
وبه قال أبو حنيفة. وَقَالَ مالك: لا يغسل؛ لعموم الخبر. وعن الشافعي كالمذهبين» اهـ.
قُلْتُ: وذهب إلى هذا أيضًا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فقد قال في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٢١٤):
«ومنها: أنَّه إذا كان جنبًا، غسل كما غسَّلت الملائكة حنظلة بن أبي عامر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٦٣):
«قال أصحابنا ﵏ ولو ثبت فالجواب عنه أنَّ الغسل لو كان واجبًا لما سقط بفعل الملائكة ولأمر النبي ﷺ بغسله ولهذا احتج القاضي حسين والبغوي بهذا الحديث لترك الغسل وهذا الجواب مشهور في كتب الأصحاب قال القاضي أبو الطيب قال ابن سريج ردًا لهذا الجواب فينبغي أن يجب تكفينه لو كفنته الملائكة بالسندس قال القاضي والجواب: أنا لو شاهدنا تكفينه وستر عورته لم نزد علي ذلك لأنَّ المقصود ستره وقد حصل "وأمَّا" الغسل فالمطلوب منه تعبد الآدمي به وذكر الشيخ نصر المقدسي نحو هذا وأما الْمُصَنِّفُ
[ ٥ / ٣٢٤ ]
فقال في كتابه: لو صلت عليه الملائكة أو كفنته في السندس لم يكتف به والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٥/ ٢٩٠):
«أمَّا ما يذكر من أن حنظلة بن عبد الله ﵁ غسلته الملائكة، فهذا إن صح فليس فيه دليل على أنَّه يغسله البشر؛ لأنَّ تغسيل الملائكة له ليس شيئًا محسوسًا بماء يطهر، بل إن صح فهو من باب الكرامة، وليس من باب التكليف.
فالصحيح أنَّه لا يغسل، سواء أكان جنبًا أم غير جنب؛ لعموم الأدلة، ولأنَّ الشهادة تكفر كل شيء، ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنبًا لقلنا بوجوب وضوئه إذا كان محدثًا حدثًا أصغر؛ ليكون على طهارة، ولم يقولوا به» اهـ.
قُلْتُ: والقول بتغسيله له قوته وهو الذي يظهر لي رجحانه.
وأمَّا من قتل مظلومًا على أيدي البغاة أو الخوارج أو الصائلين فقد اختلف العلماء في تغسيلهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [الْتَمْهِيْدِ] (٢٤/ ٢٤٥):
«واختلفوا في غسل من قتل مظلومًا كقتيل الخوارج وقطاع السبيل واللصوص وما أشبه ذلك ممن قتل مظلومًا فقال مالك: لا يغسل إلَّا من قتله الكفار ومات في المعترك هذا وحده وأمَّا من قتل في فتنة أو ثائرة أو قتله اللصوص أو البغاة أو قتل قودًا أو قتل نفسه وكل مقتول غير المقتول في المعترك قتيل الكفار فإنَّه يغسل ويصلى عليه.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
وَقَالَ أبو حنيفة والثوري: كل من قتل مظلومًا لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد وهو قول سائر أهل العراق.
ورووا من طرق كثيرة صحاح عن زيد بن صوحان أنَّه قال: لا تنزعوا عني ثوبًا ولا تغسلوا عني دمًا وادفنوني في ثيابي. وقد روي عنه إلَّا الخفين. وقتل زيد بن صوحان يوم الجمل وثبت عن عمار بن ياسر أنَّه قال مثل قول زيد بن صوحان وقتل عمار بصفين سنة سبع وثلاثين وصلى عليه علي ولم يغسله.
وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين في خبر حجر بن عدي بن الأدبر أنَّه قال: لا تطلقوا عني حديدًا ولا تغسلوا عني دمًا وادفنوني في ثيابي فإنِّي لاق معاوية بالجادة وإنِّي مخاصم.
وللشافعي في ذلك قولان أحدهما يغسل جميع الموتى إلَّا من قتله أهل الحرب والآخر لا يغسل قتيل البغاة.
وقول أحمد بن حنبل في هذا الباب كله كقول مالك سواء».
وَقَالَ ﵀ (٢٤/ ٢٤٦):
«غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة فواجب غسل كل ميت إلَّا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة وهذا قول مالك والله الموفق للصواب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٠):
«فصل: ومن قتل من أهل العدل في المعركة، فحكمه في الغسل والصلاة عليه، حكم من قتل في معركة المشركين؛ لأنَّ عليًا لم يغسل من قتل معه، وعمار أوصى أن لا يغسل، وقال: ادفنوني في ثيابي، فإنِّي مخاصم.
[ ٥ / ٣٢٦ ]
قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل: إنَّا مستشهدون غدًا، فلا تنزعوا عنا ثوبًا، ولا تغسلوا عنَّا دمًا.
ولأنَّه شهيد المعركة، أشبه قتيل الكفار. وهذا قول أبي حنيفة.
وَقَالَ الشافعي، في أحد قوليه: يغسلون؛ لأنَّ أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير.
والأول أولى؛ لما ذكرناه، وأمَّا عبد الله بن الزبير فإنَّه أخذ وصلب، فهو كالمقتول ظلمًا، وليس بشهيد المعركة.
وأمَّا الباغي، فقال الخرقي: من قتل منهم، غسل، وكفن، وصلي عليه.
ويحتمل إلحاقه بأهل العدل؛ لأنَّه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين، ولأنَّهم يكثرون في المعترك، فيشق غسلهم، فأشبهوا أهل العدل.
فأمَّا الصلاة على أهل العدل، فيحتمل أن لا يصلى عليهم؛ لأننا شبهناهم بشهداء معركة المشركين في الغسل، فكذلك في الصلاة، ويحتمل أن يصلى عليهم؛ لأنَّ عليًا ﵁ صلى عليهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٢١):
«فصل: فأمَّا من قتل ظلمًا، أو قتل دون ماله، أو دون نفسه وأهله، ففيه روايتان: إحداهما، يغسل.
اختارها الخلال، وهو قول الحسن، ومذهب الشافعي، ومالك؛ لأنَّ رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك، فأشبه المبطون؛ ولأنَّ هذا لا يكثر القتل فيه، فلم يجز إلحاقه بشهداء المعترك.
[ ٥ / ٣٢٧ ]
والثانية، لا يغسل، ولا يصلى عليه. وهو قول الشعبي، والأوزاعي، وإسحاق في الغسل؛ لأنَّه قتل شهيدًا، أشبه شهيد المعترك، قال النبي ﷺ: "من قتل دون ماله فهو شهيد"» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمار رواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١١١، ٣٣٤٧٨)، وابن سعد في [الطَبَقَاتِ] (٣٧٥٠) مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٌ، قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: «ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي، فَإِنِّي مُخَاصِمٌ».
قُلْتُ: وقد تابع وكيعًا على ذلك حفص بن غياث كما روى ذلك ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٨)، وعبدة بن سليمان روى حديثه أيضًا ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٧).
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١١٢، ٣٣٤٧٧)، وابن أبي عاصم في [الآحَادِ وَالْمَثَانِي] (٢٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٨) مِنْ طَرِيْقِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ عَابِسٍ، يُخْبِرُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي فَإِنِّي مُخَاصِمٌ».
وزاد عيسى بن يونس قيسًا بين يحيى بن عابس، وعمار. وتابعه على ذلك محمد بن فضيل كما روى ذلك ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٧).
ورواه الفسوي في [الْمَعْرِفَة] (٢/ ٣٣٤)، والبيهقي في [سُنَنِه الْكُبْرَى] (٦٦١٤، ١٦٥٤٨)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٧) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، يَقُولُ: قَالَ عَمَّارٌ: «ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي فَإِنِّي مُخَاصِمٌ».
[ ٥ / ٣٢٨ ]
قُلْتُ: ولم يذكر شعبة يحيى بن عابس.
ويحيى بن عابس لم يوثقه غير ابن حبان ورواية وكيع وحفص وعبدة بن سليمان المنقطعة أصح من رواية غيرهم. والله أعلم.
ورواه ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٣٧٥١)، ومن طريقه ابن عساكر ﵀ في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٨) مِنْ طَرِيْقِ الْفَضْلِ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شريك عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مَثْنَى الْعَبْدِيِّ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ شَهِدُوا عَمَّارًا قَالَ: «لا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا وَلا تَحْثُوا عَلَيَّ تُرَابًا فَإِنِّي مُخَاصِمٌ».
قُلْتُ: مثنى العبدي هو ابن بلال ذكره ابن حبان في الثقات وشيوخه مبهمون. وقد وهم فيه شريك بن أبي نمر فليس هذا من كلام عمار وإنَّما من كلام زيد بن صحوان كما سيأتي في رواية علي بن مسهر.
وروى ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٣٧٥٣)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٣/ ٤٧٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: «أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَى عَمَّارٍ وَلَمْ يَغْسِلْهُ».
قُلْتُ: محمد بن عمر هو الواقدي متروك، والحسن بن عمارة متروك أيضًا، وفي الإسناد انقطاع أيضًا فإنَّ عاصمًا لم يشهد ذلك.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ أثر عمار لا يصح. والله أعلم.
وأمَّا أثر حجر بن عدي ﵁.
فرواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٣٩، ٩٥٨٥)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٤، ٣٣٤٧٦)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٥٩٧٩، ٥٩٨١)
[ ٥ / ٣٢٩ ]
مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَتْلِ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، فَقَالَ حُجْرٌ: «لَا تَحُلُّوا عَنِّي قَيْدًا - أَوْ قَالَ -: حَدِيدًا وَكَفِّنُونِي بِثِيَابِي وَدَمِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين ابن سيرين وحجر.
وأمَّا أثر زيد بن صُحوان التابعي الجليل.
فرواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْمُثَنَّى، عَنْ بِلَالٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا الَّذِينَ كَانُوا شَهِدُوا زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ حِينَ أُصِيبَ يَوْمَ الْجَمَلِ، قَالَ: «شُدُّوا عَلَيَّ ثِيَابِي، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، فَإِنِّي رَجُلٌ مُخَاصِمٌ».
قُلْتُ: المثنى العبدي ذكره ابن حبان في الثقات وشيوخه مبهمون. وقد روى هذا شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أبي إسحاق الشيباني عن مثنى العبدي عن أشياخ لهم شهدوا عمارًا قال: «لا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا وَلا تَحْثُوا عَلَيَّ تُرَابًا فَإِنِّي مُخَاصِمٌ». وحديث علي بن مسهر أصح.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٤٠)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٧، ٣٣٤٧٥، ٣٣٤٧٩) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ النَّهْدِيِّ، عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ: «ارْمُسُونِي فِي الْأَرْضِ رَمْسًا وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَلَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إِلَّا الْخُفَّيْنِ، فَإِنِّي مُحَاجٌّ أُحَاجُّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين العيزار وابن صحوان.
ورواه ابن أبي شيبة أيضًا في [الْمُصَنَّفِ] (١١١٠٨، ٣٣٤٨٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانُ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ رَجُلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
[ ٥ / ٣٣٠ ]
صُوحَانَ، وَقَالَ مِسْعَرٌ: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الْمُثَنَّى، أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: «ادْفِنُونَا وَمَا أَصَابَ الثَّرَى مِنْ دِمَائِنَا».
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٤١) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُصْعَبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ وَلَدِ زَيْدٍ قَالَ: «ادْفِنُونَا وَمَا أَصَابَ الثَّرَى مِنْ دِمَائِنَا». قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ قَالَ: قَالَ زَيْدٌ: «شُدُّوا عَلَيَّ ثِيَابِي وَادْفِنُونِي وَابْنَ أُمِّي فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ يَعْنِي أَخَاهُ سَرْحَانَ، فَإِنَّا قَوْمٌ مُخَاصَمُونَ».
قُلْتُ: مصعب بن المثنى جهله أبو حاتم ولم يسمعه من زيد كما في رواية ابن عيينة وإنَّما عن رجل مبهم عنه.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو وجوب تغسيل كل من مات من المسلمين إلَّا شهيد المعركة بين المسلمين والكفار، ولم يأت فيما سوى ذلك ما يعتمد عليه والله أعلم.
والكافر لا يغسل على الصحيح سواء كان حربيًا أو ذميًا خلافًا للشافعي وأبي حنيفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٩٣):
«وَإِنْ مَاتَ كَافِرٌ مَعَ مُسْلِمِينَ، لَمْ يُغَسِّلُوهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا لَهُمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَتَوَلَّوْا دَفْنَهُ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدُوا مَنْ يُوَارِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَجُوزُ لَهُ غُسْلُ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَدَفْنُهُ. وَحَكَاهُ قَوْلًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اذْهَبْ فَوَارِهِ".
[ ٥ / ٣٣١ ]
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَلَا يَدْعُو لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غُسْلُهُ، وَتَوَلِّي أَمْرِهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْحَدِيثُ إنْ صَحَّ يَدُلُّ عَلَى مُوَارَاتِهِ لَهُ، وَذَلِكَ إذَا خَافَ مِنْ التَّعْيِيرِ بِهِ، وَالضَّرَرِ بِبَقَائِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، ﵀، فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ مَاتَ، وَلَهُ وَلَدٌ مُسْلِمٌ: فَلْيَرْكَبْ دَابَّةً، وَلْيَسِرْ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفِنَ رَجَعَ، مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ ﵁.» اهـ.
وَقَالَ الْدِرْدِيْرُ الْمَالِكَيُّ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (١/ ٤٠٨)
«وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ طَلَبَ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَعَبُّدِيٌّ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَقَوْلُهُ وَقِيلَ لِلنَّظَافَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا ابْنُ شَعْبَانَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ غُسْلُ الذِّمِّيِّ وَعَدَمُ غُسْلِهِ فَمَالِكٌ يَقُولُ لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الْمُسْلِمُ قَرَابَتَهُ الْمُشْرِكِينَ وَيَدْفِنَهُمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ الْغُسْلُ تَعَبُّدٌ أَوْ لِلنَّظَافَةِ؟ فَعَلَى التَّعَبُّدِ لَا يَجُوزُ غُسْلُ الْكَافِرِ وَعَلَى النَّظَافَةِ يَجُوزُ» اهـ.
قُلتُ: أمر النبي ﷺ بقتلى بدر فألقوا في القليب ولم يغسلهم.
٢ - وأخذ منه الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إيجاب الثلاث.
قُلْتُ: والذي عليه أكثر العلماء أنَّ الواجب هي الغسلة الواحدة التي تعم البدن وحديث الذي وقصته ناقته يدل على ذلك فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمرهم بالثلاث الغسلات.
٣ - وفيه استحباب الوتر في الغسلات.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْتَمْهِيْدِ] (١/ ٣٧٧):
[ ٥ / ٣٣٢ ]
«وَالْوَتْرُ عِنْدَهُمْ فِي الْغَسَلَاتِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَلَيْسَ الْوَتْرُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ كَالْوَتْرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ» اهـ.
قُلْتُ: أوجب ذلك ابن حزم.
٤ - وقوله: «أَوْ سَبْعًَا». احتج به من قال أنَّ منتهى الغسل سبع غسلات.
قُلْتُ: وهو قول أكثر العلماء.
لكن يشكل ذلك مع قوله: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ». رواها البخاري (١٢٥٩)، ومسلم (٩٣٩) فهو ظاهر في مشروعية الزيادة على سبع.
وقد بوَّب عليه النسائي (٤/ ٣١) بقوله:
«غَسْلُ الْمَيِّتِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٢/ ٤٩٢):
«قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالْأَصْحَابُ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَنَقَلَ ابْنُ وَاصِلٍ: يُزَادُ إلَى خَمْسٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ إلَى أَنْ يَنْفِيَ، وَيَقْطَعُ عَلَى وِتْرٍ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: إنَّمَا يَذْكُرُ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَوْقَهَا عَدَدًا، وَقَوْلُ أَحْمَدَ " لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ " مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى مَا إذَا غَسَلَ غُسْلًا مُنَقِّيًا إلَى سَبْعٍ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ"» اهـ.
[ ٥ / ٣٣٣ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْتَّمْهِيْدِ] (١/ ٣٧٣)
«وَأَمَّا رِوَايَةُ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ ذِكْرَ السَّبْعِ وَمَا فَوْقَهَا لَا يُوجَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِمُجَاوَزَةِ سَبْعِ غَسَلَاتٍ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَسَلَاتِ لَا يُتَجَاوَزُ بِهَا سَبْعٌ وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ» اهـ.
٥ - استحباب غسل الميت بالماء والسدر.
وظاهره في كل غسلة ما عدا الأخيرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٧٣):
«مسألة؛ قال: "ويكون في كل المياه شيء من السدر، ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته".
هذا المنصوص عن أحمد قال صالح: قال أبي: الميت يغسل بماء وسدر، ثلاث غسلات، قُلْتُ: فيبقى عليه؟ قال: أي شيء يكون هو أنقى له.
وذكر عن عطاء، أنَّ ابن جريج قال له: إنَّه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة.
فقال عطاء: هو طهور.
وفي رواية أبي داود عن أحمد، قال: قلت، يعني لأحمد: أفلا تصبون ماء قراحًا ينظفه؟ قال: إن صبوا فلا بأس» اهـ.
قُلْتُ: وتدخل الغسلة الأولى في ذلك خلافًا لمالك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِي ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٢/ ٤):
[ ٥ / ٣٣٤ ]
«وَقَوْلُهُ: "بِمَاءٍ وَسِدْرٍ" عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ؛ لِأَنَّ السِّدْرَ غَاسُولٌ وَهَذَا إذَا وُجِدَ فَإِنْ عُدِمَ فَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى التَّنْظِيفِ وَالْغُسْلِ كَالْأُشْنَانِ وَالنَّطْرُونِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا.
فَأَمَّا الْأُولَى فَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ يُغَسَّلُ أَوَّلًا بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، ثُمَّ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَيُحْتَسَبُ بِذَلِكَ غَسْلَةً وَاحِدَةً وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّ الْغُسْلَ أَوَّلًا هُوَ الْفَرْضُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّنْظِيفِ وَالتَّطْيِيبِ فَلَا يَضُرُّهُ مَا خَالَطَهُ مِمَّا يَزِيدُ فِي تَنْظِيفِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ فَرْضَ الْغُسْلِ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَنْظِيفِهِ مِنْ الْأَقْذَارِ وَغَيْرِهَا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ» اهـ.
قُلْتُ: استعمال السدر مستحب ولا يجب في قول أكثرهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣):
«قَوْلُهُ ﷺ (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّدْرِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيَكُونُ فِي الْمَرَّةِ الْوَاجِبَةِ وَقِيلَ يَجُوزُ فِيهِمَا» اهـ.
قُلْتُ: أَوْجَبَ ذلك ابْنُ حَزْمٍ فقد قال في [الْمُحَلَّى] (٣/ ٣٤٣):
«مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْغُسْلِ أَنْ يَغْسِلَ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَيِّتِ وَرَأْسَهُ بِمَاءٍ قَدْ رُمِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ سِدْرٍ وَلَا بُدَّ، إنْ وُجِدَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِالْمَاءِ وَحْدَهُ -: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا بُدَّ، يُبْتَدَأُ بِالْمَيَامِنِ، وَيُوَضَّأُ -: فَإِنْ أَحَبُّوا الزِّيَادَةَ فَعَلَى الْوِتْرِ أَبَدًا: إمَّا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَإِمَّا
[ ٥ / ٣٣٥ ]
خَمْسُ مَرَّاتٍ، وَإِمَّا سَبْعُ مَرَّاتٍ وَيَجْعَلُ فِي آخِرِ غَسَلَاتِهِ - إنْ غُسِّلَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ - شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ وَلَا بُدَّ فَرْضًا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلَا حَرَجَ، لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ كُلِّهِ -» اهـ.
قُلْتُ: والحجة معه في وجوب السدر، ولا أعلم صارفًا له.
ويلحق بالسدر غيره من المنظفات.
٦ - واحتج بذلك من قال: إنَّ غسل الميت للنظافة وقد ذهب إلى ذلك بعض المالكية، وذهب الإمام مالك أنَّ ما زاد على الأولى للنظافة كما سبق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٢٦):
«والمشهور عند الجمهور أنَّه غسل تعبدي يشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة» اهـ.
٧ - وفيه استحباب جعل الكافور في الغسلة الأخيرة.
وأوجب ذلك ابن حزم كما مضى عند كلامنا على السدر والأظهر عدم الوجوب لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر به في شأن من وقصته ناقته.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٢٩):
«وظاهره جعل الكافور في الماء وبه قال الجمهور وَقَالَ النخعي والكوفيون إنَّما يجعل في الحنوط أي بعد انتهاء الغسل والتجفيف قيل الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم أنَّ فيه تجفيفًا وتبريدًا وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك وهذا هو السر في جعله في الأخيرة إذ لو كان في الأولى مثلًا لأذهبه الماء وهل يقوم المسك
[ ٥ / ٣٣٦ ]
مثلًا مقام الكافور إن نظر إلى مجرد التطيب فنعم وإلَّا فلا وقد يقال إذا عدم الكافور قام غيره مقامه ولو بخاصية واحدة مثلًا» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الأخير هو الذي يظهر لي والله أعلم.
٨ - وفيه استحباب جعل الإزار في تكفين المرأة.
٩ - وفيه جواز تكفين المرأة بثوب الرجل.
١٠ - وفيه جواز لبس المرأة لإزار الرجل تحت الثياب ولا يعد هذا من التشبه بالرجال لحصول المخالفة في هيئة اللبس. والله أعلم.
١١ - وفيه جواز التبرك بآثار النبي ﷺ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٢٩):
«قيل الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولًا ليكون قريب العهد من جسده الكريم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل» اهـ.
١٢ - وفيه أنَّ ميتة الآدمي ليست نجسة إذ لو كانت نجسة لما طهرت بالماء كسائر الميتات.
وذهب أبو حنيفة وبعض المالكية، وأحد القولين للشافعي وأحمد إلى نجاسته.
١٣ - وفيه استحباب البداءة بالميامن ومواضع الوضوء في غسل الميت.
١٤ - وفيه أنَّه يستحب للغاسل أن يوضأ الميت وظاهره مع المضمضة والاستنشاق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٣١):
[ ٥ / ٣٣٧ ]
«واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافًا للحنفية بل قالوا لا يستحب وضوؤه أصلًا وإذا قلنا باستحبابه فهل يكون وضوءًا حقيقيًا بحيث يعاد غسل تلك الأعضاء في الغسل أو جزءًا من الغسل بدئت به هذه الأعضاء تشريفًا الثاني أظهر من سياق الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٤١):
«وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَنْجَاهُ، وَأَزَالَ عَنْهُ النَّجَاسَةَ، بَدَأَ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَضَّأَهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فَيَبُلُّهَا وَيَجْعَلُهَا عَلَى أُصْبُعِهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ، حَتَّى يُنَظِّفَهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رِفْقٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، وَيُتِمُّ وُضُوءَهُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُبْدَأُ بِهِ فِي غُسْلِ الْحَيِّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: "فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْ غَسْلِ سُفْلَتِهَا غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَوَضِّئِيهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْسِلِيهَا" وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فَاهُ، وَلَا مَنْخَرَيْهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. كَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُمَضْمِضُهُ وَيُنَشِّقُهُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ. وَلَنَا، أَنَّ إدْخَالَ الْمَاءِ فَاهُ وَأَنْفَهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إلَى الْمُثْلَةِ بِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُهُ فِي أَكْفَانِهِ» اهـ.
قُلْتُ: والوضوء يكون مرة واحدة في أول الغسل ولا يكرر مع كل غسلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٧٧):
«قال أحمد: ويوضأ الميت مرة واحدة في الغسلة الأولى.
[ ٥ / ٣٣٨ ]
وما سمعنا إلَّا أنه يوضأ أول مرة. وهذا والله أعلم، ما لم يخرج منه شيء، ومتى خرج منه شيء، أعاد وضوءه لأنَّ ذلك ينقض الوضوء من الحي ويوجبه» اهـ.
قُلْتُ: لا يظهر لي إعادة الوضوء من أجل ذلك وليس الوضوء في هذا الموضع لرفع الحدث وإنَّما هو من جملة الغسل والابتداء بأعضاء الوضوء من قبيل التشريف لها كالشأن في غسل الجنابة. وسيأتي الكلام على ذلك.
١٥ - وفيه استحباب جعل شعر المرأة ثلاثة قرون.
وجاء في لفظ لمسلم (٩٣٩) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٥٤):
«فيه: استحباب مشط رأس الميت وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وَقَالَ الأوزاعي والكوفيون: لا يستحب المشط ولا الضفر، بل يرسل الشعر على جانبيها مفرقًا. ودليلنا عليه الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٣٣):
«وفيه حجة للشافعي ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر واعتل من كرهه بتقطيع الشعر والرفق يؤمن معه ذلك» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣/ ١٣٤):
«واستدل به على ضفر شعر الميت خلافًا لمن منعه فقال ابن القاسم لا أعرف الضفر بل يكف وعن الأوزاعي والحنفية يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقًا قال الْقُرْطُبِي وكأنَّ سبب الخلاف أنَّ الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي ﷺ فيكون مرفوعًا أو هو شيء رأته ففعلته استحسانًا
[ ٥ / ٣٣٩ ]
كلا الْأمرين محتمل لكن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء من جنس القرب إلَّا بإذن من الشرع محقق ولم يرد ذلك مرفوعًا. كذا قال وَقَالَ النووي: الظاهر اطلاع النبي ﷺ وتقريره له. قلت وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الْأُمر من رواية هشام عن حفصة عن أم عطية قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: "اغسلنها وترًا واجعلن شعرها ضفائر".
وَقَالَ ابن حبان في "صَحِيْحِهِ" ذكر البيان بأنَّ أم عطية إنَّما مشطت ابنة النبي ﷺ بأمره لا من تلقاء نفسها. ثم أخرج مِنْ طَرِيْقِ حماد عن أيوب قال قالت حفصة عن أم عطية: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا واجعلن لها ثلاثة قرون"» اهـ.
قُلْتُ: حكم العلامة الألباني ﵀ على رواية ابن حبان بالشذوذ انظر [الْضَّعِيْفَةِ] برقم (٦٤٩٦).
قُلْتُ: وتُلْقَى الظفائر خلف الميتة لما رواه البخاري (١٢٦٣) من حديث أم عطية وفيه: «فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا».
١٦ - وهل يُلحق بذلك لحية الميت فيستحب تسريحها؟ الذي يظهر لي استحباب ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (١/ ٣٠٦):
«وفيه دليل على أنَّ تسريح لحية الميت مستحب» اهـ.
١٧ - وفيه أنَّ المرأة إذا ماتت غسلنها النساء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٣٥):
[ ٥ / ٣٤٠ ]
«واستدل به بعض الحنفية على أنَّ الزوج لا يتولى غسل زوجته لأنَّ زوج ابنة النبي ﷺ كان حاضرًا وأمر النبي ﷺ النسوة بغسل ابنته دون الزوج وتعقب بأنَّه يتوقف على صحة دعوى أنَّه كان حاضرًا وعلى تقدير تسليمه فيحتاج إلى ثبوت أنَّه لم يكن به مانع من ذلك ولا آثر النسوة على نفسه وعلى تسليمه فغاية ما فيه أن يستدل به على أنَّ النسوة أولى منه لا على منعه من ذلك لو أراده والله أعلم بالصواب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٥٨):
«وقد استدل قوم من هذا الحديث أنَّ غسل النساء للمرأة أولى من غسل زوجها لها، وهذا قول الشعبي، وأبي حنيفة، والثوري. وقالوا: إنَّما لم يجز غسلها، لأنَّه ليس في عدة منها، ولو ماتت هي لم يمتنع من التزويج عقيب موتها، ولو مات هو لمنعت من التزويج حتى تخرج من عدتها.
وَقَالَ مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يغسل الرجل امرأته إذا ماتت، واحتجوا بأنَّ فاطمة بنت النبي ﷺ أوصت إلى زوجها علي أن يغسلها. وكان هذا بحضرة الصحابة، ولم ينكره منهم أحد، فصار إجماعًا. واعتل الكوفيون بأنَّ لزوجها أن يتزوج أختها، فلذلك لا يغسلها، لأنَّه إذا غسلها وقد تزوج أختها فقد جمع بينهما، وهذا لا حجة فيه، لأنَّها في حكم الزوجة بدليل الموارثة، لا في حكم المبتوتة، ويجوز لكل واحد منهما من صاحبه من النظر والمباشرة ما لا يجوز لغيرهما.
[ ٥ / ٣٤١ ]
وَقَالَ ابن القصار: والجمع بين الأختين إنَّما حرم منه الجمع بينهما بعقد النكاح والنظر إلى كل واحدة منهما بعين الشهوة واللذة، وهذا غير موجود في مسألتنا، وأمَّا إذا نظر إلى إحداهما على طريق الحرمة المتقدمة، فهو جائز كمن ينظر إلى أختيه من الرضاع، وإلى أختين مملوكتين. وأمَّا غسل المرأة زوجها فهو إجماع لا خلاف فيه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٠ - ١١):
«هذا إجماع من العلماء مأخوذ عن إجماع السلف من الصحابة على ما في هذا الحديث من المهاجرين والأنصار من إجازات غسل المرأة زوجها من غير نكير عن أحد منهم. وكذلك روينا عن أبي موسى الأشعري أنَّه غسلته امرأته.
ولم يختلف الفقهاء في جواز غسل المرأة لزوجها، واختلفوا في جواز غسل الرجل امرأته فقال أكثرهم جائز أن يغسل الرجل امرأته كما جاز أن تغسله.
فممن قال بذلك منهم مالك والليث وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وهو قول حماد بن أبي سليمان.
واختلف فيه عن الأوزاعي روي عنه لا يغسلها وروي عنه يغسلها.
وحجتهم أن عليًا غسل فاطمة ﵄ وقياسًا على غسل المرأة زوجها لأنَّهما زوجان.
وَقَالَ أبو حنيفة وأصحابه والثوري وروى ذلك عن الشعبي تغسله ولا يغسلها لأنَّه ليس في عدة منها.
وهذا لا حجة فيه لأنَّها في حكم الزوجية ليس في عدة منها بدليل الموارثة لا في حكم المبتوتة.
[ ٥ / ٣٤٢ ]
واعتل الثوري وأبو حنيفة بأنَّ لزوجها أن يتزوج أختها فلذلك لا يغسلها وهذا لا ينتقض عليهم بغسلها له.
وأجمعوا على أنَّ المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها إن مات في عدتها. واختلفوا في الرجعة.
قد روى ابن نافع عن مالك أنَّه يغسلها وأنَّها تغسله إن كان الطلاق رجعيًا وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وَقَالَ ابن القاسم لا تغسله وإن كان الطلاق رجعيًا قال وهو قياس من قول مالك لأنَّه ليس له أن يراها عنده وهو قول الشافعي» اهـ.
قُلْتُ: يجوز أن يتولى الرجل غسل زوجته لما رواه أحمد (٢٥٩٥٠)، ومن طريقه ابن ماجه (١٤٦٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ، وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهْ قَالَ: بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ قَالَ: «مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ، وَدَفَنْتُكِ؟» قُلْتُ: لَكِنِّي أَوْ لَكَأَنِّي بِكَ، وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ، قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أبي يعلى في [مُسْنَدِه] (٤٥٧٩)، والبيهقي في [دَلَائِلِ الْنُبُوَةِ] (٧/ ١٦٨ - ١٦٩).
[ ٥ / ٣٤٣ ]
قُلْتُ: وقد تابع صالح بن كيسان ابن إسحاق في معنى حديثه كما روى ذلك أحمد (٢٥١٥٦)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٠٨١) مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُدِئَ بِهِ فَقُلْتُ: وَارَأْسَاهْ فَقَالَ: «وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَهَيَّأْتُكِ وَدَفَنْتُكِ» فَقُلْتُ: غَيْرَى، كَأَنِّي بِكَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَرُوسًا بِبَعْضِ نِسَائِكَ قَالَ: «وَارَأْسَاهِ ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ، كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقُولُ قَائِلٌ - وَيَتَمَنَّى -: تَأَوُّلًا، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ».
ورواه البخاري (٥٦٦٦) مِنْ طَرِيْقِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَا رَأْسَاهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَا ثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ، لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ: أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ - أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ - ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ».
قُلْتُ: وإلى متى يحل للزوجة أن تغسل زوجها الميت في ذلك نزاع بين العلماء، وهكذا اختلفوا في المطلقة طلاقًا رجعيًا إذا مات عنها زوجها وهي في العدة هل لها أن تغسل زوجها، واختلفوا أيضًا هل للأمة أن تغسل سيدها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ١٣٠ - ١٣١):
[ ٥ / ٣٤٤ ]
«وَإِلَى مَتَى تُغَسِّلُ زَوْجَهَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وآخرون: أصحها: تغسله أبدًا وإن انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ فِي الْحَالِ وَتَزَوَّجَتْ لأنَّه حق ثبت لها فلا يسقط وهو مقتضى إطلاق المصنف والأكثرين وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَالثَّانِي: لَهَا غُسْلُهُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِأَنَّهَا بِالزَّوَاجِ صَارَتْ صَالِحَةً لِغُسْلِ الثَّانِي لَوْ مَاتَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَاسِلَةً لِزَوْجَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّالِثُ: لَهَا غُسْلُهُ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ لِأَنَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ تَنْقَطِعُ عَلَائِقُ النِّكَاحِ وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ فَأَكْثَرُ وَتَنَازَعْنَ فِي غُسْلِهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا لَوْ مَاتَ لَهُ زَوْجَاتٌ فِي وَقْتٍ بِهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا غَسَّلَهَا أَوَّلًا ذَكَرَهُ صَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا» اهـ.
وَقَالَ سَحْنُونُ فِي [الْمُدَوَنَةِ] (١/ ٢٦٠):
«وَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يُغَسِّلُ امْرَأَتَهُ فِي الْحَضَرِ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ يَغْسِلْنَهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَالْمَرْأَةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا وَعِنْدَهَا رِجَالٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت لَهُ: أَيَسْتُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَوْرَةَ صَاحِبِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلْيَفْعَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ كَمَا يَفْعَلُ بِالْمَوْتَى يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ عَوْرَتَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ مَاتَ الرَّجُلُ عَنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَضَعَتْ قَبْلَ أَنْ يُغَسَّلَ؟ لَمْ يَكُنْ بَأْسٌ أَنْ تُغَسِّلَهُ وَإِنْ كَانَتْ عِدَّتُهَا قَدْ انْقَضَتْ وَلَيْسَ يُعْتَبَرُ فِي هَذَا
[ ٥ / ٣٤٥ ]
الْعِدَّةُ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلْعِدَّةِ مَا غَسَّلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عِدَّةٍ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأُمُّ الْوَلَدِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ تُغَسِّلُ سَيِّدَهَا وَيُغَسِّلُهَا سَيِّدُهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِطَلْقَةٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَمَاتَ أَتُغَسِّلُهُ؟
قَالَ: لَا. وَقَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ وَهُوَ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فَتَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا أَنْ تَبِيتَ فِي أَهْلِهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ إذْنُهُ بِإِذْنٍ وَمَا لَهُ وَلَهَا لَا قَضَاءَ لَهُ عَلَيْهَا حَتَّى يُرَاجِعَهَا فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الَّذِي مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ وَاحِدَةً أَنَّهَا لَا تُغَسِّلُهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٣/ ١٨):
«يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُغَسِّلَ أُمَّ وَلَدِهِ إِذَا مَاتَتْ، وَكَذَلِكَ أَمَتَهُ وَمُدَبَّرَتَهُ، لِأَنَّ حُكْمَ الرِّقِّ فِي جَمِيعِهِمْ بَاقٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يلزمه موؤنة دَفْنِهِمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ لِأَمَتِهِ وَلَا لِمُدَبَّرَتِهِ وَلَا لِأُمِّ وَلَدِهِ أَنْ تُغَسِّلَهُ، أَمَّا الْأَمَةُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَلِزَوَالِ الرِّقِّ عَنْهُمَا، وَارْتِفَاعِ الْعَصَبَةِ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَالنِّكَاحُ يَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ كَمَا أَنَّ الرِّقَّ يَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنِ ارْتِفَاعُ النِّكَاحِ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ الْغُسْلِ، كَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَكُونُ ارْتِفَاعُ الرِّقِّ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ الْغُسْلِ؟ قُلْنَا وُجُودُ النِّكَاحِ مُوجِبٌ لِلِاسْتِبَاحَةِ، فَإِذَا اتَّصَلَتِ الِاسْتِبَاحَةُ بِالْمَوْتِ جَازَ أَنْ يَبْقَى لَهَا حُكْمٌ بعد الموت، وليس دوام الوالدة المدبرة مُوجِبٌ لِاسْتِبَاحَتِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّقُّ فِيهَا مَوْجُودًا وَهُمَا فِي إِبَاحَةِ زَوْجٍ، فَضَعُفَ الرِّقُّ عَنْ مَعْنَى النِّكَاحِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ فِي بَقَاءِ الِاسْتِبَاحَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ» اهـ.
[ ٥ / ٣٤٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ١٥٣):
«ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ لَهُ غُسْلَ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ لَهَا غُسْلُ سَيِّدِهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٩١):
«فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ، وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا. وَإِنْ كَانَ بَائِنًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ اللَّمْسَ وَالنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حَالَ الْحَيَاةِ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ أَوْلَى. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ لَمْ يُبَحْ لِأَحَدِهِمَا غَسْلُ صَاحِبِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ١٣٦):
«إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَجُزْ لِلْآخَرِ غُسْلُهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنَّمَا قَاسَهُ عَلَى الْبَائِنِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَوَافَقَ فِي الْبَائِنِ وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسِّلُ الْبَائِنَ» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ للزوجة أن تغسل زوجها ما لم تتزوج فإنَّها إن تزوجت انقطع كل ما يتعلق بزوجها الأول، ولهذا لا تبقى زوجة له في الأخرة.
والذي يظهر لي أيضًا أنَّ المطلقة طلاقًا رجعيًا لها أن تغسل زوجها ولزوجها أن يغسلها لأنَّ الطلاق الرجعي لا ينفسخ به النكاح ولهذا ترثه ويرثها.
[ ٥ / ٣٤٧ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٩١):
«فَصْلٌ: وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهَا غَسْلُ سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا حَصَلَ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يُبْقِ عُلْقَةً مِنْ مِيرَاثٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَنَا، أَنَّهَا فِي مَعْنَى الزَّوْجَةِ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، وَالْمِيرَاثُ لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضَى، بِدَلِيلِ الزَّوْجَيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا، وَالِاسْتِبْرَاءُ هَاهُنَا كَالْعِدَّةِ. وَلِأَنَّهَا إذَا مَاتَتْ يَلْزَمُهُ كَفَنُهَا وَدَفْنُهَا وَمُؤْنَتُهَا، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ.
فَأَمَّا غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الْإِمَاءِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهَا غَسْلُ سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ مَا تَصِيرُ بِهِ فِي مَعْنَى الزَّوْجَاتِ. وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِامْرَأَتِهِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُبَاحَ لَهَا غَسْلُهُ لِذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّ أم الولد لها أن تغسل سيدها إذا مات.
وليس لغيرها من إمائه ذلك لخروجهن عن ملكه بالموت إلى ملك غيره فهنَّ أشبه بتزوج الزوجة بعد موت زوجها وقبل تغسيله، وللسيد أن يغسل أمته لأنَّها لم تنتقل بموتها إلى ملك غيره.
والأظهر أنَّه إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول أنَّ لأحدهما تغسيل الآخر.
قُلْتُ: وفي جميع ذلك يكون الغسل من تحت الثياب ولا تكشف العورات لأنَّها لا تحل بعد الموت.
جَاءَ [فِي مَسَائِلَ أَحْمَدَ بِرِوَايَةِ ابْنِ هَانِئ] (١/ ١٨٤ برقم ٩١٦) قال:
[ ٥ / ٣٤٨ ]
«وسئل عن الرجل تكون امرأته معه في سفر، فتموت وليس معهم امرأة أيغسلها زوجها؟ قال: نعم، قيل له: فكيف يصنع؟ قال: يصب الماء من فوق الثوب، ولا يكشف ثوبها» اهـ.
قُلْتُ: وإذا مات رجال بين نساء أو العكس وليس هنالك زوج ولا زوجة ولا سيد ولا أمة. فيصب الماء عليه صبًا لما رواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٩٤٥)، والبيهقي في [الْصَّغْرَى] (٦٦٧٠) مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فِي الْمَرْأَةِ تَمُوتُ مَعَ الرِّجَالِ قَالَ: «تُرْمَسُ فِي الْمَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢):
«فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الرِّجَالِ غَسْلُ أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَا أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ غَسْلُ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الرِّجَالِ وَإِنْ كُنَّ ذَوَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ غَسَّلَ ابْنَتَهُ. وَاسْتَعْظَمَ أَحْمَدُ هَذَا، وَلَمْ يُعْجِبْهُ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قِيلَ: اسْتَأْذِنْ عَلَى أُمِّكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَالَ الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ غَسْلُهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ.
فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُغَسِّلُ الْمَرْأَةَ مِنْ النِّسَاءِ، فَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُغَسِّلُ أُخْتَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ نِسَاءً قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يُغَسِّلُهَا وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا، يَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ صَبًّا. قُلْتُ لِأَحْمَدَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ ذَاتِ مَحْرَمٍ تُغَسَّلُ وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ: لَا
[ ٥ / ٣٤٩ ]
بَأْسَ بِغَسْلِ ذَاتِ مَحْرَمٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَأَمَّا إنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ أَجَانِبَ، أَوْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ أَجَانِبَ، أَوْ مَاتَ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ.
وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَانِيَةً، أَنَّهُ يُغَسَّلُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ، يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ صَبًّا، وَلَا يُمَسُّ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ. وَلَنَا، مَا رَوَى تَمَّامٌ الرَّازِيّ فِي " فَوَائِدِهِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ، تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ". وَلِأَنَّ الْغُسْلَ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْظِيفُ، وَلَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، بَلْ رُبَّمَا كَثُرَتْ وَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ، فَكَانَ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ عُدِمَ الْمَاءُ» اهـ.
قُلْتُ: حديث واثلة لا يصح وانظر [الْضَّعِيْفَةَ] (٦٣٨٢) للعلامة الألباني ﵀.
وأثر أبي قلابة رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٩٨٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ «غَسَّلَ ابْنَتَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وَجَاءَ فِي [الُمدَوَّنَةِ] (١/ ٢٦١):
«وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ فِي السَّفَرِ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا نِسَاءٌ أُمُّهُ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ عَمَّتُهُ أَوْ خَالَتَهُ، وَذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَإِنَّهُنَّ يُغَسِّلْنَهُ وَيَسْتُرْنَهُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ
[ ٥ / ٣٥٠ ]
تَمُوتُ فِي السَّفَرِ مَعَ الرِّجَالِ وَمَعَهَا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا يُغَسِّلُهَا مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ نِسَاءٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا لَمْ يَكُنْ رِجَالٌ.
قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ مَعَ النِّسَاءِ وَلَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ وَلَا مِنْهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ تُغَسِّلُهُ، يَمَّمْنَهُ بِالصَّعِيدِ فَيَمْسَحْنَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ يَضْرِبْنَ بِأَكُفِّهِنَّ الْأَرْضَ ثُمَّ يَمْسَحْنَ بِأَكُفِّهِنَّ عَلَى وَجْهِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَضْرِبْنَ بِأَكُفِّهِنَّ الْأَرْضَ ثُمَّ يَمْسَحْنَ بِأَكُفِّهِنَّ عَلَى يَدَيْ الْمَيِّتِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ مَعَ الرِّجَالِ إلَّا أَنَّ الرِّجَالَ لَا يُيَمِّمُونَ الْمَرْأَةَ إلَّا عَلَى الْكُوعَيْنِ فَقَطْ، وَلَا يَبْلُغُوا بِهَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ١٤١ - ١٤٢):
«إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ يُيَمَّمُ وَلَا يُغَسَّلُ وبهذا قطع المصلح فِي التَّنْبِيهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْبَغَوِيُّ فِي شرح السنة وغيرهم وصححه الروياني والرافعي وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَنَقَلَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ شَرْعًا بِسَبَبِ اللمس والنظر فييمم كما لو تعذر حسًا.
وَالثَّانِي: يَجِبُ غُسْلُهُ مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَغُضُّ طَرْفَهُ مَا أمكنه فإن اضطر الي النظر نظر قَدْرَ الضَّرُورَةِ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا. كَمَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهَا لِلْمُدَاوَاةِ وَبِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ وَنَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ
[ ٥ / ٣٥١ ]
عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الزِّيَادِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ وَإِمَامُ الحرمين، وَالْغَزَالِيُّ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يُتْرَكُ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُيَمَّمُ بَلْ يُدْفَنُ بِحَالِهِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ بَاطِلٌ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ١٥١ - ١٥٢):
«"فَرْعٌ" فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْأَجْنَبِيِّ لَا يَحْضُرُهُ إلَّا أَجْنَبِيَّةٌ وَالْأَجْنَبِيَّةِ لَا يَحْضُرُهَا إلَّا أَجْنَبِيٌّ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُيَمَّمُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ المسيب والنخعي وحماد ابن أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَحْمَدَ وَرَوَى فِيهِ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا مُرْسَلًا مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ والزهري وقتادة وإسحاق وَرِوَايَةٌ عَنْ النَّخَعِيِّ يُغَسَّلُ فِي ثَوْبٍ وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ خِرْقَةً وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ تُدْفَنُ كَمَا هِيَ بِلَا تَيَمُّمٍ وَلَا غُسْلٍ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَنَافِعٍ» اهـ.
قُلْتُ: صب الماء أولى من التيمم، وذلك أنَّ التيمم لا يشرع إلَّا عند عدم الماء أو القدرة على استعماله، وهنا يمكن أن يستعمل الماء بالصب على بدن الميت.
ويقوي هذا القول الأثر الذي ذكرناه عن ابن عمر ﵁.
وتنازع العلماء في الطفل متى يجوز للنساء الأجنبيات أن يغسلنه.
وهكذا تنازعوا في تغسيل الرجال للصبية.
والأظهر أنَّ من دون السبع من الأطفال يجوز للنساء أن يغسلنه.
[ ٥ / ٣٥٢ ]
وأنَّ الرجال لا يغسلنَّ الصبية وإن كانت دون السبع.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣):
«فَصْلٌ: وَلِلنِّسَاءِ غَسْلُ الطِّفْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ. قَالَ أَحْمَدُ: لَهُنَّ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إذَا كَانَ فَطِيمًا، أَوْ فَوْقَهُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: ابْنُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ لَمْ نُؤْمَرْ بِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَلَا عَوْرَةَ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا سَلَّمُوهُ، فَأَمَّا مَنْ بَلَغَ السَّبْعَ وَلَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا، فَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ بَلَغَ عَشْرًا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ". وَأَمَرَ بِضَرْبِهِمْ لِلصَّلَاةِ لِعَشْرٍ. وَمَنْ دُونَ الْعَشْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِمَنْ دُونَ السَّبْعِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْحَقَ بِهِ، لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ فِي أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَقُرْبِهِ مِنْ الْمُرَاهَقَةِ. فَأَمَّا الْجَارِيَةُ الصَّغِيرَةُ، فَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُغَسِّلَهَا الرَّجُلُ، وَقَالَ: النِّسَاءُ أَعْجَبُ إلَيَّ. وَذُكِرَ لَهُ أَنَّ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ، وَالرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ.
قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُغَسِّلَ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يُغَسِّلُ الصَّبِيَّةَ فَلَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ غَسَّلَ بِنْتًا لَهُ صَغِيرَةً.
[ ٥ / ٣٥٣ ]
وَالْحَسَنُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً. وَكَرِهَ غَسْلَ الرَّجُلِ الصَّغِيرَةَ سَعِيدٌ وَالزُّهْرِيُّ. قَالَ الْخَلَّالُ: الْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ، لَوْلَا أَنَّ التَّابِعِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ لِذَلِكَ. وَسَوَّى أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَ فِيهِمَا رِوَايَتَيْنِ، جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ.
وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ، مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُغَسِّلُ الْجَارِيَةَ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ عَوْرَةِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ عَوْرَةَ الْجَارِيَةِ أَفْحَشُ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مُعَانَاةُ الْمَرْأَةِ لِلْغُلَامِ الصَّغِيرِ، وَمُبَاشَرَةُ عَوْرَتِهِ فِي حَالِ تَرْبِيَتِهِ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ عَوْرَةَ الْجَارِيَةِ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ حَالَةَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا صَحَّ غَسْلُهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَهَارَتُهُ، فَصَحَّ أَنْ يُطَهِّرَ غَيْرَهُ، كَالْكَبِيرِ فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَنْ يُغَسِّلَ الْمُحْرِمُ الْحَلَالَ، وَالْحَلَالُ الْمُحْرِمَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَغَسْلُهُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَ غَيْرَهُ» اهـ.
قُلْتُ: وجاء في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٢٦١):
«فِي غُسْلِ الْمَرْأَةِ الصَّبِيَّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تُغَسِّلَ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ وَمَا أَشْبَهَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ١٤٩):
«قَالَ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَصْحَابِ بَلْ كُلُّهُمْ إذَا مَاتَ صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ لَمْ يَبْلُغَا حَدًّا يشتهيان جَازَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا غُسْلُهُ فَإِنْ بَلَغَتْ الصبية حدًا يشتهى فِيهِ لَمْ يُغَسِّلْهَا إلَّا النِّسَاءُ وَكَذَا الْغُلَامُ إذَا بَلَغَ حَدًّا يُجَامِعُ أُلْحِقَ بِالرِّجَالِ» اهـ.
[ ٥ / ٣٥٤ ]
قُلْتُ: الصحيح أنَّ الجنب والحائض إذا ماتا يغسلان غسلًا واحدًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ١٥٢):
«مَذْهَبُنَا أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ إذَا مَاتَا غُسِّلَا غُسْلًا وَاحِدًا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ: يُغَسَّلَانِ غُسْلَيْنِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُ» اهـ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٤٠):
«ذِكْرُ عَدَدِ مَا يُغْسَلُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ إِذَا مَاتَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَمُوتَانِ كَمْ يُغْسَلَانِ؟ فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: "يُغْسَلُ الْجُنُبُ غَسْلَ الْجَنَابَةِ، وَالْحَائِضُ غَسْلَ الْحَيْضِ، ثُمَّ يُغْسَلَانِ غَسْلَ الْمَيِّتِ"، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ: "مَا مَاتَ مَيِّتٌ إِلَّا أَجْنَبَ"، وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: "يُصْنَعُ بِهِمَا مَا يُصْنَعُ بِغَيْرِهِمَا" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا قَوْلُ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ نَقُولُ، وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ فِيمَا سَنَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَسْلِ الْمَوْتَى تَفْرِيقًا بَيْنَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ جُنُبًا، أَوْ غَيْرَ جُنُبٍ، أَوْ حَائِضًا، وَقَدْ يُجْنِبُ الرَّجُلُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ إِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَيُؤَدِّي فَرْضَ الصَّلَاةِ وَإِذَا سَقَطَ بِوَفَاتِهِ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ الطَّهَارَةِ، الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا الصَّلَاةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١٨ - وفيه أنَّ الزيادة في الغسلات راجع إلى نظر المغسل فإن رأى الحاجة داعية للزيادة في الغسلات فعل كان يكون الميت كثير الأوساخ.
[ ٥ / ٣٥٥ ]
وإذا خرج من الميت الحدث من بول أو غائط فهل يُغَسَّلُ مرة أخرى أو يُغْسَلُ موضع الخارج فقط، في ذلك نزاع والأظهر عندي أنَّه يكتفى بموضع الخارج فإنَّ الحدث في الحي لا ينقض الغسل. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٧):
«وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْبُلُوغِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ إِلَى سَبْعِ غَسَلَاتٍ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ أَقْصَى مَا يُغَسَّلُ الْمَيِّتُ ثَلَاثُ غَسَلَاتٍ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ غُسِّلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَحْدَهُ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَهُ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُوَضَّأُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ وَلَا يُعَادُ غَسْلُهُ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْجُنُبِ إِذَا اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ الْغَسْلِ.
قَالُوا: وَيُغَسَّلُ مَخْرَجُهُ مِنْ ذَلِكَ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ ثُمَّ يوضأ وتجزئ الأحجار في ذلك.
وقال بن الْقَاسِمِ: إِنْ وُضِّئَ مِنَ الْحَدَثِ فَحَسُنَ وَإِنَّمَا هُوَ الْغُسْلُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ عَنِ الْحَيِّ فَقَدْ أَدَّاهَا وَلَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ عِبَادَةٌ.
فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ منه حدث بعد كمال غسله أعيد وضوؤه لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يُعَدْ غُسْلُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ أُعِيدَ غُسْلُهُ.
[ ٥ / ٣٥٦ ]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُعَادُ غُسْلُهُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى سَبْعِ غَسَلَاتٍ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّابِعَةِ غُسِلَ الْمَوْضِعُ وَحْدَهُ فَإِنْ خرج منه شيء بعد ما كُفِّنَ دُفِعَ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَكُلُّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ بِالْأَسَانِيدِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٥٤):
«وذهب الكوفيون، والثوري، ومالك، والمزني أنَّه إذا خرج منه حدث بعد تمام غسله غسل ذلك الموضع، ولم يُعد غسله، لأنَّها عبادة على الحى قد أداها، وليس على الميت عبادة. وقال الشافعي: إن خرج منه شيء بعد الغسلة الثالثة أعيد غسله. وقال أحمد: يعاد غسله إذا خرج منه شيء إلى سبع غسلات، ولا يزاد عليها. والقول الأول أَوْلى، لأنه لو خرج من الحى بعد الغسل حدث لم ينتقض غسله، ولا يكون حكم الميت أكثر من حكم الحى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ١٧٦ - ١٧٨):
«"فَرْعٌ" إذَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْ الْمَيِّتِ بَعْدَ غُسْلِهِ وَقَبْلَ تَكْفِينِهِ نَجَاسَةٌ وَجَبَ غَسْلُهَا بِلَا خِلَافٍ وَفِي إعَادَةِ طَهَارَتِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٌ:
أَصَحُّهَا: لَا يجب شيء لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ التَّكْلِيفِ بِنَقْضِ الطَّهَارَةِ وَقِيَاسًا على ما لو أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِي غَسْلُهَا بِلَا خِلَافٍ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ أَنْ يُوَضَّأَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ حَيٍّ.
[ ٥ / ٣٥٧ ]
وَالثَّالِثُ: يَجِبُ إعَادَةُ الْغُسْلِ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الطُّهْرَ وَطُهْرُ الْمَيِّتِ غَسْلُ جميعه هذه الْعِلَّةُ الْمَشْهُورَةُ وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ بِأَنَّهُ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ الْخِلَافِ وفي التنبيه، وسليم الرازي في كتابه رؤس الْمَسَائِلِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْعَبْدَرِيُّ فِي الْكِفَايَةِ وُجُوبَ إعَادَةِ الْغُسْلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِهِ قَطَعَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ في الكفاية والشيخ أبو نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْكَافِي وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَضَعَّفَ الْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ هَذَا الْوَجْهَ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَيَانِ تَضْعِيفَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حامد وإيجاب الوضوء هو قول أبي إسحاق الْمَرْوَزِيِّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لَا يَجِبُ غَيْرُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ في مختصر المزني إن خرج منه شيء أَنْقَاهُ وَأَعَادَ غُسْلَهُ فَقَالَ الْمُزَنِيّ وَالْأَكْثَرُونَ إعَادَةُ الْغُسْلِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ واجبة وقال أبو إسحاق الْمَرْوَزِيُّ يَجِبُ الْوُضُوءُ أَمَّا إذَا خَرَجَتْ النَّجَاسَةُ مِنْ الْفَرْجِ بَعْدَ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ فَلَا يَجِبُ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ بِلَا خِلَافٍ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالسَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَاحْتَجَّ لَهُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِإِعَادَةِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ لَمْ يَأْمَنْ مِثْلَهُ فِي المستقبل فيؤدى الي ما لا نِهَايَةَ لَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّكْفِينِ وَبَعْدَهُ بَلْ أَرْسَلُوا الْخِلَافَ وَلَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَمُوَافِقُوهُ أَمَّا إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ بَعْدَ الْغُسْلِ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجَيْنِ فَيَجِبُ غَسْلُهَا وَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ بِلَا خِلَافٍ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا أَوْجَبْنَا إعَادَةَ الْغُسْلِ لِنَجَاسَةِ السَّبِيلَيْنِ فَفِي غَيْرِهَا احْتِمَالٌ
[ ٥ / ٣٥٨ ]
وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ النَّجَاسَةِ وَنَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تَقَعُ عَلَيْهِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُهَا وَلَوْ لَمَسَ أَجْنَبِيٌّ مَيِّتَةً بَعْدَ غُسْلِهَا أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ مَيِّتًا بَعْدَ غُسْلِهِ فَإِنْ قُلْنَا خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ السَّبِيلِ لَا يُوجِبُ غَيْرَ غسل النجاسة لم يجب هنا شيء فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَةِ بِلَا خِلَافٍ إذْ لَا نَجَاسَةَ وَإِنْ أَوْجَبْنَا هُنَاكَ الْوُضُوءَ أَوْ الغسل أوجبنا هُنَا إنْ قُلْنَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ وَإِلَّا فَلَا هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيّ وُجُوبَهُمَا وَمُرَادُهُ إذَا قُلْنَا يُنْتَقَضُ طُهْرُ الْمَلْمُوسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَمُوَافِقُهُمَا وَلَوْ وُطِئَتْ الْمَيِّتَةُ أَوْ الْمَيِّتُ بَعْدَ الْغُسْلِ فَإِنْ قُلْنَا بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ وَجَبَ هُنَا الْغُسْلُ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الوطء وَإِنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ إلَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ لم يجب هنا شيء هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْقَاضِي وَصَاحِبَاهُ وَمُتَابِعُوهُمْ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى نجاسة باطن الفرج والله أعلم أمَّا إذا خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ بَعْدَ غُسْلِهِ فَإِنْ قُلْنَا في خروج النجاسة يجب غسلها لم يجب هنا شيء لِأَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَجَبَ إعَادَةُ غُسْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: جاء عن أحمد الزيادة على سبع فقد قال أبو داود ﵀ في [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ] (ص: ١٩٢): «سَمِعْتُ أَحْمَدَ غَيْرَ مَرَّةٍ، يَقُولُ فِي الْمَيِّتِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْحَدَثُ بَعْدَ الْغَسْلَةِ السَّابِعَةِ؟ قَالَ: يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ» اهـ.
* * *
[ ٥ / ٣٥٩ ]
فصل: في بيان صفة غسل الميت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠):
«وجملته أنَّه يستحب أن يغسل الميت على سرير، يترك عليه متوجهًا إلى القبلة منحدرًا نحو رجليه، لينحدر الماء بما يخرج منه، ولا يرجع إلى جهة رأسه، ويبدأ الغاسل، فيحني الميت حنيًا رفيقًا، لا يبلغ به قريبًا من الجلوس، لأنَّ في الجلوس أذية له، ثم يمر يده على بطنه، يعصره عصرًا رفيقًا؛ ليخرج ما معه من نجاسة، لئلا يخرج بعد ذلك، ويصب عليه الماء حين يمر يده صبًا كثيرًا، ليخفي ما يخرج منه، ويذهب به الماء، ويستحب أن يكون بقربه مجمر فيه بخور حتى لا يظهر منه ريح.
وَقَالَ أحمد ﵀: لا يعصر بطن الميت في المرة الأولى، ولكن في الثانية.
وَقَالَ في موضع آخر: يعصر بطنه في الثالثة، يمسح مسحًا رفيقًا مرة واحدة.
وَقَالَ أيضًا: عصر بطن الميت في الثانية أمكن؛ لأنَّ الميت لا يلين حتى يصيبه الماء.
ويلف الغاسل على يده خرقة خشنة، فينجيه بها؛ لئلا يمس عورته، لأنَّ النظر إلى العورة حرام، فاللمس أولى، ويزيل ما على بدنه من نجاسة؛ لأنَّ الحي يبدأ بذلك في اغتساله من الجنابة.
ويستحب أن لا يمس بقية بدنه إلَّا بخرقة.
قال القاضي: يعد الغاسل خرقتين، يغسل بإحداهما السبيلين، وبالأخرى سائر بدنه، فإن كان الميت امرأة حاملًا لم يعصر بطنها، لئلا يؤذي الولد، وقد جاء في حديث رواه الخلال، بإسناده عن أم سليم قالت: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ٣٦٠ ]
وَسَلَّمَ: "إذا توفيت المرأة، فأرادوا غسلها، فليبدأ ببطنها، فليمسح مسحًا رفيقًا إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا يحركها"» اهـ.
قُلْتُ: حديث أم سليم رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٢٠٨١٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٥٥٦) عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أُمِّ أَنَسٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرَادُوا أَنْ يُغَسِّلُوهَا، فَلْيَبْدَأُوا بِبَطْنِهَا، فَلْيُمْسَحْ بَطْنُهَا مَسْحًا رَفِيقًا، إِنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى، فَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى، فَلَا تُحَرِّكْنَهَا فَإِنْ أَرَدْتِ غَسْلَهَا، فَابْدَئِي بِسِفْلَيْهَا، فَأَلْقِي عَلَى عَوْرَتِهَا ثَوْبًا سِتِّيرًا، ثُمَّ خُذِي كُرْسُفَةً فَاغْسِلِيهَا فَأَحْسِنِي غَسْلَهَا، ثُمَّ أَدْخِلِي يَدَكِ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ فَامْسَحِيهَا بِكُرْسُفٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَحْسِنِي مَسْحَهَا قَبْلَ أَنْ تُوَضِّئِيهَا، ثُمَّ وَضِّئِيهَا بِمَاءٍ فِيهِ سِدْرٌ، وَلْتَفْرُغِ الْمَاءَ امْرَأَةٌ وَهِيَ قَائِمَةٌ لَا تَلِي شَيْئًا غَيْرَهُ حَتَّى تَنَّقِي بِالسِّدْرِ وَأَنْتِ تَغْسِلِينَ، وَلْيَلِ غُسْلَهَا أَوْلَى النِّسَاءِ بِهَا، وَإِلَّا فَامْرَأَةٌ وَرِعَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ ضَعِيفَةً فَلْتَلِهَا امْرَأَةٌ وَرِعَةٌ مُسْلِمَةٌ، فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ غَسْلِ سَفِلَتِها غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَلْتُوَضِّئْهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ، فَهَذَا بَيَانُ وَضُوئِهَا ثُمَّ اغْسِلِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَابْدَئِي بِرَأْسِهَا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَأَنْقِي غُسْلَهُ مِنَ السِّدْرِ بِالْمَاءِ، وَلَا تُسَرِّحِي رَأْسَهَا بِمُشْطٍ، فَإِنْ حَدَثَ بِهَا حَدَثٌ بَعْدَ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ، فَاجْعَلِيهَا خَمْسًا، فَإِنْ حَدَثَ فِي الْخَامِسَةِ، فَاجْعَلِيهَا سَبْعًا وَكُلُّ ذَلِكَ، فَلْيَكُنْ وِتْرًا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الْخَامِسَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ، فَاجْعَلِي فِيهِ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ وَشَيْئًا مِنْ سِدْرٍ، ثُمَّ اجْعَلِي ذَلِكَ فِي جَرٍّ جَدِيدٍ، ثُمَّ أَقْعِدِيهَا، فَأَفْرِغِي عَلَيْهَا وَابْدَئِي بِرَأْسِهَا حَتَّى تَبْلُغِي رِجْلَيْهَا، فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْهَا، فَأَلْقِي عَلَيْهَا ثَوْبًا نَظِيفًا ثُمَّ أَدْخِلِي يَدَكِ مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ فَانْزِعِيهِ عَنْهَا، ثُمَّ احْشِي سَفِلَتَهَا
[ ٥ / ٣٦١ ]
كُرْسُفًا مَا اسْتَطَعْتِ وَاحْشِي كُرْسُفَهَا مِنْ طِيبِهَا، ثُمَّ خُذِي سَبِيَّةُ طَوِيلَةً مَغْسُولَةُ، فَارْبِطِيهَا عَلَى عَجُزِهَا كَمَا تُرْبَطُ عَلَى النِّطَاقِ، ثُمَّ اعْقِدِيهَا بَيْنَ فَخِذَيْهَا وَضُمِّي فَخِذَيْهَا، ثُمَّ أَلْقِي طَرَفَ السَّبِيَّةِ عَنْ عَجُزِهَا إِلَى قَرِيبٍ مِنْ رُكْبَتَيْهَا، فَهَذَا شَأْنُ سَفِلَتِهَا ثُمَّ طَيِّبِيهَا وَكَفِّنِيهَا وَاطْوِي شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ أَقْرُنٍ قَصَّةً وَقَرْنَيْنِ وَلَا تُشَبِّهِيهَا بِالرِّجَالِ، وَلْيَكُنْ كَفَنُهَا فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ أَحَدُهَا الْإِزَارُ تَلُفِّي بِهِ، فَخِذَيْهَا وَلَا تَنْفُضِي مِنْ شَعْرِهَا شَيْئًا بِنَوْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَمَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهَا، فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ اغْرِزِيهِ فِي شَعْرِ رَأْسِهَا وَطَيِّبِي شَعْرَ رَأْسِهَا، فَأَحْسِنِي تَطْيِيبَهُ وَلَا تُغَسِّلِيهَا بِمَاءٍ مُسَخَّنٍ وَاخْمرِيهَا وَمَا تُكَفِّينِيهَا بِهِ بِسَبْعِ نَبَذَاتٍ إِنْ شِئْتِ وَاجْعَلِي كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا وِتْرًا وَإِنْ بَدَا لَكِ أَنْ تُخمِرِيهَا فِي نَعْشِهَا، فَاجْعَلِيهِ وِتْرًا هَذَا شَأْنُ كَفَنِهَا وَرَأْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَحْدُورَةً أَوْ مَخْصُونَةً أَوْ أَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَخُذِي خِرْقَةً وَاحِدَةً وَاغْمِسِيهَا فِي الْمَاءِ وَاجْعَلِي تَتَبَّعِي كُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا تُحَرِّكِيهَا فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَنَفَّسَ مِنْهَا شَيْءٌ لَا يُسْتَطَاعُ رَدُّهُ».
قُلْتُ: الحديث جاء من طريقين إلى عبد الملك بن بشير عن حفصة ظاهره الثبوت لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٣٦٠ - ٣٦١):
«وسألت أبي، عن حديث؛ رواه الوليد بن مسلم، عن شيبان، عن ليث، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن حفصة ابنت سيرين، عن أم سليم، عن رسول الله ﷺ، قال: "لتلي غسل المرأة أولى نسائها بها، فإن كانت ضعيفة، أو صغيرة وليتها امرأة مسلمة ورعة، فأمري ببطنها فامسحيه مسحًا رفيقًا، فإن كانت حبلى فلا تحركيها، ثم خذي كرسفًا، فاغسليه غسلًا حسنًا، ثم أدخلي يدك من تحت الثوب، فامسحي سفلتها ثلاث مرات. مسحًا حسنًا قبل أن توضئيها، ثم وضئيها بماء فيه سدر، ولتفرغ الماء امرأة قائمة لا تلي شيئًا غيره، حتى تنقي
[ ٥ / ٣٦٢ ]
السدر، وأنت تغسلي به، هذا بيان وضوئها، فإذا فرغت من وضوئها، فأمري بغسل رأسها، فاغسليه بماء وسدر، ولا تقرعي رأسها بمشط"، وذكرت غسل الميت بطوله.
قال أبي: هذا حديث كأنَّه باطل، يشبه أن يكون كلام ابن سيرين.
قال أبو محمد: روى هذا الحديث عن شبيان سوى الوليد بن مسلم أبو النضر هاشم بن القاسم.
وحدثنا أبي، عن سهل بن عثمان العسكري، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن جنيد بن أبي دهرة التيمي، عن عبد الملك بن أبي بشير.
وروي عن حفصة ابنت سيرين، عن أم عطية، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أيوب وخالد الحذاء وعاصم الأحول وهشام بن حسان: أن إحدى بنات النبي ﷺ توفيت كليمات يزيد بعضهم على بعض ليس من هذا المتن فيه إلَّا ذكر السدر والكافور واغسليها وترًا وابدأي بميامنها وها هنا ابدئي بسفلتها والحديث، عن أم عطية وَقَالَ هاهنا، عن أم سليم وليس لأم سليم، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في غسل الميت شيء» اهـ.
قُلْتُ: واتخاذ الخرقة في غسل فرج الميت من الْأُمور المتفق عليها كما ذكر ذلك الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّر ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣):
«ومن السنة المجتمع عليها أن لا يفضي الغاسل إلى فرج الميت إلَّا وعليه خرقة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٧١):
[ ٥ / ٣٦٣ ]
«مسألة؛ قال: "ويوضئه وضوءه للصلاة، ولا يدخل الماء في فيه، ولا في أنفه، وإن كان فيهما أذى أزاله بخرقة". وجملة ذلك أنَّه إذا أنجاه، وأزال عنه النجاسة، بدأ بعد ذلك فوضأه وضوء الصلاة، فيغسل كفيه، ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها ويجعلها على أصبعه، فيمسح أسنانه وأنفه، حتى ينظفهما، ويكون ذلك في رفق، ثم يغسل وجهه، ويتم وضوءه، لأنَّ الوضوء يبدأ به في غسل الحي، وقد قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها" متفق عليه.
وفي حديث أم سليم: "فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلًا نقيًا بماء وسدر، فوضئيها وضوء الصلاة، ثم اغسليها".
ولا يدخل الماء فاه، ولا منخريه، في قول أكثر أهل العلم. كذلك قال سعيد بن جبير، والنخعي، والثوري وأبو حنيفة.
وَقَالَ الشافعي يمضمضه وينشقه كما يفعل الحي.
ولنا، أن إدخال الماء فاه وأنفه لا يؤمن معه وصوله إلى جوفه، فيفضي إلى المثلة به، ولا يؤمن خروجه في أكفانه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ إدخال الماء إلى فم الميت وأنفه غير مناسب وذلك لأنَّ الحي إن فعل ذلك تمكن من إخراجه وأمَّا الميت فلا يتمكن من ذلك بل يدخل إلى جوفه مباشرة فلربما حرك ما كان ساكنًا فمسح ذلك بخرقة مبلولة هو الأنسب والله أعلم.
وأمَّا عصر بطن الميت فليس فيه سنة صحيحة ولا بأس بفعله حتى لا يخرج منه شيء بعد تكفينه.
[ ٥ / ٣٦٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠):
«واختلفوا في عصر بطن الميت فكان ابن سيرين، والنخعي، والحسن البصري، ومالك يقولون: يعصر بطن الميت، قال بعضهم: عصرًا خفيفًا، وكان سفيان الثوري يقول: يمسح مسحًا رقيقًا بعد الغسلة الأولى، قال الشافعي: يمر يده على بطنه إمرارًا بليغًا ليخرج شيئًا إن كان فيه، وَقَالَ أحمد، وإسحاق: يمسح بطنه مسحًا رقيقًا خرج منه شيئًا أو لم يخرج. وقد روينا عن الضحاك بن مزاحم أنَّه أوصى أنَّه لا يعصر بطنه، وكان أحمد بن حنبل يستحب أن يعصر بطنه في الثانية قال: فإنَّه تلين في الغسلة الأولى قال أبو بكر: ليس في عصر البطن سنة تتبع، وقد رواه من ذكرنا ذلك عنهم من أهل العلم، فإن أمر الغاسل يديه إمرارًا خفيفًا على بطنه ليخرج شيئًا إن كان هناك فحسن، وإن ترك فلم يفعل ذلك، فلا بأس به» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٧٢):
«مسألة؛ قال: "ويصب عليه الماء، فيبدأ بميامنه، ويقلبه على جنبيه، ليعم الماء سائر جسمه" وجملة ذلك أنَّه إذا وضأه بدأ بغسل رأسه، ثم لحيته. نص عليه أحمد.
فيضرب السدر فيغسلهما برغوته، ويغسل وجهه، ويغسل اليد اليمنى من المنكب إلى الكفين وصفحة عنقه اليمنى، وشق صدره وجنبيه وفخذه وساقه، يغسل الظاهر من ذلك وهو مستلق، ثم يصنع ذلك بالجانب الأيسر، ثم يرفعه من جانبه الأيمن، ولا يكبه لوجهه، فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه، ثم يعود فيحرفه على جنبه الأيمن، ويغسل شقه الأيسر كذلك.
[ ٥ / ٣٦٥ ]
هكذا ذكره إبراهيم النخعي، والقاضي.
وهو أقرب إلى موافقة قوله ﵇: "ابدأن بميامنها". وهو أشبه بغسل الحي» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا حلق عانة الميت ونتف إبطه وتقليم أظفاره فقد اختلف في ذلك العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ٥٠ - ٥٢):
«واختلفوا في أخذ شعر الميت وأظفاره، فقالت طائفة: يؤخذ من شعره وأظفاره كذلك قال الحسن البصري، وبكر بن عبد الله المزني، وروينا أنَّ سعد بن مالك أخذ عانة ميت.
حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، أنَّ سعد بن مالك، "حلق عانة ميت".
وروي عن سعيد بن جبير، أنَّه قال: "تؤخذ عانة الميت" وَقَالَ الأوزاعي في أظفاره: "يقصر إذا طال، ولا يمس غير ذلك" وَقَالَ أحمد، وإسحاق في الشعر والظفر: "يؤخذ إذا كان فاحشًا" وكرهت طائفة ذلك كره محمد بن سيرين أخذ عانة الميت، وسئل حماد بن أبي سليمان عن تقليم أظفار الميت؟ فقال: "إذا كان أقلف أتختنه؟ " وكره مالك تقليم أظافر الميت، وحلق عانته.
قال أبو بكر: الوقوف عن أخذ ذلك أحب إلي لأنَّ المأمور بأخذ ذلك من نفسه الحي، فإذا مات انقطع الْأُمر، ويصير جميع بدنه إلى البلاء، إلاَّ عجب الذنب الذي استثناه الرسول ﷺ» اهـ.
[ ٥ / ٣٦٦ ]
قُلْتُ: أثر سعد بن مالك رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٢٣٥) ولا أعلم لأبي قلابة سماعًا من سعد بن مالك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٢):
«وجملته أنَّ شارب الميت إن كان طويلًا استحب قصه.
وهذا قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق.
وَقَالَ أبو حنيفة، ومالك: لا يؤخذ من الميت شيء لأنَّه قطع شيء منه فلم يستحب، كالختان.
واختلف أصحاب الشافعي كالقولين» اهـ.
وَقَالَ (٥/ ٣٢ - ٣٣):
«فصل: فأمَّا الأظفار إذا طالت ففيها روايتان: إحداهما، لا تقلم.
قال أحمد: لا تقلم أظفاره، وينقى وسخها. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله: والخلال يستعمل إن احتيج إليه.
والخلال يزال به ما تحت الأظفار؛ لأنَّ الظفر لا يظهر كظهور الشارب، فلا حاجة إلى قصه.
والثانية، يقص إذا كان فاحشًا. نص عليه؛ لأنَّه من السنة، ولا مضرة فيه، فيشرع أخذه كالشارب.
ويمكن أن تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة.
وأمَّا العانة فظاهر كلام الخرقي أنَّها لا تؤخذ؛ لتركه ذكرها.
[ ٥ / ٣٦٧ ]
وهو قول ابن سيرين، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنَّه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة، ولمسها، وهتك الميت، وذلك محرم لا يفعل لغير واجب، ولأنَّ العورة مستورة يستغنى بسترها عن إزالتها.
وروي عن أحمد أنَّ أخذها مسنون. وهو قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق؛ لأنَّ سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت. ولأنَّه شعر إزالته من السنة، فأشبه الشارب. والأول أولى.
ويفارق الشارب العانة؛ لأنَّه ظاهر يتفاحش لرؤيته، ولا يحتاج في أخذه إلى كشف العورة ولا مسها.
فإذا قلنا بأخذها، فإنَّ حنبلًا روى أنَّ أحمد سئل ترى أن تستعمل النورة؟ قال: الموسى، أو مقراض يؤخذ به الشعر من عانته.
وَقَالَ القاضي: تزال بالنورة؛ لأنَّه أسهل، ولا يمسها.
ووجه قول أحمد أنَّه فعل سعد، والنورة لا يؤمن أن تتلف جلد الميت» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٣٣):
«فصل: فأمَّا الختان فلا يشرع؛ لأنَّه إبانة جزء من أعضائه. وهذا قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن بعض الناس أنَّه يختن. حكاه الْإِمَام أحمد. والأول أولى؛ لما ذكرناه.
ولا يحلق رأس الميت؛ لأنَّه ليس من السنة في الحياة، وإنَّما يراد لزينة أو نسك، ولا يطلب شيء من ذلك هاهنا» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٧٨ - ١٨٣):
[ ٥ / ٣٦٨ ]
«فِي قَلْمِ أَظْفَارِ الْمَيِّتِ وَأَخْذِ شَعْرِ شَارِبِهِ وَإِبْطِهِ وَعَانَتِهِ قَوْلَانِ: الْجَدِيدُ أَنَّهَا تُفْعَلُ، وَالْقَدِيمُ: لَا تُفْعَلُ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَالْكَرَاهَةِ.
أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ، وَالثَّانِي: يُكْرَهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبِ الْحَاوِي وَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَالْخُلَاصَةِ وَصَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَالرُّويَانِيِّ فِي الْحِلْيَةِ وَآخَرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ.
قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: الْقَوْلُ الْجَدِيدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَتَرْكُهُ مَكْرُوهٌ وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ بِاسْتِحْبَابِهِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا:
أحد هما: يُكْرَهُ.
وَالثَّانِي: لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ قَطْعًا وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فَإِنَّهُ قَالَ مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ أَخْذَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تُسْتَحَبُّ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْكَرَاهَةِ فَمَرْدُودٌ بِمَا قَدَّمْته مِنْ إثْبَاتِ الْخِلَافِ فِي الِاسْتِحْبَابِ مَعَ جَزْمِ مَنْ جَزَمَ وَعَجَبٌ قَوْلُهُ هَذَا مَعَ شُهْرَةِ هَذِهِ الْكُتُبِ لَا سيما الوسيط والمهذب والتنبيه.
وأمَّا الأصح من القولين فصحح الْمَحَامِلِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَقَطَعَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُقْنِعِ وَصَحَّحَ غَيْرُهُ الْكَرَاهَةَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ مِنْهَا الْأُمُّ وَمُخْتَصَرُ الْجَنَائِزِ وَالْقَدِيمُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ مِنْ
[ ٥ / ٣٦٩ ]
أَصْحَابِنَا مَنْ رَأَى حَلْقَ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَرْكُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ هَذَا نَصُّهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ تركه ولم يصرح الشافعي في شيء مِنْ كُتُبِهِ بِاسْتِحْبَابِهِ جَزْمًا إنَّمَا حَكَى اخْتِلَافَ شُيُوخِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ وَتَرَكَهُ وَاخْتَارَ هُوَ تَرْكَهُ فَمَذْهَبُهُ تَرْكُهُ وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ فَيَتَعَيَّنُ تَرْجِيحُ تَرْكِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأُمِّ وَيَتَتَبَّعُ الْغَاسِلُ مَا تَحْتَ أَظَافِيرِ الْمَيِّتِ بِعُودٍ حَتَّى يُخْرِجَ الْوَسَخَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا تَفْرِيعٌ مِنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَتْرُكُ أَظَافِيرَهُ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا تُزَالُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْعُودِ فَحَصَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَوْ الصَّوَابَ تَرْكُ هَذِهِ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الميت محترمة فلا تنهتك بِهَذَا وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ ﵃ فِي هذا شيء فَكُرِهَ فِعْلُهُ وَإِذَا جُمِعَ الطَّرِيقَانِ حَصَلَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْمُخْتَارُ: يُكْرَهُ.
وَالثَّانِي: لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
وَالثَّالِثُ: يُسْتَحَبُّ وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حنبل واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُمْهُورُ وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا تُزَالُ هَذِهِ الشُّعُورُ فَلِلْغَاسِلِ أَنْ يَأْخُذَ شَعْرَ الإبط وَالْعَانَةِ بِالْمِقَصِّ أَوْ الْمُوسَى أَوْ النُّورَةِ فَإِنْ نَوَّرَهُ غَسَلَ مَوْضِعَ النُّورَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ النُّورَةُ فِي الْعَانَةِ لِئَلَّا يَنْظُرَ إلَى عَوْرَتِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ النُّورَةُ في العانة والابط جميعا وبه حزم صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمَذْهَبُ التَّخْيِيرُ كَمَا سَبَقَ لَكِنْ لَا يَمَسُّ وَلَا يَنْظُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ إلَّا قَدْرَ الضَّرُورَةِ وَأَمَّا الشَّارِبُ فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا قُلْنَا يُزَالُ
[ ٥ / ٣٧٠ ]
أَزَالَهُ بِالْمِقَصِّ كَمَا يُزِيلُهُ فِي الْحَيَاةِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ حَفُّ الشَّارِبِ فِي حَقِّ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ جَمِيعًا وَلَكِنْ يَقُصُّهُ بِحَيْثُ لَا تَنْكَشِفُ شَفَتُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَفُّ شَارِبِهِ فَمُرَادُهُ قَصُّهُ لَا حَقِيقَةُ الْحَفِّ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا يُزِيلُ هَذِهِ الشُّعُورَ وَالْأَظْفَارَ اُسْتُحِبَّ إزَالَتُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي أَوَّلِ بَابِ غُسْلِ الْمَيِّتِ يَفْعَلُهَا قَبْلَ غُسْلِهِ قَالَ وَقَدْ أَخَلَّ الْمُزَنِيّ بِالتَّرْتِيبِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ الْغُسْلِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهُ قَبْلَهُ قُلْت وَكَذَا عَمِلَ الْمُصَنِّفُ وجمهور الْأَصْحَابِ ذَكَرُوهُ بَعْدَ الْغُسْلِ وَكَأَنَّهُمْ تَأَسَّوْا بِالْمُزَنِيِّ ﵀ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ فِي اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهِ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى تَقْدِيمِهِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا وَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَلَّمَهَا وَأَمَّا شَعْرُ الرَّأْسِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَحْلِقُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ إنْ كَانَ لا يعتاد حلق رأسه بأن كان ذاجمة وَهِيَ الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ الَّذِي نَزَلَ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ لَمْ يُحْلَقْ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُ حَلْقَهُ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا يحلق.
والثاني: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَظْفَارِ وَالشَّارِبِ وَالْإِبْطِ وَالْعَانَةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْته بَيْنَ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَكَلَامُ
الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا خِتَانُ مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يخنن فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لَا يُخْتَنُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهِ قَوْلَانِ كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ.
وَالثَّالِثُ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ الصَّحِيحُ لَا يُخْتَنُ.
وَالثَّانِي:
[ ٥ / ٣٧١ ]
يُخْتَنُ.
وَالثَّالِثُ: يُخْتَنُ الْبَالِغُ دُونَ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْبَالِغِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالصَّحِيحُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يُخْتَنُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ جُزْءٌ فَلَمْ يُقْطَعْ كَيَدِهِ الْمُسْتَحِقَّةِ فِي قَطْعِ سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تُقْطَعُ وَيُخَالِفُ الشَّعْرَ وَالظُّفْرَ فَإِنَّهُمَا يُزَالَانِ فِي الْحَيَاةِ للزينة والميت بشارك الْحَيَّ فِي ذَلِكَ وَالْخِتَانُ يُفْعَلُ لِلتَّكْلِيفِ بِهِ وَقَدْ زَالَ بِالْمَوْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: ترك ذلك هو الأظهر عندي لعدم مجيء حديث بذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولم أقف على ما يعتمد عليه من أفعال صحابة النبي ﷺ.
* * *
[ ٥ / ٣٧٢ ]
١٥٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ. وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ. فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"».
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ».
قوله: «فَوَقَصَتْهُ». الوقص: كسر العنق، والمعنى أنَّه سقط فانكسر عنقه بسبب السقوط، أو أنَّه سقط فوطأت الناقة على رقبته فانكسرت.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب تغسيل الميت وإن مات محرمًا.
٢ - استعمال السدر في تغسيل الميت.
٣ - وفيه مشروعية الاقتصار على الثوبين في تكفين الميت.
٤ - وفيه أنَّ المحرم إذا مات لا يطيب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٦١):
«واختلف العلماء كيف يكفن المحرم، فقال الشافعي، وأحمد بن حنبل: يكفن المحرم، ولا يغطى رأسه، ولا يقرب طيبًا، لأنَّ حكم إحرامه باق. وهو قول علي، وابن عباس على ظاهر هذا الحديث. وَقَالَ مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي: يفعل بالمحرم ما يفعل بالحلال. وهو قول عثمان، وعائشة، وابن عمر» اهـ.
[ ٥ / ٣٧٣ ]
قُلْتُ: الصحيح بقاء الإحرام كما يدل عليه هذا الحديث، ويدل عليه أيضًا ما رواه مسلم (٢٨٧٨) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».
٥ - وفيه أنَّ المحرم يبعث يوم القيامة ملبيًا.
٦ - ويفهم من قوله: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ». أنَّ غير المحرم يستعمل له الحنوط. والحنوط أخلاط من الطيب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٩٣):
«مسألة؛ قال: "ويجعل الذريرة في مفاصله، ويجعل الطيب في مواضع السجود والمغابن، ويفعل به كما يفعل بالعروس".
الذريرة هي الطيب المسحوق، ويستحب أن يجعل في مفاصل الميت ومغابنه، وهي المواضع التي تنثني من الإنسان، كطي الركبتين، وتحت الإبطين، وأصول الفخذين؛ لأنَّها مواضع الوسخ، ويتبع بإزالة الوسخ والدرن منها من الحي، ويتبع بالطيب من المسك والكافور مواضع السجود؛ لأنَّها أعضاء شريفة، ويفعل به كما يفعل بالعروس؛ لأنَّه يروى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم".
وكان ابن عمر يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك.
قال أحمد يخلط الكافور بالذريرة.
وقيل له: يذر المسك على الميت أو يطلى به؟ قال: لا يبالي، قد روي عن ابن عمر أنَّه ذر عليه، وروي عنه أنَّه مسحه بالمسك مسحًا، وابن سيرين طلى إنسانًا بالمسك من قرنه إلى قدمه.
[ ٥ / ٣٧٤ ]
وَقَالَ إبراهيم النخعي: يوضع الحنوط على أعظم السجود، الجبهة، والراحتين، والركبتين، وصدور القدمين» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٥/ ٢٠٥):
«هذا الحديث غريب، لا أعلم من خرجه بعد البحث عنه، وذكره الغزالي في "وسيطه" بلفظ آخر: "افعلوا بموتاكم ما تفعلون بأحيائكم" ولا يحضرني من خرج الآخر، وَقَالَ ابن الصلاح في كلامه على "الوسيط": بحثت عنه فلم أجده ثابتًا. وَقَالَ الحافظ أبو شامة المقدسي في كتاب "السواك": وما يتعلق به هذا الحديث مذكور في كثير من كتب الفقه، وهو غير معروف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ في [الْسِّلْسِلَةِ الْضَّعِيْفَةِ] (١٤/ ٢٦٧) (٦٦١١): «لا أصل له» اهـ.
قُلْتُ: ويستحب تجمير ثياب الميت بالعود ونحوه.
فقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٢٢٤) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا قَالَتْ عِنْدَ مَوْتِهَا: «إِذَا أَنَا مِتُّ، فَاغْسِلُونِي، وَكَفِّنُونِي، وَأَجْمِرُوا ثِيَابِي».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وأسماء هي بنت أبي بكر الصديق ﵄.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٣٠) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَهْلِهَا: «أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا مِتُّ، ثُمَّ حَنِّطُونِي، وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ».
[ ٥ / ٣٧٥ ]
قُلْتُ: لم يذكر مالك في روايته عن هشام الواسطة بينه وبين أسماء وقد ذكر ذلك عبدة بن سليمان وهو من الثقات الأثبات فزيادته زيادة ثقة مقبولة. والله أعلم.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦١٥٢) عَنْ مَعْمَرٍ، أَوِ ابْنِ جُرَيْجٍ - الشَّكُّ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ - عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَهْلِهَا: «أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا أَنَا مِتُّ، ثُمَّ كَفِّنُونِي، ثُمَّ حَنِّطُونِي، وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٨٣):
«ولأنَّ هذا عادة الحي عند غسله، وتجمير ثيابه، أن يجمر بالطيب والعود، فكذلك الميت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٩٧):
«يستحب تبخير الكفن إلَّا في حق المحرم والمحرمة قال أصحابنا صفة ذلك أن يجعل الكفن علي عود وغيره ثم يبخر كما يبخر ثياب الحي حتى تعبق بها رائحة الطيب قال أصحابنا ويستحب أن يكون الطيب عودًا وكون العود غير مطيب بالمسك فإن كان مطيبًا به جاز ويستحب تطييبه ثلاثًا للحديث» اهـ.
قُلْتُ: يعني ما رواه أحمد (١٤٥٨٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وأبو سفيان هو طلحة بن نافع اختلف العلماء في سماعه من جابر فمنهم من أثبت له السماع مطلقًا، ومنهم من قال: سمع من جابر أربعة أحاديث.
[ ٥ / ٣٧٦ ]
قُلْتُ: وهو وإن لم يثبت له السماع فيما سوى الأربعة الأحاديث فقد أخذها من صحيفة سليمان اليشكري التي كتبها من أحاديث جابر وهي وجادة صحيحة.
٧ - وفيه أنَّ من مات محرمًا لا يُكمَّل له ما بقي من حجه ولا يناب عنه من يكمل له النسك لأنَّه يبعث يوم القيامة محرمًا.
٨ - وفي قوله: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ». يدل على أنَّ الكفن يكون من رأس المال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ٨٨):
«ويدل على أنَّ الكفن من رأس المال لأنَّه بدأ فأمر أن يكفن في ثوبيه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ١٨٨):
«ويجب ذلك في ماله للخبر ويقدم علي الدين كما تقدم كسوة المفلس علي ديون غرماءه» اهـ.
وَقَالَ (٥/ ١٨٩): «تكفين الميت وسائر مؤنة تجهيزه يحسب من رأس ماله سواء كان موسرًا أو غيره هذا مذهبنا وبه قال الفقهاء كافة إلَّا ما سأذكره قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الكفن من رأس المال سواء كان موسرًا أو غيره هذا مذهبنا وبه قال الفقهاء كافة إلَّا ما سأذكره عند أكثر العلماء ممن قاله ابن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن وعمرو بن دينار وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحق ومحمد بن الحسن وبه نقول وَقَالَ خلاس بن عمرو وبكسر الخاء من ثلث التركة وَقَالَ طاووس إن كان المال قليلًا فمن الثلث وإلَّا فمن رأس المال» اهـ.
٩ - ويدل على تكفين الميت بثياب إحرامه.
[ ٥ / ٣٧٧ ]
وقد جاء عند النسائي (١٩٠٤)، أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ صَحِيْحٌ، ويونس وثقه النسائي.
١٠ - ويدل على جواز تكفين الميت بالثوب الملبوس.
١١ - وفيه أنَّ الإحرام لا ينقطع بالموت خلافًا للحنفية والمالكية.
١٢ - وفيه جواز استعمال المحرم للسدر عند اغتساله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٧٦):
«وقوله ﷺ: "واغسلوه بماء وسدر" دليل على استحباب السدر في غسل الميت، وأنَّ المحرم في ذلك كغيره، وهذا مذهبنا، وبه قال طاووس وعطاء ومجاهد وابن المنذر وآخرون، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون» اهـ.
١٣ - وفيه النهي عن تغطية رأس ووجه الميت إذا مات محرمًا.
١٤ - ويؤخذ منه منع المحرم وإن كان حيًا عن تغطية الوجه والرأس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٧٦):
«وقوله ﷺ: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" أمَّا تخمير الرأس في حق المحرم الحي فمجمع على تحريمه وأمَّا وجهه فقال مالك وأبو حنيفة هو كرأسه وَقَالَ الشافعي والجمهور لا إحرام في وجهه بل له تغطيته وإنَّما يجب كشف
[ ٥ / ٣٧٨ ]
الوجه في حق المرأة هذا حكم المحرم الحي وأمَّا الميت فمذهب الشافعي وموافقيه أنَّه يحرم تغطية رأسه كما سبق ولا يحرم تغطية وجهه بل يبقى كما كان في الحياة ويتأول هذا الحديث على أنَّ النهي عن تغطية وجهه ليس لكونه وجهًا إنَّما هو صيانة للرأس فإنَّهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه ولا بد من تأويله لأنَّ مالكًا وأبا حنيفة وموافقيهما يقولون: لا يمنع من ستر رأس الميت ووجهه، والشافعي وموافقوه يقولون: يباح ستر الوجه فتعين تأويل الحديث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٧٥):
«فصل: وفي تغطية المحرم وجهه روايتان: إحداهما، يباح. روي ذلك عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، والقاسم، وطاووس، والثوري، والشافعي.
والثانية، لا يباح. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الوارد بتغطية الوجه رواه مسلم (١٢٠٦) فقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي».
وقد تابع إسرائيل في ذلك زائدة بن قدامة عند الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٥٢٧)
قُلْتُ: وفي الإسناد انقطاع بين منصور وسعيد فقد رواه جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: وَقَصَتْ
[ ٥ / ٣٧٩ ]
بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ». رواه البخاري (١٨٣٩).
وقد تابع جريرًا عمرو بن أبي قيس، وشيبان بن عبد الرحمن التميمي عند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣١١٧).
قُلْتُ: وقد خالف جريرٌ ومن معه إسرائيلَ وزائدة في موضعين:
الموضع الأول: أنَّه ذكر الحكم بن عتيبة بين منصور وسعيد.
الموضع الآخر: أنَّه ذكر في حديثه تغطية الوجه لا الرأس.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٣٩٣):
«رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة وهذا هو الصحيح منصور عن الحكم عن سعيد وفي متنه ولا تغطوا رأسه ورواية الجماعة في الرأس وحده وذكر الوجه فيه غريب ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير فذكر الوجه على شك منه في متنه ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَّارَقُطْنِي ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ وَالْتَتَبُعِ] (ص: ٣٣٨):
«وأخرج مسلم عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قصة المحرم الذي وقصة بعيره.
وإنَّما سمعه منصور من الحكم وأخرجه البخاري عن قتيبة عن جرير عن منصور عن الحكم عن سعيد. وهو الصواب. وقيل: عن منصور عن سلمة ولا يصح» اهـ.
[ ٥ / ٣٨٠ ]
وَقَالَ الْحَاكِمُ ﵀ فِي [الْمَعْرِفَةِ] (ص: ١٤٨):
«ذِكْرُ الْوَجْهِ تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ لِإِجْمَاعِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ» اهـ.
قُلْتُ: والحديث جاء في الصحيحين وغيرهما بذكر تخمير الرأس لا الوجه.
وقد رواه جماعة من الثقات كذلك عن سعيد بن جبير ولم يذكروا تغطية الوجه منهم:
١ - أيوب السختياني وحديثه رواه البخاري (١٢٦٥، ١٢٦٦، ١٢٦٨، ١٨٥٠).
٢ - وجعفر بن أبي وحشية أبو بشر وحديثه رواه البخاري (١٢٦٧، ١٨٥١).
واختلف فيه عليه فرواه شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْعَصَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ خَارِجًا رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». رواه النسائي (٢٧١٣، ٢٨٥٤).
وخالف شعبة أبو عوانة، وهشيم وحديثهما في البخاري، فلم يذكرا في حديثهما تخمير الوجه.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ شعبة أخطأ في هذا الحديث وقد كان يرويه قديمًا على الصواب فقد روى النسائي (٢٨٥٤) وفي [الْكُبْرَى] (٣٨٣٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، وَاسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ
[ ٥ / ٣٨١ ]
فِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مُحْرِمًا صُرِعَ عَنْ نَاقَتِهِ، فَأُوقِصَ ذُكِرَ أَنَّهُ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ ثُمَّ» قَالَ عَلَى إِثْرِهِ: خَارِجَ رَأْسِهِ " قَالَ: «وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَجَاءَ بِالْحَدِيثِ كَمَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ».
٣ - وعمرو بن دينار المكي وحديثه في البخاري (١٢٦٨، ١٨٤٩)، ومسلم (١٢٠٦).
وقد اختلف فيه على سفيان وهو ابن عيينة فرواه مسلم (١٢٠٦) فقال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
وتابع وكيعًا أبو داود الحفري روى حديثه النسائي (٢٧١٤)، ومحمد بن يوسف الفريابي وقد روى حديثه أبو عوانة في [مُسْنَدِه] (٣١٠٤).
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ولم يذكر تغطية الوجه. رواه مسلم (١٢٠٦).
وتابعه على بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٤٢٩)، وأحمد بن شيبان عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٩٧٨)، وعند أبي عوانه في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٣)، وأحمد بن عبدة عند البزار (٤٩٨٠)، ويونس بن عبد
[ ٥ / ٣٨٢ ]
الأعلى عند الْدَارَقُطْنِي (٢٧٧١)، وعند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٥٦)، وعند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٣)، والشافعي في [الْمُسْنَد] (٥٦٨)، ورواه أيضًا البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢١٥٠)، وعند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٥٧)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٨٨٦)، وإسحاق بن منصور عند ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٠٦)، ومحمد بن كثير عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٠)، وعبد الله بن الزبير الحميدي في [مُسْنَدِه] (٤٩٤)، وعند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٤، ٣٠٩٥)، وعلي بن المديني عند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٩).
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٥/ ٥٣):
«ورواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع دون ذكر الوجه فيه وكذلك رواه محمد بن كثير وعبد الله بن الوليد العدني عن سفيان دون ذكر الوجه» اهـ.
واختلف فيه على عمرو بن دينار فرواه عبد الله بن علي الأزرق عنه بذكر تخمير الوجه أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦١)، وتابعه أشعث بن سوار أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٣)، وأبان بن صالح بن عمير عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٥)، وابن أبي ليلى عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٤)، وأبو مريم عبد الغفار بن القاسم أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٨)، وعمر بن عامر السلمي عند الْدَارَقُطْنِي (٢٧٦٩)، وعند ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٩٨٤)، وقيس بن سعد المكي رواه محمد بن بشر في [الْفَوَائِد] (١١١)
[ ٥ / ٣٨٣ ]
وخالفهم ثقات أصحاب عمرو بن دينار كحماد بن زيد وحديثه في الصحيحين. وعبد الملك بن جريج وحديثه في مسلم (١٢٠٦)، ومحمد بن يحيى بن أبى عمر العدني عند الترمذي (٩٥١)، وأبان بن يزيد العطار أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٢)، وعمرو بن الحارث أخرج حديثه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٦٦)، والمثنى بن الصباح أخرج حديثه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٦٨٢٧)، وسليم بن حيان عند الطبراني في [الْصَّغِيْرِ] (١٠٠٤).
٤ - وعبد الكريم الجزري في الصحيح من روايته.
وقد رواه الطبراني [الْكَبِيْر] (١٢٥٣٨) من طريق قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنْ يُكَفَّنَ وَيُغَسَّلَ، وَلَا يُخَمَّرَ وَجْهُهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي - أَوْ قَالَ: يُهِلُّ -».
ورواه أحمد (٣٠٧٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا خَرَّ عَنْ بَعِيرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَقَصَهُ أَوْ أَقْصَعَهُ - شَكَّ أَيُّوبُ -، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
ورواه (٣٠٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا خَرَّ عَنْ بَعِيرٍ نَادٍّ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوُقِصَ وَقْصًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَيُّوبَ.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
ورواه [الْكَبِيْر] (١٢٥٣٩) حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، ثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي صَرَعَهُ بَعِيرُهُ، فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلَا تُحَنِّطْهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
قُلْتُ: الصحيح رواية معمر.
٥ - وسالم بن عجلان الأفطس أخرج حديثه الطبراني في [الْصَّغِيْرِ] (٢١٥)
٦ - وإبراهيم بن أبي حرة النصيبي عند أبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣٠٩٥).
ورواه مسلم (١٢٠٦) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَقَصَتْ رَجُلًا رَاحِلَتُهُ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، «فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ - حَسِبْتُهُ قَالَ - وَرَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يُهِلُّ».
وتابع أبا الزبير مطر الوراق عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٣٧٦)، وأبي عوانة في [مُسْنَدِه] (٣١١٣).
قُلْتُ: فالذي يظهر لي أنَّ ذكر تخمير الوجه لا يثبت في الحديث، وأنَّ المحفوظ في الحديث النهي عن تخمير الرأس. والله أعلم.
* * *
[ ٥ / ٣٨٥ ]
١٥٨ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - نهي النساء عن اتباع الجنائز.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (٩/ ٢٢٠):
«واختلفوا في اتباع النساء الجنائز، فممن روينا عنه أنَّه كره اتباعهن الجنائز ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وأبو أمامة، وكره ذلك مسروق، والحسن، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وكان الأوزاعي يرى منع النساء الخروج مع الجنائز وقد ذكر عن عبد الجبار بن عمر أنَّه كان في جنازة مع أبي الزناد، وربيعة، ومعهم فيها نساء قال: فلم أرهما ينكران شهود النساء الجنائز يومئذ، وحكي عن الزهري أنَّه لم ينكر ذلك، وروي عن الحسن البصري أنَّه كان لا يرى بأسًا أن تصلي النساء على الجنازة، وهنَّ على الدواب من غير علة وكان مالك لا يرى بذلك بأسًا، وكره ذلك لنسائه قال أبو بكر: أمَّا الذين كرهوا حضور النساء الجنائز فلعل من حجتهم حديث أم عطية بل قد احتج به بعضهم» اهـ.
قُلْتُ: واحتج من أجاز لهنَّ ذلك بما رواه أحمد (٩٧٢٩)، وابن ماجه (١٥٨٧)
مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ،
[ ٥ / ٣٨٦ ]
فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً، فَصَاحَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهَا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ حَدِيثٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرَهُ الصِّحَةِ. لكن رواه النسائي (١٨٥٩)، مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ».
قُلْتُ: خالف محمدُ بن عمرو بن حلحلة وهبَ بن كيسان في موضعين:
الموضع الأول: في ذكره لسلمة بن الأزرق بين محمد بن عمرو بن عطاء وأبي هريرة.
والموضع الآخر: في متن الحديث فليس في حديث محمد بن عمرو بن حلحلة ذكر للمرأة التي في الجنازة.
قُلْتُ: وسلمة بن الأزرق لا يعرف حاله.
وقد اختلف في متن الحديث على إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو بن حلحلة به.
فرواه عنه علي بن حجر كما مرَّ، وخالفه سليمان بن داود القرشي فرواه عنه من غير ذكر للمرأة التي في الجنازة. وحديثه رواه أحمد (٥٨٨٩).
[ ٥ / ٣٨٧ ]
واختلف فيه على هشام فرواه وكيع عنه كما سبق وتابعه على ذلك عبدة بن سليمان وحديثه عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٤٠٦).
وخالفهما معمر فذكر في حديثه سلمة بن الأزرق بين محمد بن عمرو بن عطاء وأبي هريرة. وحديثه رواه ابن حبان (٣١٥٧).
قُلْتُ: وتابع معمرًا في ذلك عبد الرحيم بن سليمان الكناني روى حديثه أبو يعلى (٦٤٠٥).
وحماد بن سلمة وحديثه رواه وابن ماجه (١٥٨٧)، وابن جريج وحديثه عند أحمد (٧٦٧٧).
ومحمد بن عبد الله بن مالك روى حديثه البزار في [مُسْنَدِه] (٨٠٤٦) حدثنا عمر بن الخطاب، قال: حدثنا حسان بن غالب، قال: حدثنا ابن لهيعة عن محمد بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فذكره.
قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف، ومحمد بن عبد الله بن مالك لم يوثقه معتبر، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات".
وتابعهم أيضًا وهيب بن خالد روى حديثه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٢٦٣)، وأحمد (٩٢٨٢).
ورواه البزار (٨٠٤٧) وحدثنا عمر، قال: حدثنا حسان بن غالب، قال: حدثنا الليث، يعني ابن سعد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رسول الله ﷺ بمثله.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
وهذا الحديث رواه غير واحد عن هشام بن عروة، عن محمد بن عمرو عن سلمة بن الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وأظن الليث أخطأ في إسناده، ولا نعلم أحدًا تابع الليث على روايته اهـ.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦٩٧٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَبْصَرَ امْرَأَةً تَبْكِي عَلَى مَيِّتٍ، فَنَهَاهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعْهَا، يَا أَبَا حَفْصٍ، فَإِنَّ النَّفْسَ مُصَابَةٌ وَالْعَيْنَ بَاكِيَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ».
قُلْتُ: وهذا وهم من ابن عجلان والصحيح رواية هشام بن عروة.
وهناك اختلافات أخرى كما سيأتي في كلام الحافظ الْدَارَقُطْنِي ﵀
فقد سئل ﵀ عن هذا الحديث فقال في [الْعِلَلِ] (١١/ ٢٠ - ٢٣):
«يرويه وهب بن كيسان، وإبراهيم، واختلف عنه؛ فرواه هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، واختلف عنه؛ فرواه عثمان بن مكتل، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وحسان بن إبراهيم، ومحمد بن سعيد الْأُموي أخو يحيى، وهو أكبر منه. قال الشيخ: هم جماعة، محمد بن سعيد، ويحيى، وعبد الله، وعبيد الله، أربعة إخوة ثقات، والليث بن سعد، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وأبو أسامة، وإسماعيل بن عياش، وابن هشام بن عروة، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
وخالفهم عبد الله بن إدريس، فرواه عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عمرو الأزرق، إنما هو سلمة بن عمرو.
ورواه وكيع، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأسقط من الإسناد سلمة بن الأزرق.
وقاله عن وكيع، أحمد بن حنبل، وهارون بن إسحاق، ويوسف القطان، وعمرو بن عبد الله الأودي، وغيرهم، وخالفهم محمد بن شجاع الثلجي، عن وكيع، قال: عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ووهم في ذلك.
ورواه يزيد بن هارون، عن شيخ له لم يسمه، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأسقط من الإسناد رجلين.
ورواه يزيد بن سنان، عن هشام، عن عروة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ووهم في قوله عن عروة.
وأرسله حماد بن أبي سليمان، عن هشام بن عروة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
والصحيح عن هشام قول عثمان بن مكتل، وابن جريج، ومن تابعهما.
ورواه محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة الأزرق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كما قال ابن جريج ومن تابعه عن هشام.
ورواه محمد بن عمرو بن حلحلة، وابن عجلان، عن وهب بن كيسان، واختلف عنه؛
فقال ابن عيينة عن ابن عجلان، عن وهب بن كيسان، عمن سمع أبا هريرة.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
وَقَالَ داود العطار عن ابن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، لم يذكر بينهما أحدًا» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح في الحديث أنَّه دائر على سلمة بن الأزرق وهو مجهول الحال وهذه هي علة الحديث. والله أعلم.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (٦٥٧٤، ٧٠٨٢)، والنسائي (١٨٨٠) مِنْ طَرِيْقِ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ لَا نَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا الطَّرِيقَ، وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵂، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ يَا فَاطِمَةُ؟» قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ وَعَزَّيْتُهُمْ، فَقَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى؟» قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ قَالَ: «لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه ربيعة بن سيف الراجح فيه الضعف.
٢ - وقد احتج به من قال أنَّ زيارة النساء للقبور مكروه ولا يحرم وهو إحدى الروايات عن أحمد.
وأجيب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنَّ الحديث فيه نهي النبي ﷺ للنساء عن اتباع الجنائز والأصل في النهي التحريم، وأمَّا قول أم عطية: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا». فهو فهم منها والأصل ما روت لا ما رأت.
[ ٥ / ٣٩١ ]
الجواب الآخر: أنَّ الحديث وارد عن اتباع الجنائز لا في زيارة القبور، والمنهي عنه نهي تحريم إنَّما هو زيارة القبور.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨): «بل إذا رخص للمرأة في الزيارة كان ذلك مظنة تكرير ذلك فتعظم فيه المفسدة ويتجدد الجزع والأذى للميت فكان ذلك مظنة قصد الرجال لهن والافتتان بهن كما هو الواقع في كثير من الْأمصار فإنَّه يقع بسبب زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع شيء منه عند اتباع الجنائز. وهذا كله يبين أنَّ جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأنَّ نهي الاتباع إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم وذلك أنَّ نهي المرأة عن الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع كما يتعذر تسكينهن لفرط الجزع أيضًا فإذا خفف هذه القوة المقتضي لم يلزم تخفيف ما لا يقوى المقتضى فيه. وإذا عفا الله تعالى للعبد عمَّا لا يمكن تركه إلَّا بمشقة عظيمة لم يلزم أن يعفو له عما يمكنه تركه بدون هذه المشقة الواجبة» اهـ.
قُلْتُ: وذهب آخرون إلى أنَّ زيارة النساء للقبور مباحة غير مكروهة، وهي رواية عن أحمد وقد احتج هؤلاء بأدلة:
الدليل الأول: ما رواه مسلم (٩٧٧) عن بريدة قال، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا».
ومثله ما رواه مسلم (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
[ ٥ / ٣٩٢ ]
قالوا: وهذا الخطاب يتناول النساء بعمومه بل هنَّ المراد به، فإنَّه إنَّما علم نهيه عن زيارتها للنساء، دون الرجال، وهذا صريح في النسخ، لأنَّه قد صرح فيه تقدم النهي، ولا ريب في أنَّ المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها، والنساء قد نهين عنها فيتناولهنَّ الإذن.
قالوا: ومما يدل على دخول النساء في هذا ما رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٩٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٩٩٩) أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنبأ أَبُو الْمُثَنَّى مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثنا بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْمَقَابِرِ فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: "مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ" فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ "نَعَمْ كَانَ نَهَى ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا"».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى الترمذي (١٠٥٥) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِحُبْشِيٍّ قَالَ: فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ، فَدُفِنَ فِيهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ:
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا،
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا،
[ ٥ / ٣٩٣ ]
ثُمَّ قَالَتْ: «وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ».
قُلْتُ: ابن جريج مدلس وقد عنعن.
وأجيب: بأنَّ قوله ﷺ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ" إنَّما هو صيغة خطاب للذكور، والإناث وإن دخلن فيه تغليبًا فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ النهي إنَّما كان للنساء خاصة فغير صحيح لأنَّ قوله: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ" خطاب للذكور أصلًا ووضعًا فلا بد وأن يتناولهم وحدهم ولو كان النهي إنَّما كان للنساء خاصة لقال: كنت نهيتكن ولم يقل نهيتكم بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور صيانة لجانب التوحيد وقطعًا للتعلق بالْأُموات وسدًا لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء فأذن حينئذ فيها فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة.
وأمَّا النساء فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الْأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلَّا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل يسيرة تحصل لهن بالزيارة والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به فمنعهن من الزيارة من
[ ٥ / ٣٩٤ ]
محاسن الشريعة. ذكر ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
وَقَالَ ﵀ في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١١٠):
«قالوا: وأمَّا حديث عائشة: فالمحفوظ فيه حديث الترمذي مع ما فيه وعائشة إنَّما قدمت مكة للحج، فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه، وهذا لا بأس به، إنَّما الكلام في قصدهن الخروج لزيارة القبور. ولو قدر أنَّها عدلت إليه وقصدت زيارته، فهي قد قالت: "لو شهدتك لما زرتك". وهذا يدل على أنَّه من المستقر المعلوم عندها: أنَّ النساء لا يشرع لهن زيارة القبور، وإلَّا لم يكن في قولها ذلك معنى. وأمَّا رواية البيهقي، وقولها: "نهى عنها ثم أمر بزيارتها" فهي من رواية بسطام بن مسلم ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء، والحجة في قول المعصوم، لا في تأويل الراوي، وتأويله إنَّما يكون مقبولًا، حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا قد عارضه أحاديث المنع» اهـ.
وَقَالَ شيخه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٤٤):
«والصحيح أنَّ النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:
أحدها: أنَّ قوله ﷺ "فزوروها" صيغة تذكير وصيغة التذكير إنَّما تتناول الرجال بالوضع وقد تتناول النساء أيضًا على سبيل التغليب لكن هذا فيه قولان: قيل: إنَّه يحتاج إلى دليل منفصل وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل وقيل: إنه يحمل على ذلك عند الإطلاق وعلى هذا فيكون دخول
[ ٥ / ٣٩٥ ]
النساء بطريق العموم الضعيف والعام لا يعارض الأدلة الخاصة المستفيضة في نهي النساء كما سنذكره إن شاء الله تعالى بل ولا ينسخها عند جمهور العلماء وإن علم تقدم الخاص على العام.
الوجه الثاني: أن يقال: لو كان النساء داخلات في الخطاب لاستحب لهن زيارة القبور كما استحب للرجال عند الجمهور؛ لأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علل بعلة تقتضي الاستحباب وهي قوله: "فإنَّها تذكركم الآخرة" ولهذا تجوز زيارة قبور المشركين لهذه العلة كما ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه زار قبر أمه وقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنَّها تذكركم الآخرة"».
إلى أن قال ﵀ (٢٤/ ٣٤٥):
«فلو كانت زيارة القبور مأذونًا فيها للنساء لاستحب لهن كما استحب للرجال لما فيها من الْدُعَاء للمؤمنين وتذكر الموت، وما علمنا أنَّ أحدًا من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال» اهـ.
إلى أن قال ﵀ (٢٤/ ٣٤٦):
«الوجه الثالث: أن يقال: غاية ما يقال في قوله ﷺ: "فزوروا القبور" خطاب عام ومعلوم أنَّ قوله ﷺ: "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان" هو أدل على العموم من صيغة التذكير فإنَّ لفظ: "من" يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس وإن خالف فيه من لا يدري ما يقول. ولفظ "من" أبلغ صيغ العموم ثم قد علم بالأحاديث
[ ٥ / ٣٩٦ ]
الصحيحة أنَّ هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي ﷺ لهنَّ عن اتباع الجنائز سواء كان نهي تحريم أو تنزيه. فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك في ذلك بطريق الأولى وكلاهما من جنس واحد فإن تشييع الجنازة من جنس زيارة القبور. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فنهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم. وكان دليل الخطاب وموجب التعليل يقتضي أنَّ المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم، وذلك كما قال أكثر المفسرين: هو القيام بالْدُعَاء والاستغفار وهو مقصود زيارة قبور المؤمنين فإذا كان النساء لم يدخلن في عموم اتباع الجنائز مع ما في ذلك من الصلاة على الميت فلأن لا يدخلن في زيارة القبور التي غايتها دون الصلاة عليه بطريق الأولى» اهـ.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١١١):
«قالوا: وأمَّا حديث أنس فهو حجة لنا، فإنَّه لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها: النهي عن الزيارة، وَقَالَ لها: "اصبري" ومعلوم أنَّ مجيئها إلى القبر وبكاءها مناف للصبر فلما أبت أن تقبل منه،
[ ٥ / ٣٩٧ ]
ولم تعرفه انصرف عنها فلما علمت أنَّه ﷺ هو الْآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره. فأي دليل في هذا على جواز زيارة النساء؟.
وبعد فلا يعلم أنَّ هذه القضية كانت بعد لعنه ﷺ زائرات القبور؟ ونحن نقول: إمَّا أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز فعلى التقديرين: لا تعارض أحاديث المنع، ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: إنَّ النبي ﷺ رأى من هذه المرأة المنكر الذي من أجله نهى النساء عن زيارة القبور فاكتفى بإنكاره ولم يتعرض للسبب الذي هو الزيارة بالإنكار اكتفاءًا منه بإنكار الأصل، وهذا كمن رأى رجلًا يزني بامرأة في مكان خالٍ فاقتصر على إنكار الزنا فلا يقال في حقه أنَّه أقر الاختلاء بها الذي هو من أسباب الزنا، وهكذا إذا رأى رجلًا عصر خمرًا وشربه فأنكر عليه شرب الخمر فلا يقال: إنَّه قد أقره على العصر الذي هو من أسباب الشرب، وغير ذلك من الْأمثلة، وهذا الحديث من هذا القبيل. والله أعلم.
الدليل الثالث: ما رواه مسلم (٩٧٤) من حديث عائشة في إتيان النبي ﷺ لأهل البقيع واستغفاره لهم وفيه: قَالِتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».
قُلْتُ: وليس فيه ذكر لزيارة النساء للقبور وهذا الذي الذكر الذي علمه النبي ﷺ لعائشة لا يدل على الأذن بالزيارة غاية ما فيه أنَّ المرأة إذا
[ ٥ / ٣٩٨ ]
مرت بالقبور يستحب لها أن تأتي بهذا الذكر، والمرأة لا تمنع من المرور بجوار المقبرة، أو في وسطها إن كانت المقبرة في طريق سيرها ما لم تقصد الزيارة، فإذا مرت جاءت بهذا الذكر.
٣ - واحتج بحديث أم عطية أيضًا من ذهب إلى تحريم زيارة النساء للقبور. وهي رواية ثالثة عن الْإِمَام أحمد وهذا القول هو الذي نصره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وتلميذه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٤٥): «وأيضًا فإنَّ الصلاة على الجنائز أوكد من زيارة القبور ومع هذا فقد ثبت في الصحيح أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نهى النساء عن اتباع الجنائز وفي ذلك تفويت صلاتهن على الميت فإذا لم يستحب لهنَّ اتباعها لما فيها من الصلاة والثواب فكيف بالزيارة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ الْسُنَنِ] (٢/ ١١١ - ١١٢):
«وأمَّا قول أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز" فهو حجة للمنع. وقولها "ولم يعزم علينا" إنَّما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة وليس ذلك شرطًا في اقتضاء لتحريم بل مجرد النهي كاف ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ولرسوله، فاستغنين عن العزيمة عليهن، وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي. وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها وبالله التوفيق» اهـ.
[ ٥ / ٣٩٩ ]
قُلْتُ: ومما احتج به المحرمون لزيارة النساء للقبور ما رواه أحمد (٨٤٣٠، ٨٤٣٣، ٨٦٥٥)، والترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٥٦٩٥)، وابن ماجه (١٥٧٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زُوَّارَاتِ الْقُبُورِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن بهمان، وعبد الرحمن بن حسان لم يوثقهما معتبر ويشهد له ما سبق.
ورواه ابن ماجه (١٥٧٥) حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زُوَّارَاتِ الْقُبُورِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ وأبو صالح ليس هو السمان، وإنما هو مولى أم هانيء وهو ضعيف. وكلًا منهما روى عن ابن عباس وروى عنه محمد بن جحادة.
لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٣١٣):
«والجمهور على أن أبا صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٣):
«وَقَالَ مسلم في "كتاب التفصيل": هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس» اهـ.
[ ٥ / ٤٠٠ ]
قُلْتُ: ورواه أحمد (٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٦، ٣١١٨)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّد بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، يُحَدِّثُ - بَعْدَ مَا كَبِرَ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه أبو صالح وهو مولى أم هانئ ضعيف الحديث وفيه علة أخرى وهو أنَّه لم يسمع من ابن عباس كما سبق.
قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ الحديث ثابت بلفظ: "زوارات"، وأمَّا لفظ: "زائرات" فلا يثبت.
واختلف العلماء في معنى الحديث:
فقال بعضهم أنَّ النهي وارد على من أكثرن من الزيارة، وأمَّا الزيارة النادرة فمشروعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٨/ ١٠٨):
«إنَّ هذا اللعن إنَّما هو للمتكثرات من الزيارة؛ لأنَّ "زوارات" للمبالغة، ويمكن أن يقال: إنَّ النساء إنَّما يمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرج، والشهرة، والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ، وغير ذلك من المفاسد. وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات» اهـ.
[ ٥ / ٤٠١ ]
والقول الثاني: أنَّ الحديث وارد في النساء الآتي يزرن المقابر وأنَّ التضعيف في كلمة: "زوارات" باعتبار كثرة الفاعلين لا كثرة الفعل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥): «وأمَّا القائلون بالتحريم: فيقولون قد جاء بلفظ: "الزوارات" ولفظ الزوارات قد يكون لتعددهن كما يقال: فتحت الأبواب إذ لكل باب فتح يخصه ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
ومعلوم أنَّ لكل باب فتحًا واحدًا. قالوا: ولأنَّه لا ضابط في ذلك بين ما يحرم وما لا يحرم واللعن صريح في التحريم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الْقَوْلِ الْمُفِيْدِ] (١/ ٤٣٤):
«والتضعيف قد يحمل على كثرة الفاعلين لا على كثرة الفعل; فـ "زوارات" يعني: النساء إذا كن مئة كان فعلهن كثيرًا، والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية، قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾، فلما كانت الأبواب كثيرة كان فيها التضعيف; إذ الباب لا يفتح إلاَّ مرة واحدة، وأيضا قراءة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِّحَتْ﴾ ; فهي مثلها» اهـ.
القول الثالث: أنَّ زُوارات بضم الزاي فهي بمعنى زائرات، وإنمَّا تأتي للمبالغة إذا فتحت الزاي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْسِّنْدِي ﵀ في [حَاشِيَتِهِ عَلَى ابْنِ مَاجَه] (٣/ ٣٤٩):
«قال السيوطي: يضم الزاي جمع زوارة بمعنى زائرة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمنَاوِي ﵀ فِي [فَيْضِ الْقَدِيْرِ] (٥/ ٣٥٠):
[ ٥ / ٤٠٢ ]
«بالتشديد قال الجلال المحلي في "شرح المنهاج": الدائر على ألسنة الناس ضم زاي زوارات جمع زائرة سماعًا لا قياسًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ حَمَّادُ الْأَنْصَارِي ﵀ في [كَشْفِ الْسُتُورِ فِي نَهْيِّ الْنِّسَاءِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ] (٨ - ٩):
«من نصر ذلك: فعلى هذا الضبط فهي بمعنى زائرات لا للمبالغة كما ظنه كثير من طلبة العلم فصيغة المبالغة بفتح الزاي لا بضمها، كما أنَّ الصيغة الدالة على النسب بالفتح أيضًا كقوله ﷿: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وذلك معلوم عند أهل التصريف قال ابن مالك في ألفيته:
فعّال أو مِفعَال أو فعُول … بكثرة عن فاعل بديل
وَقَالَ في النسب:
ومع فاعل وفعَّال فعل … في نسب أَغنى عن اليا فقبل.
يكون معنى زوّارات القبور: ذوات زيارة القبور على أنَّ الصيغة للنسب. فاتفقت الروايتان على منع النساء من زيارة القبور مطلقًا. فعلى هذا فليس في هذه الرواية دليل على جواز زيارة النساء للقبور إن لم تتكرر، كما يقول به بعض الناس، مع أنَّ صحة رواية "زائرات" كما تقدم نص صريح في أنَّ زوّارات ليست للمبالغة. بل إمَّا أن تكون هذه الصيغة على ما تقدم من أنَّها بالضم وإمَّا أن تكون للنسب توفيقًا بين الدليلين فإنَّ الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما أو دعوى التعارض بينهما» اهـ.
قُلْتُ: ومما احتج به المحرمون لزيارة النساء.
[ ٥ / ٤٠٣ ]
ما رواه ابن ماجه (١٥٧٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ دِينَارٍ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُنَّ» قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ، قَالَ: «هَلْ تَغْسِلْنَ» قُلْنَ: لَا، قَالَ: «هَلْ تَحْمِلْنَ»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ فيه إسماعيل بن سلمان الأزرق وهو واهي الحديث، وشيخه وثقه وكيع وكذبه الخليلي.
ورواه أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (٤٠٥٦، ٤٢٨٤) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَى نِسْوَةً فَقَالَ: «أَتَحْمِلْنَهُ؟»، قَالَ: «أَتَدْفُنَّهُ؟»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: الحارث جهله أبو حاتم.
ورواه الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٢٠٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ- إِمْلاءً- حدّثنا محمّد بن عبيد الله المنادي، حَدَّثَنَا أَبُو هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تبع جَنَازَةً فَإِذَا هُوَ بِنِسْوَةٍ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِنَّ وَهُوَ يَقُولُ: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ، مُفْتِنَاتِ الأَحْيَاءِ، مُؤْذِيَاتِ الأَمْوَاتِ».
قُلْتُ: أبو هدبة هو إبراهيم بن هدبة قال فيه ابن معين: «كذاب خبيث».
[ ٥ / ٤٠٤ ]
وَقَالَ أحمد بن حنبل: «إبراهيم بن هدبة لا شيء روى أحاديث مناكير». ذكر ذلك الخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٢٠٠).
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٢/ ١٤٤): «سألت أبي عن أبي هدبة فقال: كذاب» اهـ.
وَقَالَ ابن الجوزي ﵀ في [الْضُعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِين] (١/ ٥٨):
«إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفارسي بصري يروي عن أنس قال أحمد بن حنبل: إبراهيم بن هدبة لا شيء روى أحاديث مناكير. وَقَالَ يحيى: كذاب خبيث. وكذبه علي وأبو حاتم الرازي وَقَالَ أبو عبد الرحمن النسائي والْدَارَقُطْنِي هو متروك. وَقَالَ ابن عدي: حدث بالبواطيل. وَقَالَ ابن حبان: دجال من الدجالين لا يحل لمسلم أن يكتب حديثه ولا يذكره إلا على جهة التعجب» اهـ.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٢٩٨) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُؤَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى النِّسَاءَ فَقَالَ: «أَتَحْمِلْنَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «أَفَتُدِخُلُنَّهُ فِيمَنْ يُدْخِلُهُ؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «أَفَتُحْثِينَ التُّرَابَ فِيمَنْ يَحْثُو؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وفي سنده مبهم. وأخشى أن يرجع أن يعود الإسناد إلى الحارث.
قُلْتُ: واحتجوا أيضًا بما رواه أحمد (٦٥٧٤، ٧٠٨٢)، والنسائي (١٨٨٠) مِنْ طَرِيْقِ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ لَا
[ ٥ / ٤٠٥ ]
نَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا الطَّرِيقَ، وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵂، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ يَا فَاطِمَةُ؟» قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ وَعَزَّيْتُهُمْ، فَقَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى؟» قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ قَالَ: «لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه ربيعة بن سيف الراجح فيه الضعف. وقد سبق الحديث.
قُلْتُ: وخلاصة القول في هذه المسألة أنَّ دليل المنع من زيارة النساء للقبور دليل صريح، وأدلة من أجاز ذلك ليست بصريحة فالراجح هو القول بمنع النساء من زيارة القبور. والله أعلم.
ويدخل في عموم النهي عن زيارة النساء للقبور قبر النبي ﷺ وصاحبيه على الصحيح من أقوال العلماء وبهذا أفتى جماعة من أهل العلم.
فقد جاء في [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آلَ الشَّيْخِ] (٦/ ١١٣):
«١٣٦٨ - س: زيارة النساء لقبر الرسول، والسلام عليه في القبر؟
جـ: الأصل في الأحاديث عموم النهي، فعلى القائل الدليل، ولا دليل. هذا بالنسبة إلى الزيارة.
أمَّا السلام فلا يقدر عليه، لا يتوصل الرجال ولا النساء للسلام عليه في القبر، لأنَّه لا يوصل إليه. وقيل بالمنع مطلقًا» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٣/ ٣٣٣):
[ ٥ / ٤٠٦ ]
«س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك؛ لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهيا عاما، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره والله ولي التوفيق» اهـ.
وفيه (١٧/ ٤١٩): «س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور، ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهيًا عامًا، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره. والله ولي التوفيق» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٧/ ٢٠٤):
«س ٥٧٢ سئل فضيلة الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ما الفرق بين زيارة النساء لقبر النبي ﷺ وغيره؟ وهل النهي عام أم يستثنى منه قبر النبي ﵇؟
[ ٥ / ٤٠٧ ]
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك ما يدل على تخصيص قبر النبي ﵊ بإخراجه من النهي عن زيارة القبور بالنسبة للنساء، ولهذا نرى أن زيارة المرأة لقبر الرسول ﵊ كزيارتها لأي قبر آخر، والمرأة يكفيها والحمد لله أنها تسلم على النبي ﵊ في صلاتها، وإذا سلمت فإن تسليمها يبلغ النبي ﵊ أينما كانت» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٩/ ١٠٢ - ١٠٣):
«أمَّا بالنسبة للنساء فزيارة القبور منهن عمومًا ومنها قبر النبي ﷺ منهي عنها، وليست من السنة، بل لا يجوز لهن زيارة قبره ﷺ ولا سائر القبور؛ لما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄: "أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، ولما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لعن زوارات القبور"، وَقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح.
وما ثبت من قول النبي ﷺ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" فخطاب للرجال فقط، وأذن لهم في زيارتها، لا يدخل فيه النساء لتخصيص ذلك بأحاديث لعن زائرات القبور، التي جاءت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عن ثلاثة من الصحابة ﵃، وما روي عن عائشة ﵂ في زيارة النساء للقبور منسوخ بالأحاديث الصحيحة التي ذكرت.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
[ ٥ / ٤٠٨ ]
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وقد ذهب بعض علماء الحنابلة إلى استثناء قبر النبي ﷺ وصاحبيه واعتمدوا على عموم حديث لا يثبت وهو: «من حج ولم يزرني فقد جفاني». وهو حديث موضوع وانظر كلام العلامة الألباني حوله في [الضَّعِيْفَةِ] (٤٥).
وقد جاء في [شَرِحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (٣/ ١١):
«"وتكره" زيارة قبور "لنساء" لحديث أم عطية "نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا" متفق عليه "وإن علمن" أي النساء "أنَّه يقع منهن محرم" بزيارتهن "حرمت" زيارتهن لها لأنها وسيلة للمحرم "إلا" زيارة النساء "لقبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه" أبي بكر وعمر "فتسن" كالرجال، لعموم "من حج فزارني" ونحوه» اهـ.
٤ - وفي الحديث ما يدل على النهي قد يأتي للكراهة.
* * *
[ ٥ / ٤٠٩ ]
١٥٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا إنْ تَكُ صَالِحَةً: فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ. وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ: فَشَرٌّ: تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب الإسراع في السير بالجنازة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٥١):
«قال: الجنازة والجنازة - بالفتح والكسر - بمعنى واحد ويقال: بالفتح هو الميت وبالكسر: النعش الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل فعلى هذا يليق الفتح في قوله ﵇: "أسرعوا بالجنازة" يعني بالميت فإنَّه المقصود بأن يسرع به والسنة الإسراع كما جاء في الحديث وذلك بحيث لا ينتهي الإسراع إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت وقد جعل الله لكل شيء قدرًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٠١):
«لا خلاف بين الأئمة ﵏ في استحباب الإسراع بالجنازة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٧١):
«واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة ألا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى» اهـ.
وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٩٠): «وذهب ابن حزم الظاهري إلى وجوبه تمسكًا بظاهر الْأمر وهو شاذ» اهـ.
[ ٥ / ٤١٠ ]
وفي الباب ما رواه أبو داود (٣١٨٢) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَرْمُلُ رَمَلًا».
ورواه (٣١٨٣) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، ح وحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، عَنْ عُيَيْنَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَا: فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَقَالَ: فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَغْلَتَهُ وَأَهْوَى بِالسَّوْطِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد تابع مسلم بن إبراهيم الربيع بن يحي المرئي كما روى ذلك الفسوي في [الْمَعْرِفَة] (١/ ٧٣)، وخالفهما محمد بن جعفر المدائني أخرج حديثه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٧٣٣).
قُلْتُ: وقد خالف شعبة في ذكره لجنازة عثمان بن أبي العاص كل من:
١ - خالد بن الحارث عند أبي داود كما سبق والنسائي (١٩١٢).
٢ - عيسى بن يونس عند أبي داود أيضًا.
٣ - يحيى بن سعيد القطان عند أحمد (٢٠٤١٦).
٤ - محمد بن إبراهيم بن أبي عدي عند البزار (٣٦٨٠).
٥ - أبو داود الطيالسي في [الْمُسْنَد] (٩٢٤).
٦ - عبد الله بن يزيد المقري عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٥٨٧٧).
٧ - وكيع بن الجراح عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٣٥٩)، وهو عند أحمد (٢٠٣٩١) لكن من غير تسمية للميت.
[ ٥ / ٤١١ ]
٨ - إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم عند ابن حبان (٣٠٤٣).
٩ - يزيد بن هارون عند البخاري في [الْأَوْسَطِ] (٣٧٤)، [الصَّغِيْرِ] (١/ ١٢٧).
١٠ - إسماعيل بن علية عند النسائي (١٩١٣) مختصرًا، وعند ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٤/ ٤١٨) مطولة.
فروا جميعًا عن عيينة، وقالوا: في جنازة عبد الرحمن بن سمرة. وهذا هو المحفوظ في الحديث. والله أعلم.
وقد قال البخاري ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (١/ ٦٦٩):
«وَقَالَ شعبة عن عيينة، عن أبيه جنازة عثمان بن أبي العاص، وعثمان وهم» اهـ.
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٣٧١):
«فسمعت أبي يقول: روى هذا الحديث هشيم، ووكيع، وأبو داود الطيالسي، وسعدان بن يحيى، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، وَقَالَ فيه: فحمل عليهم أبو بكرة، بدل عثمان بن أبي العاص، وهذا أصح» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الحديث هشيم عن عيينة ولم يسم الميت كما روى ذلك أحمد (٢٠٤٠٤)، والنسائي (١٩١٣).
قُلْتُ: وقد عارض هذا ما رواه أحمد (١٩٧١٠)، وابن ماجه (١٤٧٩)
مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ رَأَى جِنَازَةً يُسْرِعُونَ بِهَا، فَقَالَ: «لِتَكُنْ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ».
قُلْتُ: وفيه ليث بن أبي سليم لا يحتج بحديثه.
[ ٥ / ٤١٢ ]
ورواه البزار في [مُسْنَدِه] (٣١٤٧)، والروياني في [مُسْنَدِه] (٤٩٤) مِنْ طَرِيْقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ أَهْلُهَا يُسْرِعُونَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ».
قال البزار: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَلَا نَعْلَمُ لَهُ إِلَّا هَذَا الطَّرِيقَ اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٧٧) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ بِنْتِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ به.
٢ - وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغير.
قُلْتُ: ذكر الرقاب يدل على الإسراع بالمشي لا الإسراع بالتجهيز.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْتَمْهِيْدِ] (١٦/ ٣٣):
«تأول قوم في هذا الحديث تعجيل الدفن لا المشي وليس كما ظنوا وفي قوله شر تضعونه عن رقابكم ما يرد قولهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٦٢):
«وهذا الذي ذكرناه من استحباب الإسراع بالمشي بها وأنَّه مراد الحديث هو الصواب الذي عليه جماهير العلماء. ونقل القاضي عن بعضهم أنَّ المراد الإسراع بتجهيزها إذا استحق موتها، وهذا قول باطل مردود بقوله ﷺ: "فشر تضعونه عن رقابكم"» اهـ.
[ ٥ / ٤١٣ ]
قُلْتُ: ويدل على الإسراع بتجهيز الميت ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٣٤٣٨)، والبيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٨٥٤) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَابْلُتِّيُّ، ثنا أَيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ».
قُلْتُ: يحيى بن عبد الله البابلتي ضعيف، وأيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم وَقَالَ فيه أبو زرعة منكر الحديث.
وروى أبو داود (٣١٥٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤَاسِيُّ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِيسَى - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ ابْنُ يُونُسَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ، أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ، مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ، لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ».
قُلْتُ: هذا حديث مسلسل بالجاهيل.
وهذه الأدلة وإن كانت لم تصح لكن يمكن أن يحتج بالعلة التي من أجلها رغب النبي ﷺ بالإسراع بالجنازة على استحباب التعجيل بتجهيز الميت فإنَّ ذلك من الخير الذي نقدمه للميت إن كان من الصالحين فإنَّ الآخرة خير له من الأولى، ومن الشر الذي يصرف عن الأحياء إن كان الميت بخلاف ذلك. والله أعلم.
[ ٥ / ٤١٤ ]
٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣):
«ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة غير الصالحين» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ الآخرة خير للمؤمن من الدنيا، والعكس بالعكس.
٥ - وفي الحديث حمل الجنازة على الرقاب.
ومثله ما رواه البخاري (١٣٨٠) عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ».
قُلْتُ: وقد استنكر العلامة الألباني ﵀ حمل الجنازة على السيارات فقال في [أَحْكَامِ الْجَنَائِزِ] (٧٦ - ٧٧): «وأمَّا حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات، فهذه الصورة لا تشرع البتة، وذلك لأمور:
الأول: أنَّها من عادات الكفار، وقد تقرر في الشريعة أنَّه لا يجوز تقليدهم فيها.
وفي ذلك أحاديث كثيرة جدًا، كنت أستوعبتها وخرجتها في كتابي "حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة"، بعضها في الْأمر والحض على مخالفتهم في عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم، وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه.
[ ٥ / ٤١٥ ]
الثاني: أنَّها بدعة في عبادة، مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة، وكل ما كان كذلك من المحدثات، فهو ضلالة اتفاقًا.
الثالث: أنَّها تفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكر الآخرة، كما نص على ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ: " … واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة ".
أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتًا كاملًا أو دون ذلك، فإنه ممالا يخفى على البصير أن حمل الميت على الأعناق، ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم، أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة، ولا أكون مبالغًا إذا قُلْتُ: إن الذي حمل الأوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به، بسبب تغلب المادة عليهم، وكفرهم بالآخرة!.
الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة (٤٥) من هذا الفصل، ذلك لأنه لا يستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها.
الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد مع ما عرف عن الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات، لا سيما في مثل هذا الْأُمر الخطير: الموت! والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلاَّ هذه المخالفة، لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره!» اهـ.
قُلْتُ: وفي [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٧/ ٩٩):
[ ٥ / ٤١٦ ]
«سئل فضيلة الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أيهما أفضل: حمل الجنازة على الأكتاف أو على السيارة؟
وأيهما أفضل: السير أمامها أو خلفها سواء كان ماشيًا أو راكبًا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل حملها على الأكتاف، لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة، ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنَّها جنازة ودعوا لها، ولأنَّه أبعد عن الفخر والأبهة، إلَّا أن يكون هناك حاجة، أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على السيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين » اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة الحاجات بعد المقبرة.
قُلْتُ: وحمل الجنازة من فروض الكفايات، واستحب بعض العلماء الحمل بين العمودين لما رواه البيهقي في [الْسُّنَنِ الْصَّغِيْرِ] (١٠٤٩)، و[الْكُبْرَى] (٦٨٣٥)، و[الْمَعْرِفَةِ] (٧٤٧٣) مِنْ طَرِيْقِ الشَّافِعِيِّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَائِمًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَاضِعًا السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١١٨٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ، وَشُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدًا عِنْدَ قَائِمَةِ سَرِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَقُولُ: «وَاجَبَلَاهْ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ٤١٧ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١١٨٢)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٣٨١)، والشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٥٨٨)، و[الْأُمِ] (١/ ٣٠٧) مِنْ طَرِيْقِ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ وَاضِعًا السَّرِيرَ كَاهِلَهُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٦٩ - ٢٧٠):
«قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ لِحَمْلِ الجنازة كيفيتان:
أحدهما: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلٌ فَيَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ وَهُمَا الْعَمُودَانِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَالْخَشَبَةَ الْمُعْتَرِضَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى كَاهِلِهِ وَيَحْمِلُ مُؤَخَّرَ النَّعْشِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَيْسَرِ وَلَا يَتَوَسَّطُ الْخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَسَّطَ لَمْ يَرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِخِلَافِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ لَمْ يستقل الْمُتَقَدِّمُ بِالْحَمْلِ أَعَانَهُ آخَرَانِ خَارِجَ الْعَمُودَيْنِ يَضَعُ كل واحد منها واحدًا مِنْهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ فَتَكُونُ الْجِنَازَةُ مَحْمُولَةً بِخَمْسَةٍ.
وَالْكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ: التَّرْبِيعُ وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ فيضع أحدهما العمودين الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيَضَعَ الْآخَرُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَكَذَلِكَ يَحْمِلُ الْعَمُودَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي آخِرِهَا رَجُلَانِ فَتَكُونُ الْجِنَازَةُ مَحْمُولَةً بِأَرْبَعَةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَالْأَصْحَابُ ﵏: مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْلِ الْجِنَازَةِ مِنْ جَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ بَدَأَ بِالْعَمُودِ الْأَيْسَرِ مِنْ مُقَدِّمِهَا فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَأْخُذُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ أَيْضًا ثُمَّ يَتَقَدَّمُ أَيْضًا فيمر بين يديها ولا يجئ مِنْ وَرَائِهَا لِئَلَّا يَكُونَ مَاشِيًا مِنْ خَلْفِهَا
[ ٥ / ٤١٨ ]
فَيَأْخُذَ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ مِنْ مُقَدِّمِهَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ أَيْضًا وَلَا يُمْكِنُهُ هَذَا إلَّا إذَا حُمِلَتْ الْجِنَازَةُ عَلَى هَيْئَةِ التَّرْبِيعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏: وَكُلُّ وَاحِدَةٍ من كيفية التربيع واحمل بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ.
وَالثَّانِي: التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ هُوَ ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ﵀.
هَذَا إذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى إحْدَاهُمَا فَأَمَّا الْأَفْضَلُ مُطْلَقًا فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَرَأَيْت نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا وَغَيْرُهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ ثُمَّ صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي قَوْلِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَحْمِلَ الْجِنَازَةَ خَمْسَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنْ جَوَانِبِهَا وَوَاحِدٌ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُحْمَلَ تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَيْفِيَّتَيْنِ جَائِزَتَانِ والجمع بينهما أفضل من الاقتصار علي إحداهما فَإِنْ اقْتَصَرَ فَالْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ صَرِيحٌ فِي بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَكَلَامُهُ هُنَا يُتَأَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ فَقَوْلُهُ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ يَعْنِي إنْ اقْتَصَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ
[ ٥ / ٤١٩ ]
الْأَفْضَلِ مُطْلَقًا ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُوَضِّحْ صُورَةَ التَّرْبِيعِ عَلَى وَجْهِهَا وَخَلَطَ صِفَةَ التَّرْبِيعِ بِمَسْأَلَةِ مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْلِهَا مِنْ الْجَوَانِبِ كُلِّهَا وَصَوَابُ الْمَسْأَلَةِ مَا أَوْضَحْنَاهُ أَوَّلًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَلَوْ حَمَلَ النَّعْشَ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَكُنْ حَامِلًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ صِفَةَ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَنْ يَحْمِلَهَا ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ مِنْ مُؤَخَّرِهَا وَوَاحِدٌ مِنْ مُقَدَّمِهَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ إلَّا الدَّارِمِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَإِنَّهُ حُكِيَ فِي الاستذكار عن أبي إسحاق الْمَرْوَزِيِّ ﵀ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِاثْنَيْنِ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِ الْجِنَازَةِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَمْلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُغَلِّسِ الداوودي، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأحمد وإسحاق التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٥٧):
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى إلَى الرِّجْلِ، ثُمَّ الْكَتِفِ الْيُسْرَى إلَى الرِّجْلِ) التَّرْبِيعُ هُوَ الْأَخْذُ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذَا تَبِعَ أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ لْيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ لِيَذَرْ، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَصِفَةُ التَّرْبِيعِ الْمَسْنُونِ أَنْ يَبْدَأَ فَيَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَضَعَ الْقَائِمَةَ الْيُسْرَى مِنْ عِنْدِ الرِّجْلِ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى،
[ ٥ / ٤٢٠ ]
ثُمَّ يَعُود أَيْضًا إلَى الْقَائِمَةِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀، أَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهَا فَيَأْخُذُ بَعْدَ يَاسِرَةِ الْمُؤَخِّرَةِ يَامِنَةَ الْمُؤَخِّرَةِ ثُمَّ الْمُقَدِّمَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَيُّوبَ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِمُقَدَّمِهِ كَالْأَوَّلِ.
فَأَمَّا الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ. وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قَدْ فَعَلُوهُ، وَفِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ تَوْقِيتٌ يَحْمِلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.
وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ، ﵃، فِيمَا فَعَلُوهُ وَقَالُوهُ، أَحْسَنُ وَأَوْلَى» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن مسعود رواه ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (١١٢٨١) حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ بِسْطَامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي جِنَازَةٍ فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ لَهُ لِيَتَطَوَّعَ، ثُمَّ لِيَدَعَ».
[ ٥ / ٤٢١ ]
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥١٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَمَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «إِذَا اتَّبَعَ أَحَدُكُمُ الْجِنَازَةَ، فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِهَا كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ لِيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ يَتْرُكْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود لكن مرسله عن أبيه صحيح عند جماعة من حفاظ الحديث لعلمه بأحاديث أبيه وتلقيه لأحاديثه عن أهل بيته.
وقوله في رواية ابن أبي شيبة عُبَيْدُ بْنُ بِسْطَامٍ، صوابه نسطاس كما في رواية عبد الرزاق.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٢٠) عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ حَمَلَ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ قَالَ: بَدَأَ بِمَيَامِنِهَا ثُمَّ تَنَحَّى عَنْهَا فَكَانَ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ مُزْجِرِ الْكَلْبِ».
ورواه ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (١١٢٧٧) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. والأزدي هو علي بن عبد الله الأزدي البارقي.
* * *
[ ٥ / ٤٢٢ ]
١٦٠ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ فِي وَسَطِهَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - فيه أنَّ صلاة الجنازة تقام على النفساء وإن كانت لا تصلي.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٤٥):
«أنَّ دم النفاس وإن كانَ يمنع النفساء، من الصلاة فلا يمنع من الصلاة عليها إذا ماتت فيهِ، وكذلك دم الحيض، فإنَّه يصلى على الحائض والنفساء إذا ماتتا في دمهما، كما يصلى على الجنب إذا مات، وكل منهم يغسل ويصلى عليهِ، إلَّا أن يكون شهيدًا في معركة» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ النفساء وإن كانت من جملة الشهداء إلَّا أنَّه يفعل بها كما يفعل بسائر الموتى.
٣ - وفيه أنَّ السنة في الوقوف على المرأة يكون في وسطها.
وقد تنازع العلماء في موضع الوقوف من الرجل والمرأة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٨٩):
«لا يختلف المذهب في أنَّ السنة أن يقوم الْإِمَام في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة، وعند صدر الرجل أو عند منكبيه، وإن وقف في غير هذا الموقف خالف سنة الموقف، وأجزأه.
[ ٥ / ٤٢٣ ]
وهذا قول إسحاق، ونحوه قول الشافعي إلَّا أن بعض أصحابه قال: يقوم عند رأس الرجل.
وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد؛ لما روي عن أنس أنَّه صلى على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم.
فلما فرغ، قال: احفظوا. قال الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يقوم عند صدر الرجل والمرأة؛ لأنَّهما سواء، فإذا وقف عند صدر الرجل فكذا المرأة.
وَقَالَ مالك: يقف من الرجل عند وسطه؛ لأنَّه يروى مثل هذا عن ابن مسعود، ويقف من المرأة عند منكبيها؛ لأنَّ الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم.
ولنا، ما روى سمرة، قال: صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها. متفق عليه.
وحديث أنس الذي ذكرناه، والمرأة تخالف الرجل في الموقف، فجاز أن تخالفه هاهنا.
ولأنَّ قيامه عند وسط المرأة أستر لها من الناس، فكان أولى.
فأمَّا قول من قال: يقف عند رأس الرجل فغير مخالف لقول من قال بالوقوف عند الصدر؛ لأنَّهما متقاربان، فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر، والله أعلم» اهـ.
[ ٥ / ٤٢٤ ]
قُلْتُ: الذي دلت عليه السنة بالنسبة للرجل هو الوقوف عند رأسه فقد روى أحمد (١٣١٣٦)، وأبو داود (٣١٩٤)، والترمذي (١٠٣٤)، وابن ماجه (١٤٩٤) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي غَالِبٍ الْخَيَّاطُ، قَالَ: شَهِدْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَلَمَّا رُفِعَتْ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَذِهِ جِنَازَةُ فُلَانَةَ ابْنَةِ فُلَانٍ، فَصَلِّ عَلَيْهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا وَفِينَا الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْعَدَوِيُّ، فَلَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ قِيَامِهِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصنع يَقُومُ مِنَ الرَّجُلِ حَيْثُ قُمْتَ، وَمِنَ الْمَرْأَةِ حَيْثُ قُمْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا الْعَلَاءُ فَقَالَ: احْفَظُوا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وإذا اجتمعت جنائز للرجال والنساء قدم الرجال وأخر جنائز النساء وجعل جنائز النساء محاذية لرؤوس الرجال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٩١):
«فصل: فإن اجتمع جنائز رجال ونساء، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما، يسوي بين رءوسهم.
وهذا اختيار القاضي، وقول إبراهيم وأهل مكة، ومذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه يروى عن ابن عمر، أنَّه كان يسوي بين رءوسهم.
وروى سعيد، بإسناده عن الشعبي، أنَّ أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر توفيا جميعًا، فأخرجت جنازتاهما، فصلى عليهما أمير المدينة، فسوى بين رؤوسهما
[ ٥ / ٤٢٥ ]
وأرجلهما حين صلى عليهما وبإسناده عن حبيب بن أبي ثابت، قال: قدم سعيد بن جبير على أهل مكة، وهم يسوون بين الرجل والمرأة إذا صلي عليهما، فأرادهم على أن يجعلوا رأس المرأة عند وسط الرجل، فأبوا عليه.
والرواية الثانية، أن يصف الرجال صفًا والنساء صفًا، ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال.
وهذا اختيار أبي الخطاب؛ ليكون موقف الْإِمَام عند صدر الرجل ووسط المرأة.
وَقَالَ سعيد: حدثني خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي.
قال: حدثني أبي، قال: رأيت واثلة بن الأسقع يصلي على جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت، فيصف الرجال صفًا، ثم يصف النساء خلف الرجال، رأس أول امرأة يضعها عند ركبة آخر الرجال، ثم يصفهن، ثم يقوم وسط الرجال، وإذا كانوا رجالًا كلهم صفهم، ثم قام وسطهم.
وهذا يشبه مذهب مالك، وقول سعيد بن جبير.
وما ذكرناه أولى؛ لأنَّه مدلول عليه بفعل النبي ﷺ ولا حجة في قول أحد خالف فعله أو قوله، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه النسائي (١٩٧٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَزْعُمُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ جَمِيعًا «فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَ الْإِمَامَ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ، فَصَفَّهُنَّ صَفًّا وَاحِدًا، وَوُضِعَتْ جَنَازَةُ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيٍّ امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ وُضِعَا جَمِيعًا وَالْإِمَامُ يَوْمَئِذٍ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَفِي النَّاسِ ابْنُ عُمَرَ،
[ ٥ / ٤٢٦ ]
وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ، فَوُضِعَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَنَظَرْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: «هِيَ السُّنَّةُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، لكن قوله: «هِيَ السُّنَّةُ». لا يصح لأنَّه من رواية رجل مبهم.
والأثر عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٣٣٧).
* * *
[ ٥ / ٤٢٧ ]
١٦١ - عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ».
قَالَ الْمُصَنَّفِ: الصَّالِقَةُ، الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.
الحديث رواه البخاري (١٢٩٦) معلقًا فَقَالَ: وَقَالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا شَدِيدًا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - النهي عن رفع الصوت عند المصيبة.
٢ - وفيه النهي عن حلق الشعر عند المصيبة.
٣ - وفيه النهي عن شق الثياب عند المصيبة.
٤ - وهذه الْأُمور نهي عنها لمنافاتها للصبر الواجب فيلحق بها ما شابهها.
٥ - وفيه أنَّ هذه الْأُمور من كبائر الذنوب فإنَّ البراءة تدل على ذلك.
٦ - وتخصيص النساء بالذكر مع أنَّ الحكم يعم الرجال أيضًا لأنَّ ذلك هو الغالب فيهنَّ لقلة صبرهنَّ.
* * *
[ ٥ / ٤٢٨ ]
١٦٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ﷺ وَقَالَ:
«أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ».
في الحديث مسائل منها:
١ - تحريم بناء المساجد على القبور.
وقد جاء في تحريم ذلك أحاديث منها:
ما رواه البخاري (٥٨١٥)، ومسلم (١١٨٧) عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.
وروى البخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
[ ٥ / ٤٢٩ ]
وروى البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
وروى مسلم (١١٨٨) عَنْ جُنْدَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١/ ١٦٣ - ١٦٤): «واتخاذ المكان مسجدًا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدًا إنَّما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين فحرم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد وإن كان القاصد لذلك إنَّما يقصد عبادة الله وحده لأنَّ ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والْدُعَاء به والْدُعَاء عنده فنهى رسول الله عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه» اهـ.
وَقَالَ ﵀: (٣/ ٣٩٨): «ونهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد فقال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا.
[ ٥ / ٤٣٠ ]
وفي الصحيح عنه أنَّه قال قبل أن يموت بخمس: "إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنَّه لا يشرع بناء المسجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندها باطلة» اهـ.
وَقَالَ ﵀: (١٧/ ٤٦٣): «كذلك قال العلماء يحرم بناء المساجد على القبور ويجب هدم كل مسجد بني على قبر وإن كان الميت قد قبر في مسجد وقد طال مكثه سوى القبر حتى لا تظهر صورته فإنَّ الشرك إنَّما يحصل إذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النبي ﷺ أولًا مقبرة للمشركين، وفيها نخل وخرب فأمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطع وبالخرب فسويت فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجدًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀: (٢٢/ ١٩٤ - ١٩٥): «الحمد لله اتفق الأئمة أنَّه لا يبنى المسجد على قبر لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" وأنَّه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إمَّا بتسوية القبر وإمَّا بنبشه إن كان جديدًا، وإن كان المسجد بني على القبر فإمَّا أن يزال المسجد وإمَّا أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنَّه منهي عنه» اهـ.
[ ٥ / ٤٣١ ]
وَقَالَ ﵀: (٢٧/ ٢٢٣): «فإنَّ من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] ص (١٠٩): «ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الْأُمة من بناء المساجد على القبور واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الْأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة» اهـ.
قُلْتُ: واحتج عباد القبور على جواز بناية المساجد على القبور بقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فقال في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٩٧): «وقد دل القران على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الْأُمور، وذلك يشعر بأنَّ مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنَّه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود والنصارى.
٣ - ويدل الحديث على تحريم الصور وهو مخصوص بذوات الأرواح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٥):
[ ٥ / ٤٣٢ ]
«فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي ﷺ أنَّ أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فإنَّه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﷾» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ اليهود والنصارى الذين فعلوا ما ذكر في الحديث هم شرار الخلق.
٥ - وفيه ما يدل على أنَّ هذه الأفعال المذكورة في الحديث من كبائر الذنوب.
٦ - بناء المساجد على القبور وتصوير صور الصالحين هو أساس الشرك في الأرض؛ ولهذا بعث النبي ﷺ عليًا بمحاربة هاذين الشيئين فقد روى مسلم (٩٦٩) عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ».
وفي لفظ لمسلم: «وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا».
٧ - وفيه حرص النبي ﵊ على إنكار المنكر مع ما يعانيه من المرض.
٨ - وفيه محاربة النبي ﷺ لوسائل الشرك.
٩ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٢٥):
[ ٥ / ٤٣٣ ]
«وفي الحديث جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب» اهـ.
* * *
[ ٥ / ٤٣٤ ]
١٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ إِلَّا أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية لعن غير المعين.
٢ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
والمراد بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد أي لا تتخذ مواضع للسجود. ويكون ذلك بالصلاة عندها كالصلاة إلى القبور أو على القبور والصلاة في المقبرة وإن لم يستقبل القبر، ويكون ذلك أيضًا ببناء المساجد عليها، أو بإدخالها إلى المساجد.
قُلْتُ: والصلاة في جميع هذه الحالات باطلة على الصحيح من أقوال أهل العلم لنهي النبي ﵊ عن ذلك والنهي يقتضي الفساد.
ولا فرق في الفساد بين أن يكون القبر في قبلة المسجد أو في أي جهة من جهاته ولو داخل سوره فكل ذلك داخل في نهي النبي ﷺ من اتخاذ القبور مساجد.
٣ - وفي معنى ذلك اتخاذ المقابر أماكن لقراءة القرآن والذكر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣): «وأمَّا جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف بل هي تدخل في معنى اتخاذ المساجد على
[ ٥ / ٤٣٥ ]
القبور، وقد استفاضت السنن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في النهي عن ذلك حتى قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا.
وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
ومعلوم أنَّ المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلًا في النهي فإذا كان هذا مع كونهم يقرأون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت فإن هذا لا نزاع في النهي عنه.
ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنَّهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسرع إلى فعل ذلك وتحريه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] ص (٤٠٢ - ٤٠٣): «فإنَّ نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء فإنَّهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص.
واتفقوا أيضًا على أنَّه لا يشرع قصد الصلاة، والْدُعَاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين إنَّ الصلاة عندها والْدُعَاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل اتفق علماء المسلمين على أنَّ الصلاة والْدُعَاء في المساجد التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والْدُعَاء في المساجد التي بنيت على القبور» اهـ.
[ ٥ / ٤٣٦ ]
٤ - وفي الحديث تقرير قاعدة سد الذرائع.
٥ - وفيه حماية الله ﷿ لقبر نبيه حيث لم يدفن في مقابر المسلمين حتى لا يتخذ قبره مسجدًا.
* * *
[ ٥ / ٤٣٧ ]
١٦٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».
قُلْتُ: كان الأنسب تقديم هذا الحديث إلى بعد حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - تحريم ضرب الخدود عند نزول المصائب المؤلمة. وتخصيص الخد بالذكر من باب حكاية الْأمر الغالب وإلَّا فإنَّ ضرب غير الوجه من أجزاء البدن داخل في ذلك.
ولا يدخل في ذلك ضرب شيء من البدن عند حصول أمر ينكر. فقد روى البخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﵇ لَيْلَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُصَلِّيَانِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ في [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٣/ ٨٢):
«وفيه حجة لجواز الضرب على الفخذ عند الْأمر ينكر» اهـ.
٢ - تحريم شق الجيوب عند حلول المصيبة. والجيب هو مدخل الرأس والمراد بشقه الزيادة في ذلك.
[ ٥ / ٤٣٨ ]
٣ - تحريم أن يدعو الإنسان بدعوى الجاهلية. ويدخل في ذلك النياحة، والْدُعَاء بالهلاك، وغير ذلك.
قال العلامة الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٢/ ٦٣):
«ودعوى الجاهلية هنا: هي النياحة، وندبة الميت، والْدُعَاء بالويل، والنعي، وإطراء الميت بما لم يكن فيه؛ كما كانت الجاهلية تفعل» اهـ.
ومما يدخل في دعوى الجاهلية الدعوة إلى العصبية.
فقد روى البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».
ومن ذلك التفاخر بالآباء.
روى أحمد (٢١٢٣٣) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعَضَّهُ، وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ، إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا: «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ، وَلَا تَكْنُوا».
وفي رواية له (٢١٢١٨) عَنْ أُبَيٍّ،: أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ بِهَنِ أَبِيهِ. فَقَالُوا: مَا كُنْتَ فَحَّاشًا قَالَ: «إِنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ٥ / ٤٣٩ ]
٤ - البراءة من ذلك تدل على أنَّ هذه الأفعال من كبائر الذنوب.
* * *
[ ٥ / ٤٤٠ ]
١٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ».
وَلِمُسْلِمٍ: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب شهود الجنازة من عند أهلها إلى أن تدفن.
٢ - وفيه أنَّ حصول القيراط الأول لا يتم إلَّا بالصلاة عليها.
٣ - ويدل الحديث على أنَّ من شهد الجنازة بعد الصلاة عليها إلى أن تدفن فله قيراط واحد.
٤ - وفيه عظيم الأجر في اتباع الجنائز.
٥ - وفيه ما يدل على أنَّ الله ﷿ شكور يجزي العبد بأكثر مما فعل.
٦ - وفيه أنَّ القيراط يتفاوت من حيث الكبر والصغر.
قُلْتُ: وصغر القيراط يرجع لفوات بعض الشهود فإنَّ من شهدها من بيت أهلها حتى يصلى عليها كان له أعظم ممن اكتفى بمجرد الصلاة عليها، ومما يدل على أنَّ من صلى عليها لا يخرج ثوابه من القيراط وإن صغر ما رواه مسلم (٩٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ».
[ ٥ / ٤٤١ ]
٧ - وهذا الفضل مخصوص بشهود جنازة المسلمين إيمانًا واحتسابًا لما رواه البخاري (٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٩٧): «وأمَّا التقييد بالإيمان والاحتساب فلا بد منه لأنَّ ترتب الثواب على العمل يستدعى سبق النية فيه فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجردة أو على سبيل المحاباة والله أعلم» اهـ.
٨ - ويدل الحديث أنَّ القيراط الثاني يكتمل بالانتهاء من دفن الميت.
ويدل عليه أيضًا رواية لمسلم (٩٤٥) بلفظ: «حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا».
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على حصول القيراط بمجرد وضع الميت في اللحد ففي لفظ لمسلم (٩٤٥) في هذا الحديث: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ».
قُلْتُ: والجمع بين هذه الأدلة أن يقال بتفاوت القيراط فمن شهد الجنازة حتى يُنتهى من دفنها فله أكمل القيراط، ومن شهدها حتى يوضع الميت في اللحد فله دون ذلك من القيراط.
٩ - ويدل الحديث على عظيم كرامة المسلم عند الله ﷿ حيث جعل هذا الثواب العظيم لمن شهد جنازته.
١٠ - قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ في [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٣/ ٢١٨):
[ ٥ / ٤٤٢ ]
«ودليل هذا الحديث: أنَّ المصلى على الجنازة لا يحتاج إذا دُفنت إلى إذن، وهو المروى عن جماعة من الصحابة والسلف، وكافة أئمة الفتوى، والعلم، ومشهور مذهب مالك، وروى عن جماعة من الصحابة أنَّهم لا ينصرفوا عن الجنازة إلَّا بإذن، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك قال: إلَّا أن يطول ذلك» اهـ.
قُلْتُ: روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٥٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِنَافِعٍ، أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْجِعُ مِنَ الْجِنَازَةِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ؟ قَالَ: «مَا كَانَ يَرْجِعُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٢١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا يَقُومُ إِذَا شَهِدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ إِذَا صَلَّى عَلَيْهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٥٤٠) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مَا بَدَا لَهُ، وَيَرْجِعُ إِذَا بَدَا لَهُ».
ورواه (١١٥٤١) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وهناك آثار ضعيفة في الباب أعرضت عنها.
١١ - قوله: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ». يدل على قرب المتبع لها من الجنازة وهكذا يدل على ذلك الأدلة الواردة بلفظ اتباع الجنازة.
قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٨٦):
[ ٥ / ٤٤٣ ]
«في هذا اللفظ ما يشعر بكون الماشي أمام الجنازة يكون بقربها إذا لم يكن قريبًا منها لم يصح نسبته إليها ولا صدق في العرف كونه أمامها وبهذا صرح أصحابنا وغيرهم فقالوا الأفضل أن يكون قريبًا منها بحيث لو التفت رآها ولا يتقدمها إلى المقبرة» اهـ.
١٢ - وفيه أنَّ بدن الميت المسلم يدفن. ودفن الميت من الواجبات الكفائية.
قُلْتُ: وليس الدفن مختصًا بميتة المسلم بل تعم المسلم والكافر.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].
وروى أحمد (٧٥٩، ١٠٩٣)، وأبو داود (٣٢١٤)، والنسائي (١٩٠، ٢٠٠٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَوَارِهِ، وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي» قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَوَارَيْتُهُ. فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ دَعَا لِي بِدَعَوَاتٍ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِنَّ مَا عَرُضَ مِنْ شَيْءٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ وهو صحيح لغيره. وقد صرَّح أبو إسحاق بالسماع عند أحمد والنسائي.
ورواه أحمد (٨٠٧) ثنا إبراهيم بن أبي العباس ثنا الحسن بن يزيد الأصم قال سمعت السدي إسماعيل يذكره عن أبي عبد الرحمن السلمي عن على ﵁ قال: فذكره.
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ٥ / ٤٤٤ ]
وروى مسلم (٢٨٧٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا» ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ. وأصل الحديث في البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
* * *
[ ٥ / ٤٤٥ ]
فصل: في ذكر بعض المسائل المتعلقة بالقبور.
المسألة الأولى: يستحب إعماق وتوسيع وتحسين القبر.
لما رواه أحمد (١٦٢٩٩، ١٦٣٠٠، ١٦٣٠٣، ١٦٣٠٥)، أبو داود (٣٢١٦)، والنسائي (٢٠١٠، ٢٠١٥، ٢٠١٨) مِنْ طَرِيْقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ»، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
وفي رواية عندهم: «وَأَوْسِعُوا». وليس عند أحمد ذكر الإعماق.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وقد اختلف في إسناده:
فرواه أيوب، وأبو إسحاق الفزاري وسليمان بن المغيرة عن حميد كما سبق.
واختلف فيه على أيوب فرواه عنه ابن عيينة، وإسماعيل بن علية، ومعمر كما سبق. ورواه عنه عبد الوارث بن سعيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن أبي الدهماء عن هشام بن عامر. رواه أحمد (١٦٣٠٦)، والترمذي (١٧١٣)، والنسائي (٢٠١٧)، وابن ماجه (١٥٦٠). ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن سعد بن هشام بن عامر عن أبيه هكذا رواه النسائي (٢٠١٦).
قُلْتُ: حديث سفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية ومعمر أصح.
ورواه أحمد (١٦٣٠٨)، والنسائي (٢٠١١) مِنْ طَرِيْقِ جرير بن حازم يحدث هذا الحديث عن حميد بن هلال وزاد فيه عن سعد بن هشام.
[ ٥ / ٤٤٦ ]
قُلْتُ: حديث الجماعة أصح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٣٥٣/ ١٠٤٣):
«وسألت أبي عن حديث؛ رواه حميد بن هلال في قتلى يوم أحد، فقال النبي ﷺ: "احفروا، وأعمقوا، وقدموا أكثرهم قرآنًا".
قال أبي: ورواه سليمان بن المغيرة، وأيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر.
وَقَالَ جرير بن حازم: عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام.
ورواه غيرهما، فقال: عن حميد بن هلال، عن أبي الدهماء، أو غيره، عن هشام بن عامر.
فقلت لأبي: أيهما أصح؟
فقال: أيوب، وسليمان بن المغيرة أحفظ من جرير بن حازم» اهـ.
قُلْتُ: وليس المراد بتحسين القبر تزينه بالجص ونحو ذلك فهذا مما نهي عنه، وإنَّما المراد بتحسينه تسوية قعر القبر وإزالة التراب والقذى والحجارة ونحو ذلك، ومنهم من حمل التحسين إلى الميت أي أحسنوا إليه عند دفنه، والأول أظهر فإنَّ سياق الحديث وارد في القبر.
واختلف العلماء في مقدار تعميق القبر فمنهم من ذهب إلى أنَّه يعمق إلى الصدر وهو مذهب الْإِمَام أحمد، ومنهم من قال مقدار قامة وبسطة وهو مقدار رفع اليدين، وهو مذهب الْإِمَام الشافعي، ومنهم من قال إلى السرة وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وكان مالك يقول: "لم يبلغني في عمق قدر الميت شيء
[ ٥ / ٤٤٧ ]
موقوف عليه، وأحب إلي أن لا يكون عميقة جدًا، ولا قريبة من أعلى الأرض جدًا".
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه يستحب تعميق القبر بحيث يشق على النباش أو الحيوان إخراج الميت أو كفنه، وبحيث لا ينبعث من القبر رائحة منتنة.
المسألة الثانية: اللحد أفضل من الشق.
لأنَّ هذا هو الذي فعل بالنبي ﷺ فروى مسلم (٩٦٦) عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: «الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ».
ولما رواه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي (٢٠٠٩)، وابن ماجه (١٥٥٤) مِنْ طَرِيْقِ حَكَّامِ بْنِ سَلْمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لغيره. عبد الأعلى هو ابن عامر لين الحديث، لكن هناك ما يشهد لهذا الحديث فقد رواه أحمد (١٩١٨١) من حديث جرير بن عبد الله البجلي وفي إسناده الحجاج بن أرطأة، ورواه أحمد أيضًا (١٩١٩٩) من حديثه وفيه أبو جناب يحيى بن أبي حية وهو ضعيف الحديث. ورواه أيضًا (١٩٢٣٣) وابن ماجه (١٥٥٥)، وفيه أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي الذي يظهر لي أنَّه لا يعتبر بحديثه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٥٠):
[ ٥ / ٤٤٨ ]
«فصل: والسنة أن يلحد قبر الميت، كما صنع بقبر النبي ﷺ قال سعد بن أبي وقاص: "الحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ" رواه مسلم ومعنى اللحد، أنَّه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكانًا يوضع الميت فيه، فإن كانت الأرض رخوة جعل له من الحجارة شبه اللحد.
قال أحمد ولا أحب الشق.
لما روى ابن عباس أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "اللحد لنا، والشق لغيرنا" رواه أبو داود والنسائي، والترمذي وقال: هذا حديث غريب.
فإن لم يمكن اللحد شق له في الأرض، ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقًا يضع الميت فيه، ويسقفه عليه بشيء، ويضع الميت في اللحد على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة بوجهه، ويضع تحت رأسه لبنة، أو حجرًا، أو شيئًا مرتفعًا، كما يصنع الحي» اهـ.
المسألة الثالثة: يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن مستقبلًا للقبلة.
قُلْتُ: وهذا هو الْأُمر الجاري في مقابر المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى أيامنا هذا ولا أعلم في ذلك نزاعًا بين أهل العلم.
وهذا خاص بقبور المسلمين، وأمَّا الكافر فيوضع على أي حال من الأحوال، وقد أمر النبي ﷺ بالمشركين في يوم أحد فألقوا في قليب بدر إلقاءً.
المسألة الرابعة: بيان ما يقال عند وضع الميت في اللحد.
[ ٥ / ٤٤٩ ]
روى أحمد (٤٨١٢، ٤٩٩٠، ٥٢٣٣، ٥٣٧٠، ٦١١١)، وأبو داود (٣٢١٣) مِنْ طَرِيْقِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: والصحيح في هذا الحديث الوقف على ابن عمر.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٢/ ٤١٠):
«يرويه قتادة، واختلف عنه؛ فرواه هشام، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
حدث به عنه يزيد بن هارون، وسعيد بن عامر، وحجاج بن منهال، وهدبة.
واختلف عن وكيع: فرواه أحمد بن أبي رجاء المصيصي، عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن ابن عمر، ووهم فيه.
وخالفه سريج بن يونس وغيره؛ رووه عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي الصديق، وهو الصواب.
وقيل: عن سعيد بن عامر، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
والمحفوظ عن هشام موقوفًا، من قول ابن عمر، وفعله.
وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن هشام، عن هشام.
وكذلك رواه شعبة، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر موقوفًا. وهو المحفوظ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٥٥):
[ ٥ / ٤٥٠ ]
«والحديث يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد وهو ثقة إلَّا أن شعبة وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفًا على ابن عمر» اهـ.
قُلْتُ: حديث شعبة رواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨١٦)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٩٢٨)، وفي [عَمَلِ الْيَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (١٠٨٩)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٥٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣١١)، والطبراني في [الْدُعَاء] (١٢٠٩).
وحديث هشام الدستوائي رواه الطبراني في [الْدُعَاء] (١٢٠٨)
وروى ابن ماجه (١٥٥٠) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ، قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» وَقَالَ أَبُو خَالِدٍ مَرَّةً: إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي لَحْدِهِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ»، وَقَالَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ».
ورواه الترمذي (١٠٤٦) مِنْ طَرِيْقِ خالد الأحمر به.
قُلْتُ: في الإسناد الأول ابن عياش وليث وهما ضعيفان، وفي الآخر الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف.
قُلْتُ: وطريق ابن أرطأة الصحيح فيها الوقف.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩):
[ ٥ / ٤٥١ ]
«يرويه حجاج بن أرطاة، واختلف عنه: فرواه أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ.
وغيره يرويه عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يفعل غير مرفوع. وهو الصواب» اهـ.
وروى البزار في [مُسْنَدِه] (٥٨٢٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٥٧٠)، وفي [الْأَوْسَطِ] (٧٣٤٧) مِنْ طَرِيْقِ سوار بن سَهْل الضبعي، حَدَّثنا سَعِيد بن عامر، حَدَّثنا سَعِيد بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نافعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَر، عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى سنةِ رَسُولِ اللهِ».
قُلْتُ: سعيد بن أبي عروبة مختلط.
وروى ابن ماجه (١٥٥٣)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٨٥٣)، و[الْدُعَاء] (١٢١٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨٥٣) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكَلْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوْدِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: حَضَرْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْدِ، قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» فَلَمَّا أُخِذَ فِي تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ عَلَى اللَّحْدِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهَا، وَصَعِّدْ رُوحَهَا، وَلَقِّهَا مِنْكَ رِضْوَانًا» قُلْتُ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَمْ قُلْتَهُ بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي إِذًا لَقَادِرٌ عَلَى الْقَوْلِ، بَلْ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: حماد ضعيف وشيخه إدريس مجهول.
[ ٥ / ٤٥٢ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٣٦٣): «قال أبي: الحديث منكر» اهـ.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٥٨٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ الْحَلَبِيُّ، ثنا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دُحَيْمٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثنا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، قَالُوا: ثنا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: «يَا بُنَيَّ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَلْحِدْنِي، فَإِذَا وَضَعْتَنِي فِي لَحْدِي فَقُلْ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ سِنَّ عَلَيَّ الثَّرَى سِنًّا، ثُمَّ اقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن العلاء وأبو لم يوثقهما معتبر.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٧٦١٧)، وفي [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (٣٤٠١) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ شَبَابَةَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَكْرٍ الشَّيْبَانِيُّ، ثنا بِسْطَامُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْأُرُزِّيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، وَوَضَعَ خَلْفَ قَفَاهُ مَدَرَةً، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ مَدَرَةً، وَبَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْ وَرَائِهِ أُخْرَى.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ شَدِيْدِ الضَّعْفِ إبراهيم بن بكر الشيباني متروك الحديث وشيخه مجهول.
[ ٥ / ٤٥٣ ]
وروى أحمد (٢٢٢٤١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: لَمَّا وُضِعَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]»، قَالَ: ثُمَّ لَا أَدْرِي أَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ أَمْ لَا، فَلَمَّا بَنَى عَلَيْهَا لَحْدَهَا طَفِقَ يَطْرَحُ لَهُمُ الْجَبُوبَ وَيَقُولُ: «سُدُّوا خِلَالَ اللَّبِنِ». ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْحَيِّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ في [الْمَجْرُوحِيْنَ] (٢/ ٦٣):
«وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى ابن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِه] (٣٠٤٦٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ فِي قَبْرِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَصْدِيقِ كِتَابِكَ، وَرُسُلِكَ، وَالْيَقِينِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، اللَّهُمَّ ارْحَبْ عَلَيْهِ قَبْرَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ جبير لم أعرفه ولم يسم من حدثه.
[ ٥ / ٤٥٤ ]
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٦٤٦٤) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، كَانَ يَقُولُ إِذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ اللَّحْدَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْيَقِينِ بِالْبَعْثِ بَعْدِ الْمَوْتِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ لانقطاعه بين إسماعيل والصديق.
وروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٥٥)، ومن طريقه البيهقي في [الدَّعَوَاتِ] (٦٣٥) حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، ثنا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَا: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ مَوْلَى الْغِفَارِيِّينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَيَاضِيُّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ فَلْيَقُلِ الَّذِينَ يَضَعُونَهُ حِينَ يُوضَعُ فِي اللَّحْدِ: بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
المسألة الخامسة: استحب كثير من العلماء لمن حضر الدفن أن يحثو على القبر.
فقد روى ابن ماجه (١٥٦٥) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُلْثُومٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: العباس فيه لين. وقد تابعه أبو زرعة عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٤)، و[الْأَوْسَطِ] (٤٦٧٣).
[ ٥ / ٤٥٥ ]
قُلْتُ: لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ١٦٩/ ٤٨٣): «وسمعت أبي، وحدثنا: عن عباس الخلال، عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا، ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثًا".
قال أبي: هذا حديث باطل» اهـ.
وروى الشافعي في [الْأُمِّ] (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٣٢٣)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٥١٥): أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ إبراهيم بن محمد هو ابن أبى يحيى متروك الحديث، وقد كذبه غير واحد من علماء الحديث.
وروى الْدَارَقُطْنِي (١٨٣٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٥٢١) مِنْ طَرِيْقِ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَائِنِيُّ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ دُفِنَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ صَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَحَثَى عَلَى قَبْرِهِ بِيَدِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنَ التُّرَابِ وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ وَاهٍ القاسم متروك الحديث ورماه أحمد بالكذب. وعاصم بن عبيد الله ضعيف.
[ ٥ / ٤٥٦ ]
وروى العقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٢١٥٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ رُزَيْقٍ الْمَالِكِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مَنَ، يَقُولُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَثَا عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ مَسْلَمَةٍ احْتِسَابًا كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ ثَرَاةٍ حَسَنَةً».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ والهيثم قال فيه العقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٤/ ٣٥٤): «الهيثم بن رزيق المالكي عن الحسين. ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلَّا به» اهـ، ولم يذكر من حدثه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وروى أبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٣٩٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زِيَادٍ يَعْنِي ابْنَ ثَعْلَبٍ، عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَثَا فِي قَبْرٍ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة زياد وقد اختلف في اسمه، وجهالة أبي المنذر وإرساله.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٣٩٩، ١١٨٣٦)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٥١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ حَبِيبٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِّ، قَالُوا: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «مِنْ تَمَامِ أَجْرِ الْجِنَازَةِ أَنْ يُشَيِّعَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عامر وأبي الدرداء.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٩٧٨) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
[ ٥ / ٤٥٧ ]
حِمْيَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَلَمْ تُصَبْ لَهُ حَسَنَةٌ، إِلَّا ثَلَاثُ حَثَيَاتٍ حَثَاهَا فِي قَبْرٍ فَغُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ». وَهَذَا مَوْقُوفٌ حَسَنٌ فِي هَذَا الْبَابِ اهـ.
قُلْتُ: نعيم بن حماد ضعيف الحديث مع إمامته في السنة.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِه] (٦٤٨٠)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٥٠)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨٣٤) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ عَلِيًّا حَثَى عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ». قَالَ: «هُوَ أَوْ غَيْرُهُ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين مالك بن مغول وعمير بن سعد.
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨٣٣) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، «أَنَّ عَلِيًّا، حَثَى فِي قَبْرِ ابْنِ الْمُكَفَّفِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف حجاج وهو ابن أرطأة وللانقطاع الذي بينه وبين عمير.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨٣٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، «أَنَّ عَلِيًّا، حَثَى فِي قَبْرِ ابْنِ الْمُكَفَّفِ».
قُلْتُ: ولا يثبت هذا الأثر لضعف يزيد، وعمه لم أعرفه.
وروى البزار في [مُسْنَدِه] (٤٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الصُّدَائِيُّ، عَنْ سَعْدَانَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَوْ أَمَامَهَا؟ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ وَمَثَلُكَ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: وَمَنْ يَسْأَلُ
[ ٥ / ٤٥٨ ]
عَنْ هَذَا إِلَّا مَثَلِي؟ إِنِّي رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا، فَقَالَ: رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُمَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعَا كَمَا سَمِعْنَا وَلَكِنَّهُمَا كَانَا سَهْلَيْنِ يُحِبَّانِ السُّهُولَةَ، يَا أَبَا سَعِيدٍ إِذَا مَشَيْتَ خَلْفَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ، فَأَنْصِتْ وَفَكِّرْ فِي نَفْسِكِ كَأَنَّكَ قَدْ صِرْتَ مِثْلَهُ، أَخُوكَ كَانَ يُشَاحُّكَ على الدُّنْيَا خَرَجَ مِنْهَا حَرِيبًا سَلِيبًا، لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا تَزَوَّدَ مِنْ عَمِلٍ صَالِحٍ، فَإِذَا بَلَغْتَ الْقَبْرَ، فَجَلَسَ النَّاسُ، فَلَا تَجْلِسْ، وَلَكِنْ قُمْ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ، فَإِذَا دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ فَقُلْ: "بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، اللَّهُمَّ عَبْدُكَ نَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، خَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَاجْعَلْ مَا قَدِمَ عَلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَلَّفَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، ثُمَّ احْثُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ"».
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي مُسْنَدِ عَلِيٍّ لِمَا قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعَا كَمَا سَمِعْنَا وَلَكِنَّهُمَا كَانَا يُسَهِّلَانِ. وَلَا نَعْلَمُ رَوَى عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ الصدائي لين الحديث، والعوفي ضعيف الحديث.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٨٣٧) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى، زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ «حَثَا فِي قَبْرِهِ ثَلَاثَ حُثًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ الأحلافي ذكره البخاري في "التاريخ الْكَبِيْر" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يذكر الأحلافي من حدثه عن زيد
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٨٤١) حَدَّثَنَا ابْنُ دُكَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي جِنَازَةٍ فَحَثَى فِي قَبْرِهِ».
[ ٥ / ٤٥٩ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ الحكم فيه لين وقد أبهم من حدثه.
قُلْتُ: وخلاصة القول في هذه المسألة أني لم أقف على ما يعتمد عليه في ذلك من حديث ولا أثر، والمشاركة في دفن الميت بالقليل أو الكثير من الأعمال الصالحة وأمَّا تقييد ذلك بثلاث حثيات فلا دليل يثبت في ذلك حسب علمي، والله أعلم.
المسألة السادسة: مشروعية دفن أكثر من ميت في القبر الواحد إذا دعت الضرورة.
وسبق في ذلك ما رواه أحمد (١٦٢٩٩، ١٦٣٠٠، ١٦٣٠٣، ١٦٣٠٥)، أبو داود (٣٢١٦)، والنسائي (٢٠١٠، ٢٠١٥، ٢٠١٨) مِنْ طَرِيْقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ»، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٢٠):
«فَصْلٌ: وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. قَالَ: أَمَّا فِي مِصْرٍ فَلَا، وَأَمَّا فِي بِلَادِ الرُّومِ فَتَكْثُرُ الْقَتْلَى، فَيَحْفِرُ شِبْهَ النَّهْرِ، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَيَجْعَلُ بَيْنهمَا حَاجِزًا، لَا يَلْتَزِقُ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ.
[ ٥ / ٤٦٠ ]
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَبْرٍ فِي الْمِصْرِ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي مَوْضِعِ الْمُعْتَرَكِ. وَإِنْ وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ جَازَ دَفْنُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، حَيْثُمَا كَانَ مِنْ مِصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنْ مَاتَ لَهُ أَقَارِبُ بَدَأَ بِمَنْ يَخَافُ تَغَيُّرَهُ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ بَدَأَ بِأَقْرَبِهِمْ إلَيْهِ، عَلَى تَرْتِيبِ النَّفَقَاتِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ قَدَّمَ أَنْسَبَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
وبهذا يتبين خطأ ما يسمى بالمجنات، وهي عبارة عن حفيرة فيها عميقة في أعلاها باب وفيها عدة غرف ويوضع في الغرفة الواحدة أكثر من ميت.
وتسمى في عرف من مضى الْخَشْخَاشَةُ، أو الْفَسْقِيَّةُ.
وقد أنكرها بعض العلماء فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِ الْمَالِكِي ﵀ في [الْمَدْخَلِ] (٣/ ٢٦٧ - ٢٧٢): «وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا بَعْضُ مَنْ لَا يَعْتَنِي بِحِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَإِشَارَاتِهِ، وَهِيَ إدْخَالُ الْمَيِّتِ فِي الْفَسْقِيَّةِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَهِيَ بِدْعَةٌ فِي نَفْسِهَا فَكَيْفَ بِمَا يُفْعَلُ فِيهَا. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَفْرِشُونَ فِيهَا تَحْتَ الْمَيِّتِ طَرَّاحَةً أَوْ قَطِيفَةً أَوْ غَيْرَهُمَا، وَيَضَعُونَ تَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةً وَيُغَطُّونَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُضْطَجِعٌ فِي بَيْتِهِ وَيَجْعَلُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَشْمُومِ مَا أَمْكَنَهُمْ مِنْ الْيَاسَمِينِ وَالرَّيْحَانِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُبَيِّتُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِيهَا وَمَوْضِعُ الْفَسْقِيَّةِ فِيهِ ظُلْمَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ يَدْخُلُ مِنْهُ الضَّوْءُ إلَّا مِنْ مَوْضِعِ بَابِهَا، وَهُوَ ضَيِّقٌ، فَيَحْتَاجُونَ فِي غَالِبٍ إلَى دُخُولِ الضَّوْءِ مَعَهُمْ.
[ ٥ / ٤٦١ ]
وَذَلِكَ فِيهِ تَفَاؤُلٌ بِدُخُولِ النَّارِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ يُوقِدُ الشَّمْعَ وَيَتْرُكُهُ مَوْقُودًا عِنْدَهُ؛ لِئَلَّا يَبْقَى فِي الظَّلَامِ، وَيَسُدُّ عَلَيْهِ بَابَ الْفَسْقِيَّةِ، فَهَذَا فِيهِ إضَاعَةُ الْمَالِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفَاؤُلِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ أَنْ يُطْفَأَ فَيَحْرِقُهُ، أَوْ يَحْرِقَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَحْرِقَ غَيْرَهُ إنْ كَانَ مَعَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْوَقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُومُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَحْذُورَاتِ؛ لِأَنَّ الْفَسْقِيَّةَ إذَا سُدَّ بَابُهَا امْتَنَعَ دُخُولُ الْهَوَاءِ إلَيْهَا، وَالنَّارُ لَا تَتَّقِدُ إلَّا مَعَ وُجُودِ الْهَوَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَمَدَتْ فِي الْغَالِبِ لَكِنْ قَدْ لَا تَخْمَدُ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ الْمَوْتَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَرِيقِ، وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ خَشَاشٍ وَهَوَامَّ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُكَلَّفَ أَنْ يُطْفِئَ الْمِصْبَاحَ قَبْلَ نَوْمِهِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ نَارًا وَالنَّوْمُ هُوَ الْوَفَاةُ الْصُغْرَى، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مَعَهُ فَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْكُبْرَى مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَجَعْلُ الْمَيِّتِ فِي الْفَسْقِيَّةِ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فِي تَرْكِ الدَّفْنِ وَكَفَى بِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ فِي الْفَسْقِيَّةِ غَيْرُ مَدْفُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَعْلِهِ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَوْ فِي بَيْتٍ وَيُغْلَقُ عَلَيْهِ، فَهَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَدْفُونٌ فَقَدْ تَرَكُوا الدَّفْنَ وَهُوَ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ عَلَيْنَا بِالدَّفْنِ فَقَالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] فَالسَّتْرُ فِي الْحَيَاةِ مَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي خَلْوَتِهِ مِمَّا يَكْرَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِهِ وَالسَّتْرُ فِي الْمَمَاتِ سَتْرُ جِيَفِ الْأَبَدَانِ، وَلَوْلَا نِعْمَةُ
[ ٥ / ٤٦٢ ]
الْقُبُورِ لَكَانَ شَنَاعَةً بَيْنَ الْأَشْكَالِ، وَيُقَالُ مَا فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنْ رَائِحَةِ جِيفَةِ الْآدَمِيِّ فَسَتَرَهُ اللَّهُ بِالدَّفْنِ إكْرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا. وَمَنْ وَضَعَ فِي الْفَسْقِيَّةِ فَقَدْ تَرَكَ مَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةِ الدَّفْنِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ يَعُودُهُ فَقَالَ ﵊ إنِّي لَأَرَى أَبَا طَلْحَةَ حَدَثَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَإِذَا تُوُفِّيَ عَجِّلُوا بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ.
وَمَنْ جُعِلَ فِي الْفَسْقِيَّةِ، فَأَهْلُهُ يَكْشِفُونَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ، فَقَدْ يَعْرِفُونَ مَا تَغَيَّرَ مِنْ حَالِ مَنْ كَشَفُوا عَلَيْهِ مِنْ مَوْتَاهُمْ وَيَشُمُّونَ الرَّوَائِحَ الْكَرِيهَةَ مِنْهُ، وَهُوَ يَكْرَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَنْ يُشَمَّ مِنْهُ بَعْضُ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَوْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ فَيُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ خَرْقِ حُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّ هُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ بِمَيِّتٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِمَّنْ قَبْلَهُ كَشَفُوا وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ النَّتْنِ وَالدُّودِ وَغَيْرِهِمَا، حَتَّى لَقَدْ حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً نَزَلَتْ فَسْقِيَّةً لِوَضْعِ مَيِّتٍ لَهَا فِيهَا فَوَجَدَتْ ابْنَةً لَهَا كَانَتْ قَدْ دُفِنَتْ مِنْ مُدَّةٍ فَرَأَتْ رَأْسَهَا وَوَجْهَهَا يَغْلِيَانِ دُودًا فَذَهَبَ عَقْلُهَا.
وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ بَابَ الْفَسْقِيَّةِ ضَيِّقٌ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ وَتُحْبَسُ فِيهِ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ، فَإِذَا فُتِحَ لِجَعْلِ مَيِّتٍ آخَرَ، وَكَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِمَّنْ قَبْلَهُ خَرَجَتْ تِلْكَ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ طَرِيًّا فَآذَتْ كُلَّ مَنْ حَضَرَ الْجِنَازَةَ.
[ ٥ / ٤٦٣ ]
وَأَمَّا مَنْ يَنْزِلُ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ الْكُلْفَةِ وَالْمَشَقَّةِ النِّهَايَةَ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَرَضِهِ أَوْ مَوْتِهِ أَوْ هُمَا مَعًا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَهُ مَنْكُوسًا عَلَى رَأْسِهِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُبْحِ حِينَ إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ، فَهُوَ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَجْدَرُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ بَابَهَا أَضْيَقُ مِنْ الشِّقِّ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ فِي الْقَبْرِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ أَلْحَدَ مَيِّتًا وَسَقَطَتْ مِنْهُ فِي الْقَبْرِ نَفَقَةٌ أَوْ لُؤْلُؤَةٌ أَوْ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ أُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ أَوْ بَعْضُهُ هَلْ يَكْشِفُ مَا أُهِيلُ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَيَأْخُذُ مَا سَقَطَ مِنْهُ؛ لِأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَتَرْكُهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَشْفًا عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مُوَارَاتِهِ بِالتُّرَابِ، وَذَلِكَ خَرْقٌ لِحُرْمَتِهِ وَلِمَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُ إلَى أَمْرٍ مُغَيَّبٍ عَنَّا فَيَكْشِفُ عَلَيْهِ وَيَنْتَهِكُ سِتْرَهُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ فَمَا بَالُك بِمَنْ يُكْشَفُ عَنْهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَهَذَا أَجْدَرُ بِالْمَنْعِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ بِهَتْكِ السِّتْرِ عَمَّنْ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْفَسْقِيَّةِ قَدْ يَتَغَيَّرُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَيَنْكَشِفُونَ فَيَبْقَوْنَ عُرَاةً بِمَرْأًى مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّاسِ، وَذَلِكَ كَشْفَةٌ لَهُمْ وَهَتْكٌ لِحُرْمَتِهِمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ. حَتَّى لَقَدْ رُئِيَ بَعْضُ أَهْلِ الْفَسَاقِيِ، وَحِمَارٌ مَيِّتٌ قَدْ طُرِحَ عَلَيْهِمْ. فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْإِنْصَاف مَا أَشْنَعَ هَذَا وَأَقْبَحَهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْلِ، فَكَيْفَ وَالشَّرِيعَةُ قَدْ نَهَتْ عَنْهُ
[ ٥ / ٤٦٤ ]
وَذَمَّتْهُ، فَلَا هُمْ مُمْتَثِلُونَ لِأَمْرِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ، وَلَا هُمْ يَرْجِعُونَ لِمُقْتَضَى الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَأْبَى ذَلِكَ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: مَا حَرَمَهُمْ الشَّيْطَانُ مِنْ بَرَكَةِ الدَّفْنِ وَمَا فِيهِ مِنْ السَّتْرِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَدْفُونَ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الْفَضَلَاتُ شَرِبَتْهَا الْأَرْضُ فَيَبْقَى نَظِيفًا فِي قَبْرِهِ، وَمَنْ وُضِعَ فِي الْفَسْقِيَّةِ يَنْمَاعُ فِي النَّجَاسَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَتَحَلَّلُ مِنْ جَسَدِهِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ إدْخَالَهُ فِي الْفَسْقِيَّةِ فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْفَخْرِ وَالْكِبْرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ مَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْمُتَكَبِّرُونَ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ ذُلٍّ وَافْتِقَارٍ وَاضْطِرَارٍ وَإِظْهَارِ مَسْكَنَةٍ وَاحْتِيَاجٍ لَا إظْهَارِ الْعِزِّ وَالْكِبْرِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبْلِيطِ الْفَسْقِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَا يَنْبَغِي فَمَا بَالُك بِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ إذْ أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَبْنِ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَمْتَثِلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: مَا زَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبْيِيضِ دَاخِلِ الْفَسْقِيَّةِ حَتَّى تَبْقَى كَالْبُيُوتِ الَّتِي يَتَفَاخَرُ بِهَا أَبْنَاءُ الدُّنْيَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّبْلِيطِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ بَلْ هَذَا أَشَدُّ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ مَا يَفْعَلُونَهُ سَبَبٌ لِانْبِعَاثِ الْحَشَرَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْمَاعُ فِي قَبْرِهِ فَتَكْثُرُ الرَّوَائِحُ لِعَدَمِ التُّرَابِ، وَالْحَشَرَاتُ تَتْبَعُ الرَّوَائِحَ حَيْثُ كَانَتْ، وَكَذَلِكَ الْكِلَابُ وَالسِّبَاعُ وَالذِّئَابُ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَبْرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْفَضَلَاتِ مِنْ الْمَيِّتِ.
[ ٥ / ٤٦٥ ]
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَيْسِيرِ السَّرِقَةِ عَلَى مَنْ أَرَادَهَا، وَالسَّرِقَةُ مَعْصِيَةٌ كُبْرَى إذَا كَانَتْ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ فَمَا بَالُك بِهَا فِي حَقِّ الْمَوْتَى، فَوَضْعُ الْمَيِّتِ فِي الْفَسْقِيَّةِ فِيهِ تَيْسِيرٌ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِنَبْشِ الْقُبُورِ إذْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى كَبِيرِ كُلْفَةٍ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَفْتَحُ الْبَابَ لَيْسَ إلَّا وَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مَا يُرِيدُهُ، وَفَاعِلُ الْمَعْصِيَةِ وَمَنْ يُيَسِّرُهَا عَلَيْهِ شَرِيكَانِ فِي الْإِثْمِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشْرَ: أَنَّ مَنْ يَتَحَفَّظُ مِنْهُمْ مِنْ التَّيْسِيرِ عَلَى النَّبَّاشِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْبِنَاءِ الْحَصِينِ وَالْأَبْوَابِ الْمَانِعَةِ وَالْحُرَّاسِ وَمَنْ يَسْكُنُ فِيهَا أَوْ إلَى جَانِبِهَا وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ، وَالسَّرَابُ سَرِيعٌ سَرَيَانُهُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَيَئُولُ ذَلِكَ إلَى تَنْجِيسِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمَوْتَى بِنَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ يَحْتَاجُ إلَى كُلْفَةٍ مِنْ تَحْصِيلِ دُنْيَا لِأَجْلِ الْبَوَّابِ وَالْقَيِّمِ وَالْخَادِمِ وَمَنْ يَحْرُسُ وَجَعْلِ صِهْرِيجٍ لَهُمْ فَتَزِيدُ النَّدَاوَةُ بِذَلِكَ فَيَنْمَاعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، وَقَدْ حَكَمَتْ السُّنَّةُ بِالدَّفْنِ فِي الصَّحْرَاءِ لِلسَّلَامَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا فِي فِعْلِهَا مِنْ ارْتِكَابِ النَّهْيِ؛ لِأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ. وَمَا كَانَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَسَرَى ذَلِكَ إلَى بَعْضِ النَّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَا يَشْعُرُونَ بِارْتِكَابِ هَذَا النَّهْيِ الصَّرِيحِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ مَنْ دُفِنَ فِي الْقُبُورِ عَلَى مَا أَحْكَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ لَهُ حُرْمَةٌ لِكَوْنِ قَبْرِهِ ظَاهِرًا فَلَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ حَفْرُهُ وَلَا أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ سَرَابًا بِخِلَافِ الْفَسْقِيَّةِ، فَإِنَّهَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ غَيْرَ مُرْتَفِعَةٍ كَالْقَبْرِ فِي الْغَالِبِ، وَلَيْسَ
[ ٥ / ٤٦٦ ]
لِلْمَيِّتِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ أَثَرٌ يُعْرَفُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى الْبِنَاءِ عَلَيْهَا حَيْثُ دَثَرُوهَا أَوْ غَيْرُهُ مِنْ إرْسَالِ سَرَابٍ أَوْ جَعْلِ مِرْحَاضٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهَا قَدْ تَنْخَسِفُ وَهُوَ الْغَالِبُ فَيَتَضَرَّرُ بِهَا مَنْ تَنْخَسِفُ بِهِ، وَقَدْ يَهْلَكُ ثُمَّ تَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مَعْبَرَةً لِمَنْ يَمُرُّ بِهَا وَشُنْعَةً عَلَى مَنْ فِيهَا حَتَّى إنَّ بَعْضَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرْعَ لَيُطِيلُ النَّظَرَ فِيهَا حَتَّى يَعْرِفَ الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ سِيَّمَا إنْ وَقَعَ السَّيْلُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَعْظَمَ فِي الْكَشَفَةِ وَهَتْكِ السِّتْرِ وَذَهَابِ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: مَنْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي فَسْقِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بَيْتٌ فَقَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ. فَالْمَنْعُ هُنَا مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهَا تَبْقَى مَأْوَى اللُّصُوصِ وَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَخْتَبِئُونَ فِيهَا وَيَجْعَلُونَ فِيهَا مَا يَخْتَارُونَ مِنْ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يَتَصَرَّفُوا فِي ذَلِكَ وَكَانَتْ سَبَبًا لِلسَّتْرِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْفَسْقِيَّةَ تُمْسِكُ مَوَاضِعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَوْتَى، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ وَقْفًا فَيَكُونُ غَاصِبًا لِمَا عَدَا مَوْضِعَ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِلْغَيْرِ مِمَّنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا إلَّا قَدْرَ ضَرُورَتِهِ، وَهُوَ مَا يُوَارِيهِ مِنْهَا إذَا مَاتَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِي ﵀ في [تَحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (٣/ ١٧٣):
[ ٥ / ٤٦٧ ]
«يَحْرُمُ فَتْحُ الْفَسْقِيَّةِ لِلدَّفْنِ فِيهَا إنْ كَانَ هُنَاكَ هَتْكٌ لِحُرْمَةِ مَنْ بِهَا كَأَنْ تَظْهَرَ رَائِحَتُهُ كَأَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالدَّفْنِ وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ هَتْكٌ إلَّا لِحَاجَةٍ كَأَنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ مَكَانٌ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى] (٢/ ١٤):
«وَأَمَّا الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِي فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي الْكَلَامَ عَلَى أَقَلِّ الْقَبْرِ وَهُوَ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِمَا إنْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ وَإِلَّا فَبَيَانُ وُجُوبِ رِعَايَتِهِمَا وَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا اهـ قَالَ غَيْرُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَعَلَيْهِ فَالْفَسَاقِي الَّتِي لَا تَكْتُمُ الرَّائِحَةَ وَتَمْنَعُ السَّبُعَ لَا يَكْفِي الدَّفْنُ فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ السُّبْكِيّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْفَسَاقِيِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِكَتْمِ الرَّائِحَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى هَيْئَةِ الدَّفْنِ الْمَعْهُودِ شَرْعًا قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقُوا تَحْرِيمَ إدْخَالِ مَيِّتٍ عَلَى مَيِّتٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْأَوَّلِ وَظُهُورِ رَائِحَتِهِ فَيَجِبُ إنْكَارُ ذَلِكَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَلِيُ بْنُ سُلْطَانَ ﵀ في [مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيْحِ] (٣/ ١٢١٩):
«أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ أَيْ: وَقْتَ انْتِهَاءِ غَزْوَتِهِ عِنْدَ إِرَادَةِ دَفْنِ الشُّهَدَاءِ. "احْفُرُوا" بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنَعُوا الدَّفْنَ فِي الْفَسَاقِيِّ، وَبَيَّنُوا أَنَّ فِيهِ مَفَاسِدَ فَلْيُجْتَنَبْ مَا أَمْكَنَ» اهـ.
وَجَاءَ فِي [حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ] (٢/ ٢٣٣):
«قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَلَا يُحْفَرُ قَبْرٌ لِدَفْنِ آخَرَ إلَّا إنْ بَلِيَ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَظْمٌ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فَتُضَمُّ عِظَامُ الْأَوَّلِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ. وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِيِ اهـ وَهِيَ كَبَيْتٍ مَعْقُودٍ بِالْبِنَاءِ يَسَعُ جَمَاعَةً قِيَامًا لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ إمْدَادٌ.
[ ٥ / ٤٦٨ ]
وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ: عَدَمِ اللَّحْدِ، وَدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ بِلَا حَاجِزٍ، وَتَجْصِيصِهَا، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا» اهـ.
مسألة: ويشرع الدفن في البيوت.
وذلك لأنَّ النبي ﷺ وصاحبيه دفنوا في حجرة عائشة.
لكن الأفضل الدفن في مقابرة المسلمين، لأنَّ النبي ﷺ دفن من مات من أهله وأصحابه فيها، وأمَّا النبي ﷺ فدفن في بيته خشية أن يتخذ مسجدًا، ودفن معه صاحباه لقربهم منه في الدنيا والآخرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠):
«فَصْلٌ: وَالدَّفْنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَأَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبَرُونَ فِي الصَّحَارِي. فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ ﷺ قُبِرَ فِي بَيْتِهِ، وَقُبِرَ صَاحِبَاهُ مَعَهُ؟ قُلْنَا: قَالَتْ عَائِشَةُ إنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي الْبَقِيعِ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ رُوِيَ: "يُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ" وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣):
[ ٥ / ٤٦٩ ]
«يَجُوزُ الدَّفْنُ فِي الْبَيْتِ وفي المقبرة، والمقبرة أفضل بالاتفاق وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَفِي مَعْنَى الْبَيْتِ الْبُسْتَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا مَقَابِرُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ الدَّفْنَ فِي الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا دُفِنَ فِي الْبَيْتِ؟
فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَشْهُرُهَا وَهُوَ جَوَابُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَنَ أَصْحَابَهُ فِي الْمَقْبَرَةِ فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِهِ أَوْلَى.
وَإِنَّمَا دُفِنَ هُوَ ﷺ فِي الْحُجْرَةِ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي مَدْفَنِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ فَادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ وَلِأَنَّهُمْ خَصُّوهُ بِالْحُجْرَةِ لِكَثْرَةِ زَائِرِيهِ وَقَاصِدِيهِ لِيُخِفَّ عَلَيْهِمْ بقربه.
الثاني: أجاب به المتولي أنهم مِنْ دَفْنِهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْمَقَابِرِ التَّنَازُعُ وَالتَّنَافُسُ فِيهِ فَيَطْلُبُهُ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِيُدْفَنَ عِنْدَهُمْ.
الثَّالِثُ: ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ صِيَانَةً لِقَبْرِهِ لِئَلَّا يَزْدَحِمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَيَنْتَهِكُوهُ وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الِازْدِحَامَ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُدْفَنُ فِي مِلْكِ الْمَيِّتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ دُفِنَ فِي الْمَقْبَرَةِ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَوْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ وَدَفَنَهُ فِي بَيْتِ الْمَيِّتِ قَالَ أَصْحَابُنَا كَانَ لِلْبَاقِينَ نَقْلُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُدْفَنُ فِي مِلْكِي لَمْ يَلْزَمْ الْبَاقِينَ قَبُولُهُ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ مِنَّةً فَلَوْ بَادَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَدَفَنَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ كَفَّنَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يُنْقَلُ
[ ٥ / ٤٧٠ ]
وَلَا يُنْزَعُ كَفَنُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَبَعِيَّتِهِ إسْقَاطُ حَقِّ أَحَدٍ وَفِي نَقْلِهِ هَتْكُ حُرْمَتِهِ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى دَفْنِهِ فِي مِلْكِ الْمَيِّتِ ثُمَّ بَاعَتْهُ الْوَرَثَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي نَقْلُهُ وَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِدَفْنِهِ ثُمَّ إذَا بَلِيَ أَوْ اتَّفَقَ نَقْلُهُ فَهَلْ يَكُونُ الْمَدْفُونُ لِلْبَائِعَيْنِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ سَيَأْتِي نَظَائِرُهُمَا فِي الْبَيْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مِنْهَا: لَوْ بَاعَ شَجَرَةً أَوْ بستانها وَاسْتَثْنَى مِنْهُ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ثُمَّ قَلَعَهَا فَهَلْ يَبْقَى الْغَرْسُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ أَمْ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ وَجْهَانِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ هَلْ تَتْبَعُ الشَّجَرَةُ أَصَحُّهُمَا لَا تَتْبَعُهَا» اهـ.
قُلْتُ: روى البخاري (١٣٩٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا، أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَالَ: لَهُ مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: " مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي، فَادْفِنُونِي، وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ"».
مسألة: في جمع الأقارب جنب بعض في قبور متجاورة.
روى أبو داود (٣٢٠٦) مِنْ طَرِيْقِ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، عَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ٤٧١ ]
وَسَلَّمَ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، والمُطَّلِبُ هُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ وهو يروي الحديث عن صحابي لم يسمه والصحابة كلهم عدول ثقات.
وبوَّب عليه أبو داود بقوله: «بَابٌ فِي جَمْعِ الْمَوْتَى فِي قَبْرٍ وَالْقَبْرُ يُعَلَّمُ».
ولا يظهر صحة هذا وإنَّما المراد أنَّ من مات من أهله دفنه في قبر مجاور له.
وأخوة عثمان للنبي ﷺ قد يراد بها أخوة الإسلام أو أخوة الرضاع.
مسألة: في إعلام القبر.
ويدل الحديث الماضي على مشروعية إعلام القبر بحجر ونحوه حتى يميز عن غيره.
وقد بوَّب عليه البيهقي ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٥٧٧) بقوله: