١٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: «إنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ. فَإِذَا جِئْتَهُمْ: فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ٣٨٧): «وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ النَّمَاءَ وَالزِّيَادَةَ كَالزَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ قَدْ تَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا تَنَظَّفَ مِمَّا يُفْسِدُهُ زَكَا وَنَمَا وَصَلَحَ وَزَادَ فِي نَفْسِهِ كَالزَّرْعِ يُنْفَى مِنْ الدَّغَلِ» اهـ.
والزكاة شرعًا هي: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - إرسال ولي الْأمر العلماء إلى البلدان لتعليم الناس فإنَّ معاذ بن جبل ﵁ يعد من علماء الصحابة.
[ ٦ / ٢ ]
وأمَّا ما يقوم به فرقة التبليغ من الطواف في البلدان بحجة الدعوى إلى الله فهو من الأخطاء التي لا يقرون عليها فإنَّ عامتهم أهل جهل بأحكام الإسلام فأكثرهم يجهل التوحيد ومنهم من يحارب التوحيد وأهل التوحيد وهم دعاة خرافة وبدع وضلالات ويحاربون دعاة التوحيد والسنة أشد محاربه، ودعوتهم قائمة على الجهل ومحاربة العلم وعدم إنكار المنكرات العظيمة من الشرك والبدع وغير ذلك.
٢ - أنَّه ينبغي للداعي إلى الله ﷿ أن يكون بصيرًا بحال المدعو فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أخبر معاذًا بأنَّ القوم الذين يقدم عليهم من أهل الكتاب أي أنَّهم من أهل العلم وليسوا من الجهال وذلك أنَّ دعوة صاحب العلم ليست كدعوة الجاهل، ومخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجهال من عباد الأوثان.
٣ - وفيه أنَّ أول واجب يدعى إليه الكفار هو التوحيد ففيه رد على أهل الكلام الذين قالوا: أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر، ومنهم من قال: أول واجب هو الشك.
٤ - وفيه أنَّه لا يكفي في دخول الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلَّا الله حتى يضيف إليها شهادة أنَّ محمدًا رسول الله. وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء.
ومنهم من قال: يصير بالأولى مسلمًا ويطالب بالثانية.
٥ - وفيه الترتيب في أمر الدعوى بأن يبدأ الداعي بالأهم فالأهم.
٦ - وفيه أنَّه لا واجب في اليوم والليلة إلَّا الخمس الصلوات.
٧ - واحتج به على عدم وجوب الوتر خلافًا للحنفية.
[ ٦ / ٣ ]
٨ - وفيه أنَّ أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة ثم الزكاة.
٩ - وفيه أنَّ الزكاة يأخذها الْإِمَام أو نائبه.
وقد قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وروى البخاري (١٤٥٦)، ومسلم (٢٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: «وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا».
١٠ - وفيه جواز إخراج الزكاة لصنف واحد من أهل الزكاة. وهو مذهب الجمهور وخالف في ذلك الْإِمَام الشافعي ﵀ فذهب إلى أنَّه يجب على أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجود من الأصناف الستة الذين سهامهم ثابتة، وتكون القسمة على السواء، ثم حصة كل صنف منهم، لا تصرف إلى أقل من ثلاثة إن وجد منهم ثلاثة فإن لم يوجد غير واحد، صرفت حصة ذلك الصنف إليه.
قُلْتُ: ويدل على جواز صرف الزكاة لصنف واحد من المستحقين لها ما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا …».
وظاهر هذا أنَّه يأمر له بجميعها.
[ ٦ / ٤ ]
١١ - وفيه أنَّ الأصل في الزكاة أن تصرف في البلد الذي أخذ منه ولا تنقل إلى غيره. وقد استحب ذلك جمهور أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٥٠): «فإن خالف ونقلها، أجزأته في قول أكثر أهل العلم.
قال القاضي: وظاهر كلام أحمد يقتضي ذلك، ولم أجد عنه نصًا في هذه المسألة، وذكر أبو الخطاب فيها روايتين: إحداهما، يجزئه. واختارها؛ لأنَّه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ منه كالدين، وكما لو فرقها في بلدها.
والأخرى، لا تجزئه. اختارها ابن حامد؛ لأنَّه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه، أشبه ما لو دفعها إلى غير الأصناف» اهـ.
قُلْتُ: هذا ما لم يستغن أصحاب البلد فإن استغنوا جاز نقلها ولا أعلم في ذلك خلافًا.
١٢ - وفيه أنَّ الزكاة تؤخذ من المسلمين وتوضع في المسلمين.
ووجه الدلالة في الحديث من وجهين:
الأول: أنَّه لم يُؤمر بها إلَّا بعد الدخول في الإسلام.
والآخر: الضمير في قوله: أغنيائهم، وفقرائهم عائد إلى المسلمين. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٠): «وأنَّ الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين» اهـ.
[ ٦ / ٥ ]
قُلْتُ: ولأنَّ الله ﷿ قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣] وليس الكفار بأهل للتطهير.
وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٢١٩): «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنَّ زكاة الْأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ الذمي لا يعطى من زكاة الْأموال شيئًا.
ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال لمعاذ: "أعلمهم أنَّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم".
فخصهم بصرفها إلى فقرائهم، كما خصهم بوجوبها على أغنيائهم.
وأمَّا المملوك فلا يملكها بدفعها إليه، وما يعطاه فهو لسيده، فكأنَّه دفعها إلى سيده، ولأنَّ العبد يجب على سيده نفقته، فهو غني بغناه» اهـ.
قُلْتُ: ويستثنى من الكفار المؤلفة قلوبهم كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله.
١٣ - وفيه أنَّ الزكاة تؤخذ من مال الغني وهو ها هنا من ملك النصاب وإن لم يكن عنده ما يكفيه. فقد يكون غنيًا لملكه للنصاب فتجب عليه الزكاة في ماله،
[ ٦ / ٦ ]
وفي نفس الوقت يكون من جملة الفقراء الذين يعطون الزكاة لأنَّه ليس عنده ما يكفيه.
١٤ - واحتج به من قال: إنَّ الدَّيْنَ يسقط زكاة العين لأنَّ المدين محتاج، والصدقة إنَّما تجب على الأغنياء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤٣٨): «مسألة: قال: وإذا كان معه مائتا درهم، وعليه دين، فلا زكاة عليه وجملة ذلك أنَّ الدين يمنع وجوب الزكاة في الْأموال الباطنة، رواية واحدة. وهي الأثمان، وعروض التجارة.
وبه قال عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وَقَالَ ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي في جديد قوليه: لا يمنع الزكاة؛ لأنَّه حر مسلم ملك نصابًا حولًا، فوجبت عليه الزكاة، كمن لا دين عليه.
ولنا ما روى أبو عبيد في "الْأموال": حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم".
وفي رواية: "فمن كان عليه دين فليقض دينه، وليزك بقية ماله". قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكروه، فدل على اتفاقهم عليه.
[ ٦ / ٧ ]
وروى أصحاب مالك، عن عمير بن عمران، عن شجاع، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم، فلا زكاة عليه".
وهذا نص.
ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، فأردها في فقرائكم".
فدل على أنَّها إنَّما تجب على الأغنياء ولا تدفع إلَّا إلى الفقراء، وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة، فيكون فقيرًا، فلا تجب عليه الزكاة؛ لأنَّها لا تجب إلَّا على الأغنياء، للخبر، ولقوله ﵇: "لا صدقة إلَّا عن ظهر غنى".
ويخالف من لا دين له عليه، فإنَّه غني يملك نصابًا، يحقق هذا أنَّ الزكاة إنَّما وجبت مواساة للفقراء، وشكرًا لنعمة الغنى، والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لحاجة غيره، ولا حصل له من الغنى ما يقتضي الشكر بالإخراج، وقد قال النبي ﷺ: "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول"» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٩): «والدين يسقط زكاة العين: عند مالك وأبي حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي وهو قول عطاء والحسن وسليمان بن يسار وميمون بن مهران والنخعي والثوري والأوزاعي والليث وإسحاق وأبي ثور. واحتجوا بما رواه مالك في الْمُوَطَّأِ عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان ﵁ يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخلص أموالكم تؤدون منها الزكاة. وعند مالك
[ ٦ / ٨ ]
إن كان عنده عروض توفي الدين ترك العين وجعلها في مقابلة الدين وهي التي يبيعها الحاكم في الدين ما يفضل عن ضرورته وإن كان له دين على مليء ثقة جعله في مقابلة دينه أيضًا. وزكى العين فإن لم يكن إلَّا ما بيده سقطت الزكاة» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عمر لم يسنده المؤلف وعمير بن عمران لا يعتمد عليه قال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الْكَامِلِ] (٥/ ٧٠): «حدث بالبواطيل عن الثقات» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث لم أقف عليه مسندًا في أي كتاب من كتب الحديث.
وأورده ابن الجوزي ﵀ من وجه آخر فقال في [الْتَّحْقِيْقِ] (٢/ ٤٧): «قال بعض أصحابنا روى ابن نصر المالكي عن ابن جريح عن نافع عن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه"» اهـ.
وعلق عليه الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٨٠): «هذا حديث منكر، يشبه أن يكون موضوعًا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا أثر عثمان فرواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٩٣) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ. فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ. حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ».
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٦٥٨) حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ، يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ وَزَكُّوا بَقِيَّةَ أَمْوَالِكُمْ».
[ ٦ / ٩ ]
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٨٦) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَخْطُبُ وَهَوَ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهْ، ثُمَّ لِيُؤَدِّ زَكَاةَ مَا فَضَلَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وقد صرح ابن شهاب بالتحديث عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٦).
وأصله في البخاري (٧٣٣٨) مختصرًا فقال: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، «سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطَبَنَا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ».
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ١٤٩): «والظواهر التي وردت بإيجاب الزكاة في الْأموال تشهد لهذا القول بالصحة وهو قول الشافعي في الجديد وكان يقول حديث عثمان يشبه والله أعلم أن يكون إنَّما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة في المال وقوله: هذا شهر زكاتكم يجوز أن يقول هذا الشهر الذي إذا مضى حلت زكاتكم كما يقال شهر ذي الحجة وإنَّما الحجة بعد مضي أيام منه أخبرنا بهذا الكلام أبو سعيد ثنا أبو العباس أنبأ الربيع قال: قال الشافعي فذكره» اهـ.
وأجاب عنه الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فقال في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٣٢): «أمَّا أثر عثمان ﵁ فإننا نسلم أنَّه إذا كان على الإنسان دين حال، وقام بالواجب وهو أداؤه فليس عليه زكاة؛ لأنَّه سيؤدي من ماله، وسبق الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأنَّ الزكاة لا تجب إلَّا إذا تم الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة.
[ ٦ / ١٠ ]
ونحن نقول لمن اتقى الله، وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك إلَّا فيما بقي، أمَّا إذا لم يوف ما عليه، وماطل لينتفع بالمال، فإنَّه لا يدخل فيما جاء عن عثمان، فعليه زكاته» اهـ.
قُلْتُ: وهذا كلام حسن. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤٤٠ - ٤٤١): «فصل: فأمَّا الْأموال الظاهرة وهي السائمة، والحبوب، والثمار، فروي عن أحمد، أنَّ الدين يمنع الزكاة أيضًا فيها؛ لما ذكرناه في الْأموال الباطنة.
قال أحمد، في رواية إسحاق بن إبراهيم: يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي، ولا يكون على أحد، دينه أكثر من ماله، صدقة في إبل، أو بقر، أو غنم، أو زرع، ولا زكاة.
وهذا قول عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق، لعموم ما ذكرنا.
وروي، أنَّه لا يمنع الزكاة فيها. وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي.
وروي عن أحمد أنَّه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله، ويزكي ما بقي.
وَقَالَ الآخر: يخرج ما استدان على ثمرته، ويزكي ما بقي.
وإليه أذهب أن لا يزكي ما أنفق على ثمرته خاصة، ويزكي ما بقي؛ لأنَّ المصدق إذا جاء فوجد إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا، لم يسأل أي شيء على صاحبها من الدين، وليس المال هكذا.
[ ٦ / ١١ ]
فعلى هذه الرواية، لا يمنع الدين الزكاة في الْأموال الظاهرة، إلَّا في الزرع والثمار، فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة.
وهذا ظاهر قول الخرقي، لأنَّه قال في الخراج: يخرجه، ثم يزكي ما بقي.
جعله كالدين على الزرع.
وَقَالَ في الماشية المرهونة: يؤدي منها إذا لم يكن له مال يؤدي عنها.
فأوجب الزكاة فيها مع الدين.
وَقَالَ أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه فيه المطالبة يمنع في سائر الأموال، إلَّا الزرع والثمار.
بناء منه على أنَّ الواجب فيها ليس بصدقة، والفرق بين الْأموال الظاهرة والباطنة أنَّ تعلق الزكاة بالظاهرة آكد، لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها، ولهذا يشرع إرسال من يأخذ صدقتها من أربابها، وكان النبي ﷺ يبعث السعاة، فيأخذون الصدقة من أربابها، وكذلك الخلفاء بعده، وعلى منعها قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ ولم يأت عنه أنَّهم استكرهوا أحدًا على صدقة الصامت، ولا طالبوه بها، إلَّا أن يأتي بها طوعًا، ولأنَّ السعاة يأخذون زكاة ما يجدون، ولا يسألون عمَّا على صاحبها من الدين، فدل على أنَّه لا يمنع زكاتها، ولأنَّ تعلق أطماع الفقراء بها أكثر، والحاجة إلى حفظها أوفر، فتكون الزكاة فيها أوكد» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر وابن عباس رواه ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٩٢٨)، ويحيى بن آدم في [الْخَرَاجِ] (٥٨٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي نُعَيْمٍ، أنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
[ ٦ / ١٢ ]
زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الرَّجُلِ يَسْتَقْرِضُ فَيُنْفِقُ عَلَى تَمْرَتِهِ وَأَهْلِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «يَبْدَأُ بِمَا اسْتَقْرَضَ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَبْدَأُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الثَّمَرَةِ، فَيَقْضِيهِ مِنَ الثَّمَرَةِ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. وهو كأثر عثمان. والله أعلم.
والذي يظهر لي أنَّه لا فرق بين الْأموال الظاهرة والباطنة وعمومات الأدلة الواردة في الزكاة تشمل من كان عليه دين ومن لم يكن عليه دين. والله أعلم.
١٥ - وفيه أنَّه لا يؤخذ في الزكاة أنفس الْأَمْوَالِ لما في ذلك من الإضرار بأصحاب الْأموال.
قُلْتُ: وهكذا لا يؤخذ رديء المال لما في ذلك من الإضرار بالفقراء وإنَّما يؤخذ ما توسط من ذلك.
١٦ - وفيه خطورة الظلم.
١٧ - وفيه أنَّ دعوة المظلوم مستجابة.
وروى أحمد (٨٠٣٠)، والترمذي (٢٥٢٦، ٣٥٩٨)، وابن ماجه (١٧٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ ﷿: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله تعالى من دعوة المظلوم.
[ ٦ / ١٣ ]
فروى مسلم (١٣٤٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ».
وقد أحسن من قال:
لَا تَظْلِمَنَّ إذَا مَا كُنْت مُقْتَدِرًا … فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيك بِالنَّدَمِ
نَامَتْ جُفُونُك وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ … يَدْعُو عَلَيْك وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمْ
١٨ - وفيه دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال.
١٩ - وفيه قبول خبر الواحد في العقائد.
٢٠ - وأُخذ من قوله: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ». أخذ الزكاة من مال الصبي والمجنون لدخولهما في مسمى الأغنياء. وهذا مذهب الجمهور وخالف في ذلك من الأئمة الأربعة أبو حنيفة.
قُلْتُ: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقد جاء في لفظ للبخاري (١٣٩٥): «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢١٥) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى، لَا تَسْتَغْرِقُهَا الصَّدَقَةُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين مكحول وعمر.
[ ٦ / ١٤ ]
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢١٣) حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُمَرُ: «ابْتَغُوا لِلْيَتَامَى فِي أَمْوَالِهِمْ، لَا تَسْتَغْرِقُهَا الزَّكَاةُ».
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وإرسال الزهري.
ورواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٣٠١)، والْدَارَقُطْنِي (١٩٧٣) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: «ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ».
قُلْتُ: ابن المسيب عن عمر مرسل ومرسله جيد، والأثر حسن بهذه الطرق على أقل الأحوال.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢١٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: «كُنَّا أَيْتَامًا فِي حِجْرِ عَائِشَةَ فَكَانَتْ تُزَكِّي أَمْوَالَنَا، وَتُبْضِعْنِيهَا فِي الْبَحْرِ».
قُلْتُ: وَسَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٩٨٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «كُنَّا يَتَامَى فِي حِجْرِ عَائِشَةَ، فَكَانَتْ تُزَكِّي أَمْوَالَنَا، ثُمَّ دَفَعَتْهُ مُقَارَضَةً فَبُورِكَ لَنَا فِيهِ».
قُلْتُ: وَسَنَدُهُ صَحِيْحٌ أيضًا.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢١٢)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٣٠٨)، والشافعي كما في [الْمُسْنَد] (٦١٨) مِنْ طَرِيْقِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يُزَكِّي مَالَ الْيَتِيمِ».
[ ٦ / ١٥ ]
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
٢١ - وفيه أنَّ الفقير لا زكاة عليه والمراد به هاهنا من لم يملك النصاب، وإن كان عنده ما يكفيه وزيادة إلَّا أنَّ ذلك الزائد لم يبلغ النصاب أو بلغه ولم يحول عليه الحول.
٢٢ - واستدل به أبو حنيفة على أنَّ من ملك النصاب لا تدفع له الزكاة لأنَّه بملكه للنصاب يصير غنيًا.
قُلْتُ: وهذا استدلال غير صحيح فليس هذا الغنى بمانع من استحقاق الزكاة لأنَّه غنى باعتبار النصاب وليس هو الغنى الذي يُخرج الشخص من الفقر بالكلية. والله أعلم.
٢٣ - وفيه أنَّ الزكاة لا تكون للغني.
قُلْتُ: وقد اختلفوا في الغني الذي لا تحل له الزكاة على أقوال:
القول الأول: من ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب وهو المشهور من مذهب أحمد.
واحتج بما رواه أحمد (٣٦٧٥، ٤٢٠٧)، وأبو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٥٠)، والنسائي (٢٥٩٢)، وابن ماجه (١٨٤٠) مِنْ طَرِيْقِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْغِنَى؟، قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ»، قَالَ يَحْيَى: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ: حِفْظِي
[ ٦ / ١٦ ]
أَنَّ شُعْبَةَ، لَا يَرْوِي عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ وحكيم وإن كان شديد الضعف لكنه متابع تابعه زبيد اليامي وهو ثقة.
لكن هذه المتابعة لا تفيد لسببين:+
السبب الأول: أنَّها غير مُسْنَدِه بل هي معلقة إلى يحيى بن آدم.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٧/ ٢٤): «وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان فذكر معنى هذه الحكاية بلاغًا عن يحيى بن آدم عن سفيان ثم قال يعقوب: هي حكاية بعيدة ولو كان حديث حكيم بن جبير عن زبيد ما خفي على أهل العلم» اهـ.
السبب الآخر: أنَّ حديث زبيد غير مسند إلى ابن مسعود.
وَقَالَ الحافظ البزار ﵀ في [مُسْنَدِه] (١/ ٣٠٥): «وزبيد فلم يسند هذا الحديث عن عبد الله» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ٢١٥ - ٢١٦) عن هذا الحديث:
«يرويه حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه. حدث به عنه الثوري، وشريك، وإسرائيل، وحماد بن شعيب.
ورواه محمد بن مصعب القرقساني، عن حماد بن سلمة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
[ ٦ / ١٧ ]
ووهم في قوله عن أبي إسحاق، وإنما رواه إسرائيل، عن حكيم بن جبير.
ورواه شعبة، عن حكيم بن جبير أيضًا، حدث به عنه إبراهيم بن طهمان، ويحيى القطان.
ورواه زبيد، ومنصور بن المعتمر، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد لم يجاوز ابنه محمدًا وقولهما أولى بالصواب.
حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو هشام الرفاعي، وعبد الأعلى بن واصل، قالا: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان.
وحدثنا أبو غيلان، حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلَّا جاءت يوم القيامة خموشًا، أو خدوشًا، أو كدوحًا في وجهه"، وقالوا: يا رسول الله، ماذا أغناه، أو ماذا يغنيه؟ قال: "خمسون درهمًا أو حسابهما من الذهب".
قال أبو هشام في حديثه في هذا الموضع: قال يحيى بن آدم: قيل لسفيان: لو كان غير حكيم بن جبير، فقال: حدثناه زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
وَقَالَ عبد الأعلى بن واصل في حديثه: قال يحيى بن آدم: قال سفيان: وقد سمعت زبيدًا يحدث، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد نحوه، أو شبهه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ١٥٧): «فأجيب من قال هذا، فقيل له: ليس في هذا حجة، فإنَّ سفيان ما أسنده، إنَّما قال: ثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن فحسب، ولم يرفعه» اهـ.
[ ٦ / ١٨ ]
القول الثاني: أنَّ الغني هو الذي عنده ما يكفيه وهذا مذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد وهو القول الصحيح. والله أعلم.
لما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».
القول الثالث: أنَّ الغني هو المالك للنصاب وهذا مذهب أبي حنيفة.
٢٤ - وفيه أنَّ الفقير مصرف من مصارف الزكاة.
قُلْتُ: ومصارف الزكاة ثمانية ذكر الله ﷿ في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
فالصنف الأول: الفقراء.
والصنف الثاني: المساكين.
قُلْتُ: ويجمعهما مسمى الحاجة ومسماهما واحد عند افتراقهما، ويختلفان عند اجتماعهما كما في هذه الآية وقد خاض العلماء في التفريق بينهما على أقوال:
[ ٦ / ١٩ ]
القول الأول: الفقير هو: المحتاج المتعفف عن المسألة. والمسكين هو: المحتاج السائل.
القول الثاني: الفقير هو: ذو الزمانة من أهل الحاجة. والمسكين: هو الصحيح الجسم.
القول الثالث: الفقراء فقراء المهاجرين. والمساكين: من لم يهاجر من المسلمين وهو محتاج.
القول الرابع: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له.
القول الخامس: الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فالفقير هو الذي لا يجد نصف كفاية سنة؛ وأمَّا المسكين فيجد النصف فأكثر دون الكفاية لمدة سنة.
قُلْتُ: وهناك أقوال أخرى لا نطيل بذكرها.
والذي يظهر لي أنَّ الفقير أشد حاجة من المسكين خلافًا لأبي حنيفة وذلك لأمرين:
الأول: أنَّ الله ﷿ بدأ به قبل المسكين.
والآخر: أنَّ الفقير أصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فقرة من فقرات ظهره، فكأنَّه انقطع ظهره من شدّة الفقر، ولأنَّ أصل هذه الكلمة مأخوذة من "الفقر" الموافق لـ"القفر" في الاشتقاق الْكَبِيْر - الذي يتماثل فيه الحروف دون الترتيب؛ و"القفر" الأرض الخالية، والمسكين مأخوذ من السكون، والخشوع، والأول أبلغ من حيث الحاجة.
الصنف الثالث: العاملون عليها.
[ ٦ / ٢٠ ]
قُلْتُ: ويدخل فيهم الحاسب والكاتب والحاشر والخازن والحافظ والراعي ونحوهم.
ولا يشترط فيهم الفقر لأنَّها أجرة عمل فيدخل فيها الغني والفقير.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [مِنْهَاجِ الْسُنَّةِ] (٦/ ١٥٦):
«والعامل على الصدقة الغنى له أن يأخذ بعمالته باتفاق المسلمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٢١): «فأمَّا أجر الوزان والكيال ليقبض الساعي الزكاة فعلى رب المال؛ لأنَّه من مؤنة دفع الزكاة» اهـ.
واختلف العلماء في أجرة العامل كم يكون تقديرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٤/ ٣٢٤): «اختلف الناس في المقدار الذي يأخذه العاملون من الصدقة على ثلاثة أقوال: الأول: قيل: هو الثمن بقسمة الله لها على ثمانية أجزاء؛ قال مجاهد والشافعي.
وهذا تعليق بالاستحقاق الذي سبق الخلاف فيه، أو بالمحلية، ومبني عليه.
الثاني: يعطون قدر عملهم من الأجرة؛ قاله ابن عمر ومالك.
وقد تقدم القول في الأصل الذي انبنى عليه هذا، والكلام على تحقيقه.
الثالث: أنَّهم يعطون من غير الزكاة، وهو ما كان من بيت المال.
وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن أبي أويس، وداود بن سعيد؛ وهو ضعيف دليلًا؛ فإنَّ الله أخبر بسهمهم فيها نصًا، فكيف يخلفون عنه استقراء وسبرًا.
[ ٦ / ٢١ ]
والصحيح الاجتهاد في قدره؛ لأنَّ البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحق» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [قَوَاعِدِهِ] (ص: ١٣٥):
«قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا: الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ الثَّمَنَ فِي كِتَابَةِ السُّلْطَانِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَكُونُ لَهُمْ الَّذِي يَرَاهُ الْإِمَامُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ لَهُ بِالشَّرْعِ إمَّا مُقَدَّرًا أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَالْوَلِيُّ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِعْفَافِ مَعَ الْغِنَى وَأَيْضًا فَأَمْوَالُ الزَّكَاةِ حَقٌّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَيْضًا فَمَالُ الزَّكَاةِ يَسْتَحِقُّهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْغَنِيِّ فَالْعَامِلُ الَّذِي حَصَلَ الزَّكَاةَ وَجَبَاهَا أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْعَامِلُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ الْمَالَ وَحَصَّلَهُ بِخِلَافِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ جُعْلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى عَمَلِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَهُوَ كَجُعْلِ رَدِّ الْإِبَاقِ وَأَوْلَى لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٩)
«فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَجَاوَزَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنْهُ لَهُ ثَمَنُ مَا يَجْنِيهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ جَاوَزَتْ أُجْرَتُهُ ذَلِكَ أُعْطِيَهُ مِنْ الْمَصَالِحِ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر عندي أنَّه يعطى أجرة المثل وذلك أنَّ الأصل في الأجرة التي لم تحدد أن ترجع إلى أجرة المثل.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥):
[ ٦ / ٢٢ ]
«قوله: "والعاملون عليها" هنا قال: "العاملون عليها" ولم يقل: العاملون فيها، أو العاملون بها.
فالعامل مشتق يتعدى بالباء، ويتعدى بعلى، ويتعدى بفي.
ولنضرب أمثلة يتضح بها الفرق:
فمثلًا: شخص قيل له: اتجر بهذه الدراهم، ولك نصف الربح، فهذا عامل بها.
مثال ثانٍ: شخص استؤجر لتنظيف البيت فهذا عامل فيه.
مثال ثالث: شخص وكلناه لتأجير هذا البيت، والنظر فيه، وفعل ما يصلحه، فهذا عامل عليه.
فالعاملون عليها هم الذين تولوا عليها، فالعمل هنا عمل ولاية، وليس عمل مصلحة أي: الذين لهم ولاية عليها، ينصبهم ولي الأمر.
وهم الذين ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة من أهلها، وصرفها لمستحقيها، فهم ولاة وليسوا أجراء، وإنما قلت هذا لأجل أن يفهم أن من أعطي زكاة ليوزعها فليس من العاملين عليها بل هو وكيل عليها أو بأجرة؛ ولهذا فإن الزكاة إذا تلفت عند العاملين عليها فإن ذمة المزكي بريئة منها، وأما إذا تلفت عند الموكل في التوزيع فلا تبرأ ذمة الدافع» اهـ.
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣١٦):
«فصل: والمؤلفة قلوبهم ضربان؛ كفار ومسلمون، وهم جميعًا السادة المطاعون في قومهم وعشائرهم» اهـ.
[ ٦ / ٢٣ ]
وقسم ﵀ الكفار إلى قسمين:
القسم الأول: من يرجى إسلامه، فيعطى لتقوى نيته في الإسلام، وتميل نفسه إليه، فيسلم.
والقسم الثاني: من يخشى شره، ويرجى بعطيته كف شره وكف غيره معه.
وقسم سادات المسلمين إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، أو من المسلمين الذين لهم نية حسنة في الإسلام، فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم وحسن نياتهم، فيجوز إعطاؤهم؛ لأنَّ أبا بكر ﵁، أعطى عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر، مع حسن نياتهما وإسلامهما.
قُلْتُ: هذا الأثر رواه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٠/ ٧٩) بإسناد لا يثبت فيه شعيب بن إبراهيم، وفيه جهالة وَقَالَ ابن عدي في [الْكَامِلِ] (٥/ ٧):
«وشعيب بن إبراهيم هذا له أحاديث وأخبار، وهو ليس بذلك المعروف ومقدار ما يروي من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة وفيه بعض النكرة لأنَّ في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف» اهـ.
قُلْتُ: وفيه أيضًا سيف بن عمر ضعيف الحديث، وفي الإسناد رجال مبهمون.
القسم الثاني: سادات مطاعون في قومهم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد، فإنَّهم يعطون؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أعطى عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، والطلقاء من أهل مكة، وَقَالَ للأنصار: «يا معشر الأنصار علام تأسون؟ على لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا لا إيمان لهم، ووكلتكم إلى إيمانكم»؟.
[ ٦ / ٢٤ ]
وروى البخاري، بإسناده عن عمرو بن تغلب، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعطى أناسًا وترك أناسًا، فبلغه عن الذين ترك أنَّهم عتبوا، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنِّي أعطي أناسًا وأدع أناسًا، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، أعطي أناسًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أناسًا إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير؛ منهم عمرو بن تغلب».
وعن أنس، قال: حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن، طفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش مائة من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويمنعنًا، وسيوفنا تقطر من دمائهم.
فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «إنِّي أعطي رجالًا حدثاء عهد بكفر أتألفهم» متفق عليه.
القسم الثالث: قوم في طرف بلاد الإسلام، إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين.
القسم الرابع: قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٩٧):
«وَأَحْكَامُهُمْ كُلُّهَا بَاقِيَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: انْقَطَعَ سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ وَأَغْنَاهُ عَنْ أَنْ يَتَأَلَّفَ عَلَيْهِ رِجَالٌ، فَلَا يُعْطَى مُشْرِكٌ تَالِفًا بِحَالٍ» اهـ.
[ ٦ / ٢٥ ]
قُلْتُ: والإخراج للمؤلفة يرجع لنظر الإمام، وليس لآحاد الرعية.
قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِي ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٢/ ٧٤):
«فَإِنْ تَوَلَّاهَا رَجُلٌ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ؛ لِأَنَّ سَهْمَ الْعَامِلِينَ وَسَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ سَاقِطَانِ.
قَالَ: وَيَسْقُطُ سَهْمُ الْعَامِلِينَ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا» اهـ.
وَقالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦):
«وقد سقط منها حق المؤلفة قلوبهم لأنَّ الله تعالى قد أغنى الإسلام وأهله عن أن يتألف عليه اليوم أحد ولو اضطر الإمام في وقت من الأوقات أن يتألف كافرًا يرجى نفعه وتخشى شوكته جاز أن يعطى من أموال الصدقات ويسقط العاملون لمن فرقها عن نفسه» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي [بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ] (٢/ ٣٧):
«وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَهَلِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ حَقُّهُمْ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا مُؤَلَّفَةَ الْيَوْمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ حَقُّ الْمُؤَلَّفَةِ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَأَلَّفُهُمُ الْإِمَامُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَامٌّ لَهُ وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ.
وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؟ - أَعْنِي: فِي حَالِ الضَّعْفِ لَا فِي حَالِ الْقُوَّةِ - وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا حَاجَةَ إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ الْآنَ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا الْتِفَاتٌ مِنْهُ إِلَى الْمَصَالِحِ» اهـ.
[ ٦ / ٢٦ ]
قُلْتُ: المعروف في كتب الحنفية أنَّ المؤلفة قلوبهم لا يعطون بعد النبي ﷺ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْغِينَانِيُّ ﵀ فِي [الْهِدَايَةِ] (١/ ١١٠):
«وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم لأنَّ الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم وعلى ذلك انعقد الإجماع» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على هذا قَوْلُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٩٨): «وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَوَلَّى إخْرَاجَ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، سَقَطَ حَقُّ الْعَامِلِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَجْرًا لِعَمَلِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا شَيْئًا فَلَا حَقَّ لَهُ، فَيَسْقُطُ، وَتَبْقَى سَبْعَةُ أَصْنَافٍ، إنْ وَجَدَ جَمِيعَهُمْ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُمْ اكْتَفَى بِعَطِيَّتِهِ، وَإِنْ أَعْطَى الْبَعْضَ مَعَ إمْكَانِ عَطِيَّةِ الْجَمِيعِ، جَازَ أَيْضًا» اهـ.
والأظهر أنَّ مرجع ذلك إلى الإمام.
الصنف الخامس: في الرقاب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْسِّيَاسَةِ الْشَّرْعِيَّةِ] (٦٠):
«يدخل فيه إعانة المكاتبين وافتداء الأسرى وعتق الرقاب هذا أقوى الأقوال فيها» اهـ.
قُلْتُ: وقد خالف الْإِمَام مالك في ذلك فقال: إنَّما يصرف سهم الرقاب في إعتاق العبيد، ولا يعجبني أن يعان منها مكاتب.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢١): «ويجوز أن يشتري من زكاته أسيرًا مسلمًا من أيدي المشركين؛ لأنَّه فك رقبة من الأسر، فهو كفك
[ ٦ / ٢٧ ]
رقبة العبد من الرق، ولأنَّ فيه إعزازًا للدين، فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولأنَّه يدفعه إلى الأسير لفك رقبته، فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك رقبته من الدين» اهـ.
قُلْتُ: فك الأسير إن لم يستقم دخوله في ذي الرقاب فهو داخل في مسمى الغارمين لأنَّه غارم لثمن فك أسره. والله أعلم. على أنَّ دخوله في مسمى ذي الرقاب له حظ من النظر لأنَّ الله ﷿ لم يقيد ذلك بالعتق بل أطلق الرقاب. والله أعلم.
الصنف السادس: الغارمون.
والأصل فيه ما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ١٨٤) - عند كلامه على حديث قبيصة -:
«فَقَوْلُهُ: "ثُمَّ يُمْسِكُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ، لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ٦ / ٢٨ ]
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [الْسِّيَاسَةِ الْشَّرْعِيَّةِ] (٦٠):
«هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها فيعطون وفاء ديونهم ولو كان كثيرًا إلَّا أن يكونوا غرموه في معصية الله تعالى فلا يعطون حتى يتوبوا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٤): «ومن الغارمين صنف يعطون مع الغنى، وهو غرم لإصلاح ذات البين، وهو أن يقع بين الحيين وأهل القريتين عداوة وضغائن، يتلف فيها نفس أو مال، ويتوقف صلحهم على من يتحمل ذلك، فيسعى إنسان في الإصلاح بينهم، ويتحمل الدماء التي بينهم والْأموال، فيسمى ذلك حمالة، بفتح الحاء، وكانت العرب تعرف ذلك، وكان الرجل منهم يتحمل الحمالة، ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى يؤديها، فورد الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة، فروى قبيصة بن المخارق، قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي ﷺ وسألته فيها.
فقال: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها".
ثم قال: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلَّا لثلاثة؛ رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش، أو قوامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش، أو قوامًا من عيش، وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتا يوم القيامة" أخرجه مسلم.
[ ٦ / ٢٩ ]
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني، إلَّا لخمسة".
ذكر منهم الغارم.
ولأنَّه إنَّما يقبل ضمانه وتحمله إذا كان مليًا، وبه حاجة إلى ذلك مع الغنى، وإن أدى ذلك من ماله، لم يكن له أن يأخذ؛ لأنَّه قد سقط الغرم، وإن استدان وأداها، جاز له الأخذ؛ لأنَّ الغرم باق، والمطالبة قائمة، والفرق بين هذا الغرم والغرم لمصلحة نفسه، أنَّ هذا الغرم يؤخذ لحاجتنا إليه لإطفاء الثائرة، وإخماد الفتنة، فجاز له الأخذ مع الغنى، كالغازي والمؤلف والعامل.
والغارم لمصلحة نفسه يأخذ لحاجة نفسه، فاعتبرت حاجته وعجزه، كالفقير والمسكين والمكاتب وابن السبيل.
وإذا كان الرجل غنيًا، وعليه دين لمصلحة لا يطيق قضاءه، جاز أن يدفع إليه ما يتم به قضاءه، مع ما زاد عن حد الغنى.
فإذا قلنا: الغنى يحصل بخمسين درهمًا.
وله مائة، وعليه مائة، جاز أن يدفع إليه خمسون، ليتم قضاء المائة من غير أن ينقص غناه.
قال أحمد: لا يعطى من عنده خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب، إلَّا مدينًا، فيعطى دينه، وإن كان يمكنه قضاء الدين من غير نقص من الغنى لم يعط شيئًا» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح من أقوال أهل العلم أنَّه يجوز قضاء دين الميت من الزكاة إذا لم يخلف ما يقضى به دينه لدخوله في جملة الغارمين، ولما رواه البخاري (٢٣٩٩)
[ ٦ / ٣٠ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُو، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ».
والضياع هم العيال الذين لا يوجد من يعولهم.
وروى مسلم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ».
والظاهر أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ سوف يقضي دينه من مال الزكاة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ١٨٥):
«وَاخْتَلَفُوا، هَلْ يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ أَمْ لَا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤَدَّى مِنَ الصَّدَقَةِ دَيْنُ مَيِّتٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَلَا يُعْطَى مِنْهَا مَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الْغَارِمُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُسْجَنُ فِيهِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ: يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَارِمِينَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ
[ ٦ / ٣١ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا"» اهـ.
وقد اختار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ قضاء دين الميت من الزكاة فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٨٠): «وأمَّا الدين الذي على الميت: فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي العلماء. وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ولم يقل وللغارمين. فالغارم لا يشترط تمليكه. وعلى هذا يجوز الوفاء عنه …» اهـ.
قُلْتُ: وقد منع من ذلك الْإِمَام أحمد في رواية أخرى، وهو مذهب أبي حنيفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٥٢٥): «قال أبو داود: سمعت أحمد وسئل يكفن الميت من الزكاة؟ قال لا ولا يقضى من الزكاة دين الميت وإنَّما لم يجز دفعها في قضاء دين الميت لأنَّ الغارم هو الميت ولا يمكن الدفع إليه وإن دفعها إلى غريمه صار الدفع إلى الغريم لا إلى الغارم» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ ما حكاه أبو عبيد وابن عبد البر من الإجماع في عدم قضاء دين الميت من الزكاة ليس بصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ٣٤٢):
«وَلَا يَقْضِي مِنْهَا دَيْنَ مَيِّتٍ غَرِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ "ع" لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ مِنْهَا "ع" وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ: يَجُوزُ. وَعَنْ مَالِكٍ أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مِثْلُهُ. وَأَطْلَقَ صَاحِبُ التِّبْيَانِ الشَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَذِكْرُهُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ لَا يُشْتَرَطُ
[ ٦ / ٣٢ ]
تمليكه؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلَمْ يَقُلْ: وَلِلْغَارِمِينَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢١١):
«لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا تِرْكَةَ لَهُ هَلْ يُقْضَى مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الصَّيْمَرِيِّ وَمَذْهَبُ النَّخَعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ كَالْحَيِّ وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا مَاتَ الْغَارِمُ لَمْ يُعْط وَرَثَتُهُ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعِنْدَنَا لَا يُدْفَعُ فِي دَيْنِهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا يُصْرَفُ مِنْهَا فِي كَفَنِهِ وَإِنَّمَا يُدْفَعُ إلَى وَارِثِهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ أَهْلُ الرَّأْي وَمَالِكٌ قَالَ: وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْضَى دَيْنُ الْمَيِّتِ وَكَفَنُهُ مِنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَجٍّ بَعْدَ هَذَا بِأَسْطُرٍ إذَا اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ثُمَّ مَاتَ دُفِعَ مَا يفك به تركته وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهل يدخل في الغارمين من عليه كفارة وغير ذلك من الدين لحق الله تعالى؟ محل نزاع بين العلماء.
وقد سبق في كلام القرطبي أنَّ أبا حنيفة منع من ذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [كَشَّافِ الْقِنَاعِ] (٢/ ٢٨٢)
[ ٦ / ٣٣ ]
«"وَيَجُوزُ الْأَخْذُ" مِنْ الزَّكَاةِ "لِقَضَاءِ دَيْنِ اللَّهِ" تَعَالَى مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ» اهـ.
وَقَالَ مُصْطَفَى الْسُيُوطِي الْحَنْبَلِي ﵀ فِي [الْمَطَالِبِ] (٢/ ١٤٤):
«"وَلَوْ" كَانَ مَا لَزِمَهُ "دَيْنًا لِلَّهِ" تَعَالَى، كَحَجٍّ فَسَدَ، وَعَجَزَ عَنْ قَضَائِهِ، فَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِيَقْضِيَهُ، لِأَنَّهُ دَيْنُ اللَّهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٤):
«وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْأَخْذُ لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَمْرو عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَشْهُورِ بِابْنِ الْحَاجِبِ الْكُرْدِيِّ الْمَالِكِيِّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي [جَامِعِ الْأُمَهَاتِ] (ص: ١٦٥):
«وَفِي مدان الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة قَولَانِ وَفِي دين الْمَيِّت قَولَانِ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّه لا يأخذ من الزكاة من أجل الدين الذي من حقوق الله تعالى، وذلك لأنَّ حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة عند العجز، وأمَّا حقوق العباد فمبنية على المشاحاة.
قُلْتُ: وهل للغارم أن يأخذ من نصيب الغارمين قبل حلول الدين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٤):
«وَمِنْهَا: جَوَازُ الْأَخْذِ لِلْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ قَبْلَ حُلُولِ دَيْنِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩):
«الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَفِي إعْطَائِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: لَا يُعْطَى وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ الْآنَ.
وَالثَّانِي: يُعْطَى لِأَنَّهُ يُسَمَّى غَارِمًا.
[ ٦ / ٣٤ ]
وَالثَّالِثُ: حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَجَلُ يَحِلُّ تِلْكَ السَّنَةِ أُعْطِيَ وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى مِنْ صَدَقَاتِ تِلْكَ السَّنَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْوَجْهَانِ هُنَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ النَّجْمُ هَلْ يعطى قال وقد يرتب هَذَا الْخِلَافُ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ ثُمَّ تَارَةً يُجْعَلُ الْغَارِمُ أَوْلَى بِأَنْ يُعْطَى لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مُسْتَقِرٌّ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَتَارَةً يُجْعَلُ الْمُكَاتَبُ أَوْلَى بِأَنْ يُعْطَى لِأَنَّ لَهُ التَّعْجِيلَ لِغَرَضِ الْحُرِّيَّةِ.
قُلْتُ: وَجَمَعَ الدَّارِمِيُّ مَسْأَلَتَيْ الْمُؤَجَّلِ فِي الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَذَكَرَ فِيهِمَا أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُعْطَيَانِ فِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي: لَا.
وَالثَّالِثُ: يُعْطَى الْمُكَاتَبُ لَا الْغَارِمُ.
وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر ما ذهب إليه الرافعي من أنَّ الدين إن كان يحل تلك السنة فيعطى من الزكاة وإلَّا فلا.
قُلْتُ: ويدخل في الغارمين من غرم في فعل خير كبناء مسجد أو غير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢١٠):
«ذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ مَا اسْتَدَانَهُ لِعِمَارَةِ مسجد وَقِرَى الضَّيْفِ فَهُوَ كَمَا اسْتَدَانَهُ لِنَفَقَتِهِ وَمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٨/ ٥٠٩):
«وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدَانَ فِي مَصْلَحَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ فِتْنَةٍ وَلَا مَنْعِ حَرْبٍ كَرَجُلٍ أَدَانَ فِي عِمَارَةِ مَسْجِدٍ أَوْ جَامِعٍ أَوْ بِنَاءِ حِصْنٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ أَوْ فَكِّ أَسْرَى
[ ٦ / ٣٥ ]
أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى ذلك من المصالح العامة التي تتعلق لحسم فِتْنَةٍ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى بِالْعَقَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَعَ الْغِنَى بِالنَّاضِّ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّفْعِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُتَرَدِّدًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ» اهـ.
قُلْتُ: وإذا دفع الغارم الدين من ماله فلا يعطى من الزكاة لخروجه عن مسمى الغارمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٠٧)
«إنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مادام الدين باق عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِمَنْ اسْتَدَانَهُ مِنْهُ ودفعه في الإصلاح أو كان تَحَمَّلَ الدِّيَةَ مَثَلًا لِأَهْلِ الْقَتِيلِ وَلَمْ يُؤَدِّهَا بَعْدُ فَيُدْفَعُ إلَيْهِ مَا يُؤَدِّيهِ فِي دَيْنِهِ أَوْ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ فَلَوْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَدَّاهُ ابْتِدَاءً مِنْ مَالِهِ لَمْ يُعْطَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَارِمٍ إذا لا شيء عَلَيْهِ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٨١):
«وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ الْغُرْمُ، وَإِنْ اسْتَدَانَ وَأَدَّاهَا، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بَاقٍ، وَالْمُطَالَبَةَ قَائِمَةٌ» اهـ.
الصنف السابع: في سبيل الله.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْسِّيَاسَةِ الْشَّرْعِيَّةِ] (٦٠): «وهم الغزاة الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم فيعطون ما يغزون به أو تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة وأجرة والحج من سبيل الله كما قال النبي ﷺ» اهـ.
لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ في [أَحَكَامِ الْقُرَآنِ] (٤/ ٣٣٧): «وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر» اهـ.
[ ٦ / ٣٦ ]
قُلْتُ: قال ذلك باعتبار ما بلغه من العلم، وسيأتي الأثر في ذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٧): «مسألة: قال: ويعطى أيضًا في الحج وهو من سبيل الله.
يروى هذا عن ابن عباس وعن ابن عمر الحج في سبيل الله وهو قول إسحاق لما روي أنَّ رجلًا جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي ﷺ:
"اركبيها فإن الحج في سبيل الله". وعن أحمد ﵀ رواية أخرى لا يصرف منها في الحج وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وهذا أصح لأنَّ سبيل الله عند الإطلاق إنَّما ينصرف إلى الجهاد فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلَّا اليسير فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك لأنَّ الظاهر إرادته به ولأنَّ الزكاة إنَّما تصرف إلى أحد رجلين محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضًا إليه لأنَّ الفقير لا فرض عليه فيسقطه ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها وخفف عنه إيجابها وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو دفعه في مصالح المسلمين أولى وأما الخبر فلا يمنع أن يكون الحج من سبيل الله والمراد بالآية غيره لما ذكرنا وَقَالَ الشافعي يجوز الدفع إلى من أراد الحج لكونه
[ ٦ / ٣٧ ]
ابن سبيل ولا يصح لأنَّ ابن السبيل المسافر المنقطع به أو من هو محتاج إلى السفر ولا حاجة بهذا إلى هذا السفر» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الزَّرْكَشِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْخِرَقِي] (٤/ ٦٣٠):
«وأجاب القاضي بأنَّ له فيه مصلحة، لأنَّه يسقط به فرضًا ماضيًا أو مستقبلًا. انتهى.
وقد يقال: إنَّه من مصلحتنا، لما فيه من الاهتمام بهذا الشعار العظيم.
تنبيه: إذا قلنا: يعطى في الحج؛ فشرط المدفوع إليه الفقر، على ما جزم به الشيخان وغيرهما، وهو أحد احتمالي صاحب التلخيص، وهل يشترط كون الحج فرضًا؟ شرطه أبو الخطاب، وتبعه عليه أبو محمد في المقنع، وهو مقتضى جواب القاضي المتقدم، ولم يشترطه الأكثرون؛ الخرقي، والقاضي، وصاحب التلخيص، وأبو البركات، وغيرهم، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره ابن قدامة وأشار إليه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ رواه أحمد (٢٧١٥١، ٢٧٣٢٧)، وأبو داود (١٩٨٨) مِنْ طَرِيْقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ مَرْوَانَ، الَّذِي أُرْسِلَ إِلَى أُمِّ مَعْقَلٍ، قَالَتْ: كَانَ أَبُو مَعْقَلٍ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَتْ أُمُّ مَعْقَلٍ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلَيَّ حَجَّةً فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ حَتَّى دَخَلَا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيَّ حَجَّةً وَإِنَّ لِأَبِي مَعْقَلٍ بَكْرًا، قَالَ أَبُو مَعْقَلٍ: صَدَقَتْ، جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْطِهَا فَلْتَحُجَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي
[ ٦ / ٣٨ ]
سَبِيلِ اللَّهِ» فَأَعْطَاهَا الْبَكْرَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرْتُ وَسَقِمْتُ فَهَلْ مِنْ عَمَلٍ يُجْزِئُ عَنِّي مِنْ حَجَّتِي، قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تُجْزِئُ حَجَّةً».
قُلْتُ: وفيه إبهام رسول مروان.
ورواه أبو داود (١٩٨٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْقَلِ بْنِ أُمِّ مَعْقَلٍ الْأَسَدِيِّ أَسَدِ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ مَعْقَلٍ، قَالَتْ: لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ، فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَصَابَنَا مَرَضٌ وَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ جِئْتُهُ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا؟»، قَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأْنَا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ هُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: «فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَّا إِذْ فَاتَتْكِ هَذِهِ الْحَجَّةُ مَعَنَا فَاعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهَا كَحَجَّةٍ» فَكَانَتْ تَقُولُ: الْحَجُّ حَجَّةٌ، وَالْعُمْرَةُ عُمْرَةٌ، وَقَدْ قَالَ: هَذَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَدْرِي أَلِيَ خَاصَّةً.
قُلْتُ: ابن إسحاق مدلس وقد عنعن، وعيسى بن معقل لم يوثقه معتبر.
وفي الحديث اختلاف كثير ذكره الحافظ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٣/ ٢٨٣) وَقَالَ بعد ذكره للاختلاف:
«والحديث يصح عن أبي معقل، وأم معقل، وأنَّهما شافها النبي ﷺ بالسؤال» اهـ.
[ ٦ / ٣٩ ]
قُلْتُ: وروى أحمد (١٧٩٣٩) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنِ أَبِي لَاسٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: حَمَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ضِعَافٍ إِلَى الْحَجِّ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ الْإِبِلَ ضِعَافٌ نَخْشَى أَنْ لَا تَحْمِلَنَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ بَعِيرٍ إِلَّا فِي ذُرْوَتِهِ شَيْطَانٌ،، فَارْكَبُوهُنَّ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ كَمَا أُمِرْتُمْ، ثُمَّ امْتَهِنُوهُنَّ لِأَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا يَحْمِلُ اللَّهُ».
ورواه البخاري تعليقًا (٢/ ١٢٢) فقال: وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ، «حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ولولا أنَّ الحج من سبيل الله تعالى لما حملهم على إبل الصدقة.
قُلْتُ: وأمَّا أثر ابن عمر فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٨٢) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّ امْرَأَةً أَوْصَتْ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ التُّرْفَةِ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ امْرَأَةٌ أَوْصَتْ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَنُعْطِيهَا فِي الْحَجِّ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ».
قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٨٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بِشَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «الْحَجُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ، لكنه في غير الزكاة.
[ ٦ / ٤٠ ]
وروى أبو عبيد في [الْأَمْوَال] (١٧٨٦، ١٩٦٦) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ الْأَشْرَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فِي الْحَجِّ، وَأَنْ يُعْتِقَ مِنْهُ الرَّقَبَةَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
ورواه البخاري تعليقًا (٢/ ١٢٢) فقال: وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الحَجِّ».
قال أبو عبيد (ص: ٧٢٣): «وَأَمَّا مَا قَالَ فِي الْحَجِّ، فَلَسْتُ أَدْرِي أَمَحْفُوظٌ ذَلِكَ عَنْهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ فِي حَدِيثِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ ثَبَتَ عَنْهُ، فَإِنَّا نَرَاهُ تَأَوَّلَ الْآيَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] فَجَعَلَ الْحَجَّ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ» اهـ.
قُلْتُ: لا يضر تفرد أبي معاوية محمد بن خازم فإنَّه ثقة ومن أحفظ الناس لحديث الأعمش، ولم يتفرد بذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٣١):
«وَتَابَعَ أَبَا مُعَاوِيَةَ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ عَنْ عَبْدَةَ عَنِ الْأَعْمَش عَنْ بن أَبِي الْأَشْرَسِ وَلَفْظُهُ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ ثُمَّ يَقُولُ جَهِّزُوا مِنْهَا إِلَى الْحَجِّ» اهـ.
قُلْتُ: أكثر علماء الحنابلة على إدخال حج التطوع في سبيل الله تعالى كما مضى في كلام الزركشي، وهل تدخل العمرة في ذلك أو لا؟ وهل يشترط الفقر للإعطاء أو لا؟.
[ ٦ / ٤١ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْمُبْدِعِ] (٢/ ٤١٢):
«وَيُشْتَرَطُ لَهُ الْفَقْرُ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ لَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ سِوَاهَا، وَقِيلَ: لَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " فَيَجُوزُ لِلْغَنِيِّ كَوَصِيَّتِهِ بِثُلُثِهِ فِي السَّبِيلِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، (قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ) جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِسْقَاطِ الْفَرْضِ، وَالتَّطَوُّعُ لَهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي جَوَازَهُ فِي النَّفْلِ كَالْفَرْضِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ، فَعَلَى هَذَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَحُجُّ بِهِ حَجَّةً كَامِلَةً، وَمَا يُعِينُهُ فِي حَجِّهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ زَكَاةِ نَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْزُوَ بِهَا.
فَرْعٌ: الْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ، نَقَلَ جَعْفَرٌ: الْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٦):
«فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَأْخُذُ إلَّا الْفَقِيرُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَأْخُذُ الْغَنِيُّ أَيْضًا، وَهُمَا احْتِمَالَانِ فِي التَّلْخِيصِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي السَّبِيلِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَا يَأْخُذُ إلَّا لِحَجِّ الْفَرْضِ، أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْإِفَادَاتِ فِيهَا. وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى، وَعَنْهُ يَأْخُذُ لِحَجِّ
[ ٦ / ٤٢ ]
النَّفْلِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَنِهَايَتِهِ. وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْفَرْضَ الْأَكْثَرُونَ: الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَأَبُو الْبَرَكَاتِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
فَائِدَةٌ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِي ذَلِكَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. نَقَلَ جَعْفَرٌ " الْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَعَنْهُ هِيَ سُنَّةٌ» اهـ.
قُلْتُ: فالذي يظهر لي صحة دخول الحج في مصارف الزكاة.
والأظهر ادخال حج التطوع فيه لإطلاق الأدلة والآثار، وأمَّا العمرة فالأظهر دخولها لما رواه أحمد (٢٧٢٨٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَحَجَّاجٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى أُمِّ مَعْقِلٍ الْأَسَدِيَّةِ يَسْأَلُهَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَتْهُ، أَنَّ زَوْجَهَا جَعَلَ بَكْرًا لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتِ الْعُمْرَةَ، فَسَأَلَتْ زَوْجَهَا الْبَكْرَ فَأَبَى، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ»، وَقَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، أَوْ تُجْزِئُ حَجَّةً»، وَقَالَ حَجَّاجٌ: «تَعْدِلُ بِحَجَّةٍ أَوْ تُجْزِئُ بِحَجَّةٍ».
وروى الدارمي (٣٣٤٧) حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُوسَى هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ
[ ٦ / ٤٣ ]
رَجُلًا أَوْصَى إِلَيَّ وَجَعَلَ نَاقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هَذَا زَمَانًا يُخْرَجُ إِلَى الْغَزْوِ، فَأَحْمِلُ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ.
والحج والعمرة يدخلان أيضًا في مسمى الجهاد لما رواه أحمد (٢٥٣٢٢)، وابن ماجه (٢٩٠١) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: " «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، ورواه البخاري (٢٨٧٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: «جِهَادُكُنَّ الحَجُّ».
وروى النسائي (٢٦٢٦) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جِهَادُ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ، وَالضَّعِيفِ، وَالْمَرْأَةِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وسعيد بن أبي هلال وصفه أحمد بالاختلاط لكن حديثه في الصحيحين من رواية خالد بن يزيد المصري عنه.
وهل يدخل في ذلك طلب العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٢/ ٢١٦):
[ ٦ / ٤٤ ]
«"قَوْلُهُ وَالْقَاضِي وَالْعَالِمُ إلَخْ" أَيْ: قَاضِي الْمُسْلِمِينَ وَعَالِمُهُمْ وَمُفْتِيهِمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْقَاضِيَ فِي الزَّكَاةِ وَالْعَالِمَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي شُرُوطِ السَّاعِي عَدْلٌ عَالِمٌ، "قَوْلُهُ: وَلِذَا إذَا لَمْ يُعْطَوْا مِنْهُ" ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ فَقَدْ أَجَابَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الصَّالِحُ بْنُ سُلَيْمٍ الْأَوْجَلِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ إعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِلْعَالِمِ الْغَنِيِّ وَالْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ نَفْعُهُ عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَجُوزُ إعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْقَارِئِ وَالْعَالِمِ وَالْمُعَلِّمِ وَمَنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ لِعُمُومِ نَفْعِهِمْ وَلِبَقَاءِ الدَّيْنِ كَمَا نَصَّ عَلَى جَوَازِهَا ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ وَقَدْ عَدَّهُمْ اللَّهُ ﷾ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي تُعْطَى لَهُمْ الزَّكَاةُ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] يَعْنِي: الْمُجَاهِدَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِعُمُومِ نَفْعِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُعْطَى الْمُجَاهِدُ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي عُمُومِ النَّفْعِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْعَالِمُ وَالْقَارِئُ وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُؤَذِّنُونَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ بَقَاءَ الْإِسْلَامِ وَشُهْرَتَهُ وَتَعْظِيمَهُ وَإِرَاحَةَ الْقُلُوبِ عَلَيْهِ فَيَنْخَرِطُ ذَلِكَ فِي سِلْكِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] قَالَهُ مُحَمَّدٌ الصَّالِحُ بْنُ سُلَيْمٍ الْأَوْجَلِيُّ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَوْلَى بِالزَّكَاةِ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْفَاسِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ قَالَ شَيْخُنَا السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ: هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَاتِبٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَفِي أَسْئِلَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجُوزُ لِلْعُلَمَاءِ الْفُقَرَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ اهـ. أَيْ: فَقَيَّدَ بِالْفُقَرَاءِ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا فَانْظُرْهُ» اهـ.
[ ٦ / ٤٥ ]
وَقَالَ الْدُّسُوْقِي الْمالِكِي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (١/ ٤٩٧ - ٤٩٩):
«"تَنْبِيهٌ" لَا تُعْطَى الزَّكَاةُ لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي إلَّا أَنْ يُمْنَعُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا جَازَ لَهُمْ الْأَخْذُ بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَمَّا الْغَنِيُّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَابْنُ رُشْدٍ إذَا مُنِعُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانُوا فُقَرَاءَ أَوْ أَغْنِيَاءَ بِالْأَوْلَى مِنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ خش وَقَرَّرَ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْسَّعْدِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣٤١): «وَقَالَ كثير من الفقهاء: إن تفرغ القادر على الكسب لطلب العلم، أعطي من الزكاة، لأنَّ العلم داخل في الجهاد في سبيل اللّه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٨/ ٣٩٢):
«الذي أرى جواز صرف الزكاة لطلبة العلم المنقطعين لطلبه إذا كان علمًا شرعيًّا؛ لأنَّ الدين قام بالعلم والسلاح، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ومن المعلوم أن جهاد المنافقين إنما هو بالعلم لا بالسلاح، وعلى هذا فتصرف الزكاة لهم في نفقاتهم وما يحتاجون إليه من الكتب، سواء كان على سبيل التمليك الفردي الذي يشترى لكل فرد منهم، أم على سبيل التعميم كالكتب التي تشترى فتودع في مكتبة يرتادها الطلاب، لأن الكتب لطالب العلم بمنزلة السيف والبندقية ونحوهما للمقاتل.
[ ٦ / ٤٦ ]
أما بناء المساكن والمدارس لطلبة العلم ففي نفسي شيء من جواز صرف الزكاة فيها، والفرق بينها وبين الكتب أن الانتفاع بالكتب هو الوسيلة لتحصيل العلم، فلا علم إلا بالكتب، بخلاف المساكن والمدارس، لكن إذا كان الطلبة فقراء استؤجر لهم مساكن من الزكاة فتصرف إليهم في هذه الناحية من سهم الفقراء ويستحقون ذلك لفقرهم، وكذلك المدارس إذا لم تمكنهم الدراسة في المساجد. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ آلِ الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَدٍ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيْفِ آلِ الْشَّيْخِ] (٤/ ١٤٢):
«وها هنا أمر هام يصح أن يصرف فيه من الزكاة، وهو إعداد قوة مالية للدعوة إلى الله ولكشف الشبه عن الدين، وهذا يدخل في الجهاد، هذا من أعظم سبيل الله» اهـ.
قُلْتُ: من تفرغ للعلم فأصابته الحاجة من أجل تفرغه لطلب العلم فيعطى من الزكاة لحاجته، وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فالمراد به الجهاد في سبيل الله الذي هو قتال الكافرين في قول جمهور العلماء، ومنهم من أدخل الحج كما مضى.
وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الإِقْنَاعِ] (١/ ٢٩١):
«وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم وتعذر الجمع أعطي» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ]- ١ (١٠/ ٤٧ - ٤٨):
«بعد الاطلاع على ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك من أقوال أهل العلم في بيان المراد بقول الله تعالى في آية مصارف الزكاة: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ودراسة أدلة
[ ٦ / ٤٧ ]
كل قول، ومناقشة أدلة من فسر المراد بسبيل الله في الآية بأنهم الغزاة وما يلزمهم من أجل الغزو خاصة، وأدلة من توسع في المراد بها، ولم يحصرها في الغزاة، فأدخل فيها بناء المساجد والقناطر وتعليم العلم وتعلمه وبث الدعاة والمرشدين إلى غير ذلك من أعمال البر ووجوهه، ورأى أكثر أعضاء الهيئة الأخذ بقول جمهور العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في آية مصارف الزكاة الغزاة المتطوعون بغزوهم، وما يلزم لهم من استعداد، وإذا لم يوجدوا صرفت الزكاة كلها لما وجد من مصارفها الأخرى، ولا يجوز صرفها في شيء من المرافق العامة من بناء مساجد وقناطر وأمثالهما، إلَّا إذا لم يوجد لها مستحق من الأصناف الثمانية المنصوص عليها في آية مصارف الزكاة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن منيع … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … إبراهيم بن محمد آل الشيخ» اهـ.
وقد توسع بعض الحنفية في ذلك حتى قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَّنَائِعِ] (٤/ ٢٦): «وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عبارة عن جميع القرب فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجًا» اهـ.
قُلْتُ: وهذا توسع غير سديد فإنَّه يبطل الحصر في الآية المستفاد من "إنمَّا".
[ ٦ / ٤٨ ]
فائدة: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٣/ ١٦٣): «ومن ليس معه ما يشترى به كتبا يشتغل بها بعلم الدين يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لتعلم دينه أو دنياه منها» اهـ.
الصنف الثامن: ابن السبيل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٨): «وابن السبيل هو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده وله اليسار في بلده فيعطى ما يرجع به وهذا قول قتادة ونحوه قال مالك وأصحاب الرأي وَقَالَ الشافعي هو المجتاز ومن يريد إنشاء السفر إلى بلد أيضًا فيدفع إليهما ما يحتاجان إليه لذهابهما وعودهما لأنَّه يريد السفر لغير معصية فأشبه المجتاز.
ولنا أن ابن السبيل هو الملازم للطريق الكائن فيها كما يقال ولد الليل للذي يكثر الخروج فيه والقاطن في بلده ليس في طريق ولا يثبت له حكم الكائن فيها لهذا لا يثبت له حكم السفر بهمه به دون فعله ولأنَّه لا يفهم من ابن السبيل إلَّا الغريب دون من هو في وطنه ومنزله وإن انتهت به الحاجة منتاها فوجب أن يحمل المذكور في الآية على الغريب دون غيره وإنَّما يعطى وله اليسار في بلده لأنَّه عاجز عن الوصول إليه والانتفاع به فهو كالمعدوم في حقه فإن كان ابن السبيل فقيرًا في بلده أعطي لفقره وكونه ابن السبيل لوجود الْأمرين فيه ويعطى لكونه ابن سبيل قدر ما يوصله إلى بلده لأنَّ الدفع إليه للحاجة إلى ذلك فتقدر بقدره وتدفع إليه وإن كان موسرًا في بلده إذا كان محتاجًا في الحال لأنَّه عاجز عن الوصول إلى ماله
[ ٦ / ٤٩ ]
فصار كالمعدوم وإن فضل معه شيء بعد رجوعه إلى بلده رده لأنَّه أخذه للحاجة وقد حصل الغنى بدونه فأشبه ما لو أخذه لغزو فلم يغز وإن كان فقيرًا أو اتصل بسفره أخذ الفضل لفقره لأنَّه إن فات الاستحقاق بكونه ابن سبيل حصل الاستحقاق بجهة أخرى وإن كان غارمًا أخذ الفضل لغرمه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا كلام سديد.
وَقَالَ ﵀ [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٨): «فصل: وإن كان ابن السبيل مجتازًا يريد بلدًا غير بلده فقال أصحابنا يجوز أن يدفع إليه ما يكفيه في مضيه إلى مقصده ورجوعه إلى بلده لأنَّ فيه إعانة على السفر المباح وبلوغ الغرض الصحيح لكن يشترط كون السفر مباحًا إمَّا قربة كالحج والجهاد وزيارة الوالدين أو مباحًا كطلب المعاش والتجارات فأمَّا المعصية فلا يجوز الدفع إليه فيها لأنَّه إعانة عليها وتسبب إليها فهو كفعلها فإنَّ وسيلة الشيء جارية مجراه وإن كان السفر للنزهة فيه وجهان: أحدهما يدفع إليه لأنَّه غير معصية، والثاني: لا يدفع إليه لأنَّه لا حاجة به إلى هذا السفر.
ويقوى عندي أنَّه لا يجوز الدفع للسفر إلى غير بلده لأنَّه لو جاز ذلك لجاز للمنشئ للسفر من بلده ولأنَّ هذا السفر إن كان لجهاد فهو يأخذ له من سهم سبيل الله وإن كان حجًا فغيره أهم منه وإذا لم يجز الدفع في هذين ففي غيرهما أولى وإنَّما ورد الشرع بالدفع إليه للرجوع إلى بلده لأنَّه أمر تدعو حاجته إليه ولا غنى به عنه فلا يجوز إلحاق غيره به لأنَّه ليس في معناه فلا يجوز قياسه عليه ولا نص فيه فلا يثبت جوازه لعدم النص والقياس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨):
[ ٦ / ٥٠ ]
«وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّفَرُ فِي الطَّاعَةِ: أُعْطِيَ بِلَا نِزَاعٍ بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُعْطَى أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَفَرَ طَاعَةٍ، فَلَا يُعْطَى فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَجَزَمَ بِهِ أَيْضًا فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ سَفَرَ نُزْهَةٍ: فَفِي جَوَازِ إعْطَائِهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ الْأَخْذُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَيُعْطَى بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ مِمَّنْ انْقَطَعَ بِهِ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُبَاحِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ، وَلَا يُجْزِئُ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ: الْجَوَازُ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ دُونَ التَّنَزُّهِ، وَأَمَّا السَّفَرُ الْمَكْرُوهُ: فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُعْطَى. مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُعْطَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّلْخِيصِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَّلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْصِيَةً، فَدَلَّ أَنَّهُ يُعْطَى فِي سَفَرٍ مَكْرُوهٍ. قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ إبَاحَةِ التَّرْخِيصِ فِيهِ. انْتَهَى. وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ: فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى فِيهِ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَظَاهِرُ مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ نَظِيرُ إبَاحَةِ التَّرَخُّصِ فِيهِ جَرَيَانُ خِلَافٍ هُنَا، فَإِنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ اخْتَارَ هُنَاكَ جَوَازَ التَّرَخُّصِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. كَمَا تَقَدَّمَ.
[ ٦ / ٥١ ]
وَقَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: وَابْنُ السَّبِيلِ الْآيِبُ إلَى بَلَدِهِ، وَلَوْ مِنْ فُرْجَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ فِي وَجْهٍ. وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا تَابَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ. قَوْلُهُ "دُونَ الْمُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدٍ" يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُعْطَى، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يُعْطَى أَيْضًا.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ قَدْرَ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى بَلَدِهِ، وَلَوْ مَعَ غِنَاهُ فِي بَلَدِهِ، وَيُعْطَى أَيْضًا مَا يُوَصِّلُهُ إلَى مُنْتَهَى مَقْصِدِهِ، وَلَوْ اجْتَازَ عَنْ وَطَنِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا فَارَقَ وَطَنَهُ لِقَصْدٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ لَا يُعْطَى، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ ظَاهِرَ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَدَرَ ابْنُ السَّبِيلِ عَلَى الِاقْتِرَاضِ، فَأَفْتَى الْمَجْدُ بِعَدَمِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ وَأَفْتَى الشَّارِحُ بِجَوَازِ الْأَخْذِ، وَقَالَ: لَمْ يَشْتَرِطْ أَصْحَابُنَا عَدَمَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاقْتِرَاضِ؛ وَلِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَهُوَ الصَّوَابُ» اهـ.
قُلْتُ: من قصد سفرًا لحاجة أو لطاعة فانقطع به فالأظهر أنَّه يعطى من الزكاة ما يوصله إلى مقصده ويرجعه إلى بلده لأنَّه يصدق عليه أنَّه عابر سبيل وإلزامه بالرجوع قبل أن يقضي غرضه حرج عليه.
وأمَّا من سافر لمعصية أو لغير حاجة كالمتنزه فلا يعطى من الزكاة على الصحيح إلَّا من تاب وانقطع عن الرجوع فيعطى من الزكاة ومثله من خرج للتنزه وانقطع عن الرجوع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٨/ ٥١٤):
[ ٦ / ٥٢ ]
«وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ مُبَاحًا فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالسَّفَرِ إِلَى نُزْهَةٍ وَتَفَرُّجٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى وَإِنْ أُبِيحَتْ لَهُ الرُّخَصُ لِأَنَّ مَالَ الصَّدَقَاتِ مَصْرُوفٌ إِلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا وَلَكِنْ لَوْ سَافَرَ لِلنُّزْهَةِ بِمَالِهِ ثُمَّ انْقَطَعَتْ بِهِ النَّفَقَةُ لِعَوْدِهِ جَازَ أَنْ يُعْطَى لِحَاجَتِهِ وَضَرُورَتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ كَالسَّفَرِ فِي طَلَبِ غَرِيمٍ هَرَبَ أَوْ عَبْدٍ أَبَقَ أَوْ جَمَلٍ شَرَدَ فَهَذَا يُعْطَى لِسَدِّ حَاجَتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ لَكِنَّهَا غَيْرُ مَاسَّةٍ كَالسَّفَرِ فِي تِجَارَةٍ فَفِي جَوَازِ إِعْطَائِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْطَى لِوُجُودِ الْحَاجَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يُعْطَى لِأَنَّهُ طَالِبٌ لِلِاسْتِزَادَةِ» اهـ.
قُلْتُ: وذهب الإمام مالك إلى أنَّ المنقطع في حجة يعطى من الزكاة.
فَقَالَ سَحْنُونُ فِي [الْمُدَوَنَةِ] (١/ ٣٤٦):
«قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ ابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ إذَا احْتَاجَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُعْطَى مِنْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا.
قُلْتُ: فَالْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ بِهِ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ.
قُلْتُ: وَالْحَاجُّ عِنْدَ مَالِكٍ ابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» اهـ.
قُلْتُ: وذهب الإمام الشافعي أنَّ من أنشأ سفرًا للحج فهو من أبناء السبيل فيعطى من الزكاة، وهكذا إذا أنشأ غيره من الأسفار المباحة لحاجة من الحاجات.
[ ٦ / ٥٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٨٤):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى السَّفَرِ، وَلَا حَاجَةَ بِهَذَا إلَى هَذَا السَّفَرِ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يجب تمليك سائر الأصناف الثمانية غير الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم كما هو مدلول الآية. والله أعلم.
٢٥ - وقوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». رد على أبي حنيفة حيث ذهب إلى أنَّ لم يملك النصاب فله حق بالزكاة وإن كان قويًا مكتسبًا عنده ما يكفيه.
وقد روى أحمد (٢٣١١٣، ١٨٠٠١)، وأبو داود (١٦٣٥)، والنسائي (٢٥٩٨) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ: أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٢٦ - واحتج أبو حنيفة وصاحباه بقوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». أنَّ الغارم لإصلاح ذات البين لا يأخذ من الزكاة إلَّا إذا كان فقيرًا لا يملك نصابًا، وهكذا قال في المجاهد في سبيل الله، وخالفهم في ذلك جمهور العلماء.
٢٧ - ويستثنى من قوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». عمودا النسب إذا كان منفقًا عليهما أو قادرًا على الانفاق عليهما.
وأمَّا إذا كان عاجزًا فله أن يعطيهما من زكاة ماله.
[ ٦ / ٥٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا لِلْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلَ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ، فِي الْحَالِ الَّتِي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ تُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَتُسْقِطُهَا عَنْهُ، وَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَمَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ، وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ " لِلْوَالِدَيْنِ " يَعْنِي الْأَبَ وَالْأُمَّ.
وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ عَلَوْا " يَعْنِي آبَاءَهُمَا وَأُمَّهَاتِهِمَا، وَإِنْ ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُمْ مِنْ الدَّافِعِ، كَأَبَوَيْ الْأَبِ، وَأَبَوَيْ الْأُمِّ، وَأَبَوَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، مَنْ يَرِثُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرِثُ. وَقَوْلُهُ: "وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ" يَعْنِي وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ مِنْ أَوْلَادِهِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، الْوَارِثِ وَغَيْرِ الْوَارِثِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: لَا يُعْطِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَلَا الْوَلَدَ وَلَا وَلَدَ الْوَلَدِ، وَلَا الْجَدَّ وَلَا الْجَدَّةَ وَلَا وَلَدَ الْبِنْتِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ" يَعْنِي الْحَسَنَ، فَجَعَلَهُ ابْنَهُ وَلِأَنَّهُ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، فَأَشْبَهَ الْوَارِثَ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً جُزْئِيَّةً وَبَعْضِيَّةً، بِخِلَافِ غَيْرِهَا» اهـ.
قُلْتُ: ويستثنى من ذلك من كان عاجزًا عن النفقة عليهما.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٥٧): «صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفُل كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم لوجود المقتضى السالم عن المعارض العادم وهو أحد
[ ٦ / ٥٥ ]
القولين في مذهب أحمد وكذا إن كانوا غارمين أو مكاتبين أو أبناء السبيل وهو أحد القولين أيضًا» اهـ.
قُلْتُ: ومن تعينت عليه النفقة على قريبه فيحرم عليه أن يدفع إليهم زكاة ماله إن كان قادرًا على اغنائهم من ماله.
جَاءَ فِي [جَامِعِ الْمَسَائِلِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ - جمع عزير شمس] (٦/ ٣٧١ - ٣٧٤):
«مسألة: في رجل فقيرٍ وعليه دَين، وله أخٌ لأبويه وهو غنيٌّ، هل للغنيّ دَفْعُ الزكاةِ لأخيه الفقير دونَ الأجانب؟ وهل يجوز له تعجيلُ الزكاةِ له سنة أو سنتين؟
جواب الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية:
نعم، يجوز أن يدفع إليه من زكاتِه ما يَستحقُّه مثلُه من الزكاة، وهو أولى من أجنبيّ ليس مثلَه في الحاجة، ويجوز تعجيلُ الزكاة. وذلك لأنَّ نصوص الكتاب والسنة تتناول القريبَ والبعيدَ في الإعطاء من الزكاة، وامتازَ إعطاءُ القريب بما فيه من الصلة، وقد قال النبي ﷺ: "صدقتك على المسكين صدقةٌ، وصدقتك على ذي الرحم صدقة وصِلَةٌ". والصدقة في الصلة أفضلُ من الصدقة المجردة.
والذين منعوا من إعطاءِ الزكاة له قالوا: نفقتُه واجبةٌ على الأخ، فيكون مستغنيًا بها، فلا يُعطيه ما يقوم مقامَ النفقة الواجبة. وهذا القول ضعيف لوجوهٍ:
أحدها: أنَّه قد لا تكون النفقةُ واجبةً عليه، بأن لا يكون للمزكِّي فضلٌ يُنفِقُه على أخيه، وهذا حالُ كثير من الناس. فإذا حُرِمَ الصدقةَ مع النفقة كان هذا ضدَّ مقصودِ الشارع.
[ ٦ / ٥٦ ]
الثاني: أن يقال: هَبْ أن نفقتَه واجبةٌ عليه، فإنَّما ذلك بشرط أن لا يكون قادرًا على الكَسْب وأن يطالب بها، فإذا كان متمكنًا من أخذ الزكاة واختار ذلك لم تجب النفقةُ في هذا الحال. كما لو اختارَ أخذَ الزكاةِ من أجنبي، فإن النفقة لا تجب في هذا الحال إجماعًا. وليس أن يُمنَع من الزكاة لأجل وجوب النفقة بأولَى من أن يُمنَع من النفقة لأجل وجوب الزكاة، بل هذا أولى، لأنَّ الصدقةَ مالٌ أباحَه الله له ولأمثالِه، فإذا كان قادرًا عليه لم يكن به حاجةٌ إلى النفقة، والنفقة إنما وجبتْ عند العجز عن الاكتساب، وأخذُ الزكاة من جملة وجوهِ الاكتساب.
وكما أنَّ الصدقة لا تَحِلُّ لغنيِّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ، فهو أيضًا لا يستحقُّ النفقةَ.
الوجه الثالث: لو وجبتْ نفقتُه على غيره، وامتنعَ ذلك الغير من إعطائها، كان له أخذُ الزكاةِ بالاتفاق. فهذا القريبُ لو قُدِّرَ امتناعُه من الإنفاق لم يَحرُمْ على هذا أخذُ زكاتِه. ولا يقال: الزكاةُ لم تَسقُط عن ذلك، بل غايةُ ما يُقال: إنَّه عاصٍ بتَرْكِ النفقة.
الرابع: أن يقال: لا ريبَ أنَّه يجبُ إغناءُ هذا الفقير، فإمَّا أن يُغْنِيَه قريبُه من مالِه وإمَّا من الزكاة، فالواجب إمَّا الإنفاق عينًا وإمَّا الزكاةُ عينًا وإمَّا أحدهما، وإيجاب الإنفاق عينًا مع تمكُّنِ المحتاج من أخذِ الزكاة ومع اختيارِه لذلك لا يقول به أحد، وأمَّا إيجاب إعطاء الزكاة عينًا مع اختيار ربِّ المالِ أن يَصِلَ رَحِمَه من ماله فلا يقول به أحدٌ، فمتى اختار الفقيرُ أخذَ الزكاةِ فله ذلك، ومتى اختار الغنيُّ صلتَه من مالِه فله ذلك إذا اختارَ الفقيرَ، ولو أرادَ الفقيرُ أن لا يَقبل الصلةَ وقال: لا آخذُ إلَّا من الزكاة فله ذلك. وإن أرادَ المطالبةَ بالنفقةِ وقال: لا أريدُ إلَّا النفقةَ دونَ
[ ٦ / ٥٧ ]
الزكاةِ، فهذا فيه نظرٌ ونزاعٌ، وأمَّا إذا اتفقا على الصلة جاز بالاتفاق، فكذلك إذا اتفقا على الإعطاء من الزكاة هو جائزٌ أيضًا. كما لو كان الغنيُّ يُعطِيه من صدقةٍ موقوفةٍ، أو من صدقةٍ هو وكيلٌ فيها أو ولي عليها.
فإن قيل: إذا أعطاه وَقَى بها مالَه، وقد ذكر الإمامُ أحمد عن سفيان ابن عيينة قال: كان العلماء يقولون: لا يَقِيْ بها مالَه، ولا يُحَابي بها قريبًا، ولا يَدفَعُ بها مَذمَّةً.
قيل: هذا إنَّما يكون إذا كان القريب من عيالِه، فيُعطِيه ما يَستَغْنِي به عن النفقةِ المعتادة، ففي مثل هذه الصورة لا يُجزِئُه على الصحيح، وهو المنقول عن ابن عباس وغيرِه، أَفتَوا بأنَّه إذا كان من عياله لم يُعطِه ما يَدفَعُ به الإنفاقَ عليه. حتى لو كان متبرّعًا باِلإنفاقِ على رجلٍ لم يكن له أن يُعطِيَه ما يقِي به مالَه، لأنَّه هنا دَفعَ عن نفسِه بالزكاة، فأخرجها لغَرَضِه لا للهِ، والزكاة عليه أن يُخرِجَها لله، وإن لم يكن هذا واجبًا بالشرع، لكن العادات لازمةٌ لأصحابها. والمحاباةُ أن يُعطِيَ القريبَ وهناك من هو أحقُّ منه، وأمَّا إذا استويا في الحاجة وأعطاهُ لم يكن هذا محاباةً. وهذا بخلاف ما إذا لم تكن عادتُه الإنفاقَ على الأخ، فإن وجوبَ الإنفاق عليه مشروطٌ بعدمِ قدرته على الأخذ من الزكاة واختيار ذلك، فمتى كان قادرًا على الأخذِ مريدًا له لم يستحق في هذه الحال نفقةً. كما لو حَصَلَ ذلك مع غنى أجنبيِّ، فإنَّه إذا اختارَ الأخذَ من زكاته لم يجب على أخيه في هذه الحال الإنفاقُ عليه.
الوجه الخامس: أن يقال: لو أعطَى الزكاةَ للإمام، فأعطَى الإمامُ أخاه من ذلك، جاز، وكذلك لو أعطاها لمن يَقْسِمها بين المستحقين، فأعطاه أخاه، فكذلك إذا قَسَمَها هو. وسببُ ذلك أنَّ الزكاةَ يجبُ صَرْفُها إلى الله تعالى، الذي يثيبُ
[ ٦ / ٥٨ ]
صاحبَها، والفقراءُ يأخذونها من الله، لا يَستحقُّ أربابُ الأموال عليهم معاوضةً. فهو كما أعطَى الإمامُ من بيت المال، وناظرُ الوقفِ من الوقف، وإذا كان كذلك فأخْذُه من زكاةِ قريبِه وغيرِه سواءٌ، كأخذه من مالٍ يَنظُر عليه قريبُه، سواء كان سلطانيًّا أو وقفًا أو نذرًا.
يدل على ذلك أن أبا طلحةَ لما قال للنبي ﷺ: إنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرحَاء، وإنها صدقةٌ لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله، فضَعْها يا رسولَ الله حيثُ شئتَ، فقال النبي ﷺ: "إني أرى أن تجعلَها في الأقربين". فالنبي ﷺ أمرَ بجعْلِها في الأقربين بعد أن جَعَلَها لله وخَرَجَ عنها. والله سبحانَه أعلم» اهـ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ ﵀ فِي [مَسَائِلهِ لِأَبِيْهِ] (ص: ١٤٩):
«قلت هَلْ يجوز للرجل أن ينْفق على قراباته فِي كل شهر بِقدر قوتهم فَإِذا بلغ رَأس الْحول حسب ذَلِك فصيره من زَكَاته
فَقَالَ: إذا كَانَ لَا يدْفع بِهِ عَنْ نَفسه مذمة وَلَا يقي بهَا مَاله» اهـ.
وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٣١٠ - ٣١١): «إن دفع الزكاة إلى الأقارب الذين هم من أهلها أفضل من دفعها إلى من هم ليسوا من قرابتك؛ لأنَّ الصدقة على القريب صدقة وصلة إلَّا إذا كان هؤلاء الأقارب ممن تلزمك نفقتهم. وأعطيتهم من الزكاة ما تحمي به مالك من الإنفاق فإنَّ هذا لا يجوز، فإذا قدر أنَّ هؤلاء الإخوة الذين ذكرت والأخوات فقراء، وأنَّ مالك لا يتسع للإنفاق عليهم؛ فلا حرج عليك أن تعطيهم من زكاتك. وكذلك لو كان
[ ٦ / ٥٩ ]
هؤلاء الإخوة والأخوات عليهم ديون للناس وقضيت دينهم من زكاتك، فإنَّه لا حرج عليك في هذا أيضًا؛ وذلك لأنَّ الديون لا يلزم القريب أن يقضيها عن قريبه فيكون قضاؤها من زكاته أمرًا مجزيًا حتى ولو كان ابنك أو أباك وعليه دين لأحد ولا يستطيع وفاءه، فإنَّه يجوز لك أن تقضيه من زكاتك، أي يجوز أن تقضي دين أبيك من زكاتك، ويجوز أن تقضي دين ولدك من زكاتك بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة عليك، فإن كان سببه تحصيل نفقة واجبة عليك فإنَّه لا يحل لك أن تقضي الدين من زكاتك؛ لئلا يتخذ ذلك حيلة على منع الإنفاق على من تجب نفقتهم عليه لأجل أن يستدين ثم يقضي ديونهم من زكاته. والله أعلم» اهـ.
وَنُقِلَتْ هذه الفتوى بعينها عن الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ٤١٩ - ٤٢٠). والأظهر أنَّها من كلام ابن عثيمين فالتعبير أشبه ما يكون بتعبير ابن عثيمين.
ولأنَّ العلامة ابن باز ﵀ يرى مشروعية دفع الزكاة للأقارب ما عدى الأصول والفروع من غير تفصيل.
فقد قال كما في كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٣٠٢):
«لا حرج في دفع الرجل أو المرأة زكاتهما للأخ الفقير والأخت الفقيرة، والعم الفقير والعمة الفقيرة، وسائر الأقارب الفقراء؛ لعموم الأدلة، بل الزكاة فيهم صدقة وصلة؛ لقول النبي ﷺ: "الصدقة في المسكين صدقة، وفي ذي الرحم صدقة وصلة"، ما عدا الوالدين وإن علوا، والأولاد ذكورًا أو إناثًا
[ ٦ / ٦٠ ]
وإن نزلوا، فإنَّها لا تدفع إليهم الزكاة ولو كانوا فقراء، بل يلزمه أن ينفق عليهم من ماله إذا استطاع ذلك، ولم يوجد من يقوم بالإنفاق عليهم سواه» اهـ.
وَقَالَ (١٤/ ٣٠٧): «أمَّا الزكاة ففيها تفصيل، إن كان الأقربون ليسوا من الفروع ولا من الأصول جاز صرف الزكاة فيهم، كالإخوة والأخوال والأعمام ونحوهم إذا كانوا فقراء، فتكون صدقة وصلة» اهـ.
قُلْتُ: وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ الزكاة لا تدفع للأقرباء الوارثين لوجوب نفقة الوارث على من يرثه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٨٣):
«فَصْلٌ: فَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَارِبِ، فَمَنْ لَا يُوَرَّثُ مِنْهُمْ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ انْتِفَاءُ الْإِرْثِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، لِكَوْنِهِ بَعِيدَ الْقَرَابَةِ مِمَّنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ لَهُ مِيرَاثًا، أَوْ كَانَ لِمَانِعٍ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا عَنْ الْمِيرَاثِ، كَالْأَخِ الْمَحْجُوبِ بِالِابْنِ أَوْ الْأَبِ، وَالْعَمِّ الْمَحْجُوبِ بِالْأَخِ وَابْنِهِ وَإِنْ نَزَلَ، فَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ؛ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ جُزْئِيَّةً بَيْنِهِمَا وَلَا مِيرَاثَ، فَأَشْبَهَا الْأَجَانِبَ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ كَالْأَخَوَيْنِ اللَّذَيْنِ يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى الْآخَرِ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ عَنْهُ، رَوَاهَا عَنْهُ الْجَمَاعَةُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ: يُعْطِي الْأَخَ وَالْأُخْتَ وَالْخَالَةَ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: يُعْطِي كُلَّ الْقَرَابَةِ إلَّا الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدَ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
[ ٦ / ٦١ ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْقَوْلُ عِنْدِي؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ لِذِي الرَّحِمِ اثْنَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ" فَلَمْ يَشْتَرِطْ نَافِلَةً وَلَا فَرِيضَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْمَوْرُوثِ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: "وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ" وَعَلَى الْوَارِثِ مُؤْنَةُ الْمَوْرُوثِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَيُغْنِيه بِزَكَاتِهِ عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَيَعُودُ نَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَدَفْعِهَا إلَى وَالِدِهِ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ بِهَا.
وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا. فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ، وَلَا يَرِثُهُ الْآخَرُ، كَالْعَمَّةِ مَعَ ابْنِ أَخِيهَا، وَالْعَتِيقِ مَعَ مُعْتِقِهِ، فَعَلَى الْوَارِثِ مِنْهُمَا نَفَقَةُ مُوَرِّثِهِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَوْرُوثِ مِنْهُمَا نَفَقَةُ وَارِثِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ دَفْعِ زَكَاتِهِ إلَيْهِ، لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ. وَلَوْ كَانَ الْأَخَوَانِ لَأَحَدِهِمَا ابْنٌ، وَالْآخَرِ لَا وَلَدَ لَهُ، فَعَلَى أَبِي الِابْنِ نَفَقَةُ أَخِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ، وَلِلَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ، لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى أَخِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ مِيرَاثِهِ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فِي الْحَالِ الَّتِي يَرِثُونَ فِيهَا، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ، لَا يَرِثُ بِهَا مَعَ عَصَبَةٍ، وَلَا ذِي فَرْضٍ، غَيْرَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَلَمْ تَمْنَعْ دَفْعَ الزَّكَاةِ كَقَرَابَةِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَالَهُ يَصِيرُ إلَيْهِمْ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ» اهـ.
قُلْتُ: النفقة لا تقتصر على الوارثين على الصحيح، وذلك أنَّ الله تعالى أمر بصلة الرحم مطلقًا من غير تقييد ذلك بالوارثين، ومن صلة الرحم الواجبة النفقة على الفقير منهم عند السعة والغنى.
[ ٦ / ٦٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٤٩ - ٥٥١):
«وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُ أبي حنيفة أَوْسَعَ مِنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ يُوجِبُ النَّفَقَةَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الدَّلِيلِ وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ أحمد وَنُصُوصُهُ وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُوصَلَ، وَحَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ قَاطِعِ رَحِمٍ، فَالنَّفَقَةُ تُسْتَحَقُّ بِشَيْئَيْنِ: بِالْمِيرَاثِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَبِالرَّحِمِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَبَسَ عَصَبَةَ صَبِيٍّ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ وَكَانُوا بَنِي عَمِّهِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: إِذَا كَانَ عَمٌّ وَأُمٌّ فَعَلَى الْعَمِّ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، وَعَلَى الْأُمِّ بِقَدْرِ مِيرَاثِهَا، فَإِنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النِّسَاءِ: ٣٦] وَقَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَطِيَّةَ لِلْأَقَارِبِ، وَصَرَّحَ بِأَنْسَابِهِمْ فَقَالَ: "وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ، حَقٌّ وَاجِبٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ".
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْبِرُّ وَالصِّلَةُ دُونَ الْوُجُوبِ.
قِيلَ: يَرُدُّ هَذَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِهِ وَسَمَّاهُ حَقًّا وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّهُ﴾، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ حَقٌّ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَبَعْضُ هَذَا يُنَادِي عَلَى الْوُجُوبِ جِهَارًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِحَقِّهِ تَرْكُ قَطِيعَتِهِ.
[ ٦ / ٦٣ ]
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: فَأَيُّ قَطِيعَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَرَاهُ يَتَلَظَّى جُوعًا وَعَطَشًا وَيَتَأَذَّى غَايَةَ الْأَذَى بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَلَا يُطْعِمُهُ لُقْمَةً وَلَا يَسْقِيهِ جَرْعَةً وَلَا يَكْسُوهُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيَقِيهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَيُسْكِنُهُ تَحْتَ سَقْفٍ يُظِلُّهُ، هَذَا وَهُوَ أَخُوهُ ابْنُ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، أَوْ عَمُّهُ صِنْوُ أَبِيهِ، أَوْ خَالَتُهُ الَّتِي هِيَ أُمُّهُ، إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ بَذْلُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ الْبَعِيدِ بِأَنْ يُعَاوِضَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَنْ يُوسِرَ ثُمَّ يَسْتَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، هَذَا مَعَ كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الْيَسَارِ وَالْجِدَةِ وَسَعَةِ الْأَمْوَالِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ قَطِيعَةً، فَإِنَّا لَا نَدْرِي مَا هِيَ الْقَطِيعَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا، وَحَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى قَاطِعِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: فَمَا هَذِهِ الصِّلَةُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي نَادَتْ عَلَيْهَا النُّصُوصُ وَبَالَغَتْ فِي إِيجَابِهَا وَذَمَّتْ قَاطِعَهَا؟ فَأَيُّ قَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ حَتَّى تَعْقِلَهُ الْقُلُوبُ وَتُخْبِرَ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْمَلَ بِهِ الْجَوَارِحُ؟ أَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَعِيَادَتُهُ إِذَا مَرِضَ، وَتَشْمِيتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَإِجَابَتُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَإِنَّكُمْ لَا تُوجِبُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يَجِبُ نَظِيرُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ؟ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّلَةُ تَرْكَ ضَرْبِهِ وَسَبِّهِ وَأَذَاهُ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا حَقٌّ يَجِبُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَلْ لِلذِّمِّيِّ الْبَعِيدِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَمَا خُصُوصِيَّةُ صِلَةِ الرَّحِمِ الْوَاجِبَةِ؟ وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ: أَعْيَانِي أَنْ أَعْرِفَ صِلَةَ الرَّحِمِ الْوَاجِبَةَ. وَلَمَّا أَوْرَدَ النَّاسُ هَذَا عَلَى أَصْحَابِ مالك وَقَالُوا لَهُمْ: مَا مَعْنَى صِلَةِ الرَّحِمِ عِنْدَكُمْ؟ صَنَّفَ بَعْضُهُمْ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ كِتَابًا كَبِيرًا، وَأَوْعَبَ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَالْمَوْقُوفَةِ، وَذَكَرَ جِنْسَ الصِّلَةِ وَأَنْوَاعَهَا وَأَقْسَامَهَا، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ، فَإِنَّ الصِّلَةَ مَعْرُوفَةٌ يَعْرِفُهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَالْآثَارُ فِيهَا أَشْهَرُ مِنَ الْعِلْمِ،
[ ٦ / ٦٤ ]
وَلَكِنْ مَا الصِّلَةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا الرَّحِمُ وَتَجِبُ لَهُ الرَّحْمَةُ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهَا الْأَجْنَبِيُّ؟ فَلَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تُعَيِّنُوا وُجُوبَ شَيْءٍ إِلَّا وَكَانَتِ النَّفَقَةُ أَوْجَبَ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا مُسْقِطًا لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ إِلَّا وَكَانَ مَا عَدَاهَا أَوْلَى بِالسُّقُوطِ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ قَرَنَ حَقَّ الْأَخِ وَالْأُخْتِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ فَقَالَ: "أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ" فَمَا الَّذِي نَسَخَ هَذَا، وَمَا الَّذِي جَعَلَ أَوَّلَهُ لِلْوُجُوبِ وَآخِرَهُ لِلِاسْتِحْبَابِ؟ وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَلَيْسَ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَنْ يَدَعَ الرَّجُلُ أَبَاهُ يَكْنُسُ الْكُنُفَ، وَيُكَارِي عَلَى الْحُمُرِ، وَيُوقِدُ فِي أَتُّونِ الْحَمَّامِ، وَيَحْمِلُ لِلنَّاسِ عَلَى رَأْسِهِ مَا يَتَقَوَّتُ بِأُجْرَتِهِ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْغِنَى وَالْيَسَارِ وَسَعَةِ ذَاتِ الْيَدِ، وَلَيْسَ مِنْ بِرِّ أُمِّهِ أَنْ يَدَعَهَا تَخْدُمُ النَّاسَ، وَتَغْسِلُ ثِيَابَهُمْ، وَتُسْقِي لَهُمُ الْمَاءَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يَصُونُهَا بِمَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ: الْأَبَوَانِ مُكْتَسِبَانِ صَحِيحَانِ وَلَيْسَا بِزَمِنَيْنِ وَلَا أَعْمَيَيْنِ، فَيَا للَّهِ الْعَجَبُ: أَيْنَ شَرْطُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ زَمِنًا أَوْ أَعْمَى، وَلَيْسَتْ صِلَةُ الرَّحِمِ وَلَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مَوْقُوفَةً عَلَى ذَلِكَ شَرْعًا وَلَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ» اهـ.
قُلْتُ: روى أحمد (١٦٢٢٧)، والنسائي (٢٥٨٢)، والترمذي (٦٥٨)، وابن ماجه (١٨٤٤) مِنْ طَرِيْقِ الرَّبَابِ أُمِّ الرَّائِحِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ».
قُلْتُ: الرباب مجهولة. والْحَدِيْثُ حَسَنٌ لِغِيْرِهِ.
[ ٦ / ٦٥ ]
لكن يشهد له ما رواه البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠) عَنْ زَيْنَبَ - امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، ح فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ - بِمِثْلِهِ سَوَاءً - قَالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي، وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هُمَا؟» قَالَ: زَيْنَبُ، قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ، أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».
ويشهد له أيضًا ما رواه معمر في [جَامِعِهِ] (١٩٦٢٧) عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ».
قُلْتُ: وَهَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحُ الْإِسْنَادِ.
ويشهد له أيضًا ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤٧٢٣)، و[الْأَوْسَطِ] (٣٨٦٨)
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ قَالَ: نا هَارُونُ بْنُ مُوسَى بْنِ رَاشِدٍ الْمُسْتَمْلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الْمُوصِلِيُّ قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ الْمُوصِلِيُّ، عَنْ مَصَادِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
[ ٦ / ٦٦ ]
يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ».
لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ إِلَّا مَصَادُ بْنُ عُقْبَةَ وَلَا رَوَاهُ، عَنْ مَصَادٍ إِلَّا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، تَفَرَّدَ بِهِ: هَارُونُ بْنُ مُوسَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، وَلَا يُرْوَى عَنْ أَبِي طَلْحَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ اهـ.
قُلْتُ: فيه من لا يعرف.
وهذه الأحاديث تشمل الفرض والنفل إذ ليس فيها تقييد بالنفل، وأمَّا حديث زينب فهو وارد في النفل لكن قد يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وإذا كان كذلك فإنَّ الأصل مشروعية صدقة الفرض على ذي الرحم إلَّا ما استثناه دليل أو إجماع كالوالدين والأولاد والزوجة والمماليك وآل البيت، والكفار، والأغنياء، والقوي المكتسب.
فإن قيل: صلة الرحم واجبة ومن ذلك النفقة فكيف يسقط الواجب عليه بالزكاة.
فالجواب: أنَّ الواجب إغناء القريب إمَّا بالزكاة أو النفقة، وسبق ما نقلناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو قوله: «لا ريبَ أنَّه يجبُ إغناءُ هذا الفقير، فإمَّا أن يُغْنِيَه قريبُه من مالِه وإمَّا من الزكاة».
قُلْتُ: القول بأنَّ القريب الغني لا يحل له أن يعطي قريبه مطلقًا لا أعلمه عن العلماء المتقدمين.
لكن منهم من منع إعطاء الوارثين منهم.
[ ٦ / ٦٧ ]
ومنهم من منع من إعطاء القريب إذا كان من عياله أي ممن ينفق عليه. لأنَّه يقي بذلك ماله.
وقد روى أبو عبيد في [الْأَمَوالِ] (١٨٥٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «يُعْطِي الرَّجُلُ قَرَابَتَهُ مِنْ زَكَاتِهِ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ولم يفرق بين القادر على النفقة أو العاجز.
واستثنى ﵀ من يعول.
فروى أبو عبيد في [الْأَمَوالِ] (١٨٦٤) حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِذَا لَمْ تُعْطِ مِنْهَا أَحَدًا تَعُولُهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ».
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧١٦٣) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «لَا بَأْسَ بِأَنْ تَضَعَ زَكَاتَكَ فِي مَوْضِعِهَا، إِذَا لَمْ تُعْطِ مِنْهَا أَحَدًا تَعُولُهُ أَنْتَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٣١) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَجْعَلَ زَكَاتَكَ فِي ذَوِي قَرَابَتِكَ مَا لَمْ يَكُونُوا فِي عِيَالِكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وهناك من أدخل في الزكاة القريب من عياله في غير الأصول والفروع.
فروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٦٣) وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦٢) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَأَلَتْهُ عَنْ طَوْقٍ لَهَا فِيهِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَتْ: أُزَكِّيهِ؟، قَالَ: «نَعَمْ»،
[ ٦ / ٦٨ ]
قَالَتْ: كَمْ؟، قَالَ: «خَمْسَةُ دَرَاهِمَ»، قَالَتْ: أُعْطِيَهَا فُلَانًا، ابْنُ أَخٍ لَهَا يَتِيمٌ فِي حِجْرِهَا، قَالَ: «نَعَمْ إِنْ شِئْتِ» ..
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. ومرسلات النخعي عن ابن مسعود صحيحة.
وسيأتي الكلام على هذا الأثر في شرح الحديث الذي بعد هذا عند كلامنا على زكاة الحلي الملبوس.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ﵀ فِي [الْأَمَوالِ] (ص: ٦٩٦):
«فَهَذِهِ السُّنَنُ هِيَ الْفَاصِلَةُ عِنْدَنَا بَيْنَ عِيَالِ الرَّجُلِ الَّذِي يَلْزَمُهُ عَوْلُهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُمُ الْوَالِدَانِ، وَالْوَلَدُ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْمَمْلُوكُ، فَهَؤُلَاءِ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي زَكَاتِهِ، وَإِنْ أَعْطَاهُمْ مِنْهَا كَانَتْ غَيْرَ قَاضِيَةٍ عَنْهُ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ فِي مَالِهِ بِالْحُقُوقِ الَّتِي أَلْزَمَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا لَهُمْ سِوَى الزَّكَاةِ، ثُمَّ جَعَلَ الزَّكَاةَ فَرْضًا آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِذَا صَرَفَهَا إِلَى هَؤُلَاءِ كَانَ قَدْ جَعَلَ حَقًّا وَاحِدًا يُجْزِي عَنْ فَرْضَيْنِ، وَهَذَا لَا جَائِزٌ وَلَا وَاسِعٌ؛ فَلِهَذَا صَارَ هَؤُلَاءِ خَارِجِينَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، فَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ ذَوِي الرَّحِمِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَيْسَ عَوْلُهُ فِي الْأَصْلِ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ.
وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَيَقُولُونَ غَيْرَ ذَلِكَ الْقَوْلِ، يَقُولُونَ - أَوْ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ -: يُجْبَرُ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمُ عَلَى نَفَقَةِ ذِي رَحِمِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْقَوْلُ عِنْدِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَلِهَذَا صَارَ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ جَازِيًا عَنِ الْمُعْطِي، إِذَا كَانُوا لَهَا مَوْضِعًا، بَلْ هُوَ الْمُحْسِنُ الْمُجْمِلُ فِي ذَلِكَ.
[ ٦ / ٦٩ ]
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ لِذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَلَمْ يَشْتَرِطْ ﷺ نَافِلَةً وَلَا فَرِيضَةً.
فَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْأَصْلُ، وَلَسْتُ أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَكُونَ ذُو الْمَالِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِمْ وَلَا غَيْرَ مَحْكُومٍ، وَلَا إِلَى أَنْ يَكُونُوا مَضْمُومِينَ إِلَى عِيَالِهِ بِأَبْدَانِهِمْ أَوْ غَيْرَ مَضْمُومِينَ، إِنَّمَا نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَدْ أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تُعْطِيَ بَنِي أَخِيهَا مِنْ زَكَاتِهَا، وَهِيَ تُخْبِرُهُ أَنَّهُمْ فِي حِجْرِهَا، فَهَلْ يَكُونُ مِنَ الضَّمِّ أَكْثَرُ مِنَ التَّرْبِيَةِ فِي الْحُجُورِ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: يَتِيمِي وَذُو فَاقَتِي.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ لَهُ قَرِيبٌ، أَوْ حَمِيمٌ، ذُو حَاجَةٍ وَخَلَّةٍ، وَلَيْسَ هُوَ مَعَ هَذَا مِمَّنْ عَوْلُهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، فَحَضَرَتْهُ نِيَّةٌ فِي ضَمِّهِ إِيَّاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَخَلْطِهِ بِعِيَالِهِ تَطَوُّعًا، ثُمَّ إِنَّ نِيَّتَهُ حَالَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَصَارَ إِلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ نَفَقَتِهِ حَتَّى عَادَ إِلَى حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَى أَنْ يُنِيلَهُ مِنْ زَكَاتِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ بِالْأَجْنَبِيِّ، فَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ جَمِيعًا فِيمَا أَعْلَمُهُ مُجْزِيهِ، بَلْ قَرِيبُهُ أَسْعَدُ بِزَكَاتِهِ وَأَوْلَى فِيهَا مِنَ الْبَعِيدِ؛ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ لِذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ" مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ إِجَازَةِ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر في ذلك مذهب ابن عباس ﵄ أنَّه لا يخرج الزكاة إلى القريب إذا كان من عياله. والله أعلم.
قُلْتُ: وتستثنى من ذلك الزوجة والمملوك. ولا نزاع في ذلك.
[ ٦ / ٧٠ ]
وهل للزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها الفقير محل نزاع فأجاز ذلك الشافعي وأحمد في رواية ومنع من ذلك أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى.
والأظهر الجواز لعموم الآية والحديث.
ويستثنى من ذلك أيضًا آل البيت.
لما رواه مسلم (١٠٧٢) عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ».
وآل البيت هم بنو هاشم وأزواج النبي ﷺ ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٢٤٠٨) عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: «انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ وَغَزَوْتَ مَعَهُ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَقَدُمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ثُمَّ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ
[ ٦ / ٧١ ]
فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي" فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ قَالَ: وَمَنْ هُمْ. قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ قَالَ نَعَمْ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّةِ] (ص: ٨٨):
«وعلى هذا أهل بيته هم: بنو هاشم من ذرية أبي طالب والعباس والحارث أبناء عبد المطلب أعمام النبي ﷺ فذرية هؤلاء الثلاثة أهل بيته، وكذلك ذرية أبي لهب عند الجمهور وليس من أعمامه من له نسل غير هؤلاء الأربعة» اهـ.
قُلْتُ: الخلاف في ذلك للحنفية.
وأكثر أعمام النبي ﷺ لم يعقبوا وأمَّا هؤلاء الأربعة فلهم عقب، والحارث مات في الجاهلية، وأبو لهب مات على الكفر بعد ظهور الإسلام، وأبو طالب مات على الكفر أيضًا، والعباس ﵁ مات على الإسلام، وأمَّا حمزة فليس له أبناء.
وأجاز جماعة من أهل العلم اعطاءهم من الزكاة إذا منعوا الخمس منهم شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀، وأجاز للهاشمي أن يأخذ زكاة الهاشمي، فقد قال ﵀ كما في [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٥٦):
«وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا وقاله أبو يوسف والإصطخري من الشافعية
[ ٦ / ٧٢ ]
لأنَّه محل حاجة وضرورة، ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين وهو محكي عن طائفة من أهل البيت» اهـ.
ولشيخ الإسلام قول آخر خلاف هذا فقد قال ﵀ كما في [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّةِ] (ص: ٢٧٧):
«وإذا منع بنو هاشم حقهم من الخمس فلا يجوز لهم أخذ الصدقة إلَّا عند بعض المتأخرين وليس هو قولًا لأحد المتبوعين» اهـ.
أَقُوْلُ: إذا بلغوا إلى حد الضرورة فلا ينبغي أن يقع نزاع في حل ذلك لهم، وإنَّما النزاع إذا كان عندهم دون الكفاية ولم يبلغوا إلى حد الضرورة، والأقرب المنع لعموم الأدلة.
والقول بحل زكاة الهاشمي للهاشمي لا أعلم له مستندًا صحيحًا.
ومن كانت أمه هاشمية وأبوه ليس بهاشمي فلا تحرم عليه الصدقة على الصحيح فإنَّ النسب معتبر بالأب دون الأم، وهذا مذهب أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ٣٧٩):
«ويجوز إلى ولد هاشمية من غير هاشمي، في ظاهر كلامهم، وقاله القاضي اعتبارا بالأب (و) وذكر أبو بكر: في التنبيه لا يجوز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ١٨٢):
«يجوز دفعها إلى ولد هاشمية من غير هاشمي على الصحيح من المذهب اعتبارًا بالأب. قال في الفروع: يجوز في ظاهر كلامهم وقاله القاضي في التعليق.
[ ٦ / ٧٣ ]
وقال أبو بكر في التنبيه والشافي: لا يجوز. واقتصر عليه في الحاوي الكبير، وجزم به في الرعايتين والحاوي الصغير وظاهر شرح المجد الإطلاق» اهـ.
قُلْتُ: ولا يدخل بنو المطلب فيمن تحرم عليهم الصدقة كما يدل عليه حديث زيد الماضي، وأمَّا ما رواه البخاري (٤٢٢٩) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ، وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ، فَقَالَ «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» قَالَ جُبَيْرٌ: «وَلَمْ يَقْسِمُ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا». فهو وارد في استحقاق الفيء لا في حرمة الصدقة.
وهكذا لا تدفع الزكاة لمولى آل البيت.
لما رواه أحمد (٢٧١٨٢)، وأبو داود (١٦٥٠) عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِى مَخْزُومٍ فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ اصْحَبْنِى فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا.
قَالَ حَتَّى آتِىَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ:
«مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وفي البخاري (٦٧٦١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، أَوْ كَمَا قَالَ.
تنبيه: حديث معاذ ذكر فيه النبي ﷺ صنفًا واحد من أصناف الزكاة وهو أهم الأصناف وأحوجهم وأكثرهم وجودًا، وليس مراد النبي صَلَّى
[ ٦ / ٧٤ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه لا يعطى إلَّا من كان فقيرًا، ومما يدل على ذلك أنَّ العامل عليها يعطى من الزكاة وإن كان غنيًا باتفاق الأئمة الأربعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٦): «ولأنَّ الله تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين وعد بعدهما ستة أصناف فلا يلزم وجود صفة الصنفين في بقية الأصناف كما لا يلزم وجود صفة الأصناف فيها ولأنَّ هذا يأخذ لحاجته إليها دون من يأخذ لحاجتنا إليه فأشبه العامل والمؤلف فأمَّا أهل سائر السهمان فإنَّما يعتبر فقر من يأخذ لحاجته إليها دون من يأخذ لحاجتنا إليه» اهـ.
٢٧ - وفي قوله: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ». ما يدل على إبطال مذهب الاشتراكيين الذين يقولون بأخذ ما زاد عن حاجة الشخص.
[ ٦ / ٧٥ ]
* * *
١٦٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - بيان نصاب الفضة وأنَّه خمسة أواق، والأوقية أربعون درهمًا فمجموع ذلك مائتا درهم.
٢ - ويدل الحديث أنَّ العبرة بزكاة الفضة الوزن لا العدد فإنَّ الأوقية معيار من معايير الوزن، وهو ما يزن أربعين درهمًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (١٥/ ٤٠٤):
«والأُوقِيَّةُ: زِنةُ سَبعة مَثاقِيلَ وَزِنَةُ أَربعين دِرْهَمًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد نازع في ذلك بعض أهل العلم منهم شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال كما في [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (١٥٢): «وما سماه الناس درهمًا وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم من وجوب الزكاة فيما يبلغ مائتين منه والقطع بسرقة ثلاثة دراهم منه إلى غير ذلك من الأحكام قل ما فيه الفضة أو كثر وكذلك ما سمي دينارًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣١١):
«وأمَّا الدرهم فأجمعوا على أنَّ كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم ولم يخالف في أنَّ نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة إلَّا بن
[ ٦ / ٧٦ ]
حبيب الأندلسي فإنَّه انفرد بقوله: إنَّ كل أهل بلد يتعاملون بدراهمهم. وذكر ابن عبد البر اختلافًا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد وكذا خرق المريسي الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا الوزن» اهـ.
قُلْتُ: ابن حبيب هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون أبو مروان القرطبي المالكي. ولد في حياة الإمام مالك.
والصحيح اعتبار الوزن في زكاة الذهب والفضة لحديث الباب وللأحاديث التي جاءت في نصاب الذهب فإنَّ الأدلة جاءت بذكر الأوقية والمثقال وهما من معايير الوزن ومثقال كل شيء ميزانه، وسمي الدينار مثقالًا لأنَّه يوزن به الذهب.
وهكذا الأدلة التي جاء فيها ذكر الدينار والدرهم هي من هذا القبيل، وذلك أنَّ الدينار عند العرب معيار يوزن به الذهب والدرهم معيار يوزن به الفضة.
قَالَ الْمُؤَرِخُ الْبَلاذْرِيُّ ﵀ فِي [فُتُوحِ الْبُلْدَانِ] (ص: ٤٤٨ - ٤٤٩):
«عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِقُرْيَشٍ أَوْزَانٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَدَخَلَ الإِسَلامُ فَأَقَرَّتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، كَانَتْ قُرَيشٌ تَزِنُ الْفِضَّةَ بوزن تُسَمِّيهِ دِرْهَمًا وَتَزِنُ الذَّهَبَ بِوَزْنٍ تُسَمِيهِ دِينَارًا فَكُلُّ عَشَرَةٍ مِنْ أَوْزَانِ الدَّرَاهِمِ سْبَعَةُ أَوْزَانِ الدَّنَانِيرِ، وَكَانَ لَهُمْ وَزْنُ الشَّعِيرَةِ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ السِّتِّينَ مِنْ وَزْنِ الدِّرْهَمِ، وَكَانَتْ لَهُمُ الأُوقِيَّةُ وَزْنَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَالنَّشُّ وَزْنُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَكَانَتْ لَهُمُ النَّوَاةُ وَهِيَ وَزْنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَكَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالتِّبْرِ عَلَى هَذِهِ الأَوْزَانِ، فَلَمَّا قَدِمَ ﷺ مَكَّةَ أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ» اهـ.
[ ٦ / ٧٧ ]
قُلْتُ: فإن قيل: الذهب والفضة يراعى فيهما الوزن إذا كانا حليًا أو تبرًا، فالذهب يعرف وزنه بالمثقال وهو الدينار، والفضة تعرف وزنها بالدرهم، لكن هذه المعايير راجعة إلى العرف ولا تضبط بوزن.
فالجواب: أنَّ هذه المعايير كانت معلومة منضبطة في زمن النبي ﷺ فتحمل الأدلة على ما كان معهودًا في زمنه.
ولأنَّه إذا لم نضبطها بما كان في زمن النبي ﷺ لزم من ذلك أنَّ التبر المعين من الذهب والفضة تجب فيه الزكاة في بلد دون بلد وفي زمن دون زمن.
ويلزم أن يقال ذلك أيضًا في مسمى الصاع والوسق، وأنَّ ما تعارف عليه الناس أنَّه صاع ووسق وجبت فيه الزكاة كبر حجمه أو صغر.
وهذا فيه ما فيه.
وقد صار في بعض الدول في أزماننا يسمون بعض النقود الورقية والنحاسية باسم الدينار والدرهم ولا عبرة بما تعارفوا فيه لخلافه للعرف الشرعي في زمن رسول الله ﷺ ولا تنبني بمثل هذه الدنانير والدرهم أحكام الزكاة ولا القطع في السرقة.
ونحن في هذه الأزمان لم نعد نتعامل بالدنانير والدراهم، ولولا ضبط العلماء لوزن الدينار والدرهم لأشكل علينا متى تجب الزكاة في هذه العملات الورقية والنحاسية المقيسة على النقدين.
قُلْتُ: وزنة الدرهم كما ذكر أهل العلم خمسون حبة شعير متوسطة وخمسا حبة، ومجموع ذلك عشرة آلاف وثمانون حبة شعير.
[ ٦ / ٧٨ ]
وأمَّا المثقال من الذهب فهو: اثنان وسبعون حبة شعير وهي شعيرة معتدلة لم تقشر وقطع من طرفيها ما دق وطال. ومجموع ذلك ألف وأربعمائة وأربعون من حبات الشعير. والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم.
فمتى زيد على الدرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالًا، ومتى نقص من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهمًا، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهمًا وسبعان. ومجموع وزن العشرين المثقال ثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع الدرهم.
واختلف المعاصرون في وزن المائتي درهم فقال بعضهم: ٤٦٠ جرامًا باعتبار أنَّ وزن الدرهم الواحد ٣، ٢ جرام.
وقدر ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ بـ: ٥٩٥ جرامًا.
قُلْتُ: وهذا هو الأصح كما سيأتي بيانه بمشيئة الله.
واختلف المعاصرون أيضًا في وزن العشرين الدينار من الذهب فقال بعضهم: ٧٠ جرامًا، باعتبار أنَّ وزن الدينار الواحد: ٥، ٣ جرامًا.
وقدر ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ واللجنة الدائمة بـ: ٩١ جرامًا وثلاثة أسباع الجرام.
فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٩/ ٢٥٥):
«أولًا: نصاب الذهب بالجرام الحالي المعمول به الآن واحد وتسعون جرامًا وثلاثة أسباع جرام، وزكاته ربع العشر، ويساوي أيضًا بالعملة السعودية من الذهب أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع الجنيه.
[ ٦ / ٧٩ ]
ثانيًا: مائتا الدرهم تساوي ستة وخمسين ريالًا فضيًا من الريالات السعودية.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وقدر ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ بـ: ٨٥ جرامًا.
فقد قال ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٩٧):
«وقد حررت نصاب الذهب فبلغ خمسة وثمانين جرامًا من الذهب الخالص» اهـ.
قُلْتُ: ويؤيد هذا أنَّه ذكر غير واحد من الباحثين أنَّه قام بوزن بعض الدنانير القديمة التي يرجع عهدها إلى عبد الملك بن مروان فوجد أن وزنه ٢٥، ٤ جرامًا.
وإذا عرفنا وزن الدينار الإسلامي القديم فيمكن بواسطته أن نعرف نصاب الفضة وذلك أنَّ كل سبعة دنانير تماثل عشرة دراهم، فنضرب السبعة الدنانير في وزن الدينار ٤، ٢٥ فينتج ٢٩، ٧٥ جرامًا، وهذا وزن العشرة الدراهم أيضًا، ثم نضرب ذلك في عشرين فينتج لنا وزن المائتين الدرهم وذلك ٥٩٥ جرامًا.
وهو الذي حرره الشيخ ابن عثيمين ﵀ في نصاب الفضة وهذا هو الذي يظهر لي صوابه، وهو أضبط من اعتبار ذلك بحبات الشعير، وذلك لاختلاف حبات الشعير من بلد إلى آخر ولهذا اختلف المقدرون في حبات الشعير اختلافًا لا ينضبط؛ ولأنَّ حبات الشعير تختلف في وزنها ما بين الأزمان البعيدة وأزماننا هذه
[ ٦ / ٨٠ ]
فقد نزعت كثير من بركات الأرض بسبب معاصي العباد، فالرجوع إلى الدنانير القديمة الموجودة في المتاحف أولى من الرجوع إلى حبات الشعير. والله أعلم.
قُلْتُ: وقد جاءت الأدلة في وجوب الزكاة في الذهب والفضة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وما رواه مسلم (٩٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يقول قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ …».
قُلْتُ: وجاءت أدلة أخرى في بيان نصاب الذهب منها:
حديث عبد الله بن عمر وعائشة ﵄.
روى حديثهما ابن ماجه فقال: (١٧٩١) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، «كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنَ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا».
قُلْتُ: وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل وهو ابن مجمع ضعيف الحديث.
وجاء من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ٦ / ٨١ ]
رواه الربيع بن حبيب في [مُسْنَدِه] (٣٣٢) مِنْ طَرِيْقِ أبي عُبيدة، عن جابر بن زَيد، عن ابن عباس قال، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة والأوقية أربعون درهمًا وليس فيما دون عشرين مثقالًا صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة يعني خمس أبعرة وليس فيما دون أربعين شاة صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
قُلْتُ: الربيع إباضي لا يعرف، وهكذا شيخه أبو عبيده واسمه مسلم بن أبي كريمة التميمي، ولم أقف فيهما على جرح ولا تعديل.
وهذا الكتاب لا يعتمد عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ فِي [الضَّعِيْفَةِ] (١٣/ ١١٢):
«أَقُوْلُ: إذا عرفت ما تقدم؛ فإنه ينتج منه حقيقة علمية هامة كتمها أو انطلى
أمرها على الإباضية، وهي تتلخص في أمرين:
أحدهما: أن الربيع بن حبيب هذا الذي نسب إليه هذا "المسند" لا يعرف
من هو؟
والأخر: أنه لو فرض أنه معروف ثقة؛ فإن "مسنده " هذا لا يعرف من رواه
عنه، وهذا في جزئيه الأول والثاني. وأما الجزء الثالث والراج. فراويهما مجهول
- كما تقدم -، وسيأتي ذكر بعض أحاديثه الباطلة برقم (٦٣٠٢).
وحينئذٍ تسقط الثقة به مطلقًا؛ فلا غرابة أن لا نجد له ذكرًا في كتب الحديث
من المسانيد وغيرها، وأن تقع فيه أحاديث كثيرة لا أصل لها!» اهـ.
وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
[ ٦ / ٨٢ ]
رواه ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٨٠٤، ١٩١٦) أنا أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ، أنا الْعَزْرَمِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَيْءٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا شَيْءٌ، وَفِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا نِصْفُ مِثْقَالٍ».
قُلْتُ: أبو نعيم النخعي هو عبد الرحمن بن هانئ بن سعيد الكوفي ضعيف الحديث، والعزرمي هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العزرمي متروك الحديث.
ورواه أبو عبيد ﵀ معلقًا فقال في [الْأَمْوَالِ] (٨٥٧، ٩٤٧):
وَقَدْ ذُكِرَ الذَّهَبُ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ يُحَدِّثُونَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي أَقَلِّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالَا مِنَ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلِّ مِنْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ».
قُلْتُ: وهذا الإسناد مع كونه معلقًا ففيه ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن ضعيف الحديث، وعبد الكريم يحتمل أن يكون هو ابن أبي المخارق متروك الحديث، ويحتمل أن يكون هو بن مالك الجزري الثقة.
قال الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٦٥ - ٦٦):
«وابن أبي ليلى هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الفقيه، القاضي، وهو صدوق، لكنه سيء الحفظ، وفي حديثه اضطراب.
[ ٦ / ٨٣ ]
وعبد الكريم هو: ابن مالك الجزري، وهو ثقة من رجال "الصحيحين"؛ ويحتمل أن يكون: ابن أبي المخارق، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد وصله الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٠٢) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ.
وجاء من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
رواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٦٢) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ، ثنا حَامِدُ بْنُ شُعَيْبٍ، ثنا سُرَيْجٌ، ثنا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ لِامْرَأَتِي حُلِيًّا مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، قَالَ: «فَأَدِّي زَكَاتَهُ نِصْفَ مِثْقَالٍ». يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ مَتْرُوكٌ، وَهَذَا وَهْمٌ وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ مَوْقُوفٌ اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ١٥٨):
«يرويه يحيى بن أبي أنيسة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، مرفوعًا.
وخالفه هشام الدستوائي، فرواه عن حماد موقوفا. غير مرفوع، وهو الصواب» اهـ.
وجاء في كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم.
[ ٦ / ٨٤ ]
روى ذلك أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١١٠٦) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي كِتَابِ عُمَرَ فِي الصَّدَقَةِ أَنَّ «الذَّهَبَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَإِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهِ نِصْفُ دِينَارٍ، وَالْوَرِقُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ».
قُلْتُ: وقد رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (٩٣٤)، والخطيب في [الْمُتَفِقِ والْمُفْتَرِقِ] (٣٩٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٠٥٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٧٣٦٤) مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: «لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْسَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَلْتَمِسُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّدَقَاتِ، وَكِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَوَجَدَ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الصَّدَقَاتِ، وَوَجَدَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ كِتَابَ عُمَرَ فِي الصَّدَقَاتِ مِثْلَ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَنُسِخَا لَهُ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ أَنَّهُ طَلَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يَنْسَخَهُ مَا فِي ذَيْنِكَ الْكِتَابَيْنِ، فَنَسَخَ لَهُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ صَدَقَةِ ». فذكر الكتاب بطوله وفيه ما ذكر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ في [إِرْوَاءِ الْغَلِيْلِ] (٣/ ٢٩٠):
[ ٦ / ٨٥ ]
«قُلْتُ: وهذا سند صحيح مرسل فإنَّ الأنصاري هذا تابعي ثقة ولكنه في حكم الْمُسْنَد لأنَّ الأنصاري أخذه عن كتاب النبي ﷺ وكتاب عمر ﵁» اهـ.
قُلْتُ: حبيب بن أبي حبيب وهو يزيد الجرمي حسن الحديث.
وجاء من حديث معاذ بن جبل.
رواه الْدَارَقُطْنِي (١٩٠٩) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي جَحْشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وَمِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ».
قُلْتُ: عبد الله بن شبيب واه الحديث.
وجاء من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
رواه أبو داود (١٥٧٣) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَسَمَّى آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِبَعْضِ أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يَعْنِي - فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ»، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَعَلِيٌّ يَقُولُ: فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، أَوْ رَفَعَهُ إِلَى
[ ٦ / ٨٦ ]
النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، إِلَّا أَنَّ جَرِيرًا، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: «يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ».
قُلْتُ: وقد سئل عنه الْدَارَقُطْنِي فقال ﵀ في [الْعِلَلِ] (٤/ ٧٣ - ٧٦):
«يرويه أبو إسحاق، واختلف عنه؛ فرفعه أبو أحمد الزبيري، عن الثوري، عن أبي إسحاق، علي شك منه في رفعه. وقفه غيره، عن الثوري.
ورواه عبد المجيد، عن معمر، عن أبي إسحاق مرفوعًا.
ورواه زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم، والحارث، عن علي. وشك زهير في رفعه.
كذلك قال الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير.
ورواه أبو بدر شجاع بن الوليد، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم، والحارث، عن علي، فرفعه بغير شك، إلَّا أنه لم يذكر في حديثه إلَّا زكاة البقر فقط.
ورفعه الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، عنهما عن علي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
ورفعه سلمة بن صالح، وأيوب بن جابر، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي.
ووقفه شعبة، وأشعث بن سوار، وعلي بن صالح، وأبو بكر بن عياش، وغيرهم، عن أبي إسحاق.
والصواب موقوف عن علي، والله أعلم.
[ ٦ / ٨٧ ]
وروى أبو سهل محمد بن سالم العنبسي، عن أبي إسحاق بعض هذا الحديث، ورفعه إلى النبي ﷺ.
وأبو سهل ضعيف الحديث متروك» اهـ.
قُلْتُ: أكثر الأحاديث الواردة في الباب صالحة للاستشهاد، ومنها ما يمكن الاحتجاج به بمفرده وهو كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم. والله أعلم.
٣ - ويشمل الحديث جميع أنواع الفضة من تبر ومن نقد ومن حلي.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في الحلي الملبوس من ذهب ومن فضة.
فالقول الأول لأهل العلم: أنَّه لا زكاة في حلي المرأة الملبوس وهو مذهب الجمهور.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٦ - ١٧): «وأمَّا "الحلي" فإن كان للنساء فلا زكاة فيه عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي عبيد وروي ذلك عن عائشة وأسماء وابن عمر وأنس وجابر ﵃ وعن جماعة من التابعين. وقيل: فيه الزكاة وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. وأمَّا حلية الرجال: فما أبيح منه فلا زكاة فيه كحلية السيف والخاتم الفضة وأمَّا ما يحرم اتخاذه كالأواني ففيه الزكاة. وما اختلف فيه من تحلية المنطقة والخوذة والجوشن ونحو ذلك ففي زكاته خلاف فعند مالك والشافعي فيه الزكاة ولا يجوز اتخاذه وأباحه أبو حنيفة وأحمد إذا كان من فضة وأمَّا حلية الفرس كالسرج واللجام والبرذون فهذا فيه الزكاة عند جمهور العلماء. وقد منع
[ ٦ / ٨٨ ]
من اتخاذه مالك والشافعي وأحمد. وكذلك الدواة والمكحلة ونحو ذلك فيه الزكاة عند الجمهور سواء كان فضة أو ذهبًا» اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة ما احتجوا به ما رواه ابن الجوزي في [التَّحْقِيْقِ] (٩٨١) أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْبَنَّا قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد حَدثنَا أَحْمد بن المظفر حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حوصلة حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن أَيُّوب حَدَّثَنَا عَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ من الْحُلِيِّ زَكَاةٌ».
قُلْتُ: قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْمَعْرِفَةِ] (٣/ ٢٩٨):
«والذي يرويه بعض فقهائنا مرفوعًا: "ليس في الحلي زكاة". لا أصل له إنَّما يروى عن جابر من قوله غير مرفوع» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٦٧):
«الصواب وقف هذا الحديث على جابر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (١/ ٣٤١):
«قُلْتُ: هذا ليس بصحيح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي ﵀ فِي [شَرْحِ أَبِي دَاوْدَ] (٦/ ٢٢٣):
«قُلْتُ: روى ابن الجوزي في " التحقيق " بسنده عن عافية بن أيوب، عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قال: "ليس في الحلي زكاة" قال البيهقي في " الْمَعْرِفَة": وما يروى عن عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا " ليس في الحلي زكاة "فباطل، لا أصل له، إنما يروى
[ ٦ / ٨٩ ]
عن جابر، عن قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعا كان مغرورا بدينه، داخلا فيما يعيب به المخالفة من الاحتجاج برواية الكذابين» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الموقوف الشافعي في [الْأُمِ] (٢/ ٤١)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٤٦)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٧٥)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٧٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٣٠).
مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ»، قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ أَلْفًا؟ قَالَ جَابِرٌ: «أَلْفٌ كَثِيرٌ، أَوْ قَالَ: «كَبِيرٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٧٥) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ» قُلْتُ: إِنَّهُ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ قَالَ: «يُعَارُ، وَيُلْبَسُ».
قُلْتُ: عبد الملك هو ابن أبي سليمان العزرمي.
وقد صرَّح أبو الزبير بالسماع عند عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٤٨)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٩٤).
قُلْتُ: واحتجوا بعدة آثار واردة في الباب منها:
أثر عبد الله بن عمر ﵁.
رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٨٧)، والشافعي [الْأُمِ] (٢/ ٤١)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٧٨٥)، و[الْمَعْرِفَة] (٢٤٩٦)، ورواه أيضًا في [الْصُغْرَى] (١٢٤٧)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٨١)
[ ٦ / ٩٠ ]
مِنْ طَرِيْقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتَهُ وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ. ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢٧١) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الْحُلِيِّ زَكَاةً».
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٤٧) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وقد ذهب ابن عمر إلى أنَّ زكاته عاريته كما سيأتي ذلك بمشيئة الله.
ومن ذلك أثر عائشة ﵂.
رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٧٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: «كَانَ مَالُنَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَكَانَتْ تُزَكِّيهِ، إِلَّا الْحُلِيَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٧٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُزَكِّيهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٦ / ٩١ ]
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٨٦)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٧٨٤) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَلِي بَنَاتَ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حَجْرِهَا لَهُنَّ الْحَلْيُ، فَلَا تُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٨٦) حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: «كُنَّا أَيْتَامًا فِي حِجْرِ عَائِشَةَ وَكَانَ لَنَا حُلِيٌّ فَكَانَتْ لَا تُزَكِّيهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٥١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ حُلِيٍّ لَهَا هَلْ عَلَيْهَا فِيهِ صَدَقَةٌ؟ قَالَتْ: «لَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وقد جاء عنها ما يدل على الزكاة في الحلي كما سيأتي فتحمل هذه الآثار على حلي لم يبلغ النصاب.
ومن ذلك أثر أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄.
رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٧٦، ١٠٢٧٧)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٨٨)، والْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِهِ] (١٩٦٩)، وعنه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٣٣) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ، «أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُزَكِّي الْحُلِيَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ومن ذلك أثر أنس بن مالك وعبد الله بن مسعود ﵄.
[ ٦ / ٩٢ ]
فروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٦٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٥٤١)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٨٢٨٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، ثنا وَكِيعٌ، ثنا شَرِيكٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْحُلِيِّ، فَقَالَ: «لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ».
قُلْتُ: فيه شريك القاضي سيء الحفظ، وعلي بن سليم مجهول.
ورواه سحنون في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٣٠٦) فقال: قَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، حَدَّثَهُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَانَا يَقُولَانِ: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ إذَا كَانَ يُعَارُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ».
قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف، ورواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس متصلة، وعن ابن مسعود منقطعة.
وفي [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٣٠٦) أيضًا: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةَ وَعَمْرَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ، قَالُوا: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ».
قُلْتُ: لم يسم ابن وهب من حدثه.
وأثر أنس حسن من هذه الوجوه.
وأمَّا أثر ابن مسعود فيمكن تحسينه أيضًا، وسيأتي بإسناد أصح من هذا ما يدل على أنَّ ابن مسعود يرى الزكاة في الحلي.
[ ٦ / ٩٣ ]
القول الثاني: وجوب زكاة الحلي الملبوس كزكاة النقدين، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٧٥):
«وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى، أنَّه فيه الزكاة وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وأصحاب الرأي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّيرَازِيُّ ﵀ في [الْمُهَذَّبِ] (١/ ١٥٨):
«فصل الزكاة في المصوغ ومن ملك مصوغًا من الذهب والفضة فإن كان معدًا للقنية وجبت فيه الزكاة لأنَّه مرصد للنماء فهو كغير المصوغ فإن كان معدًا للاستعمال نظرت فإن كان لاستعمال محرم كأواني الذهب والفضة وما يتخذه الرجل لنفسه من سوار أو طوق أو خاتم ذهب أو ما يحلى به المصحف أو يؤزر به المسجد أو يموه به السقف أو كان مكروهًا كالتضبيب القليل للزينة وجبت فيه الزكاة لأنَّه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط حكم فعله وبقي على حكم الأصل.
وإن كان لاستعمال مباح كحلي النساء وما أعد لهن وخاتم الفضة للرجال ففيه قولان:
أحدهما: لا تجب فيه الزكاة لما روى جابر ﵁ إن النبي ﷺ قال ليس في الحلي زكاة، ولأنَّه معد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل من الإبل والبقر.
[ ٦ / ٩٤ ]
والثاني: تجب فيه الزكاة واستخار الله فيه الشافعي واختاره» اهـ.
وَقَالَ العلامة الْقُرْطُبِي ﵀ في [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ١٢٦):
«وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وأحمد وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ، وَوَقَفَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِصْرَ وَقَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الزَّكَاةُ» اهـ.
قُلْتُ: واحتج أصحاب هذا القول بالأدلة العامة في إيجاب الزكاة في الذهب والفضة كقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وما رواه مسلم (٩٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
وبما رواه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائي (٢٤٧٩، ٢٤٨٠) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَتُعْطِينَ
[ ٦ / ٩٥ ]
زَكَاةَ هَذَا؟»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ ﷿ وَلِرَسُولِهِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَسَنٌ.
وجاء مرسلًا فيما رواه النسائي (٢٤٨٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُسَيْنًا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا بِنْتٌ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ»، نَحْوَهُ مُرْسَلٌ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: خَالِدٌ أَثْبَتُ مِنَ الْمُعْتَمِرِ اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٢٧)
«خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ أَثْبَتُ عِنْدَنَا مِنَ الْمُعْتَمِرِ، وَحَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّه رجح المرسل، ولعل السبب في ذلك أنَّ خالدًا سلك الجادة في حديث عمرو، وذلك أنَّ رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سلسلة معروفة مشهورة، تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قلَّ حفظه، بخلاف رواية عمرو بن شعيب عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلًا، فإنَّه إسناد مستغرب، فلا يحفظه إلَّا حافظ، وكثيرًا ما يعل العلماء بلزوم الطريق أو سلوك المحجة، أو سلوك الجادة.
لكن قد تابع خالدًا على لزوم الجادة أبو أسامة حماد بن أسامة وحديثه عند الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٨٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٨٢٩١).
[ ٦ / ٩٦ ]
ورواه أحمد (٦٩٠١) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ بَابٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَتَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَعَلَيْهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ " قَالَتَا: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "فَأَدِّيَا حَقَّ اللهِ عَلَيْكُمَا فِي هَذَا"».
قُلْتُ: نصر بن باب متروك، والحجاج ضعيف.
ورواه الترمذي (٦٣٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي أَيْدِيهِمَا سُوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُمَا: «أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟»، قَالَتَا: لَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قَالَتَا: لَا، قَالَ: «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ»: وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَوَاهُ المُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، نَحْوَ هَذَا، وَالمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ» اهـ.
قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف.
ورواية المثنى بن الصباح عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٦٥). والمثنى شديد الضعف.
قُلْتُ: وفي الحديث نزاع بين العلماء في ثبوته.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ١٤١)
[ ٦ / ٩٧ ]
«قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي "الْقَدِيمِ": وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ، وَرَوَى فِيهِ شَيْئًا ضَعِيفًا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْأَصْبَهَانِيُّ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَابْنَتُهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي يَدِهَا مَسْكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: "هَلْ تُعْطِيَنَ زَكَاةَ هَذَا؟ " قَالَتْ: لَا قَالَ: "فَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ " قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
هَكَذَا رَوَاهُ حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، وَرَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، كَمَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَرْوَزِيُّ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَتَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِمَا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُمَا: "أَتُحِبَّانِ أَنْ يُحَلِيَكُمَا اللَّهُ أَسْوِرَةً مِنْ نَارٍ؟ " قَالَتَا: لَا قَالَ: "فَأَدِّيَا حَقَّهُ"، قَالَ الْحَجَّاجُ: يَرَوْنَ أَنَّ حَقَّهُ زَكَاتُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ أَوْثَقُ مِنَ الْحَجَّاجِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ كَانَ كَالْمُتَوَقِّفِ فِي رِوَايَاتِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، إِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِمَا مَا يُؤَكِّدُهَا، لِمَا قِيلَ فِي رِوَايَاتِهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهَا مِنْ صَحِيفَةٍ كَتَبَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ عَمْرٍو مِنْ أَبِيهِ، مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٢٣٥):
[ ٦ / ٩٨ ]
«وَهَذَا يَتَفَرَّدُ بِهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَطَّانِ ﵀ في [بَيَانِ الْوَهْمِ والْإِيْهَامِ] (٥/ ٣٦٦):
«وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ إِلَى عَمْرو، وَعَمْرو عَنْ أَبِيه، عَنْ جده من قد علم.
وَإِنَّمَا ألزمته مَا الْتزم.
وَالتِّرْمِذِيّ إِنَّمَا ضعفه؛ لِأَنَّهُ لم يصل عِنْده إِلَى عَمْرو بن شُعَيْب إِلَّا بضعيفين كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَالْدَارَقُطْنِي أَيْضًا الَّذِي استوعب أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، إِنَّمَا سَاقه من رِوَايَة حجاج بن أَرْطَاة، عَنْ عَمْرو بن شُعَيْب، وَذكره أَيْضا من رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن بعد الْموضع الَّذِي جمع فِيهِ أَحَادِيث الْبَاب مُفردًا.
وَأَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا نظر الحَدِيث عِنْد الْدَارَقُطْنِي، وأغفل كتاب أبي دَاوُد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٣٣): «وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ» اهـ.
قُلْتُ: وخلاصة القول في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص:
أنَّ خالد بن الحارث رواه عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب موصولًا.
وتابعه أبو أسامة حماد بن أسامة.
وجاء الحديث من رواية ابن لهيعة وحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب موصولًا.
وروى الحديث معتمر بن سليمان عن حسين المعلم مرسلًا.
ورجح الحافظ النسائي رواية معتمر المرسلة على رواية خالد الموصولة.
[ ٦ / ٩٩ ]
والأظهر رجحان رواية خالد لأوجه:
الأول: أنَّه أوثق من معتمر.
الثاني: أنَّه متابع متابعة تامة فقد تابعه أبو أسامة حماد بن أسامة.
الثالث: أنَّه متابع متابعة قاصرة فقد تابعه حجاج، وابن لهيعة، والمثنى بن الصباح.
ولهذا لم يرتض الحافظ ابن حجر ﵀ تعليل الحافظ النسائي فقال في [الدِّرَايَةِ] (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩):
«قُلْتُ: أبدى لَهُ النَّسَائِيّ عِلَّة غير قادحة فَإِنَّهُ أخرجه من رِوَايَة مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَنْ حُسَيْن الْمعلم عَنْ عَمْرو قَالَ جَاءَت فَذكره مُرْسلًا وَقَالَ: خَالِد بن الْحَارِث أثبت عندنَا من مُعْتَمر وَحَدِيث مُعْتَمر أولَى بِالصَّوَابِ» اهـ.
قُلْتُ: والمَسَكَة هي الأسورة. ولا يبعد أن تبلغ النصاب لغلظها.
وروى أبو داود (١٥٦٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى فِي يَدَيَّ فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟»، فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟»، قُلْتُ: لَا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَسَنٌ.
والفتخات هي خواتيم لا فصوص لها. ولعلها بلغت النصاب مع غيرها.
[ ٦ / ١٠٠ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١٧):
«قلت: والغالب أنَّ الفتخات لا تبلغ نصابًا تجب فيها بمفردها الزكاة وإنَّما معناه أن تضم إلى سائر ما عندها من الحلي فتؤدي زكاتها منه» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث:
فَقَالَ الْحَاكِمُ ﵀ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١/ ٥٤٧): «هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْصُغْرَى] (٢/ ٥٦): «وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٣٩٠):
«وإسناده على شرط الصحيح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي ﵀ فِي [عُمْدَةِ الْقَارِيِّ] (٩/ ٣٤):
«قُلْتُ: الحَدِيث على شَرط مُسلم» اهـ.
قُلْتُ: وهنالك من أعله من أهل العلم:
قال الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (١/ ٣٤٣):
«وليحيى مع كونه من رجال (خ م) مناكير؛ هذا منها، ومحمد مجهول» اهـ.
قُلْتُ: قوله محمد مجهول ليس بصواب وقد تبع فيه الحافظ الْدَارَقُطْنِي، وإنَّما لم يعرفه الْدَارَقُطْنِي لأنَّه نسب إلى جده فقيل: محمد بن عطاء، ورواية أبي داود هذه بينت من هو وأنَّه ابن عمرو وهو من الثقات وقد وثقه جمع من حفاظ الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ١٣٩):
[ ٦ / ١٠١ ]
«قال علي بن عمر محمد بن عطاء هذا مجهول قال الشيخ هو محمد بن عمرو بن عطاء وهو معروف» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ١٤٤):
«في إسناده: محمد بن عطاء قال الْدَارَقُطْنِي: ومحمد بن عطاء هذا مجهول. قال أحمد: هو محمد بن عمرو بن عطاء، فيما رواه أبو حاتم، ومحمد بن عمرو بن عطاء معروف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٥/ ٥٨٤):
«وفي إسناده محمد بن عمرو بن عطاء، قال الْدَارَقُطْنِي: هو مجهول. وتبعه ابن الجوزي، وخالفه البيهقي وابن القطان فقالا: هو معروف. وهو الصواب، فهو من رجال "الصحيحين".
وأما ابن حزم فإنَّه أعله بيحيى بن أيوب الغافقي، وهو من رجال مسلم، ووثقه يحيى في رواية، واستشهد به البخاري، لا جرم قال الحاكم في "مستدركه": إنَّه على شرط الشيخين» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْزَّيْلَعِي ﵀ في [نَصْبِ الْرَّايَةِ] (٢/ ٣٧١):
«وأخرجه الْدَارَقُطْنِي في "سُنَنِه" عن محمد بن عطاء به، فنسبه إلى جده دون أبيه، ثم قال: ومحمد بن عطاء مجهول، انتهى. قال البيهقي في "الْمَعْرِفَة": وهو محمد بن عمرو بن عطاء، لكنه لما نسب إلى جده ظن الْدَارَقُطْنِي أنه مجهول، وليس كذلك، انتهى. وتبع الْدَارَقُطْنِي في تجهيل محمد بن عطاء عبد الحق في "أحكامه". وتعقبه ابن القطان، فقال: إنَّه لما نسب في سند الْدَارَقُطْنِي إلى جده خفي على الْدَارَقُطْنِي أمره، فجعله مجهولا، وتبعه عبد الحق في ذلك، وإنما هو محمد بن
[ ٦ / ١٠٢ ]
عمرو بن عطاء، أحد الثقات، وقد جاء مبينا عند أبي داود، وبينه شيخه محمد بن إدريس الرازي، وهو أبو حاتم الرازي إمام الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ، ورواه أبو نشيط محمد بن هارون عن عمرو بن الربيع، كما هو عند الْدَارَقُطْنِي، فقال فيه: محمد بن عطاء نسبه إلى جده، فلا أدري أذلك منه، أم من عمرو بن الربيع، انتهى كلامه. قال الشيخ في "الْأمام": ويحيى بن أيوب أخرج له مسلم، وعبيد الله بن أبي جعفر من رجال الصحيحين، وكذلك عبد الله بن شداد، والحديث على شرط مسلم، انتهى» اهـ.
قُلْتُ: وأعله البيهقي ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ١٤٤) فقال:
«وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة: إن كان ذكر الورق فيه محفوظًا، غير أنَّ رواية القاسم بن محمد وابن أبي مليكة، عن عائشة في تركها إخراج الزكاة من الحلي، مع ما ثبت من مذهبهما إخراج الزكاة، عن أموال اليتامى، يوقع وهمًا في هذه الرواية المرفوعة، فهي لا تخالف النبي ﷺ فيما روته عنه إلَّا فيما علمته منسوخًا، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٥٣):
«وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَلْيِ أَثْبَتُ إِسْنَادًا وَأَعْدَلُ شَهَادَةً وَيَسْتَحِيلُ فِي الْعُقُولِ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ تَسَمَعُ مِثْلَهُ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ فِي تَرْكِ زَكَاةِ الْحَلْيِ وَتُخَالِفُهُ.
وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهَا عُلِمَ أَنَّهَا قَدْ عَلِمَتِ النَّسْخَ مِنْ ذَلِكَ» اهـ.
[ ٦ / ١٠٣ ]
قُلْتُ: ولعلَّ هذا هو السبب الذي من أجله جعل الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ هذا الحديث من مناكير يحيى بن أيوب.
ويمكن أن يجاب على ذلك بأنَّ الآثار التي جاءت عن عائشة أنَّها لم تكن تزكي الذهب محمولة على قليله الذي لم يبلغ النصاب ويؤيد ذلك اختلاف الآثار عنها في ذلك، وأصرح من ذلك ما رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٥٢) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَائِشَةَ، «كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتِ أَخِيهَا بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلِؤِ فَلَا تُزَكِّيهِ وَكَانَ حُلِيُّهُمْ يَوْمَئِذٍ يَسِيرًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وبهذا يتبين أنَّه ليس هناك تعارض بين ما روت وبين ما كانت تفعله.
وجمع بين ذلك الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فقال في [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٣٩٠):
«وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الزَّكَاةَ فِيهَا وَلَا تَرَى إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا عَنْ مَالِ الْأَيْتَامِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَصَّاصُ الْحَنَفِي ﵀ في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٤/ ٣٠٤) - عند كلامه على حديث عائشة -:
«فَانْتَظَمَ هَذَا الْخَبَرُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ زَكَاةِ الْحُلِيِّ.
وَالْآخَرُ: أَنَّ الْمَصُوغَ يُسَمَّى وَرِقًا لِأَنَّهَا قالت: "فتحات مِنْ وَرَقٍ" فَاقْتَضَى ظَاهِرُ قَوْلِهِ: "فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ".
إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ لِأَنَّ الرِّقَةَ وَالْوَرِقَ وَاحِدٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِأَعْيَانِهِمَا فِي مِلْكِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ لَا بِمَعْنَى يَنْضَمَّ إلَيْهِمَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ النُّقَرَ وَالسَّبَائِكَ تَجِبُ فِيهِمَا الزَّكَاةُ
[ ٦ / ١٠٤ ]
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُرْصَدَةً لِلنَّمَاءِ وَفَارَقَا بِهَذَا غَيْرَهُمَا مِنْ الْأَموَالِ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِمَا بِوُجُودِ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُرْصَدَةً لِلنَّمَاءِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْمَصُوغِ وَالْمَضْرُوبِ وَأَيْضًا لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْحُلِيَّ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْمَرْأَةِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَأَيْضًا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ الزَّكَاةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَا فِي الْحُلِيِّ فَإِنْ قِيلَ الْحُلِيُّ كَالنُّقُرِ الْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ قِيلَ لَهُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا عَدَاهُمَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِأَنْ يَكُونَ مُرْصَدًا لِلنَّمَاءِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَجِبْ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لِأَعْيَانِهِمَا بِدَلَالَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالنُّقَرُ وَالسَّبَائِكُ إذَا أَرَادَ بِهِمَا الْقُنْيَةَ وَالتَّبْقِيَةَ لَا طَلَبَ النَّمَاءِ وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلصَّنْعَةِ تَأْثِيرٌ فِيهِمَا وَلَمْ يُغَيِّرْ حُكْمَهُمَا فِي حَالٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الصَّنْعَةِ وَعَدَمِهَا فَإِنْ قِيلَ زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَّتُهُ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فَبَطَلِ أَنْ تَكُونَ الْعَارِيَّةُ زَكَاةً وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْحُلِيِّ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزكاة وجبت في كل حول» اهـ.
قُلْتُ: ومن الأدلة في ذلك: ما رواه أبو طاهر المخلِّص في [الْمُخَلِّصِيَّاتِ] (١٦٩٩) حدثنا ابنُ منيعٍ قالَ: حدثنا داودُ قالَ: حدثنا محمدٌ، عن الزُّبيديِّ، عن الزُّهريِّ، أنَّ امرأَتينِ مِنْ أهلِ اليمنِ أَتتا رسولَ اللهِ ﷺ تُبايعانِهِ وفي أَيديهما سِوارانِ مِنْ ذهبٍ، فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «أَتُحبانِ أَنْ يُسوِّرَكما اللهُ بسوَارَينِ مِنْ نارٍ». قالَتا: لا، قالَ: «فأدِّيا زكاتَهُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيْلِ الزُّهْرِيِّ.
[ ٦ / ١٠٥ ]
ومن ذلك ما رواه محمد بن الحسن الشيباني في [الْحُجَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ] (١/ ٤٤٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن رَاشد عَنْ مَكْحُول أنَّ امْرَأَة كَانَتْ تَطوف بِالْبَيْتِ وَمَعَهَا ابْنة لَهَا فِي يَدهَا سوار من ذهب فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ: «أَتُحِبِّينَ أَنْ يَكُونَ لَكِ سِوَارٌ مِنْ نَارٍ». قَالَتْ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَأَدِّي زَكَاتَهُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًَا.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ قَالُوا: فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ. وَقَالُوا: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الْحُلِيِّ، الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، زَكَاةً».
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة ضعيف الحديث، وهو مع ذلك مرسل.
ومن الأدلة في ذلك ما رواه أبو داود (١٥٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَتَّابٌ يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ، فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عطاء بن أبي رباح وأم سلمة فإنَّ عطاء لم يسمع من أم سلمه قاله علي بن المديني كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم في [الْمَرَاسِيْلِ] ص (٢٥).
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [الْمِيْزَانِ] (١/ ٣٦٥) في ترجمة ثابت بن عجلان: «فمما أنكر عليه: حديث عتاب بن بشير، عنه، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت». فذكره.
وَقَالَ الْعَيْنِي ﵀ في [شَرْحِهِ لِسُنَنِ أَبِي دَاوْدَ] (٦/ ٢٢٠):
[ ٦ / ١٠٦ ]
«قوله: "أوضاحًا" الأوضاح جمع وَضَح بفتحتين، وهو نوع من الحلي، يعمل من الفضة، سميت به لبياضها، ثم استعملت في التي تعمل من الذهب أيضا، وقيل: حلي من الدراهم الصحاح، والوَضَح الدرهم» اهـ.
ومن ذلك أيضًا ما رواه أحمد (٢٧٦١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: «دَخَلْتُ أَنَا وَخَالَتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهَا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَنَا: "أَتُعْطِيَانِ زَكَاتَهُ؟ " قَالَتْ: فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: "أَمَا تَخَافَانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ أَسْوِرَةً مِنْ نَارٍ؟ أَدِّيَا زَكَاتَهُ"».
قُلْتُ: علي بن عاصم وشهر ضعيفان.
وفي الباب أحاديث أخرى واهية أعرضت عن ذكرها.
وهذه الأحاديث كما ترى منها ما إسنادها حسن، وقد أعلت بما لا يقدح فيها، ومنها ما فيه ضعف يسير هو منجبر بالشواهد المذكورة.
قُلْتُ: وقد ذهب إلى ذلك جمع من الصحابة منهم:
عبد الله بن مسعود ﵁.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٥٦)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦١)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٦٥)، والْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِهِ] (١٩٥٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٥٤٦) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثَورِي، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ: «إِنَّ لِيَ حُلِيًّا. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَيَبْلُغُ
[ ٦ / ١٠٧ ]
مِائَتَيْنِ؟ إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ؟ قَالَتْ: عِنْدِي بَنُو أَخٍ لِي أَيْتَامٌ، أَفَأَضَعُهُ فِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ».
ورواه أبو يوسف في [الْآثَارِ] (٤٣٩) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ به.
قُلْتُ: حماد هو ابن أبي سليمان حسن الحديث، وإبراهيم هو النخعي لم يسمع من علقمة فالإسناد منقطع.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْمَرَاسِيْلِ] (ص: ٩):
«حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ سَمِعْتُ مُسَدَّدًا يَقُولُ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ سَمِعَ مِنْ عَلْقَمَةَ» اهـ.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٥٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَنْ حُلِيٍّ، لَهَا فِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: «إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَزَكِّيهِ». قَالَتْ: إِنَّ فِي حِجْرِي يَتَامَى لِي أَفَأَدْفَعَهُ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: رواية الثوري أصح من رواية معمر.
وبهذا يتبيَّن أنَّ الصحيح في حديث ابن مسعود الانقطاع بين إبراهيم النخعي وعلقمة.
ورواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٦٣) وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦٢) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَأَلَتْهُ عَنْ طَوْقٍ لَهَا فِيهِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَتْ: أُزَكِّيهِ؟، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَتْ: كَمْ؟، قَالَ: «خَمْسَةُ دَرَاهِمَ»، قَالَتْ: أُعْطِيَهَا فُلَانًا، ابْنُ أَخٍ لَهَا يَتِيمٌ فِي حِجْرِهَا، قَالَ: «نَعَمْ إِنْ شِئْتِ».
[ ٦ / ١٠٨ ]
قُلْتُ: سعيد بن أبي عروبة مختلط لكن من الرواة عنه عبد الوهاب الخفاف وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، وهكذا ابن علية، وقد روى مسلم لسعيد بن أبي عروبة من رواية ابن علية عنه وهذا يدل على أنَّ سماعه منه قبل اختلاطه، وهو مع ذلك من المدلسين وقد عنعن غير أنَّه من الطبقة الثانية من المدلسين وهي طبقة من تقبل عنعنته. والله أعلم.
ومراسيل النخعي عن ابن مسعود صحيحة.
وبهذا يتبين ثبوت الأثر عن ابن مسعود ﵁.
وجاء أيضًا عن عائشة ﵂.
رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦٥) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحُلِيِّ إِذَا أَعْطِيَتْ زَكَاتُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وقد جاء عنها خلاف ذلك كما سبق.
وجاء أيضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بن العاص ﵄.
رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢٦٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ أَنْ يُزَكِّينَ حُلِيَّهُنَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عمرو بن شعيب وعبد الله بن عمرو.
[ ٦ / ١٠٩ ]
ورواه ابن زنجويه في [الْأَمَوَالِ] (١٧٦٦) أنا خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَكْتُبُ إِلَى قَهَارِمَتِهِ وَمَوَالِيهِ «يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُزَكُّوا حُلِيَّ بَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ».
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٥٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو: «أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ بِالذَّهَبِ ذَكَرَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَرَاهُ ذَكَرَ الْأَلْفَ، أَوْ أَكْثَرَ كَانَ يُزَكِّيهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ أيضًا.
ورواه الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٥٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٥٤٥) مِنْ طَرِيْقِ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى خَازِنِهِ سَالِمٍ: «أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ حُلِيِّ بَنَاتِهِ كُلَّ سَنَةٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ فِي الْظَّاهِرِ أنَّه حَسَنٌ.
لكن رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٢٦٤) فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَأْمُرُنِي أَنْ أَجْمَعَ حُلِيَّ بَنَاتِهِ كُلَّ عَامٍ، فَأُخْرِجَ زَكَاتَهُ».
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَاهُ مَوْلَاهُ: يَعْنِي سَالِمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قُلْتُ: فجعله من رواية عمرو بن شعيب عن سالم، وسالم هذا مجهول.
وخلاصة القول في أثر ابن عمرو أنَّ الأرجح فيه الانقطاع. والله أعلم.
قُلْتُ: وهذا القول هو الصحيح المؤيد بالأدلة.
القول الثالث: أنَّ زكاته عاريته.
[ ٦ / ١١٠ ]
فقد روى ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٩٤)، وابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٩٠٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْمَلِكِ - وهو ابن أبي سليمان العزرمي-، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ إِنَّ الْحُلِيَّ يَكُونُ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ يُعَارُ وَيُلْبَسُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٤٢) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، ثنا أَبُو غَسَّانَ، ثنا كَامِلُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ حَبِيبٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَتُهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٧٥):
«وَقَالَ الحسن، وعبد الله بن عتبة، وقتادة: زكاته عاريته.
قال أحمد: خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: ليس في الحلي زكاة.
ويقولون: زكاته عاريته» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٤٥٥):
«ونقل عن غير واحد من الصحابة أنَّه قال: زكاة الحلي عاريته ولهذا تنازع أهل هذا القول هل أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها على وجهين في
[ ٦ / ١١١ ]
مذهب أحمد وغيره والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره وأمَّا إن كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (٣٧٨):
«وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين إن زكاة الحلي عاريته فإذا لم يعره فلا بد من زكاته وهذا وجه في مذهب أحمد.
قُلْتُ: وهو الراجح وإنَّه لا يخلو الحلي من زكاة أو عارية» اهـ.
القول الرابع: يزكى عامًا واحدًا فقط.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٧٥): «وَقَالَ مالك: يزكى عامًا واحدًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء ذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ كما روى ذلك ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢٥٨)، وابن معين كما في [جُزْءِ أَحَادِيْثِ ابْنِ مَعِيْنٍ] (١٠٥)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٧٩٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٣١)، وفي [الْمَعْرِفَة] (٢٥٠٠) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي الْحُلِيُّ قَالَ: «إِذَا كَانَ يُعَارُ، وَيُلْبَسُ فَإِنَّهُ يُزَكَّى مَرَّةً وَاحِدَةً». هذا لفظ البيهقي.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. لكنَّه وارد في حق من أعارته ويمكن يجعل ذلك مذهبًا خامسًا وهو أنَّ من أعارته يكفيها زكاة عام واحد.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في الفلوس التي ظهرت قديمًا هل فيها زكاة أو لا زكاة فيها، فذهب أكثرهم إلى أنَّ الفلوس من جملة العروض إن استعملت في التجارة وبلغت النصاب وحال عليها الحول ففيها زكاة العروض وإلَّا فلا زكاة فيها، وذهبت الحنفية إلى أنَّها إذا راجت ففيها الزكاة لثمنيتها.
[ ٦ / ١١٢ ]
وهكذا تنازع العلماء في العملات الورقية هل فيها الزكاة أو لا فمنهم من جعلها كالفلوس على الخلاف السابق فيها، ومنهم من جعلها سندًا لذهب أو فضة مضمونة وأنزل فيها كلام أهل العلم في زكاة الدين.
قُلْتُ: والصحيح في العملات الورقية أنَّها عملة مستقلة قامت مقام الذهب والفضة بل طغت على الذهب والفضة في كل شيء فهي ملحقة بالذهب والفضة بقياس الأولى الذي يعد من أقوى أنواع القياس، والله أعلم.
ونصاب العملات الورقية وغيرها من العملات المعدنية راجع إلى نصاب أقل النقدين نصابًا وهو في هذه الأيام الفضة، فهذا هو الأبرأ للذمة، والأحسن للفقراء.
٤ - وقوله: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ». جاء في لفظ عند البخاري (١٤٤٧، ١٤٥٩)، ومسلم (٩٨٠) زيادة: «مِنَ الْإِبِلِ». والذود من الثلاثة إلى العشرة، والمراد بها هاهنا الخمس من الإبل كما هو صريحٌ في لفظ الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٢٤):
«وأصل وضع الذود إنَّما هو مصدر، من ذاد يذود، إذا دفع شيئًا، فكان من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر، أو شدة الفاقة والحاجة» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث يدل على زكاة الإبل وقد دلت على ذلك السنة والإجماع، ويدل أيضًا على أنَّ نصاب زكاة الإبل يبدأ من خمسٍ من الإبل.
وأحسن ما جاء في بيان صدقة الإبل والغنم ما رواه البخاري (١٤٥٤) عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا
[ ٦ / ١١٣ ]
الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا».
وفي رواية للبخاري (١٤٥٣) عَنْ ثُمَامَةَ، أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ: «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا،
[ ٦ / ١١٤ ]
وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ».
قُلْتُ: وأمَّا صدقة البقر فجاء فيها ما رواه الترمذي (٦٢٢)، وابن ماجه (١٨٠٤) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «فِي ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ خصيف مختلف فيه ولعله لا ينزل حديثه عن الحسن
قَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [السِّيَرِ] (٦/ ١٤٦):
«قُلْتُ: حديثه يرتقي إلى الحسن» اهـ.
وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرِحِ عِلَلِ التِّرمِذِيِّ] ص (١٨٢):
«قال ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: "هو منقطع، وهو حديث ثبت".
[ ٦ / ١١٥ ]
قال يعقوب بن شيبة: "إنَّما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في الْمُسْنَد - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر "» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧):
«وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أنَّ أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قاله ابن المدني وغيره» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النُّكَتِ] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩): «ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحو ذلك، فإنَّه روى حديثًا من رواية أبي عبيدة عن أبيه ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه إلَّا أنَّ هذا الحديث جيد» اهـ.
وفي الباب حديث معاذ بن جبل.
رواه أبو داود (١٥٧٦)، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِي مُحْتَلِمًا - دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ المَعَافِرِ - ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ -».
قُلْتُ: اختلف فيه على أبي معاوية في شيخ الأعمش فسماه النفيلي أبا وائل، وسماه غيره إبراهيم النخعي وممن سماه بذلك: أحمد بن حرب روى حديثه النسائي (٢٤٥٢)، وأبو موسى محمد بن المثنى عند الْدَارَقُطْنِي (١٩٣٧)، وعثمان بن محمد بن أبي شيبة عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦٦٨٥).
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في [الْمُصَّنَّفِ] (١٠٠١٤) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق مرسلًا.
[ ٦ / ١١٦ ]
وقد رواه يعلى بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم وأبي وائل شقيق بن سلمة معًا أخرج حديثه الدارمي (١٦٢٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٠٧٨)،
واختلف فيه على الأعمش:
فرواه أحمد (٢٢٠٦٦)، والترمذي (٦٢٣) مِنْ طَرِيْقِ سفيان عن الأعمش به، وزاد مسروقًا بين أبي وائل ومعاذ.
وتابع سفيانًا الثوري في ذلك مفضل بن مهلهل عند النسائي (٢٤٥٠)، ويحيى بن عيسى الرملي عند وابن ماجه (١٨٠٣)، ومعمر عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٨٤١)، ويعلى بن عبيد عند الدارمي (١٦٢٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٤٤٧).
وهناك اختلاف آخر عن الأعمش.
فقد رواه شعبة عن الأعمش لكن جعله عن مسروق مرسلًا، عند الشاشي في [مُسْنَدِه] (١٣٣٦) لكن ظاهر حديثه عن مسروق مرسلًا، وتابعه مروان بن معاوية الفزاري عند الشاشي في [مُسْنَدِه] (١٣٣٨) وابن عبيد في [الْأَمْوَالِ] (٩٩٣)، وأبو عوانة الوضاح اليشكري عند الشاشي في [مُسْنَدِه] (١٣٤٠).
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٠١٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي وَائِلٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ «وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ».
[ ٦ / ١١٧ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والمحفوظ فيه رواية الجماعة عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٦/ ٦٩):
«والمحفوظ عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، وعن إبراهيم مرسلًا» اهـ.
قُلْتُ: وللحديث طرق أخرى.
٥ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ الإبل المعلوفة فيها الزكاة وذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ جعل الزكاة في خمس من الإبل مطلقًا من غير اشتراط السوم فيها. وهذا مذهب الْإِمَام مالك، وخالفه في ذلك جمهور العلماء فذهبوا إلى اشتراط السوم في زكاة الماشية.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَى] (٤/ ١٤٤):
«قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: تُزَكَّى السَّوَائِمُ، وَالْمَعْلُوفَةُ، وَالْمُتَّخَذَةُ لِلرُّكُوبِ، وَلِلْحَرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ؟ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَمَّا الْإِبِلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ فَلَا زَكَاةَ إلَّا فِي سَائِمَتِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا الْإِبِلُ، وَالْغَنَمُ فَتُزَكَّى سَائِمَتُهَا وَغَيْرُ سَائِمَتِهَا، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد ﵀؟ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ سَائِمَةَ الْإِبِلِ وَغَيْرَ السَّائِمَةِ مِنْهَا تُزَكَّى سَوَاءٌ سَوَاءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا زَكَاةَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ» اهـ.
[ ٦ / ١١٨ ]
قُلْتُ: واحتج الجمهور بما جاء في حديث الصديق الماضي: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ».
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٢٠٠٣٠، ٢٠٠٥٠، ٢٠٠٥٣)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٢٤٤٤، ٢٤٤٩) مِنْ طَرِيْقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ مُؤْتَجِرًا بِهَا - فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ﷿، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قُلْتُ: حديث الباب مطلق وهذان حديثان مقيدان فيحمل المطلق على المقيد هذا هو القول الصحيح فيما يظهر لي والله أعلم.
ولا يشترط السوم في جميع الحول على الصحيح بل يكفي أن يوجد في أكثر الحول وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، والأول مذهب الشافعي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةُ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٩٢ - ٩٣):
«وَقَالَ الشافعي: إن لم تكن سائمة في جميع الحول فلا زكاة فيها؛ لأنَّ السوم شرط في الزكاة، فاعتبر في جميع الحول، كالملك وكمال النصاب، ولأنَّ العلف يسقط والسوم يوجب، فإذا اجتمعا غلب الإسقاط، كما لو ملك نصابًا بعضه سائمة وبعضه معلوفة.
[ ٦ / ١١٩ ]
ولنا عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة في نصب الماشية، واسم السوم لا يزول بالعلف اليسير، فلا يمنع دخولها في الخبر، ولأنَّه لا يمنع حقه للمؤنة، فأشبهت السائمة في جميع الحول، ولأنَّ العلف اليسير لا يمكن التحرز منه فاعتباره في جميع الحول يسقط الزكاة بالكلية، سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة، فإنَّه إذا أراد إسقاط الزكاة علفها يومًا فأسقطها، ولأنَّ هذا وصف معتبر في رفع الكلفة فاعتبر فيه الأكثر، كالسقي بما لا كلفة في الزرع والثمار» اهـ.
٦ - ويدل الحديث على أنَّ في الزروع والثمار صدقة.
٧ - وفيه أنَّ نصاب صدقة الزروع والثمار خمسة أوسق والوسق ستون صاعًا فمجموع ذلك ثلاثمائة صاع. وهو مذهب الجمهور وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى وجوب الزكاة في القليل والكثير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٠٧):
«الأوسق جمع وَسْقٍ، فيه لغتان: فتح الواو وهو المشهور، وكسرها. وأصله في اللغة الحمل، والمراد بالوسق ستون صاعًا كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. وفي رطل بغداد أقوال أظهرها: أنَّه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقيل: مائة وثمانية وعشرون بلا أسباع، وقيل: مائة وثلاثون، فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي.
وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: تقريب، فإذا نقص عن ذلك يسير أوجبت الزكاة، والثاني: تحديد، فمتى نقص شيئًا وإن قل لم تجب الزكاة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٠١):
[ ٦ / ١٢٠ ]
«والرطل العراقي: مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، ووزنه بالمثاقيل سبعون مثقالًا، ثم زيد في الرطل مثقال آخر، وهو درهم وثلاثة أسباع فصار إحدى وتسعين مثقالًا، وكملت زنته بالدراهم مائة وثلاثين درهمًا، والاعتبار بالأول قبل الزيادة» اهـ.
وقوله: «ووزنه بالمثاقيل سبعون مثقالًا». هذا خطأ وقع في كثير من نسخ الْمُغْنِي والصواب تسعون كما يدل عليه ما بعده وكما هو موجود أيضًا في "الشَّرْحُ الْكَبِيْر".
وأمَّا تقدير الصاع بالجرامات على أكثر ما ذكره النووي ﵀ فهو ٦٦، ٢٠٦٢ جرامًا.
[ ٦ / ١٢١ ]
وذلك باعتبار أنَّ الصاع خمسة أرطال وثلث، وأنَّ الرطل مائة وثلاثون درهمًا، والدرهم قد سبق تحريره بأنَّه ثلاثة جرامات إلَّا خمسة وعشرون من ألف من أجزاء الدرهم.
فنضرب خمسة أرطال وثلث في مائة وثلاثين درهمًا فيكون الناتج ثلاثمائة وثلاث وتسعون درهمًا وثلاث وثلاثين في المائة من أجزاء الدرهم ثم نضرب هذه الدراهم في وزن الدرهم الواحد باعتبار الجرامات وهي ثلاثة جرامات إلَّا ربع جرام فيكون الناتج ما سبق ٦٦، ٢٠٦٢ جرامًا.
وأمَّا إذا اعتبرنا أنَّ الرطل عبارة عن مائة وثمانية وعشرين درهمًا فإنَّ الصاع حينئذ ٢٠٣٠، ٩٣ جرامًا.
وإذا اعتبرنا أنَّ الرطل عبارة عن مائة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع الدرهم كما رجح هذا العلامة ابن قدامة والنووي رحمهما الله فإنَّ الصاع حينئذ ٢٠٣٩، ٨٥٥ جرامًا.
قُلْتُ: وهذا قريب مما حرره الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ حيث قال في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٧٢):
«والصاع النبوي بالوزن يساوي كيلوين وأربعين جرامًا من البر، فتأتي بإناء وتضع فيه الذي وزنت، فإذا ملأه فهذا هو الصاع النبوي، وعندنا صاع من النحاس وجدناه في خرابات في عنيزة مكتوب عليه من الخارج نقشًا: هذا ملك فلان، عن فلان، عن فلان، إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت ﵁ وقد اعتبرته بالوزن، فأتيت ببر رزين، وملأت هذا الإناء ووزنته، فإذا هو مقارب لما ذكره الفقهاء ﵏» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا حسبنا ذلك بالمثاقيل فإنَّ الرطل تسعون مثقالًا كما ذكره العلامة ابن قدامة ﵀ فنرد الأرطال إلى المثاقيل وهي ٤٨٠ مثقالًا ثم نضرب المثاقيل في وزن الدينار وهو ٤. ٢٥ جرامًا فيكون الناتج ٢٠٤٠ جرامًا.
وهذا عين ما ذكره الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀.
وإذا أردنا معرفة نصاب زكاة البر بالجرامات نقوم بضرب ٢٠٣٩، ٨٥٥ جرامًا في ثلاثمائة صاع فيكون الناتج ٦١١٩٥٦، ٥ جرامًا، وحسابها بالكيلوات ٦١١، ٩٥٦٥ كيلو جرام.
[ ٦ / ١٢٢ ]
وإذا حررنا ذلك بما ذكرناه من وزن الرطل بالمثاقيل فسوف نضرب ٢٠٤٠ في ٣٠٠ فيكون الناتج ٦١٢٠٠٠ جرامًا أي أنَّه ٦١٢ كيلوا جرام، والفارق بين التقديرين شيء يسير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٠٢):
«فصل: والنصاب معتبر بالكيل، فإنَّ الأوساق مكيلة، وإنَّما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل، ولذلك تعلق وجوب الزكاة بالمكيلات دون الموزونات، والمكيلات تختلف في الوزن، فمنها الثقيل، كالحنطة والعدس.
ومنها الخفيف، كالشعير والذرة، ومنها المتوسط.
وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث من الحنطة وروى جماعة عنه، أنَّه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثي رطل حنطة.
وَقَالَ حنبل قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر، وَقَالَ أبو النضر: أخذته من ابن أبي ذئب.
وقال: هذا صاع النبي ﷺ الذي يعرف بالمدينة.
قال أبو عبد الله، فأخذنا العدس، فعيرنا به، وهو أصلح ما يكال به، لأنه لا يتجافى عن مواضعه، فكلنا به ووزناه، فإذا هو خمسة أرطال وثلث.
وهذا أصح ما وقفنا عليه، وما بين لنا من صاع النبي ﷺ.
وَقَالَ بعض أهل العلم: أجمع أهل الحرمين على أنَّ مد النبي ﷺ رطل وثلث قمحًا من أوسط القمح، فمتى بلغ القمح ألفًا وستمائة رطل، ففيه الزكاة.
[ ٦ / ١٢٣ ]
وهذا يدل على أنَّهم قدروا الصاع بالثقيل، فأمَّا الخفيف فتجب الزكاة فيه، إذا قارب هذا وإن لم يبلغه.
ومتى شك في وجوب الزكاة فيه، ولم يوجد مكيال يقدر به، فالاحتياط الإخراج، وإن لم يخرج فلا حرج؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب الزكاة، فلا تجب بالشك» اهـ.
٨ - ذكر الوسق يدل على أنَّ الزكاة تكون فيما يكال فإنَّ الوسق من معايير الكيل.
وقد اختلف العلماء في الذي تجري فيه الزكاة من الثمار والحبوب على أقوال ذَكَرَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةُ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٥) فقال:
«هذه المسألة تشتمل على أحكام؛ منها، أنَّ الزكاة تجب فيما جمع هذه الأوصاف: الكيل، والبقاء، وَالْيُبْسُ، من الحبوب والثمار، مما ينبته الآدميون، إذا نبت في أرضه، سواء كان قوتًا، كالحنطة، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن، أومن القطنيات، كالباقلا، والعدس، والماش والحمص، أومن الأبازير، كالكسفرة، والكمون، والكراويا، أو البزور، كبزر الكتان، والقثاء، والخيار، أو حب البقول، كالرشاد، وحب الفجل، والقرطم، والترمس، والسمسم، وسائر الحبوب، وتجب أيضًا فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار، كالتمر، والزبيب، والمشمش، واللوز، والفستق، والبندق.
ولا زكاة في سائر الفواكه، كالخوخ، والإجاص، والكمثرى، والتفاح، والمشمش، والتين، والجوز.
ولا في الخضر، كالقثاء، والخيار، والباذنجان، واللفت، والجزر.
[ ٦ / ١٢٤ ]
وبهذا قال عطاء في الحبوب كلها، ونحوه قول أبي يوسف ومحمد، فإنَّهما قالا: لا شيء فيما تخرجه الأرض، إلَّا ما كانت له ثمرة باقية، يبلغ مكيلها خمسة أوسق.
وَقَالَ أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير، ولا البزور، ولا حب البقول.
ولعله لا يوجب الزكاة إلَّا فيما كان قوتًا أو أدمًا؛ لأنَّ ما عداه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على النفي الأصلي.
وَقَالَ مالك، والشافعي: لا زكاة في ثمر، إلَّا التمر والزبيب، ولا في حب، إلَّا ما كان قوتًا في حالة الاختيار لذلك، إلَّا في الزيتون، على اختلاف.
وحكي عن أحمد: إلَّا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
وهذا قول ابن عمر، وموسى بن طلحة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح وابن أبي ليلى، وابن المبارك، وأبي عبيد.
والسلت: نوع من الشعير.
ووافقهم إبراهيم، وزاد الذرة.
ووافقهم ابن عباس، وزاد الزيتون؛ لأنَّ ما عدا هذا لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولا المجمع عليه، فيبقى على الأصل.
وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو، أنه قال: "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب".
وفي رواية، عن أبيه، عن جده، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "والعشر في التمر والزبيب، والحنطة والشعير".
[ ٦ / ١٢٥ ]
وعن موسى بن طلحة، عن عمر، أنه قال: "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب".
وعن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلَّا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب".
رواهن كلهن الْدَارَقُطْنِي.
ولأنَّ غير هذه الأربعة لا نص فيها ولا إجماع، ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها، وكثرة نفعها، ووجودها، فلم يصح قياسه عليها، ولا إلحاقه بها، فيبقى على الأصل.
وَقَالَ أبو حنيفة: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض، إلَّا الحطب، والقصب، والحشيش؛ لقوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر".
وهذا عام، ولأنَّ هذا يقصد بزراعته نماء الأرض، فأشبه الحب.
ووجه قول الخرقي، أنَّ عموم قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر".
وقوله ﵇ لمعاذ: "خذ الحب من الحب".
يقتضي وجوب الزكاة في جميع ما تناوله، خرج منه ما لا يكال، وما ليس بحب، بمفهوم قوله ﵇: "ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسق".
رواه مسلم والنسائي.
فدل هذا الحديث على انتفاء الزكاة مما لا، توسيق فيه، وهو مكيال، ففيما هو مكيل يبقى على العموم، والدليل على انتفاء الزكاة مما سوى ذلك ما ذكرنا من اعتبار التوسيق» اهـ.
[ ٦ / ١٢٦ ]
قُلْتُ: روى أحمد (٢٢٠٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ يَعْنِي ابْنَ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ ورواية موسى بن طلحة وجادة صحيحة.
وروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٩٢١)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٤٥٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٤٧٢) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي حُذَيْفَةَ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، حِينَ بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ: «لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ».
قُلْتُ: أبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي في حديثه لين، وسفيان هو الثوري، وأبو بردة لم يسمع من معاذ.
قُلْتُ: ويتقوى هذا بما قبله.
وهذان الحديثان يدلان على أنَّ الزكاة لا تجب إلَّا في هذه الأصناف الأربعة، وقد جاء ما يدل على أوسع من ذلك فمن ذلك ما رواه أبو داود (١٥٩٩)، وابن ماجه (١٨١٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ».
[ ٦ / ١٢٧ ]
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عطاء ومعاذ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٣٦): «وعطاء لم يسمع معاذًا، ولم يلقه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (١/ ٣٣٣): «قُلْتُ: مرسل» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٣٧٥):
«وصححه الحاكم على شرطهما إن صح سماع عطاء بن معاذ. قُلْتُ: لم يصح لأنَّه ولد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنة. وَقَالَ البزار لا نعلم أنَّ عطاء سمع من معاذ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْتُرْكُمَانِي ﵀ في [الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ] (٤/ ١١٢):
«قُلْتُ: هو مرسل لان عطاء ولد سنة تسع عشرة فلم يدرك معاذًا لأنه توفى سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس» اهـ.
ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
قُلْتُ: وهذه الآية مفسرة بما وجبت فيه الزكاة مما أخرج من الأرض فهي من قبيل العام الذي أريد به الخاص.
ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١].
[ ٦ / ١٢٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [فَتْحِ الْقَدِيْرِ] (٢/ ٤٨٥):
«وقد اختلف أهل العلم هل هذه محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب؟ فذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد وسعيد بن جبير، إلى أنَّ الآية محكمة، وأنَّه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين القبضة والضغث ونحوهما. وذهب ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والحسن، والنخعي، وطاووس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والضحاك وابن جريج، أنَّ هذه الآية منسوخة بالزكاة. واختاره ابن جرير، ويؤيده أنَّ هذه الآية مكية، وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. وقالت طائفة من العلماء: إنَّ الآية محمولة على الندب لا على الوجوب» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٣٤٩):
«وَقَالَ آخرون: هذا كله شيء كان واجبًا، ثم نسخه الله بالعشر ونصف العشر. حكاه ابن جرير عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي، وعطية العَوْفي. واختاره ابن جرير، ﵀.
قُلْتُ: وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنَّه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنَّه فصل بيانه وبَيَّن مقدار المخرج وكميته. قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد حَمَلَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِي ﵀ على الزرع خاصة فقال في [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٢٧٦):
[ ٦ / ١٢٩ ]
«أي: أعطوا حق الزرع، وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في الشرع، أمرهم أن يعطوها يوم حصادها، وذلك لأنَّ حصاد الزرع بمنزلة حولان الحول، لأنَّه الوقت الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع، ويكون الْأَمر فيها ظاهرًا لمن أخرجها، حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج» اهـ.
وقد رد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٣/ ٤٦٨) فقال: «فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. والذي يحصد الزرع.
قلنا: جهلتم؛ بل هو عام في كل نبت في الأرض.
وأصل الحصاد إذهاب الشيء عن موضعه الذي هو فيه؛ قال تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
وقال: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾. وقال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمسِ﴾.
وفي الحديث: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلَّا حصائد ألسنتهم"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٥٠٧):
«من قال: لا زكاة في الرمان، وهم جمهور العلماء، ومن قال: لا زكاة في الزيتون، يلزم على قول كل منهم أن تكون الآية التي نحن بصددها التي هي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، منسوخة أو مرادًا بها غير الزكاة; لأنَّها على تقدير أنَّها محكمة، وأنَّها في الزكاة المفروضة، لا يمكن معها القول بعدم زكاة
[ ٦ / ١٣٠ ]
الزيتون والرمان; لأنَّها على ذلك صريحة فيها; لأنَّ المذكورات في قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، يرجع إلى كلها الضمير في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾، وقوله: وآتوا حقه يوم حصاده، كما هو واضح لا لبس فيه. فيدخل فيه الزيتون والرمان دخولًا أوليًا لا شك فيه، فقول أكثر أهل العلم بعدم الزكاة في الرمان يقوي القول بنسخ الآية، أو أنَّها في غير الزكاة المفروضة، والله تعالى أعلم» اهـ.
قُلْتُ: لم يثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا عن أحد من الخلفاء الراشدين فيما أعلم أنَّهم أخذوا الزكاة من الفواكه غير التمر والعنب ولا أخذوا الزكاة من الخضروات فالذي يظهر لي أنَّ مذهب الجمهور أصوب والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ١١):
«ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل، والرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، ولا الخضروات ولا المباطخ والمقاثي والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلَّا العنب والرطب فإنَّه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يفرق بين ما يبس منه وما لم ييبس» اهـ.
قُلْتُ: ومن الأدلة العامة في ذلك ما رواه البخاري (١٤٨٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ».
قُلْتُ: وهذا أيضًا عمومه غير مراد وهو محمول على ما وجبت فيه الزكاة، فهو من قبيل العام الذي أريد به الخاص. والله أعلم.
[ ٦ / ١٣١ ]
وأمَّا حديث الباب فقد جاء تقييده بالتمر كما في البخاري (١٤٥٩)، ومسلم (٩٨٠) ولفظه:
«لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ».
ورواه مسلم (٩٧٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ».
قُلْتُ: القول بتخصيص الزكاة بالأربعة الأصناف هو القول القوي ولا يستقيم قياس غيرها عليها لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قصر الزكاة فيها دون غيرها مع وجود غيرها فدل ذلك على اقتصار الحكم فيها دون غيرها فلا يستقيم القياس حينئذٍ.
والأصل عدم إيجاب الزكاة إلَّا بشيء بيَّن وهذا الذي ذكرناه هو أبين ما في الباب فإنَّه مؤيد بالسنة والإجماع. والله أعلم.
قُلْتُ: والواجب في زكاة الزرع والثمار العشر فيما سقي بغير كلفه، وما كان بكلفه ففيه نصف العشر
لما رواه البخاري (١٤٨٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٤٩):
«قوله: "عثريًا" بفتح المهملة والمثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية وحكى عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب وحكى ابن عديس في المثلث فيه ضم أوله
[ ٦ / ١٣٢ ]
وإسكان ثانيه قال الْخَطَّابِي هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي زاد بن قدامة عن القاضي أبي يعلى وهو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء المطر في سواق تشق له قال واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأنَّ الماشي يعثر فيها قال ومنه الذي يشرب من الأنهار بغير مؤنة أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبًا من وجهها فيصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي» اهـ.
وروى مسلم (٩٨١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ، وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٢):
«وأمَّا السانية: فهو البعير الذي يسقى به الماء من البئر، ويقال له: الناضح، يقال منه: سنا يسنو إذا أسقي به» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٩٧):
«فصل: الحكم الثالث، أنَّ العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة، كالذي يشرب من السماء والأنهار، وما يشرب بعروقه، وهو الذي يغرس في أرض ماؤها قريب من وجهها، فتصل إليه عروق الشجر، فيستغني عن سقي، وكذلك ما كانت عروقه تصل إلى نهر أو ساقية.
ونصف العشر فيما سقي بالمؤن، كالدوالي والنواضح؛ لا نعلم في هذا خلافًا» اهـ.
[ ٦ / ١٣٣ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٩٩):
«فصل: فإن سقي نصف السنة بكلفة، ونصفها بغير كلفة، ففيه ثلاثة أرباع العشر.
وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنَّ كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد في نصفها أوجب نصفه، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر.
نص عليه وهو قول عطاء، والثوري، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
وَقَالَ ابن حامد: يؤخذ بالقسط. وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنَّهما لو كانا نصفين أخذ بالحصة، فكذلك إذا كان أحدهما أكثر، كما لو كانت الثمرة نوعين.
ووجه الأول أنَّ اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقية يشق ويتعذر، فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية.
وإن جهل المقدار، غلبنا إيجاب العشر احتياطًا. نص عليه أحمد في رواية عبد الله؛ لأنَّ الأصل وجوب العشر، وإنَّما يسقط بوجود الكلفة، فما لم يتحقق المسقط يبقى على الأصل، ولأن الأصل عدم الكلفة في الأكثر، فلا يثبت وجودها مع الشك فيه، وإن اختلف الساعي ورب المال، في أيهما سقي به أكثر، فالقول، قول رب المال بغير يمين، فإنَّ الناس لا يستحلفون على صدقاتهم» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي صحة ما ذكره الجمهور. والله أعلم.
وطريقة معرفة مقدار ما يجب من الزكاة في أن تستخرج العشر أولًا ثم تقوم بقسمة العشر على اثنين، ثم تقسم العشر أيضًا على أربعة.
[ ٦ / ١٣٤ ]
ومثال ذلك إذا كان لشخص عشرة آلاف صاع من الشعير فعشرها ألف صاع حاصل قسمة عشرة آلاف على عشرة، ثم اقسم العشر الذي هو ألف صاع على اثنين فيكون الناتج خمسمائة، ثم اقسم العشر أيضًا على أربعة فيكون الناتج مائتان وخمسون، ومجموع ذلك سبعمائة وخمسون وهو ثلاثة أرباع العشر.
أو خذ نصف العشر بتمامه لأنَّه هو المستحق بالسقي بغير كلفة نصف العام، ثم خذ النصف من نصف العشر المتبقي لأنَّ المستحق منه النصف باعتبار السقي بكلفة وهذا أخصر.
* * *
[ ٦ / ١٣٥ ]
١٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». وَفِي لَفْظٍ: «إِلَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ».
قوله: «وَفِي لَفْظٍ» هذا لفظ أبي داود (١٥٩٤) بإسناد ضعيف، ولفظ مسلم (٩٨٢): «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ».
واللفظ الأولى لمسلم ولفظ البخاري (١٤٦٣): «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ».
وفي لفظ: (١٤٦٤): «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّه لا زكاة في العبيد والخيل غير صدقة الفطر في العبيد.
٢ - أنَّ ما كان للقِنية لا للنماء فلا زكاة فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٣١):
«هذا الحديث أصل في أنَّ ما هو للقِنية لا زكاة فيه، وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى، إلَّا حماد بن أبي سليمان، فإنَّه أوجب في الخيل الزكاة. وَقَالَ أبو حنيفة: إذا كانت إناثًا وذكورًا يبتغي نسلها، ففي كل فرس دينار، وإن شاء قوم وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، ولا حجة لهم مع هذا الحديث» اهـ.
٣ - ويدل أنَّ زكاة الفطر واجبة على السيد في عبده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٣١):
[ ٦ / ١٣٦ ]
«وقوله: "وليس في العبد صدقة إلَّا صدقة الفطر"؛ دليل: على أنَّ على السيد في عبده زكاة الفطر، وهو قول الجمهور في العبيد، كانوا لخدمة أو غلة، أو تجارة، خلافًا لداود وأبي ثور في إيجابها على العبد نفسه، وخلافًا لأهل الكوفة في إسقاطها من عبيد التجارة فقط» اهـ.
٤ - احتج بهذا الحديث من قال: لا زكاة في عروض التجارة. وأجيب بأنَّ الحديث محمول على من اتخذ هذه الأشياء للقنية فأمَّا إذا اتخذت للتجارة ففيها الزكاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٦):
«وقد شذ داود فلم ير الزكاة في العروض وإن نوى بها صاحبها التجارة وحجته الحديث المذكور في هذا الباب قوله ﷺ: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" قال: ولم يقل إلَّا أن ينوي بها التجارة».
إلى أن قال ﵀: «وَقَالَ سائر العلماء: إنَّما معنى هذا الحديث فيما يقتنى من العروض ولا يراد به التجارة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤٠٦):
«فالجمهور يوجبون زكاة العروض، وداود يمنعها تعلقًا بقوله ﷺ: "ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة" وحمله الجمهور على ما كان للقنية» اهـ.
قُلْتُ: وقد احتج القائلون بوجوب الزكاة في عروض التجارة بأدلة منها:
[ ٦ / ١٣٧ ]
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾. [البقرة: ٢٦٧].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٥٤):
«فالأول يتضمن زكاة التجارة والثاني يتضمن زكاة ما أخرج الله لنا من الأرض» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] ص (٢٧٩):
«الوجه الثاني من الكسب: كسب المال من التجارة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ فالأول للتجار والثاني للزراع» اهـ.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ١٧٠) - عند رده على داود الظاهري -:
«ولم يخص مالًا من مال وظاهر هذا القول يوجب على أصوله أن تؤخذ الزكاة من كل مال إلَّا ما أجمعت الْأُمة أنَّه لا زكاة فيه من الْأموال ولا إجماع في إسقاط الزكاة عن عروض التجارة بل القول في إيجاب الزكاة فيها إجماع من الجمهور الذين لا يجوز الغلط عليهم ولا الخروج عن جماعتهم لأنَّه مستحيل أن يجوز الغلط في التأويل على جميعهم» اهـ.
[ ٦ / ١٣٨ ]
الدليل الثالث: ما رواه أبو داود (١٥٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ محمد بن داود مجهول، وسليمان بن موسى قال فيه الحافظ ابن حجر: "فيه لين". وجعفر بن سعد قال فيه ابن عبد البر: "ليس بالقوي". وخبيب وأبوه لم يوثقهما معتبر.
الدليل الرابع: ما رواه أحمد (٢١٥٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، بَلَغَهُ عَنْهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ الْنَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من عمران.
قَالَ الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٢٠٧):
«سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس» اهـ.
والعلة الأخرى الانقطاع بين عمران ومالك بن أوس.
[ ٦ / ١٣٩ ]
ورواه الْدَارَقُطْنِي (١٩٣٢، ١٩٣٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٠، ٧٣٩١) مِنْ طَرِيْقِ موسى بن عبيدة قال عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان به.
قُلْتُ: وموسى بن عبيدة هذا شديد الضعف.
وقد أسقطه الحاكم في [مُسْتَدْرَكَهِ] (١٤٣١)، والصواب إثباته.
الدليل الخامس: ما رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١١٧٨)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٦) مِنْ طَرِيْقِ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «فَكَانَ إِذَا خَرَجَ الْعَطَاءُ جَمَعَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ حَسَبَهَا شَاهِدَهَا وَغَائِبَهَا، فَأَخَذَ الزَّكَاةَ مَنْ شَاهَدَ الْمَالَ عَنِ الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لعنعنة ابن إسحاق.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٥٧، ١٠٥٥٨)، والشافعي كما في [الْمُسْنَد] (٦٣٣)، من طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٢) و[الْمَعْرِفَة] (٢٥٠٨)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٥٨٤)، ورواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١١٧٩)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٧) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنْ أَبَا عَمْرِو بْنَ حِمَاسٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حِمَاسًا كَانَ يَبِيعُ الْأَدَمَ وَالْجِعَابَ، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: «يَا حِمَاسُ أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ»، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِي مَالٌ إِنَّمَا أَبِيعُ الْأَدَمَ وَالْجِعَابَ، فَقَالَ: «قَوِّمْهُ وَأَدِّ زَكَاتَهُ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٩٩) لكنه قال عبد الملك بن أبي سلمة والصواب عبد الله كما سبق.
[ ٦ / ١٤٠ ]
قُلْتُ: أبو عمرو بن حماس عابد من العباد لا يعرف حاله.
الدليل السادس: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٦٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٤)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٨) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَيْسَ فِي الْعُرُوضِ زَكَاةٌ إِلَّا فِي عَرْضٍ فِي تِجَارَةٍ فَإِنَّ فِيهِ زَكَاةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٩٠) ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ مَالٍ فِي رَقِيقٍ أَوْ فِي دَوَابٍّ أَوْ فِي بَزٍّ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ عَامٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٥):
«وممن رأى الزكاة في الخيل والرقيق وسائر العروض كلها إذا أريد بها التجارة عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة وهو قول جمهور التابعين بالمدينة والبصرة والكوفة وعلى ذلك فقهاء الْأمصار بالحجاز والعراق والشام وهو قول جماعة أهل الحديث.
وقد روي عن ابن عباس وعائشة أنَّه لا زكاة في العروض قال سفيان عن ابن أبي ذئب عن القاسم عن عائشة قالت: ليس في العروض صدقة وهذا لو صح كان معناه عندنا أن لا زكاة في العروض إذا لم يرد بها التجارة» اهـ.
الدليل السابع: الإجماع:
[ ٦ / ١٤١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀ في [الْأَمْوَالِ] (١/ ٥٢٥):
«فعلى هذا أموال التجار عندنا، وعليه أجمع المسلمون أنَّ الزكاة فرض واجب فيها، وأمَّا القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤١٤):
«قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع أهل العلم على أنَّ في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول.
روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس.
وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاووس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وحكي عن مالك، وداود، أنَّه لا زكاة فيها» اهـ.
الدليل الثامن: وهو دليل نظري وتحريره أن يقال: إنَّ عروض التجارة أصلها أثمان مخفية في العروض أشبه ما لو كان له قرض عند آخر. فخفاء الأثمان في العروض كخفاء القرض في ذمة المستدين.
ومما يدل على ذلك أنَّ صاحب عروض التجارة لا غرض له في العروض وإنَّما غرضه تنمية المال فحقيقتها أثمان مخفية في العروض أقيمت العروض لتنميتها.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٥ - ١٢٦):
«لأنَّها إذا أريد بها التجارة جرت مجرى العين لأنَّ العين من الذهب والورق تحولت فيها طلبًا للنماء فقامت مقامها وكذلك قول كل من روي عنه من التابعين لا زكاة في العروض على هذا محمله عندنا وعلى ما ذكرنا هذا مذهب جمهور
[ ٦ / ١٤٢ ]
الفقهاء لأنَّها اشتريت بالذهب والورق لترد إلى الذهب والورق ولا يحصل التصرف في العين إلَّا بذلك فلهذا قامت العروض مقام العين» اهـ.
الدليل التاسع: ما احتج به الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ حيث قال في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ١٣٩):
«قول الرسول ﷺ: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وهذا أقوى دليل عندي، ونحن لو سألنا التاجر ماذا يريد بهذه الْأَمْوَالِ، لقال: أريد الذهب والفضة، فإذا اشتريت السلعة اليوم وربحت فيها غدًا أو بعد غد بعتها، ليس لي قصد في ذاتها إطلاقًا» اهـ.
قُلْتُ: وهذا المذهب هو الأرجح دليلًا والأقوى تعليلًا. والله أعلم.
* * *
[ ٦ / ١٤٣ ]
١٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال:
«العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ».
الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه. والعجماء: الدابة البهيم.
قُلْتُ: معنى: «جُبَارٌ». أي: هدر كما ذكر المؤلف، وسميت البهيمة عجماء لأنَّها لا تتكلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ ما تجنيه الدابة هدر ما لم يكن صاحبها أو غيره تسبب في ذلك أو كان مفرطًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢١ - ٢٤):
«وأمَّا السائق للدابة أو راكبها أو قائدها فإنَّهم عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين ضامنون لما جنت الدابة من أجلهم وبسببهم وَقَالَ داود وأهل الظاهر: لا ضمان في جرح العجماء على أحد على أي حال كان برجل أو بمقدم لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جعل جرحها جبارًا ولم يخص حالًا من حال. قالوا: فلا ضمان على أحد بسبب جناية عجماء إلَّا أن يكون حملها على ذلك وأرسلها عليه فتكون حينئذ كالآلة فيضمن بجناية نفسه وقصده إلى إفساد مال غيره والجناية عليه.
قالوا: وكذلك إذا تعدى في إرسالها أو ربطها في موضع لا يجب له ربطها فيه، وأمَّا من لم يقصد إلى ذلك فلا يضمن جناية دابة وإن كان سبب ذلك إذا فعل من
[ ٦ / ١٤٤ ]
ركوبها وسياقتها وقيادتها وإرسالها ماله فعله فلا يضمن إلَّا الفاعل القاصد إلَّا أن يجمعوا على غيره في موضع ما فيجب التسليم لإجماعهم في ذلك الموضع خاصة.
قال أبو عمر: لا خلاف علمته أنَّ ما جنت يد الإنسان خطأ أنَّه يضمنه في ماله فإن كان دمًا فعلى عاقلته تسليمًا للسنة المجتمع عليها وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ضمان السائق والراكب والقائد على الأصل الذي قدمنا فافهمه وجاء عن عمر بن الخطاب أنَّه ضمن الذي أجرى فرسه عقل ما أصاب الفرس. وذكر ابن وهب قال أخبرني يونس وابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنَّه سئل عن رجل قاد بدنة فأصابت طيرًا فقتلته فقال: "إن كان يقودها أو يسوقها حتى أصابت الطير فقد وجب عليه جزاء ما قتلت وإن لم يكون يقودها ولا يسوقها فليس يجب عليه جزاء ما أصابت". وَقَالَ ابن سيرين: "كانوا لا يضمنون من النفحة ويضمنون من رد العنان" وَقَالَ حماد: "لا يضمن النفحة إلَّا أن ينخس الإنسان الدابة". وعن شريح مثله وَقَالَ حماد أيضًا: "إذا ساق المكاري حمارًا عليه امرأة فتخر فلا شيء عليه". وَقَالَ الشعبي: "إذا ساق الدابة أتعبها فهو ضامن لما أصابت وإن كان مسترسلًا لم يضمن". وذكر إسماعيل القاضي قال: حدثنا الهروي قال: حدثنا أشعث عن ابن سيرين عن شريح أنَّه كان يضمن الفارس ما أوطأت دابته بيد أو رجل ويبرئ من النفحة.
قال إسماعيل وقاله الحسن والنخعي وذلك لأنَّ الراكب كان سببه.
وَقَالَ مالك: "إن فزعها الراكب أو عنتها ضمن ما أصابت برجلها وإن لم يفزعها ولم يعنتها لم يضمن ما أصابت برجلها ويضمن ما أصابت بمقدمها على
[ ٦ / ١٤٥ ]
كل حال". وَقَالَ أبو حنيفة وأصحابه في نفحة الدابة برجلها: "إذا كان صاحبها يسير عليها فالضمان عليه". وقد روي عن شريح أنَّه أبطل النفحة بالرجل قال الطحاوي: "لا يمكن التحفظ من الرجل والذنب فهو جبار على كل حال ويمكنه التحفظ من اليد والفم فعليه ضمانه".
وَقَالَ أبو حنيفة وأصحابه: "لا ضمان على أصحاب البهائم فيما تفسد وتجنى عليه لا في الليل ولا في النهار إلَّا أن يكون راكبًا أو سائقًا أو قائدًا أو مرسلًا".
وَقَالَ الشافعي: الضمان عن البهائم على وجهين:
أحدهما: ما أصابت من الزرع بالليل فأفسدته.
والوجه الثاني: إذا كان الرجل راكبًا فما أصابت بيدها أو رجلها أو فمها أو ذنبها من نفس أو جرح فهو ضامن لأنَّ عليه منعها في تلك الحال من كل ما تتلف به شيئًا. قال: وكذلك إذا كان سائقًا أو قائدًا وكذلك الإبل المقطرة بالبعير لأنَّه قائدها. قال: ولا يجوز في هذا إلَّا ضمان كل ما أصابت به الدابة تحت الراكب أو لا يضمن إلَّا ما حملها عليه لا يصح إلَّا أحد هذين القولين فأمَّا من ضمن عن يدها ولم يضمن عن رجلها فهو تحكم. قال: وأمَّا ما روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من أنَّ الرجل جبار فهذا خطأ لأنَّ الحفاظ لم يحفظوه هكذا. قال: ولو أوقفها في موضع ليس له أن يوقفها فيه ضمن ولو أوقفها في ملكه لم يضمن. قال: ولو جعل في داره كلبًا عقورًا أو حبالة فدخل إنسان فقتله الكلب لم يكن عليه شيء. قال المزني: سواء عندي أذن لذلك الإنسان أن يدخل الدار أو لم يأذن.
[ ٦ / ١٤٦ ]
وَقَالَ ابن شبرمة وابن أبي ليلى: يضمن ما أتلفت الدابة برجلها إذا كان عليها أو قادها أو ساقها كما يضمن ما أتلفت وهو عليها بغير رجلها كقول الشافعي سواء.
وَقَالَ الأوزاعي والليث بن سعد في هذا الباب كله كقول مالك لا يضمن ما أصابت الدابة برجلها من غير صنعه ويضمن ما أصابت بيدها ومقدمها إذا كان راكبًا عليها أو سائقًا لها أو قائدًا» اهـ.
إلى أن قال ﵀ (٧/ ٢٧ - ٢٨): «لا أعلم خلافًا عن مالك وأصحابه وسائر فقهاء الْأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام أنَّ من أوقف دابته في موضع ليس له أن يوقفها فيه ولا يجوز له ذلك مِنْ طَرِيْقِ ضيق أو غير ذلك مما ليس له أن يفعله فجنت جناية أنَّه ضامنها وإن أوقفها في موضع يعرف الناس مثله توقف فيه الدواب أو يوقف فيه مثل دابته قال ابن حبيب نحو دار نفسه أو باب المسجد أو دار العالم أو القاضي أو ما أشبه ذلك فلا ضمان عليه فيما جنت وكذلك إذا أرسلها في موضع ليس له أن يرسلها فيه ضمن ما جنت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٥٦٠):
«وإنَّما جعلت هدرًا إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا راكب.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وأجمع العلماء أنَّه ليس على صاحب الدابة المنفلتة ضمان فيما أصابت» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٥٩ - ٢٦٠):
[ ٦ / ١٤٧ ]
«والحديث يقتضي: أنَّ جرح العجماء جبار بنصه فيحتمل أن يراد بذلك: جناياتها على الأبدان والْأموال ويحتمل أن يراد: الجناية على الأبدان فقط وهو أقرب إلى حقيقة الجرح وعلى كل تقدير فلم يقولوا بهذا العموم أمَّا جناياتها على الْأموال: فقد فصل في المزارع بين الليل والنهار وأوجب على المالك ضمان ما أتلفته بالليل دون النهار وفيه حديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يقتضي ذلك. وأمَّا جناياتها على الأبدان: فقد تكلم فيها إذا كان معها الراكب والسائق والقائد وفصلوا فيه القول واختلفوا في بعض الصور فلم يقولوا بالعموم في إهدار جناياتها فيمكن أن يقال: إنَّ جنايتها هدر إذا لم يكن ثمة تقصير من المالك أو ممن هي تحت يده وينزل الحديث على ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٥٦):
«قوله: "وَقَالَ ابن سيرين كانوا لا يضمنون" بالتشديد "من النفحة" بفتح النون وسكون الفاء ثم حاء مهملة أي الضربة بالرجل يقال نفحت الدابة إذا ضربت برجلها ونفح بالمال رمى به ونفح عن فلان ونافح دفع ودافع.
قوله: "ويضمنون من رد العنان" بكسر المهملة ثم نون خفيفة هو ما يوضع في فم الدابة ليصرفها الراكب كما يختار. والمعنى أنَّ الدابة إذا كانت مركوبة فلفت الراكب عنانها فأصابت برجلها شيئًا ضمنه الراكب وإذا ضربت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبب لم يضمن» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ جمهور العلماء لا يرون الضمان في النَفْحة وهو ما ضربته الدابة برجلها لعدم التقصير في ذلك من جهة السائق ولتعسر اتقاء ذلك وهذا الذي يظهر لي رجحانه والله أعلم.
[ ٦ / ١٤٨ ]
وأمَّا ما أتلفته البهائم من مزارع الناس فيضمن أصحاب المواشي ما جنته مواشيهم في الليل دون النهار، ويدل على ذلك قضاء نبي الله سليمان ﵊ الذي قصه لنا ربنا ﷿ في كتابه بقوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩].
والنفش الرعي ليلًا.
وكان من قضاء سليمان في ذلك أنَّه ضمن أصحاب الماشية ما أتلفته ما شيتهم، وذلك أنَّه أعطى أصحاب الحرث الماشية ينتفعون بها ودفع الحرث لأصحاب الغنم يقومون به حتى يعود كما كان ويستردون غنمهم.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٣٥)، ومن طريقه أحمد (٢٣٧٤١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ.
وقد تابع مالكًا الليث بن سعد عند ابن ماجه (٢٣٣٢).
وسفيان بن عيينة عند أحمد (٢٣٧٤٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٤٦١).
والنعمان بن راشد عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٥٣٣٧).
[ ٦ / ١٤٩ ]
وتابع حرامًا سعيد بن المسيب عند أحمد (٢٣٧٤٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٤٦١).
ورواه أحمد (١٨٦٢٩)، وأبو داود (٣٥٧٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٥٣) مِنْ طَرِيْقِ الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب هكذا موصولًا.
وقد تابع الأوزاعي في ذلك عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري عند ابن ماجه (٢٣٣٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٨٦)، وإسماعيل بن أمية عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٥٢).
قُلْتُ: وقد اختلف أصحاب الأوزاعي عليه فرواه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني عنه مرسلًا وقد أخرج حديثه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٤٥٤).
وتابعه محمد بن كثير بن أبي عطاء وحديثه عند الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٥٧٨٤).
ورواه عنه موصولًا أيوب بن سويد، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومحمد بن مصعب، عمرو بن عثمان بن الوليد.
قُلْتُ: رواية مالك ومن تابعه هو المحفوظ في حديث الزهري. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥/ ٤٦٤) - بعد كلامه على رواية الأوزاعي والاختلاف عنه فيه -: «ثم رجعنا إلى رواية الأثبات في الزهري الذين لا أمثال لهم فيها لنقف على روايتهم إياه عنه، كيف هي؟
[ ٦ / ١٥٠ ]
فوجدنا المزني قد حدثنا، قال: حدثنا الشافعي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، أنَّ ناقة، للبراء دخلت حائط رجل، فأفسدت فيه، ثم ذكر بقية الحديث.
ووجدنا المزني قد حدثنا، قال: حدثنا الشافعي، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن محيصة: أنَّ ناقة، للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، ثم ذكر بقية الحديث. فعاد الحديث إلى الانقطاع، كما رواه مالك، وابن عيينة عليه، عن الزهري، وكان ما رواه عنه عبد الله بن عيسى، وإسماعيل بن أمية، عن الزهري، وإن كان مقدارهما مقدارًا جليلًا، لا يجب أن يضاد به ما رواه الحجة في الزهري، مما يخالف ما روياه» اهـ.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٤٣٧)، ومن طريقه أحمد (٢٣٧٤٧)، وأبو داود (٣٥٧١) ثنا معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه.
قُلْتُ: وهذا مما شذ به عبد الرزاق.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ فِي [سُنَنِه] (٤/ ١٩١): «خالفه وهيب وأبو مسعود الزجاج عن معمر فلم يقولا عن أبيه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١١/ ٨١ - ٨٢): «ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله فيه عن أبيه.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار قال سمعت أبا داود يقول لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا الحديث عن أبيه.
[ ٦ / ١٥١ ]
هكذا قال أبو داود لم يتابع عبد الرزاق قال محمد بن يحيى الذهلي لم يتابع معمر على ذلك فجعل محمد بن يحيى الخطأ فيه من معمر وجعله أبو داود من عبد الرزاق على أنَّ محمد بن يحيى لم يرو حديث معمر هذا ولا ذكره في كتابه في علل حديث الزهري إلَّا عن عبد الرزاق لا غير.
ثم قال محمد بن يحيى: اجتمع مالك الأوزاعي ومحمد بن إسحاق وصالح بن كيسان وابن عيينة على رواية هذا الحديث عن الزهري عن حرام لم يقولوا عن أبيه إلَّا معمرًا فإنَّه قال فيه عن أبيه فيما حدثنا عنه عبد الرزاق إلَّا أنَّ ابن عيينة جمع إلى حرام سعيد بن المسيب. قال: وأما حديث كسب الحجام فمحفوظ فيه عن أبيه وَقَالَ فيه محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده هذا كله كلام محمد بن يحيى.
قال أبو عمر: هذا الحديث وإنَّ كان مرسلًا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة وحدث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول وجرى في المدينة به العمل وقد زعم الشافعي أنَّه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحا وأكثر الفقهاء يحتجون بها وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ الصحيح في هذا الحديث الإرسال. لكنه مرسل يتقوى بمجيئه من وجهين: وهما: مرسلا حرام وابن المسيب ويتقوى بالتلقي بالقبول وجريان عمل أكثر العلماء عليه. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٨٩ - ٣٩٠):
«وإن لم تكن يد أحد عليها، فعلى مالكها ضمان ما أفسدته من الزرع، ليلًا دون النهار.
[ ٦ / ١٥٢ ]
وهذا قول مالك، والشافعي، وأكثر فقهاء الحجاز.
وَقَالَ الليث: يضمن مالكها ما أفسدته ليلًا ونهارًا بأقل الْأمرين؛ من قيمتها، أو قدر ما أتلفته، كالعبد إذا جنى.
وَقَالَ أبو حنيفة: لا ضمان عليه بحال؛ لقول النبي ﷺ: "العجماء جرحها جبار".
يعني هدرًا.
ولأنَّها أفسدت وليست يده عليها، فلم يلزمه الضمان.
كما لو كان نهارًا، أو كما لو أتلفت غير الزرع.
ولنا، ما روى مالك، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، أنَّ ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ على أهل الْأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم.
قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلًا، فهو مشهور حدث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.
ولأنَّ العادة من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي، وحفظها ليلًا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا دون الليل، فإذا ذهبت ليلًا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ، وإن أتلفت نهارًا، كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، وقد فرق النبي ﷺ بينهما، وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته.
[ ٦ / ١٥٣ ]
وأمَّا غير الزرع، فلا يضمن؛ لأنَّ البهيمة لا تتلف ذلك عادة، فلا يحتاج إلى حفظها، بخلاف الزرع.
فصل: قال بعض أصحابنا: إنَّما يضمن مالكها ما أتلفته ليلًا، إذا كان التفريط منه، بإرسالها ليلًا، أو إرسالها نهارًا، ولم يضمنها ليلًا، أو ضمنها بحيث يمكنها الخروج.
أمَّا إذا ضمنها فأخرجها غيره بغير إذنه، أو فتح عليها بابها، فالضمان على مخرجها، أو فاتح بابها؛ لأنَّه المتلف.
قال القاضي: هذه المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراع، أمَّا القرى العامرة التي لا مرعى فيها إلَّا بين قراحين، كساقية وطريق وطرف زرع، فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظ عن الزرع، فإن فعله، فعليه الضمان؛ لتفريطه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي» اهـ.
قُلْتُ: وهل يضمن صاحب الماشية ما أتلفته بالقيمة أو بالمثل؟
الذي يظهر لي أنَّ الضمان يكون بالمثل لأنَّه الأصل وهو قضاء سليمان ﵊.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣): «فإنَّه إذا أتلف له ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا ونحو ذلك: فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد. فإنَّ الشافعي قد نص على أنَّه إذا هدم داره بناها كما كانت فضمنه بالمثل. وقد روي عنه في الحيوان نحو ذلك وكذلك أحمد يضمن أولاد المغرور بجنسهم في المشهور عنه وإذا اقترض حيوانًا رد مثله في المنصوص عنه.
[ ٦ / ١٥٤ ]
وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب؛ فإنَّ داود ﵇ قد ضمن أهل الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم بالقيمة وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان ﵇ أمرهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث. وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بني أمية على بستان له فقلعوه وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه كما كان. فقيل له: إنَّ ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة فتكلم الزهري فيهما بكلام مضمونه: أنَّهما خالفا السنة. ولا ريب أنَّ ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه بغير جنسه وهو الدراهم والدنانير مع اعتبار القيمة؛ فإنَّ القيمة معتبرة في الموضعين والجنس مختص بأحدهما ولا ريب أنَّ الأغراض متعلقة بالجنس وإلَّا فمن له غرض في كتاب أو فرس أو بستان ما يصنع بالدراهم؟ فإن قيل: يشتري بها مثله قيل: الظالم الذي فوته ماله هو أحق بأن يضمن له مثل ما فوته إياه؛ أو نظير ما أفسده من ماله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧):
«وعلى هذا الأصل تبتني الحكومة المذكورة في كتاب الله ﷿ التي حكم فيها النبيان الكريمان داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم إذ حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم والحرث هو البستان وقد روي أنَّه كان بستان عنب وهو المسمى بالكرم والنفش رعي الغنم ليلًا فحكم داود بقيمة المتلف فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث إمَّا لأنَّه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلًا عن القيمة وأمَّا سليمان
[ ٦ / ١٥٥ ]
فقضى بالضمان على أصحاب الغنم وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان ولم يضيع عليهم مغله من الإتلاف إلى حين العود بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم وقد اعتبر النمائين فوجدهما سواء وهذا هو العلم الذي خصه الله به وأثنى عليه بإدراكه.
وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة أقوال:
أحدها: موافقة الحكم السليماني في ضمان النفش وفي المثل وهو الحق وهو أحد القولين في مذهب أحمد ووجه للشافعية والمالكية والمشهور عندهم خلافه.
والقول الثاني: موافقته في ضمان النفش دون التضمين بالمثل وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد.
والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش كما إذا رعاها صاحبها باختياره دون ما إذا تفلتت ولم يشعر بها وهو قول داود ومن وافقه.
والقول الرابع: أنَّ النفش لا يوجب الضمان بحال وما وجب من ضمان الراعي بغير النفش فإنَّه يضمن بالقيمة لا بالمثل وهذا مذهب أبي حنيفة.
وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس وقد حكم رسول الله ﷺ أنَّ على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها فصح بحكمه ضمان النفش وصح بالنصوص السابقة والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم فصح أنَّه الصواب وبالله التوفيق» اهـ.
[ ٦ / ١٥٦ ]
قُلْتُ: وإذا أرسل البهائم في النهار بقرب زرع فدخلن فيه فما أتلفن منه فهو من ضمانه لتفريطه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الاخْتِيَارَاتِ] (٥٠٢): «ومن أمر رجلًا بإمساك دابة ضارية فجنت عليه ضمنه إن لم يعلمه بها. ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط نحو أن يعرفه شموسًا وإلَّا فلا.
والدابة إذا أرسلها صاحبها بالليل كان مفرطًا، فهو كما إذا أرسلها قرب زرع. ولو كان معها راكب أو قائد أو سائق فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه؛ لأنَّه تفريط، وهو مذهب أحمد» اهـ.
قُلْتُ: وغير الحرث إذا وقعت عليه البهائم في ليل أو نهار فلا ضمان فيه إلَّا إذا كانت يد مالكها عليها ففي ذلك تفصيل سبق ذكره.
وإنَّما قلنا لا ضمان فيه لعموم حديث الباب، ولأنَّ البهيمة لا تتلف ذلك عادة، فلا يحتاج إلى حفظها، بخلاف الزرع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٩١):
«وإن أتلفت البهيمة غير الزرع لم يضمن مالكها ما أتلفته، ليلًا كان أو نهارًا، ما لم تكن يده عليها.
وحكي عن شريح، أنَّه قضى في شاة وقعت في غزل حائك ليلًا، بالضمان على صاحبها، وقرأ شريح: ﴿إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾.
قال: والنفش لا يكون إلَّا بالليل.
وعن الثوري: يضمن، وإن كان نهارًا؛ لأنَّه مفرط بإرسالها.
[ ٦ / ١٥٧ ]
ولنا، قول النبي ﷺ: "العجماء جرحها جبار". متفق عليه.
أي هدر.
وأمَّا الآية، فإن النفش هو الرعي بالليل، فكان هذا في الحرث الذي تفسده البهائم طبعًا بالرعي، وتدعوها نفسها إلى أكله، بخلاف غيره، فلا يصح قياس غيره عليه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا السيارات الموجودة في هذه الأزمان فيضمن صاحبها إذا حصل منه تفريط أو تعدٍّ وإذا لم يحصل له شيء من ذلك فلا ضمان عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٠/ ٢١٥ - ٢١٦):
«مسألة: نحن الآن ليس عندنا بهائم فيما يتعلق بالراكب والقائد والسائق، ولكن عندنا سيارات، فالسيارات الحكم فيها مبني على القاعدة، إن كان هناك تعدٍّ أو تفريط من السائق فعليه الضمان، وإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه.
لو فرض أن شخصًا أتى مسرعًا والسيارة تسير في طريقها ثم اصطدم بالسيارة بالجنب أو بالمؤخر فهل على السائق ضمان؟
فالجواب: ليس عليه ضمان أبدًا؛ لأنَّه لم يتعدَّ ولم يفرط بل يمشي في الطريق مشيًا معتادًا، وهذا هو الذي جاء مسرعًا واصطدم بالسيارة.
ولو فرض أن رجلًا يمشي بسيارته في الطريق على العادة وإذا بشخص يقفز ويكون بين عجلتي السيارة، فهل عليه ضمان أو لا؟.
[ ٦ / ١٥٨ ]
الجواب: ليس عليه ضمان؛ لأنَّ الرجل لم يتعدَّ ولم يفرط، أمَّا لو رأى رجلًا قفز حتى صار في وسط الطريق وهو يملك السيارة ولكنه تهاون أو ظن أنَّه سوف يجتاز فهذا عليه الضمان، والفرق بينهما أنَّ هذا مفرط والأول غير مفرط» اهـ.
قُلْتُ: وقد تكلم الفقهاء المتقدمون عن جملة من مسائل التصادم في السير بين البشر والحيوان والسفن فمن خلال النظر فيما ذكروه يمكن أن يتوصل الناظر إلى أحكام ذلك بالنسبة للمراكب الحديثة، ولذلك أمثلة أذكر بعضها منها:
جاء في [الْمُغْنِي] لابن قدامة (٢٠/ ٣٩٩):
«"وإذا اصطدم الفارسان، فماتت الدابتان، ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر" وجملته أنَّ على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر، من نفس أو دابة، أو مال، سواء كانت الدابتان فرسين، أو بغلين، أو حمارين، أو جملين، أو كان أحدهما فرسًا والآخر غيره، سواء كانا مقبلين، أو مدبرين.
وبهذا قال أبو حنيفة، وصاحباه، وإسحاق.
وَقَالَ مالك، والشافعي: على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر؛ لأنَّ التلف حصل بفعلهما، فكان الضمان منقسمًا عليهما، كما لو جرح إنسان نفسه، وجرحه غيره، فمات منهما.
ولنا، أنَّ كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وإنَّما هو قربها إلى محل الجناية، فلزم الآخر ضمانها، كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة.
[ ٦ / ١٥٩ ]
إذا ثبت هذا، فإنَّ قيمة الدابتين إن تساوتا، تقاصتا وسقطتا، وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى، فلصاحبها الزيادة، وإن ماتت إحدى الدابتين، فعلى الآخر قيمتها، وإن نقصت فعليه نقصها» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي في ذلك صحة ما ذهب إليه الْإِمَام مالك والشافعي وذلك أنَّ هلاك كل واحد من المصطدمين حصل بصَدْمِهِ لصاحبه وبصدم صاحبه له.
وينبني على ذلك في تصادم السيارات أنَّ كل صاحب سيارة يضمن نصف ما أتلفه من سيارة الآخر.
وهذا إذا استويا في الخطأ، وذلك كأن يكون للسير خط واحد فتسير السيارتان في وسط الطريق فيتلاقيان ويصطدمان، وأمَّا من كان سائرًا في خطه وواجهته سيارة خارجة من خطها إلى خطه ولم يتمكن من اتقائها فلا ضمان عليه والضمان على صاحب السيارة الذي تجاوز خطه إلى الخط الآخر.
وَقَالَ ابن قدامة ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٩٩):
«فصل: فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر، فأدركه الثاني فصدمه، فماتت الدابتان، أو إحداهما، فالضمان على اللاحق؛ لأنَّه الصادم والآخر مصدوم، فهو بمنزلة الواقف» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا القول في تصادم السيارات إذا كانت السيارة تمشي في طريقها وأدركتها سيارة من خلفها فاصطدمت بها فالضمان على الصادم.
لكن إن توقف المتقدم وقوفًا مفاجئًا في وسط الخط من غير عذر فهو المخطئ والضمان عليه، وإن كان لعذر كمرور شخص بين يديه فالأظهر أنَّ الضمان على
[ ٦ / ١٦٠ ]
اللاحق لأنَّه لم يجعل بينه وبين السيارة التي أمامه مسافة يستطيع أن يوقف سيارته من غير أن يصطدم في السابق في مثل هذه الصورة ونحوها.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠٠): «"وإن كان أحدهما يسير، والآخر واقفًا، فعلى السائر قيمة دابة الواقف" نص أحمد على هذا؛ لأنَّ السائر هو الصادم المتلف، فكان الضمان عليه.
وإن مات هو أو دابته، فهو هدر؛ لأنَّه أتلف نفسه ودابته» اهـ.
وَقَالَ ﵀: «وإن كان الواقف متعديًا بوقوفه، مثل أن يقف في طريق ضيق، فالضمان عليه دون السائر؛ لأنَّ التلف حصل بتعديه، فكان الضمان عليه، كما لو وضع حجرًا في الطريق، أو جلس في طريق ضيق، فعثر به إنسان» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٠/ ٤٠٥): «فصل: وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة، فلا ضمان على الواقفة، وعلى السائرة ضمان الواقفة، إن كان مفرطًا، ولا ضمان عليه إن لم يفرط، على ما قدمنا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١١/ ٤٧٠)
«وأمَّا إذا كان واقفًا في طريق ضيق للمسلمين .. فعلى عاقلة كل واحد منهما جميع دية الآخر؛ أمَّا الصادم: فلأنَّه قاتل، وأمَّا المصدوم: فلأنَّه كان السبب في قتل الصادم، وهو وقوفه في الطريق الضيق؛ لأنَّه ليس له الوقوف هناك.
والفرق بين هذا وبين المتصادمين: أنَّ كل واحد من المتصادمين مات بفعله وفعل صاحبه، وها هنا كل واحد منهما قاتل لصاحبه منفرد بقتله؛ لأنَّ الصادم انفرد بالإصابة، والمصدوم انفرد بالسبب الذي مات به الصادم.
[ ٦ / ١٦١ ]
ومن أصحابنا من قال: ليس على عاقلة المصدوم شيء بحال. والأول أصح. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي في "الإبانة": نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذا كان الرجل واقفًا في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: أن دية الصادم هدر، ودية المصدوم - وهو: الواقف - على عاقلة الصادم. وقال فيمن نام في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: إن دية النائم هدر، ودية الصادم على عاقلة النائم.
فمن أصحابنا من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من أجراهما على ظاهرهما، وفرق بينهما بأنَّ الإنسان قد يقف في الطريق ليجيب داعيًا وما أشبهه، فأما النوم والقعود: فليس له ذلك» اهـ.
قُلْتُ: كلام ابن قدامة أحسن.
وهكذا في السيارات إذا كان الواقف في غير خط السير فالضمان على السائر.
لكن إن كان واقفًا في خط السير فتختلف الأحكام باختلاف موضع الوقوف.
فإذا كان واقفًا في خط ضيق من خطوط السير فعلى كلام ابن قدامة يضمن الواقف مطلقًا لتعديه بالوقوف وهذا محمول على ما إذا لم يعلم به السائر بحيث أنَّه لم يمكنه أن يتقي الاصطدام به.
وإن كان الوقوف في خطٍ واسع مكشوف فالضمان على السائر، مع أنَّ الواقف مخطئٌ في وقوفه.
لكن إن كان وقوفه بعد منعطف مستور فالضمان على الواقف لحصول التفريط منه دون السائر. والله أعلم.
[ ٦ / ١٦٢ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠٠): «وإن انحرف الواقف، فصادفت الصدمة انحرافه، فهما كالسائرين؛ لأنَّ التلف حصل من فعلهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١١/ ٤٦٩):
«فإن انحرف الواقف، فوافق انحرافه صدمة الصادم، فماتا .. فقد مات كل واحد منهما بفعله وفعل صاحبه، فيكونان كالمتصادمين، فيجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر، ويهدر النصف، ولو صدمه بعدما استقر انحرافه .. كان كما لو لم ينحرف» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي ذكراه قد يستقيم القول فيه في بعض المسائل المتعلقة بسير السيارات ولا يستقيم في البعض الآخر.
فعلى سبيل المثال: إذا أرادت سيارة واقفة في غير خطوط السير أن تتجه إلى اليسار فانصدمت بها سيارة أخرى بسبب انحرافها فالضمان عليهما تفريعًا لما ذكراه، وقد يقال: إنَّ الضمان على المنحرف لأنَّه هو المتسبب للاصطدام بسبب انحرافه وهو الأظهر، وذلك أنَّه كان عليه أن ينظر قبل اتجاهه هل توجد سيارة سائرة في تلك الجهة أو لا.
وأمَّا إن كان انحراف الواقفة إلى خط السير فصادفت الصدمة انحرافها فالذي يظهر لي أنَّ الضمان على المنحرفة على كل حال لحصول التفريط من جهتها. والله أعلم.
[ ٦ / ١٦٣ ]
وإذا كانت السيارتان سائرتين وحصل انحراف من السيارة المتقدمة فإذا كان انحرافها إلى جهة اليسار فقد يقال: إنَّ الضمان على سائقها لأنَّه هو المتسبب للاصطدام، وقد يقال عليهما لأنَّ المتجاوز ينبغي أن يشعر من يريد أن يتجاوزه بذلك وهذا الأظهر، وأمَّا إذا انحرف إلى جهة اليمين فلا ضمان عليه لأنَّ المتجاوز من جهة اليمين هو المخطئ كما هو مقرر في نظام السير، وهذا الذي يظهر لي صحته. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠٣ - ٤٠٤):
«مسألة: قال: "وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة، فغرقتا، فعلى المنحدرة قيمة السفينة المصاعدة، أو أرش ما نقصت إن أخرجت، إلَّا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح، فلم يقدر على ضبطها".
وجملته أنَّ السفينتين إذا اصطدمتا، لم تخل من حالين؛ أحدهما، أن تكونا متساويتين، كاللتين في بحر أو ماء واقف، أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة، فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة؛ لأنَّها مسألة الكتاب، ولا يخلو من حالين؛ أحدهما، أن يكون القيم بها مفرطًا، بأن يكون قادرًا على ضبطها، أو ردها عن الأخرى، فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى، فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجالات وغيرهما، فعلى المنحدر ضمان المصاعدة؛ لأنَّها تنحط عليها من علو، فيكون ذلك سببًا لغرقها، فتنزل المنحدرة بمنزلة السائر، والمصاعدة بمنزلة الواقف.
[ ٦ / ١٦٤ ]
وإن غرقتا جميعًا، فلا شيء على المصعد، وعلى المنحدر قيمة المصعد، أو أرش ما نقصت إن لم تتلف كلها، إلَّا أن يكون التفريط من المصعد؛ بأن يمكنه العدول بسفينته، والمنحدر غير قادر ولا مفرط، فيكون الضمان على المصعد؛ لأنَّه المفرط.
وإن لم يكن من واحد منهما تفريط، لكن هاجت ريح، أو كان الماء شديد الجرية، فلم يمكنه ضبطها، فلا ضمان عليه؛ لأنَّه لا يدخل في وسعه ضبطها، ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها» اهـ.
قُلْتُ: وشبيه بذلك إذا فقد السائق التحكم بالسيارة في أثناء سيره من غير تفريط سابق منه بحيث يكون قد نظر فيها قبل السير فوجدها سليمة ولم يكن قد تجاوز الحد في السرعة فإنَّه حينئذ إذا انصدم بسيارة أخرى فلا يضمن.
ثم قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: «الحال الثاني: أن يكونا متساويتين، فإن كان القيمان مفرطين، ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر، بما فيها من نفس ومال، كما قلنا في الفارسين يصطدمان، وإن لم يكونا مفرطين، فلا ضمان عليهما.
وللشافعي في حال عدم التفريط قولان؛ أحدهما، عليهما الضمان؛ لأنَّهما في أيديهما، فلزمهما الضمان، كما لو اصطدم الفارسان؛ لغلبة الفرسين لهما.
ولنا، أنَّ الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما، ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب، ولا الاحتراز من ذلك، فأشبه ما لو نزلت صاعقة أحرقت السفينة، ويخالف الفرسين، فإنَّه ممكن ضبطهما، والاحتراز من طردهما.
وإن كان أحدهما مفرطًا وحده، فعليه الضمان وحده، وإن اختلفا في تفريط القيم، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّ الأصل عدم التفريط، وهو أمين، فهو كالمودع.
[ ٦ / ١٦٥ ]
وعند الشافعي، أنَّهما إذا كان مفرطين، فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه، كقوله في اصطدام الفارسين، على ما مضى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٤/ ٢٤٠):
«لو اصطدمت سفينتان فغرقت إحداهما بما فيها ففي الْمَجْمُوْعة والموازية لابن القاسم عن مالك لا شيء في ذلك على أحد؛ لأنَّ الريح تغلبهم، والفرق بين السفينتين والفرسين أنَّ السفينة لا تجري إلَّا بالريح، ولا عمل في ذلك للسفينتين، وأمَّا الفرسان فجريهما من فعلهما، والفارسان أرسلاهما على ذلك، وحركاهما إليه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الفرق الذي ذكره بين السفينة والفارس من كون السفينة تجري بغير فعلها فلا ضمان بما حصل منها من جناية بغير تفريط، والفرس يجري من فعله فيضمن مطلقًا قد يؤخذ منه الضمان في اصطدام السيارتين مطلقًا وفيه ضعف.
ومثله قَوْلُ الْعَلَّامَةِ النَّوَوِيِّ ﵀ في [رَوْضَةِ الْطَالِبِيْنَ] (٩/ ٣٣١): «ولو غلبتهما الدابتان فجرى الاصطدام والراكبان مغلوبان فالمذهب أنَّ المغلوب كغير المغلوب كما سبق وفي قول أنكره جماعه أنَّ هلاكهما وهلاك الدابتين هدر إذ لا صنع لهما ولا اختيار فصار كالهلاك بآفة سماوية» اهـ.
وعلل ذلك في موضع آخر بإمكان ضبط الدابة بالجام فقال (٩/ ٣٣٧):
«وإن لم يوجد منهما تقصير وحصل الهلاك بغلبة الرياح وهيجان الْأمواج ففي وجوب الضمان قولان أحدهما: نعم كالفارسين إذا غلبتهما دابتاهما. وأصحهما لا
[ ٦ / ١٦٦ ]
لعدم تقصيرهما كما لو حصل الهلاك بصاعقة بخلاف غلبة الدابة فإنَّ ضبطها ممكن باللجام» اهـ.
قُلْتُ: وبناء على ذلك فإنَّ إلحاق السيارة التي فقد السائق التحكم بها أشبه ما يكون بالسفينة التي فقد الملاح التحكم بها بسبب هيجان الريح. وذلك أنَّ السيارة لا يمكن إيقافها والتحكم بها كالسفينة وأمَّا الدابة فيمكن إيقافها باللجام وإن هاجت. والله أعلم.
٢ - ويدل الحديث أنَّ البئر هدر والمعنى أنَّ من حفر بئرًا في مكان مأذون له فيه فسقط فيه إنسان أو حيوان أنَّه لا ضمان عليه، وأمَّا من كان متعدٍ في حفره كأن يحفر في طرق الناس الضيقة وأسواقهم فعليه الضمان.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢٨ - ٢٩):
«وأمَّا قوله ﷺ في هذا الحديث: "والبير جبار" فمعناه أنَّه لا ضمان على رب البير وحافرها إذا سقط فيها إنسان أو دابة أو غير ذلك فتلف وعطب هذا إذا كان حافر البير قد حفرها في موضع يجوز له أن يحفرها فيه مثل أن يحفرها في فنائه أو في ملكه أو في داره أو في صحراء للماشية أو في طريق واسع محتمل ونحو ذلك وهذا كله قول مالك والشافعي وداود وأصحابهم وقول الليث بن سعد.
قال ابن القاسم: قال مالك: للإنسان أن يحفر في الطريق بيرًا يحدثها للمطر وله أن يحفر إلى جنب حائطه مرحاضًا وله أن يحدث في داره ميزابًا ولا يضمن ما عطب بشيء من ذلك.
[ ٦ / ١٦٧ ]
قال: وما حفره في الطريق مما لا يجوز له لضيق الطريق أو لغير ذلك ضمن ما عطب به.
وَقَالَ ابن القاسم أيضًا عن مالك: إن حفر في داره بيرًا لسارق يرصده ليقع فيه أو وضع له حبالات أو شيئًا يتلف به السارق فدخل فعطب فهو ضامن.
قال أبو عمر: وجه قوله هذا أنَّه لم يحفر البير لمنفعته وإنَّما حفرها قاصدًا ليعطب بها غيره فهو الجاني حينئذ والله أعلم.
وأمَّا الشافعي فلا ضمان عليه عنده في هذا فيما علمت. وَقَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد له أن يحدث في الطريق ما لا يضر به قالوا وهو ضامن لما أصابه.
قال أبو عمر: قوله ﷺ "والبير جبار" يدفع الضمان عن ربها في كل ما سقط فيها بغير صنيع آدمي والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولا ضمان عند الحنابلة في مسألة السارق إذا تلف في الحفيرة التي أعدها مالك الدار له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٦٦):
«فَأَمَّا إنْ خَلَطَ السُّمَّ بِطَعَامِ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَدَخَلَ إنْسَانٌ فَأَكَلَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَوَقَعَ فِيهَا، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ قَتْلَ الْآكِلِ، مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ظَالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دَارِهِ، فَتَرَكَ السُّمَّ فِي الطَّعَامِ لِيَقْتُلهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إذَا دَخَلَ لِيَسْرِقَ مِنْهَا» اهـ.
٣ - ويدل الحديث أنَّ المعدن هدر والمراد من استأجر عاملًا لاستخراج بعض المعادن فهلك العامل عند استخراجه للمعدن كأن ينهار عليه شيء منها فلا ضمان
[ ٦ / ١٦٨ ]
على من استأجره، وهكذا من سقط فيها إذا كان ذلك الحفر ليس فيه تعدي على ما سبق بيانه في البئر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢٩):
«وأمَّا قوله ﷺ في هذا الحديث "والمعدن جبار" فتأويله أنَّ المعادن المطلوب فيها الذهب والفضة تحت الأرض إذا سقط شيء منها وانهار على أحد من العاملين فيها فمات أنَّه هدر لا دية له في بيت المال ولا غيره وكذلك من سقط فيها فعطب بعد حفرها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٥٦):
«فلو حفر معدنًا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر وكذا لو استأجر أجيرًا يعمل له فانهار عليه فمات ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في معنى الحديث الإصابات الناتجة من الألآت الصناعية فإنَّه لا ضمان على أصحاب العمل إلَّا إذا كانت الإصابة ناتجة من تفريط من جهة أصحاب الأعمال.
٤ - وفي الحديث إيجاب الخمس في الركاز. والركاز هو دفين أهل الجاهلية.
وفي اشتقاقه قولان:
الأول: من ركز يركز بمعنى غرز وثبت ومنه ركز الرمح إذا غرزه وثبته في الأرض.
والآخر: من ركز يركز إذا خفى.
[ ٦ / ١٦٩ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩١):
«والركاز: المدفون في الأرض. واشتقاقه من ركز يركز. مثل غرز يغرز: إذا خفي.
يقال: ركز الرمح، إذا غرز أسفله في الأرض.
ومنه الركز، وهو الصوت الخفي، قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾» اهـ.
قُلْتُ: والركاز الذي يجب فيه الخمس هو ما كان من دفن الجاهلية ويعرف ذلك بأمور ذكرها الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٢) فقال: «الفصل الأول، أنَّ الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس ما كان من دفن الجاهلية.
هذا قول الحسن، والشعبي، ومالك والشافعي، وأبي ثور.
ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علاماتهم، كأسماء ملوكهم، وصورهم وصلبهم، وصور أصنامهم، ونحو ذلك.
فإن كان عليه علامة الإسلام، أو اسم النبي ﷺ أو أحد من خلفاء المسلمين، أو وال لهم، أو آية من قرآن أو نحو ذلك، فهو لقطة؛ لأنَّه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه.
وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك.
نص عليه أحمد، في رواية ابن منصور؛ لأنَّ الظاهر أنَّه صار إلى مسلم، ولم يعلم زواله عن ملك المسلمين، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٢):
[ ٦ / ١٧٠ ]
«قال ابن حبيب: الركاز دفن الجاهلية خاصة، والكنز دفن الإسلام، فدفن الإسلام فيه التعريف ودفن الجاهلية فيه الخمس في قليله وكثيره، وباقية لمن وجده سواء كان في أرض العرب، أو أرض عنوة، أو صلح، قاله مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ، ورواه ابن وهب، عن علي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والليث، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي» اهـ.
٥ - والعطف بين المعدن والركاز يدل على أنَّ الركاز غير المعدن إذ لو كانا بمعنى واحد لاكتفى بأحدهما عن الآخر ولقال مثلًا: والمعدن جبار وفيه الخمس، وفي هذا رد على أبي حنيفة الذي جعلهما بمعنى واحد وأوجب فيهما الخمس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (١٦/ ٦١):
«قوله: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس"؛ هكذا جاء هذا الحديث بمجموع هذه الْأُمور. فظاهره: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ذكرها في وقت واحد متصلة مجموعة، ويكون فيه حجة لمالك على أبي حنيفة: في أنَّ الركاز ليس هو المعدن؛ إذ قد عدل عن لفظ المعدن إلى اسم آخر في مساق واحد، وذكره بعده. فلو كان الركاز هو المعدن لقال: والمعدن جبار وفيه الخمس. وكان يكون أيسر، وأفصح، وأبعد عن الإشكال، بل لو ذكر لفظ المعدن نفسه بدل الركاز فقال: وفي المعدن الخمس، لكان مستقبحًا عند الفصحاء، فإنَّه وضع الظاهر موضع المضمر من غير فائدة، ولا تفخيم، بل مع ما يجره من اللبس. وهذا النوع من الكلام ركيك، ويجل كلام الشارع أن يحمل عليه. ويحتمل أن يقال: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ذكر هذه الْأُمور في أوقات
[ ٦ / ١٧١ ]
مختلفة، فجمعها الراوي، وساقها سياقة واحدة، وحينئذ لا يكون فيه حجة على ما ذكرناه، لكن الظاهر الأول، والله تعالى أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٣٤):
«وأمَّا قوله ﷺ: "وفي الركاز الخمس" ففيه تصريح بوجوب الخمس فيه، وهو زكاة عندنا. والركاز هو دفين الجاهلية، وهذا مذهبنا ومذهب أهل الحجاز وجمهور العلماء، وَقَالَ أبو حنيفة وغيره من أهل العراق: هو المعدن، وهما عندهم لفظان مترادفان، وهذا الحديث يرد عليهم؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ فرق بينهما، وعطف أحدهما على الآخر، والأصل الركاز في اللغة: الثبوت. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٥):
«والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أنَّ المعدن يحتاج إلى عمل ومؤنة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز وقد جرت عادة الشرع أنَّ ما غلظت مؤنته خفف عنه في قدر الزكاة وما خفت زيد فيه وقيل: إنَّما جعل في الركاز الخمس لأنَّه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه. وَقَالَ الزين بن المنير كأنَّ الركاز مأخوذ من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها وأمَّا المعدن فإنَّه ينبت في الأرض بغير وضع واضع هذه حقيقتهما فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمهما» اهـ.
٦ - وعموم الحديث يقتضي عدم التفريق بين أرض الحرب أو الأرض التي فتحت عنوة أو صلحًا وغير ذلك وهذا مذهب الجمهور.
وخالف في ذلك الْإِمَام مالك، والحسن البصري.
[ ٦ / ١٧٢ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢٩):
«فقال مالك: الركاز في أرض العرب للواجد وفيه الخمس. قال: وما وجد من ذلك في أرض الصلح فإنَّه لأهل تلك البلاد ولا شيء للواجد فيه. قال: وما وجد في أرض العنوة فهو للجماعة الذي افتتحوها وليس لمن أصابه دونهم ويؤخذ خمسه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٢):
«وروى ابن القاسم عن مالك في "العتبية" أنَّه فرق بين أرض العنوة، والصلح في ذلك، فقال: من أصابه ببلد العنوة فليس لمن وجده، وفيه الخمس وأربعة أخماسه لمن افتتح تلك البلاد، ولورثتهم إن هلكوا، ويتصدق به عنهم إن لم يعرفوا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٤):
«وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لا خلاف بين العلماء أنَّ في الركاز الخمس، ولا نعلم أحدًا خالف ذلك إلَّا الحسن البصري فأوجب فيه الخمس إذا وجد في أرض الحرب، وأوجب الزكاة فيه إذا وجد في أرض العرب، قال غيره: وهذا غلط، لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ، قال: "وفي الركاز الخمس"، وهذا عموم في كل ركاز سواء كان في أرض العرب أو غيرها، لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ، لم يخص أرضًا دون أرض» اهـ.
٧ - وعموم الحديث يشمل من وجده في أرض موات أو في ملكه أو في ملك غيره فهو له ويخرج منه الخمس وفي ذلك خلاف بين أهل العلم.
[ ٦ / ١٧٣ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٣ - ٣٩٥):
«القسم الثاني، أن يجده في ملكه المنتقل إليه، فهو له في أحد الوجهين؛ لأنَّه مال كافر مظهور عليه في الإسلام، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم، ولأنَّ الركاز لا يملك بملك الأرض، لأنَّه مودع فيها، وإنَّما يملك بالظهور عليه، وهذا قد ظهر عليه، فوجب أن يملكه.
والرواية الثانية، هو للمالك قبله إن اعترف به، وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول مالك.
وهذا مذهب الشافعي لأنَّه كانت يده على الدار، فكانت على ما فيها.
وإن انتقلت الدار بالميراث، حكم بأنَّه ميراث، فإن اتفق الورثة على أنَّه لم يكن لموروثهم، فهو لأول مالك فإن لم يعرف أول مالك، فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك.
والأول أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الركاز لا يملك بملك الدار، لأنَّه ليس من أجزائها وإنَّما هو مودع فيها، فينزل منزلة المباحات من الحشيش والحطب والصيد يجده في أرض غيره، فيأخذه، فيكون أحق به، لكن إن ادعى المالك الذي انتقل الملك عنه أنَّه له، فالقول قوله؛ لأنَّ يده كانت عليه، لكونها على محله، وإن لم يدعه، فهو لواجده.
وإن اختلف الورثة، فأنكر بعضهم أن يكون لمورثهم، ولم ينكره الباقون، فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به، وحكم المعترفين حكم المالك المعترف.
[ ٦ / ١٧٤ ]
القسم الثالث، أن يجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي، فعن أحمد ما يدل على أنَّه لصاحب الدار؛ فإنَّه قال، في من استأجر حفارًا ليحفر في داره، فأصاب في الدار كنزًا عاديًا: فهو لصاحب الدار.
وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن.
ونقل عن أحمد ما يدل على أنَّه لواجده؛ لأنَّه قال في مسألة من استأجر أجيرًا ليحفر له في داره، فأصاب في الدار كنزًا: فهو للأجير. نقل ذلك عنه محمد بن يحيى الكحال.
قال القاضي هو الصحيح. وهذا يدل على أنَّ الركاز لواجده. وهو قول الحسن بن صالح، وأبي ثور.
واستحسنه أبو يوسف.
وذلك لأنَّ الكنز لا يملك بملك الدار، على ما ذكرنا في القسم الذي قبله، فيكون لمن وجده، لكن إن ادعاه المالك.
فالقول قوله؛ لأنَّ يده عليه بكونها على محله. وإن لم يدعه، فهو لواجده.
وَقَالَ الشافعي: هو لمالك الدار إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك، لأنَّه في يده.
ويخرج لنا مثل ذلك، لما ذكرناه من الرواية في القسم الذي قبله.
وإن استأجر حفارًا ليحفر له طلبًا لكنز يجده، فوجده، فلا شيء للأجير، ويكون الواجد له هو المستأجر؛ لأنَّه استأجره لذلك، فأشبه ما لو استأجره ليحتش له أو يصطاد، فإنَّ الحاصل من ذلك للمستأجر دون الأجير.
[ ٦ / ١٧٥ ]
وإن استأجره لأمر غير طلب الركاز، فالواجد له هو الأجير.
وهكذا قال الأوزاعي: إذا استأجرت أجيرًا ليحفر لي في داري، فوجد كنزًا، فهو له.
وإن قُلْتُ: استأجرتك لتحفر لي هاهنا رجاء أن أجد كنزًا، فسميت له، فله أجره، ولي ما يوجد» اهـ.
٨ - وعموم الحديث يقتضي أنَّه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٧):
«إذا ثبت هذا فإنَّ الخمس يجب في قليله وكثيره، في قول إمامنا، ومالك، وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم.
وَقَالَ في الجديد: يعتبر النصاب فيه؛ لأنَّه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض، فاعتبر فيه النصاب، كالمعدن والزرع.
ولنا، عموم الحديث، ولأنَّه مال مخموس، فلا يعتبر له نصاب، كالغنيمة» اهـ.
٩ - ويدل أيضًا أنَّه لا يعتبر في الركاز مضي الحول.
١٠ - ويدل بعمومه على أنَّه لا يختص بالذهب والفضة بل يشمل سائر الْأموال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٧):
«الفصل الثالث، في صفة الركاز الذي فيه الخمس، وهو كل ما كان مالًا على اختلاف أنواعه، من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير ذلك.
[ ٦ / ١٧٦ ]
وهو قول إسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعي، والقول الآخر: لا تجب إلَّا في الأثمان.
ولنا، عموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس".
ولأنَّه مال مظهور عليه من مال الكفار، فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه، كالغنيمة» اهـ.
١١ - وقوله: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». الألف والام التي في "الخمس" للعهد أي الخمس المعهود في الإسلام وهو خمس الغنيمة ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مصرف الخمس مصرف الفيء وهو الصحيح من أقوال العلماء وهناك من جعل مصرفه مصرف الزكاة كما ذهب إلى ذلك الْإِمَام الشافعي ورواية عن أحمد رحمهما الله.
قُلْتُ: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لما سبق بيانه ولأنَّ مشابهة الركاز للفيء أعظم من مشابهته للزكاة، وذلك في عدم اعتبار الحول والنصاب، وفي عدم اختصاصه بشيء معين من دفين الجاهلية، ومن أوجه المشابهة للفيء المشابهة في مقدار ما يجب إخراجه وهو الخمس. والله أعلم.
١٢ - ويدل الحديث بعمومه أنَّ الخمس يخرج من الركاز مطلقًا سواء كان واجده من الأحرار أو العبيد أو من الكبار أو الصغار، أو من الذكور أو الإناث، أو من المسلمين أو من أهل الذمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤٠٠):
«الفصل الخامس، في من يجب عليه الخمس.
[ ٦ / ١٧٧ ]
وهو كل من وجده، من مسلم وذمي، وحر وعبد ومكاتب، وكبير وصغير، وعاقل ومجنون، إلَّا أنَّ الواجد له إذا كان عبدًا فهو لسيده؛ لأنَّه كسب مال، فأشبه الاحتشاش والاصطياد، وإن كان مكاتبًا ملكه، وعليه خمسه؛ لأنه بمنزلة كسبه، وإن كان صبيًا أو مجنونًا فهو لهما، ويخرج عنهما وليهما.
وهذا قول أكثر أهل العلم.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أنَّ على الذمي في الركاز يجده الخمس.
قاله مالك، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وأهل العراق، وأصحاب الرأي، وغيرهم.
وَقَالَ الشافعي: لا يجب الخمس إلَّا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنَّه زكاة.
وحكي عنه في الصبي والمرأة أنَّهما لا يملكان الركاز.
وَقَالَ الثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبدًا، يرضخ له منه، ولا يعطاه كله.
ولنا، عموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس".
فإنَّه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد، وبمفهومه على أنَّ باقيه لواجده من كان، ولأنَّه مال كافر مظهور عليه، فكان فيه الخمس على من وجده وباقيه لواجده، كالغنيمة، ولأنه اكتساب مال، فكان لمكتسبه إن كان حرًا، أو لسيده إن كان عبدًا، كالاحتشاش، والاصطياد.
ويتخرج لنا أن لا يجب الخمس إلَّا على من تجب عليه الزكاة، بناء على قولنا إنَّه زكاة. والأول أصح» اهـ.
[ ٦ / ١٧٨ ]
١٣ - وظاهر الحديث وجوب إخراج الخمس من الركاز أظهره أو كتمه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (٣/ ٣٤١):
«والواجب فيه الخمس، سواءٌ أظهره أو كتمه.
وقال أبو حنيفة: "هو بالخيار: بين أن يكتمه ولا شيء عليه، وبين أن يظهره ويخرج منه الخمس"» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٢/ ١٢٩)
«وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: "المَعْدِنُ رِكَازٌ، مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُ، قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ، ثُمَّ نَاقَضَ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٦):
«وأمَّا قول البخاري عن أبي حنيفة، ثم ناقض، فقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدى الخمس، فهو تعسف منه، وليس بمناقضة، لأنَّ الطحاوي حكى عن أبي حنيفة أنَّه قال: من وجد ركازًا فلا بأس أن يعطى الخمس للمساكين، وإن كان محتاجًا جاز له أن يأخذه لنفسه، وإنَّما أراد أبو حنيفة أنَّه تأول أنَّ له حقًا في بيت المال، وله نصيب في الفيء، فذلك جاز أن يأخذ الخمس لنفسه عوضًا من ذلك، لا أنَّ أبا حنيفة أسقط الخمس من المعدن بعد ما أوجبه فيه، فتأول عليه البخاري غير ما أراده، وبالله التوفيق» اهـ.
[ ٦ / ١٧٩ ]
وأجاب قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ عن ابن بطال فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٥) فَقَال: «وَقَدْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْمَسْأَلَة الَّتِي ذكرهَا بن بَطَّالٍ وَنَقَلَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ مَعْدِنًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَبِهَذَا يَتَّجِهُ اعْتِرَاضُ الْبُخَارِيِّ» اهـ.
* * *
[ ٦ / ١٨٠ ]
١٧٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ الْنَّبِيِّ اللَّهِ ﷺ.
فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ، إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا: فَأَغْنَاهُ اللَّهُ؟ وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا. وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ"».
قوله: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ، إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا: فَأَغْنَاهُ اللَّهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٦١):
«والحديث يقتضي: أنَّه لا عذر له في الترك فإنَّ نقم بمعنى أنكر وإذا لم يحصل له موجب للمنع إلَّا أن كان فقيرًا فأغناه الله فلا موجب للمنع وهذا مما تقصده العرب في مثله النفي على سبيل المبالغة بالإثبات كما قال الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب
لأنَّه إن لم يكن فيهم عيب إلَّا هذا - وهذا ليس بعيب - فلا عيب فيهم فكذلك هنا إذا لم ينكر إلَّا كون الله أغناه بعد فقره فلم يكن منكرًا أصلًا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٣٣):
«قوله: "ما ينقِم" بكسر القاف أي ما ينكر أو يكره وقوله: "فأغناه الله ورسوله" إنَّما ذكر رسول الله ﷺ نفسه لأنَّه كان سببًا لدخوله في
[ ٦ / ١٨١ ]
الإسلام فأصبح غنيًا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم لأنَّه إذا لم يكن له عذر إلَّا ما ذكر من أنَّ الله أغناه فلا عذر له» اهـ.
قُلْتُ: ومعنى: «احْتَبَسَ». أي أوقف.
وقوله: «أَدْرَاعَهُ». جمع درع وهو ما يلبس من الحديد في الحرب للوقاية من الرماح وطعنات السيوف.
وقوله: «وَأَعْتَادَهُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٦): «قال أهل اللغة: الأعتاد: آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، والواحد عتاد بفتح العين، ويجمع أعتادًا وأعتدة» اهـ.
وقوله: «صِنْوُ أَبِيهِ». أي مثله وقريبه وأصله النخلتان تخرجان عن أصل واحد ومنه صنوان كما في قول الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - بعث السعاة لجبي الصدقة، والذي يظهر لي أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يبعثهم في شهر معين ولا يراعي اختلاف الناس في أحوالهم لما في ذلك من الحرج الْكَبِيْر فإنَّ أحوال الناس لا تكاد تجتمع في شهر معين، ويدل على ذلك رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٩٣)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٨٦)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٦٥٨) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُثْمَانَ
[ ٦ / ١٨٢ ]
بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ. فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ. حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وقد صرح ابن شهاب بالتحديث عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٦) على أنَّ عنعنته مقبولة عند أهل الحديث.
وأصله في البخاري (٧٣٣٨) مختصرًا. وقد سبق هذا الأثر في شرحنا لأول أحاديث الزكاة.
ويقال: إنَّ هذا الشهر هو شهر رمضان.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀ فِي [الأَمْوَالِ] (ص: ٥٣٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا تَطَوُّعًا، وَمَنْ أُخِذَ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الشَّهْرُ مِنْ قَابِلٍ». قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَرَاهُ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ جَاءَنَا فِي بَعْضِ الْأَثَرِ وَلَا أَدْرِي عَنْ مَنْ هُوَ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَانُ هُوَ الْمُحَرَّمُ اهـ.
قُلْتُ: فهذا الأثر صريح الدلالة في أنَّ عثمان ﵁ كان يجعل للناس شهرًا معينًا يجبي فيه زكاة أموالهم.
وهذا في غير الصامت كالذهب والفضة وما ألحق بهما من سائر الأثمان فإنَّه لا يجوز تأخير زكاتها عن الحول إلَّا لعذر شرعي لأنَّها ليست من الْأموال التي تجبيها السعاة فلا معنى لتأخيرها عن حولها.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀ في [الْأَمْوَالِ] (٤٦٧):
[ ٦ / ١٨٣ ]
«وإذا حال الحول على مائتي درهم لرجل، ثم ضاع منها بعضها، فإنَّ عليه أن يزكي الباقي بحسابه، وليس يشبه الخمس من الإبل، هذا إذا مات منها واحد بعد الحول، وإنَّما اختلفا؛ لأنَّ الصامت إنَّما يزكيه صاحبه لشهر معلوم عنده، وليس ذلك لرب الماشية؛ لأنَّ حكمها إلى السلطان، إنَّما يبعث في كل عام مرة من يزكيها، وقد تختلف أوقاته في ذلك، فإذا جاءه المصدق مع حلول الحول، وجبت عليه الصدقة حينئذ؛ فلهذا قال من قال: إنَّما تجب الصدقة في المواشي عند مجيء المصدقين. وفرقوا ما بينها وبين الدراهم والدنانير» اهـ.
٢ - فيه ذم من منع الزكاة الواجبة.
٣ - وفيه أنَّ مانع الزكاة لا يكفر.
قُلْتُ: وقد ذهب الْإِمَام أحمد ﵀ في رواية إلى تكفيره مطلقًا، وفي رواية أنَّه لا يكفر حتى يقاتل عليها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٨٨):
«وعن أحمد ما يدل على أنه يكفر بقتاله عليها، فروى الميموني عنه: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر، وقاتلوا عليها، لم يورثوا، ولم يصل عليهم.
قال عبد الله بن مسعود: ما تارك الزكاة بمسلم.
ووجه ذلك، ما روي أن أبا بكر ﵁ لما قاتلهم، وعضتهم الحرب، قالوا: نؤديها.
قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
ولم ينقل إنكار ذلك عن أحد من الصحابة، فدل على كفرهم» اهـ.
[ ٦ / ١٨٤ ]
قُلْتُ: وهذا هو الذي اختاره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقد قال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥١٩): «وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان. وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله. وقد حكي عنهم أنَّهم قالوا: إنَّ الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقد سقطت بموته» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٤١٢ - ٤١٣):
«وارتد بسبب موت الرسول ﷺ ولما حصل لهم من الضعف جماعات من الناس: قوم ارتدوا عن الدين بالكلية. وقوم ارتدوا عن بعضه فقالوا: نصلي ولا نزكي. وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد ﷺ. فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذابين كمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وغيرهما …» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ اللهِ ابْنِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بِنِ عَبْدِ الوَّهَابِ الْنَجْدِيِّ رَحِمَهُما اللهُ فِي كِتَابِهِ [الْكَلِمَاتُ النَّافِعَةُ فِي الْمُكَفِرَاتِ الْوَاقِعَةِ] ص (٣١ - ٣٢) -ناقلًا عن شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀:
«وَقَالَ الشيخ ﵀، في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها، أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها"، فجعل المبيح للقتال مجرد
[ ٦ / ١٨٥ ]
المنع، لا جحد وجوبها; وقد روي: أنَّ طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها.
ومع هذا، فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة، وهي: قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة; وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم: أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.
وأمَّا قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم؛ وهذه حجة من قال: إن قاتلوا الْإِمَام عليها كفروا، وإلَّا فلا؛ فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة، قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، بخلاف من لم يقاتل الْإِمَام عليها، فإن في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قيل له: منع ابن جميل; فقال: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله"، فلم يأمر بقتله، ولا حكم بكفره; وفي السنن من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله". الحديث. انتهى.
فتأمل كلامه وتصريحه: بأنَّ الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الْأِمام، أنَّهم يقاتلون ويحكم عليهم بالكفر والردة عن الإسلام، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم، والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنة، واتفاق الصحابة ﵃، والله أعلم» اهـ.
[ ٦ / ١٨٦ ]
٤ - وفي الحديث تذكير من أساء بنعمة الله عليه.
٥ - وفي قوله: «وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا. وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». ما يدل على أنَّ المال الموقوف لا زكاة فيه وهذا على أحد الأقوال في تأويل الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٦):
«ومعنى الحديث: أنَّهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًا منهم أنَّها للتجارة، وأنَّ الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم علي، فقالوا للنبي ﷺ: إنَّ خالدًا منع الزكاة، فقال لهم: إنَّكم تظلمونه؛ لأنَّه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها؛ لأنَّه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعًا فكيف يشح بواجب عليه؟» اهـ.
قُلْتُ: وهناك قول آخر في معنى الحديث وهو أنَّ خالدًا أخرج أدراعه وعتاده عن زكاة ماله.
٦ - فيه مشروعية الوقف.
٧ - وفيه جواز وقف المنقول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٦):
«وفيه دليل على صحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قالت الْأُمة بأسرها إلَّا أبا حنيفة وبعض الكوفيين» اهـ.
[ ٦ / ١٨٧ ]
٨ - واحتج به بعض العلماء على زكاة التجارة لأنَّ ما عند خالد من الدواب والسلاح لا زكاة في أعيانها فدل ذلك على أنَّهم أرادوا أنَّه منع زكاة التجارة فإنَّها هي التي تجب في قيمة ما لا زكاة في عينه.
قُلْتُ: وليس فيه ذلك الظهور.
٩ - واحتج به الْإِمَام البخاري على إخراج العروض في الزكاة. فقد قال ﵀ في "صَحِيْحِهِ":