١٧٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ».
الصوم في اللغة: الكف والْإمساك والْامتناع وذلك هو السكون، ويقال صامت الريح إذا ركدت فلم تتحرك، وصامت البكرة إذا لم تدر، ومَصام الفرس موضع وقوفه.
ويقال: صام النهار إذا طال فيصير كأنَّه واقف.
ومن ذلك قولهم: صَامت الخيل، إذا كفت عن السير.
قال النَّابغة الذُبياني:
خَيْلٌ صِيَامٌ، وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ العَجَاجِ، وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا.
أي واقفة عن السير.
والعجاج هو التراب والمعنى أنَّها كثيرة الحركة تثير الغبار.
وعلك اللجم هو لوكه بالفم.
ومن ذلك قول الله تعالى في شأن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [سورة مريم: ٢٦] يعني: صمتًا عن الكلام
وهو في الشرع: التعبد لله تعالى بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
قُلْتُ: واختلف العلماء في اشتقاق رمضان فقال بعضهم سمي بذلك لأنَّه يرمض الذنوب، أي يحرقها ويهلكها، وقيل سمي بذلك من الرمضاء وهو شدة الحر وزعموا أنَّ أسماء الشهور لما نقلوها عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٦):
«فاجتمع في رمضان أنَّ وقت التسمية كان زمن حر، ثم إنَّ الله فرض صومه، والصوم فيه العطش والحرارة، ثم إنَّه يوجب التقوى فتحرق الذنوب وتهلكها، وقد يلهم الله خلقه أن يسموا الشيء باسم يعلمه هو ويبينه فيما بعد وإن لم يعلموا ذلك حين الوضع والتسمية كما سموا النبي ﷺ محمدًا» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقد اختلف العلماء في حكمة النهي فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٢٨):
«والحكمة فيه التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط وهذا فيه نظر لأنَّ مقتضى الحديث أنَّه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز وسنذكر ما فيه قريبًا. وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض وفيه نظر أيضًا لأنَّه يجوز لمن له عادة كما في الحديث. وقيل: لأنَّ الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٣٢):
[ ٦ / ٢٤٩ ]
«واستحب ابن عباس وجماعة من السلف ﵏ أن يفصلوا بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو أيام كما كانوا يستحبون أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٤٣):
«الوجه الثلاثون: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلَّا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم ونهى عن صوم يوم الشك وما ذاك إلَّا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه وكذلك حرم صوم يوم العيد تمييزًا لوقت العبادة عن غيره لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب كما فعلت النصارى ثم أكد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور واستحباب تعجيل الفطر في يوم العيد قبل الصلاة وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها فكره للإمام أن يتطوع في مكانه وأن يستديم جلوسه مستقبل القبلة كل هذا سدًا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو المعنى الأنسب للنهي، وأمَّا قول الحافظ ابن حجر: «وفيه نظر أيضًا لأنَّه يجوز لمن له عادة» اهـ.
فالجواب: أنَّ المواظبة على العمل المعتاد وعدم قطعة أرجح من درء هذه المفسدة، وهكذا فإنَّ ظن الزيادة في الفرض في حق المتنفل بنافلة معتادة كالاثنين والخميس بعيد من وجهين:
الأول: أنَّه قد علم مراده فينتفي المحذور أو يقل.
والآخر: أنَّ ذلك مما يندر حصوله فتندر مفسدته. والله أعلم.
[ ٦ / ٢٥٠ ]
٢ - ومفهوم المخالفة في الحديث يدل على جواز تقدم الشهر بثلاثة أيام فأكثر، وقد جاء ما يدل على المنع من ذلك وهو ما رواه أحمد (٩٧٠٥)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٢٩١١)، وابن ماجه (١٦٥١) مِنْ طَرِيْقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا».
قُلْتُ: ولا يثبت هذا الحديث عند حفاظ الحديث.
قال أبو داود: «وكان عبد الرحمن، لا يحدث به، قلت لأحمد: لم قال؟ لأنَّه كان عنده، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خلافه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ] (١٥١):
«خرج الْإِمَام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صَحِيْحِهِ والحاكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان". وصححه الترمذي وغيره واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به: فأمَّا تصَحِيْحِهِ فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر منهم الرحمن بن المهدي والْإِمَام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم وَقَالَ الْإِمَام أحمد: لم يرو العلاء حديثًا أنكر منه ورده بحديث:
[ ٦ / ٢٥١ ]
"لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين". فإنَّ مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.
وَقَالَ الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير كلها تخالفه يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة.
وَقَالَ الطحاوي: هو منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به وأكثر العلماء على أنَّه لا يعمل به وقد أخذ آخرون منهم الشافعي وأصحابه ونهو عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْزَّيْلَعِي ﵀ في [نَصْبِ الْرَّايَةِ] (٢/ ٤٤١):
«وَقَالَ النسائي: لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء، وروي عن الْإِمَام أحمد ﵁ أنَّه قال: هذا الحديث ليس بمحفوظ، قال: وسألت عنه ابن مهدي فلم يصححه: ولم يحدثني به، وكان يتوقاه، قال أحمد: والعلاء ثقة، لا ينكر من حديثه إلَّا هذا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٢٩):
«وَقَالَ جمهور العلماء يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه وَقَالَ أحمد وابن معين أنَّه منكر» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على جواز الصيام في آخر شهر شعبان فيما رواه البخاري (١٩٨٣)، ومسلم (١١٦١) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ -، فَقَالَ:
[ ٦ / ٢٥٢ ]
«يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟» قَالَ: - أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ -، قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ»، لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِتٌ: عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ».
وفي رواية لمسلم (١١٦١) بلفظ: «يَا فُلَانُ، أَصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤): «وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى النَّاس فَحَمَلَهُ طَائِفَة عَلَى الِاحْتِيَاط لِدُخُولِ رَمَضَان قَالُوا: وَسَرَر الشَّهْر وَسِرَاره بِكَسْرِ السِّين وَفَتْحِهَا ثَلَاث لُغَات وَهُوَ آخِره وَقْت اِسْتِسْرَار هِلَاله فَأَمَرَهُ إِذَا أَفْطَرَ أَنْ يَصُوم يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ عِوَض مَا فَاتَهُ مِنْ صِيَام سَرَرِهِ اِحْتِيَاطًا.
وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز: سَرَره أَوَّله وَسِرَاره أَيْضًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مِنْ أَوَّله فَأَمَرَهُ بِقَضَاءِ مَا أَفْطَرَ مِنْهُ.
ذَكَره أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد.
وَأَنْكَرَ جَمَاعَة هَذَا التَّفْسِير فَرَأَوْهُ غَلَطًا قَالُوا: فَإِنَّ سِرَار الشَّهْر آخِره سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَر فِيهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَة: سَرَره هُنَا وَسَطه وَسُرّ كُلّ شَيْء جَوْفه وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فَعَلَى هَذَا أَرَادَ أَيَّام الْبِيض.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
هَذَا آخِر كَلَامه.
وَرُجِّحَ هَذَا بِأَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات فِيهِ أَصُمْت مِنْ سُرَّة هَذَا الشَّهْر وَسُرَّته وَسَطه كَسُرَّةِ الْآدَمِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَة: هَذَا عَلَى سَبِيل استفهام الإنكار والمقصود منه الزجر.
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيْحِهِ: وَقَوْلُهُ ﷺ أَصُمْت مِنْ سَرَر هَذَا الشَّهْر لَفْظَة اِسْتِخْبَار عَنْ فِعْل مُرَادهَا الْإِعْلَام بِنَفْيِ جَوَاز اِسْتِعْمَال ذَلِكَ الْفِعْل مِنْهُ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ لِعَائِشَة أَتَسْتُرِينَ الْجِدَار وَأَرَادَ بِهِ الإنكار عليها بلفظ الاستخبار، وأمره ﷺ بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَوَّال أَرَادَ بِهِ اِنْتِهَاء السَّرَار وَذَلِكَ أَنَّ الشَّهْر إِذَا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَسْتَسِرّ الْقَمَر يَوْمًا وَاحِدًا وَإِذَا كَانَ الشَّهْر ثَلَاثِينَ يَسْتَسِرّ الْقَمَر يَوْمَيْنِ وَالْوَقْت الَّذِي خاطب فِيهِ النَّبِيّ ﷺ هَذَا الْخِطَاب يُشْبِه أَنْ يَكُون عَدَد شَعْبَان كَانَ ثَلَاثِينَ فَمِنْ أَجَله أَمْر بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَوَّال آخِر كَلَامه.
وَقَالَتْ طَائِفَة: لَعَلَّ صَوْم سَرَر هَذَا الشَّهْر كَانَ الرَّجُل قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسه بِنَذْرٍ فَأَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ.
وَقَالَتْ طَائِفَة: لَعَلَّ ذَلِكَ الرَّجُل كَانَ قَدْ اِعْتَادَ صِيَام آخِر الشَّهْر فَتَرَك آخِر شَعْبَان لِظَنِّهِ أَنَّ صومه يَكُون اِسْتِقْبَالًا لِرَمَضَان فَيَكُون مَنْهِيًّا عَنْهُ فَاسْتَحَبَّ لَهُ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَقْضِيَهُ وَرُجِّحَ هَذَا بِقَوْلِهِ: "إِلَّا صَوْم كَانَ يَصُومهُ أَحَدكُمْ فَلْيَصُمْهُ" وَالنَّهْي عَنْ التَّقَدُّم لِمَنْ لَا عَادَة لَهُ
فَيَتَّفِق الْحَدِيثَانِ وَاَللَّه أَعْلَم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَّوَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٥٣):
[ ٦ / ٢٥٤ ]
«وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ سَرَرُهُ أَوَّلُهُ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ سَرَرُهُ آخِرُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ رَوَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ الصَّحِيحُ آخِرُهُ وَلَمْ يَعْرِفِ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ سَرَرَهُ أَوَّلُهُ قَالَ الْهَرَوِيُّ وَالَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ أَنَّ سَرَرَهُ آخِرُهُ وَيُعَضِّدُ مَنْ فَسَّرَهُ بِوَسَطِهِ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ وَسَرَارَةُ الْوَادِي وَسَطُهُ وَخِيَارُهُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ قَبَلَ ذَلِكَ: (٨/ ٥٣):
«ضَبَطُوا سَرَرِ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَحَكَى الْقَاضِي ضَمَّهَا قَالَ وَهُوَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا: سَرَارُ وَسِرَارُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَكُلُّهُ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ» اهـ.
قُلْتُ: وهناك قول آخر ذكره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١١٢) وهو حمل الحديث على حال الإغمام.
وهناك قول آخر ذكره الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فقال [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣١): «وَقَالَ آخرون: فيه دليل على أنَّ النهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنَّما هو لمن يقصد به التحري لأجل رمضان وأمَّا من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي ولو لم يكن اعتاده وهو خلاف ظاهر حديث النهى لأنَّه لم يستثن منه إلَّا من كانت له عادة» اهـ.
٣ - وفيه جواز أن يقال: رمضان من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وقالت طائفة: لا يقال رمضان مفردًا بحال، وإنَّما يقال شهر رمضان وهذا قول أصحاب مالك وزعم هؤلاء أنَّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى فلا يطلق على غيره إلَّا أن يقيد.
[ ٦ / ٢٥٥ ]
قُلْتُ: وذكر ابْنُ الْقَّيِمِ ﵀ كلامًا نفيسًا حول فائدة حذف كلمة شهر، وإثباتها فقال في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٦): «واعلم أنَّه ما كان من الظروف له اسم علم فإنَّ الفعل إذا وقع فيه تناول جميعه وكان الظرف مفعولًا على سعة الكلام فإذا قُلْتُ: سرت غدوة فالسير وقع في الوقت كله. وكذلك: سرت السبت والجمعة وصفر والمحرم كله مفعول على سعة الكلام لا ظرف للفعل لأنَّ هذه الأسماء لا يطلبها الفعل ولا هي في أصل موضوعها زمان إنَّما هي عبارة عن معان أخرى فإن أردت أن تجعل شيئًا منها ظرفًا ذكرت لفظ الزمان وأضفته إليه كقولك سرت يوم السبت وشهر المحرم فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعه إلَّا بدليل والشهر ظرف وكذلك اليوم.
قال سيبويه: ومما لا يكون الفعل إلَّا وقعًا به كله سرت المحرم وصفر هذا معنى كلامه.
وإذا ثبت هذا فرجب ورمضان أسماء أعلام إذا أردتها لعام بعينه أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفها إليه فإن لم يكن كذلك صار الاسم نكرة تقول صمت رمضان ورمضانًا آخر وصمت الجمعة وجمعة أخرى إنَّما أردت جمعة أسبوعك ورمضان عامك.
وإذا كان نكرة لم يكن إلَّا شهرًا واحدًا كما تكون النكرة من قولك ضربت رجلًا إنَّما تريد واحدًا وإذا كان معرفة يكون ما يدل على التمادي وتوالي الأعوام لم يكن حينئذ واحدًا كقولك المؤمن يصوم رمضان فهو معرفة لأنَّك لا تريده لعام واحد بعينه إذ المعنى يصوم رمضان من كل عام على التمادي وذكر الإيمان قرينة تدل على أنَّ المراد ولو لم يكن في الكلام ما يدل على هذا لم يكن محله إلَّا على العام
[ ٦ / ٢٥٦ ]
الذي أنت فيه وإذا ثبت هذا فانظر إلى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وفي الحديث: "من صام رمضان". وإذا دخل رمضان بدون لفظ الشهر ومحال أن يكون فعل ذلك إيجازًا واختصارًا لأنَّ القرآن أبلغ إيجازًا وأبين إعجازًا. ومحال أيضًا أن يدع لفظ القرآن مع تحريه لألفاظه وما علم من عادته من الاقتداء به فيدع ذلك لغير حكمة بل لفائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعين.
وقد ارتبك الناس في هذا الباب فكرهت طائفة أن تقول صمت رمضان بل شهر رمضان واستهوى ذلك الكتاب.
واعتل بعضهم في ذلك برواية منحولة إلى ابن عباس: "رمضان اسم من أسماء الله". قالوا: ولذلك أضيف إليه الشهر.
وبعضهم يقول: إنَّ رمضان من الرمضاء وهو الحر وتعلق الكراهية بذلك.
وبعضهم يقول: إنَّ هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسائي لعلمه وحذقه فقال في "السنن": باب جواز أن يقال دخل رمضان أو صمت رمضان، وكذلك فعل البخاري وأورد الحديث المتقدم: "من صام رمضان".
وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة فقد تقدم أنَّ الفعل إذا وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنَّه يتناول جميعها ولا يكون ظرفًا مقدرًا بـ "في" حتى يذكر لفظ الشهر أو اليوم الذي أصله أن يكون ظرفًا وأمَّا الاسم العلم فلا أصل
[ ٦ / ٢٥٧ ]
له في الظرفية وإذا ثبت هذا فقول الله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فيه فائدتان أو أكثر:
إحداهما: أنَّه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن. لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه كما تقدم من قول سيبويه وهذا خلاف المعنى لأنَّ الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها فكيف يتناول جميع الشهر وكان ذكر الشهر الذي هو غير علم موافقًا للمعنى كما تقول سرت في شهر كذا فلا يكون السير متناولًا لجميع الشهر.
الفائدة الأخرى: أنَّه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم. لكان حكم المدح والتعظيم مقصورًا على شهر بعينه إذ قد تقدم أنَّ هذا الاسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها لم يكن محله إلَّا العام الذي أنت فيه أو العام المذكور قبله فكان ذكر الشهر الذي هو الهلال في الحقيقة كما قال الشاعر: والشهر مثل قلامة الظفر …
يريد الهلال مقتضيًا لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم متى كان في أي عام كان مع أنَّ رمضان وما كان مثله لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن لأنَّه لم يرد لعام بعينه ألا ترى أنَّ الآية في سورة البقرة وهي من آخر ما نزل وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين ولو قُلْتُ: رمضان حج فيه زيد تريد فيما سلف لقيل لك أي رمضان كان ولزمك أن تقول حج في رمضان من الرمضانيات حتى تريد عامًا بعينه كما سبق.
[ ٦ / ٢٥٨ ]
وفائدة ثالثة: في ذكر الشهر وهو التبيين في الأيام المعدودات لأنَّ الأيام تبين بالأيام وبالشهر ونحوه ولا تبين بلفظ رمضان لأنَّ لفظه مأخوذ من مادة أخرى وهو أيضًا علم فلا ينبغي أن يبين به الأيام المعدودات حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه.
وأمَّا قوله: "من صام رمضان" ففي حذف الشهر فائدة أيضًا وهي تناول الصيام لجميع الشهر فلو قال: من صام أو قام شهر رمضان لصار ظرفا مقدرًا بـ "في" ولم يتناول القيام والصيام جميعه فرمضان في الحديث مفعول على السعة نحو قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ لأنَّه لو كان ظرفًا لم يحتج إلى قوله: ﴿إلَّا قَلِيلًا﴾.
فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله: "من قام رمضان" مقصورًا على العام الذي هو فيه لما تقدم من قولكم أنَّه إنَّما يكون معرفة علمًا إذا أردته لعامك أو لعام بعينه.
قيل قوله: "من صام رمضان" على العموم خطاب لكل فرد ولأهل كل عام فصار بمنزلة قولك: من صام كل عام رمضان كما تقول إن جئتني كل يوم سحر أعطيتك فقد مر قرينة تدل على التمادي تنوب مناب ذكر كل عام وقد اتضح الفرق بين الحديثين والآية فإذا فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها ثم لم تعدل عندك هذه الفائدة جميع الدنيا بأسرها فما قدرتها حق قدرها والله المستعان على واجب شكرها هذا نص كلام السهيلي بحروفه» اهـ.
قُلْتُ: لكن يشكل على هذا أنَّه جاء في بعض الأحاديث: «مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وفي بعضها: «مَنْ صَامَ شَهْرَ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَقَدْ صَامَ الدَّهْرَ».
[ ٦ / ٢٥٩ ]
وفي بعضها: «مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ كُلَّهَا».
قُلْتُ: وقد يقال: إضافة الشهر من قبيل رواية الرواة بالمعنى، ولهذا لم يذكر ذلك بعضهم.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٦٧):
«فيه صريح الرد على الروافض الذين يريدون تقديم الصوم على الرؤية لأنَّ رمضان اسم لما بين الهلالين فإذا صام قبله بيوم فقد تقدم عليه» اهـ.
٥ - واحتج به على النهي عن صيام يوم الشك، وسيأتي الكلام عليها بمشيئة الله تعالى في شرح الحديث التالي.
٦ - وفيه جواز تقدم الشهر بيوم أو يومين لمن له صيام معتاد عليه كصيام الاثنين والخميس، وصيام يوم وإفطار يوم. ويدخل في ذلك أيضًا بطريق الأولى الصوم الواجب كالنذر والكفارة والقضاء.
* * *
[ ٦ / ٢٦٠ ]
١٧٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ الصيام والإفطار مبني على رؤية الهلال لا على الحساب الفلكي فلا يجوز الاعتماد عليه في دخول الشهر ولا خروجه. وقد روى البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٧٣ - ١٧٤): «إذا تبين هذا: فكتاب أيام الشهر وحسابه من هذا الباب كما قدمناه فإنَّ من كتب مسير الشمس والقمر بحروف "أبجد" ونحوها وحسب كم مضى من مسيرها ومتى يلتقيان ليلة الاستسرار ومتى يتقابلان ليلة الإبدار ونحو ذلك فليس في هذا الكتاب والحساب من الفائدة إلَّا ضبط المواقيت التي يحتاج الناس إليها في تحديد الحوادث والأعمال ونحو ذلك. كما فعل ذلك غيرنا من الْأُمم فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب كما يفعلونه بالجداول أو بحروف الجمل وكما يحسبون مسير الشمس والقمر ويعدلون ذلك ويقومونه بالسير الْأَوْسَطِ حتى يتبين لهم وقت الاستسرار والإبدار وغير ذلك فبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢٦١ ]
وَسَلَّمَ أنَّا أيتها الْأُمة الْأُمية لا نكتب هذا الكتاب ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه. وقد قدمنا فيما تقدم أنَّ النفي وإن كان على إطلاقه يكون عامًا فإذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو أم عام؟ فلما قرن ذلك بقوله: "الشهر ثلاثون" و"الشهر تسعة وعشرون" بين أنَّ المراد به أنَّا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب إذ هو تارة كذلك وتارة كذلك. والفارق بينهما هو الرؤية فقط ليس بينها فرق آخر من كتاب ولا حساب كما سنبينه. فإنَّ أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنَّما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ويخطئون أخرى. وظهر بذلك أنَّ الْأُمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه:
من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال.
ومن جهة أنَّ الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط.
ومن جهة أنَّ فيهما تعبًا كثيرًا بلا فائدة فإنَّ ذلك شغل عن المصالح إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه وإذا كان نفي الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه وللمفسدة التي فيه كان الكتاب والحساب في ذلك نقصًا وعيبًا بل سيئة وذنبًا فمن دخل فيه فقد خرج عن الْأُمة الْأُمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب.
وأيضًا فإنَّه جعل هذا وصفًا للأمة. كما جعلها وسطًا في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين» اهـ.
[ ٦ / ٢٦٢ ]
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٨٠):
«ومنهم من يعتمد على أنَّ رابع رجب أول رمضان أو على أنَّ خامس رمضان الماضي أول رمضان الحاضر. ومنهم من يروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديثًا لا يعرف في شيء من كتب الإسلام ولا رواه عالم قط أنَّه قال: "يوم صومكم يوم نحركم". وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تامًا ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين. ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق قبل الاستسرار فيوجبون استسراره ليلتين ويقولون: أول يوم يرى في أوله فهو من الشهر الماضي. واليوم يكون اليوم الذي لا يرى في طرفيه. ثم اليوم الذي يرى في آخره هو أول الشهر الثاني ويجعلون مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال مع العلم بأنَّ الهلال يستسر لليلة تارة وليلتين أخرى وقد يستسر ثلاث ليال» اهـ.
قُلْتُ: وقد احتج المعتمدون على الحساب الفلكي بقول النبي ﷺ في هذا الحديث: «فَاقْدُرُوا لَهُ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٨١ - ١٨٣): «وأمَّا الفريق الثاني: فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى أنَّ قوله: "فاقدروا له" تقدير حساب بمنازل القمر وقد روي عن محمد بن سيرين قال: خرجت في اليوم الذي شك فيه فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلَّا وجدته يأكل إلَّا رجلًا كان يحسب ويأخذ بالحساب ولو لم يعلمه كان خيرًا له.
وقد قيل: إنَّ الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو رجل جليل القدر إلَّا أنَّ هذا إن صح عنه فهي من زلات العلماء.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
وقد حكي هذا القول عن أبي العباس بن سريج أيضًا. وحكاه بعض المالكية عن الشافعي أنَّ من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر لم يتبين له من جهة النجوم أنَّ الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه. وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه. بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة. وإنَّما كان قد حكى ابن سريج وهو كان من أكابر أصحاب الشافعي نسبة ذلك إليه إذ كان هو القائم بنصر مذهبه.
واحتجاج هؤلاء بحديث ابن عمر في غاية الفساد مع أنَّ ابن عمر هو الراوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" فكيف يكون موجب حديثه العمل بالحساب. وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه. وليس لأحد منهم طريقة منضبطة أصلًا بل أية طريقة سلكوها فإنَّ الخطأ واقع فيها أيضًا فإنَّ الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابًا مستقيمًا بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته طريق مطرد إلَّا الرؤية وقد سلكوا طرقًا كما سلك الأولون منهم من لم يضبطوا سيره إلَّا بالتعديل الذي يتفق الحُسَّاب على أنَّه غير مطرد. وإنَّما هو تقريب مثل أن يقال: إن رئي صبيحة ثمان وعشرين فهو تام وإن لم ير صبيحة ثمان فهو ناقص. وهذا بناء على أنَّ الاستسرار لليلتين وليس بصحيح بل قد يستسر ليلة تارة وثلاث ليال أخرى» اهـ.
٢ - الخطاب في الرؤية وإن كان ظاهره يعم جميع المكلفين لكن المراد به رؤية البعض وأقل ذلك رؤية العدل في الصيام والعدلين في الإفطار.
فأمَّا قبول رؤية العدل الواحد في الصيام فلما رواه أبو داود (٢٣٤٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمْرَقَنْدِيُّ، وَأَنَا لِحَدِيثِهِ، أَتْقَنُ قَالَا:
[ ٦ / ٢٦٤ ]
حَدَّثَنَا مَرْوَانُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَرَائِى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٦٦): «مسألة: قال: "وإن كان عدلًا، صوم الناس بقوله" المشهور عن أحمد، أنَّه يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل، ويلزم الناس الصيام بقوله.
وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك، والشافعي في الصحيح عنه.
وروي عن أحمد، أنَّه قال: اثنين أعجب إلي.
قال أبو بكر: إن رآه وحده، ثم قدم المصر، صام الناس بقوله، على ما روي في الحديث، وإن كان الواحد في جماعة الناس، فذكر أنَّه رآه دونهم، لم يقبل إلَّا قول اثنين؛ لأنَّهم يعاينون ما عاين.
وَقَالَ عثمان بن عفان ﵁ لا يقبل إلَّا شهادة اثنين.
وهو قول مالك، والليث، والأوزاعي، وإسحاق لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنَّه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: إنِّي جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم، وإنَّهم حدثوني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا، فإن غم
[ ٦ / ٢٦٥ ]
عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان ذوا عدل، فصوموا وأفطروا". رواه النسائي.
ولأنَّ هذه شهادة على رؤية الهلال، فأشبهت الشهادة على هلال شوال، وَقَالَ أبو حنيفة في الغيم كقولنا، وفي الصحو: لا يقبل إلَّا الاستفاضة؛ لأنَّه لا يجوز أن تنظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة، والموانع مرتفعة، فيراه واحد دون الباقين».
إلى أن قال ﵀ (٦/ ١٦٧):
«وما ذكره أبو بكر، وأبو حنيفة لا يصح؛ لأنَّه يجوز انفراد الواحد به مع لطافة المرئي وبعده، ويجوز أن تختلف معرفتهم بالمطلع ومواضع قصدهم وحدة نظرهم، ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد؛ جاز، ولو شهد شاهدان؛ وجب قبول شهادتهما، ولو كان ممتنعًا على ما قالوه لم يصح فيه حكم حاكم، ولا يثبت بشهادة اثنين، ومن منع ثبوته بشهادة اثنين، رد عليه الخبر الأول، وقياسه على سائر الحقوق وسائر الشهور، ولو أنَّ جماعة في محفل، فشهد اثنان منه أنَّه طلق زوجته، أو أعتق عبده؛ قبلت شهادتهما دون من أنكر، ولو أنَّ اثنين من أهل الجمعة شهدا على الخطيب أنَّه قال على المنبر في الخطبة شيئًا، لم يشهد به غيرهما؛ لقبلت شهادتهما، وكذلك لو شهدا عليه بفعل، وإن كان غيرهما يشاركهما في سلامة السمع وصحة البصر، كذا هاهنا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الفطر فلا بد فيه من شهادة العدلين في قول جماهير أهل العلم.
قَالَ الْإِمَام الترمذي ﵀ في [جَامِعِهِ] (٣/ ٧٤):
«ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنَّه لا يقبل فيه إلَّا شهادة رجلين» اهـ.
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٤٢):
«وأجمعوا على أنَّه لا يقبل في شهادة شوال إلَّا شهادة عدلين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٣٥٤):
«أمَّا الشهادة على رؤية الهلال فأجمع العلماء على أنَّه لا تقبل في شهادة شوال في الفطر إلَّا رجلان عدلان» اهـ.
قُلْتُ: لا يصح الإجماع في ذلك وإنَّما هو قول الأكثر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٨١):
«هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة إلَّا أبا ثور فحكي أصحابنا عنه أنَّه يقبل في هلال شوال عدل واحد كهلال رمضان وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وطائفة من أهل الحديث قال إمام الحرمين قال صاحب التقريب لو قلت بما قاله أبو ثور لم أكن مبعدًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في ذلك ما رواه أحمد (١٨٩١٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ، قَالَ: خَطَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَالَ: أَلَا إِنِّي قَدْ جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسَأَلْتُهُمْ، أَلَا وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَنْسِكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ في إسناده حجاج وهو ابن أرطأة ضعيف مدلس وقد عنعن.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
ورواه النسائي (٢١١٦) مِنْ طَرِيْقِ سعيد بن شبيب أبي عثمان عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن حسين بن الحرث الجدلي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب به.
قُلْتُ: ولم يذكر سعيد بن شبيب في روايته عن يحيى بن زكريا حجاجًا بن أرطأة، وقد خالفه في ذلك الْإِمَام أحمد وحديثه هو المحفوظ. لا سيما وقد تابعه في ذلك يزيد بن هارون عند الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢١٩٣).
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمِزِّيِّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْكَمَالِ] (١٧/ ١٢٣):
«والصواب ذكره كما في روايتنا هذه. وقد رواه يزيد بن هارون أيضًا عن حجاج بن أرطأة» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٢١٦):
«والحجاج: فيه كلام، لكن رواه النسائي من غير ذكره، عن إبراهيم ابن يعقوب عن أبي عثمان سعيد بن شبيب- وكان شيخًا صالحًا- عن ابن أبي زائدة عن حسين بن الحارث الجدلي.
كذا رواه النسائي، ولم يذكر في روايته الحجاج بن أرطأة بين يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وبين حسين، وكأنه وهم، والله أعلم» اهـ.
وروى أبو داود (٢٣٣٩) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ، فَشَهِدَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّهِ لَأَهَلَّا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً، «فَأَمَرَ
[ ٦ / ٢٦٨ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا»، زَادَ خَلَفٌ فِي حَدِيثِهِ،: «وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ».
ورواه أحمد (١٨٨٤٤) مِنْ طَرِيْقِ عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور، ورواه (٢٣١١٩) مِنْ طَرِيْقِ وكيع عن سفيان وليس في حديثه:
«وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى أبو داود (٢٣٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الْجَدَلِيُّ، مِنْ جَدِيلَةَ قَيْسٍ، أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ، وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا»، فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَارِثِ مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ لَقِيَنِي بَعْدُ، فَقَالَ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، ثُمَّ قَالَ الْأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنِّي، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ، قَالَ الْحُسَيْنُ: فَقُلْتُ لِشَيْخٍ إِلَى جَنْبِي مَنْ هَذَا الَّذِي أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَصَدَقَ كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَقَالَ: «بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٤٧): «فهذا الحديث يدل بمنطوقه على قبول شهادة الاثنين بكل حال،
[ ٦ / ٢٦٩ ]
سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة، ومفهومه مفهوم الشرط الذي هو أقوى المفاهيم، على أنَّه لا ينسك إلَّا بشهادة شاهدي عدل؛ لأنَّ الحكم المعلق بشرط معدوم عند عدمه، ولو كان الحكم يثبت بشاهد واحد؛ لما احتاج إلى ذكر الاثنين، وإذا ثبت هذا في هلال النحر، فهلال الفطر أولى وأحرى» اهـ.
قُلْتُ: ومن المعاني التي تقتضي عدم قبول الواحد في شهادة الأهلة غير هلال رمضان ما قاله شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٤٨):
«وأيضًا فإنَّ الأهلة غير رمضان تتضمن حقوقًا للناس من إباحة الأكل والإحلال، وربما يخاف من دخول التهمة، وليس في التقدم بها احتياط، فلا يقبل شهادة الواحد» اهـ.
قُلْتُ: وبناءً على هذا فإنَّ شهد شاهدان في دخول الشهر ثم لم ير الهلال في ليلة الثلاثين من رمضان أتممنا رمضان ثلاثين يومًا بناءً على شهادة الشاهدين في دخوله، وأمَّا إذا ثبت دخول شهر رمضان بشهادة الواحد ثم لم ير الهلال ليلة الثلاثين من رمضان فإنَّنا لا نبني في إكمال الشهر على شهادة الواحد في أوله، ولكن ننظر تمام الثلاثين فإن كانت السماء صافية ولم يظهر الهلال فهذا دليل على خطأ أو كذب الرائي له في أول الشهر فنتم شهر شعبان ورمضان ثلاثين يومًا.
وهكذا نفعل إذا أغميت السماء لتمام الشهر احتياطًا للعبادة. والله أعلم.
وللإمام أحمد فيما سبق روايتان، وذهب الْإِمَام الشافعي إلى إتمام الشهر بناءً على شهادة الواحد في أوله.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٥١ - ١٥٢):
[ ٦ / ٢٧٠ ]
«والأول أصح؛ لأنَّ الصوم إنَّما ثبت بقول الواحد احتياطًا للصوم: كما علل به علي ﵁ لما قبل شهادة الواحد في الهلال وقال: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان".
فمن الاحتياط: أن لا نفطر بناءً على شهادته، ولأنَّه إن أصحت السماء لتمام الثلاثين، كان ذلك أمارة على خطئه أو كذبه» اهـ.
قُلْتُ: وتقبل شهادة النساء في دخول شهر رمضان لأنَّه خبر ديني يشترك فيه الرجال والنساء كالخبر بجهة القبلة ودخول الوقت ورواية الحديث، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقياس المذهب عند الحنابلة.
ومنع من ذلك المالكية والشافعية في الوجه الآخر.
وأمَّا شهادة النساء في دخول شهر شوال وغير ذلك من الشهور فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٦٩): «فصل: ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة النساء المنفردات وإن كثرن، وكذلك سائر الشهور؛ لأنَّه مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال، فأشبه القصاص، وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، لكن تركناه احتياطًا للعبادة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب الجمهور وأجاز أبو حنيفة شهادة الرجل والمرأتين.
وتقبل شهادة العبد في رؤية الهلال وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، ومنعها مالك والشافعي، ولا أعلم حجة مستقيمة للمنع من ذلك.
[ ٦ / ٢٧١ ]
٣ - واحتج به من قال بوجوب الصيام لمن رأى الهلال وحده وإن لم يؤخذ بشهادته وهكذا الفطر.
قُلْتُ: والصحيح في هذه المسألة أنَّ الصوم يكون مع جماعة المسلمين وهكذا الفطر لما رواه الترمذي (٦٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ».
«هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالفِطْرَ مَعَ الجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ» اهـ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وأمَّا من كان في مكان ليس فيه أحد فيجب عليه أن يصوم بناءً على رؤيته للهلال.
وسئل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١١٤ - ١١٨):
«عن رجل رأى الهلال وحده وتحقق الرؤية: فهل له أن يفطر وحده؟ أو يصوم وحده؟ أو مع جمهور الناس؟
فأجاب:
الحمد لله، إذا رأى هلال الصوم وحده أو هلال الفطر وحده فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه؟ أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلَّا مع الناس؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد:
[ ٦ / ٢٧٢ ]
أحدها: أنَّ عليه أن يصوم وأن يفطر سرًا وهو مذهب الشافعي.
والثاني: يصوم ولا يفطر إلَّا مع الناس وهو المشهور من مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة.
والثالث: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس وهذا أظهر الأقوال؛ لقول النبي ﷺ: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" رواه الترمذي وقال: حسن غريب. ورواه أبو داود وابن ماجه وذكر الفطر والأضحى فقط. ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" قال الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ غريب قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنَّما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. ورواه أبو داود بإسناد آخر: فقال حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ذكر النبي ﷺ فيه فقال: "وفطركم يوم تفطرون. وأضحاكم يوم تضحون. وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف". ولأنَّه لو رأى هلال النحر لما اشتهر والهلال اسم لما استهل به فإنَّ الله جعل الهلال مواقيت للناس والحج وهذا إنَّما يكون إذا استهل به الناس والشهر بيَّن.
وإن لم يكن هلالًا ولا شهرًا. وأصل هذه المسألة أنَّ الله ﷾ علق أحكامًا شرعية بمسمى الهلال والشهر: كالصوم والفطر والنحر فقال تعالى:
[ ٦ / ٢٧٣ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. فبين سبحانه أنَّ الأهلة مواقيت للناس والحج. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أنَّه أوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق عليه بين المسلمين لكن الذي تنازع الناس فيه أنَّ الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء؟ وإن لم يعلم به الناس؟ وبه يدخل الشهر أو الهلال اسم لما يستهل به الناس والشهر لما اشتهر بينهم؟ على قولين: فمن قال بالأول يقول: من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم ودخل شهر رمضان في حقه وتلك الليلة هي في نفس الْأمر من رمضان وإن لم يعلم غيره. ويقول من لم يره إذا تبين له أنَّه كان طالعًا قضى الصوم وهذا هو القياس في شهر الفطر وفي شهر النحر لكن شهر النحر ما علمت أنَّ أحدًا قال: من رآه يقف وحده دون سائر الحاج وأنَّه ينحر في اليوم الثاني ويرمي جمرة العقبة ويتحلل دون سائر الحاج. وإنَّما تنازعوا في الفطر: فالأكثرون ألحقوه بالنحر وقالوا لا يفطر إلَّا مع المسلمين؛ وآخرون قالوا: بل الفطر كالصوم ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يومًا وتناقض هذه الأقوال يدل على أنَّ الصحيح هو مثل ذلك في ذي الحجة. وحينئذ فشرط كونه هلالًا وشهرًا شهرته بين الناس واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلَّا مع المسلمين فكذلك لا يصومون إلَّا مع المسلمين وهذا معنى قوله: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون". ولهذا
[ ٦ / ٢٧٤ ]
قال أحمد في روايته: يصوم مع الْإِمَام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم. قال أحمد: يد الله على الجماعة. وعلى هذا تفترق أحكام الشهر: هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم؟ أو ليس شهرًا في حقهم كلهم؟ يبين ذلك قوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فإنَّما أمر بالصوم من شهد الشهر والشهود لا يكون إلَّا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه. وقول النبي ﷺ: "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وصوموا من الوضح إلى الوضح". ونحو ذلك خطاب للجماعة لكن من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صامه فإنَّه ليس هناك غيره. وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنَّه رئي في مكان آخر أو ثبت نصف النهار لم يجب عليه القضاء. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. فإنَّه إنَّما صار شهرًا في حقهم من حين ظهر واشتهر. ومن حينئذ وجب الْإمساك كأهل عاشوراء: الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح وحديث القضاء ضعيف والله أعلم» اهـ.
٤ - واحتج به من قال: إنَّ الهلال إذا رؤي في بلد لزم سائر البلدان الصوم بتلك الرؤية باعتبار أنَّ من بلغه رؤيته لزمه الصوم من غير تحديد لمسافة معينة من الأرض.
قُلْتُ: وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وخالف في ذلك الْإِمَام الشافعي ﵀ في أحد قوليه فذهب إلى مراعاة المطالع فمتى اتحدت المطالع اتحد حكم الرؤية فيلزم أصحاب المطلع الواحد رؤية واحدة في أي طرف من أطراف المطلع الواحد.
[ ٦ / ٢٧٥ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٧٤):
«"فرع" في مذاهب العلماء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم.
قد ذكرنا تفصيل مذهبنا ونقل ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهويه أنَّه لا يلزم غير أهل بلد الرؤية وعن الليث والشافعي وأحمد يلزم الجميع. قال: ولا أعلمه إلَّا قول المدني والكوفي يعنى مالكًا وأبا حنيفة» اهـ.
قُلْتُ: وقد تكلم على هذه المسألة شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بكلام نفيس كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٠٣ - ١١٣) قال فيه: «مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها: فيها اضطراب فإنَّه قد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنَّ الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه فأمَّا ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنَّه لا يعتبر.
قُلْتُ: أحمد اعتمد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنَّه أهل الهلال البارحة فأمر النبي ﷺ الناس على هذه الرؤية مع أنَّها كانت في غير البلد وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر ولم يستفصله وهذا الاستدلال لا ينافي ما ذكره ابن عبد البر؛ لكن ما حد ذلك؟
والذين قالوا: لا تكون رؤية لجميعها كأكثر أصحاب الشافعي منهم من حدد ذلك بمسافة القصر ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع: كالحجاز مع الشام والعراق مع خراسان وكلاهما ضعيف؛ فإنَّ مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال. وأمَّا الأقاليم فما حد ذلك؟ ثم هذان خطأ من وجهين:
أحدهما: أنَّ الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب فإنَّه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ينعكس؛ لأنَّه يتأخر غروب الشمس
[ ٦ / ٢٧٦ ]
بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق فإذا كان قد رئي ازداد بالمغرب نورًا وبعدًا عن الشمس وشعاعها وقت غروبها فيكون أحق بالرؤية وليس كذلك إذا رئي بالمغرب لأنَّه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدًا وضوءًا ولما غربت بالمشرق كان قريبًا منها.
ثم إنَّه لما رئي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق فهذا أمر محسوس في غروب الشمس والهلال وسائر الكواكب ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ولا ينعكس وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق ولا ينعكس فطلوع الكواكب وغروبها بالمشرق سابق.
وأمَّا الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق؛ لأنَّه يطلع من المغرب وليس في السماء ما يطلع من المغرب غيره وسبب ظهوره بعده عن الشمس فكلما تأخر غروبها ازداد بعده عنها فمن اعتبر بعد المساكن مطلقًا فلم يتمسك بأصل شرعي ولا حسي.
وأيضًا فإنَّ هلال الحج: ما زال المسلمون يتمسكون فيه برؤية الحجاج القادمين وإن كان فوق مسافة القصر.
الوجه الثاني: أنَّه إذا اعتبرنا حدًا: كمسافة القصر أو الأقاليم فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك وهذا ليس من دين المسلمين. فالصواب في هذا - والله أعلم ما دل عليه قوله: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنَّه رآه بمكان من الْأمكنة
[ ٦ / ٢٧٧ ]
قريب أو بعيد وجب الصوم. وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب فعليهم إمساك ما بقي سواء كان من إقليم أو إقليمين.
والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد فأمَّا إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس فالمستقبل يجب صومه بكل حال لكن اليوم الماضي: هل يجب قضاؤه؟ فإنَّه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنَّه رئي بإقليم آخر ولم ير قريبًا منهم الأشبه أنَّه إن رئي بمكان قريب وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول فهو كما لو رئي في بلدهم ولم يبلغهم.
وأمَّا إذا رئي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلَّا بعد مضي الأول فلا قضاء عليهم لأنَّ صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه ولا يمكن أن يصوموا إلَّا اليوم الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه فلم يكن يوم صومهم وكذلك في الفطر والنسك لكن هؤلاء هل يفطرون إذا ثبت عندهم في أثناء الشهر أنَّه رئي بناء على تلك الرؤية؟ لكن إن بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا؛ لأنَّه قد ثبت عندهم في أثنائه ما يفطرون به ولا يقضون اليوم الأول فيكون صومهم تسعة وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع إذا صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم فإنَّه يفطر معهم ولا يقضي اليوم الأول.
وإن تأخرت رؤيتهم فهنا اختلفت نقول أصحابنا إن قالوا يفطر وحده فهو كما لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور وإن صام معهم فقد صام إحدى وثلاثين يومًا. والأشبه أن هذه المسألة يخرج فيها لأصحابنا قولان كالمنفرد برؤيته في الفطر لأنَّ انفراد الرجل بالفطر هو المحذور في الموضعين ورؤية أهل بلد دون غيرهم كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
وأمَّا هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته في اليوم عملوا بذلك وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة - بل العيد هو اليوم الذي عيده الناس - ولكن نقل التاريخ.
فالضابط أنَّ مدار هذا الْأمر على البلوغ لقوله: "صوموا لرؤيته" فمن بلغه أنَّه رئي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلًا وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر في أنَّ طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلَّا بعد شهر فلا فائدة فيه بخلاف الْأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنَّها محل الاعتبار. فتدبر هذه المسائل الأربعة: وجوب الصوم والْإمساك ووجوب القضاء ووجوب بناء العيد على تلك الرؤية ورؤية البعيد والبلاغ في وقت بعد انقضاء العبادة. ولهذا قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم اعتبارًا بالبلوغ وإذا أخطأه طائفة منهم لم يجزئهم لإمكان البلوغ فالبلوغ هو المعتبر سواء كان علم به للبعد أو للقلة وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا إلَّا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر. والحجة فيه أنَّا نعلم بيقين أنَّه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين بعد بعض فإنَّ هذا من الْأمور المعتادة التي لا تبديل لها ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات ومثل هذا لو كان لنقل ولما لم ينقل دل على أنَّه لا أصل له وحديث ابن عباس يدل على هذا. وقد أجاب أصحابنا بأنَّه إنَّما لم يفطر لأنَّه لم يثبت عنده إلَّا بقول واحد فلا يفطر به ولا يقال أصحابنا كذلك أيضًا لم ينقل أنَّهم كانوا إذا بلغهم الهلال في
[ ٦ / ٢٧٩ ]
أثناء الشهر بنوا فطرهم عليه. قلنا لأنَّ ذاك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه لأنَّ فيه ترك صوم يوم فإن ثبت عندهم وإلَّا فالاحتياط الصوم؛ لأنَّ ذاك الخبر قد يكون ضعيفًا مع أنَّ هذه المسألة فيها نظر. ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلَّا على رؤيتهم بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلَّا في أثناء الشهر ففي وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها؛ لأنَّ قوله: "صومكم يوم تصومون" دليل على أنَّ ذلك لم يكن يوم صومنا ولأنَّ التكليف يتبع العلم ولا علم ولا دليل ظاهر فلا وجوب وطرد هذا أنَّ الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا ولا قضاء عليهم كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة. فقد قيل: يمسك ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب الْإمساك دون القضاء.
فإنَّ الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطنًا ولا ظاهرًا واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال واستهللناه فلا هلال إلَّا ما استهل فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالًا فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به فيكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت الإخبار به ولأنَّ التكليف يتبع العلم فإذا لم يمكن علمه لم يجب صومه. ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل ولأنَّه لو وجب القضاء أو استحب إذا بلغ رؤيته المكان البعيد أو رؤية النفر القليل في أثناء الشهر لاستحب الصوم يوم الشك مع الصحو بل يوم الثلاثين مطلقًا لأنَّه يمكن أن يخبر القليل أو البعيد برؤيته في أثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطًا وما من شيء في الشريعة يمكن وجوبه إلَّا والاحتياط مشروع في أدائه.
[ ٦ / ٢٨٠ ]
فلما لم يشرع الاحتياط في أدائه قطعنا بأنَّه لا وجوب مع بعد الرائي أو خفائه حتى يكون الرائي قريبًا ظاهرًا فتكون رؤيته إهلالًا يظهر به الطلوع. وقد يحتج بهذا من لم يحتط في الغيم. ولكن يجاب عنه بأن طلوعه هذا مثال ظاهر أو مساو وإنَّما الحاجب مانع كما لو كانوا ليلة الثلاثين في مغارة أو مطمورة وقد تعذر الترائي. ولأنَّ الذين لم يوجبوا التبييت: أصل مأخذهم إجزاء يوم الشك فإنَّ بلوغ الرؤية قبل الزوال كثير كيوم عاشوراء وإيجاب القضاء فيه عسر لكثرة وقوع مثل ذلك وعدم شهرة وجوب القضاء في السلف. وجواب هذا أنه لا يلزم من وجوب الْإمساك وجوب القضاء فإنَّه لا وجوب إلَّا من حين الإهلال والرؤية؛ لا من حين الطلوع ولأنَّ الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر يدل على هذا؛ لأنَّ ما ذكره إذا لم يبلغ الخبر إلَّا بعد مضي الشهر لم يبق فيه فائدة إلَّا وجوب القضاء فعلم أنَّ القضاء لا يجب برؤية بعيدة مطلقًا. فتلخص: أنَّه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله: مخالف للعقل والشرع. ومن لم يبلغه إلَّا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول والنسك فهذا لا تأثير له وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر. وأمَّا إذا بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء؟ وفي بناء الفطر عليه وكذلك في بقية الأحكام: من حلول الدين ومدة الإيلاء وانقضاء العدة ونحو ذلك. والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر. فهذا متوسط في المسألة: وما من قول سواه إلَّا وله لوازم شنيعة لا سيما من قال بالتعدد فإنه يلزمه في
[ ٦ / ٢٨١ ]
المناسك ما يعلم به خلاف دين الإسلام إذا رأى بعض الوفود أو كلهم الهلال وقدموا مكة ولم يكن قد رئي قريبًا من مكة ولما ذكرناه من فساده صار متنوعًا والذي ذكرناه يحصل به الاجتماع الشرعي كل قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه وإذا خالفهم من لم يشعروا بمخالفته لانفراده من الشعور بما ليس عندهم لم يضر هذا وإنَّما الشأن من الشعور بالفرقة والاختلاف. وتحقيق ذلك العلم بالأهلة فقال: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وهذا يدل على أنه أراد المعلوم ببصر أو سمع ولهذا ذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين: إلى أنه إذا كانت السماء مصحية ولم يحصل أحد على الرؤية أنه ليس بشك لانتفاء الشك في الهلال وإن وقع شك في الطلوع. وذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ الهلال على وزن فعال. وهذا المثال في كلام العرب لما يفعل به كالإزار لما يؤتزر به والرداء: لما يرتدى به والركاب: لما يركب به والوعاء: لما يوعى فيه وبه والسماد لما تسمد به الأرض والعصاب: لما يعصب به والسداد لما يسد به وهذا كثير مطرد في الأسماء.
فالهلال اسم لما يهل به: أي يصات به والتصويت به لا يكون إلَّا مع إدراكه ببصر أو سمع ويدل عليه قول الشاعر:
يهل بالفرقد ركبانها * * * كما يهل الراكب المعتمر
أي: يصوتون بالفرقد فجعلهم مهلين به فلذلك سمي هلالًا. ومنه قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي صوت به وسواء كان التصويت به رفيعًا أو خفيضًا فإنه مما تكلم به وجهر به لغير الله. ونطق به.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
الوجه الثاني: أنَّه جعلها مواقيت للناس ولا تكون مواقيت لهم إلَّا إذا أدركوها ببصر أو سمع فإذا انتفى الإدراك انتفى التوقيت فلا تكون أهلة وهو غاية ما يمكن ضبطه من جهة الحس إذ ضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح أصلا وقد صنفت في ذلك شيئًا. وهذه المسألة تنبني عليه أيضًا فإنَّه ليس في قوى البشر أن يضبطوا للرؤية زمانًا ومكانًا محدودًا وإنما يضبطون ما يدركونه بأبصارهم أو ما يسمعونه بآذانهم فإذا كان الواجب تعليقه في حق من رأى بالرؤية ففي حق من لم ير بالسماع ومن لا رؤية له ولا سماع فلا إهلال له والله هو المسئول أن يتم نعمته علينا وعلى المسلمين» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٧٢ - ١٧٣):
«… ولأنَّه لو لم يكن حكم البلاد في ذلك واحدًا؛ لكان يجب أن يحد ما تختلف به المطالع بحدٍّ مضبوط، وليس في ذلك حد مضبوط؛ لأنَّ رؤية الهلال قد تكون تارة لارتفاع المكان، وتارة لصفاء الهواء، وتارة لزوال المانع، وتارة لحدة البصر، ثم ذلك أمر يحتاج إلى حساب، ونحن أمَّة أمية لا نكتب ولا نحسب، فوجب أن نجعل الرؤية واحدة» اهـ.
قُلْتُ: وأقوى حجة للقائلين باعتبار المطالع ما رواه مسلم (١٠٨٧) عَنْ كُرَيْبٍ، «أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟
[ ٦ / ٢٨٣ ]
فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: " لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ».
قُلْتُ: وقد أجاب عن هذا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٧٤) فقال: «قيل: ابن عباس أخبر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمرهم أن لا يفطروا في مثل هذه الواقعة، ولم يذكر لفظ رسول الله ﷺ.
وقد يكون ذلك لأنَّ كريبًا هو الذي أخبرهم بالرؤية المتقدمة وحده، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا بشهادة اثنين؛ لأنَّهم لو عملوا بخبره لأفطروا، وليس فيه تعرض لقضاء ذلك اليوم، وشهادة الواحد إنَّما تقبل في الهلال إذا اقتضت الصوم أداءً أو قضاءً، فأمَّا إذا اقتضت الفطر فلا.
ويجوز أن يكون ذلك لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه يكملوا العدة؛ كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسرًا، فاعتقد ابن عباس أنَّ أهل كل بلد يصومون حتى يروه أو يكملوا العدة، وقد تقدم عنه ﷺ ما يبين أنَّه قصد رؤية بعض الْأُمة في الجملة؛ لأنَّ الخطاب لهم، وهذا عمل بعمل قوم في غير مصره» اهـ.
٥ - واحتج به على تحريم صوم الثلاثين من شعبان إذا حال في الأفق ما يمنع الرؤية وهو ما يسميه جمع من العلماء بيوم الشك ووجه الاحتجاج بالحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علق الصيام بالرؤية عند الصحو وبإكمال العدة عند الغيم وهو المراد بقوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» أي: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
ويؤيد هذا المعنى ما رواه مسلم (١٠٨٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا - ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ - فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ».
قُلْتُ: وقد حمل بعضهم إكمال العدة في الحديث على شهر رمضان دون شعبان لأنَّه أقرب مذكور، واحتجوا أيضًا بما رواه أحمد (٩٦٥٢)، والترمذي (٦٨٤) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَدِ بْنِ عَمْرو حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ أَحَدُكُمْ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَفْطِرُوا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
لكن رواه النسائي (٢١٣٨) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ».
ونحوه رواه الزهري عن أبي سلمة كما عند أحمد (٧٥٠٧)، وابن خزيمة (١٩٠٨)، وابن حبان (٣٤٤٣).
قُلْتُ: حديث يحيى بن أبي كثير، والزهري أصح من حديث محمد بن عمرو والله أعلم.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
وبما رواه مسلم (١٠٨١) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا».
قالوا: ذكر الفطر في الرواية الأولى، والصيام في الرواية الأخرى دليل على أنَّ الْأمر بإكمال العدة إنَّما هو لرمضان لا لشعبان.
لكن روى البخاري (١٩٠٩) حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
قُلْتُ: وقد أَعلَّ قوله: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». بعض علماء الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤٠٠ - ٤٠١): «وهذا اللفظ الأخير للبخاري وحده، وقد علل بعلتين:
إحداهما: أنَّه من رواية محمد بن زياد عنه، وقد خالفه فيه سعيد بن المسيب فقال فيه. "فصوموا ثلاثين". قالوا: وروايته أولى لإمامته، واشتهار عدالته وثقته، ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه، ولموافقة روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه، فإنَّ مذهب أبي هريرة وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء: صيام يوم الغيم. قالوا: فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي ﷺ: "فأكملوا عدة شعبان"، ثم يخالفه؟!.
العلة الثانية: ما ذكر الإسماعيلي قال: وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي وابن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل
[ ٦ / ٢٨٦ ]
ويزيد بن هارون وأبي داود كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للمخبر، وإلَّا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه وجه. هذا آخر كلامه.
وقد رواه الْدَارَقُطْنِي فقال فيه: "فعدوا ثلاثين يعني عدوا شعبان ثلاثين"، ثم قال: أخرجه البخاري عن آدم، فقال فيه: "فعدوا شعبان ثلاثين" ولم يقل: "يعني" وهذا يدل على أنَّ قوله: "يعني" من بعض الرواة، والظاهر أنَّه آدم، وأنَّه قوله» اهـ.
قُلْتُ: ويضاف إلى من ذكرهم الإسماعيلي من الرواة عن شعبة معاذ بن معاذ العنبري وحديثه في مسلم (١٠٨١)، وحجاج بن محمد المصيصي عند أحمد (٩٨٥٢)، وهاشم بن القاسم عند الدارمي (١٦٨٥)، وعلي بن الجعد في [مُسْنَدِه] (١١١٨)، وعند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٥٠٠)، ويحيى بن سعيد القطان عند أحمد (٩٥٥١، ٩٥٥٢)، وورقاء بن عمر عند النسائي (٢١١٨).
قُلْتُ: فهؤلاء خمسة عشر راويًا خالفوا آدم بن أبي إياس، أضف إلى ذلك أنَّ سائر من روى الحديث عن محمد بن زياد لم يذكروا في حديثهم لفظة "شعبان"
فقد رواه الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ». رواه مسلم (١٠٨١). وهكذا رواه عبد الرحمن بن بكر عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٤٢٨)، وحماد بن سلمة عند أحمد (٩٣٦٥)، وهكذا
[ ٦ / ٢٨٧ ]
كل من روى الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لم يذكروا ذلك. فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة. والله أعلم.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٢١ - ١٢٢) - بعد ذكره لكلام الإسماعيلي-:
«فإن قيل: هذه زيادة من الثقة فيجب قبولها؟
قلنا: هذا لا يصح لوجوه:
أحدها: أنَّ من لم يذكر هذه الزيادة عدد كثير لا يجوز على مثلهم في عددهم وضبطهم أن يغفلوها ويضبطها واحد لا يقاربهم في الفضل والضبط، وقد اختلف عليه فيها، فروي أنَّه ذكرها، وروى عنه أنَّه تركها، وعلى هذا عامة أهل الحديث وأكثر محققي أصحابنا، لا سيما وقرينة الحال تقتضي أنَّه روى الحديث بالمعنى الذي فهمه منه.
الثاني: أنَّ الزيادة إنَّما تقبل إذا زاد الواحد على لفظ الجماعة، أمَّا إذا خالف لفظ الجماعة؛ علم أنَّه خالف لفظهم، ولم يزد عليهم، وسائر الجماعة رووا هذا الحديث: "فاكملوا العدة"، وبعضهم قال: "فعدوا ثلاثين يومًا"، ولا شك أنَّ هذا اللفظ لا يزاد عليه شعبان إلَّا بتغييره، وحذف أداة التعريف؛ فمن قال: عدة شعبان، لا يقال: إنَّه قد زاد على لفظ من قال: فأكملوا العدة، لكن خالف لفظُه لفظَه، وأمَّا المعنى؛ فقد يكون مختلفًا.
الثالث: إنَّ الروايات الصحيحة التي لا علة فيها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تثبت أنَّ المراد: أكملوا عدة رمضان ثلاثين يومًا كما تقدم، فتحمل الروايات المطلقة على المفسرة،
[ ٦ / ٢٨٨ ]
وتكون هذه الرواية تفسيرًا من عند الراوي؛ كما شهد به عليه أهل الْمَعْرِفَة بعلل الحديث.
الرابع: أنَّه تقدم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّه كان يقول: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان"، وأنَّ عائشة أفتت بذلك، وأقرها عليه؛ فلو سمع من فلق فيِّ رسول الله ﷺ أمرًا صريحًا بإكمال عدة شعبان وابتداء الصوم بعدها في مثل هذا الخطب الذي لا يكاد يغفل ويهمل بهذا اللفظ الذي لا يعدل عنه ويتأول؛ لما استجاز خلافه.
ونحن إذا قلنا: مخالفة الراوي للحديث لا يمنع الاحتجاج به، فإننا ننسب مخالفته إلى نسيان أو اعتقاد نسخ أو تأويل، وهذه الاحتمالات مندفعة هنا.
ثم لا ريب أنَّ مخالفته علة في الحديث تؤثر فيه؛ فإذا اعتضد بمخالفته انفراد واحد عن الأثبات بهذا اللفظ الذي فيه المخالفة، ومخالفته للفظ الجماعة؛ كثرت الشهادات القادحة في هذا اللفظ، فوقف.
ويتوجه فيه شيء آخر، وهو أنَّ اللفظ المشهور: "فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، وهذا يكون في حال الصحو إذا تراءاه فغبي عليه ولم يره ولم يعرفه لأنَّهم … غبي على الشيء إذا لم يعرفه مع إمكان معرفته، وفي لفظ: "فإن غمي عليكم الشهر" وهذا محتمل للصحو» اهـ.
قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٣٤٢):
[ ٦ / ٢٨٩ ]
«وَفِي حَدِيثِ الصَّوْمِ "فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ" أَيْ خَفِيَ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ "غُبِّيَ" بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمَكْسُورَةِ، لِمَا لَمْ يُسَمَّ فاعِله، مِنَ الغَبَاء: شِبْهُ الْغَبَرَةِ فِي السَّمَاءِ» اهـ.
قُلْتُ: وروى البخاري (١٩٠٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
قُلْتُ: وهذه رواية صريحة في إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا عند الإغمام، لكن يرد ذلك أنَّ الحديث موجود في [الْمُوَطَّأِ] (٦٣١) بزيادة: «وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ». فرواه مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
قُلْتُ: وهذه هي عين طريق الْإِمَام البخاري.
ورواه مسلم (١٠٨٠) مِنْ طَرِيْقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ».
قُلْتُ: وفي الباب حديث عبد الله بن عباس ﵄.
فروى النسائي (٢١٨٩) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ فِي يَوْمٍ قَدْ أُشْكِلَ مِنْ رَمَضَانَ هُوَ أَمْ مِنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَبَقْلًا وَلَبَنًا، فَقَالَ لِي: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ
[ ٦ / ٢٩٠ ]
وَحَلَفَ بِاللَّهِ: لَتُفْطِرَنَّ، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَحْلِفُ لَا يَسْتَثْنِي تَقَدَّمْتُ قُلْتُ: هَاتِ الْآنَ مَا عِنْدَكَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ أَوْ ظُلْمَةٌ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ شَعْبَانَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا، وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ».
قُلْتُ: أبو يونس هو حاتم بن أبي صغيرة، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة لكن الحديث جاء من رواية شعبة عنه كما سيأتي.
ورواه النسائي (٢١٢٩) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا».
قُلْتُ: إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية وحديثه هذا أصح من حديث ابن أبي عدي.
وذكر شعبان مدرج بالحديث من تفسير حاتم بن أبي صغيرة كما جاء صريحًا في مسند الْإِمَام أحمد (١٩٨٥) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ
[ ٦ / ٢٩١ ]
سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ، وَلا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا» قَالَ حَاتِمٌ: يَعْنِي عِدَّةَ شَعْبَانَ اهـ.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٧٣٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، عَنْ حَاتِمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي صَغِيرَةَ بِهِ وفي آخر حديثه: «لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ». وهذه متابعة منه لابن أبي عدي في هذه اللفظة.
قُلْتُ: وقد جاءت لفظة "شعبان" في حديث أبي عوانة عن سماك فيما رواه الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٢٧٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صُومُوا رَمَضَانَ لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَمَامَةٌ أَوْ ضَبَابَةٌ فَأَكْمِلُوا شَهْرَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ».
قُلْتُ: وللحديث طريق أخرى عن سماك فرواه أبو داود (٢٣٢٧) مِنْ طَرِيْقِ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٌ، فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ أَفْطِرُوا وَالشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ بِمَعْنَاهُ لَمْ يَقُولُوا: «ثُمَّ أَفْطِرُوا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ حَاتِمُ بْنُ مُسْلِمٍ ابْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، وَأَبُو صَغِيرَةَ زَوْجُ أُمِّهِ اهـ.
قُلْتُ: حديث شعبة رواه ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٩١٢)، ومن طريقه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٩٠)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٤٧).
[ ٦ / ٢٩٢ ]
قُلْتُ: ولفظ حديث شعبة عند ابن خزيمة «لَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
قُلْتُ: وهذا هو المحفوظ في حديث ابن عباس مِنْ طَرِيْقِ سماك عن عكرمة. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٤٣٢):
«وهو من صحيح حديث سماك لم يدلس فيه ولم يلقن أيضًا فإنَّه من رواية شعبة عنه وكان شعبة لا يأخذ عن شيوخه ما دلسوا فيه ولا ما لقنوا» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا رواه أبو الأحوص سلام ابن سليم عن سماك رواه الترمذي (٦٨٨).
ولعلَّ هذا الاختلاف في حديث ابن عباس حاصل من سماك لا من الرواة عنه. والله أعلم.
ولحديث ابن عباس إسناد آخر رواه النسائي (٢١٢٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَوْزَاءِ، وَهُوَ ثِقَةٌ بَصْرِيٌّ، أَخُو أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
قُلْتُ: وقد خالف سفيان بن عيينة حمادًا فزاد محمد بن حنين بين عمرو بن دينار وابن عباس. روى ذلك النسائي (٢١٢٥).
[ ٦ / ٢٩٣ ]
لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيِّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْكَمَالِ] (٢٥/ ١٢٠):
«هكذا ذكره صاحب "الأطراف " اعتمادًا على ما وقع في بعض النسخ المتأخرة وهو خطأ، والصواب: محمد بن جبير، وهو ابن مطعم. هكذا وقع في الأصول القديمة من كتاب النَّسَائي، وكذلك هو في "مسند" الْإِمَام أحمد وغيره، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: هو في [الْمُسْنَد] (٣٤٧٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْكِرُ أَنْ يُتَقَدَّمَ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ إِذَا لَمْ يُرَ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا لَمْ تَرَوْا الْهِلَالَ، فَاسْتَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ لَيْلَةً».
وهذه متابعة من ابن جريج لسفيان فالصحيح إثبات ابن جبير، أو ابن حنين في الإسناد والله أعلم.
وهكذا رواه الدارمي (١٦٨٦) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّهُ عَجِبَ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا».
قُلْتُ: وقد وقع في مصادر أخرى كثيرة بذكر محمد بن حنين فالله أعلم.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي ترجمته من "التهذيب": «وقد ذكر الْدَارَقُطْنِي أنَّ محمد بن حنين أيضًا روى عن ابن عباس قال وهو أخو عبيد بن حنين وكذا هو مجود في "السنن الْكُبْرَى" رواية ابن الأحمر عن النسائي والله أعلم وَقَالَ الحاكم لا أعرف روى عنه غير عمرو بن دينار» اهـ.
[ ٦ / ٢٩٤ ]
قُلْتُ: وابن حنين هذا مجهول، وأمَّا ابن جبير فإنَّه ثقة.
وفي الباب مرسل ربعي بن حراش رواه النسائي (٢١٢٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صُومُوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ إِلَّا أَنْ تَرَوْا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ».
قُلْتُ: حجاج ضعيف ومدلس وقد عنعن، ثم هو مع ذلك من مراسيل ربعي.
وقد روى الحديث سفيان الثوري عن منصور ولم يذكر شعبان، ورواه موصولًا فروى النسائي (٢١٢٧) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ بَعْضِ، أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أَوْ تَرَوْا الْهِلَالَ، ثُمَّ صُومُوا وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
قُلْتُ: وقد تابع سفيان في ذلك عبيدة بن حميد التيمي عند الْدَارَقُطْنِي (٢١٦٩)، وزهير بن معاوية عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٥٤٦)، وأبو الأحوص سلام بن سليم عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩١١٣).
ورواه جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر وسمى الصحابي بأنَّه حذيفة بن اليمان كما روى ذلك النسائي (٢١٢٦). ورواية سفيان ومن معه هي المحفوظة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٤٣٢):
[ ٦ / ٢٩٥ ]
«ورواه الثوري وجماعة عن منصور عن ربعي عن رجل من الصحابة غير مسمى ورجحه أحمد على رواية جرير» اهـ.
قُلْتُ: الْحَدِيْثُ صَحِيْحٌ والاختلاف في اسم الصحابي لا يضر. والله أعلم.
قُلْتُ: وهذه الرواية الصحيحة تدل على أنَّ إكمال العدة يكون لشهر شعبان كما يكون أيضًا لشهر رمضان؛ لكن ليس فيها أنَّ ذلك في وقت الغيم فيمكن أن تحمل على وقت الصحو وهذا مما لا نزاع فيه.
وفي الباب حديث عائشة ﵂.
رواه أحمد (٢٥٢٠٢)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٢٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلَالِ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ، عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وفي هذا الحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا في وقت الغيم، وهكذا يفعل في رمضان لكن ليس فيه الْأمر بذلك.
ومن جملة ما احتج به المانعون من صيام يوم الثلاثين إذا كان في وقت غيم حديث أبي هريرة الماضي: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ». رواه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).
قُلْتُ: ويجاب عن ذلك أنَّ صيام يوم الغيم ليس من تقدم رمضان فإنَّه لا يصام بنية التقدم وإنَّما يصام بنية أنَّه أول يوم من رمضان.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود (٢٣٣٤)، والنسائي (٢١٨٨)، والترمذي (٦٨٦)، وابن ماجه (١٦٤٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأَتَى بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ».
قُلْتُ: ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم فقال: «وَقَالَ صِلَةُ، عَنْ عَمَّارٍ، "مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ"».
لكن قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيِّ ﵀ في [تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ] (٧/ ٤٧٦):
«روي عن أبي إسحاق، قال: حدثت عن صلة بن زفر به» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَغْلِيْقِ الْتَعْلِيْقِ] (٣/ ١٤١):
«وللحديث مع ذلك عله خفية ذكر الترمذي في "الْعِلَلِ" أنَّ بعض الرواة قال فيه عن أبي إسحاق قال حدثت عن صلة فذكره» اهـ.
وقد رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٥٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ مَنْصُورٍ، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَنَاسًا مَعَهُ أَتَوْهُمْ بِمَسْلُوخَةٍ مَشْوِيَّةٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ رَمَضَانُ، أَوْ لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاجْتَمَعُوا وَاعْتَزَلَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: «تَعَالَ فَكُلْ» قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: «إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَتَعَالَ فَكُلْ».
قُلْتُ: ربعي لم يسمعه من عمار فقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٣١٨) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ
[ ٦ / ٢٩٧ ]
يَاسِرٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فِي رَمَضَانَ، فَجِيءَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَالَ: «ادْنُ» قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا صَوْمٌ كُنْتُ أَصُومُهُ، فَقَالَ: «أَمَّا أَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ فَاطْعَمَ».
قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ ما جاء عن عمار: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ». لا يثبت من أجل أنَّ أبا إسحاق مدلس ولم يسمع هذا من صلة، وغاية ما ثبت عن عمار أنَّه كان لا يرى صيام يوم الشك، وقد جاء ذلك عن جماعة من الصحابة وهو محمول على شك يوم الصحو لا يوم الغيم وفرق ما بين الشكين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٠٦): «الثالث: أنَّ السماء إذا كانت مصحية وتقاعد الناس عن رؤية الهلال أو ادعى رؤيته من لا يقبل خبره أو أجاز أن يكون قد رئي في موضع آخر أو تحدث به الناس لم يثبت؛ كان شكًا مرجوحًا؛ لأنَّ الغالب الظاهر أنَّه لو كان هناك هلال لرآه بعض المقبولين، والأصل عدم الهلال، فاعتضد على عدم الهلال الأصل النافي المبني عليه استصحاب الحال والظاهر الغالب، فلم يكن لتقدير طلوعه بعد هذا إلَّا مجرد وهم وخيال، وأحكام الله لا تبنى على ذلك، فكان الصوم بعد هذا مجرد غلو في الدين وتعمق؛ كالمتورع من مال رجل مسلم مستور، وكتقدير الشبهات والاحتمالات التي لا أمارة عليها، وهذا مما لا يلتفت إليه.
ثم إنَّه في حال الصحو للناس طريق إلى العلم به، وهو ترائي مطلعه والتحديق نحوه؛ فإذا لم يروه؛ جاز نفيه بناء على نفي رؤيته؛ فإنَّ الباحث عن الشيء الطالب له بحسب الوسع والطاقة إذا لم يجده جاز أن ينفيه، وعلى هذا يبنى عامة الأحكام
[ ٦ / ٢٩٨ ]
الشرعية المبنية على عدم الدليل الموجب، مثل أن يقال: لا يجب الشيء الفلاني أو لا يحرم؛ لأنَّ الأصل عدم الوجوب والتحريم، لا دليل على ثبوتها.
أمَّا إذا حال دون منظره سحاب أو قتر؛ فهناك لا سبيل على ترائيه ولا نفي طلوعه، فانقطع العلم بالهلال من جهة الرؤية، ولم يبق إلَّا العدد.
ويحتمل أن يكون طالعًا، ويحتمل أن لا يكون، ومثل هذا لا يأتي الشرع بتحريم الاحتياط وإزالة الشك فيه.
وهو القائل: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" بل مثل هذا في الشرع: إمَّا أن يجب الاحتياط فيه أو يستحب كما سنذكره إن شاء الله، وهذا معنى قول من قال من الصحابة: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان"».
إلى أن قال ﵀: «ثم هذا الشك قد يرجح فيه الصوم من وجهين:
أحدهما: أنَّ الغالب على شعبان أن يكون تسعًا وعشرين، وإنَّما يكون ثلاثين في بعض الأعوام، فإن غمَّ الهلال؛ كان إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أولى من إلحاقه بالأقل.
الثاني: أنَّ الشهر المتيقن تسع وعشرون، وما زاد على ذلك متردد بين الشهور، وقد كمل العدد المتيقن، وقد نبه النبي ﷺ على هذا المعنى بقوله: "إنَّما الشهر تسع وعشرون"، بصيغة إنَّما التي تقتضي إثبات المذكور ونفي ما عداه، فعلم أنَّ ما زاد على التسع والعشرين ليس من الشهر بيقين، فإذا مضت من شعبان تسع وعشرون ليلة؛ فقد مضى الشهر الأصلي» اهـ.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
قُلْتُ: وقد احتج بحديث الباب من استحب صيام الثلاثين من شعبان إذا حال عن رؤية الهلال حائل من غيم أو نحوه، وحملوا قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ». على معنى ضيقوا عليه، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]. وغيرها من الآيات. قالوا: فالتضييق لا يكون إلَّا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين.
قالوا: ولو حملنا التقدير على التقدير بالحساب فالمراد بذلك تقدير شعبان بتسع وعشرين ورمضان بثلاثين يومًا فإنَّ هذا هو الاحتياط في الشهرين.
قالوا: ويؤيد ذلك ما رواه مسلم (١٠٨٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ».
قالوا: فلولا أنَّه أراد التقدير له بالتسع والعشرين لم يكن لذكرها هنا معنى، بل أعلمهم أنَّ الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون، واليوم الموفي ثلاثين قد يكون وقد لا يكون، فإذا غمَّ الهلال؛ فعدوا له الشهر المذكور، وهو التسع والعشرون.
ويوضح ذلك أنَّه أتى بقوله: «فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ». عقب قوله: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». بحرف الفاء المشعرة بالسبب؛ فكأنَّه قال: الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون؛ فاقدروا له هذا العدد إذا غمَّ عليكم.
قُلْتُ: وهذا نص كلام شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٩٤).
[ ٦ / ٣٠٠ ]
قُلْتُ: هذا توجيه قوي للحديث لولا أنَّ الحديث رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٣١) ومن طريقه البخاري (١٩٠٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
هذا لفظ مالك ولفظ البخاري: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ». وقد سبق الحديث.
قُلْتُ: وهذا يقتضي أنَّ التقدير إنَّما يكون بالثلاثين، وهذا الذي كان يفعله النبي ﷺ فقد جاء في حديث عائشة الماضي: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ».
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في صيام يوم الغيم على أقوال ذكرها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وغيره من العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٩٨ - ١٠٠): «وأمَّا صوم يوم الغيم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر فللعلماء فيه عدة أقوال وهي في مذهب أحمد وغيره.
أحدها: أنَّ صومه منهي عنه. ثم هل هو نهي تحريم؟ أو تنزيه؟ على قولين وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه. واختار ذلك طائفة من أصحابه: كأبي الخطاب وابن عقيل وأبي القاسم بن منده الأصفهاني وغيرهم.
[ ٦ / ٣٠١ ]
والقول الثاني: أنَّ صيامه واجب كاختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد وهذا يقال إنَّه أشهر الروايات عن أحمد لكن الثابت عن أحمد لمن عرف نصوصه وألفاظه أنَّه كان يستحب صيام يوم الغيم اتباعًا لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس بل كان يفعله احتياطًا وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطًا ونقل ذلك عن عمر وعلي ومعاوية وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وأسماء وغيرهم. ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة ومنهم من كان ينهى عنه. كعمار بن ياسر وغيره فأحمد ﵁ كان يصومه احتياطًا. وأمَّا إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد ولا كلام أحد من أصحابه؛ لكن كثير من أصحابه اعتقدوا أنَّ مذهبه إيجاب صومه ونصروا ذلك القول.
والقول الثالث: أنَّه يجوز صومه ويجوز فطره وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين أو أكثرهم.
وهذا كما أنَّ الْإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز. فإن شاء أمسك وإن شاء أكل حتى يتيقن طلوع الفجر وكذلك إذا شك هل أحدث؟ أم لا؟ إن شاء توضأ وإن شاء لم يتوضأ.
وكذلك إذا شك هل حال حول الزكاة؟ أو لم يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة؟ أو مائة وعشرون؟ فأدى الزيادة. وأصول الشريعة كلها مستقرة على أنَّ الاحتياط ليس بواجب ولا محرم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٢٢ - ١٢٥):
[ ٦ / ٣٠٢ ]
«واختلفوا في صوم يوم الغيم: وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان. فقال قوم: يجب صومه بنية من رمضان احتياطًا. وهذه الرواية عن أحمد. وهي التي اختارها أكثر متأخري أصحابه وحكوها عن أكثر متقدميهم بناء على ما تأولوه من الحديث وبناء على أنَّ الغالب على شعبان هو النقص فيكون الأظهر طلوع الهلال. كما هو الغالب فيجب بغالب الظن. وقالت طائفة: لا يجوز صومه من رمضان. وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه. كابن عقيل والحلواني. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي استدلالًا بما جاء من الأحاديث وبناء على أنَّ الوجوب لا يثبت بالشك. وهناك قول ثالث: وهو أنَّه يجوز صومه من رمضان ويجوز فطره: والأفضل صومه من وقت الفجر. ومعلوم أنَّه لو عرف وقت الفجر الذي يجوز فيه طلوعه جاز له الإمساك والأكل وإن أمسك وقت الفجر. فإنَّه لا معنى لاستحباب الإمساك لكن …
وأكثر نصوص أحمد إنما تدل على هذا القول وأنَّه كان يستحب صومه ويفعله لا أنَّه يوجبه وإنَّما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة في مسائل ابنه عبد الله والفضل بن زياد القطان وغيرهم أخذ بما نقله عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ونحوه. والمنقول عنهم: أنَّهم كانوا يصومون في حال الغيم لا يوجبون الصوم وكان غالب الناس لا يصومون ولم ينكروا عليهم الترك. وإنَّما لم يستحب الصوم في الصحو بل نهى عنه: لأنَّ الأصل والظاهر عدم الهلال فصومه تقديم لرمضان بيوم. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. واختلفت الرواية عنه: هل يسمى يوم الغيم يوم شك؟ على روايتين. وكذلك اختلف أصحابه في ذلك. أمَّا يوم الصحو عنده:
[ ٦ / ٣٠٣ ]
فيوم شك أو يقين من شعبان ينهى عن صومه بلا توقف. وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره فإنَّ المشكوك في وجوبه - كما لو شك في وجوب زكاة أو كفارة أو صلاة أو غير ذلك - لا يجب فعله ولا يستحب تركه بل يستحب فعله احتياطًا. فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط ولم توجب بمجرد الشك.
وأيضًا: فإنَّ أول الشهر كأول النهار. ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه الإمساك ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم ولأنَّ الإغمام أول الشهر كالإغمام بالشك بل ينهى عن صوم يوم الشك لما يخاف من الزيادة في الفرض. وعلى هذا القول: يجتمع غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب. فإنَّ الجماعات الذين صاموا منهم - كعمر وعلي ومعاوية وغيرهم - لم يصرحوا بالوجوب وغالب الذين أفطروا لم يصرحوا بالتحريم. ولعل من كره الصوم منهم إنَّما كرهه لمن يعتقد وجوبه: خشية إيجاب ما ليس بواجب. كما كره من كره منهم الاستنجاء بالماء لمن خيف عليه أن يعتقد وجوبه وكما أمر طائفة منهم من صام في السفر أن يقضي؛ لما ظنوه به من كراهة الفطر في السفر فتكون الكراهة عائدة إلى حال الفاعل لا إلى نفس الاحتياط بالصوم. فإنَّ تحريم الصوم أو إيجابه كلاهما فيه بعد عن أصول الشريعة. والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت إنَّما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد إكمال العدة. كما دل بعضها على الفعل قبل الإكمال.
أمَّا الإيجاب قبل الإكمال للصوم ففيهما نظر. فهذا القول المتوسط هو الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٢٦):
[ ٦ / ٣٠٤ ]
«والقياس يقتضي صحة هذا القول؛ فإنَّ إيجاب ما لم يتيقن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحري والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا» اهـ.
وفي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (١٥٩): «وإن حال دون منظرة لهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر فصومه جائز لا واجب ولا حرام وهو قول طوائف من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والمنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد إنّما تدلَّ على هذا ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة ﵃ وحكي عن أبي العباس أنَّه كان يميل أخيرًا إلى أنَّه لا يستحب صومه» اهـ.
قُلْتُ: والذي أختاره في هذه المسألة ما كان عليه هدي النبي ﷺ وكان هدية إذا حال الغيم دون رؤية الهلال أن يتم العدة ثلاثين يومًا سواء في ذلك عدة شعبان أو رمضان ويدل على ذلك حديث عائشة الذي سبق ذكره وهو ما رواه أحمد (٢٥٢٠٢)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٢٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلَالِ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ، عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ومن صام يوم الغيم من باب الاحتياط فلا ينكر عليه كما جاء ذلك عن جمع من الصحابة ﵃ أجمعين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٣٩ - ٤٩):
[ ٦ / ٣٠٥ ]
«وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب، أكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صامه. ولم يكن يصوم يوم الإغمام، ولا أمر به، بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غمَّ، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله، وهذا أمره، ولا يناقض هذا قوله: "فإن غم عليكم فاقدروا له"، فإنَّ القدر: هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال كما قال: "فأكملوا العدة" والمراد بالإكمال، إكمال عدة الشهر الذي غمَّ، كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: "فأكملوا عدة شعبان". وقال: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة" والذي أمر بإكمال عدته، هو الشهر الذي يغم، وهو عند صيامه وعند الفطر منه، وأصرح من هذا قوله: "الشهر تسعة وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة"، وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دل عليه لفظه، واعتبار ما دل عليه من جهة المعنى. وقال: "الشهر ثلاثون، والشهر تسعة وعشرون، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين".
وقال: "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرويته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غمامة فأكملوا ثلاثين".
وقال: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة".
وقالت عائشة ﵂: "كان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته، فإن غمَّ عليه، عد شعبان ثلاثين يومًا، ثم صام" صححه الْدَارَقُطْنِي وابن حبان.
وقال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فاقدروا ثلاثين".
[ ٦ / ٣٠٦ ]
وقال: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أغمى عليكم، فاقدروا له".
وقال: "لا تقدموا رمضان". وفى لفظ: "لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم، أو يومين، إلَّا رجلًا كان يصوم صيامًا فليصمه".
والدليل على أنَّ يوم الإغمام داخل في هذا النهى، حديث ابن عباس يرفعه: "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غمامة، فأكملوا ثلاثين" ذكره ابن حبان في صَحِيْحِهِ.
فهذا صريح في أنَّ صوم يوم الإغمام من غير رؤية، ولا إكمال ثلاثين صوم قبل رمضان.
وقال: "لا تقدموا الشهر إلَّا أن تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة".
وقال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب، فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا". قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفى النسائي: من حديث يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس يرفعه "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يوما، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يوما، فإن حال بينكم وبينه سحاب، فأكملوا العدة عدة شعبان".
وَقَالَ سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، تمارى الناس في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم. وَقَالَ بعضهم: غدًا. فجاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فذكر أنه رآه، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٣٠٧ ]
وَسَلَّمَ: "أتشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله"؟ قال: نعم. فأمر النبي ﷺ بلالًا، فنادى في الناس: صوموا. ثم قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يومًا".
وكل هذه الأحاديث صحيحة، فبعضها في "الصحيحين" وبعضها في صحيح ابن حبان، والحاكم، وغيرهما، وإن كان قد أعل بعضها بما لا يقدح في صحة الاستدلال بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، واعتبار بعضها ببعض، وكلها يصدق بعضها بعضًا، والمراد منها متفق عليه.
فإن قيل: فإذا كان هذا هديه ﷺ، فكيف خالفه عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر، وخالفه سالم بن عبد الله، ومجاهد، وطاووس، وأبو عثمان النهدي، ومطرف بن الشخير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد الله المزني، وكيف خالفه إمام أهل الحديث والسنة، أحمد ابن حنبل، ونحن نوجدكم أقوال هؤلاء مسندة؟
فأمَّا عمر بن الخطاب ﵁، فقال الوليد بن مسلم: أخبرنا ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أنَّ عمر بن الخطاب كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة ويقول: ليس هذا بالتقدم، ولكنه التحري.
وأمَّا الرواية عن علي ﵁، فقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت
[ ٦ / ٣٠٨ ]
حسين، أنَّ علي بن أبي طالب قال: لأن أصوم يومًا من شعبان، أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان.
وأمَّا الرواية عن ابن عمر: ففي كتاب عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن عمر قال: كان إذا كان سحاب أصبح صائمًا، وإن لم يكن سحاب، أصبح مفطرًا.
وفي "الصحيحين" عنه، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "إذا رأيتموه، فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وإن غم عليكم فاقدروا له". زاد الْإِمَام أحمد ﵀ بإسناد صحيح، عن نافع قال: كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا، يبعث من ينظر، فإن رأى، فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا.
وأمَّا الرواية عن أنس ﵁: فقال الْإِمَام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبى إسحاق قال: رأيت الهلال إما الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يومًا، وذلك لأن الحكم بن أيوب، أرسل إلى قبل صيام الناس: إني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت وأنا متم يومي هذا إلى الليل.
وأمَّا الرواية عن معاوية، فقال أحمد: حدثنا المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثني مكحول، ويونس بن ميسرة بن حلبس، أنَّ معاوية ابن أبى
[ ٦ / ٣٠٩ ]
سفيان كان يقول: لأن أصوم يومًا من شعبان، أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان.
وأمَّا الرواية عن عمرو بن العاص. فقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عمرو بن العاص، أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان.
وأمَّا الرواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فقال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي مريم مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول: لأن أتعجل في صوم رمضان بيوم، أحب إلى من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا تأخرت فاتني.
وأمَّا الرواية عن عائشة ﵂، فقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو عوانة عن يزيد بن خمير، عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أصوم يومًا من شعبان، أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان.
وأمَّا الرواية عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، فقال سعيد أيضًا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر قالت: ما غم هلال رمضان إلَّا كانت أسماء متقدمة بيوم، وتأمر بتقدمه.
وَقَالَ أحمد: حدثنا روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء، أنَّها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان.
وكل ما ذكرناه عن أحمد، فمن مسائل الفضل بن زياد عنه.
[ ٦ / ٣١٠ ]
وَقَالَ في رواية الأثرم: إذا كان في السماء سحابة أو علة، أصبح صائمًا، وإن لم يكن في السماء علة، أصبح مفطرًا، وكذلك نقل عنه ابناه صالح، وعبد الله، والمروزي، والفضل بن زياد، وغيرهم.
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرتم عن الصحابة أثر صالح صريح في وجوب صومه حتى يكون فعلهم مخالفًا لهدى رسول الله ﷺ، وإنَّما غاية المنقول عنهم صومه احتياطًا، وقد صرح أنس بأنَّه إنَّما صامه كراهة للخلاف على الأمراء، ولهذا قال الْإِمَام أحمد في رواية: الناس تبع للإمام في صومه وإفطاره، والنصوص التي حكيناها عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله، إنَّما تدل على أنَّه لا يجب صوم يوم الإغمام، ولا تدل على تحريمه، فمن أفطره، أخذ بالجواز، ومن صامه، أخذ بالاحتياط.
الثاني: أنَّ الصحابة كان بعضهم يصومه كما حكيتم، وكان بعضهم لا يصومه، وأصح وأصرح من روى عنه صومه: عبد الله بن عمر، قال ابن عبد البر: وإلى قوله ذهب طاووس اليماني، وأحمد بن حنبل، وروى مثل ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، ولا أعلم أحدًا ذهب مذهب ابن عمر غيرهم، قال: وممن روى عنه كراهة صوم يوم الشك، عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك ﵃.
[ ٦ / ٣١١ ]
قُلْتُ: المنقول عن علي، وعمر، وعمار، وحذيفة، وابن مسعود، المنع من صيام آخر يوم من شعبان تطوعًا، وهو الذي قال فيه عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم.
فأمَّا صوم يوم الغيم احتياطًا على أنَّه إن كان من رمضان، فهو فرضه وإلَّا فهو تطوع، فالمنقول عن الصحابة، يقتضى جوازه، وهو الذي كان يفعله ابن عمر، وعائشة، هذا مع رواية عائشة: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ، كان إذا غم هلال شعبان، عد ثلاثين يومًا ثم صام، وقد رد حديثها هذا، بأنَّه لو كان صحيحًا، لما خالفته، وجعل صيامها علة في الحديث، وليس الأمر كذلك، فإنَّها لم توجب صيامه، وإنَّما صامته احتياطًا، وفهمت من فعل النبي ﷺ وأمره أنَّ الصيام لا يجب حتى تكمل العدة، ولم تفهم هي ولا ابن عمر، أنَّه لا يجوز.
وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وبه تجتمع الأحاديث والآثار، ويدل عليه ما رواه معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال لهلال رمضان: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم، فاقدروا له ثلاثين يومًا". ورواه ابن أبي رواد، عن نافع عنه: "فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين".
وَقَالَ مالك وعبيد الله عن نافع عنه: "فاقدروا له". فدل على أنَّ ابن عمر، لم يفهم من الحديث وجوب إكمال الثلاثين، بل جوازه، فإنَّه إذا صام يوم الثلاثين، فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطًا، ويدل على ذلك، أنَّه ﵁، لو فهم من قوله ﷺ: "اقدروا له تسعًا وعشرين، ثم صوموا" كما يقوله
[ ٦ / ٣١٢ ]
الموجبون لصومه، لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم، ولم يكن يقتصر على صومه في خاصة نفسه، ولا يأمر به، ولبين أنَّ ذلك هو الواجب على الناس.
وكان ابن عباس ﵁، لا يصومه ويحتج بقوله ﷺ: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين".
وذكر مالك في موطئه هذا بعد أن ذكر حديث ابن عمر، كأنَّه جعله مفسرًا لحديث ابن عمر، وقوله: "فاقدروا له".
وكان ابن عباس يقول: عجبت ممن يتقدم الشهر بيوم أو يومين، وقد قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين" كأنَّه ينكر على ابن عمر.
وكذلك كان هذان الصاحبان الْإمامان، أحدهما يميل إلى التشديد، والآخر إلى الترخيص، وذلك في غير مسألة. وعبد الله بن عمر: كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة، فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمى من ذلك، وكان إذا مسح رأسه، أفرد أذنيه بماء جديد، وكان يمنع من دخول الحمام، وكان إذا دخله، اغتسل منه، وابن عباس: كان يدخل الحمام، وكان ابن عمر يتيمم بضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، ولا يقتصر على ضربة واحدة، ولا على الكفين، وكان ابن عباس يخالفه، ويقول: التيمم ضربة للوجه والكفين، وكان ابن عمر يتوضأ من قبلة امرأته، ويفتى بذلك، وكان إذا
[ ٦ / ٣١٣ ]
قبل أولاده، تمضمض، ثم صلى، وكان ابن عباس يقول: ما أبالى قبلتها أو شممت ريحانًا.
وكان يأمر من ذكر أنَّ عليه صلاة وهو في أخرى أن يتمها ثم يصلى الصلاة التي ذكرها، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها، وروى أبو يعلى الموصلي في ذلك حديثًا مرفوعًا في مُسْنَدِه والصواب: أنَّه موقوف على ابن عمر. قال البيهقي: وقد روى عن ابن عمر مرفوعًا ولا يصح، قال: وقد روى عن ابن عباس مرفوعًا، ولا يصح. والمقصود: أنَّ عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط. وقد روى معمر، عن أيوب، عن نافع عنه، أنه كان إذا أدرك مع الْإِمَام ركعة أضاف إليها أخرى، فإذا فرغ من صلاته، سجد سجدتي السهو، قال الزهري: ولا أعلم أحدًا فعله غيره.
قُلْتُ: وكأن هذا السجود لما حصل له من الجلوس عقيب الركعة، وإنَّما محله عقيب الشفع.
ويدل على أنَّ الصحابة لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب، أنهم قالوا: لأن نصوم يومًا من شعبان، أحب إلينا من أن نفطر يومًا من رمضان، ولو كان هذا اليوم من رمضان حتمًا عندهم، لقالوا: هذا اليوم من رمضان، فلا يجوز لنا فطره. والله أعلم.
ويدل على أنَّهم إنَّما صاموه استحبابًا وتحريًا، ما روى عنهم من فطره بيانًا للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في مسائله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه.
[ ٦ / ٣١٤ ]
قال حنبل: وحدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبيدة بن حميد قال: أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر. قالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال: أف، أف، صوموا مع الجماعة، فقد صح عن ابن عمر، أنَّه قال: لا يتقدمن الشهر منكم أحد، وصح عنه ﷺ أنَّه قال: "صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يومًا".
وكذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا رأيتم الهلال، فصوموا لرؤيته، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة.
وَقَالَ ابن مسعود ﵁: فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يومًا.
فهذه الآثار إن قدر أنَّها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم، فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظًا ومعنى، وإن قدر أنَّها لا تعارض بينها، فههنا طريقتان من الجمع، إحداهما: حملها على غير صورة الإغمام، أو على الإغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم.
والثانية: حمل آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحبابًا لا وجوبًا، وهذه الآثار صريحة في نفى الوجوب، وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص، وقواعد الشرع، وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك، فيجعل أحدهما يوم شك، والثاني يوم يقين، مع حصول الشك فيه قطعًا، وتكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعًا، مع شكه هل هو منه، أم لا؟ تكليف بما لا يطاق، وتفريق بين المتماثلين، والله أعلم» اهـ.
[ ٦ / ٣١٥ ]
٦ - وقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ». يعم من المكلفين من كان بالغًا عاقلًا قادرًا على الصوم. وأمَّا الكفار فهم مخاطبون بالصوم وبما لا يصح الصوم إلَّا به وهو الدخول في الإسلام.
ويدخل في ذلك المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض؛ فإنَّ هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم فمنهم من يخاطب به أداء وهو الصحيح المقيم والطاهر، ومنهم من يخاطب بالصوم قضاءً فقط وهي الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداءً ويقدر عليه قضاءً، ومنهم من يخير بين الأمرين مع ترجيح أحد الجانبين وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة من غير خوف التلف.
ومنهم من لا يؤمر به لا أداءً ولا قضاءً وهم:
الصنف الأول: المجنون.
أَقُوْلُ: من أصابه الجنون في جميع شهر رمضان فلا قضاء عليه لأنَّه ليس من أهل التكليف شأنَّه في ذلك كشأن الصغير.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٢٩١):
«ودليل آخر من الإجماع وذلك أنَّهم أجمعوا على أنَّ المجنون المطبق لا شيء عليه بخروج الوقت من صلاة ولا صيام إذا أفاق من جنونه وإطباقه» اهـ.
أَقُوْلُ: ليس في المسألة إجماع فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ في [اخْتِلَافِ الْأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦): «واختلفوا فيما إذا أفاق المجنون بعد مضي الشهر؟ فقال مالك وأحمد في إحدى روايتيه: يقضي. وَقَالَ أبو حنيفة والشافعي: لا قضاء عليه.
[ ٦ / ٣١٦ ]
واختلفوا فيما إذا أفاق في أثناء الشهر.
فقال أبو حنيفة: يلزمه صومه ما بقي ويقضي ما مضى.
وَقَالَ الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: إنَّما يلزمه صوم ما أفاق فيه ولا قضاء عليه لما مضى.
وهذا القول عن الشافعي في هذه المسألة وغيرها إنَّما على من أفاق من إغماء، فأمَّا المجنون فلا يقضي صومًا فاته على وجه ما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ في [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٠٨):
«والصحيح من المذهب: أنَّ المجنون لا يلزمه القضاء سواء فات الشهر كله بالجنون أو بعضه وعليه الأصحاب وعنه يلزم القضاء مطلقًا وعنه إن أفاق في الشهر قضى وإن أفاق بعده لم يقض لعظم مشقته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٥٤):
«المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع للحديث وللإجماع وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون سواء قل أو كثر وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع الْمُصَنِّفُ والجمهور وفيه وجه شاذ أنَّه يلزمه مطلقًا حكاه الماوردي وابن الصباغ وآخرون عن ابن سريج قال الماوردي: هذا مذهب لابن سريج وليس بصحيح. قال: ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء أنَّه لا يلزمه القضاء وحكاه صاحب البيان عن ابن سريج ثم قال: وقيل لا يصح عنه. وفيه وجه ثالث وهو مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إن أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما فاته وإن أفاق بعده فلا قضاء قال صاحب البيان:
[ ٦ / ٣١٧ ]
قال ابن سريج: وقد حكى المزني في المنثور هذا عن الشافعي قال ولا يصح عنه» اهـ.
قُلْتُ: وإذا أفاق المجنون في أثناء اليوم فيجب عليه إمساك ذلك اليوم ويجزئه ولا قضاءه عليه على الصحيح من أقوال العلماء وذلك أنَّ الوجوب حصل له في أثناء النهار شأنَّه في ذلك شأن من لم يبلغه وجوب الصيام إلَّا من أثناء اليوم فإنَّه يجزئه أن ينشئ الصيام من وقت بلوغ الخبر إليه والحجة في ذلك حديث عاشوراء.
فروى البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ.
قُلْتُ: ومثل المجنون في ذلك الصبي إذا بلغ في أثناء اليوم والكافر إذا أسلم في أثناء اليوم على الصحيح.
وفي ذلك نزاع بين العلماء قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٢٧): «ففيهم روايتان؛ إحداهما، يلزمهم الإمساك في بقية اليوم.
وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري؛ لأنَّه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية.
والثانية، لا يلزمهم الإمساك. وهو قول مالك، والشافعي» اهـ.
[ ٦ / ٣١٨ ]
قُلْتُ: ورجح شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ الإمساك من غير قضاء وهو الراجح فقال ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٠٩):
«وطرد هذا أنَّ الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا ولا قضاء عليهم كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة. فقد قيل: يمسك ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب الإمساك دون القضاء» اهـ.
قُلْتُ: وهذه رواية عن الْإِمَام أحمد ﵀.
وَقَالَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٥٦):
«والأوجه أنَّه يجب عليه الإمساك دون القضاء؛ لحديث عاشوراء» اهـ.
قُلْتُ: ووجه الشاهد من عاشوراء أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمر من أمسك من أثناء اليوم بالقضاء مع أنَّ صيامه كان واجبًا على الصحيح قبل فرضية رمضان.
وفي وجوب القضاء عند الشافعية وجهان والمصحح عندهم عدم وجوب القضاء.
وأمَّا المالكية فيوجبون القضاء.
وعند الحنفية أنَّ الكافر إذا أسلم في أثناء اليوم يمسك تشبهًا بالصائمين ولا يصح منه صيام ذلك اليوم لعدم أهلية العبادة منه في أول النهار ولا يلزمه القضاء، ومثله الغلام إذا باغ في أثناء النهار من شهر رمضان.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْسَّرْخَسِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوْطِ] (٣/ ٨٠):
[ ٦ / ٣١٩ ]
«وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ لَا يُجْزِيهِ صَوْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَنَوَى قَبْلَ الزَّوَالِ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَلَكِنَّهُ يُمْسِكُ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَّنَائِعِ] (٢/ ١٠٢ - ١٠٣):
«أَمَّا وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَانِعٌ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ وَصَارَ بِحَالٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ وَقَدِمَ الْمُسَافِرُ مَعَ قِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ.
وَكَذَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالْأَهْلِيَّةِ ثُمَّ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ بِأَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ تَسَحَّرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ طَلَعَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ» اهـ.
وَقَالَ مَحْمُودُ الْمَشْهُورُ بِابْنِ مَازَةَ الْحَنَفَيِّ ﵀ فِي [الْمُحِيْطِ الْبُرْهَانِي] (٢/ ٣٩٨): «قال في "الجامع الصغير": غلام بلغ في النصف من رمضان في نصف النهار يأكل بقية يومه، ويصوم بقية الشهر، ولا قضاء عليه فيما مضى، وإن أكل في اليوم الذي أدرك فيه ليس عليه قضاؤه، وعلى هذا الكافر إذا أسلم في النصف من رمضان في نصف النهار، وإنما لم يجب قضاء اليوم الذي أسلم الكافر فيه، وأدرك الصبي فيه؛ لأن صوم يوم واحد لا يتجزأ وجوبًا وسقوطًا، وقد امتنع الوجوب
[ ٦ / ٣٢٠ ]
في صدر النهار، فيمتنع في الباقي، فلا يلزمه قضاؤه أكل فيه أو لم يأكل، وإن كان لم يأكل، في يومه ذلك، وقد أسلم لم يجزئه عن رمضان» اهـ.
قُلْتُ: والجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني، وما ذكره ها هنا فهو مذهبه.
قُلْتُ: والمجنون عندهم إن أفاق قبل الزوال وقبل أن يأكل فعليه الصوم ولا قضاء عليه وإلَّا لزمه القضاء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَّنَائِعِ] (٢/ ٨٩):
«وَلَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ جُنُونًا عَارِضًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَنَوَى الصَّوْمَ أَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ، وَالْجُنُونُ الْأَصْلِيُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر عن أبي حنيفة قبل ذلك التسوية بينهما.
وأمَّا المغمى عليه فقد قال فيه الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةُ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٥٦ - ٥٧): «مسألة: قال: "ومن نوى من الليل، فأغمي عليه قبل طلوع الفجر، فلم يفق حتى غربت الشمس، لم يجزه صيام ذلك اليوم" وجملة ذلك أنَّه متى أغمي عليه جميع النهار، فلم يفق في شيء منه، لم يصح صومه، في قول إمامنا والشافعي.
وَقَالَ أبو حنيفة: يصح؛ لأنَّ النية قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم، كالنوم.
ولنا أنَّ الصوم هو الإمساك مع النية.
[ ٦ / ٣٢١ ]
قال النبي ﷺ: يقول الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له إلَّا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي" متفق عليه.
فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، وإذا كان مغمى عليه، فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه.
ولأنَّ النية أحد ركني الصوم، فلا تجزئ وحدها، كالإمساك وحده، أمَّا النوم فإنَّه عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه، والإغماء عارض يزيل العقل، فأشبه الجنون.
إذا ثبت هذا، فزوال العقل يحصل بثلاثة أشياء؛ أحدها، الإغماء وقد ذكرناه، ومتى فسد الصوم به فعلى المغمى عليه القضاء، بغير خلاف علمناه؛ لأنَّ مدته لا تتطاول غالبًا، ولا تثبت الولاية على صاحبه، فلم يزل به التكليف وقضاء العبادات، كالنوم، ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار، صح صومه، سواء كان في أوله أو آخره.
وَقَالَ الشافعي، في أحد قوليه: تعتبر الإفاقة في أول النهار، ليحصل حكم النية في أوله.
ولنا أنَّ الإفاقة حصلت في جزء من النهار، فأجزأ، كما لو وجدت في أوله وما ذكروه لا يصح؛ فإنَّ النية قد حصلت من الليل، فيستغني عن ذكرها في النهار، كما لو نام أو غفل عن الصوم، ولو كانت النية إنما تحصل بالإفاقة في النهار، لما صح منه صوم الفرض بالإفاقة، لأنه لا يجزئ بنية من النهار.
الثاني، النوم، فلا يؤثر في الصوم، سواء وجد في جميع النهار أو بعضه» اهـ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [الْهِدَايَةِ] (ص: ١٥٦):
[ ٦ / ٣٢٢ ]
«وإِذَا نَوَى قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أو جُنَّ جَمِيْعُ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وإِنْ أَفَاقَ جُزْءً مِنَ النَّهَارِ فَصَوْمُهُ صَحِيْحٌ، وإِنْ نَامَ جَمِيْعَ النَّهَارِ فَصَوْمُهُ صَحِيْحٌ، ويَلْزَمُ المُغْمَى عَلَيْهِ القَضَاءُ، ولَا يَلْزَمُ المَجْنُونَ القَضَاءُ، وَنقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ: أنَّ المَجْنُونَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وإنْ أَفَاقَ بَعْدَ خُرُوجِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٥٤):
«"المسألة الثانية" المغمي عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف ولنا قول مخرج وهو مذهب المزني أنَّه يصح صوم المغمى عليه وعلي هذا القول لا يلزمه الصوم أيضًا بلا خلاف لأنَّه غير مكلف ويجب القضاء علي المغمى عليه سواء استغرق جميع رمضان أو بعضه لما ذكره الْمُصَنِّف وحكى الأصحاب وجها عن ابن سريج أنَّ الإغماء المستغرق لجميع رمضان لا قضاء فيه كالجنون وكما لا يجب عليه قضاء الصلاة هكذا نقل الجمهور عن ابن سريج ونقل البغوي عنه أنَّه إذا استغرق الإغماء رمضان أو يومًا منه لا قضاء عليه واختار صاحب الحاوي قول ابن سريج هذا في أنَّه لا قضاء علي المغمي عليه والمذهب وجوب القضاء عليه وفرق الأصحاب بين الجنون والإغماء بما فرق الْمُصَنَّفِ وبين الصوم والصلاة أنَّ الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم وهذا هو الفرق بين قضاء الحائض الصوم دون الصلاة قال أصحابنا ومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة أو بعذر آخر لزمه قضاء الصوم دون الصلاة كالمغمي عليه ولا يأثم بترك الصوم في زمن زوال عقله "وأمَّا" من زال عقله بمحرم كخمر أو غيره
[ ٦ / ٣٢٣ ]
مما سبق بيانه في أول كتاب الصلاة فيلزمه القضاء ويكون آثما بالترك والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧):
«لَوْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنْ النوم أنَّه يصح خرجه المزني وغيره عن أَصْحَابِنَا وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ.
الرَّابِعَةُ: إذَا نَوَى مِنْ اللَّيْلِ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْضَ النَّهَارِ دون بعض ففيه ثلاثة طرق إحداها: إنْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ وَإِلَّا فَلَا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْءُ أَوَّلَ النَّهَارِ أَوْ غَيْرَهُ وَهَذَا هُوَ نَصُّ الشافعي في باب الصيام من مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ الْبَغَوِيّ وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ النَّصَّيْنِ الْآخَرَيْنِ فَتَأَوَّلَ نَصَّهُ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى عَلَى أَنَّ بُطْلَانَ الصَّوْمِ عَائِدٌ إلَى الْحَيْضِ خَاصَّةً لَا إلَى الْإِغْمَاءِ قَالُوا وَقَدْ يَفْعَلُ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ هَذَا وَتَأَوَّلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِغْمَاءِ هُنَا الْجُنُونُ وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ نَصَّهُ فِي الظِّهَارِ وَالْبُوَيْطِيُّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِفَاقَةَ فِي أَوَّلِهِ لِلتَّمْثِيلِ بِالْجُزْءِ لَا لاشتراط الأول.
والطريق الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إنْ أَفَاقَ فِي أَوَّلِهِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَتَأَوَّلَ نَصَّهُ فِي الصَّوْمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُزْءِ الْمُبْهَمِ أَوَّلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الظِّهَارِ وَتَأَوَّلَ نَصُّ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ يَشْتَرِطُ الْإِفَاقَةَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ
[ ٦ / ٣٢٤ ]
وَالثَّانِي: فِي أَوَّلِهِ خَاصَّةً.
وَالثَّالِثُ: فِي طَرَفَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: فِي جَمِيعِهِ كَالنَّقَاءِ مِنْ الحيض وهذا الرَّابِعُ تَخْرِيجٌ لِابْنِ سُرَيْجٍ خَرَّجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ إلَّا القول الأول الْأَصَحَّ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا فَالْأَصَحُّ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ كُلِّهِ إنْ كَانَ مُفِيقًا فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ أَيَّ جُزْءٍ كَانَ صَحَّ صَوْمُهُ وَإِلَّا فَلَا.
الْخَامِسَةُ: إذَا نَوَى الصوم باليل وَجُنَّ فِي بَعْضِ النَّهَارِ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ الْجَدِيدُ بُطْلَانُ صَوْمِهِ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ كَالْحَيْضِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ هُوَ كَالْإِغْمَاءِ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى بَدَلَ الْقَوْلَيْنِ وَجْهَيْنِ كَصَاحِبِ الْإِبَانَةِ وَآخَرِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُمَا طَرِيقَيْنِ وَهُوَ أَحْسَنُ وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ بِبُطْلَانِ الصَّوْمِ بِالْجُنُونِ فِي لَحْظَةٍ كَالْحَيْضِ
وَلَوْ جُنَّ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ» اهـ.
وَجَاءَ فِي [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٢٧٦):
«قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، أَيَقْضِي صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلِ، رَأَيْتُ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٣٢٥ ]
وَقَدْ قَضَى أَكْثَرَ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَلَوْ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ وَنِيَّتُهُ الصِّيَامُ إلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ؟
قَالَ: نَعَمْ يُجْزِئُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَيَّامًا هَلْ يُجْزِئُهُ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ إنْ نَوَى أَنْ يَصُومَهُ حِينَ أَفَاقَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ فَلَا صِيَامَ لَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَيْلًا فِي رَمَضَانَ وَقَدْ نَوَى صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يُفِقْ إلَّا عِنْدَ الْمَسَاءِ مَنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، هَلْ يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: لَا» اهـ.
أَقُوْلُ: إن ألحقنا المغمى عليه بالنائم صححنا صومه إن أفاق في بعض اليوم لحصول الإمساك منه فإنَّ الصيام عبارة عن نية وإمساك، وإنَّما لم نشترط في النائم الاستيقاظ في أثناء اليوم لحصول الإمساك من النائم في أثناء نومه فإنَّ النائم لا يفقد الشعور بالكلية بعكس المغمى عليه فإنَّه يفقد ذلك. فإذا لم يفق في أثناء اليوم فلا يصح صومه لعدم حصول الإمساك منه.
وأمَّا قضاء المغمى عليه الذي لم يفق في أثناء اليوم فيلزمه ذلك باعتبار أنَّ الإغماء غالبًا لا يطول فشأنَّه في ذلك شأن من أفطر لعذر عارض كالمريض الذي يرجى برؤه.
وأمَّا إذا ألحقنا المغمى عليه بالمجنون فلا يصح منه الصوم حينئذ ولا يجب عليه القضاء.
[ ٦ / ٣٢٦ ]
قُلْتُ: والمغمى عليه متردد بين هذين الأصلين فيشبه النوم من حيث أنَّه لا يطول بقاؤه، ومن حيث تعلقه بسائر البدن ويخالف الجنون في هذين الأمرين فإنَّ الجنون يطول بقاؤه، ويتعلق بالعقل دون سائر البدن.
ويشبه الجنون من حيث أنَّه مرض من الأمراض، ومن حيث أنَّه لا يستيقظ بالإيقاظ، ويخالف النوم في هذين الأمرين فإنَّ النوم ليس بمرض بل هو من صحة البدن، والنائم لا يفقد الشعور بالكلية ويستيقظ إذا ما أوقظ.
وجمهور العلماء ألحقوا المغمى عليه في قضاء الصلوات بالمجنون ولم يروا على المغمى عليه أن يقضي ما فاتته من الصلوات ومنهم من قيد ذلك بما زاد عن خمس صلوات كما هو مذهب أبي حنيفة.
وأمَّا الْإِمَام أحمد فألحقه بالنائم فأوجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات كما أوجب عليه قضاء ما فاته من الصيام.
وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٢٤)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٤١٥٨، ٦٦٤٩)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٦٦٤٨) عَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وهو يؤيد مذهب الجمهور.
وفرَّق علماء الحنابلة في الشيء الذي يتناوله الشخص فيذهب بعقله بين ما يطول زمنه وما لا يطول فما طال زمنه فإنَّه ملحق بالجنون وما لم يطل فإنَّه ملحق بالنوم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ١٩٩):
[ ٦ / ٣٢٧ ]
«فصل: ومن شرب دواء فزال عقله به نظرت؛ فإن كان زوالًا لا يدوم كثيرًا، فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول، فهو كالجنون.
وأمَّا السكر، ومن شرب محرمًا يزيل عقله وقتًا دون وقت، فلا يؤثر في إسقاط التكليف وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله. لا نعلم فيه خلافًا؛ ولأنَّه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [جَامِعِ الْمَسَائِلِ] (٤/ ١٢٠):
«وإن زال عقله بسبب محرم، كالسكر بالخمر والحشيشة وأكل البنج ونحو ذلك، أو بحال محرم مثل أن يستمع القصائد المنهي عنها فيغيب عقله، فهذا عليه القضاء بلا نزاع، وإذا كان السبب محضورًا لا يكون السكران معذورًا» اهـ.
قُلْتُ: يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فعلق الله ﷿ فعل الصلاة في السكران بغاية وهي أن يعلم ما يقول، وهو قد لا يعلم ما يقول إلَّا بعد خروج الوقت فتكون الصلاة في حقه قضاءً، وهذه الآية وإن كانت قبل تحريم الخمر لكن ليس هنالك ما يدل على نسخ هذا الحكم. والله أعلم.
والذي يظهر لي في المغمى عليه ما عليه جمهور العلماء في مسألة الصلاة والصيام.
أمَّا الصلاة فلا يجب قضائها على المغمى عليه لوجوه:
الأول: أنَّ الصلاة يشق قضائها لكثرتها لا سيما وأنَّ الإغماء قد يستمر ببعض الناس أشهرًا، وأمَّا الصيام فلا يشق قضاءه لندوره.
[ ٦ / ٣٢٨ ]
الثاني: أنَّ الصلاة متكررة فإنَّ لم تقض عوضت بغيرها، وأمَّا الصيام فإنَّه إن فات لم يعوض بغيره، ولعله من أجل هذين أمرت الحائض بقضاء الصوم دون الصلاة.
الثالث: أنَّ عدم القضاء هو الثابت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ولا أعلم له مخالفًا من الصحابة. نعم جاء عن عمار ولا يثبت فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤١٥٦)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٦٦٤٦)، والْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (١٨٥٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٩٢)، و[الْمَعْرِفَة] (٦٢٤) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، «أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَأَفَاقَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَقَضَاهُنَّ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لجهالة يزيد وهو مولى عمار.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (١/ ٤١٩):
«قال الشافعي: وكان مذهب عمار فيما يرى والله أعلم أنَّ الصلاة ليست بموضوعة عن المغمى عليه كما لا يكون الصوم موضوعًا منه.
ولم يرو عن عمار أنَّه قال: لو أغمي علي خمس صلوات لا أفيق حتى يمضي وقت الخامسة لم أقض.
وليس هذا أيضًا بثابت عن عمار ثم ساق الكلام إلى أن حمل فعل عمار على الاستحباب أن لو ثبت عنه وإنَّما قال الشافعي في حديث عمار: أنَّه ليس بثابت لأنَّ رواية يزيد مولى عمار وهو مجهول والراوي عنه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي
[ ٦ / ٣٢٩ ]
وكان يحيى بن معين يستضعفه ولم يحتج به البخاري وكان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأسًا» اهـ.
ورواه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٩٢) حَدَّثَنَا مُوسَى، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَعِيدٍ، مَوْلَاةِ عَمَّارٍ وَكَانَتْ جَارِيَةَ عَمَّارٍ: «أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا لَا يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ فَقَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: أَعْطُونِي وُضُوءًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ واهٍ فيه محمد بن الحسن وهو من الكذابين.
وأمَّا الصيام فيجب قضاؤه لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قُلْتُ: والإغماء من جملة الأمراض فيدخل في هاتين الآيتين.
الصنف الثاني: الصبي.
أَقُوْلُ: لا يجب الصيام على الصبي حتى يبلغ وهو قول جمهور، وذهب الْإِمَام في رواية إلى وجوب الصيام على الصبي إذا أطاق، وهذا القول: ليس بصحيح من حيث الأدلة.
الصنف الثالث: العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه.
[ ٦ / ٣٣٠ ]
قُلْتُ: وهؤلاء لا يجب عليهم الصيام لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
ولقول الله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقول الله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و[الأعراف: ٤٢].
وقول الله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦٢].
ولما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
قُلْتُ: ويجب عليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وهذه الآية نسخ منها التخيير بين الإطعام والصيام للقادر على الصوم، وأمَّا من كان عاجزًا عن الصيام فالإطعام في حقه ما زال محكمًا ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٤٥٠٥) عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا».
[ ٦ / ٣٣١ ]
وروى النسائي (٢٣١٧) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ: «يُطِيقُونَهُ: يُكَلَّفُونَهُ، فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، فَمَنْ تَطَوَّعَ فَزَادَ طَعَامَ مِسْكِينٍ آخِرَ، لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا إِلَّا لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقد ثبت الإطعام عن أنس ﵁ فقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٥٧٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: «كَبُرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ حَتَّى كَانَ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، فَكَانَ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٦٢): «فهذا قول ثلاثة من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف» اهـ.
قُلْتُ: يريد بالثالث معاذ بن جبل ﵁ ولم يثبت ذلك عنه.
ثم قال ﵀ (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤):
«الثاني: أنَّ العامة تقرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾، فكان في صدر الإسلام لمَّا فرض الله الصوم خير الرجل بين أن يصوم وبين أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا؛ فإن صام ولم يطعم؛ كان خيرًا له، ثم نسخ الله هذا التخيير في حق القادر عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأوجب الصوم ومنع من
[ ٦ / ٣٣٢ ]
الفطر والإطعام، وبقي الفطر والإطعام للعاجز عن الصوم؛ لأنَّه لما أوجب على المطيق للصوم أحد هذين الأمرين، وهو الصيام أو الإطعام، لقدرته على كل منهما؛ كان القادر على أحدهما مأمورًا بما قدر عليه؛ فمن كان إذ ذاك يقدر على الصيام دون الإطعام؛ لزمه، ومن يقدر على الإطعام دون الصيام؛ لزمه، ومن قدر عليهما؛ خير بينهما؛ فإنَّ هذا شأن جميع ما خيِّر الناس بينه؛ مثل خصال كفارة اليمين، وخصال فدية الأذى، وغير ذلك، ثم نسخ الله جواز الفطر عن القادر عليه، فبقي الفطر والفدية المستفادة من معنى الآية للعاجز.
يبيِّن ذلك أنَّ الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم؛ فإَّنهما كانا يكونان مخيرين بين الصيام والإطعام، فإذا عجز بعد ذلك عن الصوم؛ تعين عليهما الإطعام، ثم نسخ ذلك التخيير، وبقى هذا المعين، وهذا ما تقدم عن معاذ وابن عباس من رواية سعيد بن جبير وغيره من التابعين.
ومنهم من يوجهه بوجه آخر، وهو أنَّ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: عام فيمن يطيقه بجهد ومشقه، وفيمن يطيقه بغير جهد ومشقة، فنسخ في حق من لا مشقة عليه، وبقي في حق من لا يطيقه إلَّا بجهد ومشقة» اهـ.
قُلْتُ: ثم أورد أثر سلمة بن الأكوع المتفق عليه، وأثر ابن عمر الذي في البخاري وبعض آثار التابعين الدالة على نسخ الآية وَقَالَ بعد ذلك (١/ ٢٦٦):
«قيل: هي منسوخة في حق الذي كان قد خيِّر بين الأمرين، وهو القادر على الصيام؛ كما عليه نطق الآية، وكما بيَّنوه؛ فأمَّا من كان فرضه الطعام فقط كما دلَّ
[ ٦ / ٣٣٣ ]
عليه معنى الآية؛ فلم ينسخ في حقه شيء، وعلى هذا يحمل كلام من أطلق القول بأنَّها منسوخة؛ لأنَّه قد روى عن ابن عباس التصريح بذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٣٨):
«مسألة: قال: "وإذا عجز عن الصوم لكبر أفطر، وأطعم لكل يوم مسكينًا" وجملة ذلك أنَّ الشيخ الْكَبِيْر، والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكينًا.
وهذا قول علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وسعيد بن جبير، وطاووس، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
وَقَالَ مالك: لا يجب عليه شيء؛ لأنَّه ترك الصوم لعجزه، فلم تجب فدية، كما لو تركه لمرض اتصل به الموت.
وللشافعي قولان كالمذهبين.
ولنا الآية، وقول ابن عباس في تَفْسِيْرِهِا: نزلت رخصة للشيخ الْكَبِيْر.
ولأنَّ الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء.
وأمَّا المريض إذا مات، فلا يجب الإطعام؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم، فلم يفعل حتى مات، لأنَّ وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة، والشيخ الهرم له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزًا عن الإطعام أيضًا فلا شيء عليه، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾» اهـ.
قُلْتُ: ولا يشرع تقديم الكفارة قبل وقتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [رَوْضَةِ الْطَالِبِيْنَ] (٢/ ٣٨٥):
[ ٦ / ٣٣٤ ]
«وَإِذَا أَرَادَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ إِخْرَاجَ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَإِنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ حَكَاهُمَا فِي "الْبَحْرِ" عَنْ وَالِدِهِ، وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الصَّوَابُ» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٣٣٥ ]
١٧٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٦٩):
«و"السَّحور" بفتح السين ما يتسحر به وبضمها الفعل هذا هو الأشهر» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٤٠): «هو بفتح السين وبضمها لأنَّ المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنَّه مصدر بمعنى التسحر أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنَّه ما يتسحر به» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - فيه استحباب السحور. وهو مذهب عامة العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٨٦): «ولا نعلم فيه بين العلماء خلافًا» اهـ.
قُلْتُ: والصارف له عن الوجوب أدلة الوصال في الصوم.
٢ - أنَّ في السحور بركة.
قُلْتُ: والبركة في السحور تكون في أشياء كثيرة:
الأولى: بركة الأجر والثواب.
الثانية: بركة التقوي على الصيام.
الثالثة: بركة حسن الخلق، وذلك أنَّ الجوع يثير سوء الخلق والسحور يدفعه.
[ ٦ / ٣٣٦ ]
الرابعة: بركة التسبب بذكر الله ودعائه في أوقات السحر الذي هو من أوقات الإجابة.
الخامسة: بركة صلاة الفجر جماعة فإنَّ القائم للسحور في وقت السحر يتيسر له ذلك.
٣ - وفيه استحباب التسحر في آخر الليل وهذا مأخوذ من اشتقاق السحور فإنَّه مشتق من السحر وهو آخر الليل؛ ولأنَّ المقصود بالسحور التقوي على الصوم، وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم.
وقد دلَّ على ذلك ما رواه البخاري (٥٧٦)، ومسلم (١٠٩٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ: «تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى»، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً».
وروى البخاري (١٩٢١) عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ»، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً».
وسوف يأتي الكلام عليه بمشيئة الله تعالى في الحديث الذي بعد هذا.
٤ - ليس في الحديث تعيين لما يتسحر به فيشرع بكل طعام.
وقد جاءت أحاديث في بيان ما يتسحر به فمن ذلك:
[ ٦ / ٣٣٧ ]
١ - (الماء). وجاء فيه ما رواه أحمد (١١١٠١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ».
قُلْتُ: أبو رفاعة مجهول. وَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
أمَّا أوله فيشهد له حديث الباب.
وأمَّا وسطه وهو التسحر بالماء فيشهد له ما رواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٤٧٦) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ، بِتُسْتَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ الْأَدَمِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ محمد بن بلال مختلف فيه وَقَالَ ابن عدي بأنَّه يغرب عن عمران وهذا من روايته عن عمران.
ويشهد له الأثر الذي رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٥٩٩) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ نَفَرًا، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعٍ مِنْ مَاءٍ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. لكن رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠١٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ حَسْوَةً مِنْ مَاءٍ».
[ ٦ / ٣٣٨ ]
قُلْتُ: فلم يذكر شعبة في حديثه عن خالد الحذاء نفرًا من أصحاب النبي ﷺ، وإنَّما ذكر رجلًا وحديث شعبة أصح من حديث معمر.
وأمَّا آخره فيشهد له ما رواه فروى أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٤١٧٦) حُدِّثْنَاهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ السَّرِيِّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ، ثنا الْأَشَجُّ أَبُو سَعِيدٍ، ثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَنِعْمَ غِذَاءُ الْمُسْلِمِ، تَسَحَّرُوا فَإِنَّ اللهَ يُصَلِّي عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ، تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَسْرَةٍ».
قُلْتُ: قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْإِصَابَةِ] (٤/ ٣٦٢) -بعد ذكره لهذا الحديث-: «قال ابن منده: لا يصح. قُلْتُ: وقد تقدم نحو هذا المتن في ترجمة عبد الرحمن بن الأرقم ويحتمل أن يكون هذا عبد الرحمن بن معمر بن حزم والد أبي طوالة الأنصاري الراوي عن أنس فيكون الحديث مرسلًا» اهـ.
قُلْتُ: ومحمد بن حريث هو محمد بن حريث بن عبد الرحمن بن حاشد. أبو بكر الأنصاري البخاري الحافظ. لقبه ابن ماكولا.
وهناك شواهد شديدة الضعف منها:
ما رواه أحمد (١١٤١٤) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «السُّحُورُ أَكْلَةٌ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ».
[ ٦ / ٣٣٩ ]
قُلْتُ: عبد الرحمن بن زيد هو ابن أسلم شديد الضعف.
وروى علي بن الجعد في [مُسْنَدِه] (٣٣٩١) حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أَخْبَرَنِي بَحْرٌ السَّقَّاءُ، أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ الْقَصِيرُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْجَمَاعَةٌ بَرَكَةٌ، وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ، وَالسَّحُورُ بَرَكَةٌ، تَسَحَّرُوا فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الْقُوَّةِ، وَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ تَسَحَّرُوا وَلَوْ عَلَى جَرْعٍ مِنْ مَاءٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ».
قُلْتُ: بحر السقاء شديد الضعف، وأبو سعيد الإسكندراني قال فيه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ في [أُسْدِ الْغَابَةِ] (٣/ ١٨٥):
«أورده يحيى بن منده وقال: قال الْدَارَقُطْنِي: لا أراه صحابيًا.
وقد أورده أبو نعيم فيمن روى حديث السحور من الصحابة، وروي بإسناده عن داود بن المحبر، عن بحر بن كنيز السقاء، عن عمران القصير، عن أبي سعيد الإسكندري، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "تسحروا فإنَّ في السحور بركة". أخرجه أبو موسى» اهـ.
ومنها ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٩٣)، و[الْأَوْسَطِ] (٦٤٣٤)، والروياني في [مُسْنَدِه] (١٤٥٧)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٤٦٧)
مِنْ طَرِيْقِ إِدْرِيسَ بْنِ يَحْيَى الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الطَّوِيلِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ».
قُلْتُ: عبد الله بن عياش ضعيف الحديث، وعبد الله بن سليمان الطويل لم يوثقه معتبر.
[ ٦ / ٣٤٠ ]
وقد استنكر هذا الحديث أَبُو حَاتِمٍ ﵀ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٢٤٣): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه إدريس بن يحيى المصري، عن عبد الله بن عياش القتباني، عن عبد الله بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قال: "إنَّ الله، وملائكته يصلون على المتسحرين".
قال أبي: هذا حديث منكر» اهـ.
ومنها ما رواه أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (٣٣٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ ثَابِتٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ».
قُلْتُ: عبد الواحد هذا شديد الضعف فقد قال فيه البخاري: «منكر الحديث».
ومنها ما رواه الطبراني في [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (١٦)، وابن منده في [الْفَوَائِدِ] (٦٥) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ مِحْصَنٍ الْعُكَّاشِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي سُحُورِهَا، تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَلَوْ بِتَمْرَةٍ، وَلَوْ بِحَبَّاتِ زَبِيبٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْكُمْ».
قُلْتُ: محمد بن محصن العكاشي كذاب من الكذابين. ويقال له محمد بن إسحاق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٥٢١):
[ ٦ / ٣٤١ ]
«قال بعض أصحابنا: وكل ما حصل منه أكل أو شرب؛ حصلت به فضيلة السحور؛ لقوله: "ولو بجرعة من ماء".
والأشبه: أنَّه إن قدر على الأكل؛ فهو السنة» اهـ.
٢ - (التمر) أقول جاء السحور على التمر فيما رواه أبو داود (٢٣٤٧) حدثنا عمر بن الحسن بن إبراهيم حدثنا محمد بن أبي الوزير أبو المطرف حدثنا محمد بن موسى عن سعيد المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ عمر بن الحسن صوابه محمد بن الحسين.
وللحديث شاهد عن عقبة بن عامر وهو ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٤١٩٧)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ لَهِيعَة، حَدَّثني يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ حِفْنَةً مِنْ تَمْرٍ وَقَالَ: «نِعْمَ سُحُورُ الْمُسْلِمِ».
قُلْتُ: ابن لهيعة ضعيف ومدلس وقد عنعن. ويشهد له ما سبق.
٥ - يدل الحديث أنَّ طعام السحور يكون في وقت السحر وهو ينتهي بطلوع الفجر.
وقد ذهب جمع من السلف إلى جواز السحور إلى ما بعد ذلك وهو انتشار الضوء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٥١٤ - ٥١٥):
«وقد رُوي عن طائفة كثيرة من السلف أنَّهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر. روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي
[ ٦ / ٣٤٢ ]
هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم: محمد بن علي بن الحسين، وأبو مِجْلز، وإبراهيم النَّخَعَي، وأبو الضُّحَى، وأبو وائل، وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء، والحسن، والحكم بن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد. وإليه ذهب الأعمش معمر بن راشد. وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد.
وحكى أبو جَعفر بن جرير في تَفْسِيْرِهِ، عن بعضهم: أنَّه إنَّما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها.
قُلْتُ: وهذا القول ما أظنّ أحدًا من أهل العلم يستقر له قَدَم عليه، لمخالفته نصّ القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقد وَرَدَ في الصحيحين من حديث القاسم، عن عائشة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لا يمنعكم أذانُ بلال عن سَحُوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر". لفظ البخاري» اهـ.
قُلْتُ: وقد وردت في ذلك أحاديث منها:
حديث حذيفة بن اليمان ﵁.
رواه أحمد (٢٣٤٤٨، ٢٣٤٨٩)، والنسائي (٢١٥٢)، وابن ماجه (١٦٩٥) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَيَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: «هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ».
[ ٦ / ٣٤٣ ]
قُلْتُ: خالف عاصمًا عدي بن ثابت فأوقفه بلفظ آخر وهو المحفوظ فإنَّ عاصمًا في حفظه شيء.
وحديث عدي بن ثابت رواه النسائي (٢١٥٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، قَالَ: «تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا هُنَيْهَةٌ».
قُلْتُ: وقد أشار النسائي إلى تعليله حيث بوَّب عليه: «تأخير السحور وذكر الاختلاف على زر فيه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْجَوْزَجَانِيُّ ﵀ في [الْأَبَاطِيْلِ] (٢/ ١٣٣): «منكر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ ﵀ في [تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ] (٣/ ٣٢):
«لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم فإن كان رفعه صحيحًا فمعناه: أنَّه قرب النهار، كقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ معناه: إذا قاربن البلوغ؛ وكقول القائل: بلغنا المنزل إذا قاربه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٦/ ٣٤١):
«قالوا: وأمَّا حديث حذيفة فمعلول وعلته الوقف وأنَّ زرًا هو الذي تسحر مع حذيفة ذكره النسائي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٢٢) - بعد ذكره للاختلاف في هذا الحديث -:
«وعاصم في حديثه اضطراب ونكارة، فرواية الإثبات أولى» اهـ.
[ ٦ / ٣٤٤ ]
ومنها مرسل حكيم بن جابر.
رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٦٠٨)، وأبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٩٤)، والشاشي في [مُسْنَدِه] (٩٠٦) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيمٍ يَعْنِي ابْنَ جَابِرٍ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَسَحَّرُ فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا فَرَجَعَ بِلَالٌ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَصْبَحْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ بِلَالًا لَوْلَا بِلَالٌ لَرَجَوْتُ أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ.
ورواه البزار في [مُسْنَدِه] (٥٧٣) حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: نا حَنِيفَةُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: نا سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: «دَخَلَ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ، فَدَعَا لَهُ بِرَأْسٍ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَدَعَاهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِبْ، فَرَجَعَ فَمَكَثَ فِي الْمَسْجِدِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَرْحَمُ اللَّهُ بِلَالًا، لَوْلَا بِلَالٌ لَرَجَوْنَا أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ"، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَوْلَا أَنَّ بِلَالًا حَلَفَ لَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَقُولَ لَهُ جِبْرِيلُ ارْفَعْ يَدَكَ».
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، إِلَّا سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ، وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ اهـ.
[ ٦ / ٣٤٥ ]
قُلْتُ: سوار متروك الحديث، وقد خالف في حديثه هذا سفيان بن عيينة، ويعلى بن عبيد، ووهب بن بقية.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁.
روى أحمد (١٠٦٣٧)، وأبو داود (٢٣٥٠) مِنْ طَرِيْقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ».
قُلْتُ: وروى أحمد في [الْمُسْنَد] (١٠٦٣٨)، والطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٥٢٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨١٠) مِنْ طَرِيْقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بزيادة في آخره وهي: «وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ لَا يَصِّحُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ١٢٣ - ١٢٤) رقم (٣٤٠): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه قال: "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه".
قلت لأبي: وروى روح أيضًا عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله، وزاد فيه: "وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر".
[ ٦ / ٣٤٦ ]
قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أمَّا حديث عمار فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٢١٨):
«وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّ الْمُنَادِىَ كَانَ يُنَادِى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَقَعُ شُرْبُهُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَوْلُ الرَّاوِي وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ إِذَا بَزَغَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُنْقَطِعًا مِمَّنْ دُونَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الأَذَانِ الثَّانِي وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ". خَبَرًا عَنِ النِّدَاءِ الأَوَّلِ» اهـ.
قُلْتُ: جعله ابن حزم من كلام عمار بن أبي عمار حيث قال في [الْمُحَلَّى] (٤/ ٣٦٩): «قال عمار: وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر» اهـ.
قُلْتُ: وإذا تبيَّن أنَّ هذه الجملة ليست من الحديث فيمكن أن يحمل الحديث على فرض ثبوته على غير الصيام كقوله ﵊: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». رواه مسلم (٥٦٠) من حديث عائشة ﵂.
وما رواه البخاري (٦٧١)، ومسلم (٥٥٨) عن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ».
ورواه البخاري (٥٤٦٣)، ومسلم (٥٥٧).
وجاء بنحوه من حديث ابن عمر رواه البخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩).
ومنها: مرسل الحسن.
[ ٦ / ٣٤٧ ]
رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٣٦٩) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ؟ قَالَ: «اشْرَبْ».
ورواه أحمد (٩٤٦٨) حَدَّثَنَا غَسَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ الْأَذَانَ، وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهُ».
قُلْتُ: يونس هو ابن عبيد وحديثه هذا أرجح من حديث إسرائيل، وليس فيه كما ترى ذكرٌ للصيام، فعله وارد في غير الصيام، كأحاديث النهي عن الصلاة بحضرة الطعام. والله أعلم.
ومنها: حديث أبي أمامة ﵁.
فروى الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩/ ٣٠٣٤) حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قالا جميعًا، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: «أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فشربها».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ ابن حميد هو محمد بن حميد ضعيف الحديث، وأبو غالب أيضًا ضعيف الحديث.
قُلْتُ: وهو مع ضعفه فليس بصريح على الشرب عند طلوع الفجر لمن أراد الصيام بل يمكن أن يحمل على غير الصيام على معنى ما رواه البخاري (٦٧٣)،
[ ٦ / ٣٤٨ ]
ومسلم (١٢٤٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ».
وروى البخاري (٦٧٤) معلقًا بصيغة الجزم عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».
قُلْتُ: وقد وصله أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (١٠١٢)، وابن شاهين في [نَاسِخِ الْحَدِيْثِ وَمَنْسُوخِهِ] (٢٣٠).
وروى مسلم (٥٦٠) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
وغير ذلك من الأحاديث التي سبق ذكرها.
ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵁.
رواه أحمد (١٤٧٩٧) حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ، قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيَشْرَبْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل ابن لهيعة ضعيف ومدلس وقد عنعن.
ومنها: حديث بلال بن أبي رباح ﵁.
رواه ابن جرير الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩) (٣٠٣٦) حدثني محمد بن أحمد الطوسي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل، عن بلال، قال:
[ ٦ / ٣٤٩ ]
«أتيت النبي ﷺ أوذنه بصلاة الفجر وهو يريد الصيام، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم خرجنا إلى الصلاة».
قُلْتُ: وقد تابع إسرائيل يونس بن أبي إسحاق عند الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٣/ ٢٥٩) (٣٠٣٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٠٧٤)، والشاشي في [مُسْنَدِه] (٩٦١).
قُلْتُ: أبو إسحاق تنازع العلماء في قبول عنعنته، واختلفوا فيه هل اختلط أو تغير فقط، أضف إلى ذلك أني لم أقف على سماع لعبد الله بن معقل من بلال وما أظن أنَّه سمع منه لأمرين:
الأول: أنَّه لا يمكن سماع عبد الله بن معقل من بلال إلَّا على افتراض أنَّه عمِّر أكثر من سبعين سنة وهذا خلاف الغالب من أعمار هذه الْأُمة.
الآخر: أنَّ حفاظ الحديث لم ينصوا فيما أعلم على سماعه من رجل مات في عصر بلال ﵁.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذا الحديث. والله أعلم.
ورواه أحمد (٢٣٩٤٧) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ شَدَّادٍ، مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَوَجَدَهُ يَتَسَحَّرُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ».
قُلْتُ: شداد مولى عياض مجهول، ولم يدرك بلالًا.
ومنها: حديث عبد الله بن عمر ﵁.
وروى الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٢٠١٠)، وعبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٨٥٢)، والبزار في [مُسْنَدِه] (٥٣٦٩)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ]
[ ٦ / ٣٥٠ ]
(٤٨٨٦)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٦/ ٤١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤١/ ١٤٣) مِنْ طَرِيْقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيْعِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْأَعْمَى، عَنْ تَمِيمِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رُوَيْدًا يَا بِلَالُ، يَتَسَحَّرُ عَلْقَمَةُ" قَالَ: وَهُوَ يَتَسَحَّرُ بِرَأْسٍ».
قُلْتُ: تميم بن عياض لم أقف له على ترجمة.
وأمَّا الآثار عن الصحابة فمنها:
أثر أبي بكر الصديق ﵁.
روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠٢٢) حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «قُمْ فَاسْتُرْنِي مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَكَلَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ. لكن قال الحاكم ﵀ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٢٩٨): «هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ لَمْ يُدْرِكْ سَالِمَ بْنَ عُبَيْدٍ وَلَمْ يَرَهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّوْرِيُّ ﵀ في [تَارِيْخِ ابْنِ مَعِيْن] (٣/ ٥٧٤):
«سَأَلت يحيى عَنْ هِلَال بن يسَاف لقى أحدًا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ: يَقُولُونَ: عمرَان بن حُصَيْن» اهـ.
وروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢١٨٦، ٢١٨٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثنا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ مَا
[ ٦ / ٣٥١ ]
شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟»، قَالَ: فَخَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَقُلْتُ: قَدِ ارْتَفَعَ فِي السَّمَاءِ أَبْيَضُ، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟»، فَخَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ: لَقَدِ اعْتَرَضَ فِي السَّمَاءِ أَحْمَرُ، فَقَالَ: «هَيْتَ الْآنَ فَأَبْلِغْنِي سُحُورِي».
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَقُلْتُ: قَدِ اعْتَرَضَ فِي السَّمَاءِ وَاحْمَرَّ، فَقَالَ: «ائْتِ الْآنَ بِشَرَابِي»، قَالَ: وَقَالَ يَوْمًا، آخَرَ: «قُمْ عَلَى الْبَابِ بَيْنِي وَبَيْنَ الْفَجْرِ». وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ اهـ.
قُلْتُ: لكن قال الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٤/ ٢٩٨): «هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد ولم يره» اهـ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦١٨) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَانَ يَقُولُ: «أَجِيفُوَا الْبَابَ لَا يُفْجُؤْنَا الصُّبْحُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ لَا يَصِّحُ للانقطاع بين أبي قلابة وأبي بكر الصديق ﵁.
ومنها: أثر علي بن أبي طالب ﵁.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦٠٩)، والشافعي في [الْمُسْنَد] (٧٣٣)، و[الْأُم] (٧/ ١٦٥)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (٩٠٢٣)، وأحمد في [الْعِلَلِ] (١٣٥)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٠١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٧١)، و[الْمَعْرِفَة] (٧١٠)، والخطيب في [الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلفِ] (١/ ٤١٣)
[ ٦ / ٣٥٢ ]
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيًّا وَهُوَ مُعَسْكِرٌ بِدَيْرِ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَقَالَ: «ادْنُ» قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ قَالَ: «وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: «أَقِمُ الصَّلَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا الْأَثَرُ لا يثبت حبان بن الحارث مجهول لم يوثقه معتبر.
ومنها: أثر عبد الله بن مسعود ﵁.
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٠٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ فِي دَارِهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا فَضْلَ سَحُورِهِ، فَتَسَحَّرْنَا مَعَهُ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجْنَا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ».
قُلْتُ: الشيباني هو أبو إسحاق واسمه سليمان بن أبي سليمان.
وظاهر هذا الأثر أنَّهما تسحرا بعد أذان الفجر فإنَّ فيه أنَّ إقامة الصلاة كانت عقب سحورهم كما تدل عليه الفاء التي للتعقيب؛ لكن روى الحديث عبد الرزاق بلفظ "ثم" التي تدل على معنى التراخي فقال ﵀ في [مُصَنَّفِهِ] (٧٦١٩) عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ خَرَجْنَا فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».
ورواه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٥٢٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، ثنا سَهْلُ بْنُ زَنْجَلَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ» كَذَا قَالَ سَهْلٌ، عَنْ وَكِيعٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ وَكِيعٍ، فَقَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
[ ٦ / ٣٥٣ ]
قُلْتُ: وَلَا يَثْبُتُ هَذَا عن ابن مسعود فإنَّ عامر بن مطر تابعي على الصحيح ولم يوثقه معتبر.
* * *
[ ٦ / ٣٥٤ ]
١٧٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عن زيد بن ثابت ﵄ قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ.
قَالَ أَنَسٌ: قُلْت لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب السحور.
٢ - استحباب تأخير السحور.
ويدل على استحباب تأخير السحور أيضًا تسمية النبي ﷺ له "الغداء المبارك". فإنَّ الغداء هو طعام أول النهار فسمي السحور بذلك لقربه من أول النهار.
وجاء ذلك في عدة الأحاديث منها ما رواه النسائي (٢١٦٤) أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وللحديث شواهد.
٣ - وفيه أنَّ بين انتهاء النبي ﷺ من السحور وبين الأذان مقدار خمسين آية وهذه رواية البخاري؛ لكن جاء الحديث عند البخاري (٥٧٦)، ومسلم (١٠٩٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ: «تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى
[ ٦ / ٣٥٥ ]
الصَّلَاةِ، فَصَلَّى»، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً». وهذا يدل على أنَّ الخمسين الآية مقدار ما بين الانتهاء من السحور والدخول في الصلاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٢٠): «وأكثر الروايات تدل على أنَّ ذلك قدر ما بين السحور والصلاة» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان تأخير السحور من هدي الصحابة ﵃.
فروى البخاري (٥٧٧) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي، أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
٤ - وفيه الاجتماع على طعام السحور.
٥ - مشروعية تقدير الأوقات بالأعمال الصالحة.
٦ - اهتمام الصحابة بالقرآن ويدل على ذلك تقديرهم زمن انتهاء السحور بقراءة آيات القرآن.
* * *
[ ٦ / ٣٥٦ ]
١٧٨ - عَنْ عَائِشَةَ. وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - صحة صوم من أصبح جنبًا من جماع، ومثل ذلك الاحتلام.
قُلْتُ: ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فأباح الله ﷿ المباشرة، والمراد بها الجماع إلى أن يبين الفجر، ومعلوم أنَّ من جامع إلى ذلك الوقت المأذون فيه؛ فإنَّه يصبح جنبًا.
وقد كان في هذه المسألة نزاع قديم ثم استقر الإجماع على ما دل عليه حديث عائشة، وأم سلمة ﵄.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٩٥):
«فقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين، وحكي عن الحسن بن صالح إبطاله، وكان عليه أبو هريرة، والصحيح أنَّه رجع عنه كما صرح به هنا في رواية مسلم، وقيل: لم يرجع عنه، وليس بشيء.
وحكي عن طاووس وعروة والنخعي: إن علم بجنايته لم يصح، وإلَّا فيصح، وحكي مثله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وحكي أيضًا عن الحسن البصري والنخعي: أنَّه يجزيه
[ ٦ / ٣٥٧ ]
في صوم التطوع دون الفرض، وحكي عن سالم بن عبد الله والحسن البصري والحسن بن صالح: يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته كما قدمناه، وفي صحة الإجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول، وحديث عائشة وأم سلمة حجة على كل مخالف. والله أعلم» اهـ.
٢ - ويلحق بالجنب المرأة الحائض أو النفساء إذا طهرت قبل طلوع الفجر فإنَّها إن نوت صح صومها وإن لم تتطهر إلَّا بعد طلوع الفجر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٩٥):
«وإذا انقطع دم الحائض والنفساء في الليل ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما، ووجب عليهما إتمامه، سواء تركت الغسل عمدًا أو سهوًا بعذر أم بغيره، كالجنب. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلَّا ما حكي عن بعض السلف مما لا نعلم صح عنه أم لا» اهـ.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٩٠):
«في حكاية النووي إجماع الكافة إلَّا ما لا يعلم صحته نظر، ففي مذهب مالك في وجوب القضاء في هذه الصورة قولان حكاهما الشيخ تقي الدين في "شَرْحِ الْعُمْدَةِ" وحكاه النووي في "شرح المهذب" عن الأوزاعي أنَّه لا يصح صوم منقطعة الحيض حتى تغتسل وحكى ابن عبد البر في "الْاسْتِذْكَارِ" عن عبد الملك بن الْمَاجَشُون أنَّها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر؛ لأنَّها في بعضه غير طاهر وليست كالذي يصبح جنبًا فيصوم؛ لأنَّ الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه، وَقَالَ هذه غفلة شديدة وكيف تكون في بعضه حائضًا، وقد كمل طهرها قبل الفجر وحكى ابن عبد البر أيضًا عن الحسن بن حي أنَّه
[ ٦ / ٣٥٨ ]
رأى عليها قضاء ذلك اليوم، وقد ظهر بذلك أنَّ الخلاف في هذا أشهر والله أعلم» اهـ.
٣ - جواز الجماع في ليالي الصيام.
* * *
[ ٦ / ٣٥٩ ]
١٧٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا فصيامه صحيح، ولا يلزمه القضاء، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٦٠):
«اختلف العلماء في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، فقالت طائفة: فلا شيء عليه، روينا هذا القول عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وعطاء، وطاووس، والنخعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق واحتجوا بهذا الحديث وقالت طائفة: عليه القضاء، هذا قول ربيعة، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز» اهـ.
أَقُوْلُ: القول بإفطار من أكل أو شرب ناسيًا قول غير صحيح، وذلك أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: «فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». والصوم إذا أطلق فالمراد به الصوم الشرعي لا مطلق الإمساك، وهذا يقتضي صحة الصوم؛ ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أضاف الفعل إلى الله دون الناسي وهذا يقتضي أنَّه بمثابة الأفعال التي لا اختيار للعبد فيها كمن ذرعه القيء، أو احتلم في نهار رمضان فإنَّ هؤلاء لا يحكم بفساد صومهم ولا يؤمرون بالقضاء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٧١):
[ ٦ / ٣٦٠ ]
«ولهذا قال النبي ﷺ: "من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنَّما أطعمه الله وسقاه". فأضاف إطعامه وإسقاءه إلى الله لأنَّه لم يتعمد ذلك ولم يقصده وما يكون مضافًا إلى الله لا ينهى عنه العبد فإنَّما ينهى عن فعله والأفعال التي ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير؛ ونحو ذلك. يبين ذلك أنَّ الصائم إذا احتلم في منامه لم يفطر؛ ولو استمنى باختياره أفطر ولو ذرعه القيء لم يفطر ولو استدعى القيء أفطر. فلو كان ما يوجد بغير قصده بمنزلة ما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٥١):
«وأيضًا فإنَّ فعل الناسي غير مضاف إليه كما قال النبي ﷺ: "من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنَّما أطعمه الله وسقاه". فأضاف فعله ناسيًا إلى الله لكونه لم يرده ولم يتعمده وما يكون مضافًا إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد فلم يكلف به فإنه إنَّما يكلف بفعله لا بما يفعل فيه ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذرعه القيء في اليقظة لم يفطر ولو استدعى ذلك أفطر به فلو كان ما يوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا» اهـ.
قُلْتُ: واختلف العلماء في الجماع ناسيًا فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى صحة الصوم لمن حصل منه ذلك، وذهب مالك إلى القضاء دون الكفارة، وذهب الْإِمَام أحمد إلى القضاء والكفارة.
واحتج من أوجب القضاء والكفارة بحجج:
[ ٦ / ٣٦١ ]
الحجة الأولى: أنَّ الحديث جاء بذكر الأكل والشرب ولم يذكر فيه الجماع.
الحجة الثانية: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أمر المجامع في نهار رمضان بالكفارة، وفي بعض ألفاظ الحديث الأمر بالقضاء ولم يستفسره هل كان ناسيًا أو لا فدل ذلك على استواء الحكم في الصورتين.
الحجة الثالثة: أنَّه لا يتصور حصول النسيان في الجماع؛ فإنَّه إن تصور من أحد الزوجين فتصوره منهما معًا في غاية البعد.
قُلْتُ: والجواب عن الحجة الأولى: أنَّ قصر الحكم على الأكل والشرب دون غيره من باب الاحتجاج بمفهوم اللقب وهو ضعيف عند جمهور العلماء، على أنَّ الحديث جاء بلفظ أعم من ذلك وهو ما رواه ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٩٩٠)، ومن طريقه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٢١)، والْدَارَقُطْنِي (٢٢٤٣)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٦٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٦٣) كلهم مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
والجواب عن الحجة الثانية: أنَّ المجامع في نهار رمضان لم يكن ناسيًا لوجهين.
الأول: أنَّ النسيان في ذلك من أندر الْأُمور والأصل عدمه.
والآخر: أنَّ المجامع قال في حديثه: «هَلَكْتُ». كما في البخاري (٢٦٠٠)، ومسلم (١١١١)، وهذا مما يدل على أنَّه كان متعمدًا، ولم يكن ناسيًا.
[ ٦ / ٣٦٢ ]
ثم رأيت بعد ذلك الحافظ ابن حجر رحمه أجاب بنحو هذا الجواب في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٦٤) فقال: «والجواب أنَّه قد تبين حاله بقوله: "هلكت واحترقت" فدل على أنَّه كان عامدًا عارفًا بالتحريم، وأيضًا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد» اهـ.
والجواب عن الحجة الثالثة: أنا لا نسلم أنَّ ذلك غير ممكن الحصول بل غاية ما في الأمر أنَّ ذلك مما يندر وجوده.
قُلْتُ: المشهور في مذهب الحنابلة أنَّ المرأة إذا جومعت وكانت ناسية أو جاهلة فلا يلزمها الكفارة، وفرقوا بينها وبين الرجل، وقيل هما سواء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٣١٤)
«لَوْ جُومِعَتْ الْمَرْأَةُ نَاسِيَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا عَلَى النَّاسِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقِيلَ: حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ النَّاسِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَفْسُدَ صَوْمُهَا مَعَ النِّسْيَانِ، وَإِنْ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً. انْتَهَى. وَكَذَا الْخِلَافُ وَالْحُكْمُ: إذَا جُومِعَتْ جَاهِلَةً وَنَحْوُهَا» اهـ.
٢ - وفي الحديث بيان لطف الله وإحسانه بالعباد حيث لم يؤاخذهم بذلك.
٣ - ويلحق بالناسي المخطئ والجاهل والمكره على الصحيح من أقوال العلماء وهو اختيار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله تعالى: «قَدْ
[ ٦ / ٣٦٣ ]
فَعَلْتُ». كما روى ذلك مسلم (١٢٦) عن ابن عباس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عن ربه ﷿.
وَقَالَ الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
وروى البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» اهـ.
وروى البخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠) عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي عِقَالَيْنِ، قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٧٢): «ولم ينقل أنَّه أمرهم بقضاء وهؤلاء جهلوا الحكم فكانوا مخطئين» اهـ.
[ ٦ / ٣٦٤ ]
وروى البخاري (١٩٥٩) عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، قَالَتْ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٣١ - ٢٣٢): «وهذا يدل على شيئين: على أنَّه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب؛ فإنَّهم لم يفعلوا ذلك ولم يأمرهم به النبي ﷺ والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم.
والثاني: لا يجب القضاء فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل ذلك دل على أنَّه لم يأمرهم به. فإن قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء؟ قيل: هشام قال ذلك برأيه لم يرو ذلك في الحديث ويدل على أنَّه لم يكن عنده بذلك علم: أنَّ معمرًا روى عنه قال: سمعت هشامًا قال: لا أدري أقضوا أم لا؟ ذكر هذا وهذا عنه البخاري والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء. وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنَّهم لم يؤمروا بالقضاء وعروة أعلم من ابنه وهذا قول إسحاق بن راهويه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٠٠):
«وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحاق وأحمد في رواية واختاره ابن خزيمة فقال قول هشام لا بد من القضاء لم يسنده ولم يتبين عندي أنَّ عليهم قضاء» اهـ.
[ ٦ / ٣٦٥ ]
قُلْتُ: وهذا ما رجحه أيضًا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤١١ - ٤١٣) حيث قال:
«فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء، لأنَّ الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم، ولو أكل ناسيًا لصومه لم يجب عليه قضاؤه والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي، فإنَّ كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله، وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثار فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع؟ وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطئ أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة. وقد يقال: إنَّه في صورة الصوم أعذر منه، فإنَّه مأمور بتعجيل الفطر استحبابًا، فقد بادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه؟ وفساد صوم الناسي أولى منه، لأنَّ فعله غير مأذون له فيه، بل غايته أنَّه عفو، فهو دون المخطئ الجاهل في العذر. وبالجملة: فلم يفرق بينهما في الحج، ولا في مفسدات الصلاة كحمل النجاسة وغير ذلك، وما قيل من الفرق بينهما بأنَّ الناسي غير مكلف والجاهل مكلف، إن أريد به التكليف بالقضاء فغير صحيح، لأنَّ هذا هو المتنازع فيه، وإن أريد به أنَّ فعل الناسي لا ينتهض سببًا للإثم، ولا يتناوله الخطاب الشرعي فكذلك فعل المخطئ، وإن أريد أن المخطئ ذاكر لصومه مقدم على قطعه، ففعله داخل تحت التكليف بخلاف الناسي فلا يصح أيضًا لأنَّه يعتقد خروج زمن الصوم، وأنَّه مأمور بالفطر، فهو مقدم على فعل ما يعتقده جائزًا، وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم فالفعلان سواء فكيف يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر؟! وأجود ما فرق به بين المسألتين: أنَّ المخطئ كان متمكنًا من إتمام صومه بأن يؤخر
[ ٦ / ٣٦٦ ]
الفطر حتى يتيقن الغروب بخلاف الناسي فإنَّه لا يضاف إليه الفعل، ولم يكن يمكنه الاحتراز، وهذا - وإن كان فرقًا في الظاهر - فهو غير مؤثر في وجوب القضاء، كما لم يؤثر في الإثم اتفاقًا، ولو كان منسوبًا إلى تفريط للحقه الإثم، فلما اتفقوا على أنَّ الإثم موضوع عنه دل على أنَّ فعله غير منسوب فيه إلى تفريط، لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر، والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين، وهو النسيان في مسألة الناسي وظهور الظلمة وخفاء النهار في صورة المخطئ، فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان وهذا أطعمه الله وسقاه بإخفاء النهار ولهذا قال صهيب: "هي طعمة الله"، ولكن هذا أولى، فإنَّها طعمة الله إذنًا وإباحة وإطعام الناسي طعمته عفوًا ورفع حرج، فهذا مقتضى الدليل» اهـ.
[ ٦ / ٣٦٧ ]
* * *
١٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتُ، فَقَالَ: "مَا أَهْلَكَكَ؟ " أَوْ "مَالَكَ؟ ". قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ.
فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: "خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقَ بِهِ". فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَ اَللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - حرمة الجماع في نهار رمضان وأنَّه من الهلاك.
٢ - وجوب الكفارة العظمى لمن جامع في نهار رمضان، وهي عتق رقبة، ثم صيام شهرين، ثم إطعام ستين مسكينًا.
[ ٦ / ٣٦٨ ]
وهذا الحكم مختص بالجماع في نهار رمضان، وذهب الْإِمَام مالك ﵀ إلى وجوب الكفارة لمن وقع في أي نوع من أنواع المفطرات، وللحنفية تفصيل في ذلك فقد قَالَ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ في [الْمَبْسُوْطِ] (٣/ ٧٤):
«ثُمَّ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْفِطْرَ مَتَى حَصَلَ بِمَا يُتَغَذَّى بِهِ، أَوْ يُتَدَاوَى بِهِ تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِهِ زَجْرًا فَإِنَّ الطِّبَاعَ تَدْعُو إلَى الْغِذَاءِ وَكَذَلِكَ إلَى الدَّوَاءِ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، أَوْ إعَادَتِهَا فَأَمَّا إذَا تَنَاوَلَ مَالًا يَتَغَدَّى بِهِ كَالتُّرَابِ وَالْحَصَاةِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: حُصُولُ الْفِطْرِ بِمَا يَكُونُ بِهِ اقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: رُكْنُ الصَّوْمِ الْكَفُّ عَنْ إيصَالِ الشَّيْءِ إلَى بَاطِنِهِ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ بِتَنَاوُلِ الْحَصَاةِ ثُمَّ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ مُفْطِرٌ غَيْرُ مَعْذُورٍ قَالَ: وَجِنَايَتُهُ هُنَا أَظْهَرُ إذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي هَذَا الْفِعْلِ سِوَى الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ بِخِلَافِ مَا يَتَغَذَّى بِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ عَدَمُ دُعَاءِ الطَّبْعِ إلَيْهِ يُغْنِي عَنْ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ زَاجِرًا كَمَا لَمْ نُوجِبْ الْحَدَّ فِي شُرْبِ الدَّمِ وَالْبَوْلِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ، ثُمَّ تَمَامُ الْجِنَايَةِ بِانْعِدَامِ رُكْنِ الصَّوْمِ صُورَةً وَمَعْنًى فَانْعَدَمَ مَعْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ اقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ إذَا انْعَدَمَ لَمْ تَتِمَّ الْجِنَايَةُ وَفِي النُّقْصَانِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ وَالْكَفَّارَةُ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ» اهـ.
واحتج من قال: إنَّ الكفارة تكون بأي مفطر من المفطرات بما جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث وهو ما رواه مسلم (١١١١) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
[ ٦ / ٣٦٩ ]
قُلْتُ: هذه رواية للحديث بالمعنى لم يسق فيها من رواها لفظ النبي ﷺ، والذين ساقوا لفظ النبي ﷺ بينوا أنَّ الإفطار كان عن جماع، وهم أكثر الرواة عن الزهري وقد بلغوا أكثر من ثلاثين راويًا.
وقد ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٧٨) أنَّه لا تلحق سائر المفطرات بالجماع بإجماع الصحابة.
قُلْتُ: ولا يصح قياس سائر المفطرات على الجماع كما بيَّن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٨٠ - ٢٨٢) فقال:
«الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه؛ فإنَّه إذا هاجت شهوته؛ لم يكد يزعها وازع العقل ولم يمنعها حارس الدين.
ولهذا قال النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه: "كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف؛ قال الله تعالى: إلَّا الصوم فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي".
فسمى النكاح شهوة، وسمى المأكل طعامًا، وإن كان يشتهى في الجملة.
ولهذا كان الحد المشروع فيه القتل، وأدناه الجلد والتغريب، وحد المطعوم إنَّما هو جلد دون ذلك، وقد يصيب المبتليين بشهوتهم في عقولهم وأديانهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم ما يجل عن النعت.
والأكل وإن كانت الضرورة إليه أشد، وعند شدة الجوع يقدم على كل مطلوب، لكن إنَّما هو جوع يوم، ومثل هذا لا يكاد يبلغ بكل أحد من الناس إلى شيء من البلاء.
[ ٦ / ٣٧٠ ]
ولهذا ظاهر سلمة بن صخر من امرأته، واعتقد أنَّ وطأها حرام، ثم إنَّه أصابها، وكذلك الأعرابي وقع على امرأته مع ما يعلم فيه من التحريم.
ولم يبلغنا أنَّ أحدًا على عهد رسول الله ﷺ أكل في رمضان.
نعم داعية الأكل أكبر وأعم، لكن داعية الجماع إذا وقعت؛ كانت أشد وأقوى؛ فلو سوى بين الأكل والجماع في الكفارة؛ لسوي بين شيئين قد فرقت الأصول بينهما؛ بحيث لم يسو بينهما في موضع واحد من الشريعة؛ فكيف يصح مثل هذا القياس؟!».
إلى أن قال ﵀ (١/ ٢٨٤): «الخامس: أنَّ هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر؛ لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء؛ تجب عليه هذه الكفارة؛ كالشيخ الْكَبِيْر والعجوز الْكَبِيْرة، ولكان الناس مخيرين في أول الإسلام بينها وبين الصوم، وذلك أنَّ ما وجب الكفارة في محظوره ومباحه لم يختلف جنسها، وإنَّما يختلف الإثم وعدمه، ودليله كفارة الإحرام؛ فإنَّ التي تجب باللباس والطيب والحلق والتقليم للعذر وغيره من جنس واحد، فعلم أنَّها إنَّما وجبت لخصوص وصف الجماع المحرم.
ولهذا قلنا فيمن عجز عن الصوم لشبقه: إنَّه يطعم يومًا؛ لأنَّ الجماع لم يبق في هذه الصورة محرمًا ليوجب كفارة، وإنَّما تجب كفارة الإفطار، والإفطار كفارته إطعام المساكين» اهـ.
٣ - أنَّ هذه الكفارة تكون لمن جامع وهو صائم في شهر رمضان، فخرج من ذلك أمران:
[ ٦ / ٣٧١ ]
الأول: من جامع وهو مفطر في شهر رمضان، وهو على صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون الفطر لعذر شرعي كالسفر مثلًا فلا شيء عليه في جماعه.
الصورة الأخرى: أن يكون الفطر من غير عذر شرعي فعليه الكفارة وسيأتي الكلام في هذه الصورة بمشيئة الله تعالى.
الآخر: من جامع وهو صائم في غير رمضان وهو على صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون متنفلًا في صومه فلا شيء عليه. لكن لا يجوز له الوطء إلَّا بنية الإفطار.
الصورة الأخرى: أن يكون مفترضًا في صومه كمن يقضي ما أفطره من رمضان الماضي، وكمن يصوم نذرًا، أو كفارة مثلًا؛ فهذا لا يجوز له الفطر لكن لا تلزمه الكفارة على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١١٠):
«فصل: ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان، في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء.
وَقَالَ قتادة: تجب على من وطئ في قضاء رمضان؛ لأنَّه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فوجبت في قضائها، كالحج.
ولنا أنَّه جامع في غير رمضان، فلم تلزمه كفارة، كما لو جامع في صيام الكفارة، ويفارق القضاء الأداء؛ لأنَّه متعين بزمان محترم، فالجماع فيه هتك له، بخلاف القضاء» اهـ.
[ ٦ / ٣٧٢ ]
٤ - أنَّ هذه الكفارة تكون فيمن جامع في الفرج وإن لم ينزل فإنَّ السائل ذكر الجماع ولم يذكر الإنزال؛ ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يستفصله عن الإنزال وعدمه ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصله، فأمَّا من أنزل بغير جماع فلا تلزمه الكفارة ويفطر بذلك.
والإفطار بالإنزال مطلقًا تدل عليه السنة، والقياس.
أمَّا السنة: فما رواه البخاري (١٨٩٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فيما يرويه عن ربه ﷿: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا».
قُلْتُ: ويدخل في مسمى الشهوة الجماع وإنزال المني، والدليل على أنَّ ذلك هو الشهوة ما رواه مسلم (١٠٠٦) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ».
قُلْتُ: وأمَّا القياس فإنَّه ملحق بالحجامة والتقيء عمدًا والحيض بجامع إخراج ما يتقوى به البدن.
[ ٦ / ٣٧٣ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٤٨):
«أمَّا الجماع فإنَّه باعتبار أنَّه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام - كما سنبينه إن شاء الله تعالى - فإنَّه من نوع الاستفراغ لا الْامتلاء كالأكل والشرب ومن جهة أنَّه إحدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٥١):
«وأمَّا إذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم فهو يخرج الدم الذي يتغذى به ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه يضر الإنسان ويخرج أحمر» اهـ.
قُلْتُ: والمني الذي يحصل به الإفطار ما تعمد المرء إخراجه فأمَّا ما كان من غير تعمد كالمني الخارج في النوم أو عن مرض، أو عن نظر الفجأة، أو عن خاطر في النفس من غير استرسال في التفكير فلا شيء في ذلك.
٥ - وتتكرر الكفارة بتكرر الجماع في يوم واحد إذا كان ذلك بعد التكفير وشأن الكفارات كشأن الحدود من حيث أنَّها عقوبات وكفارات لأهلها، ومعلوم أنَّ من تكرر منه الزنا أو السرقة بعد إقامة الحد فإنَّه يتكرر في حقه الحد، وأمَّا من كرر الجماع من غير تكفير فتجزيه الكفارة الواحدة كشأن من تكرر منه الزنا والسرقة قبل إقامة الحد عليه فإنَّه يكفيه حد واحد لكل نوع، وأمَّا من كرر الجماع في أكثر من يوم فتكرر عليه الكفارة مطلقًا كفر قبل ذلك أو لم يكفر لأنَّ كل يوم كالعبادة المستقلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ١٢٣):
[ ٦ / ٣٧٤ ]
«مسألة: قال: "وإن جامع، فلم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة". وجملته أنَّه إذا جامع ثانيًا قبل التكفير عن الأول، لم يخل من أن يكون في يوم واحد، أو في يومين، فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه، بغير خلاف بين أهل العلم، وإن كان في يومين من رمضان، ففيه وجهان:
أحدهما: تجزئه كفارة واحدة.
وهو ظاهر إطلاق الخرقي، واختيار أبي بكر، ومذهب الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها، فيجب أن تتداخل كالحد.
والثاني: لا تجزئ واحدة، ويلزمه كفارتان. اختاره القاضي، وبعض أصحابنا.
وهو قول مالك، والليث، والشافعي، وابن المنذر. وروي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ لأنَّ كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل، كرمضانين، وكالحجتين» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ الكفارة تكون على الترتيب.
قُلْتُ: وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وخالف الْإِمَام مالك، وأحمد في رواية عنهما فذهبا إلى أنَّ الكفارة على التخيير، واحتج من قال ذلك بالحديث الماضي وهو ما رواه مسلم (١١١١) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
[ ٦ / ٣٧٥ ]
وقد سبق أن بيَّنا أنَّ هذا الحديث روي بالمعنى ولم يسق فيه الراوي لفظ النبي ﷺ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١١٥) - بعد ذكره لحديث أبي هريرة الدال على الترتيب -:
«والأخذ بهذا أولى من رواية مالك؛ لأنَّ أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا، سوى مالك وابن جريج، فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ١٨ - ١٩):
«فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه:
أحدها: أنَّ رواتها أكثر وإذا قدر التعارض رجحنا برواية الأكثر اتفاقًا وفي الشهادة بخلاف معروف.
الثاني: أنَّ رواتها حكوا القصة وساقوا ذكر الفطر وأنَّه الجماع وحكوا لفظ النبي ﵌ وأمَّا رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر ولا حكوا أنَّ ذلك لفظ رسول الله ﵌ ولا من لفظ صاحب القصة ولا حكوا أيضًا لفظ الرسول الله ﷺ في الكفارة فكيف تقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله ﵌ في الترتيب ولفظ الراوي في خبره عن نفسه بقوله: وقعت على أهلي في رمضان.
الثالث: أنَّ هذا صريح، وقوله: "أفطر" مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر وقد فسرته الرواية الأخرى بأنَّ فطره كان بجماع فتعين الأخذ به.
[ ٦ / ٣٧٦ ]
الرابع: أنَّ حرف أو وإن كان ظاهرًا في التخيير فليس بنص فيه. وقوله: هل تستطيع كذا هل تستطيع كذا صريح في الترتيب فإنَّه لم يجوز له الانتقال إلى الثاني إلَّا بعد إخباره بعجزه عما قبله مع أنَّه صريح لفظ صاحب الشرع.
وقوله: فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم لم يحك فيه لفظه.
الخامس: أنَّ الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر لأنَّه يفسره ويبين المراد منه والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب ولا ريب أنَّ العمل بالنصين أولى.
السادس: أنَّا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواء على الترتيب وهي كفارة الظهار وحكم النظير حكم نظيره، ولا ريب إن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ احْتَرَقَ، قَالَ: «مَا لَكَ؟»، قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى العَرَقَ، فَقَالَ: «أَيْنَ المُحْتَرِقُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا».
ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نقله إلى الصدقة، ولم يأمره بالعتق ولا الصيام فدل ذلك على التخيير.
[ ٦ / ٣٧٧ ]
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٩٥) فقال ﵀: «وأمَّا حديث عائشة: فإنَّها حكت ما استقر عليه الحال، وهو أمره بالصدقة؛ فإنَّه كان عند العجز عن العتق والصيام.
ثم هي قضية عين، فذلك المأمور بالصدقة إن كان هو غير الذي في حديث أبي هريرة؛ فربما علم النبي ﷺ من حاله العجز عن العتق الصيام، ولهذا لم يذكرهما له، ولا ريب في أنَّهما يذكران للمستفتي كما في حديث أبي هريرة» اهـ.
قُلْتُ: ثم قوى شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ الترتيب على التخيير من حيث النظر والقياس.
فقال ﵀ (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦):
«ثم هي أكثر رواة وأشد استقصاء وأشبه بالقياس.
فإنَّ هذه الكفارة لم تجب في الشرع إلَّا على وجه الترتيب، ولأنَّها إذا وجبت على المظاهر على وجه الترتيب؛ فعلى المجامع في رمضان أولى؛ فإنَّ ذنب هذا أعظم؛ لأنَّ التحريم في الظهار ثبت قول المكلف، وهنا ثبت بتحريم الله ابتداءً» اهـ.
٧ - ويشمل الحكم من أفطر بالجماع ابتداءً، أو أفطر بغيره ثم جامع على الصحيح، وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعي؛ ولأنَّ زيادة الأكل والشرب لا تقتضي التخفيف عليه؛ بل الزيادة في إثمه فهو أولى بالكفارة ممن اقتصر على مجرد الجماع؛ ولأنَّ الله ﷿ لم يجعل الأكل والشرب مُحِلًّا للجماع في نهار رمضان.
وسئل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٦٠): «عن رجل أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار فأفطر
[ ٦ / ٣٧٨ ]
بالأكل قبل أن يجامع ثم جامع فهل عليه كفارة أم لا؟ وما على الذي يفطر من غير عذر؟
فأجاب:
الحمد لله، هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران: أحدهما: تجب وهو قول جمهورهم: كمالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم. والثاني: لا تجب وهو مذهب الشافعي وهذان القولان مبناهما: على أنَّ الكفارة سببها الفطر من الصوم أو من الصوم الصحيح بجماع أو بجماع وغيره على اختلاف المذاهب. فإنَّ أبا حنيفة اعتبر الفطر بأعلى جنسه ومالك يعتبر الفطر مطلقًا فالنزاع بينهما إذا أفطر بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك. وعن أحمد رواية أنَّه إذا أفطر بالحجامة كفر كغيرها من المفطرات بجنس الوطء فأمَّا الأكل والشرب ونحوهما فلا كفارة في ذلك. ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح؟ فالشافعي وغيره يشترط ذلك فلو أكل ثم جامع أو أصبح غير ناو للصوم ثم جامع أو جامع وكفر ثم جامع: لم يكن عليه كفارة؛ لأنَّه لم يطأ في صوم صحيح. وأحمد في ظاهر مذهبه وغيره يقول: بل عليه كفارة في هذه الصور ونحوها؛ لأنَّه وجب عليه الإمساك في شهر رمضان فهو صوم فاسد فأشبه الإحرام الفاسد. وكما أنَّ المحرم بالحج إذا أفسد إحرامه لزمه المضي فيه بالإمساك عن محظوراته فإذا أتى شيئًا منها كان عليه ما عليه من الإحرام الصحيح وكذلك من وجب عليه صوم شهر رمضان إذا وجب عليه الإمساك فيه وصومه فاسد لأكل أو جماع أو عدم نية فقد لزمه الإمساك عن محظورات الصيام. فإذا تناول شيئًا منها كان عليه ما عليه في الصوم الصحيح. وفي
[ ٦ / ٣٧٩ ]
كلام الموضعين عليه القضاء. وذلك لأنَّ هتك حرمة الشهر حاصلة في الموضعين؛ بل هي في هذا الموضع أشد؛ لأنَّه عاص بفطره أولًا فصار عاصيًا مرتين فكانت الكفارة عليه أوكد، ولأنَّه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة إلى إلَّا يكفر أحد فإنَّه لا يشاء أحد أن يجامع في رمضان إلَّا أمكنه أن يأكل ثم يجامع بل ذلك أعون له على مقصوده فيكون قبل الغداء عليه كفارة وإذا تغدى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه وهذا شنيع في الشريعة لا ترد بمثله. فإنَّه قد استقر في العقول والأديان أنَّه كلما عظم الذنب كانت العقوبة أبلغ وكلما قوي الشبه قويت والكفارة فيها شوب العبادة وشوب العقوبة وشرعت زاجرة وماحية فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب. ثم الفطر بالأكل لم يكن سببًا مستقلًا موجبًا للكفارة. كما يقوله أبو حنيفة ومالك فلا أقل أن يكون معينًا للسبب المستقل بل يكون مانعًا من حكمه وهذا بعيد عن أصول الشريعة. ثم المجامع كثيرًا ما يفطر قبل الإيلاج فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا القول وهذا ظاهر البطلان والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٤٧):
«وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدى أو شرب الخمر أولًا ثم جامع قالوا: لا تجب عليه الكفارة وهذا ليس بصحيح فإنَّ إضمامه إلى إثم الجماع إثم الأكل والشرب لا يناسب التخفيف عنه بل يناسب تغليظ الكفارة عليه ولو كان هذا يسقط الكفارة لم تجب كفارة على واطئ اهتدى لجرعة ماء أو ابتلاع لبابة أو أكل زبيبة فسبحان الله هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلًا للوطء أفترى بالأكل
[ ٦ / ٣٨٠ ]
والشرب قبله صار الزمان محلًا للوطء فانقلبت كراهة الشارع له محبة ومنعه إذنًا هذا من المحال» اهـ.
قُلْتُ: من أفطر متعمدًا في نهار رمضان بأكل أو غيره فإنَّه يأثم بذلك ولا يحل له الجماع بعد ذلك ولا غير ذلك من المفطرات بل الحرمة ما زالت قائمة لذلك اليوم والإمساك عليه واجب سائر ذلك اليوم وإن كان لا صيام له شرعًا، وشأنَّ الصائم الذي أفسد صومه في ذلك شأن المحرم الذي أفسد نسكه؛ فإنَّ المحرم الذي أفسد نسكه يلزمه إتمامه مع فساده لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ويلزمه إن ترك واجبًا في الحج أو وقع في بعض محظورات الإحرام أن يأتي بالكفارة مع فساد حجه، والذي قال للحجاج والمعتمرين: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، هو القائل للصائمين: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا كان الأمر بالإتمام في الحج والعمرة يقتضي المضي في فاسدهما، فهكذا الأمر بإتمام الصيام إلى الليل يقتضي ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣١٠ - ٣١١): «ولأنَّ الكفارة إنَّما وجبت لما انتهك من حرمة الزمان بالجماع فيه.
ومن أكل ثم جامع، أو جامع ثانية بعد أولى؛ فهو أشد انتهاكًا للحرمة، وأعظم في الاجتراء على الله، وربما اتخذ هذا حيلة إلى إسقاط الكفارة بالجماع، ولأنَّها عبادة يجب إتمام فاسدها، فوجبت الكفارة فيه؛ كالحج الفاسد.
[ ٦ / ٣٨١ ]
وهذا لأنَّ الله سبحانه قال في الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَقَالَ الله تعالى في الصوم: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وزمان الحج يتعين ابتداؤه بفعل المكلف، وزمان رمضان يتعين ابتداؤه وانتهاؤه بالشرع، وكلاهما لا يخرج منه بالإفساد؛ بحيث لو أراد في الحج أن يصير بالوطء حلالًا يباح له المحظورات؛ لم يكن له ذلك، ولو أراد بالإفطار في رمضان أن يباح له الإفطار في سائر النهار؛ لم يبح له» اهـ.
٨ - وفيه جواز صرف الرجل كفارته لأهل بيته إن كان فقيرًا وعجز عن إخراجها، وكان التكفير عنه من غيره. وقد ذهب إلى ذلك الْإِمَام أحمد ورجحه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ حيث قال في [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٣٦):
«واحتج من أسقطها بأنَّها لو وجبت مع العجز، لما صرفت إليه، فإنَّ الرجل لا يكون مصرفًا لكفارته، كما لا يكون مصرفًا لزكاته، وأرباب القول الأول يقولون: إذا عجز عنها، وكفر الغير عنه، جاز أن يصرفها إليه، كما صرف النبي ﷺ كفارة من جامع في رمضان إليه وإلى أهله، وكما أباح لسلمة بن صخر أن يأكل هو وأهله من كفارته التي أخرجها عنه من صدقة قومه، وهذا مذهب أحمد رواية واحدة عنه في كفارة من وطئ أهله في رمضان، وعنه في سائر الكفارات روايتان.
والسنة تدل على أنَّه إذا أعسر بالكفارة، وكفر عنه غيره، جاز صرف كفارته إليه، وإلى أهله.
[ ٦ / ٣٨٢ ]
فإن قيل: فهل يجوز له إذا كان فقيرًا له عيال وعليه زكاة يحتاج إليها أن يصرفها إلى نفسه وعياله؟
قيل: لا يجوز ذلك لعدم الإخراج المستحق عليه، ولكن للإمام أو الساعي أن يدفع زكاته إليه بعد قبضها منه في أصح الروايتين عن أحمد، فإن قيل: فهل له أن يسقطها عنه؟ قيل: لا، نص عليه، والفرق بينهما واضح» اهـ.
٩ - وصف المرأة والأهل في هذا الموضع من الأوصاف الطردية الذي لا يتعلق عليه حكم من الأحكام، فإنَّه إن زنا بامرأة أجنبيه، أو أولج في دبر رجل أو امرأة أو بهيمة فهو أولى بوجوب الكفارة عليه؛ فإنَّها إن وجبت بالجماع الذي هو في أصله حلال فلأن تجب فيما لا يحل بحال من باب أولى، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة فإنَّ لا يرى الكفارة فيمن أولج في بهيمة أو ميته.
فقد قَالَ الْكَسَّائِي ﵀ في [بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ] (٢/ ٩٤):
«وَلَوْ جَامَعَ بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ الْجِمَاعُ صُورَةً وَمَعْنًى وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْقُصُورِ لِسَعَةِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ جَامَعَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ» اهـ.
قَالَ الْسَّرْخَسِي ﵀ في [الْمَبْسُوطِ] (٣/ ٧٩):
«فَإِنْ جَامَعَ بَهِيمَةً، أَوْ مَيْتَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ عِنْدَنَا خِلَافًا للِشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ السَّبَبَ عِنْدَهُ الْجِمَاعُ الْمُعْدِمُ لِلصَّوْمِ وَقَدْ وُجِدَ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْجِنَايَةُ لَا تَتَكَامَلُ إلَّا بِاقْتِضَاءِ شَهْوَةِ الْمَحَلِّ، وَهَذَا الْمَحَلُّ غَيْرُ مُشْتَهًى
[ ٦ / ٣٨٣ ]
عِنْدَ الْعُقَلَاءِ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الشَّبَقِ، أَوْ لِفَرْطِ السَّفَهِ، وَهُوَ كَمَنْ يَتَكَلَّفُ لِقَضَاءِ شَهْوَتِهِ بِيَدِهِ لَا تَتِمُّ جِنَايَتُهُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ» اهـ.
١٠ - أنَّ الرقبة جاءت في الحديث مطلقة ولم تقيد بالإيمان فأجازت الحنفية تحرير الرقبة الكافرة، وأجاز أحمد في رواية عتق الذمية، ومنع من ذلك الجمهور، وقيدوا مطلق الرقبة في هذا الحديث بكفارة القتل حيث قيَّد الله ﷿ فيها الرقبة بالإيمان، فقال الله ﷿: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ومثل ذلك ما رواه مسلم (٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ وفيه أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال له في شأن جاريته التي صكها: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
قُلْتُ: ويشترط في الرقبة عند جمهور العلماء أنَّ تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل إضرارًا بينًا.
وأمَّا الجنين والصغير، فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْكَافِي] (٣/ ١٧٠): «ولا يجزئ عتق الجنين لأنَّه لم يثبت له أحكام الرقاب فإن أعتق صبيًا فقال الخرقي: لا يجزئه حتى يصلي ويصوم لأنَّ الإيمان قول وعمل ولأنَّه لا يصح منه عبادة لفقد التكليف فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون. وَقَالَ القاضي: لا يجزئ من له دون السبع في ظاهر كلام أحمد وَقَالَ في موضع آخر: يجزئ عتق الصغير في جميع الكفارات إلَّا كفارة القتل فإنَّها على روايتين، وَقَالَ أبو بكر وغيره: يجزئ الطفل في جميع الكفارات لأنَّه ترجى منافعه وتصرفه فأجزأ كالمريض المرجو ولا يجزئ عتق مغصوب لأنَّه ممنوع من التصرف في نفسه فأشبه الزمن» اهـ.
[ ٦ / ٣٨٤ ]
وَقَالَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (١٣/ ٢٦٧ - ٢٧٠):
«مسألة؛ قال: "وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة، قد صلت وصامت؛ لأنَّ الإيمان قول وعمل، وتكون سليمة، ليس فيها نقص يضر بالعمل". وجملته أنَّ إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة، بغير خلاف؛ لنص الله تعالى عليه، بقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف؛ أحدها: أن تكون مؤمنة. في ظاهر المذهب. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ الذمية تجزئ. وهو قول عطاء، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهذا مطلق، فتدخل فيه الكافرة.
ولنا، أنَّه تحرير في كفارة، فلا يجزئ فيه الكافرة، ككفارة القتل، والجامع بينهما، أنَّ الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه، وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده، ومعونة المسلم، فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة، تحصيلًا لهذه المصالح، والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها، فيعلل بها، ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة، فيختص بالمؤمنة، لاختصاصها بهذه الحكمة.
وأمَّا المطلق الذي احتجوا به، فإنَّه يحمل على المقيد في كفارة القتل، كما حمل مطلق قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. على المقيد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
وإن لم يحمل عليه من جهة اللغة، حمل عليه من جهة القياس.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
الثاني: أن تكون قد صلت وصامت. وهذا قول الشعبي، ومالك، وإسحاق.
قال القاضي: لا يجزئ من له دون السبع؛ لأنَّه لا تصح منه العبادات، في ظاهر كلام أحمد.
وظاهر كلام الخرقي، المعتبر الفعل دون السن، فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام، ويتحقق منه الإتيان به بنيته وأركانه، فإنَّه يجزئ في الكفارة وإن كان صغيرًا ولم يوجدا منه، لم يجزئ في الكفارة وإن كان كبيرًا.
وَقَالَ أبو بكر، وغيره من أصحابنا: يجوز إعتاق الطفل في الكفارة.
وهو قول الحسن، وعطاء، والزهري، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنَّ المراد بالإيمان هاهنا الإسلام؛ بدليل إعتاق الفاسق.
قال الثوري المسلمون كلهم مؤمنون عندنا في الأحكام، ولا ندري ما هم عند الله.
ولهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾.
والصبي محكوم بإسلامه، يرثه المسلمون ويرثهم، ويدفن في مقابر المسلمين، ويغسل ويصلى عليه، وإن سبي منفردًا عن أبويه أجزأه عتقه؛ لأنَّه محكوم بإسلامه، وكذلك إن سبي مع أحد أبويه، ولو كان أحد أبوي الطفل مسلمًا، والآخر كافرًا، أجزأ إعتاقه؛ لأنَّه محكوم بإسلامه.
وَقَالَ القاضي، في موضع: يجزئ إعتاق الصغير في جميع الكفارات، إلَّا كفارة القتل؛ فإنَّها على روايتين.
[ ٦ / ٣٨٦ ]
وَقَالَ إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة، فلا يجزئ إلَّا ما صام وصلى، وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة، فالصبي يجزئ. ونحو هذا قول الحسن.
ووجه قول الخرقي، أنَّ الواجب رقبة مؤمنة، والإيمان قول وعمل، فما لم تحصل الصلاة والصيام، لم يحصل العمل.
وَقَالَ مجاهد، وعطاء، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قال: قد صلت. ونحو هذا قول الحسن، وإبراهيم.
وَقَالَ مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة، فإذا تقلب ظهرًا لبطن فهو رقبة، فإذا صلى فهو مؤمنة.
ولأنَّ الطفل لا تصح منه عبادة؛ لفقد التكليف، فلم يجزئ في الكفارة، كالمجنون، ولأنَّ الصبا نقص يستحق به النفقة على القريب، أشبه الزمانة.
والقول الآخر أقرب إلى الصحة، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الإيمان الإسلام، وهو حاصل في حق الصغير ويدل على هذا أنَّ معاوية بن الحكم السلمي، أتى النبي ﷺ بجارية، فقال لها: "أين الله"؟ قالت: في السماء قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة". رواه مسلم.
وفي حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله: إنَّ علي رقبة.
فقال لها رسول الله ﷺ: "أين الله"؟ فأشارت برأسها إلى السماء. قال: "من أنا"؟.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء. أي: أنت رسول الله. قال: "أعتقها".
فحكم لها بالإيمان بهذا القول.
فصل: ولا يجزئ إعتاق الجنين. في قول أكثر أهل العلم. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وَقَالَ أبو ثور: يجزئ؛ لأنَّه آدمي مملوك، فصح إعتاقه عن الرقبة، كالمولود.
ولنا، أنَّه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد؛ فإنَّه لا يملك إلَّا بالإرث والوصية، ولا يشترط لهما كونه آدميًا؛ لكونه ثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة، وليس بآدمي في تلك الحال.
الثالث" أن لا يكون بها نقص يضر بالعمل. وقد شرحنا ذلك في الظهار.
ويجزئ الصبي وإن كان عاجزا عن العمل؛ لأنَّ ذلك ماض إلى زوال، وصاحبه سائر إلى الكمال.
ولا يجزئ المجنون؛ لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة، فأشبه الزمن» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم إجزاء الجنين في العتق لأنَّه لا يعتبر آدميًا ولا تجري عليه أكثر الأحكام قبل خروجه، وأمَّا الصبي فيترجح عندي إجزاء عتقه، وليس لمن منع من ذلك حجة قوية. والله أعلم.
١١ - وفيه أنَّ الكفارة بالصيام يشترط فيها التتابع وهو مذهب الجمهور خلافًا لابن أبي ليلى. فإذا أفطر لغير عذر استأنف الصيام من أوله، وأمَّا إن قطعه لعذر فيبني على ما مضي ويتم ما بقي عليه عند زوال العذر متتابعًا.
[ ٦ / ٣٨٨ ]
وقد اختلف العلماء في كثير من الأعذار هل تقطع التتابع أو لا، والذي يظهر لي أنَّ الأعذار المبيحة للفطر في رمضان لا تقطع التتابع إذ ليس صيام الكفارة بأوكد من صيام الفريضة. والله أعلم.
١٢ - وفيه أنَّ الكفارة في الإطعام لا تجزئ إلَّا بإطعام ستين مسكينًا فلو أطعم عشرة ستة أيام، أو مسكينًا ستين يومًا لا يجزئه وإلى هذا ذهب الجمهور، والمشهور عن الحنفية تجويزهم لذلك.
وأمَّا إذا لم يجد الستين فيجزئه ما وجد ويكرر الكفارة لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
ولما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٤٠) - عند كلامه على كفارة الظهار -:
«ومنها: أنَّه لا بد من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحدًا ستين يومًا لم يجزه إلَّا عن واحد، هذا قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثانية: أنَّ الواجب إطعام ستين مسكينًا، ولو لواحد وهو مذهب أبي حنيفة. والثالثة: إن وجد غيره لم يجز، وإلَّا أجزأه، وهو ظاهر مذهبه، وهى أصح الأقوال» اهـ.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
١٣ - ولا يشترط في الإطعام وضع المطعوم في الفم بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف في ذلك بين العلماء.
١٤ - وفي ذكر الإطعام ما يدل على إخراج الطفل الذي لا يطعم.
١٥ - لم يحد النبي ﷺ في كفارة الجماع مقدارًا معينًا فيجزأه أن يطعمهم من أوسط ما يطعم أهله وإن لم يملكهم إياها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٩٤):
«وصح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال لمن وطئ في نهار رمضان: "أطعم ستين مسكينًا". وكذلك قال للمظاهر، ولم يحد ذلك بمد ولا رطل.
فالذي دل عليه القران والسنة، أنَّ الواجب في الكفارات والنفقات هو الإطعام لا التمليك، وهذا هو الثابت عن الصحابة ﵃» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -عند كلامه على كفارة اليمين- كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٥٠): «والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول؛ ولهذا كانوا يقولون الْأَوْسَط خبز ولبن خبز وسمن خبز وتمر. والأعلى خبز ولحم. وقد بسطنا الآثار عنهم في غير هذا الموضع وبينا أنَّ هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وهو قياس مذهب أحمد وأصوله فإنَّ أصله أنَّ ما لم يقدره الشارع فإنَّه يرجع فيه إلى العرف وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فإنَّ أحمد لا يقدر طعام المرأة والولد ولا المملوك؛ ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه ولا يقدر الضيافة الواجبة عنده قولًا واحدًا ولا يقدر
[ ٦ / ٣٩٠ ]
الضيافة المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه: هذا مع أنَّ هذه واجبة بالشرط فكيف يقدر طعامًا واجبًا بالشرع؟ بل ولا يقدر الجزية في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج؛ ولا يقدر أيضًا الأطعمة الواجبة مطلقًا سواء وجبت بشرع أو شرط ولا غير الأطعمة مما وجبت مطلقًا. فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء التحديد لكفارة الجماع في نهار رمضان في بعض الأحاديث منها:
ما رواه أبو داود (٢٣٩٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: «فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا».
قُلْتُ: هذه الزيادة منكرة لا تثبت في حديث عائشة، والوهم فيها من عبد الرحمن بن الحارث وهو ضعيف الحديث، وقد خالفه في عدم ذكرها عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وحديثه أخرجه البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢)، وابن إسحاق عند أحمد (٢٦٤٠٢).
قُلْتُ: وجاءت هذه الزيادة في حديث أبي هريرة فيما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٤٢)، و[الْأَوْسَطِ] (١٧٨٧)، وأبو يعلى (٦٣٦٨)، والْدَارَقُطْنِي في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٢٤٦ - ٢٤٧) مِنْ طَرِيْقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أَفْطَرْتُ يَوْمًا مِنْ
[ ٦ / ٣٩١ ]
رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، وَوَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِيهِ. فَقَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً». قَالَ: لَا أَجِدُ. قَالَ: «أَهْدِ بَدَنَةً». قَالَ: لَا أَجِدُ. فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ، أَوْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ» قَالَ: لَا أَجِدُ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ، فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». فَقَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا. قَالَ: «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ وليث لا يعتمد عليه وقد خالفه الْإِمَام مالك وابن جريج، ومعمر في بعض ألفاظه.
فرواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٥٨) عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ، وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا ذَاكَ؟» فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟» فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً»، قَالَ: لَا. قَالَ: «فَاجْلِسْ». فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقِ تَمْرٍ. فَقَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي، فَقَالَ: «كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْتَ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ عَطَاءٌ فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ: كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنَ التَّمْرِ؟ فَقَالَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِلَى عِشْرِينَ.
وأمَّا حديث ابن جريج فرواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٥٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَضْرِبُ صَدْرَهُ، وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: أَصَبْتُ فِي شَهْرِ
[ ٦ / ٣٩٢ ]
رَمَضَانَ قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا قَالَ: «فَأَهْدِ» قَالَ: تُرِيدُ الْجُزُورَ؟ قَالَ: «مَا هُوَ إِلَّا هِيَ» قَالَ: وَلَا أَجِدُهُ قَالَ: «فَاجْلِسْ» قَالَ: فَجَلَسَ فَجَاءَ رَجُلٌ بِمِكْتَلٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: «تَصَدَّقْ بِهَا»، فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ: «عَلَيْكَ، وَعَلَى أَهْلِكَ».
وأمَّا حديث معمر فرواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٥٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْأَخِرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً» قَالَ: لَا قَالَ: «فَأَهْدِ بَدَنَةً» قَالَ: وَلَا أَجِدُ قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ»، فَقَالَ: «عَلَيْكَ، وَعَلَى أَهْلِكَ»، أَوْ قَالَ: عِشْرُونَ صَاعًا.
قُلْتُ: قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٦٧):
«وليث ضعيف وقد اضطرب في روايته سندًا ومتنًا فلا حجة فيه» اهـ.
قُلْتُ: وقد وهَّم ابنُ المسيب عطاءً فيما رواه البخاري في [الْأَوْسَطِ] (٥٦٧)، و[الصَّغِيْرِ] (٢/ ٣٦)، و[الْضُعَفَاءِ] (١/ ١٠٨)، وأبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٩٩)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (١/ ٥٠)، والعقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٤٠٧)، والْدَارَقُطْنِي في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٢٤٧) مِنْ طَرِيْقِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنْكُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: مَا هُوَ، قُلْتُ: فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوَ هَدْيٌ، قَالَ: كَذَبَ عَطَاءٌ إِنَّمَا
[ ٦ / ٣٩٣ ]
ذَلِكَ فُلَانٌ - وَأَشَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ - وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «اجْلِسْ»، قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا أَوْ نَحْوٌ مِنْهَا، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» قَالَ: إِسْمَاعِيلُ: فَأَحْسِبُ خَالِدًا قَالَ: مَا لِأَهْلِي مِنْ طَعَامٍ، قَالَ: «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
قُلْتُ: القاسم بن عاصم أخرج له البخاري، ومسلم، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو ثقة من الثقات إن شاء الله. لا سيما وقد تابعه عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ومحمد بن عتيق عند البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْر] (٨٦٩)، العقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٣/ ٤٠٧)، والْدَارَقُطْنِي في [الْعِلَلِ] (١٠/ ٢٤٦) غير أنَّه ذكر سعيد بن يزيد، ولم يذكر عونًا، وأحمد في [الْعِلَلِ] (٥٤٥٤) مِنْ طَرِيْقِ قتادة أن محمد بن عبيد وسعيد بن يزيد به هكذا قال محمد بن عبيد، وحبيب بن أبي ثابت عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦٠).
قُلْتُ: وبهذا يتبيَّن أنَّ الصحيح في مرسل سعيد بن المسيب عدم ذكر إهداء البدنة، وهكذا قوله: «تصدق بعشرين صاعًا من تمر أو تسعة عشر أو أحد وعشرين». وهكذا أمر المجامع بالقضاء كل ذلك لا يثبت.
وروى أبو داود (٢٣٩٣) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ فِيهِ: «كُلْهُ أَنْتَ، وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ».
قُلْتُ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ ﵀ في [الْكَامِلِ] (٧/ ١٠٩ - ١١٠):
[ ٦ / ٣٩٤ ]
«وهشام بن سعد يقول عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس وغيره يقول عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ومنهم من أرسله ثنا عبد الصمد بن عبد الله الدمشقي ثنا دحيم ثنا بن أبي فديك حدثني هشام بن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جاء رجل إلى النبي ﷺ وقد أفطر في رمضان فقال له النبي ﷺ: "اعتق رقبة". الحديث.
وَقَالَ أبو كريب عن وكيع عن هشام بن سعد عن أنس والروايتان جميعًا خطأ؛ فأمَّا رواية بن أبي فديك عن هشام عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبى هريرة رواه الثقات عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ورواية أبي كريب عن وكيع عن هشام عن الزهري عن أنس، وعن أنس لا أصل له وخالف هشام بن سعد فيه الناس ولهشام غير ما ذكرت ومع ضعفه يكتب حديثه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١٧٤ - ١٧٥): «وهشام بن سعد لين ضعيف سيما في ابن شهاب» اهـ.
وروى أحمد (٦٩٤٤) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَنْتِفُ شَعَرَهُ، وَيَدْعُو وَيْلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ: «خُذْ
[ ٦ / ٣٩٥ ]
هَذَا فَأَطْعِمْهُ عَنْكَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، قَالَ: «كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ».
قُلْتُ: الحجاج بن أرطأة ضعيف الحديث ولم يسمع من الزهري.
وقد تابع حجاجًا محمد بن أبي حفصة عند أحمد (١٠٦٩٩).
وتابعهما منصور بن المعتمر عند ابن خزيمة (١٩٥١)، والْدَارَقُطْنِي (٢٤٠٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٣١)، و[الْصُغْرَى] (١٠٤٤)، وأبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٢٩٣) لكن في السند إليه مؤمل بن إسماعيل وهو سيء الحفظ، ومهران بن أبي عمر وفيه لين والصحيح عن منصور خلاف ذلك كما سيأتي، والأوزاعي عند ابن حبان (٣٥٢٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٣٧، ٩٦٧٨)، وابن عبد البر في [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١٧٣).
وقد اختلف فيه على الأوزاعي فرواه عنه الوليد بن مسلم، وهقل بن زياد، ومسرور بن صدقة، وأيوب بن سويد الرملي كما سبق وخالفهم عبد الله بن المبارك، ومبشر بن إسماعيل، وبشر بن بكر، محمد بن كثير بن أبي عطاء ولم يذكروا مقدار العرق وحديثهم أصح.
قُلْتُ: وقد روى الحديث جماعة عن الزهري ولم يذكروا هذه اللفظة منهم:
مالك بن أنس وحديثه في [الْمُوَطَّأِ] (٦٥٧)، ومسلم (١١١١).
وشعيب بن أبي حمزة وحديثه في البخاري (١٩٣٦).
ومنصور بن المعتمر وحديثه في البخاري (١٩٣٧)، ومسلم (١١١١) من رواية جرير بن عبد الحميد عنه، وجاء عند ابن عبد البر في [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١٦٦)
[ ٦ / ٣٩٦ ]
من رواية زائدة بن قدامة عنه، وجاء عند ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٣٥٠) من رواية إبراهيم بن طهمان عنه. وهذا هو الصحيح في حديث منصور.
ومعمر بن راشد وحديثه في البخاري (٢٦٠٠، ٦٧١٠)، ومسلم (١١١١).
وإبراهيم بن سعد وحديثه في البخاري (٥٣٦٨، ٦٠٨٧).
والأوزاعي وحديثه في البخاري (٦١٦٤) من رواية ابن المبارك عنه، وعند أبي يعلى (٦٣٩٣) من رواية مبشر بن إسماعيل عنه، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٣٢٠٦) من رواية بشر بن بكر عنه، وابن البختري كما في [مَجْمُوعِ مُصَنَّفَاتِهِ] (٥١٤) من رواية محمد بن كثير بن أبي عطاء عنه.
وسفيان بن عيينة وحديثه في البخاري (٦٧٠٩، ٦٧١١)، ومسلم (١١١١).
والليث بن سعد وحديثه في البخاري (٦٨٢١)، ومسلم (١١١١).
وعبد الملك بن جريج وحديثه في مسلم (١١١١).
ويونس بن يزيد الأيلي وحديثه عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٣٨).
ويحيى بن سعيد الأنصاري وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١١٤).
وعراك بن مالك وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١١٩)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٢٥)، وأبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٢٩٤)، والخطيب في [الْفَقِيْهِ والْمُتَفَقِّهِ] (٢٩٩).
وعقيل بن خالد وحديثه عند ابن خزيمة (١٩٤٩)
ومحمد بن إسحاق وحديثه عند البزار (٨٠٧٣).
وعبيد الله بن عمر وحديثه عند الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٢٢٤٦).
[ ٦ / ٣٩٧ ]
عبد الرحمن بن خالد بن مسافر وحديثه عند الطحاوي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٣١٩٩).
قُلْتُ: فرواية هؤلاء وغيرهم هي المحفوظة.
وروى ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٩٥١) دَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثنا مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الرَّازِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَامِرٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمَنْصُورٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ: فَأُتِيَ بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، أَوْ عِشْرِينَ صَاعًا، إِلَّا أَنَّهُ غَلَطَ فِي الْإِسْنَادِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَفِي خَبَرِ حَجَّاجٍ أَيْضًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَجِيءَ بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، إِلَّا أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرَةَ يَحْكِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي ظَبْيَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: قَالَ الْحَجَّاجُ: صِفْ لِيَ الزُّهْرِيَّ - لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ -.
قُلْتُ: المحفوظ في حديث الزهري ما سبق ذكره من حديث الجماعة عنه عن حميد بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وجاء التقدير أيضًا في حديث علي بن أبي طالب ﵁.
فروى الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٣٩٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَا: ثنا الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَينِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، فَقَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَالَ: أَتَيْتُ أَهْلِي فِي
[ ٦ / ٣٩٨ ]
رَمَضَانَ، قَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لَا أُطِيقُ الصِّيَامَ، قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَدًّا»، قَالَ: مَا أَجِدُ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، قَالَ: «أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ: «فَانْطَلِقْ فَكُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ لَا يَثْبُتُ فيه المنذر بن محمد له ترجمة في "الميزان"، و"اللسان". وقد اختلفت أقوال الْدَارَقُطْنِي فيه، وأشد ما قال فيه: متروك. وأبوه لم أقف له على جرح ولا تعديل، ومحمد بن الحسين لم أقف له على ترجمة.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّه لا يثبت تقدير الصيعان في حديث المجامع. والله أعلم.
وقد تنازع العلماء في قدر ما يطعم كل مسكين، فذهب أحمد إلى أنَّ لكل مسكين مد بر، وذلك خمسة عشر صاعًا أو نصف صاع من تمر، أو شعير، فيكون الجميع ثلاثين صاعًا.
وَقَالَ أبو حنيفة من البر لكل مسكين نصف صاع، ومن غيره صاع.
وذهب عطاء، والأوزاعي، والشافعي إلى أنَّ لكل مسكين مدًا من الطعام.
١٦ - واحتج به من ذهب إلى إسقاط الكفارة عن المرأة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٧٠):
«واستدل بإفراده بذلك على أنَّ الكفارة عليه وحده دون الموطوءة وكذا قوله في المراجعة: "هل تستطيع"، و"هل تجد"، وغير ذلك وهو الأصح من قولي
[ ٦ / ٣٩٩ ]
الشافعية وبه قال الأوزاعي وَقَالَ الجمهور وأبو ثور وبن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضًا على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والْأُمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها واستدل الشافعية بسكوته ﵊ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنَّها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف وبأنَّها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار. ثم إنَّ بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين. ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفة من كلام زوجها بأنَّها لا قدرة لها على شيء.
وَقَالَ الْقُرْطُبِي: اختلفوا في الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط أو عليه وعليها أو عليه كفارتان عنه وعنها أو عليه عن نفسه وعليها عنها وليس في الحديث ما يدل على شيء من ذلك لأنَّه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر مع احتمال أن يكون سبب السكوت أنَّها كانت غير صائمة» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة مذهب الجمهور من إيجاب الكفارة على المرأة كوجوبها على الرجل لوجوه:
الوجه الأول: أنَّ المرأة هتكت حرمة شهر رمضان بالجماع، فوجبت الكفارة عليها كالرجل.
الوجه الثاني: أنَّ التنصيص في الحكم لبعض المكلفين يشمل سائر المكلفين ممن حصل منه نظير ذلك الفعل.
[ ٦ / ٤٠٠ ]
الوجه الثالث: أنَّ سائر الأحكام المتعلقة بالجماع تشمل الرجل والمرأة كالغسل، والإفطار، والإحصان، والحد، وغير ذلك، وهذا الحكم نظير غيره من الأحكام.
وكون النبي ﷺ لم يذكر حكم المرأة في هذه القضية لا يعني عدم وجوب الكفارة عليها وإنَّما ذلك لأنَّها لم تسأل، ولم يسأل عن ذلك زوجها؛ ولأنَّ الحكم لا يختلف فيهما فلا حاجة للتنصيص عليهما، وكثير من أحكام الشريعة جاءت للرجال ودخلت النساء فيها وهذا نظيرها. والله أعلم.
١٧ - وفيه أنَّ كفارة الجماع تصرف للفقراء.
١٨ - وفيه جواز الضحك مما يضحك منه مما ليس فيه أذية لمن ضحك من حاله.
١٩ - واحتج به من قال: إنَّ الكفارة تسقط بالإعسار لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يخبره ببقائها عليه، وهذا مبني على أنَّ الطعام الذي أعطاه النبي ﷺ لم يكن من الكفارة، وهذا أحد القولين للشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد وهي الأشهر، والجمهور على بقائها في الذمة وهو الصحيح.
٢٠ - واحتج به من قال: إنَّ المجامع ليس عليه قضاء ذلك اليوم لعدم أمر النبي ﷺ له بذلك وهو محكي في مذهب الشافعي وعن الأوزاعي يقضي إن كفر بغير الصوم وهو وجه للشافعية أيضًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤٤٨):
[ ٦ / ٤٠١ ]
«وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه: فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله، يجب عليه القضاء، وللشافعي قول آخر: أنَّه لا يجب عليه القضاء إذا كفر، وله قول ثالث: أنَّه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه، وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى، وهذا قول الأوزاعي» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء الأمر بالقضاء فيما رواه أبو داود (٢٣٩٣) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ فِيهِ: «كُلْهُ أَنْتَ، وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ».
قُلْتُ: سبق أن بيَّنت فيما مضى أنَّ هذا الحديث لا يثبت ونقلت كلام الحافظ ابن عدي وابن عبد البر فيه، وخلاصة القول أنَّ هشام بن سعد فيه ضعف وهو مع ضعفه فقد خالف ثقات أصحاب الزهري سندًا ومتنًا، أمَّا السند فإنَّه معروف مِنْ طَرِيْقِ الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأمَّا المتن فخالفهم بزيادة القضاء، وتقدير الكفارة.
قُلْتُ: وقد تابعه أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس عند الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٣٩٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٨٤٥) وأبو أويس هذا فيه ضعف لا سيما عن الزهري وحديثه ها هنا عن الزهري.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٢٢٥):
[ ٦ / ٤٠٢ ]
«وسئل أبو زرعة عن حديث أبي أويس، عن الزهري يعني عن حميد بن عبد الرحمن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، في رجل أفطر يومًا من رمضان، قال: "عليه يوم مكانه".
قال: ليس هذا بصحيح، لم يقل هذا الحرف واحد؛ يعني: من الثقات» اهـ.
وذكر الْدَارَقُطْنِي متابعًا ثالثًا وهو عبد الجبار بن عمر وهو شديد الضعف لا يستشهد به وقد روى حديثه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥١٩). وأضاف الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥١٨) الليث بن سعد، من رواية إبراهيم بن سعد عنه والمحفوظ في حديثه عدم ذكر هذه اللفظة وحديثه في البخاري (٦٨٢١)، ومسلم (١١١١) من رواية قتيبة بن سعيد عنه، وفي مسلم (١١١١) من رواية يحيى بن يحيى بن بكر التميمي، ومحمد بن رمح، ويحيى بن بكير، وأحمد بن يونس، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك الباهلي عند أبي نعيم في [الْمَسْتَخْرَجِ] (٢٥١٢)، وأشهب بن عبد العزيز القيسي عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١١٥)، وعبد الله بن صالح كاتب الليث عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٣١٩٩) ولم يذكروا في حديثهم هذه الزيادة وهذا هو المحفوظ في حديث الليث.
قُلْتُ: ولم يذكر هذه الزيادة إبراهيم بن سعد نفسه في روايته عن الزهري من غير واسطة الليث وحديثه عند البخاري (٥٣٦٨)، والدارمي (١٧١٦)، وأبي نعيم في [الْمَسْتَخْرَجِ] (٢٢٩٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥١٧).
[ ٦ / ٤٠٣ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَوَانَةَ ﵀ في [مُسْنَدِه] (٢/ ٢٠٦):
«روى هذا الحديث سفيان ومعمر والأوزاعي وصالح ابن أبي الأخضر ومنصور وعبد الجبار والليث ومحمد بن أبي حفصة وإبراهيم وعقيل كلهم شبيهًا بشيء واحد إلَّا أنَّ هشام بن سعد قال عن أبي سلمة وقال: "صم يومًا مكانه". وَقَالَ عبد الجبار عن حميد بمثل ما قالوا وزاد: "وصم يومًا مكانه".
وكذلك قال عمرو بن شعيب: "صم يومًا مكانه". وخالفهم ابن جريج ومالك في اللفظ فقالا: "أعتق وأطعم أو صم"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨): «والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري، فإنَّ أصحابه الأثبات الثقات، كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، وإنما ذكرها الْضُعَفَاءُ عنه، كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما. وَقَالَ الْدَارَقُطْنِي: رواتها ثقات، رواه ابن أبي أويس عن الزهري، وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه، وتابعه أيضًا هشام بن سعد عنه، قال: وكلهم ثقات. وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإنَّ هؤلاء إنَّما هم أربعة، وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عددًا، وهم أربعون نفسًا، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، ولا ريب أنَّ التعليل بدون هذا مؤثر في صحتها. ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق، وخالفهم هذا العدد الكثير، لوجب التوقف فيها، وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا موجبة، بل لا بد من انتفاء العلة والشذوذ، وهما غير منتفيين في هذه اللفظة» اهـ.
[ ٦ / ٤٠٤ ]
وجاء فيما رواه ابن ماجه (١٦٧١) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ».
قُلْتُ: عبد الجبار بن عمر شديد الضعف لا يستشهد بحديثه.
وجاءت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
فروى أحمد (٦٩٤٥) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، بِمِثْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَادَ: بَدَنَةً، وَقَالَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: «وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ».
قُلْتُ: الحجاج ضعيف ومدلس، والصحيح في هذا الحديث الإرسال كما رواه مسدد في "مُسْنَدِه" كما في [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ] (٦/ ٨٠/ ١٠٣٤) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَا إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ ﷺ: «وَمَا أَهْلَكَكَ». قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِحِمَارٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ فَأَمَرَ لَهُ بِبَعْضِهِ فَقَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لابيتها أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي قَالَ فَضَحِكَ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَيَوْمٌ مَكَانَ يَوْمٍ واستغفر الله تعالى». قَالَ: فَلَا أَدْرِي فِي حَدِيثِهِمَا أَوْ حَدِيثِ أَحَدِهِمَا يَوْمٌ مَكَانَ يَوْمٍ واستغفر الله تعالى.
وجاءت في مرسل سعيد بن المسيب.
[ ٦ / ٤٠٥ ]
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٦٧، ١٢٧٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَفْطَرْتُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَصَدَّقْ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ».
قُلْتُ: المطلب هو ابن السائب لم يوثقه معتبر، وقد خالف سائر من روى الحديث عن ابن المسيب كالقاسم بن عاصم، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ومحمد بن عتيق، وحبيب بن أبي ثابت كما سبق بيان ذلك فيما مضى.
قُلْتُ: وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦٦) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، فِي الَّذِي يَقَعُ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً» قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: «فَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ» قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: «فَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ فيه رجل مبهم ثم هو خلاف ما رواه الثقات عن ابن المسيب.
وجاءت في مرسل محمد بن كعب.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦١) عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ حِينَ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف الحديث.
[ ٦ / ٤٠٦ ]
وجاءت في مرسل نافع بن جبير.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٤٦٢) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «تَصَدَّقْ، وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ فيه عنعنة ابن جريج.
قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ الأمر بالقضاء في حديث المجامع لا تطمئن النفس لإثباته بمثل هذه الْمَرَاسِيْلِ المخالفة لحديث أبي هريرة وعائشة الْمُسْنَدين.
وقد قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦): «وأمَّا أمره للمجامع بالقضاء فضعيف ضعفه غير واحد من الحفاظ. وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه ولما لم يأمره به دل على أنَّ القضاء لم يبق مقبولًا منه. وهذا يدل على أنَّه كان متعمدًا للفطر لم يكن ناسيًا ولا جاهلًا» اهـ.
قُلْتُ: فإن قيل قد أمر المستقيء بالقضاء مع أنَّه قد تعمد القيء فكيف لا يؤمر المجامع بالقضاء؟!.
أَقُوْلُ: هذا الحديث رواه أحمد (١٠٤٦٨)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٣١٣٠) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ».
[ ٦ / ٤٠٧ ]
قُلْتُ: وقد وقفه عطاء في روايته عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٣١٣١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «مَنْ قَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُفْطِرْ».
قُلْتُ: وقد أعلَّ الحديث جمع من الحفاظ منهم الْإِمَام البخاري ﵀ فقد قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀ في [جَامِعِهِ] (٣/ ٩٨): «وَقَالَ محمد لا أراه محفوظًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٢٤٥):
«سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلَّا من حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وقال: ما أراه محفوظًا. وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم: أنَّ أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم» اهـ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ﵀ في [سُنَنِه] (٢٣٨٠): «سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء والصحيح في هذا مالك عن نافع عن ابن عمر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [مَسَائِلِهِ] (٢٩٢): «سمعت أحمد سئل: ما أصح فيه - (يعني فيمن ذرعه القيء) - قال: نافع عن ابن عمر. قلت له: حديث هشام عن محمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟
قال: ليس من هذا بشيء، إنَّما هو حديث: "من أكل ناسيًا - (يعني: وهو صائم) -؛ فالله أطعمه وسقاه"» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث رواه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥) مِنْ طَرِيْقِ هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
[ ٦ / ٤٠٨ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».
قُلْتُ: وأراد الْإِمَام أحمد بهذا أنَّ هشام بن حسان دخل عليه حديث في حديث على سبيل الوهم. والله أعلم.
وَقَالَ النسائي ﵀ في [الْكُبْرَى] (٢/ ٢١٥): «وقفه عطاء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٦):
«والحفاظ لا يرونه محفوظًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الصَّلَاةِ وَحُكْمِ تَارِكِهَا] (١٣٤):
«وبتقدير صحة الحديث فلا حجة فيه إذ المراد به المعذور الذي اعتقد أنَّه يجوز له الاستقياء أو المريض الذي احتاج أن يستقيء فاستقاء فإنَّ الاستقياء في العادة لا يكون وإلَّا فلا يقصد العاقل أن يستقيء من غير حاجة فيكون المستقيء متداويًا بالاستقياء كما لو تداوى بشرب دواء وهذا يقبل منه القضاء أو يؤمر به اتفاقًا» اهـ.
قُلْتُ: واختلف الموقوف على أبي هريرة فقال البخاري ﵀ في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٤٢ - مع الفتح):
«وَقَالَ لي يحيى بن صالح، حدثنا معاوية بن سلام، حدثنا يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة، ﵁: "إذا قاء فلا يفطر إنَّما يخرج، ولا يولج"
ويذكر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّه يفطر والأول أصح» اهـ.
[ ٦ / ٤٠٩ ]
٢١ - وفيه جواز الحلف في الخبر لتوكيده.
٢٢ - وفيه جواز الحلف لما يغلب على الظن.
٢٣ - وفيه جواز صرف الكفارة لأهل البيت الواحد لشدة حاجتهم وإن لم يبلغوا الستين.
٢٤ - جواز ذكر الشخص ما وقع فيه من المعصية في مقام الاستفتاء ولا يدخل هذا في المجاهر في المعصية.
٢٥ - وفيه أنَّ الجماع في نهار رمضان من أسباب الهلاك.
٢٦ - واحتج به من قال بوجوب الكفارة لمن جامع في نهار رمضان نسيانًا لأنَّ الْنَّبِيَّ صلى الله عليه والسلام لم يستفصل الرجل هل كان متعمدًا أو ناسيًا، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
قُلْتُ: سبق الجواب على ذلك في شرحنا للحديث السابق.
٢٧ - وفيه أنَّ من جاء مستفتيًا عن ذنب حصل منه أنَّه لا يعزر على ذنبه؛ فإنَّ الاستفتاء دليل التوبة.
* * *
[ ٦ / ٤١٠ ]