٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».
قوله: «هُنَيْهَةً». هي كلمة يكنى بها عن الشيء، أي: شيئًا قليلًا من الزمان.
جاء الحديث في الصحيحين بلفظ: «هُنَيَةً». واللفظ الذي ذكره المصنف في بعض روايات البخاري.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٩٦):
«وَهِيَ تَصْغِيرُ هَنَةٍ أَصْلُهَا هَنْوَةُ فَلَمَّا صُغِّرَتْ صَارَتْ هُنَيْوَةً فَاجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَوَجَبَ قَلْبُ الْوَاوِ يَاءً فَاجْتَمَعَتْ يَاآنِ فَأُدْغِمَتِ
[ ٣ / ٣ ]
إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَصَارَتْ هُنَيَّةً وَمَنْ هَمَزَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ هُنَيْهَةً وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٩):
«قَوْلُهُ: "قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً" هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ بِالظَّنِّ وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيره وبن فُضَيْل عِنْد بن مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ سَكَتَ هُنَيَّةً بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَاحِدِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ إِسْكَاتَةٍ هُنَيَّةً. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكَّ هَلْ وَصَفَ الْإِسْكَاتَةَ بِكَوْنِهَا هُنَيَّةً أَمْ لَا وَهُنَيَّةٌ بِالنُّونِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَذَكَرَ عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالَوهُ بِالْهَمْزَةِ وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الْهَمْزُ خَطَأٌ قَالَ وَأَصْلُهُ هَنْوَةٌ فَلَمَّا صُغِّرَ صَارَ هُنَيْوَةً فَاجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ قَالَ غَيْرُهُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِجَازَةَ الْهَمْزِ فَقَدْ تُقْلَبُ الْيَاءُ هَمْزَةً وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَيْهَةً بِقَلْبِهَا هَاءً» اهـ.
قوله: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ». إلى آخر الحديث.
أي كما باعدت بين المشرق والمغرب فلا يجتمعان فباعد بيني وبين خطاياي فلا اجتمع بها أبدًا.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٨٢):
[ ٣ / ٤ ]
«والمراد: المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيوية والأخروية.
وربما دخل فيه المباعدة بين ما قدر منها ولم يعلمه بعد، فطلب مباعدته منه، على نحو قوله: "أعوذ بك من شر ما عملت وما لم أعمل"» اهـ.
وقوله: «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ». الدَّنَسُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ فَسِينٌ مُهْمَلَةٌ؛ هو الْوَسَخُ. وذكر الثوب الأبيض باعتبار أنَّ الوسخ فيه أظهر، وتنقيته من الوسخ يكون بشدة المبالغة في ذلك.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب دعاء الاستفتاح لأنَّه من هدي النبي ﷺ. خلافًا للمالكية.
قلت: وذهب بعض العلماء إلى وجوبه قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٨٥):
«وذهبت طائفة قليلة: إلى أن من ترك الاستفتاح عمدًا أعاد صلاته، منهم: ابن بطة وغيره من أصحابنا، وربما حكي رواية عن أحمد.
وقَالَ الحكم: إذا قَالَ: سبحان الله حين يفتتح الصلاة والحمد لله أجزأه. وهذا يشعر بوجوبه» اهـ.
قلت: وقد ذهب إلى وجوبه العلامة الألباني ﵀ في "صفة الصلاة" واحتج بما رواه أبو داود (٨٥٧) بإسناد صحيح من حديث رفاعة بن رافع في حديث
[ ٣ / ٥ ]
المسيء في صلاته أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ». يَعْنِى مَوَاضِعَهُ: «ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَيُثْنِى عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ».
قلت: وقد حمل الحديث العلامة ابن حزم ﵀ هذا الحديث على قراءة الفاتحة فقَالَ ﵀ في [المحلى] (٣/ ٢٥٧):
«التحميد المذكور والتمجيد المذكور هو قراءة أم القرآن.
برهان ذلك قول رسول الله ﷺ: "إذا قَالَ العبد في صلاته، الحمد لله رب العالمين
يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قَالَ، مالك يوم الدين، قَالَ الله: مجدني عبدي"» اهـ.
قلت: وعلى فرض أنَّ الحديث وارد في الاستفتاح فإنَّ حديث الباب يصرفه عن الوجوب، وذلك لأنَّه دعاء محض ليس فيه حمد ولا ثناء ولا تمجيد.
٢ - وفيه إطلاق السكوت على قول السر.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٦/ ١٧٩):
[ ٣ / ٦ ]
«لكن السكوت يكون تارة عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه؛ كما قَالَ في الصحيحين عن أبي هريرة: يا رسول الله أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قَالَ: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب" إلى آخر الحديث. فقد أخبره أنه ساكت وسأله ماذا تقول؟ فأخبره أنه يقول في حال سكوته؛ أي سكوته عن الجهر والإعلان» اهـ.
قلت: ويطلق السكوت على ترك كلام معين مع التكلم بغيره.
٣ - وفيه استحباب الإسرار بدعاء الاستفتاح.
وما جاء عن عمر ﵁ من جهره بالاستفتاح فهو لأجل التعليم.
٤ - وفيه دعاء الإمام في الصلاة بصيغة الإفراد، وهذا في الدعاء الذي لا يؤمن فيه المأموم.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٩٠)، والترمذي (٣٥٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلَا يُصَلِّي وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ».
[ ٣ / ٧ ]
وأخرجه ابن ماجه (٩٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ.
وما رواه أحمد (٢٢٢٤١) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي السَّفْرُ بْنُ نُسَيْرٍ الْأَزْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَأْتِي أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ حَاقِنٌ، وَلَا يَؤُمَّنَّ أَحَدُكُمْ فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ».
ورواه أبو داود (٩١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» - ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ قَالَ: «وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، وَلَا يَخْتَصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الشَّامِ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ».
قلت: في ثبوت ذلك نظر، وقد حكم ابن خزيمة عليه بالوضع، وانظر "ضعيف أبي داود" (١٢) للعلامة الألباني ﵀.
وعلى فرض ثبوته فهو محمول على دعاء القنوت والله أعلم.
وجاء في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١١٦ - ١١٩):
«وَسُئِلَ ﵀:
[ ٣ / ٨ ]
عَنْ قَوْلِهِ ﷺ: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلِ يَؤُمُّ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ". فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ كُلَّمَا دَعَا اللَّهَ ﷿ أَنْ يَشْرَكَ الْمَأْمُومِينَ؟ وَهَلْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِدُعَائِهِ فِي صَلَاتِهِ دُونَهُمْ؟ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ؟.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ. مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ. كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ". فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ دَعَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً وَكَانَ إمَامًا. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الِاسْتِفْتَاحِ الَّذِي أَوَّلُهُ: "وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ - فِيهِ - فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا فَإِنَّهُ لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ". وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ". وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِي دُعَائِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ فِعْلِهِ وَمِنْ أَمْرِهِ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا إلَّا
[ ٣ / ٩ ]
لَفْظُ الْإِفْرَادِ. كَقَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". وَكَذَا دُعَاؤُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكِلَاهُمَا كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ إمَامًا أَحَدُهُمَا بِحُذَيْفَةَ وَالْآخَرُ بِابْنِ عَبَّاسٍ. وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي"، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ: "اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي". وَنَحْوُ هَذَا فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَدْعُو فِي هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ حَيْثُ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَشْرَعُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ. وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ إنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ الَّذِي يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ: كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إذَا أَمَّنَ كَانَ دَاعِيًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَدْعُو وَالْآخَرُ يُؤَمِّنُ. وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مُؤَمِّنًا عَلَى دُعَاءِ الْإِمَامِ فَيَدْعُو بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَمَا فِي دُعَاءِ الْفَاتِحَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا أَمَّنَ لِاعْتِقَادِهِ. أَنَّ الْإِمَامَ يَدْعُو لَهُمَا جَمِيعًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ خَانَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ. فَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَدْعُو فِيهَا كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ كَالِاسْتِفْتَاحِ وَمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ الْمَأْمُومَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ فَالْإِمَامُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ. كَمَا يُسَبِّحُ الْمَأْمُومُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذَا سَبَّحَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَكَمَا يَتَشَهَّدُ إذَا تَشَهَّدَ وَيُكَبِّرُ إذَا كَبَّرَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمَأْمُومُ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُفَرِّطُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ
[ ٣ / ١٠ ]
صَحِيحًا صَرِيحًا مُعَارِضًا لِلْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَلِعَمَلِ الْأُمَّةِ وَالْأَئِمَّةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ فَكَيْفَ وَلَيْسَ مِنْ الصَّحِيحِ وَلَكِنْ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَسَنٌ وَلَوْ كَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ لَكَانَ عَامًّا وَتِلْكَ خَاصَّةٌ وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ. ثُمَّ لَفْظُهُ: "فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةِ دُونَهُمْ". يُرَادُ بِمِثْلِ هَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ دُعَاءٌ وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ تَأْمِينِهِمْ. وَأَمَّا مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤَمِّنِينَ عَلَى الدُّعَاءِ كُلَّمَا دَعَا فَيَحْصُلُ لَهُمْ كَمَا حَصَلَ لَهُ بِفِعْلِهِمْ وَلِهَذَا جَاءَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَهْدِيك" إلَى آخِرِهِ. فَفِي مِثْلِ هَذَا يَأْتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَيَتَّبِعُ السُّنَّةَ عَلَى وَجْهِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦):
«فَصْلٌ:
وَالْمَحْفُوظُ فِي أَدْعِيَتِهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ كَقَوْلِهِ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي"، وَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الْمَحْفُوظَةِ عَنْهُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: "اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ، اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" … الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ وَأَهْلُ " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ
[ ٣ / ١١ ]
نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ".
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي " صَحِيحِهِ ": وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ" الْحَدِيثَ، قَالَ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: "لَا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ". وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابن تيمية يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي فِي الدُّعَاءِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ وَلِلْمَأْمُومِينَ وَيَشْتَرِكُونَ فِيهِ، كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ وَنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٥ - وفيه استحباب هذا النوع من أنواع الاستفتاح. وقد اختار ذلك الإمام الشافعي ﵀ بعد حديث علي ﵁.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٢١):
«فهذه الأحاديث الواردة في الاستفتاح بأيتها استفتح حصل سنة الاستفتاح لكن أفضلها عند الشافعي والأصحاب حديث علي ﵁ ويليه حديث أبي هريرة ﵁» اهـ.
وقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (١/ ١٣٧):
«وثبت عنه توجهات أيها توجه به المصلي فقد فعل السنة ولكنه ينبغي للمتحري في دينه أن يحرص على فعل أصح ما ورد في التوجهات وأصحها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وغيرهما، قَالَ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قَالَ: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" فهذا أصح ما ورد في التوجهات حتى قيل إنَّه قد تواتر لفظه فضلًا عن معناه ثم فيه التصريح
[ ٣ / ١٢ ]
بأنَّه كان يتوجه بهذا في صلاته ولم يقيد بصلاة الليل كما ورد في بعض التوجهات فالعمل عليه والاستمرار على فعله هو الذي ينشرح له الصدر وينثلج له القلب وإن كان جميع ما ورد من وجه صحيح يجوز العمل عليه ويصير فاعله عاملًا بالسنة مؤديًا لما شرع له» اهـ.
قلت: لكن قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٣٩٤ - ٣٩٧):
«إذا تبين هذا الأصل: فأفضل أنواع الاستفتاح ما كان ثناء محضًا مثل: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك. ولا إله غيرك" وقوله: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا"، ولكن ذاك فيه من الثناء ما ليس في هذا فإنَّه تضمن ذكر "الباقيات الصالحات" التي هي أفضل الكلام بعد القرآن، وتضمن قوله: "تبارك اسمك وتعالى جدك". وهما من القرآن أيضًا. ولهذا كان أكثر السلف يستفتحون به وكان عمر بن الخطاب يجهر به يعلمه الناس.
وبعده النوع الثاني: وهو الخبر عن عبادة العبد. كقوله: "وجهت وجهي للذي فطر السموات " إلخ. وهو يتضمن الدعاء وإن استفتح العبد بهذا بعد ذلك فقد جمع بين الأنواع الثلاثة وهو أفضل الاستفتاحات. كما جاء ذلك في حديث مصرحًا به وهو اختيار أبي يوسف وابن هبيرة الوزير - من أصحاب أحمد صاحب "الإفصاح" وهكذا أستفتح أنا.
[ ٣ / ١٣ ]
وبعده النوع الثالث كقوله: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي. كما باعدت بين المشرق والمغرب" إلخ وهكذا ذكر الركوع والسجود والتسبيح فيهما أفضل من قوله: "لك ركعت ولك سجدت". وهذا أفضل من الدعاء والترتيب هنا متفق عليه فيما أعلم فإني لم أعلم أحدًا قَالَ: إن الدعاء فيهما أفضل من التسبيح كما قيل مثل ذلك في الاستفتاح. فإن قلت: هذا الترتيب عكس الأسانيد فإنه ليس في الصحيحين حديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في استفتاح الفريضة إلَّا هذا الدعاء "اللهم باعد بيني وبين خطاياي". وقوله: "وجهت وجهي" في صحيح مسلم. وحديث: "سبحانك اللهم" في السنن. وقد تكلم فيه وقد روي أنَّ هذا كان في قيام الليل وكذلك قوله: "وجهت وجهي".
قلت: كون هذا مما بلغنا مِنْ طَرِيقِ أصح من هذا فهذا ليس في صفة الذكر نفسه فضيلة توجب فضله على الآخر لكنه طريق لعلمنا به والفضيلة كانت ثابتة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفي زمنه قبل أن يبلغنا الأمر. وقد ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يجهر بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. يعلمه الناس فلولا أنَّ هذا من السنن المشروعة لم يفعل هذا عمر ويقره المسلمون عليه. وحديث أبي هريرة دليل على أنَّ الاستفتاح لا يختص بسبحانك اللهم ووجهت وجهي وغيرهما بل يستفتح بكل ما روي؛ لكن فضل بعض الأنواع على بعض يكون بدليل آخر كما قدمنا. وأيضًا فإنَّ قوله: "سبحانك اللهم" إلخ. يتضمن الباقيات الصالحات التي هي
[ ٣ / ١٤ ]
أفضل الكلام بعد القرآن كما في صحيح مسلم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". وأيضًا ففي صحيح مسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قَالَ: "ما اصطفى الله لملائكته؛ سبحان الله وبحمده" فهذه الكلمة هي أول ما في الاستفتاح وهي أفضل الكلام.
وأيضًا فالله قد أمر بالتسبيح بحمده وعبر بذلك عن الصلاة. بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فكان ابتداء الامتثال بهذا الذكر أولى. وقد قَالَ طائفة. من المفسرين كالضحاك في تفسير هذه الآية: هو قول المصلي: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وقد بسطت الكلام على معنى هذه الكلمة في غير هذا الموضع وبينت أنَّها تشتمل على التنزيه والتحميد والتعظيم بصفات البقاء والإثبات وأفعاله كلها سبحانه وبحمده» اهـ.
قلت: وكلامه هاهنا ﵀ من أنفس الكلام، لكن الجمع بين استفتاح عمر وعلي فيه نظر، ولا يظهر لي صحته.
ومثله قول العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ١٩٨ - ١٩٩):
«وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا لِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.
مِنْهَا: جَهْرُ عمر بِهِ يُعَلِّمُهُ الصَّحَابَةَ.
[ ٣ / ١٥ ]
وَمِنْهَا: اشْتِمَالُهُ عَلَى أَفْضَلِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَقَدْ تَضَمَّنَهَا هَذَا الِاسْتِفْتَاحُ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ اسْتِفْتَاحٌ أَخْلَصُ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَغَيْرُهُ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعَاءِ، وَالثَّنَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَلِهَذَا كَانَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهَا أُخْلِصَتْ لِوَصْفِ الرَّحْمَنِ ﵎ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ " سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ " أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ مَا تَضَمَّنَهَا مِنَ الِاسْتِفْتَاحَاتِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الِاسْتِفْتَاحَاتِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الِاسْتِفْتَاحَاتِ عَامَّتُهَا إِنَّمَا هِيَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فِي النَّافِلَةِ، وَهَذَا كَانَ عمر يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ فِي الْفَرْضِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا الِاسْتِفْتَاحَ إِنْشَاءٌ لِلثَّنَاءِ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى مُتَضَمِّنٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ بِـ "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ" إِخْبَارٌ عَنْ عُبُودِيَّةِ الْعَبْدِ، وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنِ اخْتَارَ الِاسْتِفْتَاحَ بِـ "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ " لَا يُكْمِلُهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِقِطْعَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَيَذَرُ بَاقِيَهُ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ بِـ "سُبْحَانِكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ" فَإِنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ يَقُولُهُ كُلَّهُ إِلَى آخِرِهِ» اهـ.
[ ٣ / ١٦ ]
قلت: استفتاح عمر بن الخطاب ﵁ رواه مسلم (٣٩٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
وحديث علي رواه مسلم (٧٧١) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَإِذَا رَفَعَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ وَإِذَا سَجَدَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ
[ ٣ / ١٧ ]
وَالتَّسْلِيمِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».
٦ - ويدل الحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافًا للحنفية.
٧ - قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٨٢):
«استدلوا لجواز الطهارة بماء الثلج والبرد بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسكت بين تكبيرة الإحرام والقراءة سكتة يقول: فيها أشياء منها: "اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد"» اهـ.
فائدة/ قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٨٣):
«وإنَّما كان يدعو فِي افتتاح الصلاة المكتوبة بهذا - والله أعلم -؛ لأنَّ الصلوات الخمس تكفر الذنوب والخطايا، كما قَالَ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فإقامة الصلوات المفروضات عَلَى وجهها يوجب مباعدة الذنوب، ويوجب - أيضًا - إنقاءها وتطهيرها …».
إلى أن قَالَ ﵀:
«ولما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، وكان المصلي يناجي ربه، وربه يقربه منه، لم يصلح للدخول في الصلاة إلَّا من كان طاهرًا في ظاهره وباطنه؛ ولذلك
[ ٣ / ١٨ ]
شرع للمصلي أن يتطهر بالماء، فيكفر ذنوبه بالوضوء، ثم يمشي إلى المساجد فيكفر ذنوبه بالمشي، فإن بقي من ذنوبه شيء كفرته الصلاة.
قَالَ سليمان الفارسي: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر من ذلك، والصلاة تكفر أكثر من ذلك.
خرجه محمد بن نصر المروزي وغيره.
فإذا قام المصلي بين يدي ربه في الصلاة وشرع في مناجاته، شرع له أول ما يناجي ربه أن يسأل ربه أن يباعد بينه وبين ما يوجب له البعد من ربه، وهو الذنوب، وأن يطهره منها؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة، فيستكمل فوائد الصلاة وثمراتها من المعرفة والأنس والمحبة والخشية، فتصير صلاته ناهية له عن الفحشاء والمنكر، وهي الصلاة النافعة» اهـ.
فائدة/ قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ٥٧):
«وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبي ﷺ: "اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" كيف يطهر الخطايا بذلك وما فائدة التخصيص بذلك وقوله في لفظ آخر: والماء البارد والحار أبلغ في الإنقاء.
فقَالَ: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفًا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه فإنَّ الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه والماء يغسل الخبث
[ ٣ / ١٩ ]
ويطفئ النار فإن كان باردًا أورث الجسم صلابة وقوة فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته فكان أذهب لأثر الخطايا هذا معنى كلامه. وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح.
فاعلم أنَّ هاهنا أربعة أمور: أمران حسيان وأمران معنويان فالنجاسة التي تزول بالماء هي ومزيلها حسيان وأثر الخطايا التي تزول بالتوبة والاستغفار هي ومزيلها معنويان وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلَّا بهذا وهذا فذكر النبي ﷺ من كل شطر قسمًا نبه به على القسم الآخر فتضمن كلامه الأقسام الأربعة في غاية الاختصار وحسن البيان كما في حديث الدعاء بعد الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة» اهـ.
٨ - وفيه مشروعية الفداء بالأبوين.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٩):
«قَوْلُهُ: "بِأَبِي وَأُمِّي" الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ وَالتَّقْدِيرُ أَنْتَ مَفْدِيٌّ أَوْ أَفْدِيكَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ ذَلِكَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ» اهـ.
قلت: ويدل على مشروعية ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٢٩٠٥)، ومسلم (٢٤١١) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"».
[ ٣ / ٢٠ ]
وروى البخاري (٣٧٢٠)، ومسلم (٢٤١٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ قَالَ: أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"».
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١٥/ ١٨٤):
«فِيهِ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ بِالْأَبَوَيْنِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵄ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ فِي التَّفْدِيَةِ بِالْمُسْلِمِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقِيقَةُ فِدَاءٍ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَأَلْطَافٌ وَإِعْلَامٌ بِمَحَبَّتِهِ لَهُ وَمَنْزِلَتِهِ وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالتَّفْدِيَةِ مُطْلَقًا وَأَمَّا قَوْلُهُ مَا جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِغَيْرِ سَعْدٍ وَذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا لِلزُّبَيْرِ وَقَدْ جَاءَ جَمْعُهُمَا لِغَيْرِهِمَا أَيْضًا فَيُحْمَلُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى نَفْيِ عِلْمِ نَفْسِهِ أَيْ لَا أَعْلَمُهُ جَمَعَهُمَا إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ أبي وقاص» اهـ.
ونقل العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٠) عن إسحاق بن منصور في سؤالاته للإمام أحمد أنَّه قَالَ:
[ ٣ / ٢١ ]
«قلت: يكره أن يقول الرجل للرجل فداك أبي وأمي؟ قَالَ: "يكره أن تقول جعلني الله فداك ولا بأس أن يقول فداك أبي وأمي". قَالَ ابن منصور كما قَالَ» اهـ.
قلت: الأظهر عدم الكراهة فقد روى البخاري (٦١٨٥) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَفِيَّةُ، مُرْدِفُهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمَرْأَةُ، وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ - قَالَ: أَحْسِبُ - اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ» فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا، فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، فَقَامَتِ المَرْأَةُ، فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ المَدِينَةِ - أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى المَدِينَةِ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ.
وروى مسلم (١٨) عن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَالَ: "لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ" قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ. قَالَ: "نَعَمْ الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ. وَلَا فِي الدُّبَّاءِ وَلَا فِي الْحَنْتَمَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى"».
[ ٣ / ٢٢ ]
٩ - حمل بعض العلماء السكوت الذي كان يسكته النبي ﷺ أنَّه من أجل قراءة المأمومين.
وهذا ضعيف من وجوه:
الأول: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد بيَّن السبب في سكوته قبل القراءة وأنَّه من أجل قراءة الاستفتاح، ولو كان ذلك من أجل قراءة المأمومين للفاتحة لبيَّن ذلك.
والثاني: أنَّ الصحيح عدم قراءة المأمومين للفاتحة ولا لغيرها في حال جهر الإمام، وأنَّ قراءة الإمام قراءة لمأمومين.
الثالث: أنَّ سكوته لو كان من أجل قراءة المأمومين للفاتحة فإنَّ الأنسب أن يكون بعد قراءته للفاتحة لا قبلها فإنَّ المؤتم تابع للإمامه.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
«وَنقل ابن بَطَّالٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ الْمَأْمُومُ فِيهَا الْفَاتِحَةَ ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ فِي الْجَوَابِ أَسْكُتُ لِكَيْ يقْرَأ من خَلْفي ورده ابن الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَخْبَرَهُ بِصِفَةِ مَا يَقُولُ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ مَا ذَكَرَ انْتَهَى.
وَهَذَا النَّقْلُ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي "الْإِحْيَاءِ" إِنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إِذَا اشْتَغَلَ الْإِمَامُ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ
[ ٣ / ٢٣ ]
وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ بَلْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّيُّ وَغَيْرُهُ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الْمَأْمُومِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَفِي وَجْهٍ إِنْ فَرَغَهَا قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَؤُهَا إِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ كَمَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ» اهـ.
١٠ - وفيه حرص أبي هريرة على العلم.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ».
١١ - وفيه أنَّ الأنبياء غير معصومين من بعض الذنوب، وهي الصغائر التي ليست من صغائر الخسة، وهم مع ذلك لا يصرون عليها، ولا يقرهم الله تعالى عليها.
١٢ - وقوله: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ». وَالْبَرَدُ بالتحريك حب الغمام، وفيه المبالغة في طلب التطهر من الذنوب فإنَّ اجتماع ثلاثة مطهرات أبلغ من انفراد واحد منها.
١٣ - وفيه مشروعية الدعاء بعد التكبير والقراءة لكنه يكون بما ورد.
* * *
[ ٣ / ٢٤ ]
٨١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيمِ».
قلت: هذا الحديث من أفراد الإمام مسلم ولا وجود له في البخاري، فذكره في هذا الكتاب من أوهام المؤلف ﵀.
قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٤٨):
«وقولها: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه" أي لم يرفعه ومادة اللفظ تدل على الارتفاع ومنه: أشخص بصره إذا رفعه نحو جهة العلو ومنه الشخص لارتفاعه للأبصار. ومنه: شخص المسافر: إذا خرج من منزله إلى غيره. ومنه ما جاء في بعض الآثار فشخص بي أي أتاني ما يقلقني كأنَّه رفع من الأرض لقلقه.
وقولها: "ولم يصوبه" أي لم ينكسه ومن الصيب: المطر صاب يصوب إذا نزل قَالَ الشاعر:
[ ٣ / ٢٥ ]
فلست لإنسي ولكن لملأك … تنزل من جو السماء يصوب» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استفتاح الصلاة بالتكبير دون غيره وبهذا قَالَ جمهور السلف وقَالَ أبو حنيفة يقوم غيره من ألفاظ التعظيم مقامه.
قلت: وهذا خلاف ما دلت عليه الأدلة.
وهنا مسائل:
الأولى: أنَّ الواجب في افتتاح الصلاة التكبير. كما سبق
الثانية: أنَّ لفظ التكبير هو: "الله أكبر" فلا يجوز استبداله بغيره.
وهذا مذهب مالك وأحمد وهو الصحيح.
وأجاز الشافعي: الله الأكبر، وأجاز أبو يوسف: الله الكبير.
ولا يجوز استبدال لفظ الجلالة بغيره في قول جمهور العلماء.
ولو أضاف بعد التكبير شيئًا من الثناء على الله تعالى كأن يقول: الله أكبر وأجل وأعظم، أو والله أكبر كبيرًا، أو والله أكبر من كل شيء فإنَّ التكبير ينعقد باللفظة الأولى وما زاد فمن الإحداث في الدين.
وفي الثناء بين التكبير نزاع قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٣/ ٢٩٢):
[ ٣ / ٢٦ ]
«ولو قَالَ: الله الجليل أكبر أجزأه علي أصح الوجهين ويجريان فيما لو أدخل بين لفظتي التكبير لفظة أخرى من صفات الله بشرط أن لا يطول كقوله: الله ﷿ أكبر فإن طال كقوله: الله الذى لا له إلَّا هو الملك القدوس أكبر لم يجزئه بلا خلاف لخروجه عن اسم التكبير» اهـ.
الثالثة: أنَّ التكبير إنَّما يكون باللغة العربية. إلَّا لعاجز عن التلفظ بها باللغة العربية.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وشذ أبو حنيفة فقَالَ: تجوز الترجمة لمن يحسن العربية ولغيره.
الرابعة: الواجب في التكبير التلفظ به فلا يجزئ إمراره على القلب إلَّا لعاجز عن النطق.
وإذا صحح الحروف بلسانه وأداها على وجهها ولم يسمع أذنيه أجزأه على الصحيح وهو مذهب الإمام مالك وأحد القولين للحنفية.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
قَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١٠٦):
«واختار شيخنا الاكتفاء بالحروف وإن لم يسمعها، وذكره وجهًا» اهـ.
[ ٣ / ٢٧ ]
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ٣٧٠):
«المثال الثاني والأربعون: إذا استحلف على شيء فاحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: إن شاء الله. وهل يشترط أن يسمعها نفسه فقيل: لا بد أن يسمع نفسه. وقَالَ شيخنا: هذا لا دليل عليه بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلمًا وإن لم يسمع نفسه وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة الواجبة» اهـ.
وأوجب بعض العلماء أن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض فإن لم يكن كذلك رفع بحيث يسمع لو كان كذلك، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد.
الخامسة: والواجب في التكبير أن يكون عن قيام.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣١٦):
«فصل: وعليه أن يأتي بالتكبير قائمًا.
فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعًا قبل إنهاء التكبير، لم تنعقد صلاته، إلَّا أن تكون نافلة؛ لسقوط القيام فيها.
ويحتمل أن لا تنعقد أيضًا؛ لأنَّ صفة الركوع غير صفة القعود، ولم يأت التكبير قائمًا ولا قاعدًا.
[ ٣ / ٢٨ ]
ولو كان ممن تصح صلاته قاعدًا، كان عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه.
وقَالَ القاضي: إن كبر في الفريضة، في حال انحنائه إلى الركوع، انعقدت نفلًا؛ لأنَّها امتنع وقوعها فرضًا، وأمكن جعلها نفلًا، فأشبه من أحرم بفريضة، فبان أنَّه لم يدخل وقتها» اهـ.
قلت: والذي يقوى عندي عدم صحة التكبير حال الركوع للمتنفل كما لا تصح قراءته للفاتحة راكعًا. والله أعلم.
السادسة: تكبيرة الإحرام واحدة لا تجوز الزيادة عليها اتفاقًا، فإن زاد بطلت صلاته بالأشفاع ودخل فيها بالأوتار.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٣/ ٢٩٨):
«قَالَ صاحب التلخيص وتابعه القاضي أبو الطيب والبغوي والأصحاب ونقله البندنيجي وإمام الحرمين والغزالي في البسيط ومحمد بن يحيى عن الأصحاب كافة: لو كبر للإحرام أربع تكبيرات أو أكثر دخل في الصلاة بالأوتار وبطلت بالأشفاع وصورته أن ينوي بكل تكبيرة افتتاح الصلاة ولا ينوي الخروج من الصلاة بين كل تكبيرتين فبالأولى دخل في الصلاة وبالثانية خرج منها وبطلت
[ ٣ / ٢٩ ]
وبالثالثة دخل في الصلاة وبالرابعة خرج وبالخامسة دخل وبالسادسة خرج وهكذا أبدًا لأنَّ من افتتح صلاة ثم افتتح أخرى بطلت صلاته لأنَّه يتضمن قطع الأولى فلو نوى بين كل تكبيرتين افتتاح الصلاة أو الخروج منها فبالنية يخرج من الصلاة وبالتكبير يدخل فلو لم ينو بالتكبيرة الثانية وما بعدها افتتاحًا ولا دخولًا ولا خروجًا صع دخوله بالأولى ويكون باقي التكبيرات ذكرًا لا تبطل به الصلاة» اهـ.
السابعة: ويجب الابتعاد عن الزيادة والمد في لفظ التكبير والوقف بين كلمتيه.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (٣/ ٢٩٢):
«ويجب الاحتراز في التكبير عن الوقفة بين كلمتيه وعن زيادة تغير المعنى فإن وقف أو قَالَ الله أكبر بمد همزة الله أو بهمزتين أو قَالَ: الله أكبار، أو زاد واوًا ساكنة أو متحركة بين الكلمتين لم يصح تكبيره.
قَالَ الشيخ أبو محمد الجويني في "التبصرة": ولا يجوز المد إلَّا علي الألف التي بين اللام والهاء ولا يخرجها بالمد عن حد الاقتصاد للإفراط» اهـ.
قلت: إذا مد همزة الله أو أكبر صارت استفهامًا وتغير المعنى، وهكذا إذا قرأ: الله بهمزتين صارت استفهامًا.
[ ٣ / ٣٠ ]
وإذا قَالَ: الله أكبار فسد المعنى فإنَّ أكبار جمع كبر وهو الطبل، ولو كسر مع ذلك الهمزة صار إكبار وهو من أسماء الحيض.
الثامنة: لا بد من الترتيب في التكبير فلا يصح أن يقول: أكبر الله ولا الأكبر الله، وصححه ذلك بعض الشافعية.
التاسعة: لا يستحب للعاجز عن النطق أن يحرك لسانه لأنَّه من العبث.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣١٥):
«فصل: فإن كان أخرس أو عاجزًا عن التكبير بكل لسان، سقط عنه، وقَالَ القاضي: عليه تحريك لسانه؛ لأنَّ الصحيح يلزمه النطق بتحريك لسانه، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر.
ولا يصح هذا؛ لأنَّه قول عجز عنه، فلم يلزمه تحريك لسانه في موضعه كالقراءة، وإنَّما لزمه تحريك لسانه بالتكبير مع القدرة عليه ضرورة يوقف التكبير عليها، فإذا سقط التكبير سقط ما هو من ضرورته، كمن سقط عنه القيام، سقط عنه النهوض إليه، وإن قدر عليه.
ولأنَّ تحريك اللسان من غير نطق عبث لم يرد الشرع به، فلا يجوز في الصلاة، كالعبث بسائر جوارحه» اهـ.
[ ٣ / ٣١ ]
٢ - وفيه رد على من استحب استفتاح الصلاة بالتلفظ بالنية.
٣ - واحتج به الإمام مالك في قوله بأنَّ البسملة ليست من فاتحة الكتاب.
وأجاب القائلون بأنَّها من فاتحة الكتاب بأنَّ معنى الحديث أنَّه يبتدئ القرآن بسورة الحمد لله رب العالمين لا بسورة أخرى فالمراد بيان السورة التي يبتدئ بها، وليس المراد أنَّه لا يتلفظ بشيء قبل الحمد.
قلت: والصحيح في ذلك أنَّها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها بل هي آية مستقلة في القرآن يستفتح بها السور.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٤٠٦):
«وتوسط أكثر فقهاء الحديث كأحمد ومحققي أصحاب أبي حنيفة فقَالَوا: كتابتها في المصحف تقتضي أنَّها من القرآن للعلم بأنَّهم لم يكتبوا فيه ما ليس بقرآن لكن لا يقتضي ذلك أنَّها من السورة؛ بل تكون آية مفردة أنزلت في أول كل سورة كما كتبها الصحابة سطرًا مفصولًا كما قَالَ ابن عباس: كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فعند هؤلاء هي آية من كتاب الله في أول كل سورة كتبت فيه. وليست من السور. وهذا هو المنصوص عن أحمد في غير موضع. ولم يوجد عنه نقل صريح بخلاف ذلك وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره. وهو أوسط الأقوال وأعدلها» اهـ.
[ ٣ / ٣٢ ]
قلت: والدليل على أنَّها ليست من فاتحة الكتاب ما رواه مسلم (٣٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«" مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثًا - غَيْرُ تَمَامٍ" فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَقَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي.
وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.
وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي.
فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
[ ٣ / ٣٣ ]
قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨): «فهذا الحديث صحيح صريح في أنَّها ليست من الفاتحة ولم يعارضه حديث صحيح صريح» اهـ.
وقَالَ ﵀ (٢٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣): «وقد روى عبد الله بن زياد بن سمعان - وهو كذاب - أنَّه قَالَ: في أوله فإذا قَالَ: بسم الله الرحمن الرحيم. قَالَ: ذكرني عبدي ولهذا اتفق أهل العلم على كذب هذه الزيادة وإنَّما كثر الكذب في أحاديث الجهر؛ لأنَّ الشيعة ترى الجهر وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم؛ ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنَّهم يذكرون من السنة المسح على الخفين وترك الجهر بالبسملة كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك؛ لأنَّ هذا كان من شعار الرافضة. ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك الجهر بها قَالَ: لأنَّ الجهر بها صار من شعار المخالفين كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعي إلى تسنمة القبور؛ لأنَّ التسطيح صار من شعار أهل البدع. فحديث أبي هريرة دليل على أنَّها ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة المقسومة» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٤٣ - ٤٥):
«والدليل على أنَّها ليست من الفاتحة ما ثبت في "الصحيح" من حديث أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "قَالَ الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين
[ ٣ / ٣٤ ]
عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قَالَ العبد: الحمد لله رب العالمين، قَالَ الله تعالى: حمدني عبدي … " الحديث.
فإن قيل: إذا لم تكن من الفاتحة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ الفاتحة سبع آيات، فكيف توزع السبع الآيات على الفاتحة إذا أخرجنا البسملة منها؟
فالجواب: أنَّها توزع كالآتي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الأولى. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. الثانية. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. الثالثة. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. الرابعة. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الخامسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. السادسة. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ السابعة.
هذا التوزيع هو المطابق للمعنى واللفظ.
أمَّا مطابقته للفظ: فإننا إذا وزعنا الفاتحة على هذا الوجه صارت الآيات متناسبة ومتقاربة. لكن إذا قلنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه الآية السادسة. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت السابعة طويلة لا تتناسب مع الآية السابقة، فهذا تناسب لفظي.
وأمَّا التناسب المعنوي: فإنَّ الله تعالى قَالَ: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قَالَ العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قَالَ الله
[ ٣ / ٣٥ ]
تعالى: حمدني عبدي. وإذا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قَالَ: أثنى علي عبدي. وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قَالَ: مجدني عبدي. فهذه ثلاث آيات كلها لله.
فإذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". فيقتضي أن تكون النصف هي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهي الرابعة. والخامسة، والسادسة والسابعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فتكون الآيات الثلاث الأولى لله تعالى، والآيات الثلاث الأخيرة للعبد و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. الآية الوسطى، بين العبد وبين ربه.
فإن قَالَ قائل: إذا قلتم ذلك فكيف الجواب عما نجده في المصاحف: أنَّ أول آية في الفاتحة هي البسملة؟
فالجواب: هذا الترقيم على قول بعض أهل العلم: أنَّ البسملة آية من الفاتحة. ولهذا في بقية السور لا تعد من آياتها ولا ترقم. والصحيح أنَّها ليست من الفاتحة، ولا من غير الفاتحة، بل هي آية مستقلة» اهـ.
قلت: والدليل على أنَّها ليست بآية من مبادئ السور ما رواه أحمد (٧٩٦٢، ٨٢٥٩)، وأبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٢٨٩١)
مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِىِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
[ ٣ / ٣٦ ]
«سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾».
قلت: وفي إسناده عباس الجُشَمِي لم يوثقه معتبر.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٤٥٩):
«وأعله البخاري في "التاريخ الكبير" بأنَّ عباسًا الجشمي لا يعرف سماعه من أبي هريرة، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، وله شاهد من حديث ثابت عَنْ أَنَسٍ، رواه الطبراني في الكبير بإسناد صحيح» اهـ.
قلت: وهو ما رواه الطبراني في [المعجم الأوسط] (٣٦٥٤)، وفي [الصغير] (٤٩٠) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ يَحْيَى الطَّبِيبُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ قَالَ: نا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هِيَ إِلَّا ثَلَاثُونَ آيَةً، خَاصَمَتْ عَنْ صَاحِبِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ».
قلت: وإسناده صحيح كما قَالَ الحافظ ﵀.
قلت: وسورة تبارك ثلاثون آية باتفاق العلماء من غير البسملة.
وروى البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) عن عائشة أم المؤمنين أنها قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ
[ ٣ / ٣٧ ]
حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ"، قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٢] …» الحديث.
قلت: والشاهد من الحديث أنَّ جبريل ﵇ لم يأمر نبينا بقراءة البسملة، ولو كانت من السورة لأمره بها.
٤ - واحتج به للإمام مالك ﵀ في قوله لا ذكر بين تكبيرة الإحرام وفاتحة الكتاب.
قلت: والصحيح أنَّه لا ذكر يجهر به وإلَّا فقد دلت الأدلة على الاستفتاح والاستعاذة والبسملة بينهما، فعائشة ﵂ ذكرت في هذا الحديث ما كان يجهر به في أول صلاته دون ما كان يسر به.
٥ - وفيه أن السنة للراكع أن يسوي رأسه مع ظهره.
وهذه التسوية مستحبة عند أكثر العلماء والركوع يحصل عندهم بالانحناء الذي يخرج به عن القيام وإن لم يأت بالصفة المذكورة في هذا الحديث.
[ ٣ / ٣٨ ]
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤١٠):
«"فرع" في مذاهب العلماء في حد الركوع: مذهبنا أنَّه يجب أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبته ولا يجب وضعهما علي الركبتين وتجب الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين وبهذا كله قَالَ مالك وأحمد وداود وقَالَ أبو حنيفة يكفيه في الركوع أدنى انحناء ولا تجب الطمأنينة في شيء من هذه الأركان» اهـ.
قلت: وقد جاء في تسوية الظهر في الركوع ما رواه البخاري (٨٢٨) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: «أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ …». الحديث.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٢):
«ومعنى: "هصر ظهره": ثناه وأماله. ويقَالَ: الهصر عطف الشيء الرطب كالغصن إذا ثناه ولم يكسره، فشبه إمالة الظهر وانحناءه في الركوع بذلك ويظهر من تبويب البخاري تفسير الهصر بالاستواء والاعتدال، وكذا قَالَ الخطابي قَالَ: هصر ظهره: أي ثناه ثنيًا شديدًا في استواءٍ من رقبته ومتن ظهره لا يقوسه، ولا يتحادب فيه» اهـ.
[ ٣ / ٣٩ ]
قلت: ومن السنن أيضًا في الركوع أن يقبض بكفيه على ركبتيه، ويجافي عن جنبيه.
لما رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦٠) مِنْ طَرِيقِ فُلَيْحٍ حَدَّثَنِى عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أُسَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَذَكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا قَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَتَجَافَى عَنْ جَنْبَيْهِ …». الحديث.
قلت: وهو حديث حسن من أجل فليح بن سليمان فإنَّه حسن الحديث.
وقَالَ في [عون المعبود] (٢/ ٣٠٥):
«"ووتر يديه" أي: عوجهما من التوتير وهو جعل الوتر على القوس "فتجافي عن جبينه" أي: نحي مرفقيه عن جنبيه حتى كأن يده كالوتر وجنبه كالقوس
وفي النهاية: أي جعلهما كالوتر من قولك وترت القوس وأوترته شبه يد الراكع إذا مدها قابضًا على ركبتيه بالقوس إذا أوترت» اهـ.
قلت: ومن السنن أيضًا في الركوع التفريج بين أصابع اليدين.
لما رواه أبو داود (٧٣١) من حديث أبي حميد الساعدي وفيه: «فَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ غَيْرَ مُقْنِعٍ رَأْسَهُ وَلَا صَافِحٍ بِخَدِّهِ».
قلت: وفي إسناده ابن لهيعة.
[ ٣ / ٤٠ ]
وله شاهد من حديث وائل بن حجر ﵁ رواه الحاكم في [مستدركه] (٨١٧)، وابن خزيمة في [صحيحه]، والبيهقي (٢/ ١١٢)، والدارقطني (١٢٦٨)، وابن حبان (١٩٢٠) والطبراني في [معجمه الكبير] (٢٦) مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ أَصَابِعَهُ».
قَالَ الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه اهـ.
قلت: هذا لفظ الحاكم وابن خزيمة وزاد الآخرون في حديثهم: «وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ».
قلت: هشيم مدلس وقد عنعن.
وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن حبان (١٨٨٧) مِنْ طَرِيقِ سِنَانِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلأَنْصِارِي:
«فَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ ثُمَّ فَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ».
قلت: وسنان هذا لم يوثقه معتبر، فالحديث حسن بهذه الشواهد.
وأوجب العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ٢٨٦) وضع اليدين على الركبتين فقَالَ: «مسألة: والركوع في الصلاة فرض، والطمأنينة في الركوع حتى تعتدل جميع أعضائه ويضع فيه يديه على ركبتيه -: فرض، لا صلاة لمن ترك شيئًا
[ ٣ / ٤١ ]
من ذلك عامدًا. ومن ترك ذلك ناسيًا ألغاه وأتم صلاته كما أمر، ثم سجد للسهو» اهـ.
وأوجب العلامة الألباني ﵀ وضع اليدين على الركبتين وغير ذلك مما تقدم فقَالَ في [تمام المنة] (ص: ١٨٩):
«وبهذه المناسبة أقول:
يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلَّا بتحقيق ما يأتي:
١ - وضع اليدين على الركبتين.
٢ - تفريج أصابع الكفين.
٣ - مد الظهر.
٤ - التمكين للركوع والمكث فيه حتى يأخذ كل عضو مأخذه.
وهذا كله ثابت في روايات عديدة لحديث المسيء صلاته وهو مخرج في "صفة الصلاة" ص ١٣٣ - ١٣٤ - طبع المكتب الإسلامي» اهـ.
أقول: ولم يذكر ﵀ له سلفًا وجوب ذلك.
٦ - وفيه الاستواء قائمًا بعد الرفع من الركوع وهو ركن من أركان الصلاة في مذهب أكثر العلماء.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٨٢):
[ ٣ / ٤٢ ]
«فصل: وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب وبه قَالَ الشافعي وقَالَ أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك لا يجب لأنَّ الله تعالى لم يأمر به وإنَّما أمر بالركوع والسجود والقيام فلا يجب غيره ولأنَّه لو كان واجبًا لتضمن ذكرًا واجبًا كالقيام الأول.
ولنا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر به المسيء في صلاته وداوم على فعله فيدخل في عموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقولهم لم يأمر الله به قلنا: قد أمر بالقيام وهذا قيام ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم يجب امتثاله وقد أمر به وقولهم لا يتضمن ذكرًا واجبًا ممنوع ثم هو باطل بالركوع والسجود فإنَّهما ركنان ولا ذكر فيهما واجب على قولهم» اهـ.
٧ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفصل بين السجدتين بالجلوس بينهما.
قَالَ العلامة النووي ﵀ كما في [المجموع] (٣/ ٤٤٠):
«"فرع" في مذاهب العلماء في الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه: مذهبنا أنَّهما واجبان لا تصح الصلاة إلَّا بهما وبه قَالَ جمهور العلماء وقَالَ أبو حنيفة لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس بل يكفي أن يرفع رأسه عن الأرض أدني رفع ولو كحد السيف، وعنه وعن مالك أنَّهما قَالَا يجب أن يرتفع بحيث يكون إلي العقود أقرب منه وليس لهما دليل يصح التمسك به ودليلنا قوله ﷺ "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" رواه البخاري من رواية أبي هريرة ورواه أبو داود والترمذي
[ ٣ / ٤٣ ]
من حديث رفاعة بن رافع وقد سبق بيان هذا وغيره من الأدلة في مسألة وجوب الاعتدال عن الركوع» اهـ.
٨ - واحتج به لأبي حنيفة في قوله بالافتراش في جميع الجلسات.
قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١٤٩):
«ومالك اختار التورك وهو أن يفضي بوركه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى.
والشافعي فرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير ففي الأول اختار الافتراش على التورك وفي الثاني اختار التورك وقد ورد أيضًا هيئة التورك فجمع الشافعي بين الحديثين فحمل الافتراش على الأول وحمل التورك على الثاني وقد ورد ذلك مفصلًا في بعض الأحاديث ورجح من جهة المعنى بأمرين ليسا بالقويين.
أحدهما: أنَّ المخالفة في الهيئة قد تكون سببًا للتذكر عند الشك في كونه في التشهد الأول أو في التشهد الأخير.
والثاني: والثاني أن الافتراش هيئة استيفاز فناسب أن تكون في التشهد الأول لأن المصلي مستوفز للقيام والتورك هيئة اطمئنان فناسب الأخير والاعتماد على النقل أولى» اهـ.
قلت: وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى الافتراش في التشهد الأوسط، وهكذا الافتراش في الصلاة الثنائية، وذهب إلى التورك في التشهد الأخير في الصلاة ذات التشهدين كالثلاثية والرباعية، وأمَّا الشافعي ﵀ فإنَّه يرى التورك في التشهد
[ ٣ / ٤٤ ]
الأخير من الصلاة ذات التشهد الواحد أو ذات التشهدين، وأمَّا الإمام مالك فذهب إلى التورك في كل تشهد، وقابله أبو حنيفة فرأى الافتراش في كل تشهد.
قلت: والصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ فإنَّ السنة قد دلت على الافتراش في التشهد الأول في الصلاة ذات التشهدين والتورك في التشهد الآخر.
فروى البخاري (٨٢٨) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: «أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٨):
«وذكر الخلال، عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قَالَ: سئل أحمد بن حنبل عن حديث أبي حميد الساعدي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في رفع الأيدي؟ فقَالَ: صحيح» اهـ.
[ ٣ / ٤٥ ]
قلت: وقد جاءت السنة بصفة أخرى للتورك فروى مسلم (١٣٠٧) عن عبد الله بن الزبير قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ».
قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٤٥):
«الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن الزبير: أنه ﷺ كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخرقي في "مختصره" وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه الأيمن وفي نصب اليمنى ولعله كان يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا أظهر» اهـ.
قلت: وحديث عائشة هذا يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفترش بعد كل ركعتين فيدخل في ذلك التشهد الأوسط في الصلاة ذات التشهدين، والتشهد الذي يعقب الركعتين في الصلاة الثنائية. والله أعلم.
لكن قَالَ الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ٢٠٥) - بعد ذكره لهذا الحديث -:
«اسم أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي لم يسمع من عائشة وحديثه عنها مرسل» اهـ.
قلت: قَالَ الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (١/ ٣٣٤):
[ ٣ / ٤٦ ]
«قلنا: يكفينا أنَّه حديث أودعه مسلم صحيحه، وأبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد اللّه الربعي ثقة كبير لا ينكر سماعه من عائشة، وقد احتج به الجماعة، وبديل بن ميسرة تابعي صغير، مجمع على عدالته وثقته، وقد حدث بهذا الحديث عنه الأئمة الكبار، وتلقاه العلماء بالقبول ولم يتكلم فيه أحد منهم» اهـ.
قلت: وقد رواه البيهقي في [السنن الكبرى] (٢/ ١٥)
مِنْ طَرِيقِ عبد الله بن شقيق عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]».
٩ - وفيه النهي عن عقبة الشيطان.
وفي لفظ لمسلم (٤٩٨): «وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ».
قَالَ العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٣/ ٢٦٨):
«وَفِيهِ "أَنَّهُ نَهى عَنْ عَقِب الشَّيْطَانِ فِي الصَّلَاةِ" وَفِي رِوَايَةٍ "عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ" هُوَ أَنْ يَضَع ألْيتيه عَلَى عَقِبَيْه بَيْنَ السَّجدَتين، وَهُوَ الَّذِي يجعَلُه بعضُ النَّاسِ الإقْعاءِ.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتْرك عَقِبَيْه غَيْرَ مَغْسُولَين فِي الْوُضُوءِ» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ كما في [شرح مسلم] (٤/ ٢١٤):
«وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه وهو أن يلصق ألييه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب وغيره من السباع» اهـ.
[ ٣ / ٤٧ ]
قلت: تفسير ذلك بأن يلصق ألييه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب مشكل، وذلك أنَّ "عقب، وعقبة" مأخوذ من عقب القدم وهو مؤخره، وهذه الصفة المذكورة لا علاقة لها بالعقب.
والأحسن في الجمع بين الحديثين أن يقَالَ ما ذكره الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ١٧٣):
«وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ "يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى" فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلَا يَكُونَ مُنَافِيًا لِمَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وأمَّا تفسير إقعاء الكلب بما سبق فيستقيم، وقد جاء في ذلك ما ومن ذلك ما رواه أحمد (٨٠٩١) عن أبي هريرة قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ».
قلت: هذا حديث حسن بشواهده.
وهناك إقعاء آخر يستحب فعله في بعض الأوقات وهو أن ينصب عقبيه ويجلس عليهما، لما رواه مسلم (٥٣٦) عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ:
[ ٣ / ٤٨ ]
«قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِيَ السُّنَّةُ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ».
قَالَ الحافظ البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ١٢٠):
«فهذا الإقعاء المرخص فيه أو المسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمرو هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض ويضع أليتيه على عقبيه ويضع ركبتيه بالأرض» اهـ.
قلت: وقد فسره بعض العلماء بفرش القدمين والجلوس على القدمين.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٩٨ - ٥٩٩):
«فصل: ويكره الإقعاء وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه بهذا وصفه أحمد. قَالَ أبو عبيد: هذا قول أهل الحديث، والإقعاء عند العرب جلوس الرجل على أليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع ولا أعلم أحدًا قَالَ باستحباب الإقعاء على هذه الصفة فأمَّا الأول فكرهه علي وأبو هريرة وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وعليه العمل عند أكثر أهل العلم وفعله ابن عمر وقَالَ: لا تقتدوا بي فإنِّي قد كبرت. وقد نقل مهنا عن أحمد أنَّه قَالَ: لا أفعله ولا أعيب من فعله وقَالَ: العبادلة كانوا يفعلونه. وقَالَ طاووس: رأيت العبادلة يفعلونه ابن عمر وابن عباس وابن الزبير. وعن ابن عباس أنَّه قَالَ: من السنة أن تمس إليتيك قدميك وقَالَ طاووس قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في
[ ٣ / ٤٩ ]
السجود فقَالَ: هي السنة قَالَ: قلنا إنا لنراه جفاء بالرجل فقَالَ هي سنة نبيك رواه مسلم وأبو داود.
ولنا: ما روى الحارث عن علي قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: "لا تقع بين السجدتين".
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب" رواهما ابن ماجه وفي صفة جلوس رسول الله ﷺ في حديث أبي حميد: "ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها"، وفي حديث عائشة: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى وينهى عن عقبة الشيطان". وهذه الأحاديث أكثر وأصح فتكون أولى: وأما ابن عمر فإنه كان يفعل ذلك لكبره ويقول: لا تقتدوا بي» اهـ.
قلت: الصحيح أنَّ هذا الإقعاء يستحب ولا يكره لحديث ابن عباس السابق فإنَّه وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع.
وأمَّا حديث علي فرواه أحمد (١٢٤٣)، والترمذي (٢٨٢)، وابن ماجه (٨٩٤)
مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«يَا عَلِيُّ، أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ».
[ ٣ / ٥٠ ]
فيه الحارث الأعور لا يعتمد عليه وقد كذبه غير واحد من العلماء. وهو محمول على فرض صحته على الإقعاء كإقعاء الكلب جمعًا بين الحديثين.
وأمَّا حديث أنس فرواه ابن ماجه (٨٩٦) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بَيْنَ قَدَمَيْكَ، وَأَلْزِقْ ظَاهِرَ قَدَمَيْكَ بِالأَرْضِ».
قلت: العلاء هذا هو ابن زيد قَالَ فيه علي بن المديني: «كان يضع الحديث».
وقَالَ الحاكم: «يروى عَنْ أَنَسٍ أحاديث موضوعة» اهـ.
قلت: وهو على فرض صحته فإنَّما فيه النهي عن إقعاء كإقعاء الكلب.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٣٩):
«فالصواب الذي لا يجوز غيره أنَّ الإقعاء نوعان كما ذكره البيهقي وأبو عمرو.
أحدهما مكروه. والثاني جائز أو سنة وأمَّا الجمع بين حديثي ابن عباس وابن عمر وأحاديث أبي حميد ووائل وغيرهما في صفة صلاة رسول الله ﷺ ووصفهم الافتراش علي قدمه اليسرى فهو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانت له في الصلاة أحوال حال يفعل فيها هذا وحال يفعل فيها ذاك كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك من أنواعها وكما توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا وكما طاف راكبًا وطاف ماشيًا وكما أوتر أول الليل وآخره وأوسطه
[ ٣ / ٥١ ]
وانتهى وتره إلى الحسر وغير ذلك كما هو معلوم من أحواله صلي الله تعالي عليه وسلم وكان يفعل العبادة علي نوعين أو أنواع ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة ويواظب على الأفضل بينهما على أنَّه المختار والأولي. فالحاصل أنَّ الإقعاء الذي رواه ابن عباس وابن عمر فعله النبي ﷺ علي التفسير المختار الذي ذكره البيهقي وفعل ﷺ ما رواه أبو حميد وموافقوه من جهة الافتراش وكلاهما سنة لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر وهي رواية أبي حميد لأنَّه رواها وصدقه عشرة من الصحابة كما سبق ورواها وائل بن حجر وغيره وهذا يدل على مواظبته صلى الله تعالي عليه وسلم عليها وشهرتها عندهم فهي أفضل وأرجح مع أنَّ الإقعاء سنة أيضًا فهذا ما يسر الله الكريم من تحقيق أمر الإقعاء» اهـ.
١٠ - وفيه النهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع.
١١ - وفيه النهي عن التشبه بالحيوان.
قلت: وذلك يكون ببسط الذراعين في الأرض.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٣٢/ ٢٥٦ - ٢٦٠): «فصل:
"التشبه بالبهائم" في الأمور المذمومة في الشرع مذموم منهي عنه: في أصواتها وأفعالها؛ ونحو ذلك مثل: أن ينبح نبيح الكلاب؛ أو ينهق نهيق الحمير ونحو ذلك. وذلك لوجوه:
[ ٣ / ٥٢ ]
أحدها: أنا قررنا في "اقتضاء الصراط المستقيم" نهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه؛ بالأعراب وبالأعاجم وبأهل الكتاب ونحو ذلك: في أمور من خصائصهم وبينا أنَّ من أسباب ذلك أنَّ المشابهة تورث مشابهة الأخلاق؛ وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب اكتسب من أخلاقها: كالكلابين والجمالين. وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة القلوب: أهل الإبل ومن مدح أهل الغنم؛ فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي مذمومة بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقًا فيما هو من خصائصها وإن لم يكن مذمومًا بعينه؛ لأنَّ ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه؛ إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابيًا أو عجميًا خير من كونه كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه؛ لكون ذلك تشبهًا فيما يستلزم النقص ويدعو إليه: فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذمومًا ومنهيًا عنه.
الوجه الثاني: أن كون الإنسان مثل البهائم مذموم؛ قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
الوجه الثالث: أنَّ الله سبحانه إنَّما شبه الإنسان بالكلب والحمار ونحوهما في معرض الذم له كقوله:
[ ٣ / ٥٣ ]
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
وقَالَ تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية. وإذا كان التشبه بها إنَّما كان على وجه الذم من غير أن يقصد المذموم التشبه بها: فالقاصد أن يتشبه بها أولى أن يكون مذمومًا؛ لكن إن كان تشبه بها في عين ما ذمه الشارع: صار مذمومًا من وجهين. وإن كان فيما لم يذمه بعينه: صار مذمومًا من جهة التشبه المستلزم للوقوع في المذموم بعينه. يؤيد هذا:
الوجه الرابع: وهو قوله ﷺ في الصحيح: "العائد في هبته كالعائد في قيئه؛ ليس لنا مثل السوء". ولهذا يذكر: أنَّ الشافعي وأحمد تناظرا في هذه المسألة فقَالَ له الشافعي: الكلب ليس بمكلف. فقَالَ له أحمد: ليس لنا مثل السوء. وهذه الحجة في نفس الحديث؛ فأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يذكر هذا المثل إلَّا ليبين أنَّ الإنسان إذا شابه الكلب كان مذمومًا وإن لم يكن الكلب مذمومًا في ذلك من جهة التكليف؛ ولهذا ليس لنا مثل السوء. والله سبحانه قد بين بقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ أنَّ التمثيل بالكلب مثل سوء والمؤمن منزه عن مثل السوء. فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذمومًا بقدر ذلك المثل السوء.
[ ٣ / ٥٤ ]
الوجه الخامس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب" وقَالَ: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنَّها رأت شيطانًا" فدل ذلك على أنَّ أصواتها مقارنة للشياطين وأنَّها منفرة للملائكة. ومعلوم أنَّ المشابه للشيء لا بد أن يتناوله من أحكامه بقدر المشابهة فإذا نبح نباحها كان في ذلك من مقارنة الشياطين وتنفير الملائكة بحسبه. وما يستدعي الشياطين وينفر الملائكة: لا يباح إلَّا لضرورة؛ ولهذا لم يبح اقتناء الكلب إلَّا لضرورة؛ لجلب منفعة: كالصيد. أو دفع مضرة عن الماشية والحرث حتى قَالَ ﷺ: "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراط".
وبالجملة: فالتشبه بالشيء يقتضي من الحمد والذم بحسب الشبه؛ لكن كون المشبه به غير مكلف لا ينفي التكليف عن المتشبه كما لو تشبه بالأطفال والمجانين. والله سبحانه أعلم.
الوجه السادس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. وذلك لأن الله خلق كل نوع من الحيوان وجعل صلاحه وكماله في أمر مشترك بينه وبين غيره وبين أمر مختص به. فأما الأمور المشتركة فليست من خصائص أحد النوعين؛ ولهذا لم يكن من مواقع النهي؛ وإنما مواقع النهي الأمور المختصة. فإذا كانت الأمور التي هي من خصائص النساء
[ ٣ / ٥٥ ]
ليس للرجال التشبه بهن فيها والأمور التي من خصائص الرجال ليس للنساء التشبه بهم فيها: فالأمور التي هي من خصائص البهائم لا يجوز للآدمي التشبه بالبهائم فيها بطريق الأولى والأحرى. وذلك لأن الإنسان بينه وبين الحيوان قدر جامع مشترك وقدر فارق مختص ثم الأمر المشترك: كالأكل والشرب والنكاح والأصوات والحركات؛ لما اقترنت بالوصف المختص كان للإنسان فيها أحكام تخصه؛ ليس له أن يتشبه بما يفعله الحيوان فيها. فالأمور المختصة به أولى؛ مع أنه في الحقيقة لا مشترك بينه وبينها؛ ولكن فيه أوصاف تشبه أوصافها من بعض الوجوه. والقدر المشترك إنما وجوده في الذهن؛ لا في الخارج. وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفًا بالحقيقة للحيوان وجعل كماله وصلاحه في الأمور التي تناسبه وهي جميعها لا يماثل فها الحيوان؛ فإذا تعمد مماثلة الحيوان وتغيير خلق الله: فقد دخل في فساد الفطرة والشرعة وذلك محرم. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [الفروسية] ص (١٢٢):
«جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقص حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها أو كثيرًا منها الجهال نهى عن نقر كنقر الغراب، والتفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، وافتراش كافتراش السبع، وبروك كبروك الجمل ورفع الأيدي يمينًا وشمالًا عند السلام كأذناب الخيل» اهـ.
[ ٣ / ٥٦ ]
قلت: وقد جاءت السنة في هذا الموطن برفع المرفقين ومجافاة العضدين واستقبال القبلة بأصابع اليدين مع ضمهما وجعلهما إمَّا في محاذاة الكتفين أو الأذنين.
١٢ - وفيه أنَّ الصلاة تختم بالتسليم خلافًا لأبي حنيفة فقد ذهب إلى أنَّ الصلاة يخرج منها بأي مبطل من مبطلاتها.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢١٥ - ٢١٦):
«واختلف العلماء فيه فقَالَ مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وجمهور العلماء من السلف والخلف السلام فرض ولا تصح الصلاة إلَّا به. قَالَ أبو حنيفة والثوري والأوزاعي ﵃ هو سنة لو تركه صحت صلاته» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀: «والجمهور أنَّ المشروع تسليمتان ومذهب مالك رحمه الله تعالى في طائفة المشروع تسليمة، وهو قول ضعيف عن الشافعي رحمه الله تعالى ومن قَالَ بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة وشذ بعض الظاهرية والمالكية فأوجبها وهو ضعيف مخالف لإجماع من قبله والله أعلم» اهـ.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٩١ - ٩٤):
«وقد روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء -: قَالَه ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم.
[ ٣ / ٥٧ ]
وقَالَ الإمام أحمد: لا نعرف عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في التسليمة الواحدة إلَّا حديثًا مرسلًا لابن شهاب الزهري، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. انتهى.
ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها.
ومن أشهرها: حديث زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئًا.
خرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير، به.
وقَالَ: لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من هذا الوجه. قَالَ محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه.
وخرجه ابن ماجه مِنْ طَرِيقِ عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير، به، مختصرًا.
وخرجه الحاكم، وقَالَ: صحيح على شرطهما.
وأخطأ فيما قَالَ؛ فإنَّ روايات الشاميين عن زهير مناكير عند أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم.
قَالَ أحمد -في رواية الأثرم-: أحاديث التنيسي عن زهير بواطيل. قَالَ: وأظنه قَالَ: موضوعة. قَالَ: فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة. فقَالَ: مثل هذا.
وذكر ابن عبد البر: أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث، فضعفه.
[ ٣ / ٥٨ ]
وقَالَ أبو حاتم الرازي: هو منكر، إنَّما هو عن عائشة -موقوف.
وكذا رواه وهيب بن خالد، عن هشام.
وكذا رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، عن هشام، عن أبيه -موقوفًا.
قَالَ الوليد: فقلت لزهير: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قَالَ: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سلم تسليمة واحدة.
قَالَ العقيلي: حديث الوليد أولى. يعني: من حديث عمرو بن أبي سلمة.
قَالَ: وعمرو في حديثه وهم.
قَالَ الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم.
وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام، عن عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ بالليل، أنَّه كان يسلم تسليمة يسمعنا.
وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: يسلم تسليمة واحدة: "السلام عليكم" يرفع بها صوته، حتى يوقظنا.
وقد حمله الإمام أحمد على أنَّه كان يجهر بالواحدة، ويسر الثانية.
وروي عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة.
خرجه الطبراني والبيهقي.
[ ٣ / ٥٩ ]
ورفعه خطأ، إنَّما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميد، عنه، عَنْ أَنَسٍ، من فعله.
وروى جرير بن حازم، عن أيوب، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. خرجه البزار في "مسنده".
وأيوب، رأى أنسًا، ولم يسمع منه-: قَالَه أبو حاتم.
وقَالَ الأثرم: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب.
وروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة: ثنا أبي، عن الحسن، عن سمرة: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة واحدة قبالة وجهه، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره.
خرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم، وخرجه بقي بن مخلد مختصرًا.
وروح هذا، ضعفه ابن معين وغيره، وقَالَ الأثرم: لا يحتج به.
وفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة، لضعف أسانيدها.
وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك: فمنهم من كان يسلم ثنتين، ومنهم من كان يسلم واحدة.
قَالَ عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة.
وأكثر أهل العلم على التسليمتين.
[ ٣ / ٦٠ ]
وممن روي عنه ذلك من الصحابة: أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار وسهل بن سعد ونافع بن عبد الحارث.
وروي عن عطاء والشعبي وعلقمة ومسروق وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمون وأبي وائل وأبي عبد الرحمن السلمي.
وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وحكي عن الأوزاعي.
وروي التسليمة الواحدة عن ابن عمر وأنس وعائشة وسلمة بن الأكوع، وروى عن عثمان وعلي -أيضًا-، وعن الحسن وابن سيرين وعطاء -أيضًا - وعمر بن عبد العزيز والزهري، وهو قول مالك والأوزاعي والليث. وهو قول قديم للشافعي.
وحكاه أحمد عن أهل المدينة، وقَالَ: ما كانوا يسلمون إلَّا واحدة. قَالَ: وإنَّما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم. يعني: في ولاية بني العباس.
وقَالَ الليث: أدركت الناس يسلمون تسليمة واحدة.
وقد اختلف على كثير من السلف في ذلك، فروى عنهم التسليمتان، وروي عنهم التسليمة الواحدة، وهو دليل على أنَّ ذلك كان عندهم سائغًا، وإن كان بعضه أفضل من بعض، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة، وعلى أهل العراق التسليمتان.
[ ٣ / ٦١ ]
وحكي للشافعي قول ثالث قديم -أيضًا-، وقيل: إنَّ الربيع نقله عنه، فيكون حينئذ جديدًا -: أنَّه إن كان المصلي منفردًا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة، وإلَّا فتسليمتان.
والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنَّه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعًا ممن يحفظ عنه من أهل العلم.
وذهب طائفة منهم إلى أنَّه لا يخرج من الصلاة إلَّا بالتسليمتين معًا، وهو قول الحسن بن حي وأحمد -في رواية عنه - وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر.
واستدلوا بقوله ﵇: "تحليلها التسليم"، وقَالَوا: التسليم إلى ما عهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقد كان يسلم تسليمتين.
ومن ذهب إلى قول الجمهور، قَالَ: التسليم مصدر، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عددًا، فيدخل فيه التسليمة الواحدة.
واستدلوا بأنَّ الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين، ومنهم من يسلم تسليمة واحدة، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد روي عن جماعة منهم التسليمتان والتسليمة الواحدة، فدل على أنَّهم كانوا يفعلون أحيانًا هذا وأحيانًا هذا، وهذا إجماع منهم على أنَّ الواحدة تكفي.
[ ٣ / ٦٢ ]
قَالَ أكثر أصحابنا: ومحل الخلاف عن أحمد في الصلاة المكتوبة، فأمَّا التطوع فيجزئ فيه تسليمة، واستدلوا بحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالليل، وقد سبق ذكره.
وخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها.
وقد تأول حديث عائشة في هذا المعنى على أنَّه كان يسمعهم واحدة ويخفي الثانية، وقد نص أحمد على ذلك، وأنَّ الأولى تكون أرفع من الثانية في الجهر.
وقد روى أبو رزين، قَالَ: سمعت عليًا يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله، والتي عن شماله أخفض.
ومن أصحابنا من قَالَ: يجهر بالثانية ويخفض بالأولى، وهو قول النخعي» اهـ.
قلت: والصحيح أنَّ السلام من الصلاة ينتهي إلى الرحمة.
وجاءت زيادة و"بركاته" في التسليمة الثانية وهي من الزيادات الواردة في بعض نسخ أبي داود وقد ذكرها غير واحد من العلماء المتقدمين وعزوها إلى أبي داود كالعلامة النووي ﵀ فقد قَالَ في [المجموع] (٣/ ٤٧٩) - بعد ذكره للحديث مع زيادة التكبير في التسليمة الثانية -: «هذا الحديث اسناده في سنن أبي داود إسناد صحيح» اهـ.
[ ٣ / ٦٣ ]
وقَالَ ﵀ في [خلاصة الأحكام] (١٤٥٩): «وَعَنْ وَائِل بن حجر ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ يسلم عَنْ يَمِينه: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَعَنْ شِمَاله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح، وَأَشَارَ بَعضهم إِلَى تَضْعِيفه» اهـ.
والحافظ ابن حجر ﵀ فقد قَالَ في [بلوغ المرام] (٣٢٠): «وعن وائل بن حجر قَالَ "صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" رواه أبو داود بإسناد صحيح» اهـ.
ومنهم العلامة مغلطاي الحنفي ﵀ فقد قَالَ في [شرح ابن ماجه] (ص: ١٥٥٣):
«وحديث وائل بن حجر قَالَ: "صليت مع النبي ﷺ فكان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى شماله: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته". رواه أبو داود بسند صحيح "» اهـ.
ومنهم الحافظ ابن الصلاح قَالَ العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (٤/ ٦٣):
«فائدة: وقع في كتاب "المدخل إلى المختصر" لزاهر السرخسي، و"نهاية إمام الحرمين" و"حلية الروياني" زيادة: "وبركاته" في السلام، قَالَ الشيخ تقي الدين بن الصلاح: هذا الذي ذكره هؤلاء لا يوثق به، وهو شاذ في نقل المذهب، و"أمَّا"
[ ٣ / ٦٤ ]
من حيث الحديث فلم أجده في شيء من الأحاديث، إلَّا في حديث رواه أبو داود من رواية وائل بن حجر "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"» اهـ.
ومنهم العلامة ابن عبد الهادي ﵀ فقد قَالَ في [المحرر] (ص: ٢٠٧):
«وَعَنْ وَائِل بن حجر قَالَ: "صليت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ يسلم عَنْ يَمِينه السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَعَنْ شِمَاله السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح» اهـ.
ومنهم العلامة ابن قدامة ﵀ فقد قَالَ في [المغني] (٢/ ٤٦٢):
«وقد روى وائل بن حجر، قَالَ: "صليت مع رسول الله ﷺ فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". رواه أبو داود» اهـ.
[ ٣ / ٦٥ ]
وقَالَ العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [الإلمام بأحاديث الأحكام] (١/ ١٧٩):
«وَعَنْ وَائِل بن حُجْر ﵁، قَالَ "صليت مَعَ النَّبِي ﷺ فَكَانَ يسلم عَنْ يَمِينه: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، حَتَّى يُرى بَيَاض خَدّه الْأَيْمن، وَعَنْ يسَاره: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، حَتَّى يُرى بَيَاض خَدّه الْأَيْسَر ". أخرجه أَبُو دَاوُد» اهـ.
فجميع هؤلاء أثبتوا زيادة "وبركاته" في التسليمة الثانية في رواية أبي داود، وقد ثبتت هذه الزيادة في بعض نسخ أبي داود المطبوعة أيضًا.
لكن روى البغوي الحديث مِنْ طَرِيقِ أبي داود ولم يذكر "البركة" فقَالَ في [شرح السنة] (٣/ ٢٠٤) رقم (٦٩٦) أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
«صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهُ».
ورواه الطبراني في [الكبير] (١٧٥٨١) مِنْ طَرِيقِ موسى بن قيس الحضرمي، وذكر زيادة "وبركاته" في الأولى وقَالَ:
«هكذا رواه موسى بن قيس، عن سلمة، قَالَ: عن علقمة بن وائل وزاد في السلام: وبركاته» اهـ.
قلت: إسناد أبي داود ظاهره الصحة، وأمَّا ما قَالَه الحافظ ابن معين: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل اهـ ليس بصحيح فقد أثبت سماعه من أبيه الإمام مسلم في "صحيحه" وغيره.
لكن زيادة "وبركاته" في الحديث جاءت مِنْ طَرِيقِ موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل عن علقمة بن وائل عن أبيه.
وقد أخطأ موسى بن قيس في إسناد الحديث ومتنه.
[ ٣ / ٦٦ ]
أمَّا الإسناد فأكثر من روى الحديث عن سلمة بن كهيل لم يذكروا علقمة، وجعلوه من رواية سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر. ومن هؤلاء:
١ - علي بن صالح بن حي وحديثه عند أبي داود (٩٣٤).
٢ - سفيان الثوري، وحديثه عند أحمد (١٨٨٦٢، ١٨٨٧٧)، والترمذي (٢٤٨).
٣ - العلاء بن صالح الأسدي وحديثه عند الترمذي (٢٤٩).
وأمَّا المتن فزاد كلمة: "وبركاته" ولم يتابعه عليها أحد.
وقد جاءت زيادة "البركة" أيضًا في حديث ابن مسعود في بعض نسخ ابن ماجه (٩١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه».
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٢٧١): «وقع في "صحيح ابن حبان" من حديث ابن مسعود زيادة: "وبركاته"، وهي عند ابن ماجه أيضًا» اهـ.
وقَالَ الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ١٩٦):
«قلت: راجعنا سنن ابن ماجه من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه باب التسليم حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عمر بن عبيد عن ابن
[ ٣ / ٦٧ ]
إسحاق عن الأحوص عن عبد الله "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" انتهى بلفظه» اهـ.
وقَالَ صاحب [عون المعبود] (٣/ ٢٩٧) ﵀:
«قَالَ مؤلف "غاية المقصود" لكن نسخة السنن لابن ماجه التي عند شيخنا نذير حسين المحدث أظنها بخط القاضي ثناء الله ﵀ والتي بأيدينا تؤيد كلام ابن رسلان فإنَّها خالية عن هذه الزيادة، لكن الاعتماد في ذلك الباب على نسخة صحيحة مقروءة على الحفاظ كما قَالَه الأمير اليماني في "السبل" فإنَّه رأى هذه الزيادة، وأيضًا قد أثبت هذه الزيادة من رواية ابن ماجه الحافظ في "التلخيص" وغيره من الكتب والله أعلم» اهـ.
قلت: ورواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٧٢٨) نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا عُمَرُ، وَقَالَ زِيَادٌ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
قلت: وقد روى الحديث جماعة عن ابن مسعود ولم يذكروا البركة ومنهم:
١ - الأسود بن يزيد النخعي وحديثه عند النسائي (١١٤٢)، وأحمد (٣٧٣٦).
[ ٣ / ٦٨ ]
٢ - الأسود بن هلال وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٠٠٢٣)، وفي [الأوسط] (٦٨١١).
٣ - علقمة بن قيس النخعي وحديثه عند النسائي (١١٤٢)، وأحمد (٣٧٣٦)، والطبراني في [الأوسط] (٦١٢١).
٤ - مسروق بن الأجدع عند أحمد (٣٨٨٧)، والبزار (١٩٧٢، ١٩٧٤).
وقد اختلف على أبي إسحاق في هذا الحديث في ذكر زيادة "وبركاته" فذكرها عنه عمر بن عبيد كما سبق، وخالفه سفيان الثوري، وذلك فيما رواه أبو داود (٩٩٨) حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان به.
ورواه النسائي (١٣٢٤) أخبرنا عمرو بن علي قَالَ حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق به.
وأحمد (٣٦٩٩) ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي إسحاق به.
وتابع سفيان: علي بن صالح بن حي عند النسائي (١٣٢٢).
والحسين بن واقد عند النسائي (١٣٢٥).
وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عند أحمد (٣٨٤٩).
والحسن بن صالح بن حي عند أحمد (٣٨٧٩).
وزائدة بن قدامة عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٠٦١).
[ ٣ / ٦٩ ]
ورواية الجماعة أصح أضف إلى ذلك أنَّ الإمام أحمد روى (٤٢٨٠) عن عمر بن عبيد ولم يذكر في حديثه زيادة "البركة".
وتابع أحمد أبو بكر بن أبي شيبة وحديثه عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٠٦٠)، ومِنْ طَرِيقِه ابن حبان (١٩٩٠).
وتابعهما يعلى بن عبيد أخو عمر بن عبيد وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٠٠٢٠).
تنبيه/ روى الحديث ابن حبان في [صحيحه] (١٩٩٣) أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
أقول: زيادة و"بركاته" شاذة في حديث سفيان خالف فيها محمد بن كثير سائر الثقات الأثبات الذين رووا الحديث عن سفيان كعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرزاق بن همام، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وعبيد الله بن موسى العبسي، ومحمد بن الحسين الشيباني، وعبد الله بن الوليد وغيرهم.
وقد روى الحديث أبو داود (٩٩٦) عن محمد بن كثير ولم يذكر في حديثه زيادة "وبركاته" فلعل محمد بن كثير كان يرويها بالوجهين وهمًا لا سيما وقد كان رحمه
[ ٣ / ٧٠ ]
الله تؤخذ عليه بعض الألفاظ في الحديث فقد قَالَ الحافظ بن حجر ﵀ في [تهذيب التهذيب] (٩/ ٤١٨): «وقَالَ ابن الجنيد، عن ابن معين: كان في حديثه ألفاظ - كأنَّه ضعفه» اهـ.
وقد طعن شعبة في رفع حديث أبي إسحاق فقد قَالَ أبو داود (١/ ٣٧٨) بعد روايته للحديث: «شعبة كان ينكر هذا الحديث - حديث أبي إسحاق - أن يكون مرفوعًا» اهـ.
وأمَّا ما رواه الطيالسي (٢٨٤) دَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ:
«أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
فلا يثبت فإنَّ عطاء بن السائب مختلط.
وروى الدارقطني (١٣٣٨) ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الزَّعْفَرَانِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ الْخَيَّاطُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى، أَوْ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: عَلَّمَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ التَّشَهُّدَ وَقَالَ: «عَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
[ ٣ / ٧١ ]
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَيْنَا مَعَهُمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَصَلَوَاتُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
قَالَ: وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: «إِذَا سَلَّمَ فَبَلَغَ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَقَدْ سَلَّمَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ».
ابْنُ مُجَاهِدٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ اهـ.
قلت: ابن مجاهد كذبه الثوري، ورماه الحاكم بالوضع.
وخلاصة ما سبق أنَّ زيادة "وبركاته" لا تثبت في التسليمة الأولى ولا الثانية في حديث وائل بن حجر ولا ابن مسعود ﵄.
فائدة: روى مسلم (٤٣١) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ"».
أقول: وهذا يدل على أنَّ المأموم إذا سلم من صلاته ينوي بذلك الخروج من الصلاة والسلام على من على يمينه ومن على يساره، وفي ذلك خلاف بين العلماء، وظاهره أيضًا أنَّ هذا السلام يقوم مقام الرد على من سلم عليه من المأمومين.
[ ٣ / ٧٢ ]
بقى السلام على الإمام فهل يجزئ ما سبق من سلام المأموم عن يمينه ويساره أم يحتاج إلى سلام ثالث يخصه به، في ذلك نزاع بين العلماء، والصحيح الاكتفاء بما سبق.
وقد بوَّب البخاري في "صحيحه": «باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة» اهـ.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٢٤ - ٢٣٢):
«مراده بهذا الحديث في هذا الباب: أنَّ الذين صلوا مع النبي ﷺ في بيت عتبان سلموا مع النبي ﷺ حين سلم من الصلاة، ولم يوجد منهم سوى السلام من الصلاة كسلام النبي ﷺ منها، وفي ذلك رد على من قَالَ: إنَّ المأموم يرد على الإمام سلامه مع تسليمه من السلام إمَّا قبله أو بعده.
وقد قَالَ بذلك طوائف من السلف منهم: ابن عمر وأبو هريرة:
فروي عن ابن عمر، أنَّه كان إذا سلم الإمام رد عليه، ثم سلم عن يمينه، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه وإلَّا سكت.
وروي عنه، أنَّه كان يسلم عن يمينه، ثم يرد على الإمام.
وعن أبي هريرة، أنَّه كان إذا سلم الإمام قَالَ: السلام عليك أيها القارئ.
وقَالَ عطاء: ابدأ بالإمام، ثم سلم على من عن يمينك، ثم على من عن شمالك.
[ ٣ / ٧٣ ]
وعن الحسن وقتادة نحوه.
وقَالَ الشعبي: إذا سلم الإمام فرد عليه.
وكان سالم يفعله.
وقَالَه النخعي.
وقَالَ الزهري: هو سنة.
قَالَ مكحول: كان أصحاب النبي ﷺ يردون على الإمام إذا سلم عليهم.
وقَالَ عطاء - أيضًا -: حق عليك أن ترد على الإمام إذا سلم.
وقَالَ - مرة -: هو مخير، إن شاء رد عليه، وإن شاء صبر حتى يسلم لنفسه، وينوي به الإمام، ومن صلى على جانبيه.
وقَالَ في الرد على الإمام: يرد في نفسه، ولا يسمعه.
وكذا قَالَ حماد.
فإن كان مراد من قَالَ: يرد على الإمام: أنَّه يرد عليه¬ السلام في نفسه، ولا يتكلم به، فهذا الرد إذا فعله في الصلاة لا تبطل به الصلاة، وإن كان مراده: أنَّه يرد بلسانه، كما هو ظاهر أكثرهم، فإنَّه ينبني على أنَّ رد السلام في الصلاة لا يبطل الصلاة، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من السلف، ويأتي ذكره في موضع آخر - إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ٧٤ ]
وقد ينبني - أيضًا -، على أنَّ السلام ليس من فروض الصلاة، وأنَّه يخرج من الصلاة بكل مناف لها من الكلام ونحوه، كما قَالَ ذلك من ذكرنا قوله من قبل.
وأمَّا من قَالَ: إنَّ الرد على الإمام يكون بعد السلام من الصلاة، فهذا لا إشكال فيه؛ فإنَّه قد خرج من الصلاة بالسلام، وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من الأئمة المشهورين.
قَالَ مالك، في المأموم: يسلم تسليمة عن يمينه، وأخرى عن يساره، ثم يرد على الإمام.
قَالَ ابن عبد البر: تحصيل قول مالك في ذلك: أنَّ الإمام يسلم واحدة تلقاء وجهه، ويتيامن بها قليلًا - وأنَّ المصلي لنفسه - يعني: منفردًا - يسلم اثنين - في رواية ابن القاسم، وأنَّ المأموم يسلم ثلاثًا إن كان عن يساره أحد.
واختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام: فمرة قَالَ: يسلم عن يمينه وعن يساره، ثم يرد على الإمام. ومرة قَالَ: يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه، ثم يسلم عن يساره.
وقد روى أهل المدينة عن مالك وبعض المصريين، أنَّ الإمام والمنفرد سواء، يسلم كل واحد منهما تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ويتيامن بها قليلًا.
قَالَ: وكان الليث بن سعد يبدأ بالرد على الإمام، ثم يسلم عن يمينه وعن يساره.
ونقل أبو داود عن أحمد في الرد على الإمام قبل السلام، قَالَ: لا.
[ ٣ / ٧٥ ]
قيل له: فبعده؟ قَالَ: نعم، وإن شاء نوى بالسلام الرد. قَالَ: وما أعرف فيه حديثًا عاليًا يعتمد عليه.
قَالَ القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا: أنَّه مخير في الرد على الإمام بالنية في حال سلامه، أو بالقول بعده، فيقول: السلام عليك أيها القارئ. قَالَ: ويسر به، ولا يجهر.
نقل المروذي عن أحمد في الرجل يرد السلام على الإمام، فقَالَ: إذا نوى بتسليمه الرد فقد رد عليه، فإن فعل رجل فليخفه.
قَالَ: ومعناه: إن رد عليه بالقول فليخفه.
وقَالَ إسحاق: لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلم كما سلم، ولكن اختلفوا: هل يبدأ بالرد عليه قبل السلام، أم يرد عليه بعد السلام؟ قَالَ: وأحب إلي أن يرد بعد السلام. قَالَ وإذا رفع صوته بالرد قدر ما يسمع الإمام والصف الذي يليه جاز، وإن أسره وأسمع أذنيه بالرد على الإمام أجزأه.
وكل من قَالَ: يرد على الإمام قَالَ: يرد عليه بلفظ السلام من غير زيادة، إلَّا ما روي عن أبي هريرة، أنَّه يقَالَ: السلام عليك أيها القارئ، كما سبق.
واختلفوا في المأموم: هل ينوي بسلامه من الصلاة الرد على إمامه، أم لا؟ وفيه قولان:
أحدهما: لا ينوي ذلك، ونص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره، وهو اختيار ابن حامد من أصحابنا؛ لأنَّ السلام ركن من أركان الصلاة، لا يخرج منها بدونه، على
[ ٣ / ٧٦ ]
ما تقدم، والصلاة لا يرد فيها السلام على أحد، بل هو مبطل للصلاة؛ لأنَّه خطاب آدمي، هذا مذهبنا، وقول جمهور العلماء.
وعلى هذا: فهل تبطل صلاته بذلك؟
قَالَ ابن حامد من أصحابنا: إن لم ينو سوى الرد بطلت صلاته، وإن نوى الرد والخروج من الصلاة ففي البطلان وجهان؛ لأنَّه لم يخلص النية لخطاب المخلوق، فأشبه ما لو قَالَ لمن دق عليه الباب: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ينوي به القراءة والإذن له؛ فإنَّ في بطلان الصلاة بذلك روايتين، أصحهما: لا تبطل.
قَالَ أحمد - في رواية جعفر بن محمد -: السلام على الإمام لا نعرف له موضعًا، وتسليم الإمام هو انقضاء الصلاة، ليس هو سلام على القوم، فيجب عليهم أن يردوا، ولكن ابن عمر شدد في هذا، يسلم الرجل وينوي به السلام من الصلاة والرد على الإمام، كأنَّه يقوله على وجه الإنكار لذلك. قيل له: إنَّهم يقولون: إنَّ رد السلام على الإمام واجب.
قَالَ: أرجو أن لا يكون واجبًا، وإن رد فلا بأس.
والقول الثاني: أنَّه ينوي المأموم بسلامه الرد على إمامه، وهو قول عطاء والنخعي وحماد والثوري، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه.
[ ٣ / ٧٧ ]
وهل هو مسنون مستحب، أو جائز؟ فيه روايتان - أيضًا - عن أحمد: قَالَ - في رواية يعقوب بن بختان -: ينوي بسلامه الرد.
وهو اختيار أبي حفص العكبري.
وقَالَ - في رواية غيره -: لا بأس به.
فظاهره: جوازه فقط، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره.
وقَالَ - في رواية ابن هانئ -: إذا نوى بتسليمه الرد على الإمام أجزأه.
وظاهر هذا: أنَّه واجب؛ لأنَّه رد سلام، فيكون فرض كفاية، إلَّا أن يقَالَ: إن المسلم في الصلاة لا يجب الرد عليه، أو يقَالَ: إنَّه يجوز تأخير الرد إلى بعد السلام. ولكن إذا جوزنا تأخيره وجب أحد أمرين: إما أن ينوي الرد بالسلام، أو أن يرد بعد ذلك، وهو قول عطاء كما تقدم.
وتبويب البخاري قد يشعر بذلك؛ لقوله: "واكتفى بتسليم الإمام"، ويحتمل أنَّه أراد أن تسليم الصلاة كاف عن الرد، وإن لم ينو به الرد، كما قَالَه أحمد في رواية.
وقَالَ يحيى بن سعيد الأنصاري: إذا سلمت عن يمينك أجزأك من الرد عليه.
وكذا قَالَ النخعي.
ولم يشترطا أن ينوي بسلامه الرد.
قَالَ أبو حفص العكبري: وينوي بالأولى الخروج من الصلاة، وبالثانية الرد على الإمام والحفظة.
وممن رأى أن ينوي بسلامة الرد على الإمام: أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما.
[ ٣ / ٧٨ ]
ثم قَالَ أصحاب الشافعي: إنَّ كان المأموم عن يمين الإمام نوى بتسليمه الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة والمسلمين من الإنس والجن، وينوي بالثانية ذلك مع الرد على إمامه، وإن كان المأموم عن يسار إمامه نواه في الأولى، وإن كان محاذيًا له نواه في أيتهما شاء، والأولى أفضل -: نص عليه الشافعي في "الأم"، وينوي الإمام بسلامه من عن يمينه ويساره يمينه ويساره من الملائكة والمسلمين من المأمومين وغيرهم، وينوي بعض المأمومين الرد على من بعض. قَالَوا: وكل هذه النيات مستحبة، لا يجب منها شيء.
وقَالَ أصحاب أبي حنيفة: ينوي المصلي بكل تسليمة من في تلك الجهة من الناس والحفظة.
وهل يقدم الآدميين على الملائكة في النية؟ على روايتين عندهم:
أحدهما: يقدم الملائكة؛ لأنَّهم عندهم أفضل.
والثانية: يقدم الناس؛ لمشاهدتهم.
ويدخل المأموم الإمام في الجهة التي هو فيها. فإن كان بحذائه أدخله في اليمين؛ لأنَّهما أفضل.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، قَالَ: إذا كان الإمام عن يمينك ثم سلمت عن يمينك، ونويت الإمام كفى ذلك، وإذا كان عن يسارك ثم سلمت
[ ٣ / ٧٩ ]
عن يسارك ونويت الإمام كفى ذلك - أيضًا -، وإن كان بين يديك فسلم عليه في نفسك، ثم سلم عن يمينك وشمالك.
وأمَّا نية الخروج من الصلاة، فهل هي واجبة، تبطل الصلاة بتركها، أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا، اختار ابن حامد وجوبها، واختار الأكثرون عدم الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد.
وينوي الخروج بالأولى، سواء قلنا: يخرج بها من الصلاة، أو قلنا: لا يخرج إلَّا بالثانية؛ لأنَّ النية تستصحب إلى الثانية.
ومن الأصحاب من قَالَ: إن قلنا: الثانية سنة نوى بالأولى الخروج، وإن قلنا: الثانية فرض نوى الخروج بالثانية خاص. والصحيح: الأول.
ولأصحاب الشافعي في وجوب نية الخروج بالسلام وبطلان الصلاة بتركها وجهان - أيضًا.
ونص الشافعي على أن ينوي بالسلام الخروج.
ولكن اختلفوا: هل هو محمول على الاستحباب، أو الوجوب؟
وإنَّما ينوي الخروج عندهم بالأولى؛ لأنَّ الثانية ليست عندهم واجبة بغير خلاف.
واستدل من استحب أن ينوي بسلامه الحفظة والامام والمأمومين بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة، قَالَ: كنَّا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ، فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقَالَ رسول الله ﷺ: "علام تومئون بأيديكم كأنها
[ ٣ / ٨٠ ]
أذناب خيل شمس، وإنَّما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، فيسلم على أخيه من على يمينه وشماله".
وفي رواية له: فقَالَ: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم، كأنها أذناب خيل شمس، إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده".
وخرج أبو داود من حديث سمرة بن جندب، قَالَ: أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض.
وخرج أبو داود - أيضًا -، مِنْ طَرِيقِ آخر، عن سمرة، قَالَ: أمرنا رسول الله ﷺ، فقَالَ: "ابدأوا قبل التسليم، فقولوا: التحيات الطيبات الصلوات، والملك لله، ثم سلموا على اليمين، ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم".
وخرجه ابن ماجه بمعناه.
وفي رواية له بإسناد فيه ضعف: "إذا سلم الإمام فردوا عليه".
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن ضمرة، عن علي، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعًا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين.
وقَالَ الترمذي: حديث حسن.
[ ٣ / ٨١ ]
وظاهره: يدل على أنَّه ﷺ كان ينوي بسلامه في صلاة التطوع السلام على الملائكة ومن ذكر معهم.
وتأوله إسحاق على أنَّه أراد بذلك التشهد؛ فإنَّه يسلم فيه على عباد الله الصالحين.
وهو خلاف الظاهر. والله أعلم» اهـ.
قلت: أثر ابن عمر رواه مالك في [الموطأ] (٥٠٠) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، شَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَقُولُ هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَولَيَيْنِ، وَيَدْعُو إِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بِمَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَلى يَمِينِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ، رَدَّ عَلَيْهِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣١٤٨) حَدَثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى الْإِمَامِ».
قلت: هذا أثر صحيح، وأبو خالد هو الأحمر.
[ ٣ / ٨٢ ]
وأثر أبي هريرة رواه ابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٥٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْقَارِئُ».
قلت: رجاله ثقات لكنه لا يثبت لتردد حميد في شيخه الذي حدثه بذلك.
وعلي بن عبد العزيز هو البغوي، وحجاج هو ابن منهال، وحماد هو ابن سلمة، وحميد هو ابن هلال، وأبو رافع هو نفيع.
وأثر مكحول: «كان أصحاب النبي ﷺ يردون على الإمام إذا سلم عليهم». لم أقف عليه.
وحديث سمرة رواه أبو داود (١٠٠١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَمَاهِرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ».
ورواه ابن ماجه (٩٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: أَنْبَأَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَئِمَّتِنَا، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ».
قلت: الحسن لم يسمع من قتادة غير حديث العقيقة.
[ ٣ / ٨٣ ]
ورواه ابن ماجه (٩٢١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَرُدُّوا عَلَيْهِ».
قلت: أبو بكر الهذلي متروك الحديث.
وروى أبو داود (٩٧٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَمَّا بَعْدُ، أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، أَوْ حِينَ انْقِضَائِهَا، فَابْدَءُوا قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالْمُلْكُ لِلَّهِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى الْيَمِينِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى قَارِئِكُمْ، وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ».
قلت: هذا حديث مسلسل بالمجاهيل، جعفر بن سعد ومن فوقه مجاهيل.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠):
«فَصْلٌ: وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نُطْقٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ؛ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ النِّيَّةُ، كَالتَّكْبِيرِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِي السَّلَامِ لَوَجَبَ تَعْيِينُهَا، كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ النِّيَّةُ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَقِيَاسُ الطَّرَفِ الْأَخِيرِ عَلَى الطَّرَفِ الْأَوَّلِ
[ ٣ / ٨٤ ]
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ اُعْتُبِرَتْ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ، لِيَنْسَحِبَ حُكْمُهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْأَخِيرِ، وَلِذَلِكَ فُرِّقَ الطَّرَفَانِ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ مَعًا الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. فَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ إنْ كَانَ إمَامًا، أَوْ عَلَى الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ إنْ كَانَ مَأْمُومًا، فَلَا بَأْسَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ، وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: "كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، إذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ"، وَفِي لَفْظٍ: "إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ". وَرَوَى أَبُو دَاوُد. قَالَ: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ".
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ بِسَلَامِهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُصَلِّينً وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُسْلِمِ - مِنْ أَصْحَابِنَا -: يَنْوِي بِالْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَيَنْوِي بِالثَّانِيَةِ السَّلَامَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْمَأْمُومِينَ، إنْ كَانَ إمَامًا، وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ
[ ٣ / ٨٥ ]
وَالْحَفَظَةِ، إنْ كَانَ مَأْمُومًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ نَوَى فِي السَّلَامِ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ مَعَ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى السَّلَامَ عَلَى آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَا يُصَلِّي مَعَهُ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ﵀، قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ: يُسَلِّمُ لِلصَّلَاةِ، وَيَنْوِي فِي سَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ. رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ: إذَا نَوَى بِتَسْلِيمِهِ الرَّدَّ عَلَى الْحَفَظَةِ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ: أَيْضًا: يَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ نَوَى الْمَلَكَيْنِ، وَمَنْ خَلْفَهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَالْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ نَخْتَارُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
فائدة أخرى: روى مسلم (٥٨٢) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ:
«كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ».
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٨٣):
«وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ سَلَّمَ وَاحِدَةً اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ جَعَلَ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَسَارِهِ وَيَلْتَفِتُ فِي كُلِّ تَسْلِيمَةٍ حَتَّى يَرَى مَنْ عَنْ جَانِبِهِ خَدَّهُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: حَتَّى يَرَى خَدَّيْهِ مَنْ عَنْ جَانِبِهِ وَلَوْ سَلَّمَ
[ ٣ / ٨٦ ]
التَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَوِ الْأُولَى عَنْ يَسَارِهِ وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَمِينِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحَصَلَتْ تَسْلِيمَتَانِ وَلَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ فِي كَيْفِيَّتِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَفَرْضٌ مِنْ فُرُوضِهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ هُوَ سُنَّةٌ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِكُلِّ شَيْءٍ يُنَافِيهَا مِنْ سَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ وَثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبِالْحَدِيثِ الْآخَرِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» اهـ.
قلت: وفي المسند (١٥٦٤) «حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ». بالتثنية، وهي محمولة على التسليمتين، والمعنى حتى يرى بياض خده الأيمن في التسليمة الأولى، ويرى بياض خده الأيسر في التسليمة الثانية.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٣٨٤٩)، والنسائي (١٣٢٥)، واللفظ له، وأبو داود (٩٩٨)، والترمذي (٢٩٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
[ ٣ / ٨٧ ]
تنبيه: قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩):
«وَيَكُونُ الْتِفَاتُهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْفَى؛ لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ". وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.» اهـ.
قلت: حديث عمار رواه الدارقطني في [سننه] (١٣٤٧)، وأبو طاهر المُخَلِّص في [الملخصيات] (١٢٨٤) مِنْ طَرِيقِ أَبُي الْفَضْلِ فَضَالَةَ بْنِ الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ بِالْكُوفَةِ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ شِمَالِهِ يُرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ، وَكَانَ تَسْلِيمُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
ورواه ابن ماجه (٩١٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ».
قلت: ليس في حديث يحيى بن آدم ذكر الخدين "الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ". ويحيى أوثق من فضالة.
[ ٣ / ٨٨ ]
ورواه البزار في [مسنده] (١٣٩٥) وَحَدَّثَنَا فَضَالَةُ بْنُ الْفَضْلِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ يَعْنِي ابْنَ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ فِي الصَّلَاةِ». وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ صِلَةَ، عَنْ عَمَّارٍ إِلَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
قلت: الصحيح في الحديث الوقف.
إذا تبيَّن هذا فالصحيح التسوية بين التسليمتين في الالتفات.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٨٢):
«يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْرِجَ لَفْظَةَ السَّلَامِ وَلَا يَمُدَّهَا وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِلْعُلَمَاءِ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٨٣):
«يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ قَالَ الْبَغَوِيّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَبْتَدِئَ السَّلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَنْ كَانَ خَلْفَ إمَامٍ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ سَلَامِهِ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ هَذَا نَصُّهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الْأُولَى وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ وَلَوْ قَارَنَهُ فِي السَّلَامِ فَوَجْهَانِ:
[ ٣ / ٨٩ ]
أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَنْوِ مفارقته كَمَا لَوْ قَارَنَهُ فِي بَاقِي الْأَرْكَانِ بِخِلَافِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ فِي صَلَاةٍ حتي يفرق مِنْهَا فَلَا يَرْبِطُ صَلَاتَهُ بِمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَلَوْ سَلَّمَ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَنْوِ مُفَارَقَتَهُ فَإِنْ نَوَاهَا فَفِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ نَوَى الْمُفَارَقَةَ وَلَا يَكُونُ مُسَلِّمًا بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الْمِيمِ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ تسليم المؤتم يكون بعد فراغ الإمام من التسليمتين.
والأظهر أيضًا أنَّ من قارن الإمام بالسلام بطلت صلاته. والله أعلم.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤):
«اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ لَا يَقُومَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي مُخْتَصَرِ البويطي فقَالَ: ومن سبقه الامام بشيء مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَقُومُ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ قَالَ أصحابنا: فإن قام بعد فراغه من قوله: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فِي الْأُولَى جَازَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ قَامَ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مفارقة الامام فيجيء فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ نَوَى الْمُفَارَقَةَ وَلَوْ قَامَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي السَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَامَ قَبْلَ شُرُوعِهِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إذَا قام المسبوق مقارنًا لِلتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى فَإِنْ قُلْنَا لِلْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ أَنْ يُسَلِّمَ مُقَارِنًا لِلْإِمَامِ جَازَ قِيَامُ الْمَسْبُوقِ لِأَنَّ كُلَّ حَالٍ جَازَ لِلْمُوَافِقِ السَّلَامُ فِيهَا جَازَ لِلْمَسْبُوقِ الْمُفَارَقَةُ
[ ٣ / ٩٠ ]
فِيهَا كَمَا بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ لِلْمُوَافِقِ السَّلَامُ مُقَارِنًا لَهُ لَمْ يَجُزْ لِلْمَسْبُوقِ الْقِيَامُ مَعَ الْمُقَارَنَةِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُفَارَقَةَ وَلَوْ سلم الامام فمكت الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلَامِهِ جَالِسًا وَطَالَ جُلُوسُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ مَوْضِعَ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ جَازَ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ مَحْسُوبٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْقُدْوَةُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ يَجُوزُ تَطْوِيلُهُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ تَشَهُّدِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لِأَنَّ جُلُوسَهُ كَانَ لِلْمُتَابَعَةِ وقد زالت فان جلس متعمدا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٨):
«فَصْلٌ: فَإِنْ نَكَّسَ السَّلَامَ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ. لَمْ يَجْزِهِ. قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُجْزِئُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ، وَلَيْسَ هُوَ بِقُرْآنٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ النَّظْمُ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ مُرَتَّبًا، وَأَمَرَ بِهِ كَذَلِكَ. وَقَالَ لِأَبِي تَمِيمَةَ: "لَا تَقُلْ عَلَيْك السَّلَامُ. فَإِنَّ عَلَيْك السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى". رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي الْمُسْنَدِ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُؤْتَى بِهِ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ مُنَكَّسًا، كَالتَّكْبِيرِ» اهـ.
قلت: الأظهر عدم صحة التنكيس لما روى أحمد (١٦٠٥١) عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ مَرَّةً: عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ:
[ ٣ / ٩١ ]
«لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مِنْ قُطْنٍ مُنْبَتِرُ الْحَاشِيَةِ، فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ مَرَّتَيْنِ" أَوْ ثَلَاثًا هَكَذَا قَالَ» الحديث.
ورواه أبو داود (٥٢١١) مختصرًا.
قلت: هذا حديث صحيح. والرجل هو أَبِو جُرَىٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ كما تدل عليه سائر الطرق والروايات.
قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٢/ ٤٢١):
«وقد أشكل هذا الحديثُ على طائفة، وظنُّوهُ معارضًا لما ثبت عنه ﷺ فى السلام على الأموات بلفظ: "السَّلامُ عَلَيْكُم" بتقديم السلام، فظنوا أنَّ قوله: "فإنَّ عليكَ السلام تَحيَّةُ المَوْتَى" إخبار عن المشروع، وغلِطُوا في ذلك غلطًا أوجب لهم ظَنَّ التعارض، وإنَّما معنى قوله: "فإنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحيَّةُ المَوْتَى" إخبار عن الواقع، لا المشروعُ، أي: إنَّ الشعراء وغيرَهم يحيُّون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شاءَ أنْ يَتَرحَّما
فَمَا كَانَ قَيْسُ هُلْكُه هُلْكَ واحِدٍ … وَلَكنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تهدَّمَا
فكره النبيُّ ﷺ أن يُحيَّى بتحية الأموات، ومِن كراهته لذلك لم يردَّ على المسلِّم بها» اهـ.
[ ٣ / ٩٢ ]
فائدة أخرى: قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٩٨):
«فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ: مُنَكِّرًا مُنَوِّنًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ قَامَ مَقَامَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ السَّلَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]. وَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]. وَلِأَنَّا أَجَزْنَا التَّشَهُّدَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَفِيهِمَا: سَلَامٌ عَلَيْك. بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَالتَّسْلِيمَتَانِ وَاحِدٌ. وَالْآخَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ صِيغَةَ السَّلَامِ الْوَارِدِ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، فَيَتَغَيَّرُ الْمَعْنَى، فَلَمْ يُجْزِئْ، كَمَا لَوْ أَثْبَتَ اللَّامَ فِي التَّكْبِيرِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنَوِّنَ التَّسْلِيمَ أَوْ لَا يُنَوِّنَهُ؛ لِأَنَّ حَذْفَ التَّنْوِينِ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ» اهـ.
قلت: الإجزاء هو الأقوى. والله أعلم.
* * *
[ ٣ / ٩٣ ]
٨٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وإلى هذا ذهب عامة العلماء.
واختلف العلماء في وجوب ذلك واستحبابه.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٢):
«والرفع في افتتاح الصلاة سنة مسنونة، وليس بركن ولا فرض عند جمهور العلماء، ولا تبطل الصلاة بتركه عند أحد منهم.
وحكي عن الحميدي وداود وأحمد بن يسار من الشافعية: أنَّه تبطل الصلاة بتركه. وروي عن علي بن المديني ما يشبهه، وأنَّ الرفع واجب، لا يحل تركه.
ونقل حرب، عن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام، وأنَّه واجب.
وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة والجوزجاني.
[ ٣ / ٩٤ ]
وقَالَ ابن خزيمة: هو ركن من أركان الصلاة، حكاه الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن خاله أبي علي المؤذن -وأثنى عليه -، أنَّه سمع ابن خزيمة يقوله.
وحكاه ابن بد البر رواية عن الأوزاعي؛ لقوله فيمن ترك الرفع: نقصت صلاته. وهذا لا يدل؛ فإنَّ مراده: لم يتم سننها، كما قَالَ ابن سيرين: الرفع من تمام الصلاة.
ونص أحمد على أنَّ من ترك الرفع نقصت صلاته.
وفي تسميته: "من تمام الصلاة"، عنه روايتان. ولا خلاف أنَّه لا يبطل تركه عمدًا ولا سهوًا.
وتوقف إسحاق بن راهوية في تسميته: "ناقص الصلاة"، وقَالَ: لا أقول سفيان الثوري ناقص الصلاة.
واستدل الأكثرون على أنَّه غير واجب، بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعلمه المسيء في صلاته، كما علمه التكبير لافتتاح الصلاة، ولو كان حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه معه.
وقد روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قَالَ: بصر رسول الله ﷺ برجل يسيء في صلاته، فقَالَ له رسول الله ﷺ:
[ ٣ / ٩٥ ]
"أحسن صلاتك"، وأمره برفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وبالقراءة، وبرفع يديه إذا كبر للركوع، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع. خرجه ابن جوصا في "مسند الأوزاعي".
وهو مرسل.
ورواه جماعة عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسحاق، عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك في صلاته". وهو أصح. وفي رواية: أن الوليد لم يسمعه من الأوزاعي. والوليد مدلس عن غير الثقات، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هذا» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ الرفع يكون مع التكبير، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحمد وعلي بن المديني وغيرهما.
قلت: وقد جاء في لفظ عند البخاري (٧٣٨) عَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ».
قلت: وقد جاء في حديثه ما يدل على تأخير التكبير إلى بعد رفع اليدين فروى مسلم (٣٩٠) عَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ فَإِذَا أَرَادَ
[ ٣ / ٩٦ ]
أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ».
وجاء ما يدل على تقديم التكبير على رفع اليدين فروى مسلم (٣٩١) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: «أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا».
قلت: وهذه الأدلة ترد ما ذكره العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٤٠) حيث قَالَ: «فَصْلٌ: وَيَبْتَدِئُ رَفْعَ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ مَعَ انْقِضَاءِ تَكْبِيرِهِ، وَلَا يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا انْقَضَى التَّكْبِيرُ حَطَّ يَدَيْهِ، فَإِنْ نَسِيَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ، لَمْ يَرْفَعْهُمَا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا.
وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ بَاقٍ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُ يَدَيْهِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى رَفَعَهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُهُمَا إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ مَغْلُوبٍ عَلَيْهَا. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ» اهـ.
٣ - وفيه استحباب الرفع إلى المنكبين.
[ ٣ / ٩٧ ]
قلت: وقد جاء ما يدل على استحباب محاذاة اليدين للأذنين فروى مسلم (٣٩١) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ».
وفي رواية عند مسلم (٣٩١) من حديثه: «حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ».
وروى مسلم (٤٠١) عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَصَفَ هَمَّامٌ حِيَالَ أُذُنَيْهِ ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ الثَّوْبِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ فَلَمَّا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ».
وقد بهذا أبو حنيفة.
قلت: وكل سنة. وقد حاول بعض العلماء الجمع بين الحديثين وجعلهما على معنىً واحد فقَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٩٥):
«وأمَّا صفة الرفع فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنَّه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه أي أعلى أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه فهذا معنى قولهم حذو منكبيه وبهذا جمع الشافعي ﵁ بين روايات الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه» اهـ.
[ ٣ / ٩٨ ]
قلت: وقد روى أبو داود (٧٢٤) ما يؤيد ذلك مِنْ طَرِيقِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِىَّ ﷺ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ».
قلت: ولا يصح هذا الحديث فإنَّ عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٣٩):
«وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي رَفْعِهِمَا إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ أَوْ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَبْلُغَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَإِنَّمَا خُيِّرَ لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالرَّفْعُ إلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ؛ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ عَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَالرَّفْعُ إلَى حَذْوِ الْأُذُنَيْنِ. رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ بِهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَيْلُ أَحْمَدَ إلَيَّ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إلَى أَيْنَ يَبْلُغُ بِالرَّفْعِ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ إلَى حَذْوِ أُذُنَيْهِ فَحَسَنٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ رُوَاةَ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَأَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَجَوَّزَ الْآخَرَ لِأَنَّ صِحَّةَ رِوَايَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً» اهـ.
٤ - وفيه استحباب رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٦ - ١٦٧):
[ ٣ / ٩٩ ]
«قلت: افترق الناس في هذه المسألة فرقًا ثلاثة.
ففرقة منهم: تنكر على من يرفع أو تبدعه، وهؤلاء عامة فقهاء أهل الكوفة، حتى غالى بعصهم فجعله مبطلًا للصلاة، وادعى بعضهم أنَّ الرفع نسخ.
وقد وافقهم بعض المتقدمين من أهل الشام، حتى ضرب من رفع يديه في صلاته في زمن عمر بن عبد العزيز وغضب عمر من ذلك وأنكره على من فعله وحجبه عنه.
وفرقة: لا ينكرون على واحد من الفريقين، ويعدون ذلك من مسائل الخلاف السائغ، ثم منهم من يميل إلى الرفع، ومنهم من يميل إلى تركه، ومنهم: سفيان الثوري.
وقد روى ابن أبي شيبة في "كتابه" عن طائفة كثيرة من الصحابة والتابعين، أنَّهم لم يرفعوا أيديهم إلَّا عند الافتتاح، منهم عمر وابن عمر. وهي رواية مجاهد عنه، وقد ضعفها الإمام أحمد والبخاري والدارقطني وغيرهم.
ومنهم: علي وابن مسعود وأصحابهما.
وقد روى ذلك عن علي وابن مسعود مرفوعًا، وضعف المرفوع عامة أئمة الحديث قديمًا وحديثًا.
وأكثر الصحابة والتابعين على الرفع عند الركوع، والرفع منه- أيضًا-، حتى قَالَ قتادة، عن الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ في صلاتهم كأنَّ أيديهم المراوح، إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم.
وقَالَ عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنَّه سئل عن رفع اليدين في الصلاة، فقَالَ: هو شيء يزين به الرجل صلاته؛ كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم في الافتتاح، وعند الركوع، وإذا رفعوا رؤوسهم.
[ ٣ / ١٠٠ ]
وهو قول عامة التابعين.
وقَالَ عمر بن عبد العزيز: إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا. وقول عامة فقهاء الأمصار.
وكان الإمام أحمد لا يبالغ في الإنكار على المخالفة في هذه المسألة.
روى عنه المروذي وغيره، أنَّه سئل عمن ترك الرفع يقَالَ: إنَّه تارك للسنة؟ قَالَ: لا تقل هكذا، ولكن قل: راغب عن فعل النبي ﷺ.
ونقل عنه الميموني، قَالَ: الرفع عندنا أكثر وأثبت، فإن تأول رجل، فما أصنع؟!.
وسئل الإمام أحمد، فقيل له: إنَّ عندنا قومًا يأمروننا برفع اليدين في الصلاة، وقوما ينهوننا عنه؟ فقَالَ: لا ينهاك إلَّا مبتدع، فعل ذلك رسول الله ﷺ، وكان ابن عمر يحصب من لا يرفع.
فلم يبدع إلَّا من نهى عن الرفع وجعله مكروهًا، فأمَّا المتأول في تركه من غير نهي عنه فلم يبدعه.
[ ٣ / ١٠١ ]
وقد حمل القاضي أبو يعلى قول أحمد: أنَّه مبتدع، على من ترك الرفع عند تكبيرة الإحرام. وهو بعيد.
ونقل جماعة عن أحمد في تارك الرفع، أنَّه يقَالَ: إنَّه تارك السنة.
قَالَ القاضي أبو يعلى: إنَّما توقف في ذلك في رواية المروذي متابعة للفظ المروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه قَالَ: "من رغب عن سنتي فليس مني"، وإلَّا ففي الحقيقة: الراغب عن الرفع هو التارك له.
ونقل حرب، عن أحمد، قَالَ: أنا أصلي خلف من لا يرفع يديه، والرفع أحب إلي وأصح.
وكلام البخاري في "كتاب رفع اليدين" له إنَّما يدل على الإنكار على من أنكر الرفع، وقَالَ: هو بدعة - أيضًا.
وخرج مسلم في "صحيحه" في الرفع عند الركوع والرفع منه حديث ابن عمر ومالك بن الحويرث - أيضًا. وخرجه - أيضًا- من حديث وائل بن حجر. وخرجه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة، منهم: أبو قتادة. وخرجه ابن ماجه - أيضًا.
وخرجه أبو داود -أيضًا- من حديث أبي هريرة. وخرجه ابن ماجه من حديث أنس وجابر وابن عباس.
وقد روي من وجوه أخر، حتى قَالَ بعضهم: رواه قريب من ثلاثين نفسًا من الصحابة.
وقَالَ غيره: رواه نيف وثلاثون من الصحابة.
[ ٣ / ١٠٢ ]
وقَالَ الحاكم: رواه العشرة المشهود لهم بالجنة.
وفي هذه العبارات تسامح شديد، وقد ذكرت هذه الأحاديث وطرقها وعللها في "كتاب شرح الترمذي" بحمد الله ومنه.
وأحسن من ذلك: قول الشافعي: رواه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اثنا عشر غير ابن عمر.
وهذه عبارة صحيحة حسنة مليحة. وكذا قَالَ ابن عبد البر وغيره من الحفاظ.
وذكر الترمذي في "جامعه" له أربعة عشر روايًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
ولم يوجب الرفع عند الركوع والرفع منه، ويبطل الصلاة بتركه، إلَّا شذوذ من الناس من أصحاب داود ونحوهم.
وسئل حماد بن زيد، عن معنى رفع اليدين في الصلاة؟ فقَالَ: هو من إجلال الله.
خرجه أبو موسى المديني.
وقَالَ الشافعي: فعلته إعظامًا لجلال الله، واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ، ورجاء لثواب الله. خرجه البيهقي في "مناقبه"» اهـ.
قلت: رفع اليدين في الركوع والرفع منه هو الذي مات عليه الإمام مالك.
وهذه هي رواية المدنيين عن مالك.
[ ٣ / ١٠٣ ]
وهنا لطيفة ذكرها العلامة ابن العربي المالكي ﵀ في [أحكام القرآن] (٤/ ٣٧٠) فقَالَ: «كَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَتَفْعَلُهُ الشِّيعَةُ، فَحَضَرَ عِنْدِي يَوْمًا بِمُحْرِسٍ ابْنُ الشَّوَّاءِ بِالثَّغْرِ مَوْضِعُ تَدْرِيسِي عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْ الْمُحْرِسِ الْمَذْكُورِ، فَتَقَدَّمَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَأَنَا فِي مُؤَخَّرِهِ قَاعِدٌ عَلَى طَاقَاتِ الْبَحْرِ، أَتَنَسَّمُ الرِّيحَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَعَهُ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ أَبُو ثَمْنَةَ رَئِيسُ الْبَحْرِ وَقَائِدُهُ، مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَيَتَطَلَّعُ عَلَى مَرَاكِبَ تَحْتَ الْمِينَاءِ، فَلَمَّا رَفَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَفِي رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ قَالَ أَبُو ثَمْنَةَ وَأَصْحَابُهُ: أَلَا تَرَوْنَ إلَى هَذَا الْمَشْرِقِيِّ كَيْفَ دَخَلَ مَسْجِدَنَا؟ فَقُومُوا إلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ وَارْمُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَلَا يَرَاكُمْ أَحَدٌ. فَطَارَ قَلْبِي مِنْ بَيْنِ جَوَانِحِي، وَقُلْت: سُبْحَانَ اللَّهِ، هَذَا الطُّرْطُوشِيُّ فَقِيهُ الْوَقْتِ. فَقَالَوا لِي: وَلِمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ فَقُلْت: كَذَلِكَ كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ. وَجَعَلْت أُسَكِّنُهُمْ وَأُسْكِتُهُمْ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقُمْت مَعَهُ إلَى الْمَسْكَنِ مِنْ الْمُحْرِسِ، وَرَأَى تَغَيُّرَ وَجْهِي، فَأَنْكَرَهُ، وَسَأَلَنِي فَأَعْلَمْته فَضَحِكَ، وَقَالَ: وَمِنْ أَيْنَ لِي أَنْ أُقْتَلَ عَلَى سُنَّةٍ، فَقُلْت لَهُ: وَلَا يَحِلُّ لَك هَذَا فَإِنَّك بَيْنَ قَوْمٍ إنْ قُمْت بِهَا قَامُوا عَلَيْك، وَرُبَّمَا ذَهَبَ دَمُك. فَقَالَ: دَعْ هَذَا الْكَلَامَ وَخُذْ فِي غَيْرِهِ» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ رفع اليدين في الرفع من الركوع كرفع اليدين في تكبيرة الإحرام.
[ ٣ / ١٠٤ ]
قلت: فما يفعله كثير من الناس من رفع اليدين في هذا الموضع كهيئة رفع اليدين في الدعاء فمما لا أصل له في السنة.
وقد روى هذا الحديث البخاري (٧٣٨) عَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ».
ورواه مسلم (٣٩٠) عن ابن عمر قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ».
وروى مسلم (٣٩١) عن مالك بن الحويرث: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ».
وروى ابن ماجه (٨٦٤) بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ
[ ٣ / ١٠٥ ]
مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ».
وروى ابن ماجه (٨٦٨) عن أبي الزبير: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ».
قلت: وفي إسناده أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي وهو لا بأس به في الشواهد وهذا منها.
وروى أبو داود (٧٢٦)، والنسائي (١٢٦٤)، وابن ماجه (٨٦٧)
مِنْ طَرِيقِ بشر بن المفضل عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قَالَ:
«قُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّي، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا، مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً». وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ: «هَكَذَا وَحَلَّقَ بِشْرٌ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ».
قلت: هذا حديث حسن.
٦ - وقوله: «وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك».
[ ٣ / ١٠٦ ]
قَالَ العلامة ابن قدامة في [المغني] (١/ ٥٨٢):
«وظاهره أنَّه رفع يديه حين أخذ في رفع رأسه» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤١٧):
«ويكون ابتداء رفعهما مع ابتداء الرفع ودليل الرفع حديث ابن عمر الذي ذكره المصنف مع غيره مما سبق في فصل الركوع وسبق هنا بيان مذاهب العلماء فإذا اعتدل قائمًا حط يديه» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الإمام يجمع بين التسميع والتحميد. وقد مضى القول في ذلك.
٨ - وفيه زيادة الواو في الحمد.
وجاء بحذفها فيما رواه البخاري (٧٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا
[ ٣ / ١٠٧ ]
قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ».
وروى البخاري (٧٣٣) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «إِنَّمَا الإِمَامُ، أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
وروى البخاري (٧٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ».
وروى مسلم (٤٧٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"».
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨):
«فصل: والسنة أن يقول: "ربنا ولك الحمد". بواو، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، قَالَ: سمعت أبا عبد الله يثبت أمر الواو، وقَالَ: روى فيه الزهري ثلاثة أحاديث، عَنْ أَنَسٍ، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وعن سالم، عن أبيه، وفي حديث علي الطويل، وهذا قول مالك.
[ ٣ / ١٠٨ ]
ونقل ابن منصور، عن أحمد، إذا رفع رأسه من الركوع قَالَ: اللهم ربنا لك الحمد.
فإنَّه لا يجعل فيها الواو، ومن قَالَ: "ربنا" قَالَ: "ولك الحمد"، وذلك لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نقل عنه أنَّه قَالَ: "ربنا ولك الحمد"، كما نقل الإمام، وفي حديث ابن أبي أوفى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد"، وكذلك في حديث بريدة؛ فاستحب الاقتداء به في القولين.
وقَالَ الشافعي: السنة أن يقول: ربنا لك الحمد؛ لأنَّ الواو للعطف، وليس ها هنا شيء يعطف عليه.
ولنا أنَّ السنة الاقتداء بالنبي ﷺ ولأنَّ إثبات الواو أكثر حروفًا، ويتضمن الحمد مقدرًا ومظهرًا، فإنَّ التقدير: ربنا حمدناك ولك الحمد.
فإنَّ الواو لما كانت للعطف ولا شيء ها هنا تعطف عليه ظاهرًا، دلت على أنَّ في الكلام مقدرًا، كقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك"، أي وبحمدك سبحانك، وكيفما قَالَ جاز، وكان حسنًا؛ لأنَّ كلًا قد وردت السنة به» اهـ.
قلت: الجمع بين لفظة "اللهم"، و"الواو" قد صحت به السنة.
فروى البخاري (٧٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ».
[ ٣ / ١٠٩ ]
وروى البخاري (٧٣٤٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فِي الأَخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾».
وجاءت السنة أيضًا بحذف "الواو" فروى البخاري (٧٩٦)، ومسلم (٤٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وروى البخاري (٤٥٦٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ، أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ: "إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ". يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ" فُلَانًا وَفُلَانًا لأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ».
وروى مسلم (٤٠٤) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا فَقَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا
[ ٣ / ١١٠ ]
صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذْ قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمْ اللَّهُ فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَتِلْكَ بِتِلْكَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"» الحديث.
وروى مسلم (٤١٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ».
وروى مسلم (٤٧٦) عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"».
وروى مسلم (٤٧٨) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».
[ ٣ / ١١١ ]
وروى مسلم (٧٧١) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي" وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ".» الحديث.
٩ - وفيه أنَّه لا يستحب رفع اليدين عند السجود.
قلت: وقد جاءت أحاديث تدل على خلاف هذا منها:
أ- حديث مالك بن الحويرث
رواه أحمد (١٥٦٤٢، ١٥٦٣٨)، والنسائي (١٠٨٤، ١٠٨٥، ١١٤٢)
[ ٣ / ١١٢ ]
مِنْ طَرِيقِ قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ».
قلت: الحديث رواه مسلم (٣٩١) مِنْ طَرِيقِ أبي عوانة عن قتادة به وليس فيه ذكر رفع اليدين عند السجود ولا عند الرفع من السجود.
وهكذا رواه شعبة عن قتادة عند أحمد (٢٠٥٥٠)، أبي داود (٧٤٥)، والنسائي (٨٧٩).
واختلف فيه على شعبة.
فرواه عنه حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة عند أبي داود
ويحيى بن سعيد عند أحمد
وخالد بن الحارث بن عبيد عند النسائي ولم يذكروا في حديثهم رفع اليدين عند السجود ولا عند الرفع من السجود.
وخالفهم محمد بن إبراهيم بن أبي عدي عند النسائي (١٠٨٤) وذكر في حديثه رفع اليدين عند السجود وعند الرفع من السجود.
قلت: والمحفوظ في حديث شعبة ما رواه الجماعة.
[ ٣ / ١١٣ ]
وهكذا رواه هشام الدستوائي عن قتادة عند أحمد (٢٠٥٥٤)
واختلف عليه فرواه عنه ولده معاذ كما عند النسائي (١٠٨٥، ١١٤٢) وذكر في حديثه رفع اليدين عند السجود وبعد الرفع من السجود.
وخالفه عبد الصمد بن عبد الوارث، وعبد الملك بن عمرو القيسي أبو عامر العقدي وحديثهما في المسند، ويزيد بن زريع وحديثه عند ابن ماجه (٨٥٩) ولم يذكروا في حديثهم ذلك.
قلت: وهذا هو المحفوظ في حديث هشام.
وحماد بن سلمة عند الطبراني في [المعجم الكبير] (٦٢٦)
وسعيد بن بشير الأزدي عند الطبراني في [المعجم الكبير] (٦٢٨)
عمران القطان عند الطبراني في [المعجم الكبير] (٦٣١)
وخالفهم:
همام وحديثه عند أحمد (٢٠٥٥٦)
واختلف فيه على سعيد بن أبي عروبة
فرواه عنه: عبد الأعلى بن عبد الأعلى عند النسائي (١٠٨٥)
ومحمد بن المثنى عند النسائي في [الكبرى] (٦٧٢، ٧٢٩)، وهو عند مسلم (٣٩١) لكنه لم يسق لفظه.
ومحمد بن إبراهيم بن أبي عدي عند الطحاوي في [مشكل الآثار] (٥١١٠)
وذكروا في حديثهم رفع اليدين عند السجود وبعد الرفع من السجود.
ورواه عنه إسماعيل بن علية في مسند أحمد (٢٠٥٥٥)، والنسائي (٨٨٠)
وخالد بن الحارث الهجيمي البصري عند البيهقي في [السنن الكبرى] (٢/ ٧١)
وعبد الله بن نمير عند ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٤١٢، ٢٤٢٧)، الطبراني في [المعجم الكبير] (٦٣٠)، والطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١٠٧٠، ١٢٤٣)
ولم يذكروا في حديثه رفع اليدين عند السجود ولا بعد الرفع من السجود.
[ ٣ / ١١٤ ]
قلت: وبهذا يتبين أنَّ أكثر الحفاظ من أصحاب قتادة رووا عنه الحديث من غير ذكر رفع اليدين عند السجود ولا عند الرفع من السجود وهذا هو المحفوظ في حديث قتادة والله أعلم.
أضف إلى هذا أنَّ الحديث رواه البخاري (٣٩١)، ومسلم (٨٦٢) مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: «أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ هَكَذَا».
ولم يذكر في حديثه رفع اليدين عند السجود ولا بعد الرفع من السجود.
قلت: وهذا هو المحفوظ في حديث مالك بن الحويرث. والله أعلم.
ب- حديث وائل بن حجر.
[ ٣ / ١١٥ ]
رواه الإمام أحمد في [المسند] (١٨٨٨١) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَكَانَ لِي مِنْ وَجْهِهِ مَا لَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ مِنْ وَجْهِ رَجُلٍ مِنْ بَادِيَةِ الْعَرَبِ، صَلَّيْتُ خَلْفَهُ وَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ، وَرَفَعَ وَوَضَعَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ».
قلت: هذا إسناد منقطع عبد الجبار لم يسمع من أبيه.
ورواه أبو داود (٧٢٣) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْجُشَمِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ كُنْتُ غُلَامًا لَا أَعْقِلُ صَلَاةَ أَبِى قَالَ فَحَدَّثَنِى وَائِلُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِى وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ - قَالَ - ثُمَّ الْتَحَفَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ قَالَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ أَيْضًا رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ».
قلت: قوله: وائل بن علقمة صوابه علقمة بن وائل كما بين ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في "التهذيب" وهو أخو عبد الجبار قَالَ الحافظ ابن معين: «علقمة بن وائل عن أبيه مرسل».
قلت: فما زال الحديث منقطعًا.
[ ٣ / ١١٦ ]
وروى الطيالسي (١٠٢١) أحمد (١٨٨٦٨، ١٨٨٧٣)، والدارمي (١٢٥٢)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٠٤٢) مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْيَحْصُبِيِّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ: «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَ يُكَبِّرُ إِذَا خَفَضَ، وَإِذَا رَفَعَ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ».
قلت: هذا حديث ضعيف عبد الرحمن بن اليحصبي هو الكوفي ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقه معتبر.
ورواه الدارقطني في [سننه] (١١٢١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْوَكِيلُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ (ح) وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَاَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَحَدَّثَهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ صَلَّيْنَا فِي مَسْجِدِ الْحَضْرَمِيِّينَ فَحَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا سَجَدَ».
ورواه البيهقي في [الكبرى] (٢٦٣٨) مِنْ طَرِيقِين إحداهما طريق الدارقطني هذه.
قلت: إسناده صحيح.
وروى الحديث البخاري في [جزء رفع اليدين] (٦٨)، وأبو داود (٧٢٦، ٩٥٨)، والنسائي (٨٨٨، ١١٠١، ١١٠١)
[ ٣ / ١١٧ ]
مِنْ طَرِيقِ عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قَالَ: «قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّى قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا». وَحَلَّقَ بِشْرٌ الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.
قلت: هذا حديث حسن وليس فيه رفع اليدين عند السجود
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٤ - ١٧٥):
«قَالَ الإمام أحمد: أنا لا أذهب إلى حديث وائل بن حجر، وهو مختلف في ألفاظه.
ويجاب عن هذه الروايات كلها - على تقدير أن يكون ذكر الرفع فيها محفوظًا، ولم يكن قد اشتبه بذكر التكبير بالرفع - بأنَّ مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة، وإنَّما كانا قد قدما إليها مرة أو مرتين، فلعلهما رأيا النبي ﷺ فعل ذلك مرة، وقد عارض ذلك نفي ابن عمر، مع شدة وملازمته للنبي ﷺ وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها، فهذا يدل على أنَّ أكثر أمر النبي ﷺ كان ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين» اهـ.
[ ٣ / ١١٨ ]
قلت: حديث ابن عمر رواه البخاري (٧٣٥) عن ابن عمر ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ».
ورواه البخاري (٧٣٨)، مسلم (٣٩٠) عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ».
ج- حديث أنس بن مالك.
روى الدارقطني في [سننه] (١١٠٦)، والضياء المقدسي في [المختارة] (٢٠٢٥) مِنْ طَرِيقِ يحيى بن محمد بن صاعد ثنا بندار فيما سألناه عنه ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا حميد عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَإِذَا سَجَدَ» لَمْ يَرْوِهِ عَنْ حُمَيْدٍ مَرْفُوعًا غَيْرُ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَالصَّوَابُ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ اهـ. كلام الدارقطني ﵀.
قلت: ورواه ابن ماجه (٨٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رَكَعَ».
[ ٣ / ١١٩ ]
وليس في حديثه ذكر الرفع عند السجود.
قلت: ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٤٣٣) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ».
ورواه البخاري في جزء [رفع اليدين] (١٣٠) حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ».
ورواه أيضًا (٩٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ».
قلت: هكذا رواه معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان وعبد الأعلى موقوفًا على أنس وليس في حديثه ذكر الرفع عند السجود.
وهذا هو المحفوظ في الحديث لا سيما إذا علمت أنَّ عبد الوهاب الثقفي قد كان اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع.
قَالَ الإمام الترمذي ﵀ في [العلل الكبير] (١/ ١١٨):
«سألت محمدًا عن هذا الحديث قَالَ: حدثنا به محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بهذا، قَالَ محمد: وعبد الوهاب الثقفي صدوق صاحب كتاب. وقَالَ غير واحد من أصحاب حميد: عن حميد، عَنْ أَنَسٍ فعله» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٥):
«وقد أعل هذا بأنَّه قد رواه غير واحد من أصحاب حميد، عن حميد، عَنْ أَنَسٍ من فعله غير مرفوع.
كذا قَالَه البخاري: نقله عنه الترمذي في "علله".
وقَالَ الدارقطني: الصواب من فعل أنس» اهـ.
وروى الطبراني في [الأوسط] (٩٢٥٧) حَدَّثَنَا وَاثِلَةُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَرْقِيُّ، ثَنَا كَثِيرٌ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَرِنَا كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «فَقَامَ فَصَلَّى، فَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: هَكَذَا كَانَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قلت: هذا حديث شديد الضعف العرزمي متروك.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٥):
[ ٣ / ١٢٠ ]
«وروى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله، عَنْ أَنَسٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع ".
وفي رواية: كان يرفع يديه حين يهوي للسجود.
قَالَ الوليد: وبهذا كانَ يأخذ الأوزاعي. خرجه ابن جوصا في "مسند الأوزاعي".
وقد اختلف على الوليد في إرساله ووصله، ولم يسمعه من الأوزاعي، بل دلسه عنه، وهو يدلس عن غير الثقات» اهـ.
[ ٣ / ١٢١ ]
د- حديث ابن عمر.
رواه الطبراني في [المعجم الكبير] (١٥٥)، و[الأوسط] (١٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: نا أَبِي قَالَ: نا الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ، عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ «يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لِلرُّكُوعِ، وَعِنْدَ التَّكْبِيرِ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا».
قلت: هذا إسناد ظاهره الحسن.
ورواه الطبراني في [المعجم الأوسط] (٧١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: نا مَسْلَمَةُ بْنُ عُلَيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا سَجَدَ».
قلت: ومسلمة هذا متروك الحديث.
قلت: الحديث رواه مالك في [الموطأ] (١٦٨)، ومِنْ طَرِيقِه أبو داود (٧٤٢) عن نافع: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ».
وروى ابن حزم في [المحلى] (٣/ ١٠) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثِنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ
[ ٣ / ١٢٢ ]
ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا سَجَدَ، وَبَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، يَرْفَعُهُمَا إلَى ثَدْيَيْهِ».
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا إسْنَادٌ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ اهـ.
أقول: الثقفي قد كان اختلط، وقد خالفه عبد الأعلى بن عبد الأعلى القرشي ولم يذكر في حديثه الرفع في السجود، وقد روى حديثه البخاري (٧٣٩) حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ».
ومعتمر بن سليمان وحديثه عند ابن حبان (١٨٧٧)، والطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٥٨٣٠).
وهكذا رواه مالك عن نافع ولم يذكر رفع اليدين عند السجود كما سبق.
وهذا أصح من حديث الثقفي. والله أعلم.
ورواه أحمد (٥٧٦٢) مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ».
[ ٣ / ١٢٣ ]
ورواه البيهقي في [السنن الكبرى] (٢/ ٧١) مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ:
«أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا مِنْ رُكُوعِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
ورواه الدارقطني (١١٢٣)، وابن عساكر في [معجمه] (٤١١) مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ».
قلت: فأنت ترى أن أرطاة بن المنذر خالف في ذكره رفع اليدين عند الهوي للسجود كل من روى الحديث عن نافع من أمثال أيوب، وموسى بن عقبة، وصالح بن كيسان وحديثهم هو المحفوظ. والله أعلم.
قلت: وقد روى الحديث البخاري ومسلم وغيرهما مِنْ طَرِيقِ سالم عن ابن عمر بنفي رفع اليدين في السجود والرفع منه كما سبق.
وروى الطحاوي في [مشكل الآثار] (٥١٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ
[ ٣ / ١٢٤ ]
يَفْعَلُ ذَلِكَ» وَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ شَاذًّا لِمَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ نَافِعٍ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَنْهُ عُبَيْدُ اللهِ اهـ. كلام الطحاوي ﵀.
وقَالَ الإمام البخاري في جزء [رفع اليدين] ص (٧٧):
«وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَيُّوبُ، وَمَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَاللَّيْثُ وَعِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَيْدِي عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ» اهـ.
ورواه أحمد (٥٨٤٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ».
قلت: العمري هو عبد الله وهو ضعيف الحديث.
ورواه أحمد (٦١٦٤) حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ.
قلت: أي مثل حديث أبي هريرة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٥):
«وقد خالفه ابن إسحاق، فرواه عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة - موقوفًا -: قَالَه الإمام أحمد وغيره» اهـ.
[ ٣ / ١٢٥ ]
هـ- حديث أبي هريرة.
روى أحمد (٦١٦٣)، وابن ماجه (٨٦٠) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ، وَيَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ، وَحِينَ يَرْكَعُ، وَحِينَ يَسْجُدُ».
قلت: هذا حديث ضعيف وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين وهو مخلط فيها.
قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٠/ ٢٨٨ - ٢٩٠)
-بعد أن سئل عن حديث الأعرج، عن أبي هريرة: «كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر يفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد».
فقَالَ-: «يرويه صالح بن كيسان عنه، حدث به عنه إسماعيل بن عياش، واضطرب فيه، فرواه عنه هشام بن عمار، ومحمد بن المبارك الصوري، وإبراهيم بن مهدي المصيصي، واتفقوا عنه على لفظ واحد فذكروا فيه الرفع عند الافتتاح، وعند الركوع والسجود، وعند القيام للفصل بين الركعتين. وخالفهم عبد الله بن المبارك، وأبو اليمان، وعبد الله بن عون الخراز، وداود بن عمرو، والحسن بن عرفة، وعمرو بن عثمان، ولوين، فرووه، عن إسماعيل، وقَالَوا فيه: حين يفتتح وحين يركع وحين يسجد.
[ ٣ / ١٢٦ ]
ورواه عثمان بن أبي شيبة، والحارث بن سريج الخوارزمي، عن إسماعيل، فقَالَا فيه: كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا رفع رأسه من الركوع واتبعاه عن صالح، عن نافع، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله، وهو أشبه الأقاويل بالصواب، لأنَّ الحديث محفوظ، عن ابن عمر بهذا اللفظ.
ورواه عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وقَالَ فيه: إنَّه كان يكبر إذا رفع وإذا وضع، وفي الفصل بين الركعتين، ولم يذكر فيه رفع اليدين.
ورواه ابن إسحاق، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنَّه كان يرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وهذا يوافق قول عثمان بن أبي شيبة، والحارث بن سريج، عن إسماعيل غير أنَّه لم يرفعه» اهـ.
ورواه أبو داود (٧٣٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ لِلسُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ».
قلت: وفيه عنعنة ابن جريج.
[ ٣ / ١٢٧ ]
قَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٩/ ٢٨٣):
«وقد رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فرواه عمرو بن علي، عن ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، يقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ"، ولم يتابع عمرو بن علي على ذلك، وغيره يرويه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع وهو الصحيح» اهـ.
و- حديث جابر بن عبد الله.
روى أحمد (١٤٣٦٩) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ بَابٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ، كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: «كُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ».
قلت: هذا حديث شديد الضعف من أجل نصر بن باب قَالَ الإمام البخاري ﵀ في [التاريخ الكبير] (٨/ ١٠٦): «يرمونه بالكذب» اهـ.
ونقل ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٨/ ٤٦٩) عن يحيى بن معين قَالَ: «نصر بن باب ليس حديثه بشيء» اهـ.
وقَالَ: «سألت أبي عن نصر بن باب فقَالَ: هو متروك الحديث» اهـ.
قلت: وحجاج هو ابن أرطأة كثير الخطأ مع تدليسه.
ح- حديث عمير بن حبيب.
[ ٣ / ١٢٨ ]
روى ابن ماجه (٨٦١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رِفْدَةُ بْنُ قُضَاعَةَ الْغَسَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ».
قلت: هذا حديث ضعيف جدًا من أجل رفدة بن قضاعة قَالَ أبو حاتم: منكر الحديث.
وقَالَ البخاري: في حديثه بعض المناكير، لا يتابع في حديثه.
وقَالَ النسائي: ليس بالقوى.
وقَالَ العقيلي: لا يتابع على حديثه.
قَالَ الدارقطني: متروك.
وقَالَ الحافظ ابن حبان ﵀ في [المجروحين] (١/ ٣٠٤):
«رفدة بن قضاعة الغساني من أهل الشام، يروى عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، روى عنه هشام بن عمار، كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يحتج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد عن الأثبات بالأشياء المقلوبات، روى عن الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يرفع يديه في كل خفض ورفع"» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [تهذيب التهذيب] (٣/ ٢٤٦):
[ ٣ / ١٢٩ ]
«وقَالَ مهنأ سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث فقَالَا: ليس بصحيح ولا يعرف عبيد بن عمير روى عن أبيه ولا عن جده» اهـ.
ط- حديث ابن عباس.
روى أحمد (٢٣٠٨، ٢٦٢٧)، وأبو داود (٧٣٩) مِنْ طَرِيقِ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ مَيْمُونٍ الْمَكِّيِّ: أَنَّهُ رَأَى ابْنَ الزُّبَيْرِ عَبْدَ اللهِ، وَصَلَّى بِهِمْ، يُشِيرُ بِكَفَّيْهِ حِينَ يَقُومُ، وَحِينَ يَرْكَعُ، وَحِينَ يَسْجُدُ، وَحِينَ يَنْهَضُ لِلقِيَامِ، فَيَقُومُ فَيُشِيرُ بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى صَلاةً لَمْ أَرَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا، فَوَصَفْتُ لَهُ هَذِهِ الْإِشَارَةَ، فَقَالَ: «إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاقْتَدِ بِصَلَاةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ».
قلت: هذا حديث ضعيف ابن لهيعة مع اختلاطه فهو مدلس وقد عنعن هاهنا، وميمون المكي مجهول.
قلت: والمحفوظ عن ابن الزبير خلاف هذا فروى الحافظ البيهقي [السنن الكبرى] (٢/ ٧٣): أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ الزَّاهِدُ إِمْلَاءً مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ قَالَ: قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي النُّعْمَانِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَحِينَ رَكَعَ وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَحِينَ رَكَعَ وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ فَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ
[ ٣ / ١٣٠ ]
إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَ يَرْفَعً يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ». رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ اهـ.
وروى ابن ماجه (٨٦٥) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ رِيَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ».
قلت: هذا حديث شديد الضعف عمر بن رياح متروك الحديث وكذبه بعضهم.
وروى أبو داود (٧٤٠) والنسائي (١١٤٥) مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ كَثِيرٍ يَعْنِي السَّعْدِيَّ، قَالَ: صَلَّى إِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ «فَكَانَ إِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الْأُولَى فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا رَفَعَ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: لِوُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، فَقَالَ لَهُ: وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ تَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ
[ ٣ / ١٣١ ]
فَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: رَأَيْتُ أَبِي يَصْنَعُهُ، وَقَالَ أَبِي: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَصْنَعُهُ وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُهُ».
قلت: هذا حديث شديد الضعف النضر بن كثير قَالَ فيه الإمام البخاري فيه نظر. وهذا جرح شديد من الإمام البخاري ﵀.
وقَالَ ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به بحال.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٦):
«قَالَ أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر من حديث طاووس.
وقَالَ العقيلي: لا يتابع النضر عليه» اهـ.
قلت: وقد جاء ما يؤيد حديث ابن عمر فروى أحمد (٧١٧)، والبخاري في [جزء رفع اليدين] (٨، ١)، وأبو داود (٧٤٤، ٧٦١)، والترمذي (٣٤٢٣)، وابن ماجه (٨٦٤)، وابن خزيمة (١٨٤) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَيَصْنَعُهُ إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ وَكَبَّرَ».
قلت: وإسناده يحتمل التحسين فعبد الرحمن بن أبي الزناد فيه ضعيف يسير.
[ ٣ / ١٣٢ ]
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٢):
«وأمَّا حديث علي، فصححه الإمام أحمد والترمذي» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٣ - ١٧٤):
«فأمَّا الرفع للسجود وللرفع منه، فلم يخرج في "الصحيحين" منه شيء، وقد خرج البخاري في حديث ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك في السجود.
وفي رواية له - أيضًا -: وكان لا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع من السجود. وقد سبقت الروايتان.
وهذا قول جمهور العلماء، وقد نص عليه الشافعي وأحمد.
وسئل أحمد: أليس يروى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه فعله؟ فقَالَ: هذه الأحاديث أقوى وأكثر.
وروى هذا الحديث بقي، عن الزبيدي، عن الزهري - وابن أخي الزهري، عن عمه -، وزاد في روايته بعد قوله: ولا يرفعهما في السجود: ويرفعهما في كل تكبيره يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته.
خرجه أبو داود مِنْ طَرِيقِ بقية.
والإمام أحمد من الطريق الأخرى، وعنده: "في كل ركعة وتكبيرة" إلى آخره.
وذهب طائفة إلى استحباب رفع اليدين إذا قام من السجود، منهم: ابن المنذر وأبو علي الطبري من الشافعية.
[ ٣ / ١٣٣ ]
واستدلوا: بما روى محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه صلى مع النبي ﷺ، فكان إذا كبر رفع يديه. قَالَ: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه، فأدخل يديه في ثوبه، فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه، فإذا رفع رأسه -أيضًا- من السجود رفع يديه حتى فرغ من صلاته. خرجه أبو داود.
وخرجه مسلم إلى قوله: "فلما سجد سجد بين كفيه"، ولم يذكر ما بعده.
وقَالَت طائفة: يرفع يديه مع كل تكبيرة، وكلما خفض ورفع، وهو قول بعض أهل الظاهر.
وقَالَ أحمد بن أصرم المزني: رأيت أحمد يرفع يديه في كل خفض ورفع، وسئل عن رفع اليدين إذا قام من الركعتين؟ فقَالَ: قد فعل.
وحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب.
ونقل المروذي، عن أحمد، قَالَ: لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز. ونقل جعفر بن محمد، عن أحمد، قَالَ: يرفع يديه في كل موضع، إلا بين السجدتين.
وروى محارب بن دثار، أنَّه رأى ابن عمر يرفع يديه إذا ركع وسجد.
وروى أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وروى حماد بن سلمة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عَنْ أَنَسٍ، أنه كان يرفع يديه من السجدتين.
وروي ذلك -أيضًا- عن الحسن وابن سيرين وطاووس ونافع وأيوب.
ذكره ابن أبي شيبة في "كتابه"» اهـ.
قلت: وقد جاء رفع اليدين عند القيام للثانية في عدة أحاديث منها:
الحديث الأول: حديث ابن عمر.
روى الإمام البخاري (٧٣٩) حدثنا عياش قَالَ حدثنا عبد الأعلى قَالَ حدثنا عبيد الله عن نافع: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ». وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ
رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرًا اهـ.
قلت: قَالَ أبو داود ﵀ بعد أن روى هذا الحديث (٧٤٢): «الصحيح قول ابن عمر وليس بمرفوع.
قَالَ أبو داود: روى بقية أوله عن عبيد الله وأسنده ورواه الثقفي عن عبيد الله أوقفه على ابن عمر وقَالَ فيه وإذا قام من الركعتين يرفعهما إلى ثدييه وهذا هو
[ ٣ / ١٣٥ ]
الصحيح. قَالَ أبو داود ورواه الليث بن سعد ومالك وأيوب وابن جريج موقوفًا وأسنده حماد بن سلمة وحده عن أيوب ولم يذكر أيوب ومالك الرفع إذا قام من السجدتين. وذكره الليث في حديثه. قَالَ ابن جريج فيه قلت لنافع أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن قَالَ لا سواء. قلت أشر لي. فأشار إلى الثديين أو أسفل من ذلك» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/. ١٧): «وقَالَ الدار قطني في "العلل": أشبهها بالصواب عن عبيد الله: ما قَالَه عبد الأعلى. ثم قَالَ: والموقوف عن نافع أصح» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧١):
«فرواية نافع، عن ابن عمر، الأكثرون على أن وقفها أصح من رفعها، وكل هؤلاء لم يذكروا في رواياتهم القيام من الثنتين، وصحح رفعها البخاري والبيهقي» اهـ.
قلت: وروى أبو داود (٧٤٣) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ».
وروى البخاري في جزء [رفع اليدين] (٧٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ
[ ٣ / ١٣٦ ]
أَبِيهِ: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ».
قلت: فالذي يظهر لي هو ثبوت رفع اليدين عند القيام للثالثة في حديث ابن عمر من غير طريق نافع. والله أعلم.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة.
رواه أبو داود (٧٣٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ لِلسُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ».
قلت: وفيه عنعنة ابن جريج. وقد سبق الحديث قريبًا.
الحديث الثالث: حديث ابن عباس.
روى أحمد (٢٣٠٨، ٢٦٢٧)، وأبو داود (٧٣٩) مِنْ طَرِيقِ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ، عَنْ مَيْمُونٍ الْمَكِّيِّ: «أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَصَلَّى بِهِمْ يُشِيرُ بِكَفَّيْهِ حِينَ يَقُومُ وَحِينَ يَرْكَعُ وَحِينَ يَسْجُدُ وَحِينَ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ، فَيَقُومُ
[ ٣ / ١٣٧ ]
فَيُشِيرُ بِيَدَيْهِ». فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى صَلَاةً لَمْ أَرَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا فَوَصَفْتُ لَهُ هَذِهِ الْإِشَارَةَ، فَقَالَ: «إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاقْتَدِ بِصَلَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ».
قلت: هذا حديث ضعيف ابن لهيعة مع اختلاطه فهو مدلس وقد عنعن هاهنا، وميمون المكي مجهول. وهذا الحديث غير محفوظ كما سبق بيانه.
الحديث الرابع: حديث أبي حميد الساعدي.
روى البخاري في جزء [رفع اليدين] (٣)، واللفظ له، وأحمد (٢٣٦٤٧)، وأبو داود (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠٦١)، والترمذي (٣٠٤)، والنسائي (١١٨١)
مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: «شَهِدْتُ أَبَا حُمَيْدٍ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبَعِيٍّ ﵁ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَوا كَيْفَ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً، وَلَا أَكْثَرَنَا لَهُ تِبَاعَةً، قَالَ: بَلْ رَاقَبْتُهُ، قَالَوا: فَاذْكُرْ قَالَ: كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٦٨):
[ ٣ / ١٣٨ ]
«وذكر الخلال، عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قَالَ: سئل أحمد بن حنبل عن حديث أبي حميد الساعدي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في رفع الأيدي؟ فقَالَ: صحيح» اهـ.
لكن قَالَ الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [علل الحديث] (١/ ١٦٢ - ١٦٣):
«وسألت أبي عن الحديث الذي رواه عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ في صفة صلاة النبي ﷺ، فرفع اليدين فقَالَ: رواه الحسن بن الحر، عن عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن العباس بن سهل بن سعد، عن أبي حميد الساعدي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بمثل حديث عبد الحميد بن جعفر والحديث أصله صحيح، لأن فليح بن سليمان قد رواه عن العباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي.
قَالَ أبي: فصار الحديث مرسلًا» اهـ.
قلت: وهذا لا يقتضى ضعف الحديث كما ترى فإنَّ الواسطة بين محمد بن عمرو بن عطاء، وأبي حميد الساعدي ثقة.
[ ٣ / ١٣٩ ]
وقد أعله الطحاوي بعلة أخرى فقَالَ ﵀ في [شرح معاني الآثار] (١/ ٢٥٩): «فَنَظَرْنَا فِي صِحَّةِ مَجِيئِهِمَا وَاسْتِقَامَةِ أَسَانِيدِهِمَا فَإِذَا فَهْدٌ وَيَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ قَدْ حَدَّثَانَا قَالَا: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّهُ وَجَدَ عَشَرَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسًا فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ سَوَاءً. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَدْ فَسَدَ بِمَا ذَكَرْنَا حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ; لِأَنَّهُ صَارَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَجُلٍ، وَأَهْلُ الْإِسْنَادِ لَا يَحْتَجُّونَ بِمِثْلِ هَذَا فَإِنْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ ضَعْفَ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ قِيلَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا تُضَعِّفُونَ عَبْدَ الْحَمِيدِ أَكْثَرَ مِنْ تَضْعِيفِكُمْ لِلْعَطَّافِ مَعَ أَنَّكُمْ لَا تَطْرَحُونَ حَدِيثَ الْعَطَّافِ كُلَّهُ إِنَّمَا تَزْعُمُونَ أَنَّ حَدِيثَهُ فِي الْقَدِيمِ صَحِيحٌ كُلُّهُ وَأَنَّ حَدِيثَهُ بِآخِرِهِ قَدْ دَخَلَهُ شَيْءٌ. هَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي كِتَابِهِ، فَأَبُو صَالِحٍ سَمَاعُهُ مِنَ الْعَطَّافِ قَدِيمٌ جِدًّا فَقَدْ دَخَلَ ذَلِكَ فِيمَا صَحَّحَهُ يَحْيَى مِنْ حَدِيثِهِ مَعَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ لَا يَحْتَمِلُ مِثْلَ هَذَا، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ هَذَا الْحَدِيثَ سَمَاعًا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ إِلَّا عَبْدَ الْحَمِيدِ وَهُوَ عِنْدَكُمْ أَضْعَفُ وَلَكِنَّ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ وَوَصَلَهُ لَمْ يُفَصِّلْ حُكْمَ الْجُلُوسِ كَمَا فَصَّلَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ» اهـ.
قلت: وقد رد على ذلك الحافظ البيهقي في [معرفة السنن والآثار] (٢/ ٤٩٨):
«ثم جاء إلى حديث أبي حميد الساعدي، فضعفه بأنَّ عبد الحميد بن جعفر ضعيف، وأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يلق أبا حميد، فإن في حديثه أنَّه حضر أبا
[ ٣ / ١٤٠ ]
حميد، وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل لأنه قتل مع علي بن أبي طالب، وصلى عليه علي، وأين سن محمد بن عمرو بن عطاء من هذا؟ بينهما رجل، فرد هذه السنة، وما في حديث أبي حميد من سنة القعود بهذا وأمثاله، وما ذكر من ضعف عبد الحميد بن جعفر فمردود عليه، فإن يحيى بن معين قد وثقه في جميع الروايات عنه، وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم بن الحجاج في الصحيح، وما ذكر من انقطاع الحديث فليس كذلك. قد حكم البخاري في التاريخ بأنه سمع أبا حميد، وأبا قتادة، وابن عباس، واستشهاده على ذلك بوفاة أبي قتادة قبله خطأ، فإنه إنما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد، أن عليا صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعًا، وكان بدريًا، ورواه أيضًا الشعبي منقطعًا، وقَالَ: فكبر ستًا، وهو غلط لإجماع أهل التواريخ على أن أبا قتادة الحارث بن ربعي بقي إلى سنة أربع وخمسين وقيل بعدها. أخبرنا أبو الحسين بن الفضل قَالَ: أخبرنا عبد الله بن جعفر قَالَ: حدثنا يعقوب بن سفيان قَالَ: قَالَ ابن بكير، قَالَ الليث: "مات أبو قتادة الحارث بن ربعي بن النعمان الأنصاري سنة أربع وخمسين " وكذلك قَالَه أبو عيسى الترمذي، فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي حامد المقرئ، عنه، وكذلك ذكره أبو عبد الله بن مندة الحافظ في كتاب "معرفة الصحابة"، وذكر الواقدي، عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة، مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، والذي يدل على هذا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن
[ ٣ / ١٤١ ]
بن عوف، وعبد الله بن أبي قتادة، وعمرو بن سليم الزرقي، وعبد الله بن أبي رباح الأنصاري، رووا عن أبي قتادة، وإنما حملوا العلم بعد أيام علي، فلم يثبت لهم عن أحد ممن توفي في أيام علي ﵁ سماع. وروينا عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن معاوية بن أبي سفيان، لما قدم المدينة تلقته الأنصار، وتخلف أبو قتادة، ثم دخل عليه بعد، وجرى بينهما ما جرى، ومشهور فيما بين أهل التاريخ أنه إنما قدمها حاجا قدمته الأولى في إمارته سنة أربع، وأربعين، وذلك بعد خلافة علي، وفي تاريخ البخاري بإسناده، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن مروان بن الحكم، أرسل إلى أبي قتادة، وهو على المدينة: أن اغد، معي حتى تريني مواقف النبي ﷺ وأصحابه، فانطلق مع مروان حتى قضى حاجته، ومروان بن الحكم إنما كان على المدينة في أيام معاوية، ثم نزع سنة ثمان وأربعين، واستعمل عليها سعيد بن العاص، ثم نزع سعيد سنة أربع وخمسين، وأمر عليها مروان بن الحكم.
وروينا في كتاب الجنائز، عن ابن جريج، وأسامة بن زيد، عن نافع، مولى ابن عمر في اجتماع الجنائز: "أن جنازة، أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابنها زيد بن عمر، وضعا جميعًا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس يومئذ ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو قتادة، فوضع الغلام مما يلي الإمام، ثم سئلوا، فقَالَوا: هي السنة".
[ ٣ / ١٤٢ ]
وقد ذكرنا أن إمارة سعيد بن العاص إنما كانت من سنة ثمان وأربعين إلى سنة أربع وخمسين، وفي هذا الحديث الصحيح شهادة نافع بشهود أبي قتادة هذه الجنازة التي صلى عليها سعيد بن العاص في إمارته على المدينة، وفي كل ذلك دلالة على خطأ رواية موسى بن عبد الله، ومن تابعه في موت أبي قتادة في خلافة علي، ويشبه أن يكون راويه غلط من قتادة بن النعمان، أو غيره، ممن تقدم موته إلى أبي قتادة، فقتادة بن النعمان قديم الموت، وهو الذي شهد بدرًا منهما، إلاَّ أن الواقدي ذكر أنه مات في خلافة عمر، وصلى عليه عمر، وذكر هذا الراوي أن أبا قتادة صلى عليه علي، والجمع بينهما متعذر، وهذا الراوي ذكر أنه كان بدريًا، وأبو قتادة الحارث بن ربعي لم يشهد بدرًا، وأسامي من شهد بدرًا من الصحابة عندنا مدونة في كتاب عروة بن الزبير، والزهري وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم من أهل المغازي، وقد نظرت في جميع ذلك فلم أجد في شيء من كتبهم أن أبا قتادة شهد بدرًا، فإما أن يكون مخطئًا في قوله: صلى علي على أبي قتادة، أو في قوله: وكان بدريًا وكيف يجوز رد رواية أهل الثقة بمثل هذه الرواية الشاذة؟. ثم إن كان ذكر أبي قتادة وقع وهما في رواية عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء، لتقدم موت أبي قتادة في زعم هذا الراوي، فالحجة قائمة بروايته عن أبي حميد الساعدي، ولا شك في سماعه منه، فمحمد بن عمرو بن جلجلة وافق عبد الحميد بن جعفر على روايته، عن محمد بن عمرو بن عطاء، وإثبات سماعه من أبي
[ ٣ / ١٤٣ ]
حميد الساعدي في بعض هذه القصة، وهي في مسألة كيفية الجلوس في التشهد مذكورة، وأما إدخال من أدخل بين محمد بن عمرو بن عطاء، وبين أبي حميد الساعدي رجلًا، فإنه لا يوهنه، لأن الذي فعل ذلك رجلان: أحدهما عطاء بن خالد، وكان مالك بن أنس لا يحمده، والآخر عيسى بن عبد الله، وهو دون عبد الحميد بن جعفر في الشهرة والمعرفة، واختلف في اسمه، فقيل: عيسى بن عبد الله بن مالك، وقيل: عيسى بن عبد الرحمن، وقيل: عبد الله بن عيسى، ثم اختلف عليه في ذلك، فروي عن الحسن بن الحر، عن عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس، أو عياش بن سهل، عن أبي حميد، وروي عن عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل الساعدي، عن أبي حميد: ليس فيه محمد بن عمرو بن عطاء، وروينا حديث أبي حميد، عن فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد، وبين فيه عبد الله بن المبارك: عن فليح، سماع عيسى بن عباس بن سهل، مع سماع فليح، من عباس، فذكر محمد بن عمرو بن عطاء، بينهما وهم. ثم إن استدلال الشافعي في القديم إنما وقع برواية إسحاق بن عبد الله، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد، ومن سماه معه من الصحابة، وأكدناه برواية فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل، عنهم، فالإعراض عنه، وترك القول به، والاشتغال بتضعيف رواية عبد الحميد بن جعفر، بأمثال ما أشرنا إليه وأجبنا عنه، ليس من شأن من يريد متابعة السنة، وترك ما استحلاه من العادة، وبالله التوفيق. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قَالَ: حدثنا أبو العباس هو الأصم، قَالَ:
[ ٣ / ١٤٤ ]
سمعت العباس بن محمد، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول: عبد الحميد بن جعفر ثقة، قَالَ يحيى: ومحمد بن عمرو بن عطاء يروي عنه عبد الحميد بن جعفر. وأخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، قَالَ: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني قَالَ: حدثنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس قَالَ: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قَالَ: محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة العامري القرشي المدني، سمع أبا حميد الساعدي، وأبا قتادة، وابن عباس، وروى عنه عبد الحميد، وموسى بن عقبة، ومحمد بن عمرو بن جعفر بن حلحلة، والزهري قَالَ الشيخ أحمد: وإنما حملني على بعض الاستقصاء في هذا لأن حديث أبي حميد يشتمل على سنن كثيرة، وقد ترك أكثرها هذا الشيخ الذي يدعي تسوية الأخبار على مذهبه، ليعلم أنه غير معذور فيما ترك من هذه السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ، وأن الذي اعتذر به ليس بعذر، والله المستعان» اهـ.
قلت: وقد أحسن في ذلك وأجاد ﵀.
الحديث الخامس: حديث علي بن أبي طالب.
روى أحمد (٧١٧)، والبخاري في [جزء رفع اليدين] (١، ٨)، وأبو داود (٧٤٤، ٧٦١)، والترمذي (٣٤٢٣)، وابن ماجه (٨٦٤)، وابن خزيمة (١٨٤) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
[ ٣ / ١٤٥ ]
رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَيَصْنَعُهُ إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ وَكَبَّرَ».
قلت: وإسناده يحتمل التحسين فعبد الرحمن بن أبي الزناد فيه ضعيف يسير. وقد سبق ذكره قريبًا.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٢):
«وأما حديث علي، فصححه الإمام أحمد والترمذي» اهـ.
قلت: فالذي يظهر لي بعد النظر في أحاديث الباب أنَّه لا يثبت الرفع إلَّا في الأربعة المواضع وهي عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع والرفع منه، وعند القيام للثالثة. والله أعلم.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٧٢ - ١٧٣):
«وقد اختلف العلماء في الرفع إذا قام من التشهد الأول: فأكثرهم على أنه غير مستحب، حتى ادعى أبو حامد الاسفرايني من أعيان الشافعية الإجماع على ذلك، وجعله دليلًا على نسخ الأحاديث الواردة فيه.
وليس الأمر كما قَالَ.
واستحبه طائفة من العلماء، كما ذكره البخاري والنسائي في "كتابيهما".
[ ٣ / ١٤٦ ]
وقَالَ حرب الكرماني: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا هاشم بن القاسم: حدثنا الربيع بن صبيح، قَالَ: رأيت الحسن وابن سيرين وعطاء وطاووسًا ومجاهدًا ونافعًا وقتادة وابن أبي نجيح والحسن بن مسلم إذا دخلوا في الصلاة كبروا ورفعوا أيديهم وإذا كبروا للركوع رفعوا أيديهم. غير أن أهل الحجاز كانوا يرفعون أيديهم إذا قاموا من الركعتين من الفريضة وكانوا يقعون على أعقابهم.
والمشهور عن الشافعي وأحمد، أنه لا يرفع إذا قام من الركعتين.
قَالَ أحمد: أنا لا أستعمله ولا أذهب إليه، واستدل بحديث ابن عمر، وقَالَ فيه: وكان لا يرفع بعد ذلك -أي: بعد المواضع الثلاثة-.
وهذا الحديث بهذا اللفظ قد سبق من رواية رزق الله بن موسى، عن يحيى القطان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر -مرفوعًا -، وأنه لا يصح رفعه.
ورواه -أيضًا- بشير الكوسج، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: "رأيت النبي ﷺ يرفع يديه في أول التكبير، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ثم يكبر بعد ذلك ولا يرفع يديه".
قَالَ بشير: وحدثني الحسن بن عثمان المديني، عن سالم، عن أبيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بمثل ذلك.
وبشير هذا، غير مشهور، وقد ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور"، وذكر أنه روى عنه جماعة.
[ ٣ / ١٤٧ ]
وقَالَ إسحاق بن إبراهيم: سئل أحمد: إذا نهض الرجل من الركعتين يرفع يديه؟ قَالَ: إن فعله فما أقربه؛ فيه عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وأبي حميد أحاديث صحاح، ولكن قَالَ الزهري في حديثه: ولم يفعل في شيء من صلاته، وأنا لا أفعله.
وهذا اللفظ لا يعرف في حديث الزهري.
وذكر القاضي أبو يعلى: أن هذه الرواية عن أحمد تدل على جوازه، من غير استحباب.
وحكي عن أحمد رواية باستحبابه.
قَالَ البيهقي في كتاب "مناقب الإمام أحمد": أنبأني أبو عبد الله الحافظ - يعني: الحاكم -: ثنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه: أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قَالَ: سألت أبي عن حديث عبد الأعلى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - في رفع اليدين، وكان إذا قام من الثنتين رفع يديه -؟ فقَالَ: سنة صحيحة مستعملة، وقد روى مثلها علي بن أبي طالب وأبو حميد في عشرة من الصحابة، وأنا أستعملها.
قَالَ الحاكم أبو عبد الله: سئل الشيخ أبو بكر - يعني: ابن إسحاق - عن ذلك؟ فقَالَ: أنا أستعملها، ولم أر من أئمة الحديث أحدًا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها.
[ ٣ / ١٤٨ ]
وهذه الرواية غريبة عن أحمد جدًا، لا يعرفها أصحابنا، ورجال إسنادها كلهم حفاظ مشهورون، إلاَّ أن البيهقي ذكر أن الحاكم ذكرها في كتاب "رفع اليدين" وفي كتاب "مزكي الأخبار "، وأنه ذكرها في "كتاب التاريخ" بخلاف ذلك، عند القيام من الركعتين، فوجب التوقف. والله أعلم.
وحكي ذلك -أيضًا- قولًا للشافعي؛ لأنه ذكر حديث أبي حميد الساعدي بطوله، قَالَ: وبهذا نقول.
قَالَ البيهقي في "كتاب المعرفة": ومذهب الشافعي متابعة السنة إذا ثبتت، وقد قَالَ في حديث أبي حميد: وبهذا أقول.
وقَالَ البغوي: لم يذكر الشافعي رفع اليدين إذا قام من الثنتين، ومذهبه اتباع السنة، وقد ثبت ذلك.
وذهب إلى هذا طائفة من أهل الحديث، منهم: ابن لمنذر، ومن أصحاب الشافعي، منهم: أبو علي الطبري والبيهقي والبغوي وغيرهم من المتأخرين، ورجحه -أيضًا- طائفة من المتأخرين من أصحابنا، قَالَوا: وهو دون الرفع في الإحرام والركوع والرفع منه في الاستحباب» اهـ.
فائدة/ وموضع هذا الرفع عند القيام لا قبل ذلك كما هو ظاهر ألفاظ الأحاديث لا سيما وقد جاء في حديث علي ﵁: «وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ». وهذا يدل على أنَّ الرفع لا يكون عن قعود. والله أعلم.
[ ٣ / ١٤٩ ]
فائدة/ ويستحب مد الأصابع وضمها عند التكبير.
لما رواه أحمد (٩٦٠٦، ١٠٤٩٧)، وأبو داود (٧٥٣)، والترمذي (٢٤٠)
مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا».
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه أحمد (٨٨٦٢) حدثنا حسين بن محمد قَالَ أنبأنا بن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا».
ورواه (١٠٤٩٦) مِنْ طَرِيقِ محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا بن أبي ذئب. به.
وروى الترمذي (٢٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِمْعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ نَشَرَ أَصَابِعَهُ».
قَالَ أبو عيسى: حديث أبي هريرة حسن
وقد روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى اله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًا"
وهذا أصح من رواية يحيى بن اليمان وأخطأ يحيى بن اليمان في هذا الحديث اهـ.
قلت: حديث يحيى بن اليمان شاذ مردود.
[ ٣ / ١٥٠ ]
قَالَ ابن أبي حاتم في [علل الحديث] (١/ ٩٨):
«وسمعت أبي، وذكر حديث: يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قَالَ: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا افتتح الصلاة نشر أصابعه نشرًا".
قَالَ أبي: وهم يحيى، إنما أراد قَالَ: "كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا". كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب» اهـ.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٤٧):
«فصل: ويستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع ويضم بعضها إلى بعض لما روى أبو هريرة: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًا".
وقَالَ الشافعي: السنة أن يفرق أصابعه لما روي عن أبي هريرة: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان ينشر أصابعه للتكبير".
ولنا: ما ذكرناه وحديثهم قَالَ الترمذي: هذا خطأ والصحيح ما رويناه ثم لو صح كان معناه مد أصابعه قَالَ أحمد: أهل العربية قَالَوا: هذا الضم - وضم أصابعه - وهذا النشر - ومد أصابعه - وهذا التفريق - وفرق أصابعه ولأن النشر لا يقتضي التفريق كنشر الثوب ولهذا يستعمل في الشيء الواحد ولا تفريق فيه» اهـ.
[ ٣ / ١٥١ ]
فائدة أخرى: يشرع رفع اليدين من تحت الثياب لعذر كالبرد فقد روى أحمد (١٨٨٧٠، ١٨٨٧٦)، واللفظ له، وأبو داود (٧٢٧) مختصرًا
مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيَّ، أخْبَرَهُ قَالَ: «قُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَيْفَ يُصَلِّي؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ قَامَ فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ، ثُمَّ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا، ثُمَّ سَجَدَ، فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ وَرُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا، ثُمَّ جِئْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ تُحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ مِنَ الْبَرْدِ».
قلت: هذا حديث حسن.
وفي لفظ أبي داود (٧٢٨) عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ - قَالَ - ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى صُدُورِهُمْ فِى افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِمْ بَرَانِسُ وَأَكْسِيَةٌ».
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٤٠):
«فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ فِي ثَوْبِهِ، رَفَعَهُمَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الشِّتَاءِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ
[ ٣ / ١٥٢ ]
أَيْدِيَهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ فِي الصَّلَاةِ". وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ، تَتَحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ. رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَةٍ؛ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إلَى صُدُورِهِمْ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩):
«قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْمِعْصَمِ رَفَعَ السَّاعِدَ قَالَ الْبَغَوِيّ فَإِنْ قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقِ رَفَعَ الْعَضُدَ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَالثَّانِي لَا يَرْفَعُ لِأَنَّ الْعَضُدَ لَا يُرْفَعُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَجَزَمَ الْمُتَوَلِّي بِرَفْعِ الْعَضُدِ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَشْرُوعِ أَوْ نَقْصٍ أَتَى بِالْمُمْكِنِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْرُوعِ أَتَى بِالزِّيَادَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى يَدَيْهِ مَقْطُوعَةً مِنْ أَصْلِهَا أَوْ شَلَّاءَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا رَفَعَ الْأُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا صَحِيحَةً وَالْأُخْرَى عَلِيلَةً فَعَلَ بِالْعَلِيلَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَرَفَعَ الصَّحِيحَةَ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَلَوْ تَرَكَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَتَّى أَتَى بِبَعْضِ التَّكْبِيرِ رَفَعَهُمَا فِي الْبَاقِي فَإِنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ لَمْ يَرْفَعْ بَعْدَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ» اهـ.
قلت: الأظهر عدم رفع العضد لأنَّه في حال السلامة لا يرفع.
فائدة أخرى: والمرأة كالرجل في استحباب رفع اليدين إلَّا إذا خشي انكشاف شيء من بدنها فلا تفعل.
[ ٣ / ١٥٣ ]
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٠٩):
«قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي كُلِّ هَذَا» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٤٠):
«فَصْلٌ: وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ لَا تَفْرِيقَ فِيهَا.
فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إحْدَاهُمَا، تَرْفَعُ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَتَا تَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَلِأَنَّ مَنْ شُرِعَ فِي حَقِّهِ التَّكْبِيرُ شُرِعَ فِي حَقِّهِ الرَّفْعُ كَالرَّجُلِ، فَعَلَى هَذَا تَرْفَعُ قَلِيلًا. قَالَ أَحْمَدُ: رَفْعٌ دُونَ الرَّفْعِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّجَافِي، وَلَا يُشْرَعُ ذَلِكَ لَهَا، بَلْ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ صَلَاتِهَا» اهـ.
* * *
[ ٣ / ١٥٤ ]
٨٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ».
قوله: «عَلَى الْجَبْهَةِ» قَالَ العلامة ابن منظور ﵀ في [لسان العرب] (١٣/ ٤٨٣): «والجَبْهَةُ موضع السجود وقيل هي مُسْتَوَى ما بين الحاجبين إلى الناصية» اهـ.
وقَالَ العلامة أبو البركات أحمد الدردير المالكي ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير] (١/ ٨٦): «والجبهة ما ارتفع عن الحاجبين إلى مبدأ الرأس فتشمل الجبينين، وأمَّا الجبهة في السجود فهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية فلا تشمل الجبينين» اهـ.
قلت: وقد يطلق على الجبهة جبين كما هو وارد في بعض الأحاديث والآثار.
ومن ذلك ما رواه النسائي سنن النسائي (١٠٩٥) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «بَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى جَبِينِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ».
[ ٣ / ١٥٥ ]
قلت: والسواد الذي يوجد في الجبهة لا يدل على كثرة صلاة الرجل ولا على قلتها، وذلك لأنَّ سببه قد يكون من تحسس البشرة، وقد يكون من غلظ ما يسجد عليه، وتكلف إيجاده من الرياء المذموم.
وروى ابن وهب في [جامعه] (٢٤٩)، والطبري في [تهذيب الآثار] (٣٠٥)
مِنْ طَرِيقِ عبد الرحمن بن مهدي عن الثَّوْرِيِّ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا يَنْتَحِي فِي السُّجُودِ يَشُدُّ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ صُورَةَ الرَّجُلِ وَجْهُهُ، فَلا تَشِينَنَّ صُورَتَكَ».
قلت: هذا أثر صحيح.
ومن الطرف في ذلك ما ذكره أبو إسحاق القيرواني ﵀ في [زهر الآداب وثمر الألباب] (٢/ ٤٦٦) حيث قَالَ:
«حدث أبو عمر الزاهد قَالَ: دلك بعض الزهاد المرائين جبهته بثوم وعصبها، ونام ليصبح بها كأثر السجود، فانحرفت العصابة إلى صدغه، فأخذ الأثر هناك، فقَالَ له ابنه: ما هذا يا أبت؟ فقَالَ: أصبح أبوك ممن يعبد الله على حرف» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب السجود في هذه الأعضاء السبعة لظاهر الأمر فإنَّ الأصل في الأمر الوجوب.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٧ - ٤٨):
[ ٣ / ١٥٦ ]
«ولا خلاف في أنَّ السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل، واختلفوا في الواجب من ذلك:
فقَالَت طائفة: يجب السجود على جميعها، وهو أحد القولين للشافعي، ورجحه كثير من أصحابه، والصحيح المشهور عن أحمد، وعليه أصحابه، وأكثرهم لم يحك عنه فيه خلافًا، وهو قول مالك وإسحاق وزفر، وحكي عن طاووس.
ويدل على هذا القول: هذه الأحاديث الصحيحة بالأمر بالسجود على هذه الأعضاء كلها، والأمر للوجوب.
وقَالَت طائفة: إنَّما يجب بالجبهة فقط، ولا يجب بغيرها، وهو القول الثاني للشافعي، وحكي رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه.
والمنقول عن أحمد فيمن سجد ورفع أطراف أصابع قدميه من الأرض: أنَّه ناقص الصلاة، وتوقف في الإعادة على من صلى وسجد وقد رفع إحدى رجليه، وقَالَ: قد روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم".
ورأى مسروق رجلًا ساجدًا قد رفع رجليه أو إحداهما، فقَالَ: إنَّ هذا لم يتم صلاته.
وروي عن أحمد، أنَّه صلى وسجد ووضع ثلاث أصابع رجليه على الأرض.
قَالَ القاضي أبو يعلي: ظاهر هذا: أنَّه يجزئه، يضع بعض أصابع رجليه.
[ ٣ / ١٥٧ ]
ونقل إسماعيل بن سعيد، عن أحمد: إذا وضع من يديه على الأرض قدر الجبهة أجزأه.
قَالَ أبو بكر عبد العزيز بن جعفر: وكذا من الرجلين.
وقَالَ القاضي أبو يعلى: يجزئه أن يضع من يديه وجبهته على الأرض شيئًا، وإن قل.
ومن أصحابنا من حكى الإجماع على ذلك.
وهذا مخالف لرواية الشالنجي؛ فإنَّها تدل على أنَّه لا يجزئ دون وضع الجبهة، وقدرها من الكفين.
وحكي عن ابن حامد من أصحابنا: أنَّه يجب استيعاب الكفين بالسجود عليهما، وهو قول أبي خيثمة بن حرب.
وقَالَ داود بن سلمان الهاشمي: إذا وضع أكثر كفيه أجزأه.
ومذهب الشافعي الذي عليه أكثر أصحابه، ونص عليه في "الأم": أنَّه لو سجد على بعض جبهته كره، وأجزأه.
ولأصحابه وجه: لا يجزئه حتى يسجد على جميع الجبهة» اهـ.
قلت: واحتج من لم يوجب السجود بغير الوجه بقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وقول الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
[ ٣ / ١٥٨ ]
قَالَوا: فلم يذكر الله ﷿ في السجود غير الوجه.
وفي حديث علي ﵁ الذي رواه مسلم (٧٧١) وَإِذَا سَجَدَ - أَي النَبِي ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ».
قلت: الذي يظهر لي أنَّه خص الوجه بالذكر لأنَّه أشرف ما يسجد عليه لا لاختصاصه بالحكم في ذلك، أو لأنَّه أصل السجود وبقية الأعضاء تبع له؛ ولهذا إذا عجز الإنسان من السجود على الجبهة أومأ برأسه ولا يلزمه السجود ببقية الأعضاء، ولأنَّ واضع الجبهة في الأرض يُسمى ساجدًا، ومن وضع يديه أو ركبتيه أو قدميه في الأرض لا يعد ساجدًا، وإنَّما تدخل هذه الأعضاء في مسمى السجود تبعًا للوجه. والله أعلم.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٨٩):
«وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء سجد على بقيتها وقرب العضو المريض من الأرض غاية ما يمكنه ولم يجب عليه أن يرفع إليه شيئًا لأنَّ السجود هو الهبوط ولا يحصل ذلك برفع المسجود عليه وأن سقط السجود على الجبهة لعارض من مرض أو غيره سقط عنه السجود على غيره لأنَّه الأصل وغيره تبع له فإذا سقط الأصل سقط التبع» اهـ.
[ ٣ / ١٥٩ ]
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن الجارود في [المنتقى] (١٩٤) الطبراني في [المعجم الكبير] (٤٥٢٥)، الحاكم في [مستدركه] (٨٨١)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [السنن الكبرى] (٢/ ١٠٢/ ٢/ ٣٤٥)، وفي [المعرفة] (٨٨٦)
مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ في حديث المسيء في صلاته، وفيه: «ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْجُدُ فَيُمَكِّنُ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَوِىَ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قلت: وقد أجاب على هذا الاحتجاج الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٥٢) فقَالَ ﵀:
«وهذا غايته أن تكون دلالته دلالة مفهوم وهو مفهوم لقب أو غاية. والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه» اهـ.
قلت: والأظهر هو وجوب السجود على جميع الجبهة، وذلك أنَّ في الحديث الأمر بالسجود على الجبهة، وليس فيه الأمر بالسجود على بعضها، ويؤيد ذلك أنَّه لا يعلم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه سجد على بعض الجبهة، ونظير ذلك أمر الله ﷿ بغسل الوجه فإنَّه يشمل جميع الوجه عند عامة العلماء.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا يَجِبُ وَضْعُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ كَفَى وَضْعُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا كَمَا قُلْنَا فِي الْجَبْهَةِ» اهـ.
[ ٣ / ١٦٠ ]
قلت: والأظهر خلاف ذلك. والله أعلم.
٢ - ويدل الحديث على وجوب السجود على الأنف مع الجبهة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٨ - ٥٠):
«واستدل بهذا من يقول: أنَّه يجب السجود على الأنف مع الجبهة، وهو قول مالك وأحمد -في رواية عنهما - وإسحاق، وأختار هذه الرواية عن أحمد أبو بكر عبد العزيز وغيره من أصحابنا -وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة.
وحكي قولًا للشافعي، رجحه بعض المتأخرين من أصحابه، إلَّا أنَّه خصه بحال الذكر.
وروي معناه عن طاووس والنخعي وسعيد بن جبير.
وروي عن ابن عمر، قَالَ: السجود على الأنف تحقيق السجود.
وسئل طاووس: الأنف من الجبين؟ قَالَ: هو خيره.
وروى عاصم، عن عكرمة، قَالَ: رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي لا يمس أنفه الأرض، قَالَ: "لا تقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين".
وخرّجه الدارقطني والحاكم -موصولًا-، عن ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
[ ٣ / ١٦١ ]
وصحح الحاكم وصله، وصحح الأكثرون إرساله، منهم: أبو داود في "مراسيله" والترمذي في "علله" والدارقطني وغيرهم. وإلى ذلك يميل الإمام أحمد، وهو مرسل حسن.
ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته، لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف، غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسان بن إبراهيم.
وقَالَ كثير من العلماء: السجود على الأنف مستحب غير واجب، وروي عن الحسن والشعبي والقاسم وسالم، وهو قول الشافعي وسفيان وأحمد -في الرواية الثانية عنهما.
وحمل من قَالَ بذلك حديث ابن عباس على الاستحباب دون الوجوب، قَالَوا: لأنَّه عد الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعًا، ولو كان الأنف معها لكانت ثمانيًا.
وهذا مردود، فإنَّ الأنف من الجبهة، كما قَالَ طاووس: هو خيرها.
وروي عنه، أنَّه كان يعد الأنف والجبهة واحدًا.
فان قيل: فالجبهة لا يجب السجود على جميعها بالإجماع، ولو وجب السجود على الأنف لوجب استيعابها بالسجود عليها.
قيل: هذا الإجماع غير صحيح، وقد سبق قول من قَالَ بوجوب استيعابها بالسجود عليها.
[ ٣ / ١٦٢ ]
ولكن؛ قد قيل: إنَّ ذكر الأنف منها إنَّما هو من كلام طاووس -: قَالَه البيهقي وغيره.
وفي "سنن ابن ماجه" من رواية ابن عيينة، عن ابن طاووس هذا الحديث، وفيه: قَالَ ابن طاووس: وكان أبي يقول: الركبتين واليدين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدًا.
كذا خرّجه عن هشام بن عمار، عن سفيان.
وخرّجه النسائي مِنْ طَرِيقِ سفيان -أيضًا -، وعنده: قَالَ سفيان: قَالَ لنا ابن طاووس: وضع يديه على جبهته، وأمرها على أنفه، وقَالَ: هذا واحد.
ورواه - أيضًا - الشافعي وابن المديني، عن ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه - بمعناه.
خرّجه البيهقي.
وقَالَ: في حديث سفيان ما دل على أنَّ ذكر الأنف في الحديث من تفسير طاووس.
وخرّجه -أيضًا - مِنْ طَرِيقِ إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس، قَالَ: أمر النبي ﷺ أن يسجد منه على سبع، قَالَ ابن ميسرة: فقلت لطاووس: أرأيت الأنف؟ قَالَ: هو خيره.
وأيضًا؛ فقد قَالَ: "سبعة أعظم"، وطرف الأنف المسجود عليه ليس عظمًا، فعلم أنَّه تابع لعظم الجبهة، وليس عضوًا مستقلًا. فلو تعذر السجود على الجبهة لعذر،
[ ٣ / ١٦٣ ]
وقدر على السجود على أنفه، فهل يلزمه عند من لا يوجب السجود عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وينتقل الفرض إليه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي.
والثاني: لا ينتقل الفرض إليه، بل يومي بجبهته، ولا يلزمه السجود على أنفه، وهو قول مالك وأصحابنا، كما لا ينتقل فرض غسل اليدين والرجلين في الوضوء إلى موضع الحلية، إذا قدر على غسله، وعجز عن غسل اليدين والرجلين» اهـ.
٣ - قَالَ الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٥٤):
«قد يستدل بهذا على أنَّه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء فإنَّ مسمى السجود يحصل بالوضع فمن وضعها فقد أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العدة» اهـ.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦):
«"فرع" في مذاهب العلماء في السجود علي كمه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك مما هو متصل به: قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنَّه لا يصح سجوده علي شيء من ذلك وبه قَالَ داود وأحمد في رواية وقَالَ مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحق وأحمد في الرواية الأخرى يصح قَالَ صاحب التهذيب وبه قَالَ أكثر العلماء» اهـ.
قلت: الصحيح كراهة السجود على كور العمامة ونحو ذلك من الثياب المتصلة بالمصلي ولا يصل الأمر إلى بطلان صلاة من فعل ذلك.
والدليل على الكراهة عدة أدلة منها:
[ ٣ / ١٦٤ ]
الدليل الأول قول الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. ومما ذكر من معناها:
أنَّه ما يتعلق من التراب بموضع السجود.
قلت: وهذا لا يكون إذا سجد الإنسان على حائل متصل به.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري (١٢٠٨)، ومسلم (٦٢٠) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ».
قلت: وهذا يدل على أنَّهم كانوا لا يسترون جباهم عند السجود إلَّا عند المشقة في كشفها.
الدليل الثالث: ما رواه البخاري (٨١٣)، ومسلم (١١٦٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ"، وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله
[ ٣ / ١٦٥ ]
عليه وسلم حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ».
قلت: وهذا مما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه لم يكن يسجد على حائل يحول بينه وبين الأرض. وقد قَالَ النبي ﷺ: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رواه البخاري (٦٣١) عن مالك بن الحويرث.
قلت: واختلف العلماء في كشف اليدين والصحيح عدم الوجوب.
قَالَ العلامة الشيرازي ﵀ كما في [المجموع] (٣/ ٤٢٦):
«فإذا قلنا بهذا - يعني وجوب السجود على الأعظم السبعة- لم يجب كشف القدمين والركبتين لأنَّ كشف الركبة يفضى إلى كشف العورة فتبطل صلاته والقدم قد يكون في الخف فكشفها يبطل السمح والصلاة وأمَّا اليد ففيه قولان» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٩):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا وَضْعَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَجِبْ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ كَشْفِ الرُّكْبَتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُ الْجَمِيعِ وَفِي وُجُوبِ كَشْفِ الْيَدَيْنِ قَوْلَانِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ كَشْفُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ بَاطِنِ كُلِّ كَفٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ٣ / ١٦٦ ]
٤ - الأمر بالسجود على اليدين، وأطراف القدمين هل يشمل ذلك إجزاء السجود على ظهر كفيه، وقدميه فيه نزاع.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٩٥):
«وإن جعل ظهور كفيه إلى الأرض وسجد عليهما أو سجد على أطراف أصابع يده فظاهر الخبر أنَّه يجزئه لأنَّه أمر بالسجود على اليدين وقد سجد عليهما وكذلك لو سجد على ظهور قدميه فإنَّه قد سجد على القدمين ولا يخلو من إصابة بعض أطراف قدميه الأرض فيكون ساجدًا على أطراف قدميه ولكنه يكون تاركًا للأفضل الأحسن لما ذكرنا من الأحاديث في ذلك» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٨):
«وإن سجد علي ظهر كفيه لم يجزئه وَكَذَا إنْ سَجَدَ عَلَى حُرُوفِهَا وَإِنْ مَاسَّ الأرض ببعض يديه أصابعهما أو بعضها أو راحتيه أو بعضها أو سجد على ما عدا جبهته متغطيًا أجزأه وهكذا فِي الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ» اهـ.
وقَالَ ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩):
«وَالِاعْتِبَارُ فِي القدمين ببطون الأصابع فلو وضع غيرذلك لَمْ يُجْزِئْهُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلَى ظَاهِرِ قَدَمِهِ أَجْزَأَهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْيَدَيْنِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ سَوَاءٌ فِيهِ بَاطِنُ الْأَصَابِعِ وَبَاطِنُ الرَّاحَةِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بعض باطن الرَّاحَةِ أَوْ بَعْضِ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ أَجْزَأَهُ
[ ٣ / ١٦٧ ]
وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ أَوْ حَرْفِهِمَا لَمْ يُجْزِئْهُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ كما سبق بيانه وكذا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَخَالَفَهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فَقَالَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ السُّجُودُ هُوَ الرَّاحَتَانِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ يُجْزِيهِ بُطُونُ الْأَصَابِعِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَاجِدًا عَلَى يَدَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: الأظهر ما ذهب إليه الشافعية من عدم إجزاء السجود على ظهر القدمين واليدين.
والسجود على بطون أصابع القدمين هي السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٨٢٨) من حديث أبي حميد الساعدي وفيه: «فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ».
٥ - ولا يدخل في الحديث ما خرج عن موضع الفرض في السجود كمقطوع الكف أو القدم.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٩):
«لَوْ تَعَذَّرَ وَضْعُ أَحَدِ الْكَفَّيْنِ أَوْ أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ لِقَطْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا سَبَقَ وَلَا فَرْضَ فِي الْمُتَعَذِّرَةِ وَلَا يَجِبُ وَضْعُ طَرَفِ الزَّنْدِ مِنْ الْمَقْطُوعَةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْفَرْضِ فَاتَ فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْعَضُدِ» اهـ.
[ ٣ / ١٦٨ ]
٦ - ولا يجزئ وضع الجبهة على اليدين عند السجود لما فيه من تداخل أعضاء السجود.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المغني] (١/ ٣٧٢):
«وَإِنْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَصِحَّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، فَالسُّجُودُ يُؤَدِّي إلَى تَدَاخُلِ السُّجُودِ» اهـ.
٧ - ولا يقوم غير الجبهة مقامها لأنَّ الحديث فيه الأمر بالسجود على الجبهة.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٣)
«وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْجَبِينِ وَهُوَ الَّذِي فِي جَانِبِ الْجَبْهَةِ أَوْ عَلَى خَدِّهِ أَوْ صُدْغِهِ أَوْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ عَلَى أَنْفِهِ وَلَمْ يَضَعْ شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ [فتح الباري] (٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠):
«فلو تعذر السجود على الجبهة لعذر، وقدر على السجود على أنفه، فهل يلزمه عند من لا يوجب السجود عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وينتقل الفرض إليه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي.
والثاني: لا ينتقل الفرض إليه، بل يومي بجبهته، ولا يلزمه السجود على أنفه، وهو قول مالك وأصحابنا، كما لا ينتقل فرض غسل اليدين والرجلين في الوضوء إلى موضع الحلية، إذا قدر على غسله، وعجز عن غسل اليدين والرجلين» اهـ.
[ ٣ / ١٦٩ ]
وجاء في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧):
«وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى-: عمن يلبس نظارات كبيرة جدًا، لا تمكنه من السجود كاملًا على الأعضاء السبعة فقد تحول دون الأنف، كما أنَّ البعض قد يلبس عقَالًَا سميكًا لا تتمكن جبهته من السجود، ويقولون: إنَّ مجرد ملامسة النظارة والعقَالَ للأرض كافيان عن ملامسة الأنف أو الجبهة للأرض لأنَّهما ملتصقان بهما، فما قولكم - وفقكم الله تعالى-؟
فأجاب فضيلته بقوله: أمَّا العقَالَ: فإن كان نازلًا إلى الجبهة فإنَّ السجود عليه كاف، لكنه مكروه للحيلولة دون اتصال جبهته بمكان السجود.
وأمَّا إذا كان العقَالَ ليس على الجبهة كما هو الغالب، ولكنه على أسفل الرأس، أو على المنحنى من الجبهة وارتفعت الجبهة على الأرض فإن ذلك لا يجزئه، لأنَّ الجبهة لم تمس الأرض ولا ما اتصل بالأرض.
أمَّا بالنسبة للنظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض فإنَّ السجود لا يجزئ، وذلك لأنَّ الذي يحمل الوجه هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود» اهـ.
قلت: إذا كان لابس النظارة تمس جبهته الأرض فذالك كاف على الصحيح، وذلك أنَّ وضع الأنف في الأرض مما يستحب ولا يجب.
[ ٣ / ١٧٠ ]
وما ذكره ﵀ في السجود على العقَالَ صحيح، ويشبه ذلك صلاة الغوَّاص في قعر البحر، فإنَّ جهاز التنفس إذا كان لا يمنعه من وضع الجبهة على الأرض فلا إشكال في صحة صلاته، ولا يشترط أن تباشر جبهته الأرض فإنَّه إذا كان شيء من جهاز التنفس على الجبهة بحيث أنَّه إذا سجد باشرت جبهته ذلك الحائل فيكفي في صحة الصلاة كالسجود على كور العمامة.
٨ - وفي إمامة أقطع اليد أو القدم الذي يفوته بعض السجود نزاع والأظهر الصحة.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٤):
«فَصْلٌ: فَأَمَّا أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ ﵀: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ إمَامَتُهُ. اخْتَارَهَا الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ عَجْزٌ لَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ. فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِهِ، كَأَقْطَعِ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ وَالْأَنْفِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالسُّجُودِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، أَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى جَبْهَتِهِ. وَحُكْمُ أَقْطَعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ كَالْحُكْمِ فِي قَطْعِهِمَا جَمِيعًا.
وَأَمَّا أَقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ قِيَامِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ كَالزَّمِنِ. وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَيُمْكِنُهُ الْقِيَامُ، صَحَّتْ إمَامَتُهُ.
[ ٣ / ١٧١ ]
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا تَصِحَّ إمَامَتُهُ؛ لِإِخْلَالِهِ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ رِجْلِهِ أَوْ حَائِلِهَا» اهـ.
٩ - من عجز عن السجود بالجبهة فلا يستحب له السجود على بقية الأعضاء.
وسبق ما قَالَه قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٨٩):
«وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء سجد على بقيتها وقرب العضو المريض من الأرض غاية ما يمكنه ولم يجب عليه أن يرفع إليه شيئًا لأنَّ السجود هو الهبوط ولا يحصل ذلك برفع المسجود عليه وأن سقط السجود على الجبهة لعارض من مرض أو غيره سقط عنه السجود على غيره لأنَّه الأصل وغيره تبع له فإذا سقط الأصل سقط التبع» اهـ.
ونازع في ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀ فقَالَ في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٣٣٧):
«مسألة: إذا كان لا يستطيعُ السُّجودَ على الجبهة فقط؛ لأنَّ فيها جروحًا لا يتمكَّنُ أن يمسَّ بها الأرض، لكن يقدِرُ باليدين وبالركبتين فماذا يصنع؟
الجواب: نأخذ بالقاعدة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فيضعُ يديه على الأرضِ ويدنو مِنْ الأرضِ بقَدْرِ استطاعتِه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وأما قولُ مَنْ قَالَ مِنْ العلماءِ: إنَّه إذا عَجَزَ عن السُّجودِ بالجبهة لم يلزمه بغيرِها، فهذا قول ضعيفٌ؛ لأننا إذا طبَّقنا الآية الكريمة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
[ ٣ / ١٧٢ ]
اسْتَطَعْتُمْ﴾ كانت دالةً على أنَّه يجب أن يسجدَ على الأرضِ بما استطاعَ مِنْ أعضائِه، فإذا كان يستطيعُ أن يسجدَ على الكفين وَجَبَ.
ولو فَرَضْنا أنه لا يستطيعُ أن يسجدَ أبدًا، بمعنى: لا يستطيعُ أن يحني ظهرَه إطلاقًا فحينئذ لا يلزمه أن يضعَ يديه على الأرضِ؛ لأنه لا يقرب مِنْ هيئةِ السُّجودِ، أما لو كان يستطيعُ أنْ يدنوَ مِنْ الأرضِ حتى يكون كهيئة السَّاجدِ، فهنا يجب عليه أنْ يسجدَ، ويُقرِّبَ جبهتَه مِنْ الأرضِ ما استطاعَ» اهـ.
قلت: الصحيح هو القول الأول، وذلك أنَّ وضع اليدين من غير وضع الجبهة لا يدخل في مسمى السجود، ومن وضع يديه على الأرض من غير أن يضع جبهته فلا يعد ساجدًا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، ومثل ذلك وضع الركبتين، والقدمين.
١٠ - يجب أن توضع الجبهة على موضع يستطيع أن يمكن جبهته عليه إلَّا لعذر كالغريق فإنَّه يسجد على متن الماء للعذر كما هو مذكور في مذهب أحمد.
قَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١١٦):
«فَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى قُطْنٍ مُنْتَفِشٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَصِحَّ» اهـ.
قلت: ولا يسجد على شيء لا يستقر عليه إلَّا من عذر.
قَالَ العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١١٥):
[ ٣ / ١٧٣ ]
«لَا تَصِحُّ فِي أُرْجُوحَةٍ أَوْ مُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ أَوْ سَاجِدٍ عَلَى هَوَاءٍ مَا قُدَّامَهُ، أَوْ عَلَى حَشِيشٍ، أَوْ قُطْنٍ أَوْ ثَلْجٍ وَلَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ الْمَكَانِ المستقر عليه» اهـ.
وقَالَ العلامة أبو بكر الحسيني الشافعي ﵀ في [كفاية الأخيار] (ص: ١٠٨)
«ثمَّ أقل السُّجُود أَنْ يضع على الأَرْض من الْجَبْهَة مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَلَا بُد من تحامل فَلَا يَكْفِي الْوَضع حَتَّى تَسْتَقِر جَبهته فَلَو سجد على حشيش أَوْ شَيْء محشو وَجب أَنْ يتحامل حَتَّى ينكبس وَيظْهر أَثَره وَحجَّة ذَلِك قَوْله ﷺ: "إِذا سجدت فمكن جبهتك من الأَرْض وَلَا تنقر نقرًا"» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٢٣):
«وَالصَّحِيحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي وَضْعِ الْجَبْهَةِ الْإِمْسَاسُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ بِثِقَلِ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ حَتَّى تَسْتَقِرَّ جَبْهَتُهُ فَلَوْ سَجَدَ عَلَى قُطْنٍ أَوْ حشيش أو شئ مَحْشُوٍّ بِهِمَا وَجَبَ أَنْ يَتَحَامَلَ حَتَّى يَنْكَبِسَ ويظهر أثره علي يدٍ لو فُرِضَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَحْشُوِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْزِئْهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي إرْخَاءُ رَأْسِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّحَامُلِ كَيْفَ فُرِضَ مَحَلُّ السُّجُودِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ» اهـ.
قلت: جاء الأمر بتمكين الوجه فيما رواه أبو داود (٨٥٩) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: «إِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ
[ ٣ / ١٧٤ ]
الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ». وَقَالَ «إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ فَإِذَا رَفَعْتَ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى».
قلت: إسناده حسن.
ورواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٦٣٨) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، أنا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي صَلَّى وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ قَالَ: «ثُمَّ إِذَا أَنْتَ سَجَدْتَ فَأَثْبِتْ وَجْهَكَ وَيَدَيْكَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ كُلُّ عَظْمٍ مِنْكَ إِلَى مَوْضِعِهِ».
قلت: إسناده حسن.
والأظهر مشروعية السجود على المفارش المبطنة بالإسفنج لإمكان تمكين الجبهة عند السجود عليها.
وقد جاء في "لقاء الباب المفتوح" للعلامة ابن عثيمين ﵀.
قَالَ السائل: سمعنا لك فتوى عن اللَّبَّاد أنَّه لا يجوز فرشُه في المسجد، وهو إسفنج يوضع تحت سِجَّاد المسجد.
فأجاب الشيخ: الإسفنج لا أقول: إنَّه حرام؛ لكن أقول: لا ينبغي أن يصل بنا الحد إلى هذا الترف، ثم إذا كان الإسفنج لينًا فإن وضعتَ عليه جبهتك وضعًا فقط دون أن تكبس عليه فهذا لا يجزئك في السجود، وقد ذكر ذلك أهل العلم في
[ ٣ / ١٧٥ ]
كتبهم، قَالَوا: إذا سجد الإنسان على عِهْنٍ منفوشٍ أو على قطن، واقتصر على مُمَاسَّة الجبهة لهذا فقط دون أن يكبس عليها فإنَّ سجوده لا يصح، وهذا حق، والدليل على ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قَالَ: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه".
وفي قوله: "يُمَكِّن جبهته" دليلٌ على أنَّه لابد من التمكين.
هذا هو الجواب؛ أنني لا أحبِّذ أن يصل بنا الترف إلى هذا الحد، وإذا كان الصحابة في عهد الرسول ﵊ يصلون على الحصباء -أي: الحصى-، وكما سمعتَ حديث أنس، إذا لم يستطع تمكين جبهته في الأرض بسط ثوبه فسجد عليه، فكيف يصل بنا الترف إلى أن نجعل مساجدنا كأنها فُرُش نوم؟! أمَّا أنَّه حرام فلا أستطيع أن أقول: إنَّه حرام، وذلك لأنَّه لا يحل لأحد أن يقول في شيء أنَّه حرام إلَّا بنص، واعلموا أن أئمتنا ﵏ كالإمام أحمد وغيره لا يقول بالحُرْمة إلا في الشيء الذي ورد فيه نص أنَّه حرام، حتى لو كانت هناك أدلة دلت على تحريمه، فإنَّه لا يستطيع، بل كان في إجاباته كثيرًا ما يقول: لا أحب ذلك، أو أكره ذلك، أو هذا لا ينبغي، أو اترك هذا، أو تجنب هذا، وأحيانًا يراجَع فيقَالَ له: هل هو حرام، فيقول: لا أدري، افعل كذا، فالتحريم شيء صعب جدًا.
الآن نحن تَرِدُ إلينا أسئلة، فنقول: لا تفعل هذا، ثم يجيئك السائل فيقول: هل هذا حرام؟ فنقول: لا تفعل، وهل لا يتجنب الإنسانُ الشيءَ إلَّا إذا كان حرامًا؟!
[ ٣ / ١٧٦ ]
فالمهم: أني ما قلتُ إن الإسفنج في المسجد حرام، وهذا الذي يُقَالَ عني كذب؛ لكن ستسمعون أشياء عجيبة، إنَّما الواجب عليكم إذا سمعتم مثل ذلك أن تتصلوا بي وتسألوني، فالحمد لله التليفونات موجودة، والسيارات موجودة، وكل شيء بحمد الله موجود اهـ.
قلت: وهناك من العلماء من لم يوجب تمكين الجبهة في الأرض، والصحيح ما سبق.
قَالَ العلامة ابن غنيم ﵀ في [الفواكه الدواني] (١/ ١٨١):
«فَيَحْصُلُ بِمَسِّ الْأَرْضِ بِالْجَبْهَةِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينٍ» اهـ.
قلت: ويشرع السجود على كل ما يستقر عليه.
قَالَ العلامة ابن غنيم ﵀ في [الفواكه الدواني] (١/ ١٨١ - ١٨٢):
«وَالسُّجُودُ شَرْعًا أَقَلُّهُ الْوَاجِبُ لُصُوقُ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ سَطْحِ غُرْفَةٍ أَوْ سَرِيرِ خَشَبٍ أَوْ شَرِيطٍ لِلْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ النُّزُولِ إلَى الْأَرْضِ كَائِنًا ذَلِكَ، وَاللُّصُوقُ عَلَى أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ، فَالْفَرْضُ يَحْصُلُ بِمَسِّ الْأَرْضِ بِأَدْنَى جُزْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ وَإِلْصَاقِ جَمِيعِهَا بِحَيْثُ تَسْتَقِرُّ مُنْبَسِطَةً مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، كَمَا يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ، وَقِيلَ: يَجِبُ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ فَيُعِيدُ الصَّلَاةَ لِتَرْكِهِ فِي الْوَقْتِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَسُجُودٌ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَعَادَ لِتَرْكِ أَنْفِهِ بِوَقْتٍ، وَبِمَا قَرَّرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ
[ ٣ / ١٧٧ ]
كَالْأَرْضِ، وَأَنَّ الْفَرْضَ السُّجُودُ بِالْجَبْهَةِ لَا بِالْأَنْفِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى نَحْوِ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْحَشِيشِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ تَحْتَ جَبْهَةِ السَّاجِدِ فَلَا يَصِحُّ كَالسُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ إلَّا مَا كَانَ قَدْرَ الطَّاقَةِ وَالطَّاقَتَيْنِ اللَّطِيفَتَيْنِ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى السَّرِيرِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْخَشَبِ فَهُوَ كَسَقْفِ الْبَيْتِ يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ لِتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْأَرْضِ وَلَوْ لِلصَّحِيحِ، بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْ شَرِيطٍ أَوْ حَبْلٍ فَلَا يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ إلَّا لِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ وَلَوْ عَلَى سَرِيرٍ فَيَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ، وَلَوْ كَانَ يَسْتَطِيعُ عَلَى أَنْفِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ إنَّمَا يُطْلَبُ تَبَعًا لِلسُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَحَيْثُ سَقَطَ فَرْضُهَا سَقَطَ تَابِعُهَا» اهـ.
قلت: السجود على ما كان المصلي عليه مستقرًا وإن كان متحركًا في نفسه يصح على الصحيح كالصلاة في السفينة والطائرة.
وقد جاء في ذلك ما رواه الحاكم في [المستدرك] (١٠٢١)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الكبرى] (٥٢٧٧) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكُوفَةِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ؟ قَالَ: «صَلِّ فِيهَا قَائِمًا إِلَّا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ».
[ ٣ / ١٧٨ ]
قلت: إسناد ظاهره الصحة، وجعفر بن برقان ثقة في غير الزهري كما هاهنا. ومع ذلك حكم عليه الحاكم بالشذوذ وتابعه الحافظ الذهبي.
وأمَّا البيهقي ﵀ فقَالَ في [الكبرى] (٣/ ١٥٥): «وحديث أبي نعيم الفضل بن دكين حسن» اهـ.
وتجوز الصلاة في السفينة وإن كان قادرًا على الصلاة على الشاطئ على الصحيح، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥٥٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُرَاهُ ذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي سَفِينَةٍ، فَأَمَّنَا الَّذِي أَمَّنَا قَائِمًا، وَلَوْ شِئْنَا أَنْ نَخْرُجَ لَخَرَجْنَا».
قلت: هذا أثر صحيح.
ومثل الصلاة في السفينة الصلاة في المحمل الواسع على الدواب أو المراكب الواسعة الحديثة إذا كان يمكنه فيها القيام واستقبال القبلة، ويصح الصلاة فيها وإن كانت سائرة.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥١١ - ٥١٣):
[ ٣ / ١٧٩ ]
«فإن صلى في سفينة وأتى بجميع أركان الصلاة من القيام والاستقبال وغيرهما أو على راحلة بأن تكون معقولة وفوقها مقعد واسع أو يكون في محفة كبيرة أو محمل واسع فهل تصح صلاة الفرض لغير عذر على روايتين:
أشهرهما عند أصحابنا أنَّها تصح قَالَوا: وسواء كانت الدابة والسفينة سائرتين أو واقفتين.
وفي الأخرى لا تصح لأنَّ مكانه ليس بمستقر لأنَّها إن كانت سائرة فهو تابع لها في الحركة وإن لم يكن في نفسه متحركًا فهو كالمصلي في الأرجوحة، وإن كانت واقفة فهي في مظنة الحركة.
ومن أصحابنا من حكى الروايتين في السفينة وقَالَ في الراحلة لا تجوز الصلاة عليها رواية واحدة إلَّا لعذر كما سياتي إن شاء الله تعالى.
ووجه الأول ما روى عبد الله بن عتبة قَالَ: سافرت مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وناس من أصحاب النبي ﷺ فصلوا من السفينة قيامًا وأمهم بعضهم بمقدمهم قَالَ: ولو شئنا أن نخرج إلى الحد الآخر خرجنا، والحد هو الشاطئ رواه سعيد. ولأنَّه مكان معتاد للتمكن عليه أتى فيه بجميع الشرائط والأركان فصحت صلاته عليه كالسرير.
[ ٣ / ١٨٠ ]
وأمَّا كون المصلي متحركًا فليس بصحيح لأنَّه في نفسه ساكن مستقر وإنَّما يوصف بالحركة على سبيل التبع لأنَّ مستقره متحرك لكن تلك الحركة لا أثر لها في صلاته فإنَّه لا فرق بين الجلوس في السفينة والجلوس على الأرض.
وأمَّا الصلاة على العجلة فقَالَ ابن عقيل: لا تصح الصلاة على العجلة قَالَ: وهي خشبة على بكر تسير على تلك البكر لأنَّ ذلك ليس بمكان مستقر عليه فأشبه الأرجوحة وعد غيره من أصحابنا الصلاة فيها كالصلاة في السفينة تصح في ظاهر المذهب وهذا أجود» اهـ.
قلت: ولا تصح الصلاة على الأرجوحة على الصحيح لأنَّ المصلي عليها ليس بمستقر.
والسجود على الثلج المتماسك صحيح، وإن كان هشًا لا تستقر عليه الجبهة فلا يصح.
قَالَ العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٤٧ - ٤٥٢):
«المسألة الثالثة:
إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد.
[ ٣ / ١٨١ ]
ومعناه: إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه.
وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء؛ فإنَّه يصير قرارًا متمكنًا
كالأرض، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة.
وحكى البخاري عن ابن عمر، أنَّه صلى على الثلج.
ونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه.
ونقل عنه حرب، قَالَ: يبسط عليه ثوبًا ويصلي.
قلت: فإن لم يكن معه إلَّا الثوب الذي على جسده؟ قَالَ: إن أمكنه السجود عليه سجد، وإلَّا أومأ.
قَالَ وإذا كان الثلج باردًا فإنَّه عذر، وسهل فيه.
قَالَ: وسمعت إسحاق - يعني: ابن راهويه - يقول: إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك، أو أدخلهما كميك، ثم اسجد كذلك.
[ ٣ / ١٨٢ ]
قَالَ: وسمعته - مرة أخرى - يقول: إن كنت في ردغة أو ماء أو الثلج، لا تستطيع أن تسجد، فاومئ إيماء، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما. انتهى.
وأنس إنَّما صلى على راحلته في الطين، لا على الأرض.
وحاصل الأمر: أنَّه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه، وأجزأه أن يومئ.
ولأصحابنا وجه آخر: أنَّه يلزمه السجود عليه بكل حال، ولا يجزئه الإيماء.
والثلج نوعان: تارة يكون متجلدًا صلبًا، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم، وتارة يكون رخوًا لا تستقر الأعضاء عليه، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما.
ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلَّا من عذر، صرح بذلك طائفة من أصحابنا، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطًا، واستدلوا بأنَّه لو علق بساطًا في الهواء وصلى عليه لم يجزئه، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء.
وللشافعية في ذلك وجهان:
أصحابنا عندهم: أنَّه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته، ولا تصح صلاة بدون ذلك.
[ ٣ / ١٨٣ ]
والثاني: لا يجب ذلك.
ولهم - أيضًا - في الصلاة على الأرجوحة، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان، أصحهما: الصحة.
وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قَالَ: سمعت ابن عباس يقول: سأل رجل النبي ﷺ عن شيء من أمر الصلاة، فقَالَ له رسول الله ﷺ: "إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض".
خرجه الإمام أحمد.
وفي إسناده لين.
وروى حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هو: ابن راهويه -: ثنا سويد بن عبد العزيز، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب، فبسط بساطًا ثم صلى
عليه، وقَالَ: إنَّ الثلج لا يتيمم به، ولا يصلي عليه.
واحتج إسحاق بهذا الحديث.
وإسناده ضعيف؛ فإنَّ زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان.
[ ٣ / ١٨٤ ]
وقد روى أبو عبيد في كتاب "الطهور" بإسناد آخر، وفيه ضعف - أيضًا -: أنَّ عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام، فقَالَ: إنَّ الثلج لا يتيمم به.
ولم يذكر الصلاة.
واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء: هل يومي بالسجود، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء؟ على روايتين عنه.
وقَالَ القاضي أبو يعلى في بعض كتبه: لم يوجب أحمد السجود على الماء؛ لأنَّه ليس بقرار، وإنَّما أراد أنَّه يجب عليه أن يومي في الماء إلى قرب الأرض، وإن غاص وجهه في الماء.
وهذا الذي قَالَه بعيد جدًا.
وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حاليين: فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد، وألَّا أومأ.
وقَالَ أبو بكر الخلال: قول أحمد: يومئ، يريد بالركوع. وقوله: يسجد على متن الماء، في السجود.
فلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافًا.
[ ٣ / ١٨٥ ]
ولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه، وإنَّما عليه أن يومئ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافًا، بل قَالَ ابن أبي موسى: لا يلزمه ذلك - قولًا واحدًا.
ومنهم من خرج فيه وجهًا آخر: بوجوب السجود على الطين إذا قلنا: لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته، بل تلزمه الصلاة بالأرض، وهو رواية عن أحمد واختارها ابن أبي موسى.
وفرق ابن أبي موسى بين المسألتين، ووجه الفرق: أنَّ المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار الأرض دون امتناع السجود بالأرض، ولأنَّ في السجود على الطين ضررًا؛ فإنَّه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه، فلا يلزمه، بخلاف السجود على متن الماء.
وممن قَالَ: يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين: أبو الشعثاء وعمارة بن غزية.
وفيه حديث مرفوع:
خرجه الطبراني وابن عدي مِنْ طَرِيقِ محمد بن فضاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماءًا".
وفي رواية لابن عدي: "أو في ماء أو في ثلج".
[ ٣ / ١٨٦ ]
ومحمد بن فضاء، ضعيف؛ ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما.
ومذهب مالك: أنَّه يصلي في الطين بالأرض، ولا يصلي على الراحلة.
واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين: فروي عنه: أنَّه يسجد عليه. وروي عنه أنَّه يومئ.
وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين: فالحال التي يسجد عليه: إذا كان خفيفًا، كما سجد النبي ﷺ في اعتكافه في الماء والطين، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين. والحال التي يومئ: إذا كان كثيرًا، يغرق فيه المصلي.
ونص أحمد على أنَّه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ، ولم يسجد عليه.
وكذا قَالَ أبو الشعثاء جابر بن زيد» اهـ.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ٤٩ - ٥٠):
«مسألة: قَالَ: "ومن كان في ماء وطين أومأ إيماء".
[ ٣ / ١٨٧ ]
وجملة ذلك، أنَّه إذا كان في الطين والمطر ولم يمكنه السجود على الأرض إلَّا بالتلوث بالطين والبلل بالماء، فله الصلاة على دابته، يومئ بالركوع والسجود، وإن كان راجلًا أومأ بالسجود أيضًا، ولم يلزمه السجود على الأرض.
قَالَ الترمذي: روي عَنْ أَنَسٍ بن مالك أنَّه صلى على دابته في ماء وطين.
وفعله جابر بن زيد، وأمر به طاووس، وعمارة بن غزية.
قَالَ الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول إسحاق.
وقَالَ أصحاب الشافعي: لا يجوز أن يصلي الفرد على الراحلة لأجل المطر؛ لحديث أبي سعيد، ولأنَّ السجود والقيام من أركان الصلاة فلم يسقط بالمطر، كبقية أركانها.
ولنا، ما روى يعلى بن أمية، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّه انتهى إلى مضيق، ومعه أصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فصلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأصحابه على ظهور دوابهم، يومئون إيماء، يجعلون السجود أخفض من الركوع. رواه الأثرم، والترمذي.
[ ٣ / ١٨٨ ]
وقَالَ: تفرد به عمر بن الرماح البلخي، وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم، قَالَ القاضي أبو يعلى: سألت أبا عبد الله الدامغاني، فقَالَ: مذهب أبي حنيفة أن يصلي على الراحلة في المطر والمرض.
وقَالَ أصحاب الشافعي: لا يجوز أن يصلي الفرض على الراحلة لأجل المطر والمرض.
وعن مالك كالمذهبين.
واحتج من منع ذلك بحديث أبي سعيد الخدري: "فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين" وهذا حديث صحيح.
ولنا، ما رويناه من الحديث، وفعل أنس. قَالَ أحمد، ﵀: قد صلى أنس وهو متوجه إلى سرابيط في يوم مطر المكتوبة على الدابة رواه الأثرم بإسناده، وذكره الإمام أحمد، ولم ينقل عن غيره خلافه، فيكون إجماعًا، ولأنَّ المطر عذر يبيح الجمع، فأثر في أفعال الصلاة كالسفر يؤثر في القصر.
وأمَّا حديث أبي سعيد فيحتمل أنَّ الطين كان يسيرًا لا يؤثر في تلويث الثياب» اهـ.
[ ٣ / ١٨٩ ]
قلت: حديث يعلى بن مرة رواه أحمد (١٧٦٠٩)، والترمذي (٤١١) مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ الرَّمَّاحِ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى إِلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، أَوْ يَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ».
قلت: وهذا حديث لا يثبت فعمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة لا يعرف هو ولا أبوه.
وأثر أنس رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٥٠٠٢)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥١١)، والطبراني في [الكبير] (٦٧٩) مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ:
«أَقْبَلْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِنَ الْكُوفَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَطَطٍ وَقَدْ أَخَذَتْنَا السَّمَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْأَرْضُ ضَخْضَاخٌ فَصَلَّى أَنَسٌ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَأَوْمَأَ إِيمَاءً وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وفي رواية عبد الرزاق أنَّها صلاة العصر.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٤٥١٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «إِنَّهُ كَانَ يَسِيرُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ». قَالَ: «وَخَشِينَا أَنْ تَفُوتَنَا الصَّلَاةُ فَاسْتَخَرْنَا اللَّهَ وَاسْتَقْبَلْنَا الْقِبْلَةَ، فَأَوْمَأْنَا عَلَى دَوَابِّنَا إِيمَاءً».
قلت: هذا أثر صحيح.
[ ٣ / ١٩٠ ]
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥١٩): «ولم ينقل عن صحابي خلافه» اهـ.
١١ - ولا بد عند السجود على الأعضاء السبعة أن تكون جبهته أهبط من عجيزته إلَّا لعذر.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦):
«قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ: التَّنَكُّسُ فِي السُّجُودِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ قَالَوا وَلِلسَّاجِدِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
إحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ أَسَافِلُهُ أَعْلَى مِنْ أَعَالِيهِ فَتَكُونَ عَجِيزَتُهُ مُرْتَفِعَةً عَنْ رَأْسِهِ وَمَنْكِبَيْهِ فَهَذِهِ هَيْئَةُ التَّنَكُّسِ الْمَطْلُوبَةُ وَمَتَى كَانَ الْمَكَانُ مُسْتَوِيًا فَحُصُولُهَا هَيِّنٌ وَلَوْ
[ ٣ / ١٩١ ]
كَانَ مَوْضِعُ الرَّأْسِ مُرْتَفِعًا قَلِيلًا فَقَدْ رَفَعَ أَسَافِلَهُ وَتَحْصُلُ هَذِهِ الْهَيْئَةُ أَيْضًا وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِلَا شَكٍّ.
الثَّانِيَةُ: ألَّا أَنْ تَكُونَ أَعَالِيهِ أَرْفَعَ مِنْ أَسَافِلِهِ بِأَنْ يَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى ارْتِفَاعٍ فَيَصِيرَ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ حِقْوَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ لِعَدَمِ اسْمِ السُّجُودِ كَمَا لَوْ أَكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَمَدَّ رِجْلَيْهِ فإنَّه لا يجزئه بِلَا شَكٍّ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ إلَّا هَكَذَا فَيُجْزِئُهُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْتَوِيَ أَعَالِيهِ وَأَسَافِلُهُ لِارْتِفَاعِ مَوْضِعِ الْجَبْهَةِ وَعَدَمِ رَفْعِهِ الْأَسَافِلَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ:
الصَّحِيحُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِفَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالْبَغَوِيُّ وَدَلِيلُ وُجُوبِ أصل التنكس أنَّه تثبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُنَكِّسُ وَعَنْ أَبِي اسحق السَّبِيعِيِّ قَالَ: "وَصَفَ لَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵄ يَعْنِي السُّجُودَ - فَوَضَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ وَقَالَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهَذَا مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" يَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَعَذَّرَ التَّنَكُّسُ لِمَرَضٍ أَوْ لِغَيْرِهِ فَهَلْ يَجِبُ وَضْعُ وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا لِيَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَى شيء فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَمَنْ تابعه:
[ ٣ / ١٩٢ ]
أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ الْوُجُوبُ لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّنَكُّسُ ووضع الجبهة على شيء فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ غَيْرِهِ لَا يَجِبُ بَلْ يَكْفِيهِ الْخَفْضُ الْمَذْكُورُ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ لِأَنَّ هيئة السجود متعذرة فكيفيه الْخَفْضُ الْمُمْكِنُ قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ عجز عن وضع الجهبة عَلَى الْأَرْضِ وَأَمْكَنَهُ وَضْعَهَا عَلَى وِسَادَةٍ مَعَ التنكيس لزمه ذلك» اهـ.
* * *
[ ٣ / ١٩٣ ]
٨٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاتِهِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - التكبير في جميع التنقلات في الصلاة ما عدا الرفع من الركوع فالسنة في ذلك التسميع في حق الإمام والمنفرد، والتحميد في حق المؤتم.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٧٣):
«وأكثر أهل العلم يرون أن يبتدئ الركوع بالتكبير وأن يكبر في كل خفض ورفع منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وأبو هريرة وقيس بن عباد ومالك والأوزاعي وابن جابر والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعوام العلماء من الأمصار وروي عن عمر بن عبد العزيز وسالم والقاسم وسعيد بن جبير أنَّهم كانوا لا يتمون التكبير ولعلهم يحتجون بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يعلمه المسيء في
[ ٣ / ١٩٤ ]
صلاته ولو كان منها لعلمه إياه ولم تبلغهم السنة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» اهـ.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٩٨):
«وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة وكان بعضهم لا يرى التكبير إلَّا للإحرام وبعضهم يزيد عليه بعض ما جاء في حديث أبي هريرة وكان هؤلاء لم يبلغهم فعل الرسول ﷺ ولهذا كان أبو هريرة يقول: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ" واستقر العمل على ما في حديث أبي هريرة هذا» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٤/ ٩٨ - ٩٩):
«واعلم أنَّ تكبيرة الإحرام واجبة وما عداه سنة لو تركه صحت صلاته لكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة هذا مذهب العلماء كافة إلَّا احمد بن حنبل ﵁ في إحدى الروايتين عنه أنَّ جميع التكبيرات واجبة. ودليل الجمهور أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علم الأعرابي الصلاة فعلمه واجباتها فذكر منها تكبيرة الإحرام ولم يذكر ما زاد وهذا موضع البيان ووقته ولا يجوز التأخير عنه» اهـ.
قلت: قد جاء الأمر بتكبيرات الانتقَالَ في حديث المسيء فروى أبو داود (٨٥٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ عَمِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ فِيهِ
[ ٣ / ١٩٥ ]
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ "إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ". يَعْنِى مَوَاضِعَهُ: "ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَيُثْنِى عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ"».
ورواه النسائي (١١٣٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ أَبُو يَحْيَى بِمَكَّةَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَنَحْنُ حَوْلَهُ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَأَتَى الْقِبْلَةَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَذَهَبَ فَصَلَّى فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُ صَلَاتَهُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَعِيبُ مِنْهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِبْتَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿، فَيَغْسِلَ
[ ٣ / ١٩٦ ]
وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ ﷿ وَيَحْمَدَهُ وَيُمَجِّدَهُ» - قَالَ هَمَّامٌ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَيَحْمَدَ اللَّهَ، وَيُمَجِّدَهُ، وَيُكَبِّرَهُ» قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ - قَالَ: «وَيَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَسْتَوِيَ قَائِمًا حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ»، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «جَبْهَتَهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، وَتَسْتَرْخِيَ، وَيُكَبِّرَ فَيَرْفَعَ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ وَيَسْتَرْخِيَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ومما يدل على وجوب التكبير ما رواه مسلم (١١٩٩) من حديث معاوية بن الحكم ﵁ وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٤):
«فدل على أنَّ الصلاة لا تخلو من التكبير، كما لا تخلو من قراءة القرآن، وكذلك التسبيح» اهـ.
قلت: فالصحيح هو ما ذهب إليه الإمام أحمد من وجوب تكبيرات الانتقَالَ والله أعلم.
[ ٣ / ١٩٧ ]
٢ - وفيه أنَّ تكبيرة الإحرام تكون عن قيام.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٩٦):
«يجب أن يكبر للإحرام قائمًا حيث يجب القيام وكذا المسبوق الذي يدرك الإمام راكعًا يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه فإن أتى بحرف منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضًا بلا خلاف وفي انعقادها نفلًا الخلاف السابق قريبًا في فصل النية هذا مذهبنا وهو رواية عن مالك والأشهر عنه أنَّه تنعقد صلاته فرضًا إذا كبر وهو مسبوق وهو نصه في "الموطأ" و"المدونة" قَالَ الشيخ أبو محمد في كتابه "التبصرة" فلو شك هل وقعت تكبيرته كلها في القيام أم وقع حرف منها في غير القيام لم تنعقد صلاته فرضًا لأنَّ الأصل عدم التكبير في القيام.
واعلم أنَّ جمهور الأصحاب أطلقوا أنَّ تكبيرة الإحرام إذا وقع بعضها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته وكذا قَالَه الشيخ أبو محمد في: التبصرة" ثم قَالَ: إن وقع بعض تكبيرته في حال ركوعه لم تنعقد فرضًا وان وقع بعضها في انحنائه وتمت قبل بلوغه حد الراكعين انعقدت صلاته فرضًا لأنَّ ما قبل حد الركوع من جملة القيام ولا يضر الانحناء اليسير. قَالَ: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام فإن كانت يداه أو إحداهما طويلة خارجة عن العادة اعتبر عادة مثله في الخلقة هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف والأصح أنَّه متى انحنى بحيث يكون إلي
[ ٣ / ١٩٨ ]
حد الركوع أقرب لم يكن قائمًا ولا تصح تكبيرته وقد سبق بيان هذا في فصل القيام» اهـ.
٣ - وفيه جمع الإمام بين التسميع والتحميد خلافًا لمن منع من ذلك. كأبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى.
٤ - وفيه أنَّ التسميع هو ذكر الانتقَالَ من الركوع إلى الاعتدال، والتحميد هو ذكر الاعتدال وهذا في حق الإمام والمنفرد، وأمَّا المؤتم فالتحميد هو ذكر الانتقَالَ في حقه، وأمَّا في الاعتدال فيأتي بما زاد عليه من الأذكار الواردة في السنة.
٥ - وقوله: «ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي». فيه أنَّ التكبير يكون عند الهوي إلى السجود فيكون بين الركنين فلا يبتدئ به في الركن الأول ولا ينتهي به إلى الركن الآخر.
قَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٨٧ - ٨٨):
«وقوله: "مكبِّرًا" حال من فاعل: "يركع" حال مقارنة، يعني: في حال هويه إلى الرُّكوعِ يكبِّرُ فلا يبدأ قبل، ولا يؤخِّره حتى يَصِل إلى الرُّكوعِ، أي: يجب أن يكون التَّكبيرُ فيما بين الانتقَالَ والانتهاءِ، حتى قَالَ الفقهاءُ ﵏: "لو بدأ بالتَّكبير قبل أن يهويَ، أو أتمَّهُ بعد أن يَصِلَ إلى الرُّكوع؛ فإنَّه لا يجزئه". لأنَّهم يقولون: إنَّ هذا تكبيرٌ في الانتقَالَ فمحلُّه ما بين الرُّكنين، فإنْ أدخلَه في الرُّكن الأول لم يصحَّ، وإن أدخله في الرُّكن الثاني لم يصحَّ؛ لأنَّه مكان لا يُشرع فيه هذا الذِّكرُ، فالقيامُ لا
[ ٣ / ١٩٩ ]
يُشرع فيه التَّكبيرُ، والرُّكوع لا يُشرع فيه التكبيرُ، إنَّما التكبيرُ بين القيام وبين الرُّكوعِ.
ولا شَكَّ أنَّ هذا القولَ له وجهة مِنْ النَّظر؛ لأنَّ التَّكبيرَ علامةٌ على الانتقَالَ؛ فينبغي أن يكون في حالِ الانتقَالَ.
ولكن؛ القول بأنَّه إن كمَّلَه بعد وصول الرُّكوع، أو بدأ به قبل الانحناء يُبطلُ الصَّلاةَ فيه مشقَّةٌ على النَّاس، لأنَّك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت كثيرًا مِنْ النَّاسِ لا يعملون بهذا، فمنهم من يكبِّرُ قبل أن يتحرَّك بالهوي، ومنهم مَنْ يَصِلُ إلى الرُّكوعِ قبل أن يُكمل.
والغريب أنَّ بعض الأئمة الجُهَّالِ اجتهد اجتهادًا خاطئًا وقَالَ: لا أكبِّرُ حتى أصل إلى الرُّكوع، قَالَ: لأنَّني لو كبَّرت قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع لسابقني المأمومون، فيهوُون قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع، وربما وصلوا إلى الرُّكوع قبل أنْ أَصِلَ إليه، وهذا مِنْ غرائب الاجتهاد؛ أن تُفسد عبادتك على قول بعض العلماء؛ لتصحيح عبادة غيرك؛ الذي ليس مأمورًا بأن يسابقك، بل أُمر بمتابعتك.
ولهذا نقول: هذا اجتهادٌ في غير محلِّه، ونُسمِّي المجتهدَ هذا الاجتهاد: "جاهلًا جهلًا مركَّبًا"؛ لأنَه جَهِلَ، وجَهِلَ أنَّه جاهلٌ.
إذًا؛ نقول: كَبِّرْ مِنْ حين أن تهويَ، واحرصْ على أن ينتهي قبل أن تَصِلَ إلى الرُّكوع، ولكن لو وصلت إلى الرُّكوع قبل أن تنتهي فلا حرجَ عليك، والقولُ بأنَّ الصَّلاةَ تفسدُ بذلك حَرَج، ولا يمكن أن يُعملَ به إلَّا بمشقَّةٍ» اهـ.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
٦ - وقوله: «وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ» فيه أنَّه يشرع في التكبير من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول وهذا قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد.
وقَالَ مالك-في أشهر الروايتين عنه -: لا يكبر إذا قام من الركعتين حتَّى يستوي قائمًا.
وقد روى ابن حبان (١٨٦٥) بإسناد صحيح من حديث أبي حميد الساعدي وفيه أنَّه قَالَ: «وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، كَبَّرَ، ثُمَّ قَامَ».
وروى أبو يعلى (٦٠٢٩) حَدَّثَنَا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ كَبَّرَ ثُمَّ يَسْجُدُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْقَعْدَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَامَ».
قلت: هذا حديث حسن.
٧ - وقوله: «ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاتِهِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا». يشمل ذلك بعمومه التكبير في سجود التلاوة في الصلاة.
ويدل على ذلك أيضًا:
ما رواه البخاري (٧٨٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ، ﵁، بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ».
[ ٣ / ٢٠١ ]
وروى البخاري (٧٨٥)، ومسلم (٣٩٢) عن أبي هريرة: «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ».
وروى البخاري (٧٨٧) عن عكرمة قَالَ: «رَأَيْتُ رَجُلًا عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَإِذَا قَامَ، وَإِذَا وَضَعَ فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵁، قَالَ: أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ: لَا أُمَّ لَكَ».
وروى أبو داود (١٤١٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِىُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا».
قلت: هذا حديث ضعيف عبد الله بن عمر وهو العمري ضعيف الحديث.
وذكر التكبير في الحديث منكر فقد روى الحديث عبيد الله بن عمر العمري المكبر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قَالَ: «كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ». وليس في حديثه ذكر التكبير.
رواه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٦٨٦):
«وجملة ذلك أنَّه إذا سجد للتلاوة فعليه التكبير للسجود والرفع منه سواء كان في صلاة أو في غيرها وبه قَالَ ابن سيرين والحسن وأبو قلابة والنخعي ومسلم بن
[ ٣ / ٢٠٢ ]
يسار وأبو عبد الرحمن السلمي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقَالَ مالك: إذا كان في صلاة واختلف عنه إذا كان في غير صلاة» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الضِّيَاءِ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِي ﵀ فِي [مُخْتَصَرِهِ مَعَ شَرحِ الْخَرَشِيُّ] (١/ ٣٥١):
«وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا وَهَذَا فِي الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا وَفِي غَيْرِهَا اخْتِلَافٌ وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ التَّكْبِيرُ أَيْضًا ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَحْسَنُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ التَّكْبِيرِ السُّنِّيَّةُ كَتَكْبِيرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ لِلسَّجْدَةِ رَفْعًا وَخَفْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ خَارِجُهَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمَوَّاقِ ظَهَرَ لَك صَوَابُ الْمُبَالَغَةِ وَبَطَلَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ لِلذِّهْنِ قَلْبُهَا» اهـ.
قلت: وذكره للاتفاق قد يقصد اتفاق العلماء مطلقًا أو الاتفاق في المذهب.
وهنالك خلاف ضعيف لبعض الشافعية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٤/ ٦٣):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِافْتِتَاحِ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّمٌ بِالصَّلَاةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْهَوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَلَا يَرْفَعُ الْيَدَ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تُرْفَعُ فِي الْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَيُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ وَهَذَا التَّكْبِيرُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِيهِ وَجْهٌ لابي على ابن أَبِي هُرَيْرَةَ حَكَاهُ
[ ٣ / ٢٠٣ ]
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهَوِيِّ وَلَا لِلرَّفْعِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ» اهـ.
قلت: الصحيح هو استحباب التكبير إذا كان في صلاة، وأمَّا في غير الصلاة فلا يستحب له ذلك لعدم صحة الحديث.
٨ - وليس في الحديث ما يدل على مد التكبير، والصحيح أنَّه لا يستحب مده.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٩٦):
«وَيَمُدُّ التَّكْبِيرَ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى حَدِّ الراكعين هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الخراسانيين قولين:
أحدهما: هذا وهو الْجَدِيدُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيمُ لَا يَمُدُّ التَّكْبِيرَ بَلْ يَشْرَعُ بِهِ قَالَوا وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَهَلْ تُحْذَفُ أَمْ تُمَدُّ حَتَّى يَصِلَ إلَى الذِّكْرِ الَّذِي بَعْدَهَا الصَّحِيحُ الْمَدُّ وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَتَّى رَكَعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن أبي الخير ﵀ في [البيان] (٢/ ٢١٥):
«ويستحب أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء انحنائه إلى السجود، حتى يكون آخر التكبيرة مع أول السجود، هذا نقل أصحابنا البغداديين، وهو المشهور، وحكى صاحب "الإبانة" فيه قولين:
أحدهما: هذا، وهو قوله الجديد.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
والثاني: لا يمده، وبه قَالَ أبو حنيفة.
دليلنا: أنَّ الهوي إلى السجود فعل في الصلاة، فاستحب مد التكبير فيه؛ لئلا يخلو من ذكر، كسائر أفعال الصلاة» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٦٩):
«وَيَنْحَطُّ إلَى السُّجُودِ مُكَبِّرًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ الْهَوِيَّ إلَى السُّجُودِ رُكْنٌ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ذِكْرٍ، كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ انْحِطَاطِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٢٤ - ٢٥):
«قَالَ العلماء: يُكره تمطيط التَّكبير، حتى في النهوض من السُّجود إلى القيام مع طول النُّهوضِ، وحتى في الهويِّ إلى السُّجود مع طول ما بين القيامِ والسُّجودِ. قَالَوا: لأنَّ هذا لم تَرِدْ به السُّنَّةُ، فيكون مكروهًا، هكذا نصَّ عليه الفقهاءُ ﵏.
ولكن؛ الظاهرُ - والله أعلم - أنَّ الأمرَ في هذا واسعٌ ما لم يُخِلَّ بالمعنى، ولكن ليس مدَّها بأفضل مِنْ قصرها كما يتوهَّمُه بعض الناس، فبعضُ النَّاسِ يقول: تجعل للرُّكوعِ هيئة في التكبير، وللسُّجودِ هيئة وللجلوس هيئة، وللتشهُّدِ هيئة، وبين السجدتين؛ لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة متحرِّكة، لأنَّ المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف فإنه يتابع هذا التكبير، حتى ولو كان سارحَ القلبِ إن كبَّرتَ تكبيرةَ السُّجودِ سَجَدَ، وإن كبَّرتَ
[ ٣ / ٢٠٥ ]
تكبيرةَ النُّهوضِ نَهَضَ، لكن إذا قصرت التَّكبير كلَّه؛ ولم تميِّز بين التكبيرات؛ صار المأمومُ قد أحضر قلبَه وفِكرَه، يُخشى أن يقومَ في موضع الجلوس، أو أن يجلس في موضع القيام، وأمَّا المسبوق فقد يلتبس عليه الأمر إذا لم تميِّز بين التَّكبير. ولكن هذا محذورٌ يُمكن إزالتُه بأن يقَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُنقل عنه أنَّه كان يفرِّقُ بين التَّكبيراتِ، بل إنَّ ظاهر صنيعه ﵊ أنه لا يُفرِّقُ؛ لأنَّه لما صُنع له المنبر صَلَّى عليه وقَالَ: "يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا بي؛ ولتعلموا صلاتي"، فلو كان يخالفُ بين التَّكبير لكان النَّاسُ يأتمُّونَ به، ولو لم يكن على المنبر، ثم نقول: هذا المسبوقُ سيلي شخصًا آخر غير مسبوق فيقتدي به.
وأهمُّ شيءٍ هو اتِّباعُ السُّنَّةِ مع حصول الفائدة في كون المأموم يُحضِر قلبَه حتى يعرف عدد الرَّكعات.
وقَالَ بعضُ الفقهاءِ: يمدُّ التَّكبيرَ في الهويِّ إلى السُّجودِ، وفي القيامِ مِنْ السُّجودِ لطول ما بين الرُّكنين. ولكن لا دليل لذلك» اهـ.
وقَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٦٣):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِافْتِتَاحِ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّمٌ بِالصَّلَاةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْهَوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَلَا يَرْفَعُ الْيَدَ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تُرْفَعُ فِي الْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَيُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ وَهَذَا التَّكْبِيرُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِيهِ وَجْهٌ لابي على ابن أَبِي هُرَيْرَةَ حَكَاهُ
[ ٣ / ٢٠٦ ]
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهَوِيِّ وَلَا لِلرَّفْعِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَامَ وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قَامَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا ثُمَّ يَرْكَعَ فَإِنْ انْتَصَبَ قَائِمًا ثُمَّ رَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ جَازَ إذَا كَانَ قَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ سُجُودِهِ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الِانْتِصَابِ قَائِمًا لِأَنَّ الْهَوِيَّ إلَى الرُّكُوعِ مِنْ القيام واجب» اهـ.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ المصلي إذا رفع رأسه من السجود ولو كان الرفع لجلسة الاستراحة أنَّ التكبير يكون عند رفعه لرأسه ولا يؤخره إلى بعد جلسة الاستراحة.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢):
«وَفِي التَّكْبِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ أَصَحُّهَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا وَيَمُدُّهُ إلَى أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَيُخَفِّفُ الْجِلْسَةَ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنْ لَا يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ ذِكْرٍ.
الثَّانِي: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ وَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ جَالِسًا وَيَمُدُّهُ إلَى أَنْ يَقُومَ.
الثالث: يَرْفَعُ مُكَبِّرًا فَإِذَا جَلَسَ قَطَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ نَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ أَبِي
[ ٣ / ٢٠٧ ]
اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِتَكْبِيرَتَيْنِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ» اهـ.
قلت: الوجه الثالث هو أصح الأوجه.
* * *
[ ٣ / ٢٠٨ ]
٨٥ - عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ قَالَ: صَلَّى بِنَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ موقف الاثنين خلف الإمام.
٢ - التكبير في السجود والرفع منه، وعند القيام للثالثة.
٣ - بعض هذه المواضع كان لا يتم التكبير فيها بعض الناس حتى تذكرها عمران بصلاة علي رضي الله تعالى عنه.
وحمل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذلك على أنَّهم كانوا لا يجهرون بالتكبير لا أنَّهم كانوا يتركون التكبير بالكلية فقَالَ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٨٦ - ٥٩٤):
«وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَاهُ جَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ. وَلِهَذَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ إتْمَامَ التَّكْبِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إتْمَامِهِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَفِعْلِهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ فِي "بَابِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ النُّهُوضِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ".
[ ٣ / ٢٠٩ ]
ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ فليح بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ: "صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ. وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ. اللَّهِ ﷺ". ثُمَّ أَرْدَفَهُ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ مُطَرِّفٍ: قَالَ: "صَلَّيْت أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا سَلَّمَ. أَخَذَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بِيَدِي. فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ".
فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ. وَأَمَّا أَصْلُ التَّكْبِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ مِمَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ. وَلَيْسَ هَذَا أَيْضًا مِمَّا يُجْهَلُ هَلْ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ أَمْ لَا يَفْعَلُهُ؟ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ نَفْيُهُ عَنْ الْأَئِمَّةِ. كَمَا لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ وَنَفْيُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَفْيُ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ كَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ. بِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ. وَقَدْ حَكَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى أَنَّهُ قَالَ: هَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ. وَهَذَا إنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ ابْنَ أَبْزَى صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ. وَكَانَّ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتُهُ ضَعِيفًا فَلَمْ يَسْمَعْ تَكْبِيرَهُ. فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ وَإِلَّا فَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ بِخِلَافِ
[ ٣ / ٢١٠ ]
ذَلِكَ. فَلَوْ خَالَفَهَا كَانَ شَاذًّا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ إتْمَامَ التَّكْبِيرِ هُوَ نَفْسُ فِعْلِهِ وَلَوْ سِرًّا وأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا أَفَادُوا النَّاسَ نَفْسَ فِعْلِ التَّكْبِيرِ فِي الِانْتِقَالَاتِ. وَلَازَمَ هَذَا: أَنَّ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُكَبَّرُ فِي خَفْضِهَا وَلَا رَفْعِهَا. وَهَذَا غَلَطٌ بِلَا رَيْبٍ وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ كَانَتْ الْأَحْوَالُ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّكْبِيرَ سِرًّا: لَمْ يَصِحَّ نَفْيُ ذَلِكَ وَلَا إثْبَاتُهُ. فَإِنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ إمَامِهِ وَلَا يُسَمَّى تَرْكُ التَّكْبِيرِ بِالْكُلِّيَّةِ تَرْكًا لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ كَانُوا يُكَبِّرُونَ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ دُونَ الِانْتِقَالَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ السُّنَّةُ. بَلْ الْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ تُبَيِّنُ أَنَّ رَفْعَ الْإِمَامِ وَخَفْضَهُ كَانَ فِي جَمِيعِهَا التَّكْبِيرُ.
وَقَدْ قَالَ إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت: لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: مَا الَّذِي نَقَصُوا مِنْ التَّكْبِيرِ؟ قَالَ: إذَا انْحَطَّ إلَى السُّجُودِ مِنْ الرُّكُوعِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ. فَقَدْ بَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمْ يَكُونُوا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ. بَلْ نَقَصُوا التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ مِنْ الْقِيَامِ وَمِنْ الْقُعُودِ وَهُوَ كَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْخَفْضَ يُشَاهَدُ بِالْأَبْصَارِ فَظَنُّوا لِذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْمَعَ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ يَرَى رُكُوعَهُ وَيَرَى سُجُودَهُ؛ بِخِلَافِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. فَإِنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَرَى الْإِمَامَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْلَمَ رَفْعَهُ بِتَكْبِيرِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبْزَى: أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ. وَكَانَ لَا
[ ٣ / ٢١١ ]
يُكَبِّرُ إذَا خَفَضَ. هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ ظَنَّ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - كَمَا ظَنَّ غَيْرُهُ - أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّلَفَ مَا كَانُوا يُكَبِّرُونَ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ. وَجُعِلَ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ الْأُمَّةَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ حَتَّى إنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يَحْكِي أَحْمَد عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَّا مَا صَحَّ عِنْدَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ". فَيَدُلُّ ظَاهِرُهَا: عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ إمَامًا وَغَيْرَ إمَامٍ.
قُلْت: مَا رَوَى مَالِكٌ لَا رَيْبَ فِيهِ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَد لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَكِنْ غَلِطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيمَا فَهِمَ مِنْ كَلَامٍ أَحْمَد. فَإِنَّ كَلَامَهُ إنَّمَا كَانَ فِي التَّكْبِيرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ أَيَّامَ الْعِيدِ الْأَكْبَرِ لَمْ يَكُنْ التَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَلِهَذَا فَرَّقَ أَحْمَد بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. وَلَمْ يَكُنْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ يُفَرِّقُونَ فِي تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ: بَلْ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ: أَنَّ تَكْبِيرَ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ فِي النَّفْلِ كَمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْفَرْضِ. وَإِنْ قِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ فِي الْفَرْضِ قِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ فِي النَّفْلِ. فَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ قَوْلًا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي تَكْبِيرِهِ دُبُرَ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا: فَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ. وَهِيَ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورَةٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ: "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
[ ٣ / ٢١٢ ]
عَنْهُ. كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ".
فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ وَتَرَكَهُنَّ النَّاسُ: كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا وَكَانَ يَقِفُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ هُنَيْهَةً يَسْأَلُ اللَّهَ مَنْ فَضْلِهِ وَكَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَخَفَضَ".
قُلْت: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَرَكَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ مِمَّنْ لَا يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ وَلَا يُوجِبُ التَّكْبِيرَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِبُّ الِاسْتِفْتَاحَ وَالِاسْتِعَاذَةَ وَمَنْ لَا يَجْهَرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالَ.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا هُوَ إيذَانٌ بِحَرَكَاتِ الْإِمَامِ وَشِعَارٌ لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِسُنَّةِ إلَّا فِي الْجَمَاعَةِ. أَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُكَبِّرَ. وَلِهَذَا ذَكَرَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ﷿. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ ﵃:
"أَنَّهُمَا كَانَا يُكَبِّرَانِ كُلَّمَا خَفَضَا وَرَفَعَا فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ جَابِرٌ يُعَلِّمُهُمْ ذَلِكَ".
[ ٣ / ٢١٣ ]
قَالَ: فَذَكَرَ مَالِكٌ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا لِيُبَيِّنَ لَك أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ: فَكَمَا ذَكَرَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ الْخِلَافِ: فَلَمْ أَجِدْهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ أَصْلًا إلَّا مَا ذَكَرَ. أَحْمَد عَنْ عُلَمَاءِ " الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَوَاتِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَجْلِ مَا كَرِهَ مِنْ فِعْلِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفهري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْأَيْدِي فِيهَا" وَإِذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ؟ هَذَا لَا يَظُنُّهُ عَاقِلٌ بِابْنِ عُمَرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وقتادة وَغَيْرِهِمْ: " أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ " وَذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْهُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ. وَيَقُولُ: إنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ: كَانَ النَّاسُ قَدْ تَرَكُوهُ وَفِي تَرْكِ النَّاسِ لَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
قُلْت: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ إلَّا تَرْكُ الْجَهْرِ بِهِ. فَأَمَّا تَرْكُ الْإِمَامِ التَّكْبِيرَ سِرًّا: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ تَرْكَهُ إنْ لَمْ يَصِلْ الْإِمَامُ إلَى فِعْلِهِ فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ بَلْ قَالَوا: كَانُوا لَا يُتِمُّونَهُ. وَمَعْنَى "لَا يُتِمُّونَهُ" يُنْقِصُونَهُ وَنَقْصُهُ: عَدَمُ فِعْلِهِ فِي حَالِ الْخَفْضِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ. وَهُوَ
[ ٣ / ٢١٤ ]
نَقْصٌ بِتَرْكِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ أَوْ نَقْصٌ لَهُ بِتَرْكِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَكُلُّهُمْ كَانَ يُكَبِّرُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَإِذَا خَفَضَ. قَالَ: وَهَذَا مُعَارِضٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: "أَنَّهُ كَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ".
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قُلْت: لِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ "مَا مَنَعَك أَنْ تُتِمَّ التَّكْبِيرَ - وَهَذَا عَامِلُك عَبْدُ الْعَزِيزِ يُتِمُّهُ -؟ فَقَالَ: تِلْكَ صَلَاةُ الْأُوَلِ وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنِّي".
قُلْت: وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَلَى هَؤُلَاءِ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ قَصَّ التَّكْبِيرَ زِيَادٌ".
قُلْت: زِيَادٌ كَانَ أَمِيرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَحِيحًا. وَيَكُونُ زِيَادٌ قَدْ سَنَّ ذَلِكَ حِينَ تَرَكَهُ غَيْرُهُ. وَرُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنَا عَلِيٌّ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إمَّا نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا وَكَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ وَكُلَّمَا سَجَدَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُمَرَاءَ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ شَاهَدُوا مَا عَلَيْهِ أُمَرَاءُ الْبَلَدِ وَهُمْ أَئِمَّةٌ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَوْا مَنْ شَاهَدُوهُمْ
[ ٣ / ٢١٥ ]
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَصْلِ السُّنَّةِ. وَحَصَلَ بِذَلِكَ نُقْصَانٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَفِعْلِهَا. فَاعْتَقَدُوا أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ تَقْدِيمِهَا؛ كَمَا كَانَ الْأَئِمَّةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ عَدَمُ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ النَّاقِصَةِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأَوَّلُ فِي بَعْضِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِهِ: أَنَّهُمْ مِنْ الْخَلْفِ الَّذِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ فَكَانَ يَقُولُ: " كَيْفَ بِكُمْ إذَا لَبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ إذَا تُرِكَ فِيهَا شَيْءٌ قِيلَ: تَرَكْت السُّنَّةَ. فَقِيلَ: مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ إذَا ذَهَبَ عُلَمَاؤُكُمْ وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ وَالْتُمِسَتْ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ" وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ أَيْضًا: "أَنَا مِنْ غَيْرِ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ الدَّجَّالِ: أُمُورٌ تَكُونُ مِنْ كُبَرَائِكُمْ فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَالسَّمْتَ الْأَوَّلَ فَالسَّمْتَ الْأَوَّلَ"» اهـ.
٤ - وفيه ذكر النبي ﷺ باسمه، وهذا مشروع، وإنَّما المنهي عنه هو أن ينادى باسمه.
قلت: وقد سبقت مباحث هذا الحديث في الذي قبله.
* * *
[ ٣ / ٢١٦ ]
٨٦ - عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ: قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ».
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. «مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ».
هذا اللفظ الذي أورده المصنف لمسلم (٤٧١).
وقوله: «رَمَقْتُ». أي: نظرت.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٢٢):
«معنى هذا: أنَّ صلاة النبي ﷺ كانت متقاربة في مقدارها، فكان ركوعه ورفعه من ركوعه وسجوده ورفعه من سجوده قريبًا من الاستواء في مقداره، وإنَّما كان يطيل القيام للقراءة والقعود للتشهد» اهـ.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٧٦):
[ ٣ / ٢١٧ ]
«وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا مَعْنَى قَوْلِهِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ أَنَّ كُلَّ رُكْنٍ قَرِيبٍ مِنْ مِثْلِهِ فَالْقِيَامُ الْأَوَّلُ قَرِيبٌ مِنَ الثَّانِي وَالرُّكُوعُ فِي الْأُولَى قَرِيبٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ اللَّذَيْنِ اسْتُثْنِيَا الِاعْتِدَالُ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ» اهـ.
قلت: والأمر كما قَالَ ﵀.
٢ - وفيه استحباب إطالة الاعتدال من الركوع، والجلوس بين السجدتين خلافًا لمن لم يستحب ذلك.
حتى قَالَ بعض الشافعية إنَّه إذا طوله بطلت صلاته.
٣ - وفي الحديث: دليل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يمكث في المسجد بعد تسليمه من الصلاة يسيرًا قريبًا من قدر ركوعه أو سجوده أو جلوسه بين السجدتين، ثم ينصرف بعد ذلك.
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٨٨):
«وَقَوْلُهُ "فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجْلِسَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي مُصَلَّاهُ» اهـ.
قلت: وهذا المكث كان بعد استقباله للناس، وأمَّا المكث قبل استقبال الناس فكان يمكث يسيرًا مستقبلًا للقبلة.
[ ٣ / ٢١٨ ]
فروى مسلم (٥٩١) عن عائشة قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ"».
قلت: ويستثنى من ذلك صلاة الفجر فإنَّه يستحب للإمام ولغيره المكث في المصلى حتى تطلع الشمس. فروى مسلم (٦٧٠) عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَعَمْ كَثِيرًا كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ».
قلت: ويستحب ألا ينصرف الناس من مصلاهم قبل انصراف الإمام إلَّا إذا أطال المكث بما يشق عليهم.
لما رواه مسلم (٤٢٦) عَنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي».
قلت: وقد حمل العلامة النووي الانصراف في الحديث على السلام، وهو محتمل لذلك، ومحتمل لما هو أعم من ذلك من السلام والانصراف من المصلى.
[ ٣ / ٢١٩ ]
وقد جاء ما يدل على هذا المعنى فيما رواه البخاري (٨٦٦) هند بنت الحارث: أنَّ أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها: «أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١١٧):
«وإن لم يطل الإمام الجلوس، فالسنة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام، كذا قَالَ الزهري والحسن وقتادة وغيرهم.
وقَالَ الزهري: إنَّما جعل الإمام ليؤتم به. يشير إلى أنَّ مشروعية الاقتداء به لا تنقطع إلَّا بانصرافه» اهـ.
قلت: ثم أورد ﵀ حديث أنس، وأم سلمة الذين سبق ذكرهما.
ثم قَالَ ﵀ (٦/ ١١٨): «وقَالَ الشافعي في "الأم": فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قَالَ: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام أو معه أحب إلي.
وظاهر كلام كثير من السلف: كراهة ذلك، كما تقدم» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٠٢):
[ ٣ / ٢٢٠ ]
«وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ لَا يَثِبُوا قَبْلَ الْإِمَامِ، لِئَلَّا يَذْكُرَ سَهْوًا فَيَسْجُدَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إنِّي إمَامُكُمْ، فَلَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: "فَلَا تَسْبِقُونِي". فَإِنْ خَالَفَ الْإِمَامُ السُّنَّةَ فِي إطَالَةِ الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ انْحَرَفَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ الْمَأْمُومُ وَيَدَعَهُ» اهـ.
٤ - قوله في رواية البخاري. «مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ».
احتج به من ذهب إلى عدم تطويل القيام بعد الرفع من الركوع، والقعود بين السجدتين.
قلت: حمل الحديث على هذا المعنى لا يستقيم مع الأدلة ومنها حديث أنس الآتي بعد هذا فإنَّه يدل على إطالة هذين الركنين، وإنَّما المراد بالحديث أنَّ ركن القيام والقعود للتشهد أطول من سائر الأركان، وهذا معلوم من سنته ﵊.
قَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٠٩):
«وأمَّا حديث البراء بن عازب: "كان ركوع رسول الله ﷺ وسجوده بين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع - ما خلا القيام والقعود - قريبًا من السواء" رواه البخاري فقد تشبث به من ظن تقصير هذين الركنين ولا متعلق له فإنَّ الحديث مصرح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان
[ ٣ / ٢٢١ ]
فلو كان القيام والقعود المستثنيين هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديث الواحد بعضه بعضًا فتعين قطعًا أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد ولهذا كان هديه ﷺ فيهما إطالتهما على سائر الأركان كما تقدم بيانه وهذا بحمد الله واضح» اهـ.
٥ - والظاهر أنَّ هذه الصلاة هي صلاة النبي ﷺ في جميع أحواله.
وأمَّا قول العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٤٠٨):
«قَالَ المهلب: هذه الصفة أكمل صفات صلاة الجماعة، وأمَّا صلاة الرجل وحده، فله أن يطول فى الركوع والسجود أضعاف ما يطول فى القيام بين السجدتين وبين الركعة والسجدة» اهـ. فالظاهر خلافه.
* * *
[ ٣ / ٢٢٢ ]
٨٧ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «إنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا».
قَالَ ثَابِتٌ: «فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ. كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ: انْتَصَبَ قَائِمًا، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ: مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ».
قوله في الحديث: «لَا آلُو». أي لا أُقَصِّر.
وقوله: «قَدْ نَسِيَ».
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٨٨):
«وقوله: "قد نسي" أي نسي وجوب الهوى إلى السجود قَالَه الكرماني، ويحتمل أن يكون المراد أنَّه نسي أنَّه في صلاة أو ظن أنَّه وقت القنوت حيث كان معتدلًا أو وقت التشهد حيث كان جالسًا» اهـ.
وفي هذا الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الرفع من الركوع ينتصب فيه المصلي حتى يعتدل قائمًا.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦):
[ ٣ / ٢٢٣ ]
«ففي هذا الحديث: دليل على أنَّ الرفع من الركوع ينتصب فيه حتى يعتدل قائمًا، كما قَالَ النبي ﷺ للذي علمه الصلاة: "ثم أرفع حتى تعتدل قائمًا".
وأكثر العلماء على أنَّ الرفع من الركوع ركن من أركان الصلاة، وهو قول الشافعي وأحمد.
وقَالَ أبو حنيفة ومالك -في رواية عنه -: ليس بركن، فلو ركع ثم سجد أجزأه.
وهذا يرده فعل النبي ﷺ وأمره بالاعتدال.
والطمأنينة في هذا الاعتدال ركن -أيضًا - عند الشافعي وأحمد وأكثر أصحابهما.
ومن الشافعية من توقف في ذلك؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أمرنا بالاعتدال دون الطمأنينة.
والصحيح: أنَّ الطمأنينة فيه ركن، وهو قول الأكثرين، منهم: الثوري والأوزاعي وأبو يوسف وإسحاق.
وقد أمر النبي ﷺ بالطمأنينة في الجلوس بين السجدتين، فالطمأنينة في الرفع من الركوع مثلها.
وقد روي من حديث رفاعة بن رافع، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علم المسيء في صلاته، وأمره أن يرفع حتى يطمئن قائمًا.
خرَّجه الإمام أحمد وغيره.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
وقد سبق قول النبي ﷺ: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود".
وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده".
ومن حديث طلق بن علي الحنفي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ معناه.
وحديث طلق أصح من حديث أبي هريرة» اهـ.
٢ - وفيه: دليل على استحباب إطالة ركن الرفع من الركوع، مع إطالة سائر أركان الصلاة، حتى تتناسب أركان الصلاة في القدر.
وذهب بعض الشافعية إلى أنَّ من أطال ذلك فسدت صلاته؛ لأنَّه غير مقصود لنفسه، بل للفصل بين الركوع والسجود. ولأن في إطالته قطع للموالاة بين أركان الصلاة. وهذا قول مردود؛ لمخالفته السنة.
٣ - وفيه استحباب إطالة الجلوس بين السجدتين.
٤ - وفيه الرد على من رأى الاقتصار على قوله بين السجدتين "رب اغفر لي" مرتين أو ثلاثًا.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«واستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة، فإنَّه أصح عنده من حديث ابن عباس، وقَالَ: يقول: "رب اغفر لي" ثلاث مرات، أو ما شاء.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
ومن أصحابه من قَالَ: يقولها مرتين فقط.
ومنهم من قَالَ: يقولها ثلاثًا كتسبيح الركوع والسجود، وحمل حديث حذيفة أنَّه كان يكرر ذلك؛ فإنَّ في حديثه: أنَّ جلوسه بين السجدتين كان نحوًا من سجوده.
وروي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس، منهم: مكحول والثوري وأصحاب الشافعي.
وقَالَ إسحاق: كله جائز، وعنده: أنَّ قَالَ ما في حديث ابن عباس لم يكرره، وإن قَالَ: "رب اغفر لي" كرره ثلاثًا.
وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود، وأنَّه واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لسهوه.
وروي عن أحمد، أنَّه ليس بواجب.
قَالَ حرب: مذهب أحمد: أنَّه إن قَالَ جاز، وإن لم يقل جاز، والأمر عنده واسع.
وكذا ذكر أبو بكر الخلال، أنَّ هذا مذهب أحمد.
وهذا قول جمهور العلماء.
وحكي عن أبي حنيفة، أنَّه ليس بين السجدتين ذكر مشروع بالكلية.
وعن بعض أصحابه، أنَّه يسبح فيه» اهـ.
أقول: حديث ابن عباس رواه أحمد (٢٨٩٧)، أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨) مِنْ طَرِيقِ كَامِلٍ أَبِي العَلَاءِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،
[ ٣ / ٢٢٦ ]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي».
وقد اختلف في وصله وإرساله.
قَالَ الترمذي ﵀ في [جامعه] (١/ ٣٧١): «وروى بعضهم هذا الحديث، عن كامل أبي العلاء مرسلًا» اهـ.
قلت: لعله يريد ما رواه أحمد (٣٥١٤) حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا كَامِلٌ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: فَانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ قَالَ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ مَا شَاءَ أَنْ يَحْمَدَهُ، قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» قَالَ: ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي».
قلت: أسقط الأسود سعيد بن جبير بين حبيب وابن عباس لكن الأكثر على إثباته.
غير أنَّه بقى أنَّ حبيبًا مكثر من التدليس وقد عنعن في جميع طرق الحديث.
قَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [تعريف أهل التقديس] (ص: ٣٨):
[ ٣ / ٢٢٧ ]
«حبيب بن أبي ثابت الكوفي تابعي مشهور يكثر التدليس وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وغيرهما» اهـ.
قلت: وقد جعله في المرتبة الثالثة وهي مرتبة المكثرين.
وحديث حذيفة رواه ابن ماجه (٨٩٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي».
قلت: إسناد ابن ماجه الآخر صحيح.
وروى الحديث أحمد (٢٣٤٢٣)، وأبو داود (٨٧٤)، والنسائي (١٠٦٩، ١١٤٥).
مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، مَوْلَى الأَنْصَارِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ.
قَالَ الطيالسي في [مسنده] (٤١٦) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، سَمِعَ أَبَا حَمْزَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْسٍ - شُعْبَةُ يَرَى أَنَّهُ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ - عَنْ حُذَيْفَةَ.
قلت: والذي يظهر لي أنَّ الذكر بين السجدتين مما يستحب ولا يجب، لعدم ما يدل على الوجوب.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
٥ - وليس في الحديث أنَّه كان يطول الرفع من الركوع، والجلوس بين السجدتين أطول من السجود والركوع، بل غاية ما يدل عليه التنبيه على أنَّ هذين الركنين من الأركان الطويلة خلاف ما يفعله كثير من المصليين من تخفيفهما.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٧٩):
«فَهَذِهِ أَحَادِيثُ أَنَسٍ الصَّحِيحَةُ تُصَرِّحُ أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يُوجِزُهَا وَيُكَمِّلُهَا وَاَلَّتِي كَانَتْ أَخَفَّ الصَّلَاةِ وَأَتَمَّهَا أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِيهَا مِنْ الرُّكُوعِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: إنَّهُ قَدْ نَسِيَ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ. وَإِذَا كَانَ فِي هَذَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَمِنْ الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَا يَنْقُصَانِ عَنْ هَذَيْنِ الِاعْتِدَالَيْنِ. بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: لَا يُشْرَعُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَيْنِ الِاعْتِدَالَيْنِ بِقَدْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَلْ يَنْقُصَانِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» اهـ.
٦ - وفيه التعليم بالفعل.
٨ - وفيه أنَّ من أراد أن يعلم الناس صفة الصلاة فإنَّه يصلي صلاة حقيقية.
٩ - وفيه مشروعية أن يجمع العبد بين نية العبادة ونية التعليم.
* * *
[ ٣ / ٢٢٩ ]
٨٩ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ إمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاةً. وَلا أَتَمَّ صّلاةً مِنَ النَّبيِّ ﷺ».
الحديث فيه مسائل منها:
١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يحرص على التخفيف على من يصلي خلفه مع مراعاة إتمام الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها لا كما يفعله كثير من الناس من التخفيف المخل بأركان الصلاة وواجباتها وسننها.
٢ - هذا اللفظ الذي أورده المؤلف هو لفظ مسلم ولفظ البخاري (٧٠٨) عن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ». وهذه الزيادة موجودة عند مسلم لكن في غير هذا السياق فروى (٤٧٠) عَنْ أَنَسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ».
وروى البخاري (٧٠٩)، ومسلم (٤٧٠) عَنْ أَنَسٍ بن مالك: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِه».
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٤١٥):
[ ٣ / ٢٣٠ ]
«فيه: أنَّه كان يتجوز السجود في الصلاة لأمور الدنيا خشية إدخال المشقة على النفوس.
وقد يجوز أن يحتج بهذا الحديث من قَالَ: أنَّه جائز للإمام إذا سمع خفق النعال، وهو راكع أن يزيد في ركوعه شيئًا ليدركه الداخلون فيها؛ لأنَّه في معنى تجوّز النبي ﵇، من أجل بكاء الصبي، وممن أجاز ذلك: الشعبي، والحسن، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى، وقَالَ آخرون: ينتظرهم ما لم يشق على أصحابه، هذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقَالَ مالك: لا ينتظرهم؛ لأنَّه يضر بمن خلفه؛ لأنه لو فعل ذلك، ولعله يسمع آخر بعد ذلك فينتظره فيضر بمن معه، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وقَالَوا: يركع كما كان يركع.
واستدل أهل المقَالَة الأولى أنَّه لما كان تجوّزه في صلاته لا يخرجه منها، دل أن الزيادة فيها شيئًا لا تخرجه من الصلاة، ولما أجمعوا أنَّه جائز للإمام أن ينتظر الجماعة ما لم يخف فوت الوقت جاز للراكع أيضًا ذلك ما لم يخف فوت الوقت» اهـ.
قلت: وأصرح من ذلك ما رواه أحمد (١٦٠٧٦، ٢٧٦٨٨)، والنسائي (١١٤٠) مِنْ طَرِيقِ جرير بن حازم عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الله بن شداد عن أبيه قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
[ ٣ / ٢٣١ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ - وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ - أَوِ الْحُسَيْنَ - فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ، سَجْدَةً أَطَالَهَا فَقَالَ: إِنِّي رَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ، هَذِهِ سَجْدَةً قَدْ أَطَلْتَهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: "فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ"».
قلت: هذا حديث صحيح. وقد أطال النبي ﷺ السجود من أجل الصبي فإطالته من أجل إدراك المأمومين من باب أولى. والله أعلم.
* * *
[ ٣ / ٢٣٢ ]
٨٨ - عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجَرْمِيِّ الْبَصْرِيِّ قَالَ: «جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ: إنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا، وَكَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ».
أَرادَ بشيخِهمْ، أَبا يزيدَ، عَمرَو بنَ سَلَمَة الجَرْميَّ.
قلت: هذا الحديث ليس على شرط المؤلف فإنَّه من أفراد البخاري.
وقوله: «فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ». القائل هو أيوب السختياني.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - تعليم صفة صلاة النبي ﷺ بالفعل، وقد فعل ذلك النبي ﷺ عند صلاته على المنبر.
٢ - أنَّ نية تعليم الناس الصلاة مع نية الصلاة لا تفسد الصلاة.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٦٢):
«والإمام إذا نوى الصلاة بالناس وتعليمهم الصلاة صحت صلاته».
إلى أن قَالَ ﵀:
[ ٣ / ٢٣٣ ]
«ولا يصح حمل كلامه على ظاهره، وأنَّه لم ينو الصلاة بالكلية، بل كان يقوم ويقعد ويركع ويسجد، وهو لا يريد الصلاة، فإن هذا لا يجوز، وإنَّما يجوز مثل ذلك في الحج، يجوز أن يكون الذي يقف بالناس ويدفع بهم غير محرم، ولا مريدًا للحج بالكلية، لكنَّه يكره.
قَالَ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء في الأحكام السلطانية: لأنَّ الوقوف والدفع يجوز للمحرم وغيره، بخلاف القيام والركوع والسجود، فإنَّه لا يجوز إلَّا في الصلاة بشروطها» اهـ.
٣ - وفيه أن التعليم بالفعل أوضح من القول.
٤ - استحباب جلسة الاستراحة.
قلت: وقد جاءت جلسة الاستراحة أيضًا في حديث أبي حميد الساعدي فروى أحمد (٢٣٦٤٧)، والترمذي (٣٠٤) مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَوا: مَا كُنْتَ أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً، وَلَا أَكْثَرَنَا لَهُ إِتْيَانًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَوا: فَاعْرِضْ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَرَكَعَ، ثُمَّ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْ،
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَدَلَ، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ صَنَعَ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صَلَاتُهُ أَخَّرَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقد استحب جلسة الاستراحة هذه الإمام الشافعي وأحمد في رواية، وذهب الإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى عدم استحبابها.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٦٠٢):
«وجملته أنَّه إذا قضى سجدته الثانية نهض للقيام مكبرًا والقيام ركن والتكبير واجب في إحدى الروايتين واختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة فروي لا يجلس وهو اختيار الخرقي وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وبه يقول مالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وقَالَ أحمد: أكثر الأحاديث على هذا وذكر عن عمر وعلي وعبد الله وقَالَ النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ يفعل ذلك أي لا يجلس.
قَالَ الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم وقَالَ أبو الزناد: تلك السنة.
والرواية الثانية: أنه يجلس أختارها الخلال وهو أحد قولي الشافعي قَالَ الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا يعني ترك قوله بترك الجلوس لما روى مالك بن الحويرث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض متفق عليه وذكره أيضًا أبو حميد في صفة رسول الله ﷺ وهو حديث حسن صحيح فيتعين العمل به والمصير إليه.
وقيل إن كان المصلي ضعيفًا جلس للاستراحة لحاجته إلى الجلوس وإن كان قويًا لم يجلس لغناه عنه وحمل جلوس النبي ﷺ على أنه كان في آخر عمره عند كبره وضعفه وهذا فيه جمع بين الأخبار وتوسط بين القولين فإذا قلنا يجلس فيحتمل أنه يجلس مفترشًا على صفة الجلوس بين السجدتين وهو مذهب الشافعي لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ: "ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عضو في موضعه ثم نهض" وهذا صريح في كيفية جلسة الاستراحة فيتعين المصير إليه. وقَالَ الخلال: روي عن أحمد من لا أحصيه كثرة أنه يجلس على أليتيه قَالَ القاضي: يجلس على قدميه وأليتيه مفضيا بهما إلى الأرض لأن لو جلس متفرشًا لم يأمن السهو فيشك هل جلس عن السجدة
[ ٣ / ٢٣٦ ]
الأولى أو الثانية؟ وبهذا يأمن ذلك وقَالَ أبو الحسن الآمدي لا يختلف أصحابنا أنه لا يلصق أليتيه بالأرض في جلسة الاستراحة بل يجلس معلقًا عن الأرض» اهـ.
قلت: وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٩٨٩) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، «فَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَالثَّالِثَةِ قَامَ كَمَا هُوَ وَلَمْ يَجْلِسْ».
قلت: هذا إسناد حسن.
وقَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٦٠ - ٦١):
«وهذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة، وأكثر الأحاديث ليس فيها ذكر شيء من ذلك، كذا قَالَه الإمام أحمد وغيره.
وقد اختلف العلماء في استحبابها في الصلاة:
فقَالَت طائفة: هي مستحبة. وهو قول حماد بن زيد والشافعي -في أشهر قوليه- وأحمد -في رواية عنه، ذكر الخلال: أن قوله استقر عليها، واختارها الخلال وصاحبة أبو بكر بن جعفر.
وقَالَ الأكثرون: هي غير مستحبة، بل المستحب إذا رفع رأسه من السجدة الثانية أن ينهض قائمًا، حكاه أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود، وذكره ابن المنذر عن ابن عباس.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وذكر بإسناده، عن النعمان بن أبي عياش، قَالَ: أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة - أول ركعة والثالثة - قام كما هو ولم يجلس.
وروي- أيضًا - عن أبي ريحانة صاحب النبي ﷺ. وروي معناه عن ابن عمر - أيضًا. خرجهما حرب الكرماني.
وقَالَ الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم.
وممن قَالَ ذلك: عبادة بن نسي وأبو الزناد والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في أحد قوليه - وأحمد - في المشهور من مذهبه عند عامة أصحابه.
ومن أصحابنا وأصحاب الشافعي من قَالَ: هي مستحبة لمن كبر وثقل بدنه؛ لأنَّه يشق عليه النهوض معتمدا على ركبته من غير جلسة.
وحمل أبو إسحاق المروزي القولين للشافعي على اختلاف حالين، لا على اختلاف قولين، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على مثل ذلك، وأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقعد أحيانًا لمّا كبر وثقل بدنه؛ فإنَّ وفود العرب إنَّما وفدت على النَّبيّ ﷺ في آخر عمره.
ويشهد لذلك، أنَّ أكابر الصحابة المختصين بالنبي ﷺ لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم، فدل على أنَّهم علموا أنَّ ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقًا.
وروى حرب الكرماني، عن إسحاق بن راهوية روايتين:
[ ٣ / ٢٣٨ ]
أحداهما: تستحب جلسة الاستراحة لكل أحد.
والثانية: لا تستحب إلَّا لمن عجز عن النهوض عن صدر قدميه. وهي رواية ابن منصور، عن إسحاق -أيضًا.
ومن لم يستحب هذا الجلوس بالكلية، قَالَ: إنَّه من الأفعال المباحة التي تفعل في الصلاة للحاجة إليها، كالتروح لكرب شديد، ودفع المؤذي، ونحو ذلك مما ليس بمسنون، وإنَّما هو مباح» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٣٢):
«وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنَّه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة.
واختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة فيستحب لكل أحد أن يفعلها أو ليست من السنن وإنَّما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ﵀.
قَالَ الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة وقَالَ: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقَالَ: على صدور القدمين على حديث رفاعة وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في
[ ٣ / ٢٣٩ ]
حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل من وصف صلاته ﷺ ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلَّا إذا علم أنَّه فعلها على أنَّها سنة يقتدى به فيها وأمَّا إذا قدر أنَّه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي هو استحباب جلسة الاستراحة في بعض الأوقات لثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وكون أكثر من وصف صلاة النبي ﷺ لم يذكرها لا يقتضي ذلك عدم استحبابها، وإنَّما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يحافظ عليها بل يفعلها في بعض الأوقات، وأمَّا قول العلامة ابن القيم ﵀:
«ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنَّها من سنن الصلاة إلَّا إذا علم أنَّه فعلها على أنَّها سنة يقتدى به فيها وأمَّا إذا قدر أنَّه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة».
فيجاب عنه بأنَّ الأصل في أفعال النبي ﷺ في الصلاة أنَّها من أفعال الاقتداء لا سيما وأنَّ من رواة هذه الجلسة مالك بن الحويرث وقد قدم إلى النبي ﷺ ومكث عنده عشرين ليلة وشاهد في خلال هذه الفترة صلاة النبي ﷺ ولما أراد الرجوع هو ومن معه قَالَ لهم النبي
[ ٣ / ٢٤٠ ]
ﷺ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
رواه البخاري (٦٠٠٨).
وهو قد شاهد خلال هذه الفترة جلسة الاستراحة التي كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يجلسها، فلو كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إنما فعلها للحاجة لاستثناها لهم النبي ﷺ من قوله: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». فلما لم يستثنها دل ذلك على أنَّ فعلها من السنن المقصودة. والله أعلم.
قلت: وقد ذهب إلى استحباب جلسة الاستراحة من أهل العلم المعاصرين الشيخ العلامة ابن باز ﵀ واللجنة الدائمة للإفتاء، والعلامة المحدث الألباني ﵀.
٥ - وفيه إقامة النافلة جماعة لغرض التعليم.
وهذه الصلاة كانت نافلة، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٨٠٢) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً قَالَ فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ».
* * *
[ ٣ / ٢٤١ ]
٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ».
قَالَ العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢١٠):
«قوله "عن عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنَةَ" الصَّوَابُ فِيهِ أَنْ يُنَوِّنَ مَالِكٍ وَيَكْتُبَ بن بالألف لأنَّ بن بُحَيْنَةَ لَيْسَ صِفَةً لِمَالِكٍ بَلْ صِفَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ اسْمُ أَبِيهِ مَالِكٍ وَاسْمُ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بُحَيْنَةُ فَبُحَيْنَةُ امْرَأَةُ مَالِكٍ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب التجافي في السجود.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٤٦):
«ومتى كان التجافي يضر بمن يليه في الصف للزحام فإنَّه يضم إليه من جناحه -: قَالَه الأوزاعي.
وهذا في حق الرجل، فأمَّا المرأة فلا تتجافى بل تتضام، وعلى هذا أهل العلم - أيضًا -، وفيه أحاديث ضعيفة. وخرّج أبو داود في ذلك حديثًا مرسلًا في "مراسيله"» اهـ.
قلت: الأصل في ذلك استواء الرجل والمرأة.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
٢ - قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٤/ ٢٧):
«وإنَّما كان يجافي ﵇، في سجوده ويفرج بين يديه حتى يبدى بياض إبطيه، والله أعلم، ليخف على الأرض ولا يثقل عليها، كما ذكر أبو عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، أنَّه قَالَ: خفوا على الأرض.
قَالَ أبو عبيد: وجهه أنَّه يريد ذلك في السجود، يقول: لا ترسل نفسك على الأرض إرسالًا ثقيلًا، فيؤثر في جبهتك، ويبين ذلك حديث مجاهد أنَّ حبيب بن أبي ثابت سأله قَالَ: إنِّي أخشى أن يؤثر السجود في جبهتي؟ قَالَ: إذا سجدت فتخاف، يعنى: خفف نفسك وجبهتك على الأرض، وبعض الناس يقولون: فتجاف، والمحفوظ عندي بالخاء» اهـ.
قلت: ومن فوائد المجافاة أنَّه أبعد من هيئات الكسالى.
وقَالَ الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٩٤):
«قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِي السُّجُودِ أَنَّهُ يَخِفُّ بِهَا اعْتِمَادُهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ أَنْفُهُ وَلَا جَبْهَتُهُ وَلَا يَتَأَذَّى بِمُلَاقَاةِ الْأَرْضِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ مُغَايَرَتِهِ لِهَيْئَةِ الْكَسْلَانِ وَقَالَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ يَظْهَرَ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَيَتَمَيَّزَ حَتَّى يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ فِي سُجُودِهِ كَأَنَّهُ عَدَدٌ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْتَمِدَ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ عَلَى بَعْضٍ فِي سُجُودِهِ وَهَذَا ضِدُّ مَا
[ ٣ / ٢٤٣ ]
وَرَدَ فِي الصُّفُوفِ مِنِ الْتِصَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ إِظْهَارُ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وروى الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث بن عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَفْتَرِشِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَادْعَمْ عَلَى رَاحَتَيْكَ وَأَبْدِ ضَبْعَيْكَ فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْكَ» اهـ.
٣ - قَالَ في [طرح التثريب] (٢/ ٤٤ - ٤٥):
«ذكر بعض الشافعية أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن له شعر تحت إبطه لحديث أنس المتفق عليه "أنه ﷺ كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه".
وفي الصحيحين أيضًا من حديث عبد الله ابن بحينة "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه".
وقَالَ الشيخ جمال الدين الإسنوي في "المهمات": إنَّ بياض الإبط كان من خواصه فورد التعبير بذلك في حقه فأطلق على غيره ذهولًا قَالَ: وأمَّا إبط غيره فأسود لما فيه من الشعر انتهى. وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه نظر إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه بل لم يرد ذلك في شيء من الكتب المعتمدة.
والخصائص لا تثبت بالاحتمال ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر فإنَّ الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض وإن بقي فيه آثار الشعر؛ ولذلك ورد في حديث عبد الله بن أقوم الخزاعي أنَّه
[ ٣ / ٢٤٤ ]
"صلى مع رسول الله ﷺ بالقاع من نمرة فقَالَ كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد".
أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه فذكر الهروي في الغريبين وابن الأثير في النهاية أن العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفر الأرض، وهو وجهها وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر وإلَّا فلو كان خاليًا من بنات الشعر جملة لم يكن أعفر وإطلاق بياض الإبطين في حق غيره ﷺ موجود في كلام جمع كثير من الفقهاء ولا إنكار فيه؛ لأن الإبط لا تناله الشمس في السفر، والحر فيغير لونه كسائر الجسد الذي يبدو للشمس» اهـ.
قلت: جاء في البخاري (٢٥٩٧)، ومسلم (١٨٣٢) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالَ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا.
ورواية مسلم: «ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ».
[ ٣ / ٢٤٥ ]
وحديث عبد الله بن أقرم رواه أحمد (١٦٤٠١، ١٦٤٠٢)، النسائي (١١٠٨)، وابن ماجه (٨٨١) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَقْرَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنْتُ أَرَى عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ إِذَا سَجَدَ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ولا يلزم من ذكر بياض إبط النبي ﷺ عدم وجود الشعر فيه فقد روى مسلم (٥٨٢) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ».
قلت: وخد النبي ﷺ لا يخلوا من شعر كما هو ظاهر.
* * *
[ ٣ / ٢٤٦ ]
٩٠ - عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَم».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب الصلاة في النعال وذهب بعض العلماء إلى أنَّ الصلاة في النعلين من الرخص وليس من السنن، والصحيح أنَّ ذلك من السنن.
وروى الطبراني في [معجمه الأوسط] (٤٢٩٣)، والحاكم في [مستدركه] (٤٨٧)، ومِنْ طَرِيقِه والبيهقي في [الكبرى] (٢/ ٤٠٤)
مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْلَعْ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً خَلَعَ فَخَلَعَ النَّاسُ، فَقَالَ: «مَا لُكُمْ» قَالَوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ أَذًى».
قَالَ الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَقَدِ احْتَجَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَشَاهِدَهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَيْمُونٍ الْأَعْوَرِ» اهـ.
وقَالَ الحافظ البيهقي ﵀: قبل روايته للحديث:
«إلاَّ أنَّه قد روى عَنْ أَنَسٍ بن مالك بإسناد لا بأس به» اهـ.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
قلت: وهو كما قَالَ ﵀.
ويمكن أن يحمل حديث أنس على معنى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يخلع نعله في الصلاة بعد لبسه إلَّا مرة واحدة، وليس المراد أنَّه لم يصل حافيًا إلَّا مرة واحدة، وهذا الأظهر في معناه فقد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الصلاة حافيًا.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٣٣ - ١٣٤):
«وهذا يدل على أنَّ عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أنَّ الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيًا.
وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة، قَالَ له: أبالوادي المقدس أنت؟!
وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة.
وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة، ونسبه إلى أنَّه أحدث - يريد: أنَّه ابتدع.
وكان النخعي وأبو جعفر محمد بن على إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما وصليا فيها.
وأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال، منهم: أبو هريرة وغيره.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
وقَالَ الشافعي - ونقلوه عنه -: أنَّ خلع النعلين في الصلاة أفضل؛ لما فيه من مباشرة المصلي بأطراف القدمين إذا سجد عليهما.
ووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلي وغيره من أصحابنا» اهـ.
قلت: أثر ابن مسعود رواه أحمد (٤٣٩٧) أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فِي مَنْزِلِهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: «تَقَدَّمْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّكَ أَقْدَمُ سِنًّا وَأَعْلَمُ، قَالَ: لَا، بَلْ تَقَدَّمْ أَنْتَ، فَإِنَّمَا أَتَيْنَاكَ فِي مَنْزِلِكَ، وَمَسْجِدِكَ، فَأَنْتَ أَحَقُّ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ أَبُو مُوسَى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: مَا أَرَدْتَ إِلَى خَلْعِهِمَا؟ أَبِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ أَنْتَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ: يُصَلِّي فِي الْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ».
قلت: إسناد أحمد منقطع لكن رواه مختصرًا عبد الرزاق في [مصنفه] (١٥٠٧)، ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٨٩٤) بإسناد متصل.
قلت: والأصل في أفعال النبي ﷺ أنَّها للاستحباب.
وقد جاء الأمر في الصلاة في النعال والخفاف فيما رواه أبو داود (٦٥٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِىِّ عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِى نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ».
قلت: هذا حديث حسن.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وليس الأمر هاهنا للوجوب فهناك عدة أدلة صارفة لوجوب الصلاة في النعلين.
منها ما رواه أحمد (٦٦٢٧، ٦٦٧٩، ٦٩٢٨، ٧٠٢١)، وأبو داود (٦٥٣)، وابن ماجه (١٠٣٨) مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا».
قلت: هذا حديث حسن.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٨٥٩) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَوَّامٍ، عَنْ حُسَيْنِ الْمُكْتِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا».
ومنها ما رواه النسائي (١٣٦٠) أَخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَنَّ مَكْحُولًا حَدَّثَهُ، أَنَّ مَسْرُوقَ بْنَ الْأَجْدَعِ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَيُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا، وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ».
قلت: هذا حديث حسن. والزبيدي هو محمد بن الوليد.
ومنها ما رواه أحمد (١٥٤٢٩)، وأبو داود (٦٤٨)، والنسائي (٧٧٥)، وابن ماجه (١٤٣١) مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي يَوْمَ الْفَتْحِ وَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عَنْ يَسَارِهِ».
[ ٣ / ٢٥٠ ]
قلت: هذا حديث صحيح. وابن سفيان هو عبد الله.
ومنها ما رواه أبو داود (٦٥٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَلَا يُؤْذِ بِهِمَا أَحَدًا، لِيَجْعَلْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا».
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه أبو داود أيضًا (٦٥٤) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ أَبُو عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ».
قلت: هذا إسناد ضعيف عبد الرحمن بن قيس لم يوثقه معتبر، والحديث حسن بما قبله.
قَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٢/ ١٣٢):
«ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفًا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب لأنَّ التخيير
[ ٣ / ٢٥١ ]
والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب كما في حديث "بين كل أذانين صلاة لمن شاء" وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي» اهـ.
٢ - وفيه مشروعية ستر القدم في الصلاة وهذا مما لا نزاع فيه فيما أعلم.
٣ - ليس هذا الحكم مختصًا بالنعال بل غير النعال له حكمها.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٢١):
«أمَّا الصلاة في النعل ونحوه مثل الجمجم والمداس والزربول وغير ذلك: فلا يكره بل هو مستحب» اهـ.
٤ - ويشمل هذا الاستحباب المساجد المفروشة وغير المفروشة إذا ما راعى المصلي بها الآداب الشرعية من النظر فيها وتطهيرها من النجاسة إن كان بها نجاسة وهكذا تطهيرها من أنواع الأقذار غير النجاسات حتى لا تعلق بالمفارش فتؤذي المصلين.
فإذا امتثل المصلي هذه الآداب فله أن يصلي بنعليه في المساجد المفروشة، نعم هناك من أهل العلم من ذهب إلى عدم فعل ذلك وإن أتى المصلي بهذه الآداب الشرعية بحجة عدم فتح هذا الباب لعامة الناس فإنَّه إذا فتح لهم هذا الباب عبثوا بالمساجد ولن يراع كثير منهم هذه الآداب الشرعية ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وهذا هو الأظهر في هذه المسألة، وإنَّما صلى النبي ﷺ في نعليه حين أن كانت المساجد لا تفرش بالمفارش.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٦٦):
«ففي هذا بيان أنَّ صلاتهم في نعالهم وأنَّ ذلك كان يفعل في المسجد إذ لم يكن يوطأ بهما على مفارش» اهـ.
وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة] (٦/ ٢١٦): «لكن بعد أن فرشت المساجد بالفرش الفاخرة - في الغالب - ينبغي لمن دخل المسجد أن يخلع نعليه رعاية لنظافة الفرش ومنعًا لتأذي المصلين بما قد يصيب الفرش مما في أسفل الأحذية من قاذورات وإن كانت طاهرة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة
عبد الله بن منيع … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي» اهـ.
وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية] (٥/ ١٦٢): «لكن بعد أن فرشت المساجد بالفرش الفاخرة- غالبًا- ينبغي لمن دخل المسجد أن يخلع
[ ٣ / ٢٥٣ ]
نعليه؛ رعاية لنظافة الفرش، ومنعًا لتأذي المصلين بما قد يصيب مما في أسفل الأحذية من قاذورات وإن كانت طاهرة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن باز ﵀ كما في [مجموع فتاوى ابن باز] (١٠/ ١١١):
«ولكن إذا كان المسجد مفروشًا، فالأحوط أن يجعلهما في مكان مناسب، أو يضع إحداهما على الأخرى بين ركبتيه، حتى لا يوسخ الفرش على المصلين.
والله ولي التوفيق» اهـ.
وقَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [شرح رياض الصالحين] (٤/ ٣٠٢):
«وكذلك أيضًا إذا انتعلت وأردت دخول المسجد بنعليك فتفقدهما عند الدخول إن كان فيهما أذى أو قذر فامسحهما بالأرض حتى يزول ثم صلي بهما فإنَّ هذا من السنة قَالَ النبي ﷺ: "خالفوا اليهود صلوا في نعالكم لأنَّ اليهود
[ ٣ / ٢٥٤ ]
لا يصلون في النعل". فالسنة إذًا أن يصلي بنعليه كما أنَّ كثيرًا من الناس يصلي في خفيه فلا فرق بين الخف والنعل لكن الناس تستنكر الخف لأنَّه سنة أميتت هذا إذا كانت المساجد مفروشة بما كانت تفرش به المساجد فيما سلف كانت المساجد فيما سلف تفرش بالحجارة بالحصباء أو الرمل أو نحو ذلك ولا يحصل أذى النعل أمَّا الآن وقد فرشت بهذه الفرش فإنَّ الناس لو دخلوا للوثوا المسجد تلويثًا ظاهرًا بينًا لأنَّ أكثر الناس لا يبالي لو كان في نعليه أذى أو قذر ولهذا رأى العلماء الآن أن الإنسان لا يدخل بنعليه في المسجد نظرًا لأنَّها مفروشة بفرش تتلوث لو دخل الإنسان بنعليه وإذا أراد الإنسان أن يطبق السنة فليصل في بيته بنعليه التهجد أو الراتبة أو ما أشبه ذلك ويحصل بذلك امتثال أمر النبي ﷺ في قوله: "إنَّ اليهود لا يصلون في نعالهم"» اهـ.
قلت: ويشبه هذه المسألة البصق في أرض المسجد فإنَّه لا يشرع بعد فرش المساجد لحصول المفسدة من ذلك فإنَّه لا يمكن دفن البزاق في هذه المساجد المفروشة مع أنَّ ذلك كان مشروعًا حين أن كانت المساجد لا فرش عليها وإنَّما كانت مبسوطة بالتراب والحصباء.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
فروى البخاري (٤٠٨ و٤٠٩)، ومسلم (٥٤٨) مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فَقَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى"».
وروى البخاري (٤١٣)، ومسلم (٥٥١) عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ».
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٤): «وقَالَ بكر بن محمد: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: ما ترى في الرجل يبزق في المسجد ثم يدلكه برجله؟ قَالَ: هذا ليس هو في كل الحديث.
قَالَ: والمساجد قد طرح فيها بواري ليس كما كانت. قَالَ: فأعجب إلي إذا أراد أن يبزق وهو يصلي أن يبزق عن يساره إذا كان البزاق يقع في غير المسجد، يقع خارجًا، وإذا كان في مسجد ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجًا أن يجعله في ثوبه» اهـ.
قلت: البواري هي الحصير المنسوج.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
وقَالَ العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (ص: ١١٢): «وأخرج مسلم، عن عبد الله بن الشخير قَالَ: صليت مع رسول الله ﷺ فرأيته تنخع فدلكها بنعله اليسرى. وهكذا إذا كان المسجد غير مفروش فإن كان مفروشًا بالحصر أو نحوها فلا يتيسر الدفن الذي هو كفارة البصق فيكون خطيئة غير مكفرة.
وقد وردت أحاديث في منع البصق في قبلة المسجد ووردت أحاديث في أنَّه يبصق في ثوبه إذا احتاج إلي ذلك فمن دعت حاجته إلي البصق بصق في ثوبه» اهـ.
وقَالَ العلامة الألباني ﵀: «وقد نصحت إخواننا السلفيين أن لا يتشددوا في هذه المسألة - أي الصلاة بالنعال في المساجد - لما هناك من فارق بين المساجد اليوم المفروشة بالسجاد الفاخر، وبين ما كان عليه المسجد النبوي في زمنه الأول، وقد قرنت لهم ذلك بِمَثَلٍ من السنة في قصة أخرى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد أمر من بادره البصاق أو المخاط وهو يصلي أن يبصق عن يساره أو تحت قدميه، وهذا أمر واضح أنَّ هذا يتماشى مع كون الأرض - أرض المسجد التي سيضطر للبصاق فيها - من الرمل أو الحصباء، فاليوم المصلَّى مسجد مفروش بالسجاد، فهل يقولون إنَّه يجوز أن يبصق على السجاد؟! فهذه كتلك» اهـ.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
وقَالَ الشيخ ابن عثيمين ﵀ كما في [مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين] (١٢/ ٣١٦):
«وأمَّا السجاد فلا تمنع من الصلاة في النعال، لكن المهم الذي أغفله كثير من الناس هو تفقد النعال قبل دخول المسجد، وهذا خلاف ما أمر به النبي ﷺ فقَالَ: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأي في نعليه قذرًا، أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما". فلو عمل الناس بهذا الحديث لم يكن على السجاد ضررًا إذا صلى الناس عليها في نعالهم» اهـ.
وقَالَ ﵀ (١٢/ ٣١٩ - ٣٢٠):
«وأمَّا من قَالَ: إنَّ الصلاة في النعال حيث لا يكون المسجد مفروشًا فليس قوله بسديد، لأنَّ الحكمة في الصلاة في النعل مخالفة اليهود، وكون النعلين من لباس القدمين، وهذه الحكمة لا تختلف باختلاف المكان، نعم لو كانت الحكمة وقاية الرجل من الأرض لكان قوله متجهًا، وأمَّا قول من قَالَ: إنِّك إذا صليت في نعليك أمامي فقد أهنتني أشد الإهانة. فلا أدرى كيف كان ذلك إهانة له، ولقد كأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي في نعليه وأصحابه خلفه، أفيقَالَ إنَّ ذلك إهانة لهم؟
قد يقول قائل: إنَّ ذلك كان معروفًا عندهم فكان مألوفًا بينهم لا يتأثرون به، ولا يتأذون به.
فيقَالَ له: وليكن ذلك معروفًا عندنا ومألوفًا بيننا حتى لا نتأثر به ولا نتأذى به.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وأمَّا قول من قَالَ لمن صلى بنعليه: أأنت خير من الناس جميعًا، أو من فلان وفلان، لو كان خيرًا لسبقوك إليه.
فيقَالَ له: إنَّ الشرع لا يوزن بما كان الناس عليه عمومًا أو خصوصًا، وإنما الميزان كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ وكم من عمل قولي، أو فعلي عمله الناس وليس له أصل في الشرع، وكم من عمل قولي أو فعلي تركه الناس وهو ثابت في السنة، كما يعلم ذلك من استقرأ أحوال الناس، ومن ترك الصلاة بالنعلين من أهل العلم فإنما ذلك لقيام شبهة أو مراعاة مصلحة.
ومن المصالح التي يراعيها بعض أهل العلم ما يحصل من العامة من امتهان المساجد، حيث يدخلون المساجد دون نظر في نعالهم وخفافهم اقتداء بمن دخل المسجد في نعليه ممن هو محل قدوه عندهم، فيقتدون به في دخول المسجد بالنعلين دون النظر فيهما والصلاة فيهما فتجد العامي يدخل المسجد بنعليه الملوثتين بالأذى والقذر حتى يصل إلى الصف ثم يخلعهما ويصلي حافيًا فلا هو الذي احترم المسجد، ولا هو الذي أتى بالسنة.
فمن ثم رأي بعض أهل العلم درء هذه المفسدة بترك هذه السنة، والأمر في هذا واسع - إن شاء الله - فإنَّ لمثل هذه المراعاة أصلًا في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ:
[ ٣ / ٢٥٩ ]
أمَّا في كتاب الله تعالى فقد نهى الله تعالى عن ﷾ آلهة المشركين مع كونه مصلحة، لئلا يترتب عليه مفسده وهي سبهم لإلهنا جل وعلا فقَالَ تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾
وأمَّا في سنة رسول الله ﷺ فشواهده كثيرة:
منها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لعائشة ﵁ وهو يتحدث عن شأن الكعبة: "لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض".
ومنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ترك قتل قوم من المنافقين مع علمه بهم، مراعاة للمصلحة، وتشريعًا للأمة أن يحكموا بالظواهر، ويدعوا السرائر إلى عالمها جل وعلا، ومنها: ترك الصيام في السفر.
ومنها: إيثار النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم مع استحقاق جميع المقاتلين لها مراعاة للمصالح.
فعلى المرء أن يتأمل سيرة النبي ﷺ وهديه، ومراعاة للمصالح ويتبعه في ذلك ويعمل بسنته ما استطاع، التزامًا بالواجب، واغتنامًا بالتطوع، حتى يكون بذلك عالمًا ربانيًا وداعيًا مصلحًا.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
نسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير، والصلاح، والفلاح، والإصلاح، وأن لا يزيغ قلوبنا بع إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين» اهـ.
قلت: ولا أعلم مسجد من مساجد الأرض أحييت فيه هذه السنة إلَّا مسجد الشيخ المحدث أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في بلاد صعدة من بلاد اليمن فقد أحيا هذه السنة وغيرها من السنن التي أميتت فرحمه الله رحمة واسعة وأدخله الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وله ﵀ في هذه المسألة رسالة مطبوعة سماها "شرعية الصلاة في النعال".
* * *
[ ٣ / ٢٦١ ]
٩١ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - جواز إدخال الصبيان الصغار المساجد، وهذا بناء على أنَّ صلاة النبي ﷺ كانت في المسجد وهو الظاهر فإنَّ مشاهدة أبي قتادة لصلاته في الغالب كانت في المسجد. ورواية مسلم صريحة في ذلك ولفظها (١٢١٣) عن أبي قتادة الأنصاري قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ أَعَادَهَا».
وروى أحمد (٢٢٦٣٧) أبو داود (٩١٩)، والنسائي (٧١٠) بإسناد صحيح مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ
[ ٣ / ٢٦٢ ]
يَقُولُ: «بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ عَلَى عَاتِقِهِ يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا».
٢ - في الحديث جواز حمل الصبيان في الصلاة. وهو جائز في الصلاة المكتوبة وغيرها خلافًا لمن منع ذلك في الصلاة المكتوبة ورواية مسلم ظاهرها أنَّها كانت صلاة مكتوبة فإنَّ إمامة النبي ﷺ غالبًا تكون في الصلاة المكتوبة.
وقد جاء الحديث عند أبي داود (٩٢١) بلفظ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ فِى الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ». وهي رواية صريحة في أنَّ الصلاة كانت فريضة لكن في إسنادها عنعنة ابن إسحاق.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٣٦١):
«والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة، وأنَّ ذلك لا يكره فيها، فضلًا عن أن يبطلها. وقد أخذ بذلك كثير من العلماء أو أكثرهم:
فقَالَ الحسن والنخعي: ترضع المرأة جنينها وهي تصلي. خرجه الأثرم عنهما بإسناد صحيح» اهـ.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
ونقل عن الأثرم أنَّه قَالَ: «وسمعت أبا عبد الله سئل: أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قَالَ: نعم» اهـ.
وقَالَ أيضًا: «وحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور جواز حمل الصبي في الصلاة المفروضة» اهـ.
وقَالَ ﵀ (٣/ ٣٦٢): «وإذا عرفت هذا تبين لك ضعف ما قَالَه ابن عبد البر: أنَّه لا نعلم خلافًا أنَّ هذا العمل في الصلاة مكروه، ولم يحك كراهته عن أحد إلَّا عن مالك، فإنَّه قَالَ: ذكر أشهب عن مالك، أنَّ ذلك من رسول الله ﷺ في صلاة النافلة، وأنَّ مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة، وحكى عن بعض أهل العلم أنَّه لا يحب لأحد فعل ذلك في صلاته، ولا يرى عليه إعادة به.
وقد تبين أنَّ أكثر العلماء أجازوه من غير كراهة، وتخصيصه بالنافلة مرود بالنصوص المصرحة بأنَّه فعل ذلك في الفريضة، وهو يؤم الناس فيها» اهـ.
٣ - وفي الحديث جواز العمل اليسير في الصلاة والأدلة في ذلك متكاثرة.
قَالَ العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ١٨٠):
«وفيه: جواز العمل الخفيف في الصلاة والعلماء مجمعون على جوازه» اهـ.
٤ - وفيه دليل على أنَّ الأصل في ثياب الأطفال الطهارة إلَّا إذا تيقن النجاسة فيها فيتقيها وهو مذهب جمهور العلماء.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٩):
[ ٣ / ٢٦٤ ]
«وتباح الصلاة في ثياب الصبيان ما لم تتيقن نجاستها وبذلك قَالَ الثوري والشافعي وأصحاب الرأي» اهـ.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٣٦٣):
«ومنع ابن أبي موسى من أصحابنا من الصلاة في ثيابهم حتى تغسل؛ لأنَّهم لا يتنزهون من البول.
وروى أبو النعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة": ثنا مندل: ثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم النخعي، قَالَ: كانوا يكرهون أن يصلوا في ثياب الصبيان.
إسناد ضعيف.
وقد كره الصلاة في ثيابهم كثير من أصحابنا، وحكي مثله عن الحسن، ورخص فيه آخرون، وهو اختيار بعض أصحابنا، وهذا أصح، وهذا الحديث نص في ذلك. والله ﷾ أعلم» اهـ.
٥ - واحتج به من قَالَ بصحة صلاة من حمل نجاسة في قارورة مسدودة وليس هذا الاحتجاج بصحيح فإنَّ ما في جوف الإنسان لا يعتبر نجاسة حتى ينفصل عنه ولهذا جاز له أن يصلى وإن كان في جوفه شيء من ذلك.
قَالَ العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٧٥٢):
[ ٣ / ٢٦٥ ]
«وإذا حمل في الصلاة حيوانًا طاهرًا أو صبيًا لم تبطل صلاته لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى وهو حامل أمامة ابنة أبي العاص متفق عليه وركب الحسن والحسين على ظهره وهو ساجد ولأنَّ ما في الحيوان من النجاسة في معدته فهي كالنجاسة في معدة المصلي ولو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته وقَالَ بعض أصحاب الشافعي لا تفسد صلاته لأنَّ النجاسة لا تخرج منها فهي كالحيوان وليس بصحيح لأنَّه حامل لنجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه ما لو حملها في كمه» اهـ.
٦ - واحتج به من قَالَ: إنَّ مس المرأة ليس بحدث.
قَالَ العلامة الجصاص ﵀ في [أحكام القرآن] (٤/ ٤):
«وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَمَلَهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ وُقُوعِ يَدِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَجْعَلُ اللَّمْسَ حَدَثًا لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى مَنْ اعْتَبَرَ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ فِيهِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لِشَهْوَةٍ وَمَسُّهُ أُمَامَةَ قَدْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ وَاَلَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عُمُومُ الْبَلْوَى بِمَسِّ النِّسَاءِ لِشَهْوَةٍ وَالْبَلْوَى بِذَلِكَ أَعَمُّ مِنْهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِمَا فَلَوْ
[ ٣ / ٢٦٦ ]
كَانَ حدثا لما أخل النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّةَ مِنْ التَّوْقِيفِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ» اهـ.
قلت: مذهب الإمام مالك وفقهاء المدينة السبعة التفريق بين المس بشهوة فينتقض بذلك الوضوء، والمس بغير شهوة فلا ينتقض به الوضوء، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد.
والمذهب الثاني: عدم النقض مطلقًا وهو مذهب ابن عباس، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وهو الصحيح، وقول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]. المراد بالملامسة الجماع، ويد على ذلك ثلاثة أمور:
الأول: أنَّ اللمس بين الذكر والأنثى محمول على الجماع كالوطء، وذلك أنَّ الوطء يأتي ويراد به الوطء بالقدم ويراد به الجماع فما كان بين الرجل والمرأة فهو الجماع وليس الوطء بالقدم.
الثاني: أنَّ اللمس والملامسة بين الرجل والمرأة في جميع مواردها في كتاب الله تعالى محمولة على الجماع.
الثالث: أنَّ الله تعالى ذكر في آية الوضوء من سورة المائدة الطهارة بالماء للحدثين الأكبر والأصغر فقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
[ ٣ / ٢٦٧ ]
ثم ذكر طهارة التراب والأنس أن يذكر طهارة التراب في الحدثين أيضًا فلما قَالَ ﷾: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] علمنا طهارة التراب في الحدث الأصغر، ولما قَالَ إثرها: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] فإن حملنا الملامسة على الجماع فإنَّه الآية تدل حينئذ على الطهارتين جميعًا، وإن حملنا اللمس على لمس اليد فتكون الآية حينئذ دلت على الطهارة الصغرى دون الكبرى، والدلالة على طهارة الحدثين بالتراب هي الأنسب كدلالتها على طهارة الحدثين بالماء في أول الآية. والله أعلم.
والمذهب الثالث: التفريق بين لمس من كان مظنة الشهوة فينتقض بذلك الوضوء كالزوجة، والنساء الأجنبيات، وبين مس من ليس بمظنة الشهوة كالمحارم فلا ينتقض بمسهنَّ الوضوء.
وأشهر الوجهين عند علماء الشافعية أنَّ مس الصغيرة التي لا تشتهى لا ينتقض به الوضوء.
وفي مس الأمرد النزاع السابق، ومذهب الشافعي عدم النقض لأنَّه ليس محلًا للشهوة.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
٧ - وهذا الحديث صارف للأمر لما رواه البخاري (٧٤٠) مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ».
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي اهـ.
وذلك أنَّ الصبي يحتاج عند حمله أن يمسك بإحدى اليدين حتى لا يسقط.
وأصرح منه ما رواه البخاري (٧٤٨)، ومسلم (٩٠٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"».
ورواه البخاري (١٢١٢)، ومسلم (٩٠١) عن عائشة قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً ثمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ ثمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ
[ ٣ / ٢٦٩ ]
رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ"».
وفي حديث جابر في مسلم (٩٠٤) مرفوعًا: «… حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ - أَوْ قَالَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا - فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ …».
وفي لفظ له من حديثه: «… وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ …».
قلت: ووجه الشاهد أنَّ الضم لو كان واجبًا لما تركه النبي ﷺ من أجل تناول العنقود.
* * *
[ ٣ / ٢٧٠ ]
٩٢ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الحديث فيه الأمر بالاعتدال في السجود.
قَالَ الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ٥٧):
«وقوله: "اعتدلوا في السجود" يريد به: اعتدال الظهر فيه، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين، إنَّما يكون مع التجافي» اهـ.
قلت: ويدخل في عموم الاعتدال ما هو أوسع من ذلك كالتوسط في السجود بين التمدد والانقباض، ويشمل مجافاة البطن عن الفخذين، والساق عن الفخذين. والله أعلم.
قَالَ العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٣/ ٩٢):
«ولهذا قَالَ النبي ﵊: "اعتدلوا في السجود" أي: اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تهصرون فينزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق، ولا تمتدون أيضًا؛ كما يفعل بعض الناس إذا سجد يمتد حتى يقرب من الانبطاح،
[ ٣ / ٢٧١ ]
فهذا لا شك أنَّه من البدع، وليس بسنة، فما ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﵊، ولا عن الصحابة - فيما نعلم - أنَّ الإنسان يمد ظهره في السجود، إنَّما مد الظهر في حال الركوع. أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمده» اهـ.
٢ - النهي عن افتراش الذراعين في الأرض حال السجود لما في ذلك من مشابهة الكلب والسباع. ولأنَّه ينافي التواضع ويشبه هيئات الكسالى.
وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وخالف في ذلك ابن مسعود وأبو ذر ﵄ فذهبا إلى افتراش الذراعين في السجود، وكان ابن مسعود يقول: اسجدوا حتى بالمرفق.
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٧٣) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: «هُيِّئَتْ عِظَامُ ابْنِ آدَمَ لِسجُودِهِ، اسْجُدُوا حَتَّى بِالْمَرَافِقِ».
قلت: إسناده صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٧٢) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: «أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى أَبَا ذَرٍّ مُسَوَّدًا مَا بَيْنَ رُسْغِهِ إلَى مِرْفَقَيْهِ».
قلت: رجاله ثقات لكن لم يسم الحكم من أخبره.
٣ - ويؤخذ من هذا النهي عن التشبه بالحيوان كما سبق بيانه.
* * *
[ ٣ / ٢٧٢ ]