١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِالنِّيَّةِ - وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ»
اتَّفقَ العلماء على صحَّة هذا الحديث وتلقِّيهِ بالقَبول، وبه صدر البخاري كتابه "الصَّحيح"، وأقامه مقام الخطبة له، إشارةً منه إلى أنَّ كلَّ عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لا ثمرة له في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولهذا الحديث المكانة العالية عند العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٤٩ - ٢٥١):
«فصل: والمعنى الذي دل عليه هذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين بل هو أصل كل عمل، ولهذا قالوا مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث فذكروه منها، كقول أحمد: حديث "إنَّما الأعمال بالنيات"، و"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، و"الحلال بين والحرام بين" ووجه هذا الحديث أنَّ الدين فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، فحديث الحلال بيِّن فيه بيان ما نهى عنه، والذي أمر الله به نوعان:
أحدهما: العمل الظاهر، وهو ما كان واجبًا، أو مستحبًا.
[ ١ / ٦ ]
والثاني: العمل الباطن وهو إخلاص الدين لله، فقوله: "من عمل عملًا" إلخ، ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب، أو أمر استحباب.
وقوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" إلخ يبين العمل الباطن، وأنّ التقرب إلى الله إنَّما يكون بالإخلاص في الدين لله، كما قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه، وأصوبه قال: فإنَّ العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.
وعلى هذا دل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ فالعمل الصالح: هو ما أمر الله به، ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب، وأن لا يشرك العبد بعبادة ربه أحدًا وهو إخلاص الدين لله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا (١٢٥)﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾، فإنَّ إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله، والإحسان: هو إحسان العمل لله، وهو: فعل ما أمر به فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾، فإنَّ الإساءة في العمل الصالح تتضمن الاستهانة بالأمر به، والاستهانة بنفس العمل والاستهانة
[ ١ / ٧ ]
بما وعده الله من الثواب، فإذا أخلص العبد دينه لله، وأحسن العمل له كان ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، فكان من الذين لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» اهـ.
قلت: قال عبد الرَّحمن بن مهدي: لو صنَّفت الأبواب، لجعلت حديث عمر في الأعمال بالنية في كلِّ باب، وعنه أنَّه قال: من أَراد أن يصنِّف كتابًا، فليبدأ بحديث "الأعمال بالنيات".
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدِّين عليها، فروي عن الشافعي أنَّه قال: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من الفقه.
وقوله في الحديث: "إنَّما الأعمال بالنيات" كلمة "إنَّمَا" للحصر على ما تقرر في الأصول ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمَّا عداه، وهي تارةً تقتضي الحصر المطلق، وهو الأغلب الأكثر وتارةً تقتضي حصرًا مخصوصًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن ونفي قدرته على ما طلبوا من الآيات وأراد بالآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من باب تغليب الغالب على النادر.
واختلف العلماء هل في ذلك إضمار، أو لا؟ على قولين:
الأول: أنَّ فيه إضمارًا خاصًا، وقد تنازع القائلون في الإضمار في هذا الحديث على أقوال، منها: الأعمال صحيحة، أو معتبرة، أو مقبولة بالنيات.
والآخر: أنَّه باق على ظاهره وعمومه.
[ ١ / ٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٥٢ - ٢٥٤): «وقد تنازع الناس في قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" هل فيه إضمار أو تخصيص أو هو على ظاهرة وعمومه فذهب طائفة من المتأخرين إلى الأول قالوا: لأن المراد "بالنيات" الأعمال الشرعية التي تجب أو تستحب والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات، فإنَّ قضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعواري والودائع والديون تبرأ ذمة الدافع وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية بل تبرأ ذمته منها من غير فعل منه كما لو تسلم المستحق عين ماله أو أطارت الريح الثوب المودع أو المغصوب فأوقعته في يد صاحبه ونحو ذلك.
ثم قال بعض هؤلاء تقديره: إنَّما ثواب الأعمال المترتبة عليها بالنيات أو إنَّما تقبل بالنيات، وقال بعضهم تقديره إنَّما الأعمال الشرعية، أو إنَّما صحتها، أو إنَّما إجزاؤها ونحو ذلك.
وقال الجمهور: بل الحديث على ظاهره وعمومه فإنَّه لم يرد بالنيات فيه الأعمال الصالحة وحدها بل أراد النية المحمودة والمذمومة والعمل المحمود والمذموم ولهذا قال في تمامه: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" إلخ فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط والنية المذمومة وهى الهجرة إلى امرأة أو مال وهذا ذكره تفصيلًا بعد إجمال فقال: "إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى" ثم فصل ذلك بقوله: "فمن كانت هجرته" إلخ».
إلى أن قال ﵀: «وإذا كان النبي ذكر هذا السفر وهذا السفر علم أنَّ مقصوده ذكر جنس الأعمال مطلقًا لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة
[ ١ / ٩ ]
والصيام ومقصوده ذكر جنس النية وحينئذ يتبين أنَّ قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم كما قال: "بعثت بجوامع الكلم" وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التي بعث بها فإنَّ كل عمل يعمله عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه، فإن قصد بعمله مقصودًا حسنًا كان له ذلك المقصود الحسن، وإن قصد به مقصودًا سيئًا كان له ما نواه».
قلت: والنية تابعة للعلم والإرادة، فمن علم العمل وأراد فعله فالنية تابعة لذلك ولا بد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٢٠):
«والنية تتبع العلم والاعتقاد إتباعًا ضروريًا إذا كان يعلم ما يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه. فإذا كان يعلم أنَّه يريد أن يصلي الظهر وقد علم أنَّ تلك الصلاة صلاة الظهر امتنع أن يقصد غيرها» اهـ.
قلت: والنية محلها القلب ولا يشرع التلفظ بها لا سرًا ولا جهرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (ج ٢٢/ ٢١٨ - ٢١٩):
«والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين؛ بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدًا أنَّه من الشرع: فهو جاهل ضال يستحق التعزير، وإلاَّ العقوبة على ذلك إذا أصر على ذلك بعد تعريفه والبيان له لا سيما إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته أو كرر ذلك مرة بعد مرة فإنَّه يستحق التعزير البليغ على ذلك ولم يقل أحد من المسلمين إنَّ صلاة الجاهر بالنية أفضل من صلاة الخافت بها سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا.
[ ١ / ١٠ ]
وأمَّا التلفظ بها سرًا فلا يجب أيضًا عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين ولم يقل أحد من الأئمة إنَّ التلفظ بالنية واجب لا في طهارة ولا في صلاة ولا صيام ولا حج. ولا يجب على المصلي أن يقول بلسانه: أصلي الصبح ولا أصلي الظهر ولا العصر ولا إمامًا ولا مأمومًا ولا يقول بلسانه: فرضًا ولا نفلًا ولا غير ذلك؛ بل يكفي في أن تكون نيته في قلبه والله يعلم ما في القلوب» اهـ.
وقال أيضًا ﵀ (٢٢/ ٢٣١ - ٢٣٢):
«بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين. أمَّا في الدين فلأنه بدعة. وأمَّا في العقل فلأنه بمنزلة من يريد أن يأكل طعامًا فيقول: نويت بوضع يدي في هذا الإناء أني أريد أن آخذ منه لقمة فأضعها في فمي فأمضغها ثم أبلعها لأشبع. مثل القائل الذي يقول: نويت أصلي فريضة هذه الصلاة المفروضة علي حاضر الوقت أربع ركعات في جماعة أداء لله تعالى. فهذا كله حمق وجهل وذلك أنَّ النية بلاغ العلم فمتى علم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة فلا يتصور مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلا نية؛ ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نية. وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع بل من اعتاد ذلك فإنه ينبغي له أن يؤدب تأديبا يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع وإيذاء الناس برفع صوته» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ١٩٤): «كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ولم يقل شيئًا قبلها ولا تلفظ بالنية البتة ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد
[ ١ / ١١ ]
صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة ولا عن أحد من أصحابه ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة وإنَّما غرَّ بعض المتأخرين قول الشافعي ﵁ في الصلاة: إنَّها ليست كالصيام ولا يدخل فيها أحد إلاَّ بذكر فظن أنَّ الذكر تلفظ المصلي بالنية، وإنَّما أراد الشافعي ﵀ بالذكر: تكبيرة الإحرام ليس إلاَّ، وكيف يستحب الشافعي أمرًا لم يفعله النَّبي ﷺ في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفًا واحدًا عنهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالتسليم والقبول ولا هدي أكمل من هديهم ولا سنة إلاَّ ما تلقوه عن صاحب الشرع ﷺ» اهـ.
وقوله في الحديث: «وإنَّما لكل امرئ ما نوى». أي ليس للعامل من عمله إلَّا ما نواه.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ١١١ - ١١٢):
«قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى" فبين في الجملة الأولى أنَّ العمل لا يقع إلاَّ بالنية ولهذا لا يكون عمل إلاَّ بنية، ثم بين في الجملة الثانية أنَّ العامل ليس له من عمله إلاَّ ما نواه وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال وهذا دليل على أنَّ من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأنَّ من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللًا ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنَّه قد نوى ذلك وإنَّما لامرئ ما نوى فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر كان له ما نواه ولذلك استحق اللعنة
[ ١ / ١٢ ]
وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نواه فإنَّه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له لا في عقل ولا في شرع ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولًا لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٥٤):
«وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التي بعث بها فإنَّ كل عمل يعمله عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه فإن قصد بعمله مقصودًا حسنًا كان له ذلك المقصود الحسن وإن قصد به مقصودًا سيئًا كان له ما نواه» اهـ.
وقوله في الحديث: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله». إلى آخر الحديث هذا مثال للنية المحمودة والنية المذمومة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٨/ ٢٥٣):
«فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط، والنية المذمومة وهي الهجرة إلى امرأة أو مال وهذا ذكره تفصيلًا بعد إجمال».
وقال ﵀ (١٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠): «قوله ﷺ "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" ليس هو تحصيل للحاصل لكنَّه
[ ١ / ١٣ ]
إخبار بأنَّ من نوى بعمله شيئًا فقد حصل له ما نواه أي: من قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ما قصده ومن كان قصده الهجرة إلى دنيا أو امرأة فليس له إلاَّ ذلك فهذا تفصيل لقوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" ولما أخبر أنَّ لكل امرئ ما نوى ذكر أنَّ لهذا ما نواه ولهذا ما نواه».
قلت: ويذكر كثير من العلماء في سبب ورود هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس.
وقد رواها الطبراني في [المعجم الكبير] (٨٥٤٠) حدثنا محمد بن علي الصائغ ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: «من هاجر يبتغي شيئًا فهو له قال: هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس وكان يسمى مهاجر أم قيس».
قلت: قال الحافظ الذهبي في [سير أعلام النبلاء] (١٠/ ٥٩٠):
«إسناده صحيح».
قلت: وهو كما قال ﵀.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في [تخريج أحاديث الإحياء] (٩/ ٢٠٦):
«أخرجه الطبراني بإسناد جيد».
قلت: ورواه أبو نعيم في [معرفة الصحابة] (٧٣٧٢) من طريق سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: «كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس».
قلت: لكنه ليس هناك ما يدل على أنَّها هي سبب ورود الحديث.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [جامع العلوم والحكم] ص (١٤):
[ ١ / ١٤ ]
«وقد اشتهر أنَّ قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي ﷺ: "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها". وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم ولم نر لذلك أصلًا يصح والله أعلم».
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ١٠) - بعد ذكره لحديث الطبراني -:
«وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أنَّ حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك».
قلت: وقد أخذ العلماء من هذا الحديث الأحكام الكثيرة التي يعسر جمعها فإنَّه ما من باب من أبواب الفقه إلاَّ وله حظ وافر من هذا الحديث، وقد كنت أردت أن أذكر ما احتج به العلماء في هذا الحديث من المسائل في أبواب الفقه ثم رأيت أنَّ المقام سوف يتسع إلى الغاية بحيث أنَّه لا يتناسب مع هذا الشَّرْحُ فإنَّ الكلام على هذا الحديث يحتاج إلى مصنف مستقل. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ١٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
قلت: وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - أنّ الوضوء شرط من شروط الصلاة، إذا وجد الماء وقدر على استعماله، وإلاَّ فإنَّ فرضه التيمم.
٢ - المراد بالصلاة التي الوضوء شرط فيها هي العبادة الشرعية المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فأمَّا سجود التلاوة، وسجود الشكر، فليسا بصلاة، فلا يشترط فيهما الوضوء على الصحيح من أقوال العلماء.
٣ - أنّ الحدث مبطل للصلاة، وهو عدة أنواع يجمعه: كل ما خرج من السبيلين من حدث معتاد، وغير معتاد، وزوال العقل بنوم، أو إغماء، أو جنون، أو سكر، وأكل لحم الإبل، وهناك أشياء أخرى يذكرها العلماء، والأصل عدم النقض.
٤ - في معنى هذا الحديث ما رواه مسلم (٢٢٤) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ».
وقد استدل بهذا الحديث القائلون بأنَّ من لم يجد ماءً ولا ترابًا لا تقبل صلاته بلا طهورين.
[ ١ / ١٦ ]
قال الحافظ ابن رجب في [شرح البخاري] (٣/ ١٢ - ١٣): «واختلف العلماء في حكم من لم يجد ماءً ولا ترابًا على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّه يصلي بحسب حاله، ولا قضاء عليه، وهو قول مالك وأحمد في رواية عنهما، وأبي ثور، والمزني وغيرهم، وحكي قولًا قديمًا للشافعي. وعليه بوب البخاري، واستدل بحديث عائشة الذي خرجه هاهنا؛ فإنهم شكوا ذَلكَ إلى النَّبيّ ﷺ، ولم يذكر أنه أمرهم بقضاء صلاتهم؛ ولأن الطهارة شرط، فإذا عجز عنها سقطت عنه، كاستقبال القبلة وستر العورة.
والثاني: يصلي ويعيد، وهو قول مالك في رواية، والشافعي، وأحمد في رواية عنه نقلها عنه أكثر أصحابه.
والثالث: لا يصلي ويقضي الصلاة، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو قول قديم للشافعي.
واستدلوا: بقوله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
ويجاب عنه: بأنَّ ذلك مع القدرة، كما في قوله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، ولا خلاف أنَّه لو عدم الماء وصلى بالتيمم قبلت صلاته.
والرابع: أنَّه لا يصلى ولا إعادة عليه، وهو رواية عن مالك، وقول بعض الظاهرية، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور.
[ ١ / ١٧ ]
وهو أردأ الأقوال وأضعفها، ويرده قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقول النَّبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"» اهـ.
قلت: والصحيح في هذه المسألة هو المذهب الأول لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ولحديث عائشة الذي احتج به الإمام البخاري ﵀ ولفظه:
«عن عائشة ﵂، أنَّها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى آية التيمم. فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيرًا، فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلاَّ جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا».
أخرجه البخاري (٣٣٦)، ومسلم (٨١٤).
ووجه الشاهد من الحديث ما نقله الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] (١/ ٥١٧) عن ابن رشيد أنَّه قال: «كَأَنَّ المصنف نَزَّلَ فقد شرعيَّة التَّيَمُّم منزلة فَقد التُّرَاب بَعْد شرعيَّة التَّيَمُّم، فَكَأَنَّهُ يقول: حكمهم في عدم الْمُطَهِّر - الَّذِي هو الماء خَاصَّة - كحكمنا في عدم المطهرين الماء والتراب. وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنَّهم فقدوا التراب، وإنَّما فيه أنَّهم فقدوا الماء فقط، ففيه
[ ١ / ١٨ ]
دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين. ووجهه أنَّهم صلوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النَّبي ﷺ».
٥ - واحتج العلماء بهذا الحديث على أنَّ من أحدث في صلاته بطلت صلاته، ولا يجزئه إذا ذهب للوضوء أن يبني على ما مضى من صلاته، بل يستأنفها من أولها، وهذا هو الصحيح. والله أعلم.
قال الحافظ ابن رجب في [شرح البخاري] (٤/ ٢٧٢): «فأمَّا إن ذكر في أثناء صلاته فخرج، فتطهر ثم عاد، فإنَّ الإمام لا يبني على ما مضى من صلاته بغير طهارة بغير خلاف، فإنَّ من صلى بغير طهارة ناسيًا فإنَّ عليه الإعادة بالإجماع؛ لقول النَّبي ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وقوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
وحكى ابن عبد البر عن قوم أنَّهم جوزوا البناء على ما مضى من صلاته محدثًا ناسيًا، وأشار إلى أنَّه قول مخالف للإجماع، فلا يعتد به.
وليس في الحديث أنَّ النبي ﷺ بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناس لجنابته، فإن قدر أنَّ ذلك وقع فهو منسوخ؛ لإجماع الأمة على خلافه، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، فلم يبق إلَّا أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون ﷺ لما رجع كبر للإحرام، وكبر الناس معه.
وعلى هذا التقدير، فلا يبقى في الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف إمام صلى بالناس محدثًا ناسيًا لحدثه.
[ ١ / ١٩ ]
والثاني: أن يكون النَّبي ﷺ استأنف تكبيرة الإحرام، وبنى الناس خلفه على تكبيرهم الماضي» اهـ.
قلت: الحديث الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب هو ما أخرجه البخاري (٢٧٥، ٦٣٩، ٦٤٠)، ومسلم (٦٠٥) أبي هريرة: «أنَّ رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال: "على مكانكم". فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماءً وقد اغتسل».
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٨/ ٣١٢): «معنى هذا الباب الرد على أبي حنيفة في قوله: أنَّ المحدث في صلاته يتوضأ ويبنى على ما تقدم من صلاته. وهو قول ابن أبي ليلى.
وقال مالك والشافعي: يستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني، وحجتهما قوله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". وقوله: "لا صلاة إلاَّ بطهور".
قال ابن القصار: ولا يخلو في حال انصرافه من الصلاة وقد أحدث أن يكون مصليًا أو غير مصل، فبطل أن يكون مصليًا؛ لقوله: "لا صلاة إلاَّ بطهور". وهذا غير متوضئ فلا يجوز له البناء، وكل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها، يدل على ذلك أنَّه لو سبقه المني في الصلاة لا يستأنف، كذلك غيره من الأحداث» اهـ.
وقال ابن حزم في [المحلى] (٤/ ١٥٥): «وأمَّا الحنفيون فإنَّهم تناقضوا فقاسوا على ما ذكر في هذين الخبرين جميع الأحداث التي لم تذكر فيهما، ولم يقيسوا
[ ١ / ٢٠ ]
الاحتلام على ذلك، وهذا تناقض! وما جاء قط أثر - صحيح ولا سقيم - في البناء من الأحداث، كالبول، والرجيع، والريح، والمذي، وأمَّا أصحابنا فاحتجوا بأنَّه قد صح ما صلى فلا يجوز إبطاله إلاَّ بنص.
قال علي: وهذا احتجاج صحيح، ولولا النص الوارد بإبطال ما مضى منها ما أبطلناه.
ولكن البرهان على بطلان ما صلى. أنَّ عبد الله بن ربيع حدثنا قال: ثنا محمد بن إسحاق ابن السليم: ثنا ابن الأعرابي: ثنا أبو داود: ثنا أحمد بن محمد بن حنبل: ثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".
قال علي: وروينا من طرق، فإذ صح أنَّ الصلاة ممن أحدث لا يقبلها الله حتى يتوضأ، وقد صح بلا خلاف وبالنص أنَّ الصلاة لا تجزئ إلاَّ متصلة، ولا يجوز أن يفرق بين أجزائها بما ليس صلاة: فنحن نسأل من يرى البناء للمحدث فنقول: أخبرونا عن المحدث الذي أمرتموه بالبناء، مذ يحدث فيخرج فيمشي فيأخذ الماء فيغسل حدثه، أو يستنجي فيتوضأ فينصرف إلى أن يأخذ في عمل الصلاة، أهو عندكم في صلاة؟ أم هو في غير صلاة، ولا سبيل لهم إلى قسم ثالث، فإن قالوا: هو في صلاة أكذبهم قول رسول الله ﷺ: "إنَّ الله لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ". ومن المحال الباطل أن يعتد له بصلاة قد أيقنا أنَّ الله تعالى لا يقبلها، فصح أنَّ عمل صلاته الذي كان قبل قد انقطع، وأمَّا أجره فباق له
[ ١ / ٢١ ]
بلا شك، إلَّا أنَّه الآن في غير صلاة بلا شك، إذ هو في حال لا يقبل الله تعالى معها صلاة وإن قالوا: بل هو في غير صلاة.
قلنا: صدقتم، فإذا هو في غير صلاة فعليه أن يأتي بالصلاة متصلة، لا يحول بين أجزائها - وهو ذاكر قاصدًا بما ليس من الصلاة، وبوقت ليس هو فيه في صلاة، وهذا برهان لا مخلص منه» اهـ.
٦ - واستدل بهذا الحديث على أن انتفاء القبول دليلًا على انتفاء الصحة.
قلت: وليس هذا بلازم فقد ينتفي القبول لانتفاء الصحة، وذلك يكون إذا فات شرط من شروط العبادة أو ركن من أركانها، وقد ينتفي لانتفاء الثواب، وذلك يكون إذا قارن العمل ذنب من الذنوب.
قال في [طرح التثريب] (٢/ ٣٢٦): «وقال القاضي أبو بكر بن العربي: القبول في ألسنة السلف الرضا قبلت الشيء رضيته وأردته والتزمت العوض عنه فقبول اللَّه للعمل هو رضاه بِه، وثوابه عليه، وكذا فسر صاحبا المشارق والنهاية القبول بأنَّه المحبة والرضا، وفي الصحاح يقال: على فلان قبول إذا قبلته النفس والذي ينبغي أن يقال في اختلاف الأحاديث التي ذكرها وكونها مستوية في نفي القبول فانتفت الصحة معه في بعضها دون بعض أنَّه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة لكنا ننظر في المواضع التي نفي فيها القبول فإن كان ذلك العمل قد اقترنت بِه معصية علمنا أن عدم قبول ذلك العمل إنَّما هو لوجد تلك المعصية فمن هذا الوجه كان ذلك العمل غير مرضي لكنه صحيح في نفسه لاجتماع الشروط والأركان فيه، وهذا كصلاة العبد الآبق وشارب الخمر وآتي العراف فهؤلاء إنَّما لم تقبل صلاتهم للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم».
[ ١ / ٢٢ ]
وقال ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] (١/ ٦٠): «أنَّ نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه، وقد يكون لمقارنة محرم يمنع من القبول، كالإباق، وتصديق العراف، وشرب الخمر، وتطيب المرأة إذا خرجت للصلاة ونحوه» اهـ.
إلى أن قال ﵀: «وأمَّا عدم القبول فمعناه عدم الاعتداد بها، وأنَّه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها بل هي مردودة عليه، وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها، ورضا الرب عنه بها، وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة بل عقوبة ترك ثوابه، وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها».
وقال ﵀ في كتابه [حكم تارك الصلاة] ص (١١٨) - عند ذكره لحجج من قال إنَّ الجماعة شرط في صحة الصلاة -: «ونفي القبول إمَّا أن يكون لفوات ركن، أو شرط، ولا ينتقض هذا بنفي القبول عن صلاة العبد الآبق، وشارب الخمر أربعين يومًا لأنَّ امتناع القبول هناك لارتكاب أمر محرم قارن الصلاة فأبطل أجرها».
٧ - واحتج العلماء بهذا الحديث على أنَّه لا يلزم الوضوء لكل صلاة.
قال ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (١٤): «اُسْتُدِلَّ بهذا الحديث على أَنَّ الوضوء لا يجب لكل صلاة. ووجه الاستدلالِ بِهِ: أنَّه ﷺ نفى القبول ممتدًا إلى غاية الوضوء. وما بعد الغاية مخالف لما قبلها. فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا. وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا» اهـ.
[ ١ / ٢٣ ]
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٣٤١): «وَيُحْتَمَل أَنْ يقال في الاستدلال وجه آخر، وهو أَنَّهُ قيد عدم القبول بشرط الحدث، ومفهومه حجة عند الأكثرين، ومفهومه هنا أنَّه إذا لم يحدث تقبل صلاته، وإن لم يجدد وضوءًا» اهـ.
قلت: وهذا قول عامة السلف، والخلف، والخلاف في ذلك شاذ يحكى عن عكرمة، وابن سيرين.
٨ - يدخل في هذا النفي من ترك الوضوء ناسيًا، فلا تقبل صلاته حتى يتوضأ.
٩ - ويحتج بهذا الحديث لمن ذهب إلى أنَّ غسل الحدث الأكبر، لا يكفي في رفع الحدث الأصغر، وذلك لأنَّ النَّبي ﷺ علق قبول الصلاة لمن أحدث حدثًا أصغرًا بالوضوء، ولم يعلق ذلك بالوضوء، أو الغسل.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٦): «فإن اغتسل ولم يتوضأ، فهل يرتفع حدثاه بذلك، أم لا يرتفع إلَّا حدثه الأكبر خاصة، ويبقى حدثه الأصغر، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء؟ هذا فيهِ قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد.
أشهرهما: أنَّه يرتفع حدثاه بذلك، إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعًا.
والثانية: لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء. وحكي عن مالك وأبي ثور وداود.
فإذا اغتسل، ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ.
ومن حكى عن أبي ثور، وداود: أنَّ الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل، فالظاهر: أنَّه غالط عليهما.
[ ١ / ٢٤ ]
وقد حكى ابن جرير، وابن عبد البر، وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك. ومذهب الشافعي: أنَّه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر.
وذهب إسحاق، وطائفة من أصحابنا، كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر: إلى أنَّه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء، من الترتيب، والمولاة» اهـ.
قلت: وأحسن من رأيت تكلم في هذه المسألة هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد قال كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٩٦ - ٣٩٧): «فصل: وهو سبحانه أمرنا بالطهارتين الصغرى، والكبرى، وبالتيمم عن كل منهما فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فأمر بالوضوء، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فأمر بالتطهر من الجنابة كما قال في المحيض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وقال في سورة النساء: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وهذا يبين أنَّ التطهر هو الاغتسال.
والقرآن يدل على أنَّه لا يجب على الجنب إلاّ الاغتسال، وأنَّه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة. والمغتسل من الجنابة ليس عليه نيّة رفع الحدث الأصغر كما قال جمهور العلماء، والمشهور في مذهب أحمد أنَّ عليه نية رفع الحدث الأصغر، وكذلك ليس عليه فعل الوضوء ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور وهو ظاهر مذهب أحمد.
وقيل: لا يرتفع الحدث الأصغر إلاَّ بهما.
[ ١ / ٢٥ ]
وقيل: لا يرتفع حتى يتوضأ روي ذلك عن أحمد، والقرآن يقتضي أنَّ الاغتسال كاف، وأنَّه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر، بل صار الأصغر جزءًا من الأكبر كما أنَّ الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر، فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة.
ويدل على ذلك قول النبي لأم عطية، واللواتي غسلن ابنته "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها".
فجعل غسل مواضع الوضوء جزءًا من الغسل لكنه يقدم كما تقدم الميامن.
وكذلك الذين نقلوا صفة غسله، كعائشة ﵂ ذكرت أنَّه كان يتوضأ ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين وكان لا يتوضأ بعد الغسل.
فقد دلَّ الكتاب والسنة على أنَّ الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء، ولا ينويان وضوءًا، بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى».
قلت: وهذا هو القول الصحيح الموافق للأدلة. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٢٦ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ﵃ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
قوله: "ويل" قال ابن عباس: الويل المشقة من العذاب، وقال الخليل بن أحمد: الويل شدة الشر، وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها، وقال الأصمعي: الويل تفجع والويح ترحم، وقال غيره: الويل: الحزن، وقيل: أصله الهلكة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى:
﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ وهي الويل، والويلة، وهما الهلكة والجمع الويلات، وقد قيل إنَّ أصل ويل "وي" وهي: كلمة تأوه، فلما كثر قولهم وي لفلان وصلوها باللام وقدروها أنَّها منها، فأعربوها، وقيل: إنَّ "ويل" جبل في جهنم، وقيل وادٍ في جهنم، وقد جاء فيهما حديثان إلاَّ أنَّهما لا يصحان.
وقوله: "للأعقاب" العقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب ومنه رجع على عقبيه.
تنبيه: حديث عائشة انفرد به مسلم (٢٤٠).
في هذا الحديث عدة مسائل منها:
١ - وجوب تعميم الأعضاء بالماء، وأنَّ ترك البعض منها غير مجزئ.
٢ - أنَّ فرض القدم الغسل وليس المسح، وذلك لأنَّ المسح لا يكون على العقبين، وإنَّما على ظهر القدم، فهذا الحديث يفسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
[ ١ / ٢٧ ]
آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾،
بأنَّ المراد بمسح الرجلين في الآية هو الغسل، خلافًا للشيعة، والمعتزلة.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٢٢): «قوله ﷺ: "وَيْل لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّار أَسْبِغُوا الْوُضُوء" مراد مسلم - رحمه اللَّه تعالى - بإيراده هنا الاستدلال بِه على وجوب غسل الرِّجلين، وأَنَّ المسح لا يجزئ، وهذه مسألة اختلف النَّاس فيها على مذاهب، فذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أَنَّ الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد بِه في الإجماع، وقالت الشِّيعة: الواجب مسحهما، وقال محمَّد بن جرير، والجبَّائِي رأس المعتزلة: يتخيَّر بين المسح والغسل، وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل. وتعلق هؤلاء المخالفون للجماهير بما لا تظهر فيه دلالة تظهر فيه دلالة» اهـ.
قلت: ولا يصح عزو هذا المذهب لابن جرير الطبري كما بين ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] (١/ ٩٨) حيث قال ﵀:
«وأمَّا حكايته عن ابن جرير فغلط بيِّن، وهذه كتبه وتفسيره كله يكذب هذا النقل عليه، وإنَّما دخلت الشبهة لأنَّ ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة، يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم» اهـ.
[ ١ / ٢٨ ]
قلت: وأحسن من رأيت تكلم على هذه المسألة هو شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال ﵀ في [منهاج السنة] (٤/ ١٧١ - ١٧٩): «فيقال الذين نقلوا عن النبي ﷺ الوضوء قولًا وفعلًا، والذين تعلموا الوضوء منه، وتوضؤوا على عهده وهو يراهم ويقرهم عليه، ونقلوه إلى من بعدهم أكثر عددًا من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإنَّ جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده ولم يتعلموا الوضوء إلَّا منه ﷺ، فإنَّ هذا العمل لم يكن معهودًا عندهم في الجاهلية وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصى عدده إلَّا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين فيما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في الصحاح، وغيرها أنَّه قال: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" مع أنَّ الفرض إذا كان مسح ظهر القدم كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها الطباع، كما تدعوا الطباع إلى طلب الرئاسة والمال، فإن جاز أن يقال: أنهم كذبوا، وأخطؤوا فيما نقلوه عنه من ذلك، كان الكذب والخطأ فيما نقل من لفظ الآية أقرب إلى الجواز.
وإن قيل: بل لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن الخطأ فيه، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإنَّ المسح جنس تحته نوعان: الإسالة، وغير الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت للصلاة، فما كان بالإسالة فهو الغسل، وإذا خصّ أحد النوعين باسم الغسل، فقد يخصّ النوع الآخر باسم المسح، فالمسح يقال على المسح العام الذي يندرج فيه الغسل، ويقال على الخاص الذي لا يندرج فيه الغسل، ولهذا نظائر كثيرة، مثل
[ ١ / ٢٩ ]
لفظ ذوي الأرحام، فإنَّه يعم العصبة كلهم، وأهل الفروض وغيرهم، ثم لما كان للعصبة، وأصحاب الفروض اسم يخصهما بقى لفظ ذوي الأرحام مختصًا في العرف بمن لا يرث بفرض ولا تعصيب.
وكذلك لفظ الجائز والمباح يعم ما ليس بحرام، ثم قد يختص بأحد الأقسام الخمسة، وكذلك لفظ الممكن يقال على ما ليس بممتنع، ثم يخص بما ليس بواجب ولا ممتنع، فيفرق بين الواجب، والجائز، والممكن العام والخاص، وكذلك لفظ الحيوان ونحوه يتناول الإنسان وغيره ثم قد يختص بغير الإنسان.
ومثل هذا كثير إذا كان لأحد النوعين اسم يخصه بقي الاسم العام مختصًا بالنوع الآخر، ولفظ المسح من هذا الباب، وفي القران ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه، فإنّه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، ولم يقل: إلى الكعاب: كما قال:
﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فدل على أنَّه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإنَّ من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وفي ذكره الغسل في العضوين الأولين، والمسح في الآخرين التنبيه على أنَّ هذين العضوين يجب فيهما المسح العام، فتارة يجزئ المسح الخاص كما في مسح الرأس، والعمامة، والمسح على الخفين، وتارة لا بد من المسح الكامل الذي هو غسل، كما في الرجلين المكشوفتين.
[ ١ / ٣٠ ]
وقد تواترت السنة عن النَّبي ﷺ بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين. والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما يخالف الخوارج نحو ذلك مما يتوهمون أنَّه مخالف لظاهر القران، بل تواتر غسل الرجلين، والمسح على الخفين عن النبي ﷺ أعظم من تواتر قطع اليد في ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عشرة دراهم أو نحو ذلك.
وقد ذكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجل، فإنَّ السرف يعتاد فيهما كثيرًا وفيه اختصار للكلام، فإنَّ المعطوف، والمعطوف عليه إذا كان فعلاهما من جنس واحد اكتفى بذكر أحد النوعين كقوله:
علفتها تبنًا وماءً باردًا … حتى غدت همالة عيناها
والماء يسقى لا يقال: علفت الماء، لكن العلف، والسقي يجمعهما معنى الإطعام، وكذلك
قوله:
ورأيت زوجك في الوغى … متقلدًا سيفًا ورمحًا
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾، والحور العين لا يطاف بهن، ولكن المعنى يؤتى بهذا، وبهذا. وهم قد يحذفون ما يجل الظاهر على جنسه، لا على نفسه كما في قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ والمعنى يعذب الظالمين.
[ ١ / ٣١ ]
وهذه الآية فيها قراءتان مشهورتان: الخفض: والنصب، فالذين قرؤوا بالنصب قال غير واحد منهم: أعاد الأمر إلى الغسل. أي: وامسحوا برؤوسكم، واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، والقراءتان كالآيتين، ومن قال: إنَّه عطف على محل الجار والمجرور، يكون المعنى: وامسحوا برؤوسكم، وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين، وقولهم: مسحت الرجل ليس مرادفًا لقوله: مسحت بالرجل، فإنَّه إذا عدى بالباء أريد به معنى الإلصاق، أي: ألصقت به شيئًا وإذا قيل: مسحته لم يقتضي ذلك أن يكون ألصقت به شيئًا، وإنَّما يقتضي مجرد المسح، وهو لم يرد مجرد المسح باليد بالإجماع، فتعين أنَّه إذا مسحه بالماء وهو مجمل فسرته السنة كما في قراءة الجر.
وفي الجملة، فالقران ليس فيه نفي إيجاب الغسل، بل فيه إيجاب المسح، فلو قدِّر أنَّ السنة أوجبت قدرًا زائدًا على ما أوجبه القران، لم يكن في هذا رفعًا لموجب القران، فكيف إذا فسرته وبينت معناه وهذا مبسوط في موضعه.
وفي الجملة، فيعلم أنَّ سنة النَّبي ﷺ هي التي تفسر القران وتبينه، وتدل عليه وتعبِّر عنه، فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ظاهر القران، فإنَّ الرسول ﷺ بيَّن للناس لفظ القران، ومعناه، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القران عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها.
وما تقوله الإمامية من أنَّ الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مجتمع الساق، والقدم عند معقد الشراك أمر لا يدل عليه القران بوجه من الوجوه ولا
[ ١ / ٣٢ ]
فيه عن النَّبي ﷺ حديث يعرف، ولا هو معروف عن سلف الأمة، بل هم مخالفون للقران والسنة المتواترة ولإجماع السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان.
فإنّ لفظ القران يوجب المسح بالرؤوس وبالأرجل إلى الكعبين مع إيجابه لغسل الوجوه والأيدي إلى المرافق، فكان في ظاهره ما يبيِّن أن في كل يد مرفقًا وفي كل رجل كعبين، فهذا على قراءة الخفض، وأمَّا قراءة النصب، فالعطف إنما يكون على المحل إذا كان المعنى واحدًا كقول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فلو كان معنى قوله: مسحت برأسي، ورجلي هو معنى مسحت رأسي ورجلي لأمكن كون العطف على المحل، والمعنى مختلف، فعلم أنَّ قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطف على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ كما قاله الذين قرؤوه كذلك. وحينئذ فهذه القراءة نصٌ في وجوب الغسل، وليس في واحدة من القراءتين ما يدل ظاهرها على قولهم، فعلم أنَّ القوم لم يتمسكوا بظاهر القران، وهذا حال سائر أهل الأقوال الضعيفة الذين يحتجون بظاهر القران على ما يخالف السنة إذا خفى الأمر عليهم، مع أنه لم يوجد في ظاهر القران ما يخالف السنة».
٣ - والحديث حجة ظاهرة على أَنَّ "العقب" محل للتَّطهير، فيبطل قول من يكتفي بالتَّطهير فيما دون ذلك. قاله ابن دقيق العيد في "شرح العمدة".
* * *
[ ١ / ٣٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ»
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ».
قلت: لفظ الحديث عند البخاري (١٦٢) عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
وأمَّا مسلم فلم يروه بهذا السياق، فقد رواه (٢٧٨) بلفظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». وبلفظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِيمَ بَاتَتْ يَدُهُ».
[ ١ / ٣٤ ]
ورواه (٢٣٧) بلفظ: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ». وبلفظ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاءِ ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ».
ولفظ الرواية الأخيرة عند مسلم (٢٣٧): «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ».
وأمَّا اللفظ الذي ذكره المصنف فلم يرد في شيء من كتب الحديث فيما أعلم.
قوله: «إذا توضأ أحدكم» أي: إذا شرع في الوضوء، والوضوء إذا ورد في الشرع فالمراد به هو الوضوء الشرعي في الأعضاء الأربعة.
قوله: «في أنفه» قال ثعلب: الأَنْف جميع المَنْخَر سمي بذلك لتقدمه، عليه، ومنه قيل للمُحَدَّد مُؤَنَّف وقالوا أَنْف القَصْعة يعني أعْلى الثَّريد
قوله: «ثم ليستنثر». يقال نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النثرة في الطهارة وهي طرف الأنف، وقيل: الأنف نفسه، وقال القاضي عياض: هو من النثر وهو الطرح وهو هنا طرح الماء الذي تنشق قبل ليخرج ما تعلق به من قذر الأنف.
قلت: وعلى المعنيين الأولين للاستنثار يدخل في ذلك الاستنشاق.
لكن قال ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١٦): «ومن النَّاس من جعل الاستنثار لفظًا يدل على الاستنشاق الَّذي هو الجذب وأخذه من النَّثرة، وهي طرف الأنف. والاستفعال منها يدخل تحته الجذب والدفع معًا. والصحيح: هو الأول؛ لأنَّه قد جمع بينهما في حديث واحد وذلك يقتضي التغاير».
[ ١ / ٣٥ ]
وقال في [طرح التثريب] (١/ ٤٧٧): «والانتثار مأخوذ من النَّثرة، وهي طرف الأنف عند جمهور أهل اللُّغة، وقال الخطَّابي هي الأنف واختلف في حقيقة الانتثار.
فقال جمهور أهل اللغة: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو قول الفقهاء وأهل الحديث وقال ابن الأعرابيِّ وابن قتيبة: إنَّ الاستنثار هو الاستنشاق، والصَّواب الأوَّل الَّذي يدل عليه هذا الحديث بقوله، ثم لينتثر بعد قوله: "فليستنشق"».
وقوله: «ومن استجمر» الاستجمار: هو المسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الرمي.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١١٩): «أمَّا الاستجمار: فهو مسح محل البول والغائط بالجمار، وهي الأحجار الصغار، قال العلماء: يقال الاستطابة، والاستجمار، والاستنجاء لتطهير محل البول والغائط، فأما الاستجمار فمختص بالمسح بالأحجار، وأمَّا الاستطابة، والاستنجاء فيكونان بالماء، ويكونان بالأحجار، هذا الذي ذكرناه من معنى الاستجمار هو الصحيح المشهور الذي قاله الجماهير من طوائف العلماء من اللغويين، والمحدثين، والفقهاء، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: اختلف قول مالك وغيره في معنى الاستجمار المذكور في هذا الحديث فقيل هذا، وقيل المراد به في البخور أن يأخذ منه ثلاث قطع، أو يأخذ منه ثلاث مرات يستعمل واحدة بعد أخري، قال: والأول أظهر والله أعلم. والصحيح المعروف ما قدمناه».
[ ١ / ٣٦ ]
وقوله: «قبل أن يدخلهما في الإناء»، المراد به إناء الوضوء والغسل، لا ما كان فارغًا من الآنية. وقد جاء في رواية مسلم (٦٤١): «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». والغمس لا يكون إلَّا في الشيء السائل.
وقوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده». البيتوتة دخولك في الليل وكونك فيه بنوم وبغير نوم، تقول: بت أراعي النجم، معناه: بت أنظر إلى النجم. والبيت سمي بيتًا لأنه يُبَات فيه، وبيَّتهم العدوُّ إذا جاءهم ليلًا.
قال الحريري ﵀ في [درة الغواص] ص (٢٦٧): «ومن ذلك توهمهم أنَّ معنى بات فلان أي نام، وليس كذلك، بل معنى بات: أظله المبيت وأجنه الليل، سواء نام أم لم ينم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾».
وقال ابن حزم ﵀ فقال في [المحلى] (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨): «وادعى قوم أنَّ هذا في نوم الليل خاصة، لقوله: "أين باتت يده" وادعوا أنَّ المبيت لا يكون إلَّا بالليل. قال أبو محمد: وهذا خطأ، بل يقال: بات القوم يدبرون أمر كذا، وإن كان نهارًا».
هكذا قال ﵀ والمشهور عن أهل اللغة هو ما سبق.
قال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (١/ ١٦٩): «قوله: "لا يدري أين باتت يده" ليس تشكيكًا في العلة، بل تعليلًا بالشك، وأنَّه يستلزم ما ذكر» اهـ.
[ ١ / ٣٧ ]
وقد تنازع العلماء في علة الأمر بغسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء على ثلاثة أقوال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٤): «وأمَّا الحكمة في غسل اليد، ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه خوف نجاسة تكون على اليد مثل مرور يده موضع الاستجمار مع العرق، أو على زبلة، ونحو ذلك.
والثاني: أنَّه تعبد ولا يعقل معناه.
والثالث: أنَّه من مبيت يده ملامسة للشيطان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه"، فأمر بالغسل معللًا بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أنَّ ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث معروف وقوله: "فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده". يمكن أن يراد به ذلك فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار والله أعلم».
قوله: «فليستنشق». الاستنشاق: جذب الماء إلى الأنف.
قوله: «بمنخريه» الْمَنْخِرُ: خرق الأنف وحقيقته موضع النَّخير وهو مَدُّ النَّفس في الخياشيم.
وقوله: «من توضأ فليستنشق»، هذه اللفظ لا وجود له في صحيح البخاري، ولا في صحيح مسلم كما سبق التنبيه على ذلك.
وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - وجوب الاستنشاق للأمر به في الحديث، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فذهب الإمام أحمد، وإسحاق إلى الوجوب في الوضوء والغسل، وأوجبه أبو
[ ١ / ٣٨ ]
حنيفة في الغسل دون الوضوء، واستحبه مالك والشافعي في الوضوء والغسل، والراجح هو الوجوب لظاهر الأمر والله أعلم.
٢ - احتج بعض العلماء بقول النبي ﷺ في هذا الحديث: «وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». على الفرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورودها عليه، فإذا وردت النجاسة على الماء القليل أفسدته، ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره، وإن ورود الماء على النجاسة لا تضره، وأنَّه بوروده عليها مطهر لها وهي غير مفسدة له.
قال أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٢٣٤ - ٢٣٧): «احتج بعض أصحاب الشافعي لمذهبهم في الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورودها عليه بهذا الحديث، وقالوا: ألا ترى أنَّ رسول الله ﷺ لما خاف على النائم المستيقظ من نومه القائم منه إلى وضوئه أن تكون في يده نجاسة أمره بطرح الماء من الإناء على يده ليغسلها، ولم يأمره بإدخال يده في الإناء ليغسلها فيه بل نهاه عن ذلك قال: فدلنا ذلك على أنَّ النجاسة إذا وردت على الماء القليل أفسدته ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره. قال: ودلنا ذلك أيضًا على أنَّ ورود الماء على النجاسة لا تضره وأنَّه بوروده عليها مطهر لها، وهي غير مفسدة له لأنَّها لو أفسدته مع وروده عليها لم تصح طهارة أبدًا في شيء من الأشياء. واحتجوا أيضًا بنهيه ﷺ عن البول في الماء الدائم. وبحديث
[ ١ / ٣٩ ]
ولوغ الكلب في الإناء. وبنحو ذلك من الآثار، مع أمره بالصب على بول الأعرابي.
قال أبو عمر: أمَّا لو لم يأت عن النَّبي ﷺ في الماء غير هذا الحديث لساغ في الماء بعض هذا التأويل ولكن قد جاء عن النبي ﷺ في الماء أنَّه لا ينجسه شيء، يريد إلَّا ما غلب عليه بدليل الإجماع على ذلك، وهذا الحديث موافق لما وصف الله ﷿ به الماء في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ يعني: لا ينجسه شيء إلَّا أن يغلب عليه، وقد أجمعوا معنا على أنَّ ورود الماء على النجاسة لا يضره، وأنَّه مطهر لها، وطاهر في ذاته إن لم يتغير بها طعمه، أو لونه، أو ريحه، فبان بذلك صحة قولنا، وعلمنا بكتاب الله وسنة رسوله أنَّ أمره ﷺ القائم من نومه أن لا يغمس يده في وضوئه إنَّما ذلك ندب، وأدب، وسنة قائمة لمن كانت يده طاهرة، وغير طاهرة، لأنَّه لو أراد بذلك النجاسة لأمر بغسل المخرجين أولًا، ولقال: إذا قام أحدكم من نومه فلينظر يده، فإن لم يكن فيها نجاسة أدخلها في وضوئه، وإن كانت في يده نجاسة غسلها قبل أن يدخلها، هذا على مذهب من جعل قوله ﷺ: "فإنَّه لا يدري أين باتت يده". علة احتياط خوف إصابته بها نجاسة، وذلك أنَّهم كانوا يستنجون بالأحجار من غير ماء، فالأحجار لا بد أن يبقى فيها أثر، فربما حكه، أو مسه بيده، فأمروا بالاحتياط في ذلك، ومن جعل ذلك ندبًا وسنة مسنونة، قال: اليد على طهارتها، وليس الشك بعامل فيها، والماء لا ينجسه شيء، والله أعلم، وقد أجمع جمهور العلماء على أنَّ الذي يبيت في سراويله وينام فيها ثم يقوم من نومه
[ ١ / ٤٠ ]
ذلك أنَّه مندوب إلى غسل يده قبل أن يدخلها في إناء وضوئه، ومنهم من أوجب عليه مع حاله هذه غسل يده فرضًا على ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله، ومعلوم أنَّ من بات في سراويله لا يخاف عليه أن يمس بيده نجاسة في الأغلب من أمره، فعلمنا بهذا كله أنَّ المراد بهذا الحديث ليس كما ظنه أصحاب الشافعي والله أعلم، وقد نقضوا قولهم في ورود الماء على النجاسة، لأنَّهم يقولون: إذا ورد الماء على نجاسة في إناء، أو موضع وكان الماء دون القلتين أنَّ النجاسة تفسده، وأنَّه غير مطهر لها، فلم يفرقوا هاهنا بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورودها عليه وشرطهم أن يكون ورود الماء صبًا مهراقًا تحكم لا دليل عليه والله أعلم».
وقال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ٤): «وحاصله: أنَّهم حكموا: أنَّه إذا وردت النجاسة على الماء القليل نجسته، وإذا ورد عليها الماء القليل لم ينجس، فجعلوا علة عدم تنجس الماء الورود على النجاسة، وليس كذلك بل التحقيق: أنَّه حين يرد الماء على النجاسة يرد عليها شيئًا فشيئًا حتى يفني عينها، وتذهب قبل فنائه، فلا يأتي آخر من الماء الوارد على النجاسة إلاَّ وقد طهر المحل الذي اتصلت به، أو بقي فيه جزء منها يفنى ويتلاشى عند ملاقاة آخر جزء منها يرد عليه الماء، كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع، فلا فرق بين هذا وبين الكثير في إفناء الكل للنجاسة، فإنَّ الجزء الأخير الوارد على النجاسة يحيل عينها لكثرته بالنسبة إلى ما بقي من النجاسة فالعلَّة في عدم تنجسه بوروده عليها: هي كثرته بالنسبة إليها لا الورود فإنّه لا يعقل التفرقة بين الورودين: بأنَّ أحدهما ينجسه دون الآخر».
[ ١ / ٤١ ]
قلت: الصحيح أنَّ الماء لا ينجس إلَّا إذا تغير بالنجاسة.
٣ - احتج الحافظ ابن عبد البر ﵀ بهذا الحديث على وجوب الوضوء من النوم، حيث قال ﵀ في [التمهيد] (١٨/ ٢٣٨): «وفي هذا الحديث من الفقه إيجاب الوضوء من النوم وهو أمر مجتمع عليه في النائم المضطجع الذي قد استثقل نومًا».
قلت: الحديث ليس بظاهر في ذلك، لكنه يشعر بما ذكره ﵀، فإنَّ حاجة الإنسان غالبًا إلى غمس يده في الإناء إذا استيقظ من النوم إنَّما هو من أجل الوضوء. وقد استبعد ما ذكره ابن عبد البر الحافظ ابن حجر في "الفتح".
قلت: ويدخل في ذلك أيضًا إناء الغسل، وسائر الآنية.
٤ - واحتج الإمام أحمد ﵀ بقول النَّبي ﷺ في هذا الحديث: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده» على أنَّ غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم مختص بنوم الليل دون نوم النهار، لأنَّ البيتوتة لا تكون إلَّا في الليل.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣١٧): «وفي رواية لأبي داود ساق مسلم إسنادها: "إذا قام أحدكم من الليل"، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة في رواية ساق مسلم إسنادها أيضًا: "إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح"».
٥ - ألحق بذلك جمهور العلماء نوم النهار بنوم الليل، واحتجوا بعموم قول النبي ﷺ:
[ ١ / ٤٢ ]
«من نومه» وبالقياس على نوم الليل، والتعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنَّما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.
قال إسحاق بن راهويه: لا ينبغي لأحد استيقظ ليلًا، أو نهارًا إلاَّ أن يغسل يده قبل أن يدخلها الوضوء، قال: والقياس في نوم النهار أنَّه مثل نوم الليل، قال: فإذا كان النائم ليلًا يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لما ورد من ذلك في الحديث، فنوم النهار مثل نوم الليل في القياس.
ثم الأمر عند الجمهور على الندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار، وعنه في رواية استحبابه في نوم النهار، واتفقوا على أنَّه لو غمس يده لم يضر الماء، وقال إسحاق وداود والطبري: ينجس.
قلت: القول بالوجوب هو الأظهر لظاهر الأمر، وإلحاق نوم النهار بنوم الليل هو الأظهر أيضًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٧٤): «ومقتضى الأمر الإيجاب لا سيما وغسل اليد مستحب مطلقًا فلما خص به هذه الحال دل على وجوبه».
ويستحب لليقظان وإن لم يقم من نوم، أن يغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء لحديث عثمان، وعبد الله بن زيد كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى عند ذكر حديثهما.
٦ - واحتج بقوله: «في الإناء» على خروج البرك، والحياض، وسائر المياه الكثيرة من هذا الحكم.
[ ١ / ٤٣ ]
٧ - واحتج بعض العلماء بقوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده». بأنَّ مفهومه أن من درى أين باتت يده، كمن لفَّ عليها خرقة مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها، أن لا كراهة، وأن كان غسلها مستحبًا كما في المستيقظ، ومن قال بأنَّ الأمر في ذلك للتعبد كمالك لا يفرق بين شاك، ومتيقن.
والراجح عدم الفرق.
٨ - وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث استحباب غسل النجاسة ثلاثًا، وذلك لأنَّ الشرع أمرنا بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها من باب أولى. وهي رواية للإمام أحمد ﵀.
قلت: وهذا مبني على أنّ غسل اليدين من أجل ملاقاتهما لنجاسة الفرج الناتجة من الاستجمار بالأحجار، وليس في الحديث الدلالة على ذلك، ولو كان من أجل ذلك، لأمر قبل ذلك بغسل الدبر،
وثوب النائم لجواز ذلك فيهما.
٩ - وقوله: «ومن استجمر فليوتر». احتج به من أوجب الإيتار في الاستجمار وهو مذهب الإمام الشافعي، وأحمد، وأقله ثلاثة أحجار كما في حديث سلمان قيل له: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ»
أخرجه مسلم في [صحيحه] (٦٠٥).
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٥) أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ مَنْ
[ ١ / ٤٤ ]
فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِى آدَمَ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ».
فإنَّه من طريق الحصن الحبراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة به. والحصين هذا مجهول لا يعرف.
وقد احتج بهذا الحديث الإمام مالك وأبو حنيفة في عدم وجوب الإيتار في الاستجمار.
واحتجوا على عدم وجوب الإيتار بما رواه البخاري (١٥٦) عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنَّه سمع عبد الله يقول: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ"».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٢/ ٣١٣):
«تحصيل مذهب مالك عند أصحابه أن الاستنجاء بثلاثة أحجار حسن والوتر فيها حسن لما روى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من أوتر يعني في ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج". وجائز عندهم الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لأنَّ رسول الله ﷺ أتي بحجرين وروثه فأخذ الحجرين ورمى الروثة ولم يدع بالبدل منها».
[ ١ / ٤٥ ]
قلت: وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ فقال في [فتح الباري] (١/ ٢٥٧):
«قوله: "وألقى الروثة" استدل به الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة قال: لأنَّه لو كان مشترطًا لطلب ثالثًا. كذا قال وغفل ﵀ عمَّا أخرجه أحمد في مسنده من طريق معمر عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود في هذا الحديث فإنَّ فيه: "فألقى الروثة، وقال: "أنَّها ركس ائتني بحجر". ورجاله ثقات أثبات وقد تابع عليه معمر أبو شعبة الواسطي وهو ضعيف أخرجه الدارقطني، وتابعهما عمار بن رزيق أحد الثقات عن أبي إسحاق. وقد قيل أنَّ أبا إسحاق لم يسمع من علقمة لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسي. وعلى تقدير أن يكون أرسله عنه فالمرسل حجة عند المخالفين وعندنا أيضًا إذا اعتضد، واستدلال الطحاوي فيه نظر بعد ذلك لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة فلم يجدد الأمر بطلب الثالث أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث، لأنَّ المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات وذلك حاصل ولو بواحد، والدليل على صحته أنَّه لو مسح بطرف واحد ورماه ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بلا خلاف»
قلت: الحديث الذي ذكره الحافظ رواه أحمد (٤٢٩٩)، والدارقطني في [سننه] (١٤٨) من طريق عبد الرزاق ثنا معمر عن أبي إسحاق عن علقمة بن قيس عن بن مسعود: «أنَّ النبي ﷺ ذهب لحاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار فجاءه بحجرين وبروثه فألقى الروثة وقال: "إنَّها ركس ائتني بحجر"».
[ ١ / ٤٦ ]
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [معرفة السنن والآثار] (١/ ٣٤٨):
«وهذا هو المعقول من الأمر الأول، وإن لم يأت به خبر».
قلت: والذي يظهر لي في هذا الحديث هو الانقطاع، لتصريح أبي إسحاق نفسه بعدم سماعه من علقمة.
قال العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤):
«سكت عنها الدارقطني والبيهقي في هذا الباب، وهي منقطعة فيما بين أبي إسحاق وعلقمة؛ فإنَّه لم يسمع منه شيئًا بإقراره على نفسه بذلك. قال ابن أبي حاتم في "مراسيله": قال أبي وأبو زرعة: لم يسمع من علقمة شيئًا.
قال: وثنا أبي، نا محمد بن بشار، نا أمية بن خالد، نا شعبة: قال رجل لأبي إسحاق الهمذاني: شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة قال: صدق.
وقال البيهقي في باب الدية أخماس: أبو إسحاق عن علقمة منقطع؛ لأنَّه رآه ولم يسمع منه.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي: لم يسمع أبو إسحاق من علقمة شيئًا.
قلت: لكن قال الكرابيسي في كتاب "المدلسين": أبو إسحاق يقول في هذا الحديث: حدثني علقمة عن عبد الله. فهذا تصريح بسماع أبي إسحاق من علقمة، وعلى تقدير تسليم عدم السماع فلا حجة للخصم في الرواية الأولى؛ إذ يجوز أن يكون أحد الحجرين له أحرف؛ فاستوفى بها العدد، يدل على ذلك حديث سلمان الثاني في النهي عن الاكتفاء بدون ثلاثة أحجار، وقد ذكر ذلك الإمام الخطابي ﵀» اهـ.
[ ١ / ٤٧ ]
قلت: كلام أبي إسحاق في نفيه لسماعه من علقمة مقدم على ما نقله الكرابيسي لاحتمال الوهم من بعض الرواة في نقلهم لذلك. والله أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص] (١/ ٣٢٠):
«وقد روى أحمد فيه هذه الزيادة بإسناد رجاله ثقات قال في آخره: فألقى الروثة وقال: "إنَّها ركس ائتني بحجر". مع أنَّه ليس في ما ذكر استدلال لأنَّه مجرد احتمال وحديث سلمان نص في عدم الاقتصار على ما دونها ثم حديث سلمان قول وحديث ابن مسعود فعل وإذا تعارضا قدم القول والله أعلم» اهـ.
قلت: وبهذا يظهر أنَّه لا حجة في حديث ابن مسعود على عدم وجوب الإيتار في الاستنجاء. والله أعلم.
قلت: والحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار، على الصحيح من أقوال العلماء.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠١ - ٢٠٢): «وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار، وهو قول أبي بكر، وابن المنذر لقوله ﵇: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار، ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار". ولأنَّه إذا استجمر بحجر تنجس، فلا يجوز الاستجمار به ثانيًا كالصغير.
ولنا: أنَّه استجمر ثلاثًا منقية بما وجدت فيه شروط الاستجمار، فأجزأه كما لو فصله ثلاثة صغارًا، واستجمر بها، إذ لا فرق بين الأصل، والفرع إلَّا فصله، ولا أثر لذلك في التطهير، والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر دون عين الأحجار، كما يقال ضربته ثلاثة أسواط، أي: ثلاث ضربات بسوط، وذلك لأنَّ
[ ١ / ٤٨ ]
معناه معقول، ومراده معلوم، ولذلك لم نقتصر على لفظه في غير الأحجار، بل أجزنا الخشب، والخرق، والمدر، والمعنى من ثلاثة حاصل من ثلاث شعب، أو مسحه ذكره في صخرة عظيمة بثلاثة مواضع منها، أو في حائط، أو أرض، فلا معنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه من كل وجه، وقولهم: ينجس، قلنا: إنَّما ينجس ما أصاب النجاسة، والاستجمار حاصل بغيره، فأشبه ما لو تنجس جانبه بغير الاستجمار، ولأنَّه لو استجمر به ثلاثة لحصل لكل واحد منهم مسحة، وقام مقام ثلاثة أحجار، فكذلك إذا استجمر به الواحد، ولو استجمر ثلاثة بثلاثة أحجار لكل حجر منها ثلاث شعب، فاستجمر كل واحد منهم من كل حجر بشعبة أجزأهم، ويحتمل على قول أبي بكر أن لا يجزئهم» اهـ.
قلت: والمشهور من مذهب الموجبين للوتر في الاستجمار، أنَّه يكون في المخرجين، لكل مخرج ثلاثة أحجار، وذهب آخرون من أهل العلم إلى الاكتفاء بالثلاثة الأحجار للمخرجين.
واحتجوا بما رواه البخاري (١٥٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ"».
قلت: وليس الحديث بصريح فيما ذهبوا إليه، بل يحتمل أنَّ النَّبي ﷺ استعمله في المخرجين، فيكون حجة لما ذهبوا إليه، ويحتمل أن يكون
[ ١ / ٤٩ ]
استعمله في مخرج واحد، فلا حجة فيه حينئذ فيما ذهبوا إليه، وإذا تساوى فيه الاحتمال بطل الاستدلال به للفريقين. والله وأعلم.
والذي يظهر لي في هذه المسألة أنَّ الثلاثة الأحجار إن استوعبت المخرجين بحيث يمكن فيها أن يمسح الدبر بها ثلاث مسحات، والقبل كذلك فتجزؤه الثلاثة، وإلاَّ فلا تجزؤه. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٥٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» وَلِمُسْلِمٍ: «لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ».
قلت: لفظ الحديث عند البخاري (٢٣٩): «لَاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
وعند مسلم (٢٨٢): «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». وجاء عنده أيضًا بلفظ:
«لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ».
قوله: «الدائم» الدائم يطلق على الساكن الراكد من قولهم دام بالمكان أي أقام به، ويطلق على الدائر، يقال: أصاب الرأس دوام، أي: دوار.
قلت: والمراد بـ"الدائم" في هذا الحديث: "الساكن"، فقد جاء في صحيح مسلم (٦٥٣) عن جابر عن رسول الله ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ».
وقوله: «الذي لا يجري». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٤١١ - ٤١٢): «قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه، وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك، وقيل: احترز به عن الماء الدائر لأنَّه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية أبي عثمان عن
[ ١ / ٥١ ]
أبي هريرة التي تقدمت الإشارة إليها حيث جاء فيها بلفظ الراكد بدل الدائم، وكذا أخرجه مسلم من حديث جابر».
قلت: ولا يدخل في هذا النهي الماء الكثير المستبحر اتفاقًا.
قوله: «ثم يغتسل منه» هذه رواية مسلم، ورواية البخاري: «ثم يغتسل فيه».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٨): «الرواية يغتسل مرفوع أي: لا تبل، ثم أنت تغتسل منه، وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك ﵁ أنه يجوز أيضًا جزمه عطفًا على موضع يبولنَّ، ونصبه بإضمار أن، وإعطاء ثم حكم واو الجمع، فأمَّا الجزم فظاهر، وأمَّا النصب فلا يجوز لأنَّه يقتضى أنَّ المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه، أو منه، أم لا والله أعلم».
قلت: الرواية بالرفع هي الأشهر. ومعنى الحديث على هذه الرواية: لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم هو يغتسل منه، أي مآلك أن تحتاج إليه، فكيف تبول فيه؟!!
وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - اللفظ الأول يدل على تحريم البول في الماء الدائم الذي لا يجري، ومفهوم الصفة فيه، جواز ذلك في الماء الجاري. لكن إذا كان الماء الجاري قليلًا، فلا يجوز البول فيه، لأنَّ البول يقذره، وقد ينجسه، والله أعلم.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٨ - ١٧٩): «فإن كان الماء كثيرًا جاريًا، لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلًا جاريًا، فقد قال جماعة من أصحابنا: يكره، والمختار أنَّه يحرم لأنَّه
[ ١ / ٥٢ ]
يقذره، وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وغيره، ويغر غيره فيستعمله مع أنَّه نجس».
ومن عجيب الأقوال ما ذكره في [طرح التثريب] (١/ ٤٣٥) حيث قال ﵀: «فرَّق قوم من الشَّافعية في البول، والاغتسال في الماء الراكد بين اللَّيل، والنَّهار وجعلوا الكراهة في اللَّيل أشد، وذلك لما قيل أنَّ الماء باللَّيل للجن فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفًا من آفة تصيبه من جهتهم هكذا جزم به الرافعي وجزم ابن الرفعة في "الكفاية" بكراهة البول في الماء الكثير الجاري في اللَّيل لما قيل: إنَّ الماء باللَّيل للجن، وهو يخالف ما ذكره النَّووي من إطلاق كونه خلاف الأولى فقط واللَّه أعلم.» اهـ.
قلت: وظاهر هذا النهي هو التحريم، وبه قال أكثر العلماء، وهو الصحيح، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀ فذهب إلى كراهة ذلك.
٢ - ذهب أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد بالاغتسال فيه من الحدث وإن كان أكثر من قلتين، وذلك لأنَّ النبي صلى الله وسلم قرَّن بين البول فيه، والاغتسال منه فيما رواه أحمد (٩٥٩٤)، وأبو داود (٧٠) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». وهو حديث حسن.
قالوا: والبول ينجسه فكذلك الاغتسال.
قلت: وهذا احتجاج بدلالة الاقتران، وهي ضعيفة في هذا الموطن.
[ ١ / ٥٣ ]
قال الحافظ ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١٢٥): «وإنَّما تضعف دلالة الاقتران ضعفًا إذا استقلت الجمل في الكلام ولم يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنيين كما جاء في الحديث "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" حيث استدل به بعض الفقهاء على أن اغتسال الجنب في الماء يفسده، لكونه مقرونًا بالنهي عن البول فيه والله أعلم» اهـ.
قلت: ولا يلزم من الاقتران في اللفظ، الاقتران في الحكم. قال ﷾: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١] فلا يلزم من اقتران الأكل بإيتاء الزَّكاة وجوب الأكل.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٩٨٩ - ٩٩٠): «دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن، وضعفها في موطن، وتساوى الأمرين في موطن، فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه، وافترقا في تفصيله قويت الدلالة، كقوله: "الفطرة خمس"، ثم فصلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى: السنة، والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان، لكن تلك المقدمتان ممنوعتان، فليست الفطرة بمرادفة للسنة، ولا السنة في لفظ النبي هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع.
ومن ذلك قوله: "على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة، ويستاك ويمس من طيب بيته"، فقد اشترك الثلاثة في إطلاق لفظ الحق عليه إذا كان حقًا مستحبًا في اثنين منها، كان في الثالث مستحبًا، وأبين من هذا قوله: "وبالغ في الاستنشاق"،
[ ١ / ٥٤ ]
فإنَّ اللفظ تضمن الاستنشاق، والمبالغة، فإذا كان أحدها مستحبًا، فالآخر كذلك.
ولقائل أن يقول: اشتراك المستحب، والمفروض في لفظ عام، لا يقتضي تساويها، لا لغة، ولا عرفًا، فإنَّهما إذا اشتركا في شيء، لم يمتنع افتراقهما في شيء، فإن المختلفات تشترك في لازم واحد، فيشتركان في أمر عام، ويفترقان بخواصهما، فالاقتران: كما لا يثبت لأحدهما خاصية لا ينفيها عنه، فتأمله، وإنَّما يثبت لهما الاشتراك في أمر عام فقط.
وأمَّا الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه، فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة"، وقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده"، فالتعرض لدلالة الاقتران هاهنا في غاية الضعف، والفساد، فإنَّ كل جملة مفيدة لمعناها، وحكمها، وسببها، وغايتها منفردة به عن الجملة الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه، وإنَّما يشترك حرف العطف في المعنى إذا عطف مفردًا على مفرد، فإنَّه يشترك بينهما في العامل، كقام زيد وعمرو، وأمَّا نحو: اقتل زيدًا، وأكرم بكرًا، فلا اشتراك في معنى، وأبعد من ذلك ظن من ظن أنَّ تقييد الجملة السابقة بظرف، أو حال، أو مجرور يستلزم تقييد الثانية، وهذا دعوى مجردة بل فاسدة قطعًا،
ومن تأمل تراكيب الكلام العربي جزم ببطلانها.
[ ١ / ٥٥ ]
وأمَّا موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهرًا في التسوية، وقصد المتكلم ظاهرًا في الفرق، فيتعارض ظاهر اللفظ، وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر، وإلاَّ طلب الترجيح والله أعلم».
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [إرشاد الفحول] ص (٣٦٠): «دلالة الاقتران: وقد قال بها جماعة من أهل العلم، فمن الحنفية أبو يوسف، ومن الشافعية المزني، وابن أبي هريرة، وحكى ذلك الباجي عن بعض المالكية، قال: ورأيت ابن نصر يستعملها كثيرًا، ومن ذلك استدلال مالك على سقوط الزكاة في الخيل بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ قال: فقرن بين الخيل، والبغال، والحمير لا زكاة فيها إجماعًا، فكذلك الخيل.
وأنكر دلالة الاقتران الجمهور، فقالوا: إنَّ الاقتران في النظم، لا يستلزم الاقتران في الحكم. واحتج المثبتون، إمَّا بأنَّ العطف يقتضي المشاركة، وأجاب الجمهور: بأنَّ الشركة إنَّما تكون في المتعاطفات الناقصة المحتاجة إلى ما تتم به، فإذا تمت بنفسها فلا مشاركة، كما في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ فإنَّ الجملة الثانية معطوفة على الأولى، ولا تشاركها في الرسالة، ونحو ذلك كثير في الكتاب، والسنة، والأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه، ولا يشاركه غيره، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل خارجي، ولا نزاع فيما كان كذلك، ولكن الدلالة فيه ليست للاقتران، بل للدليل الخارجي، أمَّا إذا كان المعطوف ناقصًا، بأن لا يذكر خبره، كقول القائل: فلانة طالق، وفلانة، فلا خلاف في المشاركة، ومثله عطف المفردات، وإذا كان بينهما مشاركة في العلة
[ ١ / ٥٦ ]
فالتشارك في الحكم إنَّما كان لأجلها لأجل الاقتران، وقد احتج الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران».
وقد أجاد في الرد عليهم العلامة ابن قدامة في [المغني] (١/ ٤٤ - ٤٥) حيث قال ﵀: «ولنا: على طهارته أنَّ النبي ﷺ كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه رواه البخاري، ولأنَّه ﷺ صب على جابر من وضوئه إذ كان مريضًا، ولو كان نجسًا لم يجز فعل ذلك.
ولأنَّ النَّبي ﷺ، وأصحابه، ونسائه كانوا يتوضؤون في الأقداح، والأتوار، ويغتسلون في الجفان، ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء من المستعمل، ولهذا قال إبراهيم النخعي: ولا بد من ذلك، فلو كان المستعمل نجسًا لنجس الماء الذي يقع فيه، وقد روي عن النَّبي ﷺ أنَّه قدمت إليه امرأة من نسائه قصعة ليتوضأ منها فقالت امرأة: أني غمست يدي فيها وأنا جنب فقال:
"الماء لا يجنب"، ورواه الإمام أبو عبد الله في "المسند" "الماء لا ينجس"، وعندهم الحدث يرتفع من غير نية، ولأنَّه ماء طاهر لاقى محلًا طاهرًا فكان طاهرًا، كالذي غسل به الطاهر، والدليل على أنَّ المحدث طاهر ما روى أبو هريرة ﵁ قال: لقيني رسول الله ﷺ، وأنا جنب فانخنست منه، فاغتسلت، ثم جئت فقال: "أين كنت يا أبا هريرة"؟ قلت: يا رسول الله: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك، فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: "سبحان الله
[ ١ / ٥٧ ]
المسلم لا ينجس" متفق عليه، ولأنَّه لو غمس يده في الماء لم ينجسه ولو مس شيئًا رطبًا لم ينجسه ولو حمله مصل لم تبطل صلاته».
٣ - واحتج به الشافعية وغيرهم- ممن يقول بالقلتين- على نجاسة الماء الذي وقعت فيه نجاسة وهو دون القلتين، وإن لم يتغير.
قلت: هذه المسألة، - وهي مسألة حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة، هل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة له مطلقًا؟، أم يفرق بين الكثير، والقليل؟ وما هو ضابط الفرق بين القليل والكثير؟ أم لا ينجس إلَّا إذا تغير بالنجاسة مطلقًا، فيستوي في ذلك القليل والكثير؟ - وقع فيها نزاع كبير بين العلماء.
ومن أحسن من رأيت تكلم فيها، هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى، ولنفاسة ما ذكروه سوف أنقل ما سطروه بلفظه مع طوله، فإنَّ المقام يستدعي ذلك.
فأقول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٠ - ٣٥):
«وأما الماء إذا تغير بالنجاسات فإنَّه ينجس بالاتفاق، وأمّا ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة
أحدها: لا ينجس، وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك، وكثير من أهل الحديث، وإحدى الروايات عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ونصرها ابن عقيل في المفردات، وابن البناء وغيرهما.
والثاني: ينجس قليل الماء بقليل النجاسة، وهى رواية البصريين عن مالك.
[ ١ / ٥٨ ]
والثالث: وهو مذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى اختارها طائفة من أصحابه: الفرق بين القلتين، وغيرهما، فمالك لا يحد الكثير بالقلتين، والشافعي، وأحمد يحدان الكثير بالقلتين.
والرابع: الفرق بين البول، والعذرة المائعة، وغيرهما، فالأول ينجس منه ما أمكن نزحه دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني فإنِّه لا ينجس القلتين فصاعدًا، وهذا أشهر الروايات عن أحمد، واختيار أكثر أصحابه.
والخامس: أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا، وهذا قول أبي حنيفة، وأصحابه، لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه، ثم حدوا ما لا يصل إليه بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، ثم تنازعوا هل يحد بحركة المتوضئ، أو المغتسل، وقدّر ذلك محمد بن الحسن بمسجده فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع، وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسة هل يمكن تطهيرها، فزعم المزني أنَّه لا يمكن، وقال أبو حنيفة، وأصحابه يمكن تطهيرها بالنزح، ولهم في تقدير الدلاء أقوال معروفة.
والسادس: قول أهل الظاهر الذين ينجسون ما بال فيه البائل دون ما ألقى فيه البول، ولا ينجسون ما سوى ذلك إلَّا بالتغير.
وأصل هذه المسألة من جهة المعنى أنَّ اختلاط الخبيث، وهو النجاسة بالماء، هل يوجب تحريم الجميع، أم يقال بل قد استحال في الماء فلم يبق له حكم، فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول، ثم من استثنى الكثير قال هذا يشق الاحتراز من وقوع النجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك طائفة
[ ١ / ٥٩ ]
من أصحاب الشافعي، وأحمد، وأمَّا أصحاب أبى حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها، وقدروه بالحركة، أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق.
والصواب هو القول الأول، وأنه متى علم أنَّ النجاسة قد استحالت، فالماء طاهر سواء كان قليلًا، أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيبات، وحرّم الخبائث، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء، وغيره صفات الطيب، دون الخبيث، وجب دخوله في الحلال، دون الحرام.
وأيضًا فقد ثبت من حديث أبى سعيد أن النبي ﷺ قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلق فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
قال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح، وهو في المسند أيضًا عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
وهذا اللفظ عام في القليل، والكثير، وهو عام في جميع النجاسات، وأمَّا إذا تغير بالنجاسة، فإنَّما حرم استعماله لأنَّ جرم النجاسة باق، ففي استعماله استعمالها، بخلاف ما إذا استحالت النجاسة، فإنَّ الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة، ومما يبين ذلك أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثم شربها شارب لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حد الخمر إذ لم يبق شيء من طعمها، ولونها، وريحها، ولو صب لبن امرأة في ماء، واستحال حتى لم يبق له أثر، وشرب طفل ذلك الماء، لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضًا فإنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل
[ ١ / ٦٠ ]
في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فإنَّ الكلام إنمَّا هو فيما لم يتغير بالنجاسة، لا طعمة، ولا لونه، ولا ريحه.
فإن قيل: فإنَّ النبي ﷺ قد نهى عن البول في الماء الدائم، وعن الاغتسال فيه. قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم، لا يدل على أنَّه ينجس بمجرد البول، إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سدًا للذريعة، لأنَّ البول ذريعة إلى تنجيسه، فإنَّه إذا بال هذا، ثم بال هذا تغير الماء بالبول، فكان نهيه سدًا للذريعة، أو يقال: إنَّه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنَّه ينجسه، وأيضًا فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم، أنَّه يعم القليل، والكثير، فيقال لصاحب القلتين أتجوز بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوَّزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك، وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه، وما لا يمكن: أتسوغ للحجاج أن يبولوا في المصانع المبنية بطريق مكة؟ إن جوزته خالفت ظاهر النص، فإن هذا ماء دائم، والحديث لم يفرق بين القليل، والكثير، وإلاَّ نقضت قولك، وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق أتسوغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر النص، وإلاَّ نقضت قولك، فإذا كان النص، بل والإجماع دل على أنَّه نهى عن البول فيما ينجسه البول، بل تقدير الماء، وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل، والكثير، كان هذا الوصف المشترك بين القليل، والكثير مستقلًا بالنهى، فلم يجز تعليل النهى بالنجاسة، ولا يجوز أن يقال: إنَّه إنَّما نهى عن البول فيه لأنَّ البول ينجسه، فإنَّ هذا خلاف النص، والإجماع وأمَّا من فرق بين البول فيه، وبين
[ ١ / ٦١ ]
صب البول، فقوله ظاهر الفساد، فإنَّ صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول، إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول وأمَّا صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه.
فإن قيل: ففي حديث القلتين، أنَّه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة، وما ينوبه من السباع، والدواب، فقال: "إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث"، وفى لفظ: "لم ينجسه شيء"، قيل: حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبيِّن أنه من كلام ابن عمر، لا من كلام النبي ﷺ».
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن] (١/ ٧٥ - ٨٨):
«والاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات:
الأول: صحة سنده.
الثاني: ثبوت وصله وأنَّ إرساله غير قادح فيه.
الثالث: ثبوت رفعه وأنَّ وقف من وقفه ليس بعلة.
الرابع: أنَّ الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه.
الخامس: أنَّ القلتين مقدرتان بقلال هجر.
السادس: أنَّ قلال هجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار.
السابع: أنَّ القلة مقدرة بقربتين حجازيتين وأنَّ قرب الحجاز لا تتفاوت.
الثامن: أنَّ المفهوم حجة.
التاسع: أنَّه مقدم على العموم.
العاشر: أنَّه مقدم على القياس الجلي.
الحادي عشر: أنَّ المفهوم عام في سائر صور السكوت عنه.
الثاني عشر: أنَّ ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد.
[ ١ / ٦٢ ]
الثالث عشر: الجواب عن المعارض.
ومن جعلهما خمسمائة رطل احتاج إلى مقام
رابع عشر: وهو أنَّه يجعل الشيء نصفًا احتياطًا.
ومقام خامس عشر: أنَّ ما وجب به الاحتياط صار فرضًا.
قال المحددون: الجواب عمَّا ذكرتم:
أما صحة سنده فقد وجدت، لأنَّ رواته ثقات ليس فيهم مجروح ولامتهم، وقد سمع بعضهم من بعض، ولهذا صححه ابن خزيمة والحاكم والطحاوي وغيرهم.
وأمَّا وصله فالذين وصلوه ثقات وهم أكثر من الذين أرسلوه، فهي زيادة من ثقة ومعها الترجيح.
وأما رفعه فكذلك. وإنمَّا وقفه مجاهد على ابن عمر، فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفًا، لم يمنع ذلك سماع عبيد الله، وعبد الله له من ابن عمر مرفوعًا.
فإن قلنا: الرفع زيادة وقد أتى بها ثقة فلا كلام، وإن قلنا: هي اختلاف وتعارض، فعبيد الله أولى في أبيه من مجاهد، لملازمته له، وعلمه بحديثه، ومتابعة أخيه عبد الله له.
وأما قولكم إنَّه مضطرب، فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه، إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له من محمد بن عباد، ومحمد بن جعفر، كما قال الدارقطني: قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعًا، فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين، وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله، وعبد الله له جميعًا عن أبيهما، فرواه المحمدان عن هذا تارة وعن هذا تارة.
[ ١ / ٦٣ ]
وأما تقدير القلتين بقلال هجر، فقد قال الشافعي: حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا"، وقال في الحديث: "بقلال هجر"، وقال ابن جريج: أخبرني محمد، أنَّ يحيى بن عقيل أخبره، أنَّ يحيى بن يعمر أخبره، أنَّ رسول الله قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا، ولا بأسًا"، قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟، قال: قلال هجر، قال: فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين.
قال ابن عدي: محمد هذا هو: محمد بن يحيى، يحدث عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن عقيل.
قالوا: وإنَّ رسول الله ذكرها لهم في حديث المعراج، وقال في سدرة المنتهى: "فإذا نبقها مثل قلال هجر"، فدل على أنَّها معلومة عندهم.
وقد قال يحيى بن آدم، ووكيع، وابن إسحاق: القلة الجرة. وكذلك قال مجاهد: القلتان الجرتان.
وأما كونها متساوية المقدار، فقد قال الخطابي في "معالمه": قلال هجر مشهورة الصنعة، معلومة المقدار لا تختلف، كما لا تختلف المكاييل والصيعان.
وهو حجة في اللغة.
وأما تقديرها بقرب الحجاز، فقد قال ابن جريج: رأيت القلة تسع قربتين.
وابن جريج حجازي، إنَّما أخبر عن قرب الحجاز، لا العراق، ولا الشام، ولا غيرهما.
وأمَّا كونها لا تتفاوت، فقال الخطابي: القرب المنسوبة إلى البلدان المحذُّوة على مثال واحد.
[ ١ / ٦٤ ]
يريد أنَّ قرب كل بلد على قدر واحد لا تختلف. قال: والحد لا يقع بالمجهول.
وأمَّا كون المفهوم حجة، فله طريقان: أحدهما: التخصيص، والثاني: التعليل.
أما التخصيص: فهو أن يقال: تخصيص الحكم بهذا الوصف، والعدد لا بد له من فائدة، وهي: نفي الحكم عما عدا المنطوق.
وأما التعليل: فيختص التعليل بمفهوم الصفة وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنَّه علة له فينتفي الحكم بانتفائها، فإن كان المفهوم مفهوم شرط، فهو قوى، لأنَّ المشروط عدم عند عدم شرطه، وإلاَّ لم يكن شرطًا له.
وأما تقديمه على العموم: فلأنَّ دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة، وإذا خصَّ به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وإراقته، وبحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل.
وأما تقديمه على القياس الجلي: فواضح، لأنَّ القياس عموم معنوي، فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي بطريق الأولى، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس كخروجها من مقتضى لفظ العموم.
وأما كون المفهوم عامًا: فلأنَّه إنَّما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أنَّ نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي
[ ١ / ٦٥ ]
الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم، ولا إثبات حكم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعين بقيد عن جميعها.
وأما قولكم: إنَّ العدد خرج مخرج التحديد فلأنَّه عدد صدر من الشارع، فكان تحديدًا، وتقييدًا، كالخمسة الأوسق، والأربعين من الغنم، والخمس من الإبل، والثلاثين من البقر، وغير ذلك، إذ لا بد للعدد من فائدة، ولا فائدة له إلاَّ التحديد.
وأمَّا الجواب عن بعض المعارض: فليس معكم إلاَّ عموم لفظي، أو عموم معنوي، وهو القياس، وقد بيَّنا تقديم المفهوم عليهما.
وأما جعل الشيء نصفًا: فلأنَّه قد شك فيه، فجعلناه نصفًا احتياطًا، والظاهر أنَّه لا يكون أكثر منه، ويحتمل النصف فما دون فتقديره بالنصف أولى.
وأما كون ما أوجب به الاحتياط يصير فرضًا: فلأنَّ هذا حقيقة الاحتياط، كإمساك جزء من الليل مع النهار، وغسل جزء من الرأس مع الوجه.
فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندًا ومتنًا ووجه الاحتجاج به.
قال المانعون من التحديد بالقلتين: أمَّا قولكم إنَّه قد صح سنده، فلا يفيد الحكم بصحته، لأنَّ صحة السند شرط، أو جزء سبب للعلم بالصحة لا موجب تام، فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ، والعلة ولم ينتفيا عن هذا الحديث.
أما الشذوذ: فإنَّ هذا حديث فاصل بين الحلال، والحرام، والطاهر، والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة، والنصب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه أعظم من
[ ١ / ٦٦ ]
حاجتهم إلى نصب الزكاة، فإنَّ أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث، كنقل نجاسة البول، ووجوب غسله ونقل عدد الركعات ونظائر ذلك.
ومن المعلوم أنَّ هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله، وعبد الله، فأين نافع، وسالم، وأيوب، وسعيد بن جبير، وأين أهل المدينة، وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق لعزة الماء عندهم، ومن البعيد جدًا أن تكون هذه السنة عند ابن عمر، وتخفى على علماء أصحابه، وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحد منهم، ولا يروونها ويديرونها بينهم.
ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا، فلو كانت هذه للسنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه، وأهل المدينة أقوَّل الناس بها، وأرواهم لها.
فأي شذوذ أبلغ من هذا؟! وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر، علم أنَّه لم يكن فيه عنده سنة من النبي ﷺ فهذا وجه شذوذه.
وأمَّا عليه فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: وقف مجاهد له على ابن عمر، واختلف فيه عليه، واختلف فيه على عبيد الله أيضًا رفعًا ووقفًا،
ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي، وأبو العباس بن تيمية وقفه، ورجح البيهقي في سننه وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب.
[ ١ / ٦٧ ]
قال شيخنا أبو العباس: وهذا كله يدل على أنَّ ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي ﷺ، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ابنه ذلك عنه.
قلت: ويدل على وقفه أيضًا أنَّ مجاهدًا وهو العلم المشهور الثبت إنَّما رواه عنه موقوفًا.
واختلف فيه على عبيد الله وقفًا ورفعًا.
العلة الثانية: اضطراب سنده كما تقدم.
العلة الثالثة: اضطراب منه، فإنَّ في بعض ألفاظه "إذا كان الماء قلتين"، وفي بعضها "إذا بلغ الماء قدر قلتين، أو ثلاث"، والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدم.
قالوا: وأما تصحيح من صححه من الحفاظ، فمعارض بتضعيف من ضعفه، وممن ضعفه حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر وغيره، ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة.
قالوا: وأمَّا تقدير القلتين بقلال هجر، فلم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء أصلًا.
وأمَّا ما ذكره الشافعي فمنقطع، وليس قوله: "بقلال هجر" فيه من كلام النبي ﷺ، ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرح في الحديث أنَّ التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل، فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم، والحد الفاصل بين الحلال، والحرام الذي تحتاج إليه جميع الأمة، لا يوجد إلاَّ بلفظ شاذ بإسناد منقطع، وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٦٨ ]
قالوا: وأما ذكرها في حديث المعراج فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي ﷺ نبق السدرة بها، وما الرابط بين الحكمين، وأي ملازمة بينهما لكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها، وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد.
والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل حمل المطلق على المقيد.
والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه، وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة، فإنَّهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها.
والظاهر أنَّ الإطلاق في حديث القلتين إنَّما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسة من غيرها، فالإطلاق إنَّما ينصرف إليها، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد بلد دون غيره، هذا هو الظاهر، وإنَّما مثلَّ النبي ﷺ بقلال هجر لأنَّه هو الواقع في نفس الأمر، كما مثل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعي الجوزة دون النخل وغيره من أشجارهم، لأنَّه هو الواقع لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم.
وهكذا التمثيل بقلال هجر لأنَّه هو الواقع لا لكونها أعرف القلال عندهم.
هذا بحمد الله واضح.
وأمَّا قولكم: إنَّها متساوية المقدار فهذا إنَّما قاله الخطابي بناه على أنَّ ذكرهما تحديد، والتحديد إنَّما يقع بالمقادير المتساوية.
[ ١ / ٦٩ ]
وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة، وهو الثقة في نقله ولا أخبر به عيان.
ثم إنَّ الواقع بخلافه، فإنَّ القلال فيها الكبار، والصغار في العرف العام، أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد
ولهذا قال أكثر السلف القلة الجرة.
وقال عاصم بن المنذر أحد رواة الحديث: القلال الخوابي العظام.
وأمَّا تقديرها بقرب الحجاز فلا ننازعكم فيه، ولكن الواقع أنَّه قدر قلة من القلال بقربتين من القرب فرآها تسعهما، فهل يلزم من هذا أنَّ كل قلة من قلال هجر تأخذ قربتين من قرب الحجاز، وأنَّ قرب الحجاز كلها على قدر واحد ليس فيها صغار، وكبار، ومن جعلها متساوية، فإنَّما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله إنَّما يتم هذا أن لو كان التحديد مستندًا إلى صاحب الشرع، فأمَّا والتقدير بقلال هجر، وقرب الحجاز تحديد يحيى بن عقيل، وابن جريج، فكان ماذا؟!
وأمَّا تقرير كون المفهوم حجة فلا تنفعكم مساعدتنا عليه إذ المساعدة على مقدمة من مقدمات الدليل
لا تستلزم المساعدة على الدليل.
وأمَّا تقديمكم له على العموم فممنوع، وهي مسألة نزاع بين الأصوليين، والفقهاء، وفيها قولان معروفان.
[ ١ / ٧٠ ]
ومنشأ النزاع: تعارض خصوص المفهوم، وعموم المنطوق، فالخصوص يقتضي التقديم، والمنطوق يقتضي الترجيح، فإن رجحتم المفهوم بخصوصه، رجح منازعوكم العموم بمنطوقه.
ثم الترجيح معهم ههنا للعموم من وجوه:
أحدها: أنَّ حديثه أصح.
الثاني: أنَّه موافق للقياس الصحيح.
الثالث: أنَّه موافق لعمل أهل المدينة قديمًا، وحديثًا، فإنَّه لا يعرف عن أحد منهم أنَّه حدد الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفًا عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع، والمد، والأجناس، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم دون ما طريقه الاجتهاد، والاستدلال، فإنَّهم وغيرهم فيه سواء، وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم،
فتأمل هذا الموضع.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أنَّ المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهي عن البول في الماء الراكد، والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب، والأمر بغسل اليد من نوم الليل، فإنَّ هذه الأحاديث تدل على أنَّ الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير، ولا سبيل إلى تأثر كل ماء بها، بل لا بد من تقديره فتقديره بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما، لأنَّ التقدير بالحركة، والأذرع المعينة، وما يمكن نزحه، وما لا يمكن تقديرات باطلة لا أصل لها، وهي غير منضبطة في
[ ١ / ٧١ ]
نفسها، فرب حركة تحرك غديرًا عظيمًا من الماء، وأخرى تحرك مقدارًا يسيرًا منه بحسب المحرك والمتحرك.
وهذا التقدير بالأذرع تحكم محض، لا بسنة، ولا قياس، وكذا التقدير بالنزح الممكن مع عدم انضباطه، فإنَّ عشرة آلاف مثلًا يمكنهم نزح ما لا ينزحه غيرهم، فلا ضابط له.
وإذا بطلت هذه التقديرات، ولا بد من تقدير، فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته، إمَّا عن النبي ﷺ، وإمَّا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
قيل: هذا السؤال مبني على مقامات:
أحدهما: أنَّ النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة الماء المنهي عنه.
والثاني: أنَّ هذا التنجيس لا يعم كل ماء، بل يختص ببعض المياه دون بعض.
والثالث: أنَّه إذا تعين التقدير كان تقديره بالقلتين هو المتعين.
فأمَّا المقام الأول فنقول: ليس في شيء من هذه الأحاديث أنَّ الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول، والولوغ، وغمس اليد فيه.
أمَّا النهي عن البول فيه فليس فيه دلالة على أنَّ الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه، بل قد يكون ذلك لأنَّ البول سبب لتنجيسه، فإنَّ الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدتها ولو كانت قلالًا عظيمة،
فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين فيجوز للناس أن يبولوا في القلتين فصاعدًا، وحاشى لرسول الله ﷺ أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين، ويكون قد جوَّز للناس البول في كل ماء بلغ القلتين أو زاد عليهما، وهل هذا إلاَّ إلغاز في الخطاب أن يقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا
[ ١ / ٧٢ ]
يجري". ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقي، أو خمسمائة، مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام، وإفساد موارد الناس، ومياههم عليهم، وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر، وكل هذا خلاف مدلول الحديث، وخلاف ما عليه الناس، وأهل العلم قاطبة، فإنَّهم ينهون عن البول في هذه المياه، وإن كان مجرد البول لا ينجسها سدًا للذريعة.
فإنَّه إذا مكن الناس من البول في هذه المياه، وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغير وتفسد على الناس، كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال.
وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها، وإفساد طرقاتهم بذلك.
فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه، ومقصوده، وحكمته بنهيه، ومراعاته مصالح العباد، وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم، وطرقاتهم، وظلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم، وعلف دوابهم.
فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر، ويدل عليها تصرف الشرع في موارده، ومصادره، ويقبلها كل عقل سليم ويشهد لها بالصحة.
وأمَّا تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو بما يتحرك، أو لا يتحرك، أو بعشرين ذراعًا مكسرة، أو بما لا يمكن نزحه، فأقوال كل منها بكل معارض، وكل بكل مناقض، لا يشم منها رائحة الحكمة، ولا يشام منها بوارق المصلحة، ولا تعطل بها المفسدة المخوفة.
[ ١ / ٧٣ ]
فإنَّ الرجل إذا علم أنَّ النهي إنَّما تناول هذا المقدار من الماء لم يبق عنده وازع، ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه، وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال.
وكل شرط، أو علة، أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال.
ومما يدل على هذا أنَّ النبي ﷺ ذكر في النهي وصفًا يدل على أنَّه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء دائمًا لا يجري، ولم يقتصر على قوله: "الدائم"، حتى نبَّه على العلة بقوله: "لا يجري" فتقف النجاسة فيه فلا يذهب بها.
ومعلوم أنَّ هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما.
والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى، حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري، وقالوا: إن كانت الجرية قلتين فصاعدًا لم يتأثر بالنجاسة، وإن كانت دون القلتين تأثرت، وألغوا كون الماء جاريًا، أو واقفًا، وهو الوصف الذي اعتبره الشارع، واعتبروا في الجاري والواقف القلتين، والشارع لم يعتبره، بل اعتبر الوقوف والجريان.
فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديث، ولم تقيدوه بماء دون ماء لزمكم المحال، وهو أن ينهى عن البول في البحر لأنَّه دائم لا يجري.
قيل: ذكره الماء الدائم الذي لا يجري تنبيه على أنَّ حكمة النهي إنَّما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم، وأنَّ النهي إنَّما تعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن تفسدها الأبوال، فأمَّا الأنهار العظام، والبحار، فلم يدل نهي النبي عليها بوجه، بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل،
[ ١ / ٧٤ ]
والفرات، فجواز البول في البحار أولى، وأحرى، ولو قدر أنَّ هذا تخصيص لعموم كلامه فلا يستريب عاقل أنَّه أولى من تخصيصه بالقلتين، أو ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يمكن تبلغ الحركة طرفيه، لأنَّ المفسدة المنهي عن البول لأجلها لا تزول في هذه المياه بخلاف ماء البحر فإنَّه لا مفسدة في البول فيه،
وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل، وبوله في ظل الشجرتين، واستتاره بجذم الحائط، فإنَّه نهى عن التخلي في الظل النافع، وتخلى مستترًا بالشجرتين، والحائط حيث لم ينتفع أحد بظلهما، فلم يفسد ذلك الظل على أحد.
وبهذا الطريق يعلم: أنَّه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنَّه قد يحتاج إليه، فلأن ينهي عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى، ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم، ودع الظاهرية البحتة، فإنَّها تقسي القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة، وبهجتها، وما أودعته من الحكم، والمصالح، والعدل، والرحمة.
وهذه الطريق التي جاءتك عفوًا تنظر إليها نظر متكئ على أريكته قد تقطعت في مفاوزها أعناق المطي، لا يسلكها في العالم إلاَّ الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة، والاحتمالات المتعددة، والتقديرات المستبعدة.
فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية، وخدمه بها، وجعله أصلًا محكمًا يرد إليه متشابهها، فما وافقه منها قبله، وما خالفه تكلف له وجوها بالرد غير الجميل، فما أتعبه من شقي، وما أقل فائدته. ومما يفسد قول المحددين
[ ١ / ٧٥ ]
بقلتين: أنَّ النبي ﷺ نهي عن البول في الماء الدائم، ثم يغتسل البائل فيه بعد البول.
هكذا لفظ الصحيحين: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"، وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه، وهذا خلاف صريح للحديث، فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم، وإن جوزتموه خالفتم الحديث.
فإن جوَّزتم البول، والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعًا.
ولا يقال فهذا بعينه وارد عليكم، لأنَّه إذا بال في الماء اليسير، ولم يتغير جوَّزتم له الغسل فيه، لأنَّا لم نعلل النهي بالتنجيس، وإنَّما عللناه بإفضائه إلى التنجيس كما تقدم، فلا يرد علينا هذا.
وأمَّا إذا كان الماء كثيرًا فبال في ناحية، ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يصل إليها البول، فلا يدخل في الحديث، لأنَّه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه، وإلاَّ لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدًا، وهو فاسد.
وأيضًا فالنبي ﷺ نهى عن الغسل فيه بعد البول لما يفضي إليه من إصابة البول له.
قلت: ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل في مستحمه، وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول، فيقع في الوسواس، كما في الحديث: "فإنَّ عامة الوسواس منه"، حتى لو كان المكان مبلطًا لا يستقر فيه البول، بل يذهب مع الماء لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء.
[ ١ / ٧٦ ]
ونظير هذا: منع البائل أن يستجمر، أو يستنجي في موضع بوله، لما يفضي إليه من التلوث بالبول.
ولم يرد النبي ﷺ بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه.
والذي يدل على ذلك أنَّه قيل له في بئر بضاعة: أنتوضأ منها، وهي بئر يطرح فيها الحيض، ولحوم الكلاب، وعذر الناس، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
فهذا نص صحيح صريح على أنَّ الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، مع كونه واقفًا، فإنَّ بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلًا، فلا يجوز تحريم ما أباحه، وفعله قياسًا على ما نهى عنه، ويعارض أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا، وهذا في موضعه، وهذا في موضعه، ولا تضرب سنة رسول الله ﷺ بعضها ببعض.
فوضوؤه من بئر بضاعة وحالها ما ذكروه له دليل على أنَّ الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير،
ونهيه عن الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول، كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره فاستعملنا السنن على وجوهها.
وهذا أولى من حمل حديث بئر بضاعة على أنَّه كان أكثر من قلتين لأنَّ النبي ﷺ لم يعلل بذلك، ولا أشار إليه ولا دل كلامه عليه بوجه، وإنَّما علل بطهورية الماء، وهذه علة مطردة في كل ماء قل، أو كثر، ولا يرد المتغير، لأنَّ
[ ١ / ٧٧ ]
ظهور النجاسة فيه يدل على تنجسه بها، فلا يدخل في الحديث، على أنه محل وفاق فلا يناقض به.
وأيضًا: فلو أراد النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أي نجاسة كانت، لأتى بلفظ يدل عليه.
ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدل على مقدار، ولا تنجيس، فلا يحمَّل ما لا يحتمله.
ثم إنَّ كل من قدر الماء المتنجس بقدر خالف ظاهر الحديث، فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدروه بما لا يتحرك طرفاه، وأصحاب النزح خصوه بما لا يمكن نزحه، وأصحاب القلتين خصوه بمقدار القلتين، وأسعد الناس بالحديث من حمله على ظاهره، ولم يخصه، ولم يقيده بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازها، وإلاَّ منع من اغتساله في موضع بوله، كالبحر، ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره.
وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه فقد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما قال به، وقال بشيء لا يدل عليه لفظ الحديث.
لأنَّه إن عمم النهي في كل ماء بطل استدلاله بالحديث، وإن خصه بقدر خالف ظاهره، وقال ما لا دليل عليه، ولزمه أن يجوز البول فيما عدا ذلك القدر وهذا لا يقوله أحد.
فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرد الملاقاة على كل تقدير.
[ ١ / ٧٨ ]
وأما من قدره بالحركة فيدل على بطلان قوله: أنَّ الحركة مختلفة اختلافًا لا ينضبط، والبول قد يكون قليلًا، وقد يكون كثيرًا، ووصول النجاسة إلى الماء أمر حسي، وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى، أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات، فيا لله العجب حركة الطهارة ميزان ومعيار على وصول النجاسة وسريانها مع شدة اختلافها، ونحن نعلم بالضرورة أنَّ حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول، ونعلم أنَّ البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة، وما كان هكذا لم يجز أن يجعل حدًا فاصلًا بين الحلال والحرام.
والذين قدروه بالنزح أيضًا قولهم باطل، فإنَّ العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحه.
وأما حديث ولوغ الكلب فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا فإنَّه ما منكم إلَّا من خالفه، أو قيده، أو خصصه، فخالف ظاهره فإن احتج به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب كان احتجاجه باطلًا،
فإنَّ الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة فهو حجة عليه في العدد والتراب.
فأمَّا أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه، ولا يكون حجة عليه فيما خالفه فكلا.
ثم هم يخصونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه، وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص، ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر، وهو أنَّه إذا كان الماء رقيقًا جدًا وهو منبسط انبساطًا لا تبلغه الحركة أن يكون طاهرًا، ولا يؤثر الولوغ فيه،
[ ١ / ٧٩ ]
وإذا كان عميقًا جدًا وهو متضايق بحيث تبلغ الحركة طرفيه أن يكون نجسًا ولو كان أضعاف أضعاف الأول، وهذا تناقض بين لا محيد عنه.
قالوا: وإن احتج به من يقول بالقلتين، فإنَّه يخصصه بما دون القلتين، ويحمل الأمر بغسله، وإراقته على هذا المقدار، ومعلوم أنَّه ليس في اللفظ ما يشعر بهذا بوجه، ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث،
وإذا كان لا بد لهم من تقييد الحديث، وتخصيصه، ومخالفة ظاهره كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها وهو ولوغ متتابع في آنية صغار يتحلل من الكلب في كل مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء، ولا يخالف لونه لونه فيظهر فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء، وإن لم تر فأمر بإراقته وغسل الإناء.
فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وألصق به، وليس في حمله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنَّه إنَّما أراد الآنية المعتادة التي تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلاب، فإن كان حمله على هذا موافقة للظاهر فهو المقصود، وإن كان مخالفة للظاهر فلا ريب أنَّه أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة، فيكون أولى على التقديرين.
قالوا: وأمَّا حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من نومه، فالاستدلال به أضعف من هذا كله، فإنَّه ليس في الحديث ما يدل على نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته، والقول بنجاسته من أشذ الشاذ، وكذا القول بصيرورته مستعملًا ضعيف أيضًا، وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار
[ ١ / ٨٠ ]
القاضي وأتباعه، واختيار أبي بكر، وأصحاب أحمد، فإنَّه ليس في الحديث دليل على فساد الماء.
وقد بينا أنَّ النهي عن البول فيه لا يدل على فساده بمجرد البول، فكيف يغمس اليد فيه بعد القيام من النوم، وقد اختلف في النهي عنه فقيل: تعبدي، ويرد هذا القول أنَّه معلل في الحديث بقوله: "فإنَّه لا يدري أين باتت يده"، وقيل: معلل باحتمال النجاسة كثرة في يديه، أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار،
وهو ضعيف أيضًا، لأنَّ النهي عام للمستنجي، والمستجمر، والصحيح، وصاحب البثرات، فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمر، وصاحب البثور، وهذا لم يقله أحد.
وقيل: وهو الصحيح إنَّه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه، وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم، فإنَّه قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه" متفق عليه.
وقال هنا: "فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده"، فعلل بعدم الدراية لمحل المبيت، وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم، فإنَّ اليد إذا باتت ملابسة للشيطان، لم يدر صاحبها أين باتت، وفي مبيت الشيطان على الخيشوم، وملابسته لليد سر يعرفه من عرف أحكام الأرواح، واقتران الشياطين بالمحال التي تلابسها، فإنَّ الشيطان خبيث يناسبه الخبائث، فإذا نام العبد لم ير في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت، وأمَّا ملابسته ليده فلأنَّها أعم
[ ١ / ٨١ ]
الجوارح كسبًا وتصرفًا ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية فصاحبها كثير التصرف، والعمل بها، ولهذا سميت جارحة لأنَّه يجترح بها أي يكسب، وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء، وهي كما ترى وضوحًا وبيانًا، وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار.
والمقصود أنَّه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما والله أعلم.
وقد تبين بهذا جواب المقامين الثاني والثالث
فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر
فنقول: وأمَّا تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلي فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء، والأصوليين، ويقولون القياس الجلي مقدم عليه، وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة الاتفاق، فلأن يقدم على المفهوم المختلف في الاحتجاج به أولى.
ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس في صورة ما، فتقديم القياس ههنا متعين لقوته، ولتأيده بالعمومات، ولسلامته من التناقض الملازم لمن قدم المفهوم، كما سنذكره، ولموافقته لأدلة الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين، فالمصير إليه أولى، ولو كان وحده، فكيف بما معه من الأدلة، وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة من الكتاب، والسنة، والقياس الجلي، واستصحاب الحال، وعمل أكثر الأمة مع اضطراب أصل منطوقه، وعدم براءته من العلة، والشذوذ.
قالوا: وأمَّا دعواكم أنَّ المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها، فدعوى لا دليل عليها، فإنَّ الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين التخصيص، والتعليل كما نقدم.
[ ١ / ٨٢ ]
ومعلوم أنَّه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة لأنَّها دعوى مجردة، ولا لفظ معنا يدل عليها.
وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت، لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها، ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرط ليس في المنطوق، فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقًا، وثبوته للمفهوم بشرط فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق الثبوت، فمن أين جاء العموم للمفهوم وهو من عوارض الألفاظ، وعلى هذا عامة المفهومات.
فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لا يدل المفهوم على أنَّ بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له.
وكذا قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقًا.
وكذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ ونظائره أكثر من أن تحصى.
وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضًا، فإنَّه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقًا لجواز ثبوته بوصف آخر.
وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه، ومفهومه لا عموم له.
فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا.
وأمَّا قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد، والتقييد، كنصب الزكوات، فهذا باطل من وجوه:
[ ١ / ٨٣ ]
أحدها: أنَّه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال، والحرام، والطاهر، والنجس لوجب على النبي ﷺ بيانه بيانًا عامًا متتابعًا تعرفه الأمة، كما بين نصب الزكوات، وعدد الجلد في الحدود، ومقدار ما يستحقه الوارث، فإنَّ هذا أمر يعم الابتلاء به كل الأمة، فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا، ويكون ذلك حدًا عامًا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله، ولا تتناقله الأمة، ولا يكون شائعًا بينهم، بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف شأنه ما ذكرناه قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة، ولا يعرفه أهل بلدته، ولا أحد منهم يذهب إليه.
الثاني: أن الله ﷾ قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ (١١٥)﴾، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (١١٩)﴾، فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة منه ما هو حلال، ومنه ما هو حرام لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون، ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم.
فإنَّ المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه، والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون: لا يدل على شيء، فلم يحصل لهم بيان، ولا فصل الحلال من الحرام.
والآخرون يقولون: لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق، ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه، فكيف يكون هذا حدًا فاصلًا، فتبين أنه ليس في المنطوق، ولا في السكوت عنه فصل ولا حد.
[ ١ / ٨٤ ]
الثالث: أنَّ القائلين بالمفهوم إنَّما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرًا، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ (٣١)﴾ وذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم على قتلهم لا لاختصاص الحكم به.
ونظيره: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً (١٣٠)﴾ ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر العلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال.
نعم لو أنَّ النبي ﷺ قال هذا اللفظ ابتداءً من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.
الرابع: أنَّ حاجة الأمة حضرها، وبدوها على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته، فإنَّ الناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما ولا عرضهما ولا عمقهما، فإذا وقعت في الماء نجاسة، فما يدريه أنه قلتان، وهل تكليف ذلك إلاَّ من باب علم الغيب، وتكليف ما لا يطاق، فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنَّه قلتان، قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية، فإنَّها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، كعدد الجلدات، ونصب الزكوات، وعدد الركعات، وسائر الحدود الشرعية.
[ ١ / ٨٥ ]
الخامس: أنَّ خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل ألف رطل بالعراقي، ومن قائل ستمائة رطل، ومن قائل خمسمائة، ومن قائل أربعمائة.
وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدًا، فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين، واضطربت أقوالهم في ذلك، فما الظن بسائر الأمة، ومعلوم أنَّ الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها
السادس: أنَّ المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًا.
منها أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس، وإذا بال فيه لم ينجسه، ومنها أنَّ الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة، فوقعت في قلتين إلاَّ رطلًا مثلًا أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة، فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول، وطهارة الثاني.
وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها، وشعرة منها تقع في قلتين إلاَّ نصف رطل، أو رطلًا فتنجسها إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها.
وأما جعلكم الشيء نصفًا ففي غاية الضعف فإنَّه شك من ابن جريج، فيا سبحان الله يكون شكله حدًا لازمًا للأمه، فاصلًا بين الحلال، والحرام، والنبي ﷺ قد بيَّن لأمته الدين، وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فيمتنع أن يقدر لأمته حدًا لا سبيل لهم إلى معرفة إلاَّ شك حادث بعد عصر الصحابة يجعل نصفًا احتياطًا، وهذا بيَّن لمن أنصف.
[ ١ / ٨٦ ]
والشك الجاري الواقع من الأمة في طهورهم، وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين، فكيف يجعل شكهم حدًا فاصلًا فارقًا بين الحلال، والحرام، ثم جعلكم هذا احتياطًا باطل، لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك التكلف منها عملًا لآخر احتياطًا، وأمَّا الأحكام الشرعية، والإخبار عن الله ورسوله، فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلاَّ بما أخبر به ولا يثبت إلا ما أثبته.
ثم إنَّ الاحتياط هو في ترك هذا الاحتياط، فإنَّ الرجل تحضره الصلاة، وعنده قلة ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة، فتركه الوضوء منه مناف للاحتياط.
فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم: ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة، لأنَّ هذا لما كان طاهرًا قطعًا، وقد شككنا هل حكم رسول الله بتنجيسه، أم لا فالأصل الطهارة.
وأيضًا فأنتم لا تبيحون لمن شك في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم بل توجبون عليه الوضوء، فكيف تحرمون عليه الوضوء هنا بالشك، وأيضًا فإنكم إذا نجستموه بالشك نجستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية، وحرمتم شربه، والطبخ به، وأرقتم الأطعمة المتخذة منه، وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرد الشك وهذا مناف لأصول الشريعة، والله أعلم» اهـ.
٤ - احتج به الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه على التفريق بين بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين سائر النجاسات، فذهب إلى نجاسة الماء إذا وقع فيه بول الآدمي، أو عذرته المائعة، ولو كان فوق القلتين، وأما غيره من النجاسات: فتعتبر فيه القلتان.
[ ١ / ٨٧ ]
قلت: وقد سبق مناقشة هذا المذهب وغيره في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
٥ - ذهبت الظاهرية إلى أنَّ الحكم مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال في كوز وصبه في الماء: لم يضر عندهم، أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء: لم يضر عندهم أيضًا.
قال العلامة ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١/ ٧٣): «الرابع: مما يعلم بطلانه قطعًا: ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة: من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال في كوز، وصبه في الماء: لم يضر عندهم، أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء: لم يضر عندهم أيضًا، والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم، لاستواء الأمرين في الحصول في الماء، وأن المقصود: اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء وليس هذا من مجال الظنون بل هو مقطوع به».
قال العلامة النووي في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٩): «قال أصحابنا، وغيرهم من العلماء: والتغوط في الماء كالبول فيه، وأقبح، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، وكذا إذا بال بقرب النهر بحيث يجرى إليه البول، فكله مذموم قبيح منهي عنه، على التفصيل المذكور، ولم يخالف في هذا أحد من العلماء إلا ما حكي عن داود بن على الظاهري أن النهى مختص ببول الإنسان بنفسه، وأنَّ الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، وهذا الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء، وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر والله أعلم».
[ ١ / ٨٨ ]
قلت: كلام ابن حزم المشار إليه في كتابه [المحلى] (١/ ١٣٥ - ١٣٦) حيث قال ﵀: «فلو أحدث في الماء أو بال خارجًا منه، ثم جرى البول فيه فهو طاهر، يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلاّ أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئًا من أوصاف الماء فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلًا لا له ولا لغيره» اهـ.
وهل الاستنجاء في الماء الراكد كالبول فيه؟
قال العلامة النووي في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٩): «وأمَّا انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه، فإن كان قليلًا بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه، فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة، وتنجيس الماء، وإن كان كثيرًا لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، فإن كان جاريًا فلا بأس به وإن كان راكدًا فليس بحرام، ولا تظهر كراهته، لأنَّه ليس في معنى البول، ولا يقاربه، ولو اجتنب الإنسان هذا كان أحسن والله أعلم».
وقال العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (١/ ٤٣٧) - معلقًا على كلام النووي هذا-: «فإن كان أراد الاستنجاء من البول فواضح، وإن أراد الاستنجاء من الغائط ففي عدم الكراهة نظر خصوصًا لمن لم يخففه بالحجر ومع الانتشار، والكثرة فربما كان أفحش من البول واللَّه أعلم».
قلت: الاستنجاء في الماء الدائم إذا حصل تتابع الناس على ذلك، أثر هذا التتابع في الماء، وهذا أمر شاهدناه، في كثير من البرك التي يفعل بها ذلك، فلا يظهر لي مشروعية هذا الفعل، والله أعلم.
[ ١ / ٨٩ ]
٦ - احتج بقول النبي ﷺ: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». القائلون بأنَّ الماء المستعمل لرفع الحدث طاهر غير مطهر.
قالوا: فدل الحديث على أن المنع من الانغماس الماء الدائم لئلا يصير مستعملًا فيمتنع على الغير الانتفاع به.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٣): «وظاهر المذهب أن المستعمل في رفع الحدث طاهر غير مطهر، لا يرفع حدثًا، ولا يزيل نجسًا، وبه قال الليث، والأوزاعي، وهو المشهور عن أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وظاهر مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: أنَّه طاهر مطهر، وبه قال الحسن، وعطاء، والنخعي، والزهري. ومكحول، وأهل الظاهر، والرواية الثانية لمالك، والقول الثاني للشافعي، وروي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة فيمن نسي مسح رأسه إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل».
وقد رد ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٢٤٦) على القائلين بعدم طهورية الماء المستعمل فقال ﵀:
«وفيه: أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك، والثوري، والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إذا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملًا، ثم يمر به على كل جزء بعده، وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الوضوء بالماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرةً مرةً، ولما أجمعوا أنَّه جائز استعماله في العضو الواحد كان في سائر الأعضاء كذلك».
قلت: الذي يظهر لي في هذه المسألة هو رجحان قول من قال بطهورية الماء المستعمل، وذلك لأدلة منها:
[ ١ / ٩٠ ]
١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ فِى جَفْنَةٍ فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا - أَوْ يَغْتَسِلَ - فَقَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى كُنْتُ جُنُبًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ».
أخرجه أحمد (٣١٢٠، ٢٨٠٦، ٢٥٦٦، ٢١٠٢، ٢١٠١، ٢١٠٠)، وأبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧١، ٣٧٠)، والنسائي (١/ ١٧٣)، وغيرهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس به.
قلت: رواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٦٠) تحت حديث برقم (١٩٣): «وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلاَّ صحيح حديثهم».
قلت: ومما يدل على ضبط شعبة لأحاديث سماك قول يعقوب السدوسي- كما في [السير] (٥/ ٢٤٧) للذهبي، "والتهذيب" لابن حجر-: «روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة، وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم».
قلت: وهذا الحديث من رواية سفيان وشعبة عنه، فالذي يظهر لي ثبوت الحديث والله أعلم.
ومعنى الحديث: أي لا ينتقل له حكم الجنابة، وهو المنع من استعماله باغتسال الغير منه.
[ ١ / ٩١ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٦): «ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل، وهذا قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملًا، فإنَّه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: إن الماء لا يجنب».
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ١٣): «وقد صح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الماء لا ينجس"، وصح عنه أنه قال: "إنَّ الماء لا يجنب"، وهما نصان صريحان في أنَّ الماء لا ينجس بالملاقاة، ولا يسلبه طهوريته استعماله في إزالة الحدث، ومن نجسه بالملاقاة، أو سلب طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس، ويجنب».
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. فإنَّ الطهور بناء مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهرًا مطهرًا، واقتضت جواز كثرة استعماله، فإنَّ طهور على وزن فعول، وفعول لما يتكرر منه الفعل، فهو يدل على جواز تكرار التطهر به مرة بعد مرة.
٣ - البراءة الأصلية تقتضي جواز ذلك، ولم يأت المانعون بحجة قوية، وحديث النهي عن البول في الماء الدائم، لا يدل على ما ذهبوا إليه لثلاثة أمور:
الأول: أنَّ هذا المعني من المعاني الغير معقولة، فلو كان هو المراد لبيَّنه النبي ﷺ بيانًا ظاهرًا مزيلًا للبس.
الثاني: أنَّ النبي ﷺ قد أخبر بأنَّ الماء لا يجنب. وهذا مما ينافي هذا التعليل.
[ ١ / ٩٢ ]
الثالث: أنَّ هذا لو كان هو المقصود من النهي، لكان مخصوصًا بالانغماس في الماء الدائم. فأين الدليل على تعدي هذا الحكم، إلى الرشاش المتساقط من المتطهر في الماء الدائم، فإنَّ في اتقاء ذلك الحرج العظيم الذي لا تأتي بمثله شريعة الإسلام السمحة، ولم يعلم عن النبي ﷺ أنَّه كان يتقي ذلك، ولا عن أحد من أصحابه.
بل المعنى المعقول في نهي النبي صلى عليه وسلم من الاغتسال في الماء الدائم من أجل ما فيه من تقذير الماء على غيره والله أعلم.
فائدة:
ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ الماء يُسلب منه الطهورية بمخالطة الطاهر له الذي يمكن التحرز منه إذا غير صفة من صفاته وإن كان يطلق عليه اسم الماء، وهو مذهب الجمهور، وذهب أحمد في رواية إلى جواز التطهر به، وهذا هو الصحيح لدخوله في اسم الماء المطلق، وهو مذهب أبي حنيفة.
واستثنوا من ذلك التغير بسبب المجاورة، وذلك كتغير الماء بوضع الخشب والعيدان فيه فإنَّ تغير الماء بسبب انحلال أجزاء الخشب في الماء، ولهذا لو وضع الشخص قطنًا في فم قربة وصب فيها ذلك الماء المتغير لخرج نقيًا.
ومن ذلك الدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ولم يمع فيه، فلا يخرج به عن إطلاقه؛ لأنَّه تغيير مجاورة، أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه.
[ ١ / ٩٣ ]
واستثنوا من ذلك الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه كالمتغير بالطحلب وأوراق الشجر، وما تغير بسبب وجود شيء في قراره كالكبريت والقار.
وقالوا: وأمَّا إذا وضعت هذه الأشياء في الماء فتغير بها فلا يشرع التطهر به لأنَّ التحرز منه ممكن.
واستثوا أيضًا: ما كان موافقًا للماء في الطهارة والطهورية كالتراب فلا يؤثر تغير الماء به.
وقالوا: ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد.
واستثنوا أيضًا تغير الماء بالملح المنعقد منه كالملح البحري وغيره، وأمَّا الملح المعدني إذا غير الماء فلا يشرع التطهر به.
واستثنوا أيضًا: الماء الآجن وهو المتغير بطول المكث لأنَّ تغير بغير مخالطة، وكرهه ابن سيرين.
واستثنوا: التغير بمكان التطهير كغسل العضو الذي فيه أثر العجين أو الزعفران أو غير ذلك.
قلت: وكل هذه الاستناءات تدل على صحة قول من قال من العلماء: إنَّ الماء يجوز التطهر به ما دام يسمى ماءًا ولا عبرة بالتغير الذي لا يخرجه عن اسم الماء، إذا لا فرق معتبر بين هذه المسائل المستثناه وغيرها مما حكموا بعدم طهوريته بسبب تغيره، وذلك أنَّ التغير إذا كان يخرج الماء عن اسمه فلا فرق بين جل تلك الصور، وإن كان لا يخرجه عن اسم الماء فيجوز استعماله لدخوله فيما أمر الله بالتطهر به من الماء، ولا فرق حينئذ بين تلك الصور.
[ ١ / ٩٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٤ - ٢٩):
«أَمَّا مَسْأَلَةُ تَغَيُّرِ الْمَاءِ الْيَسِيرِ أَوْ الْكَثِيرِ بِالطَّاهِرَاتِ: كَالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَالسِّدْرِ والخطمي وَالتُّرَابِ وَالْعَجِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يُغَيِّرُ الْمَاءَ مِثْلَ الْإِنَاءِ إذَا كَانَ فِيهِ أَثَرُ سِدْرٍ أَوْ خطمي وَوُضِعَ فِيهِ مَاءٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ الَّتِي اخْتَارَهَا الخرقي وَالْقَاضِي وَأَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَاءِ مُطْلَقٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً (٦)﴾ [المائدة: ٦]. ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا أَنْوَاعًا بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ التَّغَيُّرِ حَاصِلًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ: فَهُوَ طَهُورٌ بِاتِّفَاقِهِمْ. وَمَا تَغَيَّرَ بِالْأَدْهَانِ وَالْكَافُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَفِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَمَا كَانَ تَغَيُّرُهُ يَسِيرًا: فَهَلْ يُعْفَى عَنْهُ أَوْ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَغَيْرِهَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَغَيِّرِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَغَيْرِهِ وَلَا بِمَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛ وَلَا بِمَا لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَمَا دَامَ يُسَمَّى مَاءً وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ غَيْرِهِ كَانَ طَهُورًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ وَهِيَ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا فِي أَكْثَرِ أَجْوِبَتِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﷾ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا
[ ١ / ٩٥ ]
مَاءً (٦)﴾ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ كُلَّ مَا هُوَ مَاءٌ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْمَاءِ؟. قِيلَ: تَنَاوُلُ الِاسْمِ لِمُسَمَّاهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْأَصْلِيِّ وَالطَّارِئِ وَلَا بَيْنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى اسْتِعْمَالِ هَذَا الْمُتَغَيِّرِ دُونَ هَذَا فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَعُمُومِ الِاسْمِ وَخُصُوصِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَاءٍ أَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ: لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؛ بَلْ إنْ دَخَلَ هَذَا دَخَلَ هَذَا وَإِنْ خَرَجَ هَذَا خَرَجَ هَذَا فَلَمَّا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى دُخُولِ الْمُتَغَيِّرِ تَغَيُّرًا أَصْلِيًّا أَوْ حَادِثًا بِمَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ: عُلِمَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" وَالْبَحْرُ مُتَغَيِّرُ الطَّعْمِ تَغَيُّرًا شَدِيدًا لِشِدَّةِ مُلُوحَتِهِ. فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَاءَهُ طَهُورٌ - مَعَ هَذَا التَّغَيُّرِ - كَانَ مَا هُوَ أَخَفُّ مُلُوحَةً مِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ طَهُورًا وَإِنْ كَانَ الْمِلْحُ وُضِعَ فِيهِ قَصْدًا؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْمِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ حُجَّةِ الْمَانِعِينَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَقَى مَاءً أَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَاءٍ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ مَاءَ الْبَحْرِ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الصِّفَةِ.
[ ١ / ٩٦ ]
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمُحَرَّمِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَأَمَرَ بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ السِّدْرَ لَا بُدَّ أَنْ يُغَيِّرَ الْمَاءَ فَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ يُفْسِدُ الْمَاءَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذَا تَغَيُّرٌ فِي مَحَلِّ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا يُؤَثِّرُ: تَفْرِيقٌ بِوَصْفِ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ الْمُتَغَيِّرَ إنْ كَانَ يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا وَهُوَ عَلَى الْبَدَنِ فَيُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ. وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ مَاءً مُطْلَقًا فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يُسَمَّ مُطْلَقًا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يُفَرِّقُونَ فِي التَّسْمِيَةِ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ.
وَأَمَّا الشَّرْعُ: فَإِنَّ هَذَا فَرْقٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وَالْقِيَاسُ عَلَيْهِ إذَا جُمِعَ أَوْ فُرِّقَ: أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ مَنَاطَ الْحُكْمِ جَمْعًا أَوْ فَرْقًا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَإِلَّا فَمَنْ عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِأَوْصَافِ جَمْعًا وَفَرْقًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: كَانَ وَاضِعًا لِشَرْعِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ شَارِعًا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. وَلِهَذَا كَانَ عَلَى الْقَائِسِ أَنْ يُبَيِّنَ تَأْثِيرَ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي جَعَلَهُ مَنَاطَ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ مِنْ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ هُوَ عِلَّةَ الْحُكْمِ. وَكَذَلِكَ فِي الْوَصْفِ الَّذِي فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ تَأْثِيرَهُ بِطَرِيقِ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ: لَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ إذَا قَلَّ الْمَاءُ وَانْحَلَّ الْعَجِينُ.
[ ١ / ٩٧ ]
فَإِنْ قِيلَ: ذَلِكَ التَّغَيُّرُ كَانَ يَسِيرًا؟ قِيلَ: وَهَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ سَوَّى بَيْنِ التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ مُطْلَقًا كَانَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ؛ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا حَدٌّ مُنْضَبِطٌ لَا بُلْغَةٌ وَلَا شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا عُرْفٌ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِفَرْقِ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ صَحِيحًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَانِعِينَ مُضْطَرِبُونَ اضْطِرَابًا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ أَصْلِ قَوْلِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْكَافُورِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ وَيَقُولُ: إنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ عَنْ مُجَاوَرَةٍ لَا عَنْ مُخَالَطَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ نَجِدُ فِي الْمَاءِ أَثَرَ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَرَقِ الرَّبِيعِيِّ وَالْخَرِيفِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْمِلْحَيْنِ: الْجَبَلِيِّ وَالْمَائِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا. وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا إجْمَاعٍ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ الَّذِي تَفَرَّعَتْ عَلَيْهِ مَأْخُوذًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] وَهَذَا بِخِلَافِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْقَوْلِ.
وَأَيْضًا. فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مُوَافِقٌ لِلْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ؛ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالظَّوَاهِرِ وَالْمَعَانِي؛ فَإِنَّ تَنَاوُلَ اسْمِ الْمَاءِ لِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ كَتَنَاوُلِهِ لِمَوَارِدِ النِّزَاعِ فِي اللُّغَةِ وَصِفَاتُ هَذَا كَصِفَاتِ هَذَا فِي الْجِنْسِ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
وَأَيْضًا. فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْمَانِعِينَ: يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لِمُعَارِضِ رَاجِحٍ؛ إذْ كَانَ يَقْتَضِي الْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ
[ ١ / ٩٨ ]
مِنْ الْمُتَغَيِّرَاتِ فِي طَهَارَتَيْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ الْمُتَغَيِّرُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَبِمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فَكَانَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِحْسَانٍ تُرِكَ لَهُ الْقِيَاسُ وَتَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: يَكُونُ رُخْصَةً ثَابِتَةً عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ بَيْنَ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ؛ فَيَكُونُ هَذَا أَقْوَى» اهـ.
* * *
[ ١ / ٩٩ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
وَلِمُسْلِمٍ: «أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِناءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ».
قوله: «إذا ولغ». يقال: ولغ يلغ بالفتح فيهما، وهو: أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، شرب، أو لم يشرب. فإن كان غير مائع يقال: لعقه، وإن كان فارغًا يقال: لحسه. ويقال: ليس شيء من الطيور يلغ غير الذباب.
قوله: «سبعًا» أي: سبع مرار.
قوله: «وعفروه» أي: أدلكوه بالعفر وهو التراب.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - مفهوم المخالفة في قوله: «إذا ولغ». يقتضي قصر الحكم على الولوغ كما هو مذهب ابن حزم الظاهري، لكن إذا قلنا: إنَّ الأمر بالغسل للتنجيس يتعدى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق، ويكون ذكر الولوغ خرج مخرج الغالب. وهذا هو الصحيح.
بقى إذا كان ما في الإناء جامدًا، فإنَّ الواجب حينئذ إلقاء ما أصاب الكلب بفمه ولا يجب غسل الإناء حينئذ إلَّا إذا أصابه فم الكلب.
[ ١ / ١٠٠ ]
قال العلامة النووي في [شرح المهذب] (٢/ ٥٨٧): «لو ولغ الكلب في أناء فيه طعام جامد ألقى ما أصابه وما حوله وبقى الباقي علي طهارته السابقة وينتفع به كما كان كما في الفارة تموت في السمن ونحوه».
٢ - مفهوم المخالفة في قوله: «إذا ولغ» يقتضي قصر الحكم على الولوغ، فإذا أدخل رجله، أو يده في الإناء، فلا يدخل في الأمر بالتسبيع، وهو مذهب الشافعي في القديم. وقال بعض الظاهرية، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي في غير لعابه أنَّه إنَّما يغسل منه مرة، وإن كان بولًا، أو عذرة، أو دمًا.
قلت: إذا بال في الإناء أو تغوط فيه، فالظاهر وجوب التسبيع بطريق الأولى، والله أعلم.
وهكذا قول من قال من أهل العلم: إذا ولغ في الإناء عدة كلاب، أو ولغ فيه كلب واحد عدة ولغات فيغسل من كل ولوغ سبع غسلات، قول غير صحيح، بل الصحيح الاكتفاء لكل ذلك بسبع غسلات.
قال في [طرح التثريب] (٢/ ١٤٣): «هل تتعدد الغسلات الواجبة في ولوغ الكلب بتعدد الولغات من كلب واحد أو كلبين فأكثر؟ فيه خلاف بين أصحابنا، والأصح أنَّه يكفي للجميع سبع، وقيل يجب لكل ولغة سبع، وقيل يكفي السبع في ولغات الكلب الواحد، وتتعدد بتعدد الكلاب، والله أعلم، وكذلك لو تنجس بنجاسة أجنبية غير الكلب لم تجب الزيادة على السبع بل يندرج الأصغر في الأكبر كالحدث على الصحيح، وادعى النووي، وابن الرفعة نفي الخلاف فيه،
[ ١ / ١٠١ ]
وليس بجيد ففيه وجه حكاه الرافعي في الشَّرْحُ الصغير أنَّه يجب غسله للنجاسة الأجنبية أيضًا، والله أعلم».
٣ - قوله: «شرب الكلب» الألف والاَّم في «الكلب» لبيان الجنس فدعوى بعض المالكية أنَّ المأمور بالغسل من ولوغه الكلب المنهي عن اتخاذه دون المأذون فيه قول ليس بصحيح. ومثله تفرقة بعضهم بين البدوي والحضري، ودعوى بعضهم أنَّ ذلك مخصوص بالكلب الكَلِب. كل هذه الأقوال مدفوعة، ليس لقائلها حجة توجب المصير إليها.
٤ - الأمر بالتسبيع وارد في نجاسة الكلب، فإلحاق الخنزير بالكلب، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ليس بصواب.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٧): «وأمَّا الخنزير فحكمه حكم الكلب في هذا كله. هذا مذهبنا. وذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعًا، وهو قول الشافعي وهو قوي في الدليل».
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح المهذب] (٢/ ٥٨٦): «واعلم أنَّ الراجح من حيث الدليل أنَّه يكفى غسلة واحدة بلا تراب وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنزير، وهذا هو المختار لأنَّ الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع، لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد، وممن قال يجب غسله سبعًا أحمد، ومالك فى رواية عنه، قال صاحب العدة: ويجرى هذا الخلاف الذي في الخنزير، فيما أحد أبويه كلب، أو خنزير، وذكر صاحب "التلخيص" في المتولد بين الكلب والخنزير قولين، وهذا صحيح لأنَّ الشرع إنَّما ورد في الكلب وهذا المتولد لا يسمى كلبًا».
[ ١ / ١٠٢ ]
٥ - قوله: «في إناء أحدكم» هذه الإضافة لا اعتبار لها ها هنا، لأنَّ الطهارة لا تتوقف على ملك الشخص. وكذا قوله: «فليغسله». لا يتوقف التطهير على أن يكون المالك للإناء هو الغاسل.
٦ - استدل بقوله: «في إناء أحدكم» على أنَّه إنَّما يغسل من ولوغ الكلب إذا كان ولوغه في إناء، أمَّا إذا ولغ في الحياض الكبيرة، ونحوها، فلا يجب التسبيع، ولا التتريب، وهذا هو الصواب، فإنَّ النبي ﷺ نصَّ على الإناء، فيلحق به ما كان مثله، فأمَّا الحياض الكبيرة فليس هناك ما يدل على دخولها في الحديث والله أعلم.
٧ - قوله: «في إناء أحدكم»، هل يلحق بالإناء سائر الأشياء، كالثياب وغيرها، فيه نزاع بين أهل العلم، الأكثر على الإلحاق، وذهب بعض العلماء إلى عدم الإلحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٨٧): «وقيل عنه: لا يجب التراب إلَّا في الإناء خاصة».
قلت: ويمكن أن يستدل لهذا القول بما أخرجه البخاري (١٧٤) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ».
قلت: ووجه الشاهد من الحديث هو حصول الطهارة من لعاب الكلب بلا غسل في غير الآنية.
[ ١ / ١٠٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٨٠): «وهذا الحديث احتج به من رأى أنَّ النجاسة إذا أصابت الأرض فإنَّها تطهر بالشمس، والريح، ونحو ذلك كما هو أحد القولين في مذهب الشافعي، وأحمد، وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة».
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ١٥٥ - ١٥٦): «وحديث ابن عمر ﵄ كالنص في ذلك، وهو قوله: كانت الكلاب تقبل، وتدبر، وتبول في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك، وهذا لا يتوجه إلَّا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس».
٨ - قوله: «فليغسله». يقتضي الفور بغسل الإناء عند ولوغ الكلب فيه، وإن كان لا يريد استعمال الإناء، لكن حمله الجمهور على الاستحباب إلَّا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء.
قلت: وما قالوه هو الذي يظهر لي والله أعلم.
٩ - الأمر بغسل الإناء من أجل نجاسة لعاب الكلب يستلزم إراقة ما فيه، فإنَّ النجاسة لم تصل إلى الإناء إلَّا بعد تنجيسها للماء، وقد جاء الأمر بالإراقة صريحًا في صحيح مسلم (٦٤٦) حيث قال ﵀:
«وحدثني علي بن حجر السعدي: حدثنا علي بن مُسهِر: أخبرنا الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ".
وحدثني محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن الأعمش بهذا الإسناد مثله ولم يقل: "فَلْيُرِقْهُ"».
[ ١ / ١٠٤ ]
قلت: لكن الأمر بالإراقة غير محفوظ في الحديث.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٣٠ - ٣٣١): «لكن قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه. وقال حمزة الكناني: إنَّها غير محفوظة. وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية، وشعبة. وقال ابن منده: لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلَّا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد. قلت: قد ورد الأمر بالإراقة أيضًا من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا أخرجه ابن عدي، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنَّه موقوف. وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفًا، وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره».
١٠ - قوله في الحديث: «فليغسله سبعًا». احتج به أبو حنيفة، وأحمد في رواية على جواز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل للعين والأثر، كالخل، وماء الورد، ونحوهما. وحجتهم في ذلك أنَّ النبي ﷺ أطلق الغسل، فتقييده بالماء يحتاج إلى دليل؛ ولأنَّه مائع طاهر مزيل، فجازت إزالة النجاسة به، كالماء، فأمَّا ما لا يزيل كالمرق، واللبن فلا خلاف في أنَّ النجاسة لا تزال به.
قلت: الصحيح من أقوال العلماء أنَّه يصح أن تزال النجاسة بكل ما يزيل عينها من مائع، وغيره، لكن ما يتعلق بلعاب الكلب، فالذي يظهر لي أنَّه لا بد فيه من الماء إذ هو الأصل في التطهير، ولأنَّ لعاب الكلب قد خصَّ بالتغليظ دون سائر النجاسات. والله أعلم.
[ ١ / ١٠٥ ]
١١ - الحديث يدل على نجاسة لعاب الكلب وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وخالفهم في ذلك الإمام مالك ﵀ فذهب إلى طهارته.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٢٩): «وحمل مالك هذا الأمر على التعبد، لاعتقاده طهارة الماء والإناء. وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنَّه لو كان للنجاسة: لاكتفى بما دون السبع، فإنَّه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة. وقد اكتفى فيها بما دون السبع. والحمل على التنجيس أولى؛ لأنَّه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا، أو معقول المعنى، كان حمله على كونه معقول المعنى أولى. لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.
وأمَّا كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، فممنوع عند القائل بنجاسته، نعم ليس بأقذر من العذرة، ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار.
وأيضًا فإذا كان أصل المعنى معقولًا قلنا به، وإذا وقع في التفاصيل ما لم يعقل معناه في التفصيل، لم ينقص لأجله التأصيل.
ولذلك نظائر في الشريعة، فلو لم تظهر زيادة التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر في التعبد على العدد، ونمشي في أصل المعنى على معقولية المعنى» اهـ.
قلت: الصحيح ما ذهب إليه الجمهور لثلاثة أمور:
الأول: الأمر بغسل الإناء منه، والأمر بالغسل يدل على النجاسة، وبذلك احتج العلماء على نجاسة الغائط، والمذي، ودم الحيض.
[ ١ / ١٠٦ ]
الثاني: أنَّه جاء في مسلم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
قلت: والحقيقة اللغوية في كلمة (طَهُورُ) أنَّها تستعمل إمَّا في رفع الحدث، أو في إزالة النجس، ولا حدث على الإناء فتعين النجس.
الثالث: ما ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٣٢) حيث قال: «وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأنَّ الغسل من ولوغ الكلب بأنَّه رجس، رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه» اهـ.
قلت: قال بعض العلماء: الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطب لأنَّ الشارع اعتبر السبع في مواضع منه كما في حديث عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي مرض فيه: «صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ»
أخرجه أحمد (٢٥٢٢٠)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (١٧٩)، والنسائي في [الكبرى]، وابن خزيمة في [صحيحه] (١٢٣، ٢٥٨)، وابن حبان في [صحيحه] (٦٥٩٦، ٦٥٩٩، ٦٦٠٠)، والحاكم في [مستدركه] (٥١٠، ٥١١، ٥١٢)، والطبراني في [الأوسط] (٥٥٢٨، ٦٧١٤)، والبيهقي في [الكبرى] (١٢٠)
من طريق معمر عن الزهري عن عروة أو عمرة عن عائشة.
قلت: هذا إسناد صحيح.
[ ١ / ١٠٧ ]
وقوله: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ».
أخرجه البخاري (٥٧٦٩، ٥٧٦٨، ٥٤٤٥)، ومسلم (٥٣٠٦، ٥٣٠٧) من حديث سعد ابن أبي وقاص.
قلت: لا يمنع أن يقال: إنَّ الغسل من أجل النجاسة، والتسبيع من أجل ما في لعابه من الميكروبات التي لا تزول إلَّا بالتسبيع مع التتريب، كما ثبت هذا طبيًا والله أعلم.
١٢ - احتج بهذا الحديث القائلون بنجاسة عين الكلب وذلك أنَّه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه، -باعتبار أنَّه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه-، فبقية بدنه أولى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٦١٦ - ٦١٨): «أمَّا الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة:
أحدها: أنَّه نجس كله حتى شعره، كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
والثاني: أنَّه طاهر حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه.
والثالث: أنَّ ريقه نجس، وأن شعره طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه، وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا أرجح الأقوال. فإذا أصاب الثوب، أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء أريق، وإذا ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره، ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة،
[ ١ / ١٠٨ ]
والشافعي، وأحمد، فأمَّا إن كان اللبن كثيرًا، فالصحيح أنَّه لا ينجس، وله في الشعور النابت على محل نجس ثلاث روايات:
إحداها: أنَّ جميعها طاهر حتى شعر الكلب، والخنزير، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز.
والثانية: أنَّ جميعها نجس كقول الشافعي.
والثالثة: أنَّ شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهرًا، كالشاة، والفأرة، وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس، كالكلب، والخنزير، وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه.
والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها شعر الكلب، والخنزير، وغيرهما بخلاف الريق، وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبًا، وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء
كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء، ولا تحريمه إلاَّ بدليل كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ (١١٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّ من أعظم المسلمين بالمسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته".
[ ١ / ١٠٩ ]
وفي السنن عن سلمان الفارسي مرفوعًا، ومنهم من يجعله موقوفًا أنَّه قال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه".
وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا أولاهن بالتراب". وفي الحديث الآخر: "إذا ولغ الكلب". فأحاديثه كلها ليس فيها إلَّا ذكر الولوغ، ولم يذكر سائر الأجزاء فتنجيسها إنَّما هو بالقياس، فإذا قيل: إنَّ البول أعظم من الريق كان هذا متوجهًا.
وأمَّا إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنَّه نابت على ظهره، والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا، وهذا، فإنَّ جمهورهم يقولون: إنَّ شعر الميتة طاهر بخلاف ريقها.
والشافعي وأكثرهم يقولون: إنَّ الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر، فغاية شعر الكلب أن يكون نابتًا في منبت نجس، كالزرع النابت في الأرض النجسة، فإذا كان الزرع طاهرًا، فالشعر أولى بالطهارة لأنَّ الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة، بخلاف الشعر فإنَّ فيه من اليبوسة، والجمود ما يمنع ظهور ذلك فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل، وغيره: إنَّ الزرع طاهر فالشعر أولى، ومن قال: إنَّ الزرع نجس فإنَّ الفرق بينهما ما ذكر، فإنَّ الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة، وهذا أيضًا حجة في المسألة، فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها، فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالًا باتفاق المسلمين لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة، وخبثها، فإذا زال ذلك عادت طاهرة، فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال
[ ١ / ١١٠ ]
بزوالها، والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلًا، فلم يكن لتنجيسه معنى».
١٣ - الحديث نص صريح في وجوب تسبيع الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وهو حجة على أبي حنيفة، في قوله: يغسل ثلاثًا.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣): «وأمَّا الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور، منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنَّه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضًا فقد ثبت أنَّه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أمَّا النظر فظاهر، وأمَّا الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه وهذا من أصح الأسانيد، وأمَّا المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه وهو دون الأول في القوة بكثير، ومنها أنَّ العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى. وأجيب بأنَّه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنَّه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. ومنها دعوى أنَّ الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهي عن قتلها نسخ الأمر بالغسل. وتعقب بأنَّ الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًا؛ لأنَّه من رواية أبي هريرة، وعبد
[ ١ / ١١١ ]
الله بن مغفل، وقد ذكر ابن مغفل أنَّه سمع ﷺ يأمر بالغسل وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أنَّ الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب» اهـ.
قلت: لفظ مسلم (٦٥١) عن ابن المغفل ﵁ قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ" ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ"».
وقال العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ١٣٨): «وحكي عن أبي حنيفة أيضًا، والثوري، والليث بن سعد أنَّه يغسل بلا حد، واحتجوا بقوله في بعض طرق حديث أبي هريرة مرفوعًا في الكلب يلغ في الإناء: "يغسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا". قالوا: فلو كان التسبيع واجبًا لم يخير بينها وبين الخمس، والثلاث، والحديث ضعيف؛ لأنَّه من رواية عبد الوهاب بن الضحاك أحد الضعفاء عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة عند الجمهور».
١٤ - ألحق الإمام أحمد ﵀ بالتسبيع في نجاسة الكلب، التسبيع في سائر النجاسات، والصحيح عدم اشتراط ذلك، فقد أباح النَّبي ﷺ الاستجمار بثلاثة أحجار، ولم يأمر بالتسبيع في الاستنجاء بالماء، ولا بغير ذلك من النجاسات.
وفي وجوب التتريب في نجاسة غير لعاب الكلب نزاع.
وللحنابلة وجهان في ذلك.
[ ١ / ١١٢ ]
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٨٧):
«مَسْأَلَةٌ قَالَ: "وَكُلُّ إنَاءٍ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ؛ مِنْ وُلُوغِ كَلْبٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ". النَّجَاسَةُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا؛ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُمَا، فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا ثَمَانِيًا، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ، وَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ ثَامِنَةً؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَعَ إحْدَى الْغَسَلَاتِ فَهُوَ جِنْسٌ آخَرُ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ» اهـ.
إلى أن قال (١/ ٩٠): «وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ السَّبْعِ، فَفِي وُجُوبِ التُّرَابِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ؛ قِيَاسًا عَلَى الْوُلُوغِ.
وَالثَّانِي لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْغَسْلِ لِلدَّمِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالتُّرَابِ إلَّا فِي نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ التُّرَابَ إنْ أُمِرَ بِهِ تَعَبُّدًا وَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى مَحَلِّهِ، وَإِنْ أُمِرَ بِهِ لِمَعْنًى فِي الْوُلُوغِ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ لَا تَنْقَلِعُ إلَّا بِالتُّرَابِ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ».
١٥ - الرواية الأولى من حديث أبي هريرة احتج بها أبو حنيفة ومالك في أنَّه لا يجب التتريب في الغسل من الولوغ إذ لم يذكره مالك في روايته لهذا الحديث، وليس فيه حجة فقد حفظه غيره من الثقات ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
[ ١ / ١١٣ ]
١٦ - الرواية الأخرى من حديث أبي هريرة تدل على وجوب تتريب الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي، وأحمد، وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومالك، وهما محجوجان بالسنة.
١٧ - وقوله: «أولاهن بالتراب». يدل على أنَّ التتريب يكون في الغسلة الأولى. وقد اختلفت في ذلك الروايات وأقواها رواية «أولاهن» كما بين ذلك الحافظ العراقي في بحث له نفيس في [طرح التثريب] (٢/ ١٥١ - ١٥٤) قال فيه: «اختلفت الروايات في المرة التي تجعل فيها التراب فعند مسلم كما تقدم: "أولاهن، أو قال: أخراهن بالتراب"، وفي رواية لأبي بكر البزار في "مسنده" "إحداهن" بالحاء، والدال المهملتين، ومن ذكر من المصنفين أنَّها لم ترد من حديث أبي هريرة فمردود عليه بذكر البزار لها في "مسنده".
وقد رواها الدارقطني هكذا أيضًا من حديث علي فقال فيه "إحداهن بالبطحاء"، وذكر النووي في "الفتاوى" أنَّها رواية ثابتة.
ولمسلم من حديث عبد الله بن مغفل: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب".
وقد اختلف كلام الشارحين في الجمع بينها، فجمع النووي بينها بأنَّ التقييد بالأولى، وبغيرها ليس على الاشتراط بل المراد إحداهن قال: وأمَّا رواية: "وعفروه الثامنة بالتراب" فمذهبنا، ومذهب الجماهير أنَّ المراد اغسلوه سبعًا واحدة منهن بتراب مع الماء فكأنَّ التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا.
وأشار ابن دقيق العيد إلى تضعيف هذا الجواب بأنَّه تأويل فيه استكراه.
[ ١ / ١١٤ ]
وهكذا يدل كلام البيهقي في "السنن" على تعذر الجمع بين رواية الثامنة بالتراب، وبين ما تقدم، فإنَّه صار إلى الترجيح دون الجمع، فقال - بعد ذكر حديث ابن مغفل في الثامنة ما صورته -: وأبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره فروايته أولى. فرجح البيهقي روايته بكونه أحفظ، وهو أحد وجوه الترجيح عند المعارضة.
وقد استشكل ابن دقيق العيد إجزاء الترتيب في أي غسلة شاء من الغسلات السبع بأنَّ رواية "إحداهن". على تقدير ثبوتها مطلقة، وقد قيدت في بعضها بأولاهن، وفي بعضها بالسابعة، فلا يجزئ التتريب في غيرهما لاتفاق القيدين على نفيه، وما ذكره استشكالًا، وبحثًا قد نصَّ عليه الشافعي في "مختصر البويطي" فقال: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب، ولا يطهره غير ذلك، وكذلك روي عن النبي ﷺ. هذا لفظه بحروفه، وعبارته في "الأم" قريبة من ذلك، وقد تبعه من أصحابه على تقييد ذلك بالأولى، أو الأخرى الزبيري في "الكافي" والمرعشي في كتاب "ترتيب الأقسام" ونقله الدارمي أيضًا في "الاستذكار" عن ابن جابر، وقد ضعف بعض مصنفي الحنفية الرواية التي ذكر فيها التراب بهذا الاضطراب من كونها: أولاهن، أو أخراهن، أو إحداهن، أو السابعة، أو الثامنة فقال: إنَّ هذا الاضطراب يقتضي طرح ذكر التراب رأسًا، وكذا قال صاحب "المفهم" إنَّّ هذه الزيادة مضطربة، وفيما قالاه نظر، فإنَّ الحديث المضطرب إنَّما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه
[ ١ / ١١٥ ]
الاضطراب، أمَّا إذا ترجح بعض الوجوه فالحكم للرواية الراجحة فلا يقدح فيها رواية من خالفها كما هو معروف في علوم الحديث.
وإذا تقرر ذلك فلا شك أنَّ رواية "أولاهن" أرجح من سائر الروايات، فإنَّه رواها عن محمد بن سيرين ثلاثة، هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام فتترجح بأمرين: كثرة الرواة، وتخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض.
وأمَّا رواية أخراهن بالخاء المعجمة، والراء فلا توجد منفردة مسندة في شيء من كتب الحديث إلاَّ أنَّ
ابن عبد البر ذكر في "التمهيد" أنَّه رواها خلاس عن أبي هريرة كما سيأتي في الوجه الذي يليه، إلاَّ أنَّها رويت مضمومة مع أولاهن كما سيأتي.
وأمَّا رواية "السابعة بالتراب" فهي، وإن كانت بمعناها، فإنَّه تفرد بها عن محمد بن سيرين قتادة وانفرد بها أبو داود، وقد اختلف فيها على قتادة فقال إبان عنه هكذا، وهي رواية أبي داود، وقال سعيد بن بشير عنه: "الأولى بالتراب"، فوافق الجماعة. رواه كذلك الدارقطني في "سننه"، والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضي ترجيح رواية أولاهن لموافقته للجماعة.
وأمَّا رواية: "إحداهن" بالحاء المهملة، والدال فليست في شيء من الكتب الستة، وإنَّما رواها البزار كما تقدم.
وأمَّا رواية "أولاهن، أو أخراهن"، فقد رواها الشافعي، والبيهقي من طريقه بإسناد صحيح، وفيه بحث أذكره، وهو أنَّ قوله: "أولاهن، أو أخراهن" لا تخلو إمَّا أن تكون مجموعة من كلام الشارع، أو هو شك من بعض رواة الحديث، فإن
[ ١ / ١١٦ ]
كانت مجموعة من كلام النبي ﷺ فهو دال على التخيير بينهما، ويترجح حينئذ ما نص عليه الشافعي ﵀ من التقييد بهما، وذلك؛ لأنَّ من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى، أو السابعة؛ لأنَّ كلًا منهم حفظ مرة فاقتصر عليها وحفظ هذا الجمع بين الأولى، والأخرى فكان أولى.
وإن كان ذلك شكًا من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح فترجح الأولى كما تقدم، ومما يدل على أنَّ ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع قول الترمذي في روايته "أولاهن، أو قال أخراهن بالتراب"، فهذا يدل على أنَّ بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ تعيين الأولى، ولها شاهد أيضًا من رواية خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة كما سيأتي في الوجه الذي يليه.
وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا من كون التتريب في المرة الأولى أولى وذكروا له معنى آخر، وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه بخلاف ما إذا أخر فكان هذا أرفق لكن حمله على الأولوية متقاصر عما دلت عليه الرواية الصحيحة فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم».
قلت: رواية «السابعة بالتراب» شذ بها أبان بن يزيد العطار في روايته عن قتادة.
وقد أخرج الحديث النسائي (١/ ١٧٧ - ١٧٨)، وأحمد (١٠٣٤٨) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
[ ١ / ١١٧ ]
عليه وسلم قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
قلت: وسعيد ابن أبي عروبة من أوثق الناس في قتادة.
وقد تابع سعيدًا متابعة قاصرة في ابن سيرين كل من:
١ - هشام ابن حسان، وحديثه أخرجه مسلم (٦٤٩)، وأحمد (١٠٥٤٤، ٩٤٧٩)، وأبو داود (٧١).
٢ - قرة بن خالد، وحديثه أخرجه الحاكم (٥٧٢)، والبيهقي في [الكبرى] (١١٠٢).
٣ - الأوزاعي، وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٠٧٨)، والدارقطني (١٨٢).
٤ - أيوب بن أبي تميمة، وحديثه عند البيهقي في [المعرفة] (٣٦٤).
٥ - يونس بن عبيد، وحديثه عند الطبراني في [الأوسط] (١٣٢٦).
٦ - سعيد بن بشير الأزدي، وحديثه عند الدارقطني (١٨٦).
قلت: وكل هذا مما يدل على شذوذ حديث أبان بن يزيد العطار.
قلت: رواية «إحداهنَّ» أخرجها أيضًا النسائي في [الكبرى] (٦٩) فقال:
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأ معاذ بن هشام قال: حدثنا أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
وأخرجه في [المجتبى] (٣٣٨) بهذا الإسناد بلفظ: «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
[ ١ / ١١٨ ]
وأخرجه سفيان بن عيينة في [مسنده] (٣٩) أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي حدثني أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
وأخرجه البيهقي في [الكبرى] (١٠٨٢»، والدارقطني في [سننه] (١٨٧) من طريق يزيد بن سنان ثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي الله ﷺ قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
قلت: فهذه اللفظة لا تخلوا من اختلاف فيها كما ترى.
والجمع بين رواية: «أولاهن»، ورواية: «الثامنة بالتراب» الذي ضعفه الحافظ ابن دقيق العيد، لا يظهر لي تضعيفه بل الذي يظهر لي أنه جمع قوي، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٨٦): «والصحيح أنَّه عد التراب ثامنة وإن لم تكن غسله، كما قال تعالى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ (٢٢)﴾، يحقق ذلك أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم فاعل على العدد من غير جنس المفعول يجعله زائدًا، كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، وإن كان من جنسه جعله أحدهم لقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ (٤٠)﴾، فلما قال: "سبع مرات" علم أنَّ التراب سماه ثامنًا لأنَّه من غير الجنس، وإلاَّ قال: فاغسلوه ثمانيًا، وعفروه الثامنة».
[ ١ / ١١٩ ]
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٣/ ٧٦٨):
«حمل المطلق على المقيد مشروط بأن لا يقيد بقيدين متنافيين فإن قيد بقيدين متنافيين امتنع الحمل وبقى على إطلاقه سبع مرات وعلم أنَّ القيدين تمثيل لا تقييد مثاله قوله في لوغ الكلب "فليغسله إحدهن بالتراب" مطلق وفي لفظ "أولاهن" وهذا مقيد بالأول.
وفي لفظ "أخراهن" وهذا مقيد بالآخرة فلا يحمل على أحدهما بل يبقى على إطلاقه» اهـ.
قلت: رواية «أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» جاءت مقترنة مع أولاهنَّ فقد جاء في الحديث «أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وهذا شك من قبل بعض الرواة والصحيح رواية «أُولَاهُنَّ».
فإذا تبيَّن هذا فلا اختلاف في القيود الواردة في الروايات الصحيحة.
١٨ - وذكر التراب في الحديث يدل على أنَّه لا يكفي الصابون، والأشنان، ونحوهما في طهارة لعاب الكلب، وهذا هو الصحيح وإن خالف ذلك بعض علماء الشافعية، والحنابلة في أحد الوجهين.
١٩ - ويدل أيضًا على أنَّه لو جعل في الثامنة ماءً بدل التراب أنَّه لا يحصل به التطهير، وهو الصحيح، ومن خالف في ذلك فخلافه شاذ مردود.
قال العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ١٦١): «وأمَّا من قال من أصحابنا يكفي؛ لأنَّ الماء أبلغ في التطهير من التراب فمردود؛ لأنَّه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال، ولو كان الماء أبلغ من التراب مطلقًا لجاز لمن وجد بعض ما يكفيه من الماء لأعضاء التيمم أن يقتصر على غسل
[ ١ / ١٢٠ ]
الوجه، واليدين دون التيمم؛ لأنَّ الماء أبلغ في التطهير، ولا قائل بذلك والله أعلم».
وقال العلامة النووي في [شرح المهذب] (٢/ ٥٨٤): «والأصح أنَّه لا يكفى بل لابد من التراب، والله أعلم».
٢٠ - قلت: ظاهر الحديث أنَّه لا يكتفي بالرمل عن التراب في نجاسة الكلب، وإنَّما أجزنا ذلك في التيمم؛ لأنَّه من جملة الصعيد، والله أعلم.
٢١ - قوله: «وعفروه الثامنة بالتراب» احتج به الإمام أحمد في رواية على أنَّ الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثمان غسلات.
قال في [طرح التثريب] (٢/ ١٦٣):
«فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى اشْتِرَاطِ الْغَسْلِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ ثَمَانِيًا وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِأَنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعًا بِالْمَاءِ وَمَرَّةً ثَامِنَةً بِالتُّرَابِ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ غَيْرُهُ.
قُلْت: قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَحَكَاهُ عَنْهُ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْحَدِيثُ قَوِيٌّ فِيهِ فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِوَجْهٍ فِيهِ اسْتِكْرَاهٌ.
وَقَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: يَنْبَغِي لِهَذَا الْمُخَالِفِ لَنَا أَنْ يَقُولَ: لَا يَطْهُرُ الْإِنَاءُ حَتَّى يُغْسَلَ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ الثَّامِنَةُ بِالتُّرَابِ لِيَأْخُذَ بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ وَفِي الْعَاشِرَةِ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ» اهـ.
[ ١ / ١٢١ ]
قلت: سائر الأحاديث جاءت بذكر السبع، وسبق بيان أنَّ غسلة التراب سميت ثامنة لأنَّها من غير جنس الماء.
وهل المراد بذلك أن يذر التراب في الإناء من غير أن يخلطه بالماء، أو لا بد من خلطه بالماء فيه احتمالان، والثاني أظهر الاحتمالين لقرينة ذكر الغسل فيما رواه مسلم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». وذلك أنَّ الأولى التي فيها التراب سماها النبي ﷺ غُسلًا وحقيقة الغسل استعمال الماء.
قال العلامة النووي ﵀ فقال في [شرح مسلم] (١/ ٤٤٨):
«وَأَمَّا رِوَايَة (وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ) فَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير: أَنَّ الْمُرَاد اِغْسِلُوهُ سَبْعًا وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاء، فَكَأَنَّ التُّرَاب قَائِم مَقَام غَسْلَة فَسُمِّيَتْ ثَامِنَة لِهَذَا. وَاَللَّه أَعْلَم».
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ١٥٧):
«فِي قَوْلِهِ: "فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" مَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَيُوَصِّلَهُ إلَى الْمَحَلِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ جَعَلَ مَرَّةَ التَّتْرِيبِ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْغَسَلَاتِ، وَذَرُّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ لَا يُسَمَّى غَسْلًا وَهَذَا مُمْكِنٌ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَرَّ التُّرَابَ عَلَى الْمَحَلِّ وَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ غَسَلَ بِالتُّرَابِ.
[ ١ / ١٢٢ ]
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: وَعَفِّرُوهُ قَدْ يُشْعِرُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالتَّتْرِيبِ بِطَرِيقِ ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ، فَإِنْ كَانَ خَلْطُهُ بِالْمَاءِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ تَعْفِيرًا لُغَةً فَقَدْ ثَبَتَ مَا قَالُوهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّعْفِيرِ حِينَئِذٍ يَنْطَلِقُ عَلَى ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ وَعَلَى إيصَالِهِ بِالْمَاءِ إلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ مُسَمَّى الْغَسْلَةِ يَدُلُّ عَلَى خَلْطِهِ بِالْمَاءِ وَإِيصَالِهِ إلَى الْمَحَلِّ بِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُقْتَضَى مُطْلَقِ التَّعْفِيرِ عَلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ التَّعْفِيرِ لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا أَعْنِي ذَرَّ التُّرَابِ وَإِيصَالَهُ بِالْمَاءِ انْتَهَى.
وَمَا أَبْدَاهُ الشَّيْخُ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي إجْزَاءِ ذَرِّ التُّرَابِ وَإِتْبَاعِهِ بِالْمَاءِ قَدْ صَرَّحَ بِالِاكْتِفَاءِ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ صَرَّحَ فِي التَّبْصِرَةِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ» اهـ.
* * *
[ ١ / ١٢٣ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧ - عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵄: «أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»
قوله: (دَعَا بِوَضُوءٍ) وهو بفتح الواو اسم للماء المعد للوضوء وبالضم للفعل.
قوله: (فَأَفْرَغَ) أي: صب.
قوله: (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) المضمضة: تحريك الماء في الفم.
قلت: وقد اختلف العلماء في إدارة الماء في الفم هل تشترط أو لا؟ والصحيح اشتراط ذلك، لأنَّ معنى المضمضة يدل على ذلك. والله أعلم.
وقد رجح ذلك العلامة الشوكاني في [شرح المنتقى] (١/ ١٧٢)، والشيخ ابن عثيمين في [الشَّرْحُ الممتع] (١/ ١٣٩)، وذهب إليه بعض علماء الشافعية، كما ذكر ذلك العلامة النووي في [شرح المهذب] (١/ ٣٩٥).
قوله: (وَاسْتَنْشَقَ) الاستنشاق: هو إدخال الماء في الأنف.
[ ١ / ١٢٤ ]
قوله: (وَاسْتَنْثَرَ) سبق الكلام في الاستنثار عند شرحنا في للحديث الرابع.
قوله: (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا) وحد الوجه من مبدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وليست النزعتان من الوجه، وهما: البياضان المكتنفان للناصية أعلى الجبينين اللذان ينحسر شعر الرأس عنهما في بعض الناس، ولا موضع الصلع، وهو: ما انحسر عنه الشعر فوق ابتداء التسطيح، وأمَّا الصدغان، وهما: في جانبي الأذن يتصلان بالعذارين من فوق فليسا من الوجه.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٨٦): «فَأَمَّا الصُّدْغُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدُ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ، وَهُوَ مَا يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا» اهـ.
ويدخل في الوجه موضع الغمم وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة.
والغمم: أن يسيل الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا.
قال أحد الشعراء:
ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا … أغم القفا والوجه ليس بأنزعا
يقال: رجل أغم، وامرأة غماء، والعرب تذم بالغمم، وتمدح بالنزع، لأنَّ الغمم يدل على البلادة، والجبن، والبخل، والنزع يدل على ضد ذلك.
وأمَّا موضع التحذيف ففيه نزاع فقيل: من الوجه، وقيل: من الرأس لاتصال شعره بشعر الرأس وهو: ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة،
[ ١ / ١٢٥ ]
سمي بذلك لأنَّ النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه. وضابطه كما أن يضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثاني على أعلى الجبهة، ويفرض هذا الخيط مستقيمًا فما نزل عنه إلى جانب الوجه فهو موضع التحذيف. وهو موضع الشعر الخفيف الذي ينزل منبته إلى الجبين بين بياضين: أحدهما بياض النزعة، والثاني بياض الصدغ.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٢٠٣):
«الْمُرَادُ بِرَأْسِ الْأُذُنِ الْجُزْءُ الْمُحَاذِي لَا عَلَى الْعِذَارِ قَرِيبًا مِنْ الْوَتَدِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَعْلَى الْأُذُنِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحَاذِيًا لِمَبْدَأِ الْعَذَارِ» اهـ.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّه من الوجه فقال كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٠٨):
«وَالصَّحِيحُ: أَنَّ النَّزْعَتَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ وَالتَّحْذِيفُ مِنْ الْوَجْهِ».
قلت: ويدخل في الوجه البياض الذي بين العذار والأذن، والعذار هو: الشعر النابت على العظم الناتئ المرتفع المحاذي لخرق الأذن. وقال مالك ليس من الوجه ولا يجب غسله، وخالفه في ذلك العلماء في سائر البلدان. وعن أبي يوسف يجب علي الأمرد غسله دون الملتحي، وحكي الماوردي هذا التفصيل عن مالك.
ويجب غسل العذار مع الوجه لأنَّه من جملة الوجه.
[ ١ / ١٢٦ ]
ولا يجب غسل البشرة المغطاة باللحية الكثيفة، وقد اتفق الأئمة الأربعة على ذلك، وخالفهم إسحاق بن راهويه، والمزني، وأبو ثور، فذهبوا إلى وجوب تخليل اللحية، وإيصال الماء إلى البشرة.
وهم محجوجون بحديث ابن عباس «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ».
أخرجه البخاري (١٤٠)، وأحمد (٢٤١٦)، وأبو داود (١٣٧).
وقد كان النبي ﷺ كث اللحية ولا شك أنَّ الغرفة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته.
واللحية الكثيفة هي: ما سترت البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب إلَّا فخفيف.
ويجب في اللحية الخفيفة غسل البشرة التي تحتها في مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يجب.
[ ١ / ١٢٧ ]
واختلف العلماء في اللحية المسترسلة هل هي داخلة في مسمى الوجه فيجب غسلها في الوضوء، أم هي خارجه عن مسماه فلا يجب غسلها، على قولين:
الأول: أنَّها داخلة في مسمى الوجه فيجب غسلها وهو مذهب الجمهور.
الآخر: أنَّها خارجة عن مسماه فلا يجب غسلها، كالذؤابة النازلة عن الرأس. وهو مذهب أبي حنيفة، والمزني.
وأجاب الجمهور على هذا القياس بأنَّ الرأس اسم لما ترأس، وعلا، وليست الذؤابة كذلك، والوجه ما حصلت به المواجهة وهى حاصلة بالمسترسل من اللحية.
ولا يدخل في غسل الوجه المأمور به غسل داخل العينين لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ ولما فيه من الضرر على العينين، ولا يجب ذلك لا في الحدث الأصغر ولا الأكبر.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٨٣):
«فَصْلٌ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ غَسْلَ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَبْلَغُ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَتُغْسَلُ فِيهِ بَوَاطِنُ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ، وَمَا تَحْتَ الْجَفْنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَدَاخِلُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَدَنِ الْمُمْكِنِ غَسْلُهُ فَإِذَا لَمْ تَجِبْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا.
[ ١ / ١٢٨ ]
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَسْنُونٍ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِبَصَرِهِ، وَفِعْلُ مَا يُخَافُ مِنْهُ ذَهَابُ الْبَصَرِ أَوْ نَقْصُهُ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٨٥):
«ويستحب غسل داخل العين إذا أمن الضرر في أحد الوجهين لأنَّ ابن عمر كان يفعله ولا يستحب في الآخر وهو أشبه لأنَّه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنَّه مظنة تخوف الضرر في الجملة مع تكرار الوضوء» اهـ.
قلت: أثر ابن عمر رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٩٩١)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٠٧٥)، والبيهقي في [الكبرى] (٨٧٠) من طريق نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ نَضَحَ الْمَاءَ فِى عَيْنَيْهِ وَأَدْخَلَ أَصْبَعَهُ فِى سُرَّتِهِ».
قلت: هذا أثر صحيح.
قوله: (إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) المرفق بكسر الميم، وفتح الفاء، عكسه لغتان مشهورتان الأولى أفصحهما وهو: مجتمع العظمين المتداخلين، وهما طرفا عظم العضد، وطرف عظم الذراع، وهو الموضع الذي يتكئ عليه المتكئ إذا ألقم راحته رأسه واتكأ على ذراعه. سمي بذلك لأنَّه يرتفق به في الاتكاء ونحوه.
[ ١ / ١٢٩ ]
وقوله: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) والرأس ما اشتملت عليه منابت الشعر، ومنه النزعتان، - وقد سبق بيانهما- ومنه الناصية: وهي الشعر الذي بين النزعتين. ومنه الصدغان وقد سبق بيانهما.
قلت: وقد اختلف العلماء في النزعتين، والصدغين هل هما من الرأس، أم من الوجه؟ والصحيح أنَّهما من الرأس، وقد روى أحمد (٢٦٩٠١)، وأبو داود (١٢٩)، والترمذي (٣٤) من حديث الربيع بنت معوذ ﵂ قالت:
«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً». لكن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل والراجح فيه الضعف.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - الاستعانة على إحضار ما يتوضأ به.
٢ - استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ولو لم يكن عقب نوم.
٣ - قوله: (فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ) فيه دليل على أنَّ غسلهما في أول الوضوء ثلاثًا سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء.
٤ - قوله: (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ) فيه استحباب الاغتراف باليمين. وأنَّ الاغتراف يكون بيد واحدة لا بكلتا اليدين.
٥ - قوله: (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ) فيه: أنَّ السنة في المضمضة، والاستنشاق أن يأخذ الماء لهما بيمينه.
[ ١ / ١٣٠ ]
٦ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ المضمضة، والاستنشاق يكونان بغرفة واحدة. ووجه الدلالة منه أنَّه ذكر تكرار غسل الكفين والوجه، وأطلق أخذ الماء للمضمضة. فدلَّ ذلك على أنَّ تكرار المضمضة، والاستنشاق يحصل بتلك الغرفة.
قلت: وسوف يأتي الكلام على هذه المسألة بمشيئة الله ﷿ عند شرحنا لحديث عبد الله بن زيد الآتي بعد هذا الحديث.
٧ - وقوله: (وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا) يدل على أنَّ غسل اليدين إنَّما يكون إلى المرفقين، وقد تنازع العلماء في المرفقين هل يدخلان في الغسل، أو لا يدخلان. فذهب أكثر العلماء إلى دخولهما، وخالف في ذلك زفر، وأبو بكر بن داود فقالا: لا يجب غسل المرفقين، والكعبين.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في [فتح الباري] (١/ ٣٥٠): «وقد قال الشافعي في "الأم": لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنَّما حكى عنه أشهب كلامًا محتملًا».
قلت: الصحيح دخولهما لحديث نُعيم بن عبد الله المجمِر قال:
«رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ
[ ١ / ١٣١ ]
رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ».
رواه مسلم (٥٧٨).
وروى الدارقطني (٢٧٠) حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، نا عمي، نا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي، عن حمران مولى عثمان بن عفان أنَّه حدثه أنَّه سمع عثمان بن عفان قال: «هَلُمُّوا أَتَوَضَّأُ لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».
قلت: ابن إسحاق مدلس وقد عنعن، ومحمد بن إبراهيم يحدث ببعض المناكير، وما أظن هذا الحديث إلَّا من مناكيره.
قلت: ولا بد من غسل اليدين من أطراف الأصابع ولا يكتفى بغسل اليدين من الرسغ.
قال العلامة القاري ﵀ في [عمدة القاري] (٣/ ٧٠)
«الْخَامِس: فِيهِ غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ، وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاثًا. فَإِنْ قلت: هَلْ هَذَا يغسل يَدَيْهِ هَهُنَا من أول الْأَصَابِع أَوْ يغسل ذِرَاعَيْهِ؟ قلت: ذكر فِي الأَصْل غسل ذِرَاعَيْهِ لَا غير لتقدم غسل الْيَدَيْنِ إِلَى الرسغ مرّة، وَفِي (الذَّخِيرَة): الْأَصَح عِنْدِي
[ ١ / ١٣٢ ]
أَنْ يُعِيد غسل الْيَدَيْنِ ظاهرهما وباطنهما، لِأَن الأول كَانَ سنة افْتِتَاح الْوضُوء، فَلَا يَنُوب عَنْ فرض الْوضُوء» اهـ.
قلت: وهناك من الحنفية من قال بإجزاء الغسل المتقدم للكفين عن إعادة غسلهما مرة أخرى.
فقال أبو بكر بن علي العبادي الزبيدي ﵀ في [الجوهرة النيرة] (١/ ٥)
«"قَوْلُهُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ ثَلَاثًا" يَعْنِي إلَى الرُّسْغِ وَهُوَ مُنْتَهَى الْكَفِّ عِنْدَ الْمَفْصِلِ وَيَغْسِلُهُمَا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ كَفَّيْهِ أَجْزَأَهُ» اهـ.
وقال ابن عابدين في [حاشيته] (١/ ١١٢ - ١١٣):
«وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ هُوَ مَا اخْتَارَهُ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُ فِي الدُّرَرِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَدْرُ كَلَامِهِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ كَمَالٍ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ وَالسِّرَاجِ؛ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَيُعِيدُ غَسْلَهُمَا. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطْهِيرُ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ
[ ١ / ١٣٣ ]
النِّيَابَةِ مِنْ حَيْثُ ثَوَابُ الْفَرْضِ لَوْ أَتَى بِهِ مُسْتَقِلًّا قَصْدًا إذْ السُّنَّةُ لَا تُؤَدِّيه وَيُؤَدِّيه اتِّفَاقُهُمْ عَلَى سُقُوطِ الْحَدَثِ بِلَا نِيَّةٍ. اهـ.
حَاصِلُهُ أَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ لَكِنْ فِي ضِمْنِ الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ لَا قَصْدًا، وَالْفَرْضُ إنَّمَا يُثَابُ عَلَيْهِ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ الْفَرْضِيَّةِ؛ كَمَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ قَدْ نَسِيَهَا وَاغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ضِمْنًا وَلَا يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ وَهُوَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَيُسَنُّ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْفَرْضِ قَصْدًا، وَلَا يَنُوبُ الْغَسْلُ الْأَوَّلُ مَنَابَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ نَابَ مَنَابَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يُعِدْهُ سَقَطَ الْفَرْضُ كَمَا يَسْقُطُ لَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا.
وَيَظْهَرُ لِي عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْفَرْضِيَّةِ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْغَسْلِ الْمُجْزِئِ عَنْ الْفَرْضِ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُسَنُّ إعَادَةُ الْغَسْلِ لِمَا مَرَّ فَتَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ. وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ، إذْ يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِأَنَّ إعَادَةَ غَسْلِهِمَا عَبَثٌ وَإِسْرَافٌ فَافْهَمْ» اهـ.
٨ - وقوله: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) احتج بها وبقول الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦] من لم ير المسح على العمامة لأنَّ العمامة ليست برأس.
[ ١ / ١٣٤ ]
وهذه المسألة تنازع فيها العلماء فذهب أكثر الأئمة إلى عدم جواز الاقتصار على مسحها من غير مسح جزء من الرأس.
وقالت طائفة: يجوز الاقتصار على العمامة قاله أبو بكر الصديق، وعمر، وأنس بن مالك، وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، واسحق، ومحمد بن جرير، وداود. وهذا القول هو الصحيح لدلالة السنة عليه.
فروى البخاري (٢٠٥) عن عمرو بن أمية الضَّمْرِيِّ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ».
وروى الإمام مسلم في [صحيحه] (٦٣٦) من حديث بلال ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ».
وقوله: (وَالْخِمَارِ) يعني به العمامة لأنَّها تخمر الرأس أي تغطيه.
وعن ثوبان ﵁ قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ».
أخرجه أحمد (٢٢٢٨٣)، وأبو داود (١٤٦). وهو حديث صحيح.
وقوله: (عَلَى الْعَصَائِبِ) قيل: المراد بالعصابة العمامة، وقيل: وهي ما يشد به الرأس من عمامة، أو منديل.
[ ١ / ١٣٥ ]
وقوله: (وَالتَّسَاخِينِ) هي كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، وقيل: هما الخفان.
قلت: وأمَّا قولهم: لأنَّ العمامة ليست برأس، فيجاب عنه بأنَّ السنة قد دلت على مشروعية ذلك، والواجب التسليم لها، وعدم معارضتها بالرأي، وبأنَّ الدليل قد جاء بمسح الشعر ولا يسمى رأسًا، وجاء أيضًا بالمسح على الخفين، ولا يسمى الخف رجلًا. والله أعلم.
فائدة: ذهب الإمام أحمد إلى أنَّ المسح على العمامة كالمسح على الخفين فيكون يومًا وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
وقد جاء في ذلك ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٧٥٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، ثنا مَرْوَانُ أَبُو سَلَمَةَ، ثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ».
قُلْتُ: مروان أبو سلمة قال فيه البخاري "منكر الحديث"، وشهر ضعيف.
وله شاهد من حديث المغيرة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٢٦٤):
«الْخَامِسُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ الْعَزِيزِ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ رُدَيْحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ١ / ١٣٦ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ"» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُحْتَمَلٌ لِلْتَحْسِيْنِ، للاختلاف في عمر بن رديح، فقد قال فيه ابن معين صالح، ووثقه ابن حبان والعجلي، وذكره ابن شاهين في "ثقاته" وضعفه أبو حاتم، لكن بقى النظر في مبدأ الإسناد، ولم يسقه شيخ الإسلام حتى ينظر فيه.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٠٠٥) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّسَوِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ رُدَيْحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: آخِرُ غَزَاةٍ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى خِفَافِنَا: «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مَا لَمْ يَخْلَعْ».
قُلْتُ: شيخ الطبراني لم أعرفه، وليس في الحديث ذكر العمامة.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٣٧٦) من طريق أخرى إلى عمر بن رديح كرواية الطبراني، وفي الإسناد من لم أعرفه.
والأظهر أنَّه لا يشترط في مسح العمامة ما يشترط في المسح على الخفين لعدم ما يدل على ذلك من الأدلة الصحاح، ولو كان ذلك مما يجب لبينه النبي ﷺ كما بيَّن أحكام المسح على الخفين.
[ ١ / ١٣٧ ]
والحنابلة يشترطون ذلك ويشترط أكثرهم أن تكون محنكة وذات ذؤابة ولم يشترط بعضهم ذلك ومنهم شيخ الإسلام فأجاز المسح على العمامة الصماء التي لا حنك فيها ولا ذؤابه، وهذا هو الأظهر.
ولا تمسح الأذنان عند مسح العمامة في قول أكثر العلماء، ومنهم من رأى المسح، والصحيح عدم المسح لأنَّه لم ينقل ذلك في السنة.
وتستوعب العمامة في المسح كما يستوعب الرأس وقيل يكتفي بالمسح على أكوارها، والصحيح الأول لأنَّ المسح على العمامة بدل عن المسح على الرأس وهو بدل من الجنس فيقوم مقامه في الاستيعاب بعكس المسح على الخفين فلا يشترط الاستيعاب لأنَّه بدل عن غسل القدم فهو بدل عن غير الجنس ولا يشترط في غير الجنس المماثلة في الاستيعاب إلَّا إذا دلَّ الدليل عليه.
ولا يجب مسح ما ظهر عادة من أطراف الرأس، وهل يستحب مسحه هنالك من علماء الحنابلة من استحب مسحه والأظهر الاقتصار على ما وردت به السنة من المسح على الناصية والعمامة.
قُلْتُ: وفي وضع اليد المبللة على الرأس من غير مسح نزاع في إجزائه والأظهر عدم الإجزاء، وهكذا في غسله نزاع والأظهر الإجزاء لأنَّه أبلغ من المسح مع مخالفة السنة.
قال العلامة الزركشي ﵀ في [شرحه لمختصر الخرقي] (١/ ٤١).
[ ١ / ١٣٨ ]
«ويخرج من كلامه ما لو وضع يده على رأسه ولم يمرها، فإنَّه لا يجزئه، لعدم المسح، وبه قطع أبو البركات وغيره، ولأبي محمد فيه احتمال بالإجزاء، وما لو غسل رأسه بدل مسحه، وهو الصحيح من الروايتين، عند أبي البركات، وابن عقيل، نعم: أن أمّر يده أجزأه، على المعروف المشهور، وقيد ابن حمدان إجزاء الغسل عن المسح بما إذا نواه به، والله أعلم» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٦ - ٩٧):
«فَصْلٌ: فَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَسَحَ وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ، فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، كَالْمَسْحِ عَنْ الْغَسْلِ. وَالثَّانِي يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جُنُبًا فَانْغَمَسَ فِي مَاءٍ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأهُ مَعَ عَدَمِ الْمَسْحِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مُنْفَرِدًا؛ وَلِأَنَّ فِي صِفَةِ غَسْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْحًا؛ وَلِأَنَّ الْغَسْلَ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسْحِ، فَإِذَا أَتَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ يَنْوِي بِهِ الْوُضُوءَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مَعَ الْغَسْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَسْحِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ، حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ
[ ١ / ١٣٩ ]
رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إلَى مُقَدَّمِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ حَصَلَ عَلَى رَأْسِهِ مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ صَبَّ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الطَّهَارَةَ، أَوْ كَانَ قَدْ صَمَدَ لِلْمَطَرِ، أَجْزَأَهُ.
وَإِنْ حَصَلَ الْمَاءُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمَاءِ، فَمَتَى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَلَلِ وَمَسَحَ بِهِ فَقَدْ مَسَحَ بِمَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ، فَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ، كَمَا لَوْ حَصَلَ بِقَصْدِهِ. فَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ بِيَدِهِ، وَقُلْنَا إنَّ الْغَسْلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَسْحِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ قَصَدَ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ. وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يُجْزِئْ الْغَسْلُ عَنْ الْمَسْحِ، لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ» اهـ.
قلت: حديث معاوية رواه أبو داود (١٢٤) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ، تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ، أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ».
قلت: وفي سماع أبي الأزهر ويزيد من معاوية نظر.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤١٠):
[ ١ / ١٤٠ ]
«ولو قطر الماء على رأسه ولم يسل أو وضع عليه يده المبتلة ولم يمرها عليه أو غسل رأسه بدل مسحه أجزأه على الصحيح وبه قطع الأكثرون لأنَّه في معنى المسح وفيه وجه أنَّه لا يجزيه لأنَّه لا يسمى مسحًا حكاه المتولي والبغوي والروياني والشاشي وغيرهم ونقل إمام الحرمين الاتفاق على إجزاء الغسل قال لأنَّه فوق المسح فإجزاء المسح مبني على إجزاء الغسل من طريق الأولى فإذا قلنا بالمذهب وهو إجزاء الغسل فقد نقل إمام الحرمين والغزالي في "البسيط" اتفاق الأصحاب على أنَّه لا يستحب وهل يكره فيه وجهان: قال إمام الحرمين في "النهاية" قال الأكثرون وهو مكروه لأنَّه سرف كالغسلة الرابعة وبهذا قطع المحاملي في اللباب والجرجاني في "التحرير".
والوجه الثاني: لا يكره وهو قول القفال ولم يذكر إمام الحرمين في الأساليب غيره وصححه الغزالي في الوجيز والرافعي» اهـ.
قلت: ولا يشترط أن يباشر المسح بيده فيجوز أن يمسح رأسه بخرقة مبلولة ونحو ذلك.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٧):
«فَصْلٌ: وَإِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ، أَجْزَأَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ مَسَحَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ مَسْحَهُ بِيَدِهِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَسَحَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ.
[ ١ / ١٤١ ]
وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِيَدِهِ. وَإِنْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً فَابْتَلَّ بِهَا رَأْسُهُ، أَوْ وَضَعَ خِرْقَةً ثُمَّ بَلَّهَا حَتَّى ابْتَلَّ شَعْرُهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَسْحٍ وَلَا غَسْلٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَّ شَعْرَهُ قَاصِدًا لِلْوُضُوءِ، فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَهُ. وَإِنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ أَجْزَأَهُ إذَا مَسَحَ بِهِمَا مَا يَجِبُ مَسْحُهُ كُلُّهُ. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِإِصْبَعِهِ، فَأَمَّا إنْ اسْتَوْعَبَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ يَدِهِ، أَشْبَهَ مَسْحَهُ بِكَفِّهِ» اهـ.
قلت: والأذنان يمسحان مع الرأس بالماء الذي يمسح به الرأس، والأدلة في ذلك كثيرة ومنها ما رواه الترمذي (٣٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا».
قلت: هذا حديث حسن.
وفي وجوب مسحهما نزاع والأكثر على استحباب مسحهما، وأوجب ذلك إسحاق بن راهوية، وهو الأظهر لأنَّهما من جملة الرأس.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٧):
«فَصْلٌ: وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ مَسْحِهِمَا مَعَ مَسْحِهِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ كُلُّهُمْ حَكَوْا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ لِلرَّأْسِ، لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الرَّأْسِ دُخُولُهُمَا فِيهِ، وَلَا يُشْبِهَانِ بَقِيَّةَ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِهِ عِنْدَ مَنْ اجْتَزَأَ بِمَسْحِ
[ ١ / ١٤٢ ]
بَعْضِهِ، وَالْأَوْلَى مَسْحُهُمَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ، فَرَوَتْ "الرُّبَيِّعُ، أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ، مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً".
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا. " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ صَحِيحَانِ. وَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ. "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ. " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ بِإِبْهَامَيْهِ. وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِالْغَضَارِيفِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، وَالْأُذُنُ أَوْلَى» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٠ - ١٩٢):
«ولأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه، قال ابن عباس: بغرفة واحدة ولم يذكروا أنه أخذ لهما ماء جديدًا. قال ابن المنذر: "مسحهما بماء جديد غير موجود في الأخبار عن النبي ﷺ".
ولأنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بمسح الرأس وفعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر وتفسيرًا للمجمل فعلم أنَّ الرأس المذكور في القرآن هو ما مسحه صلى الله
[ ١ / ١٤٣ ]
عليه وسلم يريد بذلك أنهما عضوان متصلان بالرأس إيصال خلقة فكانا منه كالنزعتين؛ وذلك لأنَّ البياض الذي فوق الأذن هو من الرأس؛ لأنَّ الموضحة يثبت حكمها فيه، وهي لا تكون إلَّا في رأس أو وجه وليس من الوجه فتكون من الرأس، لكن هل الأفضل أن يمسحها بماء الرأس أو يأخذ لهما ماء جديدًا؟ على روايتين؛ إحداهما أنَّ الأفضل مسحهما بماء جديد؛ لأنَّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه. رواه مالك في الموطأ؛ ولأنَّهما لا يشبهان الرأس خلقة ولا يدخلان في مطلقه؛ فأفردا عنه بماء وإن كانا منه كداخل الفم والأنف، ومعنى هذا ألا يمسحا إلَّا بماء جديد.
وذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يمسحان بماء جديد بعد أن يمسحا بماء الرأس وليس بشيء؛ لأنَّ فيه تفضيلًا لهما على الرأس؛ ولأنَّ ذلك خلاف المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه.
والثانية: مسحهما بماء الرأس أفضل؛ لأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد، وما نقل خلاف ذلك محمول على أنَّ اليد لم يبق فيها بلل، وحينئذ يستحب أخذ ماء جديد لهما، ويفارق الفم والأنف؛ لأنهما يغسلان قبله ولا يكفيهما مع الوجه ماء واحد، والسنة مسح ظاهرهما وباطنهما وأن يدخل سباحتيه في صماخهما ويمسح بإبهاميه ظاهرهما؛ لأن ذلك منقول عن النبي ﷺ» اهـ.
قلت: ويسقط مسح الأذنين عند المسح على العمامة.
[ ١ / ١٤٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٢٦٥):
«ولايجب مسح الأذنين على الروايتين لأنَّه لم ينقل عنه مع مسح العمامة
ولأنَّهما من الأصل تبعًا وقد انتقل الفرض عنه إلى غيره، ولأنَّه عضو يسقط في التيمم وجاء طهوره في القرآن بلفظ المسح فشرع المسح على لباسه كالرجلين وأولى لأنَّ السمح إلى المسح أقرب من المسح على الغسل ولأنَّ الغالب أنَّه مستور بلباسه واستيعابه يشق، ولأنَّ العمامة محل لتكميل وظيفة المسح فكانت محلًا للمسح المجزئ كجوانب الرأس وعكسه مسح باطن الخف» اهـ.
قلت: والعنق ليس من الرأس فلا يستحب مسحه على الصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٣ - ١٩٤):
«ويستحب مسح العنق في إحدى الروايتين؛ لما روى الإمام أحمد في المسند عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي ﷺ «يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق».
وحكى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه مسح وقال: "هو موضع الغل".
والثانية: لا يستحب وهو أظهر؛ لأنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ لم يذكروه، ولو كان مسنونًا لتكرر منه فنقلوه؛ ولأنَّه ليس من الرأس حقيقة ولا حكمًا، والحديث قد طعن فيه سفيان بن عيينة وأحمد، وغيرهما، ولعله قد فعل ذلك مرة لغرض؛ إذ لو داوم عليه لنقله مثل عثمان وعلي» اهـ.
[ ١ / ١٤٥ ]
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ١٨٧):
«وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي مَسْحِ الْعُنُقِ حَدِيثٌ الْبَتَّةَ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [روضة الطالبين] (١/ ٦١):
«الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَسْحُ الرَّقَبَةِ. وَهَلْ هُوَ سُنَّةٌ، أَمْ أَدَبٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَالسُّنَّةُ وَالْأَدَبُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْبَابِ، لَكِنَّ السُّنَّةَ يَتَأَكَّدُ شَأْنُهَا، وَالْأَدَبُ دُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ، عَلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ بِبَاقِي بَلَلِ الرَّأْسِ، أَوِ الْأُذُنِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ.
قُلْتُ: وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، إِلَى أَنَّهَا لَا تُمْسَحُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَمُتَقَدِّمُو الْأَصْحَابِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٩ - قوله: (ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا) فيه استحباب التثليث في غسل الرجلين.
ومنتهى غسل الرجلين إلى الكعبين، ويدخل الكعبان في الغسل لأنَّ النبي ﷺ توضأ حتى شرع في الساق.
ويستحب تخليل أصابع الرجلين إذا كان الماء يصل إلى ما بين الأصابع وإلَّا فيجب.
وقد جاء في التخليل ما رواه أحمد (١٨٠٣٩)، وأبو داود (١٤٨)، والترمذي (٤٠)، وابن ماجه (٤٤٦) من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عَبْدِ
[ ١ / ١٤٦ ]
الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ».
قلت: ابن لهيعة متابع تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث عند البيهقي في [الكبرى] (٣٦٤) فالحديث صحيح.
وروى أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١١٤)، وابن ماجه (٤٤٨) عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي، عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
ويستحب أيضًا تخليل أصابع اليدين لما رواه أحمد (٢٦٠٤)، والترمذي (٣٩)، وابن ماجه (٤٤٧) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ».
قلت: هذ حديث حسن.
قال الترمذي في [العلل الكبير] (ص: ٣٤):
«سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سَمِعَ مِنَ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَدِيمًا وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: مَنْ سَمِعَ مِنْ صَالِحٍ قَدِيمًا فَسَمَاعُهُ حَسَنٌ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَخِيرًا فَكَأَنَّهُ يُضَعِّفُ سَمَاعَهُ» اهـ.
[ ١ / ١٤٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ١٩٨)
ولأنَّها تضم غالبًا عند أخذه الماء» اهـ.
وقال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي الكبير] (١/ ١٢٩):
«وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُتَضَايِقَةً أَوْ مُتَرَاكِبَةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالتَّخْلِيلِ فَالتَّخْلِيلُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا بَيْنَهَا بِغَيْرِ تَخْلِيلٍ فَالتَّخْلِيلُ سُنَّةٌ فَيَبْدَأُ فِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ الْيُمْنَى مِنْ خِنْصَرِهِ إِلَى إِبْهَامِهِ ثُمَّ بِالْيُسْرَى مِنْ إِبْهَامِهِ إِلَى خِنْصَرِهِ لِيَكُونَ تَخْلِيلُهَا نَسَقًا عَلَى الْوَلَاءِ وَكَيْفَمَا خَلَّلَهُمَا وَأَوْصَلَ الْمَاءَ إِلَيْهِمَا أَجْزَأَهُ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٢٥):
«وأمَّا كيفية التخليل فقال الخراسانيون يخلل بخنصر يده اليسرى ويكون من أسفل القدم مبتدئًا بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر اليسرى ممن ذكره هكذا القاضي حسين والغزالي والبغوي والمتولي وصاحب العدة وغيرهم وقال القاضي ابو الطيب في "تعليه": يستحب أن يخلل بخنصر يده اليمنى من تحت الرجل. وقال إمام الحرمين: لست أرى لتعيين اليد اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلًا إلَّا النهي عن الاستنجاء باليمين وليس تخليل الأصابع مشابهًا له فلا حجر على المتوضئ في استعمال اليمين أو اليسار فإنَّ الأمر كذلك في غسل الرجلين وخلل الأصابع جزء منها ولم يثبت عندي في تعيين إحدى اليدين شئ وذكر الغزالي في البسيط أن مستند الأصحاب في تعيين اليسرى الاستنجاء ثم ذكر قول إمام
[ ١ / ١٤٨ ]
الحرمين وذكر الرافعي هذا المشهور عن الخراسانيين من استحباب خنصر اليسرى ونقله عن معظم الأئمة ثم حكي عن أبي ظاهر الزيادي أنَّه قال: يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده ليكون بماء جديد ويترك الإبهامين فلا يخلل بهنا لما فيه من العسر.
فحصل من مجموع هذا أنَّ التخليل من أسفل الرجل ويبدأ من خنصر اليمين وفي الأصبع التي يخلل بها أوجه الأشهر أنَّها خنصر اليسرى، والثاني خنصر اليمنى قال القاضي أبو الطيب.
الثالث: قول أبي طاهر.
الرابع: قول الإمام أنَّه لا يتعين في استحباب ذلك يد وهو الراجح المختار هذا حكم تخليل أصابع الرجلين.
وأمَّا أصابع اليدين فلم يتعرض له الجمهور وجاء فيه حديث ابن عباس الذي قد مناه ونقل الترمذي استحباب تخليلهما عن إسحاق بن راهويه قال الرافعي سكت الجمهور عنه وقال ابن كج يستحب لحديث لقيط فإن الأصابع تشملها وحديث ابن عباس قال وعلى هذا يكون تخليلهما بالتشبيك بينهما والله أعلم» اهـ.
قلت: الأظهر مشروعية التخليل باليمنى واليسرى، وذلك أنَّ اليد اليمنى تستعمل في غسل الحدث كغسل الوجه واليدين ومسح الرأس، وإنَّما تستعمل اليسرى في إزالة الأنجاس والأقذار. والله أعلم.
[ ١ / ١٤٩ ]
ويلزم إدخال المال إلى شقوق الرجل لأنَّ ذلك في حكم الظاهر، وهذا في الشقوق اليسيرة التي لا تتجاوز الجلد إلى اللحم، وما تجاوز ذلك فهو في حكم الباطن، وما كان عازلًا من وصول الماء إلى البشرة وجب إزالته، وما كان من الشحم الذي يمنع من وصول الماء إلى العضو فيزال، وما لا يمنع فلا تجب إزالته.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي "الْأُمِّ" وَالْأَصْحَابُ: إنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُلْتَحِمَةً بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ لَا يَلْزَمُهُ شَقُّهَا بَلْ لَا يَجُوزُ لَكِنْ يَغْسِلُ مَا ظَهَرَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ كَانَ عَلَى رِجْلِهِ شُقُوقٌ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ بَاطِنَ تِلْكَ الشُّقُوقِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِثْلَهُ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فَإِنْ شَكَّ فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهَا أَوْ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ لَزِمَهُ الْغَسْلُ ثَانِيًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْوُصُولُ هَذَا إذا كان بعد فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ: فَأَمَّا إذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْبَابِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّائِدَةِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ أَذَابَ فِي شُقُوقِ رِجْلَيْهِ شَحْمًا أَوْ شَمْعًا أَوْ عَجِينًا أَوْ خَضَّبَهُمَا بِحِنَّاءٍ وَبَقِيَ جِرْمُهُ لَزِمَهُ إزَالَةُ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ فَلَوْ بَقِيَ لَوْنُ الْحِنَّاءَ دُونَ عَيْنِهِ لَمْ يَضُرَّهُ وَيَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَوْ كَانَ عَلَى أَعْضَائِهِ أَثَرُ دُهْنٍ مائع فتوضأ وأمس بالماء البشرة وجرى عليها ولم يثبت صح وضؤه لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرُهُمْ» اهـ.
وقال ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٢١١):
[ ١ / ١٥٠ ]
«وَفِي "تَبْصِرَةِ" الْجُوَيْنِيِّ إنَّ شُقُوقَ الرِّجْلِ إذَا كَانَتْ يَسِيرَةً لَا تُجَاوِزُ الْجِلْدَ إلَى اللَّحْمِ وَالظَّاهِرَ إلَى الْبَاطِنِ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِهَا، وَإِنْ فَحَشَتْ حَتَّى اتَّصَلَتْ بِالْبَاطِنِ لَمْ يَلْزَمْهُ إيصَالُ الْمَاءِ لِذَلِكَ الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ مَا كَانَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ».
قلت: والأظهر أنَّ الوسخ الذي يكون تحت الأظفار لا يمنع من صحة الوضوء لأنَّ ذلك الموضع ليس بموضع غسل.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٦٨):
«وَلَوْ كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٢):
«فَصْلٌ: إذَا كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ حَتَّى يُزِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مِنْ الْيَدِ اسْتَتَرَ بِمَا لَيْسَ مِنْ خِلْقَةِ الْأَصْلِ سَتْرًا مَنَعَ إيصَالَ الْمَاءِ إلَيْهِ، مَعَ إمْكَانِ إيصَالِهِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَمْعٌ أَوْ غَيْرُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسْتُرُ عَادَةً، فَلَوْ كَانَ غَسْلُهُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَقَدْ
[ ١ / ١٥١ ]
عَابَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ كَوْنَهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قُلْحًا، وَرَفَعَ أَحَدِهِمْ بَيْن أُنْمُلَتِهِ وَظُفْرِهِ. يَعْنِي أَنَّ وَسَخَ أَرْفَاغِهِمْ تَحْت أَظْفَارِهِمْ يَصِلُ إلَيْهِ رَائِحَةُ نَتِنهَا، فَعَابَ عَلَيْهِمْ نَتِن رِيحِهَا، لَا بُطْلَانَ طَهَارَتهمْ، وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا لِلطَّهَارَةِ كَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ مِنْ نَتْنِ الرِّيحِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالْبَيَانِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يَسْتَتِرُ عَادَةً، أَشْبَهَ مَا يَسْتُرُهُ الشَّعْرُ مِنْ الْوَجْهِ» اهـ.
٩ - فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء.
١٠ - وقوله ﷺ: (لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ)، فالمراد لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة.
١١ - قوله: (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره يعم الكبائر والصغائر؛ لكن خصه كثير من العلماء بالصغائر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [جامع العلوم والحكم] ص (٣٩): «وقد اختلف الناس في مسألتين:
إحداهما: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟
فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر، وقد روي هذا عن عطاء، وغيره من السلف في الوضوء أنَّه يكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنَّه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكبر من ذلك، والصلاة تكفر أكبر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي.
[ ١ / ١٥٢ ]
وأمَّا الكبائر، فلابد لها من التوبة؛ لأنَّ الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالمًا، واتفقت الأمة على أنَّ التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلَّا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع.
وأيضًا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه " التمهيد " وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث:
منها: قول النبي ﷺ: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر". وهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وهذا يدل على أنَّ الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض.
وقد حكى ابن عطية في "تفسيره" في معنى هذا الحديث قولين:
أحدهما: - وحكاه عن جمهور أهل السنة -: أنَّ اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب، لم تكفر هذه الفرائض شيئًا بالكلية.
والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقًا، ولا تكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، ورجح هذا القول، وحكاه عن الحذاق.
[ ١ / ١٥٣ ]
وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، مراده أنَّه إذا أصر عليها، صارت كبيرة، فلم تكفرها الأعمال. والقول الأول الذي حكاه غريب، مع أنَّه قد حكي عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثله.
وفي صحيح مسلم عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلاَّ كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله".
وفي "مسند" الإمام أحمد عن سلمان، عن النَّبي ﷺ قال: "لا يتطهر الرجل -يعني: يوم الجمعة- فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلاَّ كان كفارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت الكبائر المقتلة".
وخرج النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلاَّ فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام".
وخرج الإمام أحمد، والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبي ﷺ معناه أيضًا. وخرج الحاكم معناه من حديث عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
[ ١ / ١٥٤ ]
ويروى من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يقول الله ﷿: ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة، ومن آخر النهار ساعة، أغفر لك ما بين ذلك، إلاَّ الكبائر، أو تتوب منها".
وقال ابن مسعود: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
وقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنَّهن كفارات لهذه الجراح ما لم تصب المقتلة.
قال ابن عمر لرجل: أتخاف النار أن تدخلها، وتحب الجنة أن تدخلها؟ قال: نعم، قال: بر أمك فو الله لئن ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات.
وقال قتادة: إنَّما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أنَّ النَّبي ﷺ قال:
"اجتنبوا الكبائر، وسددوا وأبشروا".
وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أنَّ هذه الأعمال تكفر الكبائر، ومنهم: ابن حزم الظاهري، وإياه عنى ابن عبد البر في كتاب "التمهيد" بالرد عليه وقال: قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب، لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغتر به جاهل، فينهمك في الموبقات، اتكالًا على أنَّها تكفرها الصلوات دون الندم، والاستغفار والتوبة، والله نسأله العصمة والتوفيق».
[ ١ / ١٥٥ ]
وممن خالف في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال كما [مجموع الفتاوى] (٧/ ٤٨٩ - ٤٩٣): «وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنَّما تكفر الصغائر فقط، فأمَّا الكبائر فلا تغفر إلاَّ بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث: "ما اجتنبت الكبائر"، فيجاب عن هذا بوجوه:
أحدها: أنَّ هذا الشرط جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام رمضان، وذلك أنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (٣١)﴾ فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات، وأمَّا الأعمال الزائدة من التطوعات، فلابد أن يكون لها ثواب آخر، فإنَّ الله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
الثاني: أنَّه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأنَّ المغفرة قد تكون مع الكبائر كما في قوله:
"غفر له وإن كان فر من الزحف"، وفي السنن: أتينا رسول الله في صاحب لنا قد أوجب فقال: "اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار"، وفى الصحيحين في حديث أبي ذر: "وإن زنا وإن سرق".
الثالث: أنَّ قوله لأهل بدر ونحوهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" إن حمل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا
[ ١ / ١٥٦ ]
يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أنَّ الكفر لا يغفر إلَّا بالتوبة لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر.
الرابع: أنَّه قد جاء في غير حديث أنَّ أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة فإن أكملها وإلَّا قيل: أنظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله، كذلك ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب فإنَّ ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران، ولأنَّه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك، والمفعول، فعلم أنَّه يكمل نقص الفرائض من التطوعات وهذا لا ينافى من أنَّ الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة مع أنَّ هذا لو كان معارضًا للأول لوجب تقديم الأول لأنَّه أثبت، وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنَّما المعروف أنَّه في وصية أبي بكر لعمر، وقد ذكره أحمد في رسالته في "الصلاة".
وذلك لأنَّ قبول النافلة يراد به الثواب عليها، ومعلوم أنَّه لا يثاب على النافلة حتى تؤدى الفريضة فإنَّه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبرًا لها وإكمالًا لها، فلم يكن فيها ثواب نافلة، ولهذا قال بعض السلف النافلة لا تكون إلاَّ لرسول الله لأنَّ الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]،
[ ١ / ١٥٧ ]
وليس إذا فعل نافلة وضيع فريضة تقوم النافلة مقام الفريضة مطلقًا، بل قد يكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة،
فإن قيل العبد إذا نام عن صلاة، أو نسيها كان عليه أن يصليها إذا ذكرها بالنص، والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء. قيل: هذا خطأ، فإن قيل: هذا يقال في جميع مسقطات العقاب فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أنَّ العبد عليه أن يفعل المأمور ويترك المحظور، لأنَّ الإخلال بذلك سبب للذم والعقاب، وان جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية والله عليم حكيم رحيم، أمرهم بما يصلحهم، ونهاهم عمَّا يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسبابًا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم، ولهذا قيل: إنَّ الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرئهم على معاصي الله، ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب. قال بعضهم لشيخه: إني أذنب. قال: تب. قال: ثم أعود. قال: تب. قال: ثم أعود. قال: تب. قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان. وفى المسند عن على عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله يحب العبد المفتن التواب".
وأيضًا فإنَّ من نام عن صلاة، أو نسيها فصلاته إذا استيقظ، أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة ويرتفع عنه الذم، والعقاب، ويستوجب بذلك المدح،
[ ١ / ١٥٨ ]
والثواب، وأمَّا ما يفعله من التطوعات، فلا نعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنَّه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجبًا، فلا يكون تطوعًا، والتطوعات شُرعت لمزيد التقرب الى الله كما قال تعالى فى الحديث الصحيح: "ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه" الحديث، فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر لم يحصل له مقصود النوافل، ولا يظلمه الله، فإنَّ الله لا يظلم مثقال ذرة بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم، وتطوع لهم كان عادلًا محسنًا، وإن وفاهم، ولم يتطوع كان عادلًا، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم، وجعل ذلك تطوعًا كان غالطًا في جعله بل يكون من الواجب الذي يستحقونه».
قلت: الحديث الذي أورده شيخ الإسلام بلفظ «غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ».
أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧) من طريق موسى بن إسماعيل حدثنا حفص بن عمر الشني حدثني أبي عمر بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ حدثني أبي عن جدي- وهو زيد بن حارثة-.
[ ١ / ١٥٩ ]
سمع النبي ﷺ يقول: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ».
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
قلت: بلال، وأبوه مجهولان. والحديث حسن بشواهده.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (ج ٦/ ص ٥٧) برقم (٢٩٤٤٩) فقال: حدثنا معاوية بن هشام حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن معاذ بن جبل قال: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلاثًا غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ».
قلت: هذا إسناد ضعيف لضعف شريك وهو النخعي القاضي، وأبو إسحاق لم يدرك معاذًا فحديثه عنه مرسل.
ورواه أيضًا (٢٩٤٥٠) فقال: حدثنا ابن نمير عن إسماعيل عن أبي سنان عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: «مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلاثًا غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ».
قلت: هذا إسناد صحيح، وله حكم الرفع، ابن نمير هو: عبد الله بن نمير، وإسماعيل هو: ابن أبي خالد، وأبو سنان هو: ضرار بن مرة، وأبو الأحوص هو: عوف بن مالك بن نضلة.
وأخرجه الطبراني في [المعجم الكبير] (ج ٩/ ص ١٠٣) برقم (٨٥٤١) فقال:
[ ١ / ١٦٠ ]
حدثنا محمد بن الصَّائغ ثنا سعيد بن منصور ثنا حُدَيْجُ بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن مسعود قال. فذكره.
قلت: حديج ضعيف الحديث.
وروى الطبراني في [المعجم الصغير] (٨٣٩)، [والأوسط] (٧٩٥٤) فقال: حدثنا محمد بن يعقوب الأهوازي الخطيب، حدثنا يعقوب أبو يوسف القلوسي، حدثنا علي بن حميد الذهلي، حدثنا عمر بن فرقد البزار، عن عبد الله بن المختار، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». لم يروه عن أبي إسحاق إلاَّ عبد الله بن المختار البصري ولا عن عبد الله إلَّا عمر بن فرقد تفرد به علي بن حميد اهـ.
قلت: عمر بن فرقد هذا قال فيه الإمام البخاري ﵀ في [التاريخ الكبير] (٦/ ١٨٦): «فيه نظر». وفي [الميزان] للحافظ الذهبي ﵀: «قال البخاري منكر الحديث فيه نظر».
وقال الإمام أبو حاتم الرازي ﵀ كما في [الجرح والتعديل] لابنه (٦/ ١٢٩): «منكر الحديث».
قلت: أورد هذا الحديث الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٥/ ٥٩) وقال:
«ولا أعرف لعمر بن فرقد غير هذا من الحديث، وفي حديثه نظر».
[ ١ / ١٦١ ]
وقال الحافظ الهيثمي ﵀ في [مجمع الزوائد] (١٠/ ١٣١): «رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه عمر بن فرقد وهو ضعيف».
قلت: فهذه الطريق شديدة الضعف، والعبرة بما تقدم والله أعلم.
قلت: وهذا القول الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو الصواب، وبه تجتمع الأدلة في هذا الباب، ولا يعارض بعضها بعضًا والله أعلم.
١٢ - روى الحميدي في [مسنده] (٦٣): حدثني ابن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: ثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، قال: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ثَلَاثًا حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ
[ ١ / ١٦٢ ]
قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ"».
ورواه الدارقطني في [سننه] (٢٨٢) حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا، حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام عن إسرائيل. وحدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال:
«رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ثَلَاثًا حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ». لَفْظُهُمَا سَوَاءٌ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
قال موسى بن هارون وفي هذا الحديث موضع فيه عندنا وهم لأنَّ فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق، وقد رواه عبد الرحمن بن مهدى عن إسرائيل بهذا الإسناد فبدأ فيه بالمضمضة، والاستنشاق قبل غسل الوجه. وهو الصواب اهـ.
قلت: واحتج بذلك من لم ير وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، ووجه الشاهد من ذلك تأخير النبي ﷺ للمضمضة والاستنشاق إلى بعد غسل الوجه.
والجواب على ذلك من وجوه:
الأول: أنَّ الترتيب الواجب إنَّما يكون بين أركان الوضوء والمضمضة والاستنشاق ليستا من الأركان.
والثاني: أنَّ المضمضة والاستنشاق من أجزاء الوجه فلا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه.
والثالث: أنَّ هذه اللفظة معلة لا تثبت.
والرابع: أنَّ ذلك محمول على النسيان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٠٩)
[ ١ / ١٦٣ ]
«فَإِنَّ جَمِيعَ مَنْ نَقَلَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرُوا: أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمَا. وَهَذَا حَكَى فِعْلًا وَاحِدًا. فَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَمِّدًا. وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي تَأْخِيرِهِمَا عَمْدًا سُنَّةٌ بَلْ السُّنَّةُ فِي النِّسْيَانِ. فَإِنَّ النِّسْيَانَ مُتَيَقِّنٌ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ: أَنَّهُ كَانَ نَاسِيًا» اهـ.
قلت: وما رواه أحمد (١٧٣٢٠) حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرِيزٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ، قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا».
قلت: الحديث رواه أبو داود (١٢١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا حَرِيزٌ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِىُّ سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِىَّ قَالَ: «أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا».
قلت: وليس فيه تأخير المضمضة والاستنشاق.
لكن رواه الطبراني في [المعجم الكبير] (١٧٠٤٥)، وفي [مسند الشاميين] (١٠٧٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن عَبْدِ الْوَهَّابِ بن نَجْدَةَ، وَأَبُو زَيْدٍ الْحَوْطِيَّانِ، قَالا: ثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ به. وفيه تأخير المضمضة والاستنشاق.
[ ١ / ١٦٤ ]
قلت: وفي إسناد الحديث عبد الرحمن بن ميسرة جهله علي بن المديني، وقول أبي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. يستثنى منه من صرَّح الحفاظ بجهالته. والله أعلم.
وعلى كل لا تطمئن النفس إلى ثبوت هذه السنة الغريبة المخالفة للأدلة المتكاثرة بمثل حديث عبد الرحمن بن ميسرة.
قلت: والصحيح وجوب الترتيب بين أركان الوضوء لأنَّ النبي ﷺ لم يتوضأ إلَّا مرتبًا كما أنَّه لم يصل الصلوات الخمس إلَّا مرتبة، ولأنَّ الله تعالى ذكر في آية الوضوء ممسوحًا بين مغسولين، والفصل بين النضير ونضيرة يكون لفائدة وهي ها هنا الترتيب.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٠٠ - ١٠١):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيَأْتِي بِالطَّهَارَةِ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ أَحْمَدَ لَمْ أَرَ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَمَكْحُولٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ، فَرَأَى فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا: يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِهِ، وَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِإِعَادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ
[ ١ / ١٦٥ ]
بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِوَاوِ الْجَمْعِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ كَانَ مُمْتَثِلًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْت. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْك قَبْلَ يَدَيْك فِي الْوُضُوءِ. وَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا التَّرْتِيبُ؛ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ، وَالْعَرَبُ لَا تَقْطَعُ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ إلَّا لِفَائِدَةٍ، وَالْفَائِدَةُ هَاهُنَا التَّرْتِيبُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ. قُلْنَا: الْآيَةُ مَا سِيقَتْ إلَّا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرْتِيبَ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَكَاهُ مُرَتَّبًا، وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وَقَالَ: "هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ". أَيْ بِمِثْلِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا عَنَيَا بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا مِنْ الْكِتَابِ وَاحِدٌ.
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ، فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا. حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (١/ ٦٩ - ٧٠):
[ ١ / ١٦٦ ]
«وأمَّا تقديم غسل الوجه ثم اليد ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء فمن يقول: إنَّ هذا الترتيب واجب وهو الشافعي وأحمد بن حنبل ﵄ ومن وافقهما فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبًا لقرائن عديدة:
أحدها: أنَّه أدخل ممسوحًا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله.
الثاني: أنَّ هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو الوضوء فدخلت الواو عاطفة لأجزائه بعضها على بعض والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب إذا هو الربط المذكور في الآية ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين أفعال لا ارتباط بينها نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أن لا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة بعضها ببعض فتأمل هذا الموضع ولطفه وهذا أحد الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه وهو قول ابن أبي موسى من أصحاب أحمد ولعله أرجح الأقوال.
الثالث: أنَّ لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها وأن لا تلغى وتهدر فيهدر ما اعتبره الله تعالى ويؤخر ما قدمه الله وقد أشار النبي ﷺ إلى أن ما قدمه الله فإنَّه ينبغي تقديمه ولا يؤخر بل يقدم ما
[ ١ / ١٦٧ ]
قدمه الله ويؤخر ما أخره الله تعالى فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله تعالى به" رواه الترمذي ومالك وأخرج مسلم نحوه وفي رواية للنسائي: "ابدءوا بما بدأ الله به" صحيح على الأمر فتأمل بداءته بالصفا معللا ذلك بكون الله تعالى بدأبه فلا ينبغي تأخيره وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء نحن نبدأ بما بدأ الله به ولا يجوز تأخير ما قدمه الله تعالى ويتعين البداءة بما بدأ الله تعالى به وهذا هو الصواب لمواظبة المبين عن الله تعالى مراده ﷺ على الوضوء المرتب فاتفق جميع من ثقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتبًا ولم ينقل عنه أحد قط أنَّه أخل بالترتيب مرة واحدة فلو كان الوضوء المنكوس مشروعًا لفعله ولو في عمره مرة واحدة لتبين جوازه لأمته» اهـ.
قلت: وهذا تحرير نفيس لا مزيد عليه.
والأظهر سقوط الترتيب بالنسيان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٠٩):
«الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ لِتَنْكِيسِ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ الْمَعْذُورِ بِنِسْيَانِ أَوْ جَهْلٍ. وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ» اهـ.
١٣ - ظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ توضأ متواليًا، وقد اختلف العلماء في وجوب الموالاة في الوضوء والصحيح وجوب ذلك لكنها تسقط لعذر كالنسيان وغيره.
[ ١ / ١٦٨ ]
ومما احتج به القائلون بوجوب الموالاة ما رواه أحمد (١٥٥٣٤)، وأبو داود (١٧٥) واللفظ له من طريق بَقِيَّةَ، عَنْ بَحِيرٍ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدٍ هو ابن معدان، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّ وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ، لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ».
قلت: وفي إسناده عنعنة بقية.
وروى مسلم (٢٤٣) عَنْ جَابِرٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ" فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى».
قلت: لكن ليس فيها أنَّه أعاد الوضوء، وجاء ذلك فيما رواه أحمد (١٣٤)
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا تَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ فَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى».
وفي رواية ابن ماجه (٦٦٦) من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ الظُّفْرِ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، قَالَ: فَرَجَعَ».
[ ١ / ١٦٩ ]
لكن في إسناده ابن لهيعة ضعيف وهو متابع.
فرواه البزار في [مسنده] (٢٣٢) وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمِهِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَأَبْصَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ" فَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ عُمَرَ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا اهـ.
قلت: الموقوف رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٥٧) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ عُمَرَ رَأَى فِي قَدَمِ رَجُلٍ مِثْلَ مَوْضِعِ الْفَلْسِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ».
قلت: إسناده حسن وأبو سفيان هو طلحة بن نافع لا بأس به.
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١١٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَقَدْ تَرَكَ مِنْ رِجْلَيْهِ مَوْضِعَ ظُفْرَةٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ».
قلت: إسناده منقطع بين أبي قلابة وعمر ﵁.
والذي يظهر لي ثبوت الموقوف والمرفوع، وهما يدلان على وجوب الموالاة في الوضوء.
وأقوى حجة لمن ذهب إلى عدم وجوب الموالاة ما رواه مالك في [الموطأ] (٨١).
[ ١ / ١٧٠ ]
عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَالَ فِي السُّوقِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ. ثُمَّ دُعِيَ لِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا».
والجواب عن ذلك من ثلاثة وجوه:
الأول: أن يكون السوق بقرب المسجد بحيث أنَّ الفصل لم يطل بين مسح الرأس والمسح على الخفيين.
والثاني: أنَّه محجوج بالسنة، وبأثر أبيه عمر الموقوف عليه.
والثالث: أن يكون الفصل حصل منه لعذر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٣٥ - ١٤٦): «فَصْلٌ: الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا كَمَا يَذْكُرُهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَد ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِك.
وَالثَّانِي: عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد وَالْقَوْلُ الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: الْوُجُوبُ إلَّا إذَا تَرَكَهَا لِعُذْرِ مِثْلُ عَدَمِ تَمَامِ الْمَاءِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
[ ١ / ١٧١ ]
قُلْت: هَذَا الْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَبِأُصُولِ مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُفَرِّطَ لَا تَتَنَاوَلُ الْعَاجِزَ عَنْ الْمُوَالَاةِ فَالْحَدِيثُ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ معدان عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ. فَهَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَالْمَأْمُورُ بِالْإِعَادَةِ مُفَرِّطٌ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى غَسْلِ تِلْكَ اللَّمْعَةِ كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى غَسْلِ غَيْرِهَا وَإِنَّمَا بِإِهْمَالِهَا وَعَدَمِ تَعَاهُدِهِ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ بَقِيَتْ اللُّمْعَةُ نَظِيرَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ فَنَادَاهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ". وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَالْقَدَمُ كَثِيرًا مَا يُفَرِّطُ الْمُتَوَضِّئُ بِتَرْكِ اسْتِيعَابِهَا حَتَّى قَدْ اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ أَنَّهَا لَا تُغْسَلُ بَلْ فَرْضُهَا مَسْحُ ظَهْرِهَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الشِّيعَةِ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَسْلِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ».
إلى أن قال ﵀ «وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". وَاَلَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُوَالَاةُ - لِقِلَّةِ الْمَاءِ أَوْ انْصِبَابِهِ أَوْ اغْتِصَابِهِ
[ ١ / ١٧٢ ]
مِنْهُ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ أَوْ لِكَوْنِ الْمَنْبَعِ أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ هُوَ وَغَيْرُهُ - كَالْأُنْبُوبِ أَوْ الْبِئْرِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَّا مُتَفَرِّقًا تَفَرُّقًا كَثِيرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ -: لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ إلَّا هَكَذَا بِأَنْ يَغْسِلَ مَا أَمْكَنَهُ بِالْمَاءِ الْحَاضِرِ. وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ غَسَلَ الْبَاقِيَ بِمَاءِ حَصَّلَهُ فَقَدْ اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَفَعَلَ مَا اسْتَطَاعَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ لَسَقَطَ عَنْهُ وَلَكَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِهَا فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يَتَيَمَّمُ فَقَطْ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ. وَقِيلَ: يَسْتَعْمِلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي. وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: بَلْ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ.
قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ: فَيَنْتَفِعُ بِاسْتِعْمَالِ الْبَعْضِ فِي الْغُسْلِ دُونَ التَّيَمُّمِ. وَضَعَّفُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ طَهَارَةٌ نَافِعَةٌ عِنْدَ الْعَجْزِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا هِيَ نَافِعَةٌ فِي الْغُسْلِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ إعَادَةُ مَا غَسَلَهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ وَكَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا غَسَلَ فِي الْغُسْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَد مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ كَمَا أُمِرَ وَمَنْ كَانَ مُمْتَثِلًا الْأَمْرَ أَجْزَأَ مِنْهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
[ ١ / ١٧٣ ]
يُوضِحُ هَذَا أَنَّهُ فِي حَالِ الْعَجْزِ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِغَسْلِ الْعُضْوِ الثَّانِي وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَحْصِيلِ الطَّهُورِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ غَسْلِهِ أَوْ بِتَأَخُّرِهِ إلَى الْقُدْرَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى غَسْلِ الْعُضْوِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُسْتَطَاعُ مِنْ الْمَأْمُورِ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ أَوْ بَعْضِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ كَالْمَقْطُوعِ يَدُهُ مِنْ بَعْضِ الذِّرَاعِ. وَطَرْدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَوْ كَانَ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ مِنْ جُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَغَسَلَ الصَّحِيحَ ثُمَّ قُدِّرَ أَنَّ الْأَلَمَ زَالَ وَقَدْ نَشِفَ ذَلِكَ الْعُضْوُ: فَإِنَّهُ إذَا غَسَلَ الْبَاقِيَ فَقَدْ فَعَلَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَالتَّرْتِيبُ وَاجِبٌ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَطَعَ لِعُذْرِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ - كَالْحَيْضِ - فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ. وَمَذْهَبُ أَحْمَد فِي هَذَا أَوْسَعُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ: فَعِنْدَهُ إذَا قَطَعَ التَّتَابُعَ لِعُذْرِ شَرْعِيٍّ لَا يُمْكِنُ مَعَ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ - مِثْلُ أَنْ يَتَخَلَّلَ الشَّهْرَيْنِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ أَيَّامِ مِنًى أَوْ مَرَضٌ أَوْ نِفَاسٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ وَلَوْ أَفْطَرَ لِعُذْرِ مُبِيحٍ كَالسَّفَرِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. فَالْوُضُوءُ أَوْلَى إذَا تَرَكَ التَّتَابُعَ فِيهِ لِعُذْرِ شَرْعِيٍّ وَإِنْ أَمْكَنَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. وَأَيْضًا فَالْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَالُوا: إنَّهُ لَوْ قَرَأَ بَعْضَهَا وَسَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا لِغَيْرِ عُذْرٍ: كَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ قِرَاءَتِهَا. وَلَوْ كَانَ السُّكُوتُ لِأَجْلِ اسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَوْ لَوْ فَصَلَ بِذِكْرِ مَشْرُوعٍ - كَالتَّأْمِينِ وَنَحْوِهِ - لَمْ تَبْطُلْ الْمُوَالَاةُ بَلْ يُتِمُّ
[ ١ / ١٧٤ ]
قِرَاءَتَهَا وَلَا يَبْتَدِئُهَا وَمَسْأَلَةُ الْوُضُوءِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنَّهُ فَرَّقَ الْوُضُوءَ لِعُذْرِ شَرْعِيٍّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الْكَلَامِ أَوْكَدُ مِنْ الْمُوَالَاةِ فِي الْأَفْعَالِ.
وَأَيْضًا فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد فِي الْعُقُودِ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَاجِبَةٌ بِحَيْثُ لَوْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ - حَتَّى خَرَجَا مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا - فَلَا بُدَّ مِنْ إيجَابٍ ثَانٍ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّهُ إذَا أُوجِبَ النِّكَاحُ لِغَائِبِ وَذَهَبَ إلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَبِلَ فِي مَجْلِسِ الْبَلَاغِ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ فَظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ ثَانٍ: بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَرَاخِي الْقَبُولِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا وَطُولِ الْفَصْلِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي مِثْلِ الْهِدَايَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهَا: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ. وَذَلِكَ خَطَأٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَدُّ - فِيمَا أَظُنُّ - فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ ظَاهِرٌ وَيَذْهَبُ إلَى الْفَرْقِ: غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ كَأَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا التَّفْرِيقُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَقْوَالِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ كَذَلِكَ لَكِنِّي لَمْ أَتَأَمَّلْ بَعْدُ نَصَّهُ فِي الْوُضُوءِ. فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يُحْكَى عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَنْصُوصُهُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ وَيَكُونُ هُوَ الصَّوَابَ كَمَسْأَلَةِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ وَمَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُوصِي.
وَأَيْضًا فَالْمُوَالَاةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ أَوْكَدُ مِنْهُ فِي الْوُضُوءِ وَمَعَ هَذَا فَتَفْرِيقُ الطَّوَافِ لِمَكْتُوبَةٍ تُقَامُ أَوْ جِنَازَةٍ تُحْضَرُ ثُمَّ يَبْنِي عَلَى الطَّوَافِ وَلَا يَسْتَأْنِفُ: فَالْوُضُوءُ
[ ١ / ١٧٥ ]
أَوْلَى بِذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْوُضُوءِ ثُمَّ عَرَضَ أَمْرٌ وَاجِبٌ يَمْنَعُهُ عَنْ الْإِتْمَامِ - كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلَهُ - ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ كَالطَّوَافِ وَأَوْلَى وَكَذَلِكَ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ الْوُضُوءِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تُفَرِّقُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهَا بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ؛ وَالْمُفَرِّطِ؛ وَالْمُعْتَدِي؛ وَمَنْ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ وَلَا مُعْتَدٍ. وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُعْتَمِدٌ وَهُوَ الْوَسَطُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ وَبِهِ يَظْهَرُ الْعَدْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ.
وَقَدْ تَأَمَّلْت مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَبَايَنُ فِيهَا النِّزَاعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا حَتَّى تَصِيرَ مُشَابِهَةً لِمَسَائِلِ الْأَهْوَاءِ؛ وَمَا يَتَعَصَّبُ لَهُ الطَّوَائِفُ مِنْ الْأَقْوَالِ؛ كَمَسَائِلِ الطَّرَائِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ وَغَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: فَوَجَدْت كَثِيرًا مِنْهَا يَعُودُ الصَّوَابُ فِيهِ إلَى الْوَسَطِ؛ كَمَسْأَلَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَمَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ؛ وَإِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ؛ وَالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ وَمَسْأَلَةِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ وَتَبْيِيتِهَا؛ وَبَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ وَمَسَائِلِ الشَّرِكَةِ: كَشَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُفَاوَضَةِ وَمَسْأَلَةِ صِفَةِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى مَسَائِلَ الْأُصُولِ: أَوْ أُصُولَ الدِّينِ؛ أَوْ أُصُولَ الْكَلَامِ؛ يَقَعُ فِيهَا اتِّبَاعُ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ. وَقَدْ قَرَّرْنَا أَيْضًا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ وَبَيْنَ الْمُنَافِقِ الزِّنْدِيقِ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عُفِيَ لَهُمْ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ثُمَّ غَالِبُ الْخِلَافِ الْمُتَبَايِنِ
[ ١ / ١٧٦ ]
فِيهَا يَعُودُ الْحَقُّ فِيهِ إلَى الْقَوْلِ الْوَسَطِ فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ؛ وَمَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْعَدْلِ؛ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ وَمَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَمَسَائِلِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ؛ وَمَسَائِلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَمَذَاهِبِهِمْ أَوْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَأَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْفِتَنِ. وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ. وَأَيْضًا فَعُمْدَةُ الْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ إنَّمَا هُوَ قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَجِبُ فِيهَا التَّرْتِيبُ؛ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ. وَتَجِبُ فِيهَا الْمُوَالَاةُ؛ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا بِمَا يُنَافِيهَا؛ وَالصَّلَاةُ مَعَ هَذَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَّصِلَةُ الْأَجْزَاءِ؛ لَيْسَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا فَصْلٌ أَصْلًا حَتَّى يُمْكِنَ فِي ذَلِكَ الْمُتَابَعَةُ أَوْ التَّفْرِيقُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِعُذْرِ كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ لِضَرُورَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَةٍ تَذْهَبُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ؛ فَإِذَا صَلَّتْ الثَّانِيَةَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ذَهَبَتْ أَيْضًا إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ ثُمَّ رَجَعَتْ الْأُولَى إلَى مَوْقِفِهَا فَأَتَمَّتْ الصَّلَاةَ ثُمَّ الثَّانِيَةَ. وَالصِّفَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَهِيَ جَائِزَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْمُخْتَارَةُ فِي الْخَوْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِصَلَاةِ الْأَمْنِ إلَّا فِي اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ؛ وَهَذَانِ يَجُوزَانِ لِلْعُذْرِ كَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ - كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ؛ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ - يَقُولُ: إنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامِ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ وَهَذَا
[ ١ / ١٧٧ ]
مَأْثُورٌ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَفِيهِ حَدِيثَانِ مُرْسَلَانِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرْسَلُ إذَا عَمِلَ بِهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ يَحْتَجُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَيْضًا فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ سَاهِيًا - كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ؛ وَفَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ إلَى الْخَشَبَةِ وَالِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا؛ وَتَشْبِيكِ أَصَابِعِهِ؛ وَوَضْعِ خَدِّهِ عَلَيْهَا؛ وَالْكَلَامِ مِنْهُ وَمِنْ الْمُنَبِّهِ لَهُ السَّائِلِ لَهُ الْمُخْبِرِ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ؛ وَالْمُجِيبِينَ لَهُ الْمُوَافِقِينَ لِلْمُنَبِّهِ - ثُمَّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّفْرِيقُ وَالْفَصْلُ مَانِعًا مِنْ الْإِتْمَامِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِلَا نِزَاعٍ فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ إلَّا مُتَّصِلَةً لَا يَسْتَوِي تَفْرِيقُهَا فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ: فَكَيْفَ يَسْتَوِي تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ؟ مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ أَفْعَالٌ مُنْفَصِلَةٌ لَا يَجِبُ اتِّصَالُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إذَا عَمِلَ عَمَلًا كَثِيرًا لِعُذْرِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ؛ وَالسَّاهِي إذَا سَلَّمَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ حِينَئِذٍ الْحَدِيثَ أَوْ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ؛ أَوْ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ هَذَا تَرْكًا لِلْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: بَلْ هَذَا مِنْ أَوْكَدِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَالْفَصْلَ الطَّوِيلَ الْمَعْفُوَّ لَهُ عَنْهُ - مِثْلُ الذَّهَابِ إلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَى مَوْقِفِهِ وَمِثْلَ قِيَامِ الْمُسَلِّمِ سَهْوًا إلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَاتِّكَائِهِ عَلَيْهِ - لَيْسَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَلَا الْمُسْتَحَبَّةِ وَلَا دَاخِلًا فِي ذَلِكَ كَمَا يَدْخُلُ مَا يَدْخُلُ فِي تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ
[ ١ / ١٧٨ ]
وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَطَالَهَا أَوْ أَدْخَلَ فِيهَا مَا لَا يُشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ: لَمْ يَمْنَعْ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا تِلْكَ فَلَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أُمِرَ الْمُصَلِّي بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ وَغُفِرَ لَهُ عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ لِأَنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فَصَارَ الْفَصْلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الْمُتَابِعِ تَارَةً بِفِعْلِ يُوجِبُ تَغْيِيرَهَا وَتَارَةً بِفِعْلِ لَا جُنَاحَ عَلَى فَاعِلِهِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِتَرْكِهِ يُشْبِهُهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّيَامِ الْمُتَتَابِعِ: تَارَةً بِصَوْمِ أَوْ فِطْرٍ وَاجِبٍ وَتَارَةً بِحَيْضِ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ الصَّوْمِ. وَلِهَذَا طَرَدَ أَحْمَد ذَلِكَ؛ وَلَوْ وَقَعَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِالِاتِّفَاقِ فَالْوُضُوءُ أَوْلَى أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَ تَفْرِيقِهِ لِعُذْرِ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّلَاةَ إلَّا بِمَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِ فَإِذَا أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا - مِنْ كَلَامٍ عَمْدٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ؛ أَوْ اسْتِدْبَارِ قِبْلَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ - كَانَ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهَا بِمَا يُنَافِيهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ عَمْدًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَوْ سَلَّمَ سَهْوًا بَنَى عَلَى الْأَوَّلِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَزَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إلَّا قَطْعُ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوِتْرِ بِثَلَاثِ مُتَّصِلَةٍ وَثَلَاثٍ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ: إلَّا بِمُجَرَّدِ الْفَصْلِ؟
[ ١ / ١٧٩ ]
وَلِهَذَا يَقُولُونَ: يُفْصَلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِتَسْلِيمَةٍ؛ أَوْ لَا يُفْصَلُ بِتَسْلِيمَةٍ. فَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ الْفَصْلَ كَالْمَغْرِبِ. وَيَجْعَلُ وَتْرَ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ إلَّا كَوِتْرِ النَّهَارِ مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ إلَّا الْفَصْلَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةِ". وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَخْتَارُونَ الْفَصْلَ لِصِحَّةِ الْآثَارِ وَكَثْرَتِهَا بِهِ وَإِنْ جَوَّزُوا الْوَصْلَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بَيْنَ صُورَتَيْ الْوِتْرِ فَرْقًا: إلَّا كَوْنَ هَذَا مُتَّصِلًا وَهَذَا مُنْفَصِلًا. وَهَذَا هُوَ الْمُوَالَاةُ وَالتَّفْرِيقُ؛ فَتُبَيِّنُ أَنَّ السَّلَامَ الْعَمْدَ إنَّمَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا سُنَّتُهُ الِاتِّصَالُ: لِأَجْلِ تَفْرِيقِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ وَكُلُّ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ فِعْلٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ؛ أَوْ تَعَمُّدِ كَلَامٍ وَتَرْكِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا - مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ مَعَ مُنَافَاتِهِ بِفَرْقِ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِكُلِّ مَا يُنَافِيهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ لَكِنَّ فُقَهَاءَ الْحَدِيثِ وَأَهْلَ الْحِجَازِ مَنَعُوا ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:
"مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إلَّا بِالْمَشْرُوعِ؛ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْمَشْرُوعِ» إلخ. ما ذكره ﵀ فقد أطال في ذلك النفس وبسط القول.
* * *
[ ١ / ١٨٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا بِثَلاثِ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ». وَفِي رِوَايَةٍ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ». التَّوْرُ: شِبْهُ الطَّسْتِ. اهـ
قوله: «فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ» التور قيل أنَّه: قدح، وقيل: إناء يشرب منه. وقيل هو الطست، وقيل يشبه الطست، وقيل هو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة.
وقوله: «فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ» الصُفْر النحاس، ويسمى أيضًا الشَبَه، قيل: إنَّه سمي بذلك لكونه يشبه الذهب.
وقوله: «غَرَفَاتٍ» الغَرفة بالفتح بمعنى المصدر، والغَرفة المرة الواحدة، وبالضم بمعنى المغروف وهي ملء الكف.
وفي الحديث عدة مسائل:
[ ١ / ١٨٢ ]
١ - جواز الوضوء في آنية الصفر.
والطهارة جائزة من الأواني الطاهرة كلها، إلَّا الذهب والفضة، على الصحيح قياسًا على النهي من الشرب فيهما. وبه قال أكثر العلماء.
٢ - فيه دليل على استحباب الجمع بين المضمضة، الاستنشاق.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح المهذب] (١/ ٣٩٨): «وأمَّا الفصل، فلم يثبت فيه حديث أصلًا، وإنَّما جاء في حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (١/ ٨٨٩): «وقد ورد الفصل بين المضمضة، والاستنشاق كما في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال:
"رأيت النبي ﷺ يفصل بين المضمضة، والاستنشاق" وقد أعلوا هذا الحديث بجهالة مصرف والد طلحة، ولكنه قد حسن إسناده ابن الصلاح في كلامه على المهذب، وقد وثق ابنه طلحة ابن معين، وأبو حاتم، وكانوا يسمونه سيد القراء» اهـ.
قلت: الحديث رواه أبو داود (١٣٩).
قال العلامة البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (١/ ٥١): «وقال أبو داود في حديث آخر لليث بن أبي سليم عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده في الوضوء، قال مسدد: فحدثت به يحيى يعني القطان فأنكره، قال أبو داود: سمعت
[ ١ / ١٨٣ ]
أحمد يقول: أنَّ ابن عيينة كان ينكره، ويقول أيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٧٨ - ٧٩): «وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم تركه يحيى بن القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد بن حنبل. وقال النووي في "تهذيب الأسماء": اتفق العلماء على ضعفه.
وللحديث علة أخرى ذكرها أبو داود عن أحمد قال: كان ابن عيينة ينكره، ويقول: إيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده. وكذلك حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني وزاد: وسألت عبد الرحمن بن مهدي عن اسم جده فقال: عمرو بن كعب، أو كعب بن عمرو، وكانت له صحبة.
وقال الدوري عن ابن معين: المحدثون يقولون: إنَّ جد طلحة رأى النبي ﷺ، وأهل بيته يقولون: ليست له صحبة.
وقال الخلال عن أبي داود: سمعت رجلًا من ولد طلحة يقول: إنَّ لجده صحبة.
وقال ابن أبي حاتم: إنَّ لجده صحبة، وقال ابن أبي حاتم في "العلل": سألت أبي عنه فلم يثبته، وقال: طلحة هذا يقال أنَّه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول طلحة بن مصرف، قال: ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه.
وقال ابن القطان: علة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو والد طلحة.
[ ١ / ١٨٤ ]
وصرح بأنَّه طلحة بن مصرف ابن السكن، وابن مردويه في كتاب "أولاد المحدثين"، ويعقوب بن سفيان في "تاريخه"، وابن أبي خيثمة أيضًا، وخلق.
وأمَّا رواية علي، وعثمان للفصل فتبع فيه الرافعي الإمام في "النهاية"، وأنكره ابن الصلاح في كلامه على "الوسيط" فقال: لا يعرف، ولا يثبت، بل روى أبو داود عن علي ضده.
قلت: روى أبو علي ابن السكن في "صحاحه" من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال: شهدت علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله ﷺ توضأ. فهذا صريح في الفصل فبطل إنكار بن الصلاح، وقد روي عن علي بن أبي طالب أيضًا الجمع، ففي "مسند" أحمد عن علي أنه دعا بماء فغسل وجهه، وكفيه ثلاثًا، وتمضمض، وأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثًا. بل في ابن ماجه ما هو أصرح من هذا بلفظ: توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا من كف واحد.
وروى أبو داود من طريق ابن أبي مليكة عن عثمان أنه رآه دعا بماء فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا. الحديث. وفيه رفعه، وهو ظاهر في الفصل» اهـ.
قلت: رواية ابن السكن لم أقف عليها، ولم يسق الحافظ ﵀ إسنادها حتى ينظر فيه، ولم يحكم هو عليها بصحة، ولا بضعف.
[ ١ / ١٨٥ ]
قال المباركفوري في [تحفة الأحوذي] (١/ ٣٦): «قلت: ذكر الحافظ هذا الحديث في "التلخيص" لكنه لم يذكر سنده، ولم يبين أنَّه صحيح، أو حسن، فلا يعلم حال إسناده، فمتى لم يعلم أنَّه حسن، أو صحيح لا يصلح للاحتجاج» اهـ.
٣ - وفي الحديث بيان لكيفية الجمع بين المضمضة، والاستنشاق ثلاث مرات بثلاث غرفات.
وقد جاء في رواية عند البخاري ﵀ (١٩٩): «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ».
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٥٣): «فإن شاء المتوضئ تمضمض، واستنشق من ثلاث غرفات، وإن شاء فعل ذلك ثلاثًا بغرفة واحدة» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [السيل الجرار] (١/ ٨٨ - ٨٨٩): «قوله: والجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة.
أقول: كان ينبغي للمصنف ﵀ أن يزيد لفظ ثلاثًا فيقول: والجمع بين المضمضة، والاستنشاق ثلاثًا بغرفة، كما كان ينبغي له أن يقول: وسننه غسل اليدين ثلاثًا أولًا لما تقدم في غسل اليدين، وكذلك هنا لأنَّ الثابت من فعله ﷺ هو الجمع بين المضمضة، والاستنشاق ثلاثًا بغرفة، كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن زيد في تعليمه لوضوء رسول الله ﷺ أنَّه تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة.
[ ١ / ١٨٦ ]
والروايات المطلقة عن لفظ ثلاثًا ينبغي أن تحمل على هذه الرواية المقيدة بالثلاث، فإن قلت: قد لا يتسع الكف للجميع بين المضمضة، والاستنشاق منه ثلاث مرات.
قلت: إذا لم يتمكن المتوضئ من ذلك إمَّا لضيق كفه، أو لعدم حفظها لما فيها، فذلك مما يسوغ له أن يكرر الغرفات جامعًا بين المضمضة، والاستنشاق من كل غرفة» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في [فتح الباري]: «قوله: "من غرفة واحدة" يتعلق بقوله
"فمضمض واستنثر" والمعنى: أنَّه جمع بينهما ثلاث مرات كل مرة من غرفة، ويحتمل أن يتعلق بقوله
"ثلاث مرات" والمعنى: أنَّه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة، والأول موافق لباقي الروايات فهو أولى» اهـ.
قلت: وهذا هو الذي يظهر لي أنَّه الصواب، والله أعلم.
٤ - قوله: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ» يدل على مشروعية التفاوت في غسل أعضاء الوضوء، فتغسل بعض الأعضاء ثلاثًا، وبعضها مرتين.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٤٩): «قوله: "ثم غسل يديه مرتين مرتين" كذا بتكرار مرتين، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد:
[ ١ / ١٨٧ ]
أنَّه رأى النبي ﷺ توضأ وفيه "ويده اليمنى ثلاثا ثم الأخرى ثلاثًا" فيحمل على أنَّه وضوء آخر لكون مخرج الحديثين غير متحد» اهـ.
قلت: الرواية التي أشار إليها الحافظ أخرجها مسلم في [صحيحه] (٥٥٨).
٥ - قوله: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ»، يدل على أنَّ من السنة أخذ ماء جديد لمسح الرأس، وقد وردت رواية لحديث عبد الله بن زيد عند مسلم (٢٣٦) وفيها: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ».
وروى ابن ماجه (٣٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِيضَأَةٍ، فَقَالَ: "اسْكُبِي"، فَسَكَبْتُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا، فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ، مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا».
قلت: هذا حديث ضعيف لضعف كلًا من شريك، وهو ابن عبد الله بن أبي شريك النخعي، وابن عقيل.
ورواه الطيالسي (١٦٢٤) حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ؛ أَسْأَلُهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ كَثِيرًا مَا يَتَوَضَّأُ عِنْدَهُمْ، فَأَتَيْتُهَا، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ:
«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا».
وروى الطبراني في [الكبير] (٢٠٩١): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بن عَمْرٍو، عَنْ دَهْثَمٍ، عَنْ نِمْرَانَ بن جَارِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
[ ١ / ١٨٨ ]
«خُذُوا لِلرَّأْسِ مَاءً جَدِيدًا».
قلت: هذا حديث ضعيف جدًا في إسناده دهثم، وهو ابن قران العكلي متروك الحديث، ونمران مجهول.
قلت: وفي الباب أحاديث أخرى، لا تخلوا من ضعف.
وروى أبو داود ﵀ (١٣٠): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ: «أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ».
قلت: هذا حديث ضعيف لضعف ابن عقيل. ولم أقف على حديث صحيح يدل على ذلك، فالسنة الصحيحة دلت على أخذ ماء جديد لمسح الرأس والله أعلم.
٦ - قوله: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ» وفي رواية عند البخاري (١٩١، ١٩٢، ١٩٧)، ومسلم (٢٣٦):
«وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ».
وقد احتج بهذه اللفظة، وبقوله الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦] من ذهب إلى مشروعية الاقتصار على مسح بعض الرأس، وهم الحنفية، والشافعية.
والدلالة على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الباء للتبعيض.
والوجه الآخر: أنَّ المسح لغةً يقع على القليل، والكثير.
[ ١ / ١٨٩ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٢٢ - ١٢٥):
«اتفق الأئمة كلهم على أنَّ السنة مسح جميع الرأس، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والحسنة عن النبي ﷺ، فإنَّ الذين نقلوا وضوءه لم ينقل عنه أحد منهم أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه، وما يذكره بعض الفقهاء كالقدوري في أول "مختصره"، وغيره أنَّه توضأ، ومسح على ناصيته، إنَّما هو بعض الحديث الذي في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنَّ النبي ﷺ توضأ عام تبوك ومسح على ناصيته.
ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى جواز مسح بعض الرأس، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقول في مذهب مالك، وأحمد، وذهب آخرون إلى وجوب مسح جميعه، وهو المشهور من مذهب مالك، وأحمد، وهذا القول هو الصحيح فإنَّ القرآن ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦] نظير قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦]. لفظ المسح في الآيتين، وحرف الباء في الآيتين، فإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنَّه بدل عن الوضوء، وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار فكيف تدل على ذلك آية الوضوء، مع كون الوضوء هو الأصل، والمسح فيه بالماء المشروع فيه التكرار هذا لا يقوله من يعقل ما يقول.
[ ١ / ١٩٠ ]
ومن ظن أنَّ من قال بإجزاء البعض لأنَّ الباء للتبعيض، أو دالة على القدر المشترك فهو خطأ أخطأه على الأئمة، وعلى اللغة، وعلى دلالة القرآن، والباء للإلصاق، وهي لا تدخل إلاَّ لفائدة فإذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرًا زائدًا كما في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٦]. فإنَّه لو قيل: يشرب منها لم تدل على الري فضمن يشرب معنى يروي، فقيل: يشرب بها فأفاد ذلك أنَّه شرب يحصل معه الري.
وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى بتعديته، كقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]، وقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٧]، وقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]، وأمثال ذلك كثير في القرآن، وهو يغني عند البصريين من النحاة عما يتكلفه الكوفيون من دعوى الاشتراك في الحروف.
وكذلك المسح في الوضوء، والتيمم لو قال: فامسحوا رؤوسكم، أو وجوهكم، لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنَّك تقول: مسحت رأس فلان، وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: فامسحوا برؤوسكم، وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد: أنَّكم تلصقون برؤوسكم، وبوجوهكم شيئًا بهذا المسح، وهذا يفيد في آية التيمم أنَّه لا بد أن يلتصق الصعيد بالوجه واليد، ولهذا قال:
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، وإنَّما مأخذ من جوز البعض الحديث.
[ ١ / ١٩١ ]
ثم تنازعوا فمنهم من قال: يجزئ قدر الناصية كرواية عن أحمد، وقول بعض الحنفية، ومنهم من قال: يجزئ الأكثر كرواية عن أحمد، وقول بعض المالكية، ومنهم من قال: يجزئ الربع، ومنهم من قال: قدر ثلاث أصابع، وهما قولان للحنفية، ومنهم من قال: ثلاث شعرات، أو بعضها، ومنهم من قال: شعرة، أو بعضها، وهما قولان للشافعية.
وأمَّا الذين أوجبوا الاستيعاب كمالك، وأحمد في المشهور من مذهبهما فحجتهم ظاهر القرآن، وإذا سلَّم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظًا، ومعنىً، ولا يقال: التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنَّه بدل عن غسل الوجه، واستيعابه واجب، لأنَّ البدل إنَّما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه، ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ولا يجب فيه الاستيعاب، مع وجوبه في الرجلين، وأيضًا للسنة المستفيضة من عمل رسول الله ﷺ.
وأمَّا حديث المغيرة بن شعبة، فعند أحمد، وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك، وإذا مسح عنده بناصيته، وكمل الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب.
وأمَّا مالك فلا جواب له عن الحديث إلَّا أن يحمله على أنَّه كان معذورًا لا يمكنه كشف الرأس فتمم على العمامة للعذر، ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته، وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع، وأجزأه بدون العذر عند الثلاثة.
[ ١ / ١٩٢ ]
ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق، كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ١٣٠): «واحتج إسماعيل وغيره من أصحابنا على وجوب العموم في مسح الرأس بقوله تعالى:
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا أنَّه لا يجوز الطواف ببعضه فكذلك مسح الرأس» اهـ.
قلت: قال ابن برهان: "من زعم أنَّ الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه".
ومن جملة حجج من أجاز مسح بعض الرأس، ما رواه أبو داود (١٤٧)، وابن ماجه (٥٦٤) من طريق ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ أَبِي مَعْقِلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ».
قلت: هذا حديث لا يصح لجهالة حال عبد العزيز بن مسلم، وجهالة عين أبي معقل.
ومن حججهم أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٧، ١٨٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَرَفَعَ الْعِمَامَةَ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ».
وأخرجه البيهقي في [الكبرى] (٢٨٥) من طريق ابن جريج، عن عطاء.
[ ١ / ١٩٣ ]
قلت: هذا حديث مرسل.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٥١): «وفي الباب أيضًا عن عثمان في صفة الوضوء قال: "ومسح مقدم رأسه" أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه» اهـ.
قلت: منهم من جرحه جرحًا شديدًا، ومنهم من وثقه، وحديث عثمان الثابت عنه من رواية الثقات ليس فيها هذا.
وعلى فرض صحة هذه الأحاديث فهي محمولة على أنَّه مسح مقدم رأسه، ثم أكمل على العمامة.
فقد روى مسلم (٦٣٢) عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قال: «تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ أَمَعَكَ مَاءٌ فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ».
٧ - ولا يستحب تكرار مسح الرأس والأذنين بل السنة مسحة واحدة يقبل بها ويدبر لأنَّ عبد الله بن زيد لما حكى وضوء رسول الله ﷺ قال: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً»، مع ذكره التثليث في غسل جميع الأعضاء، وكذلك عامة الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ مثل عثمان، وعلي، وابن عباس، وعائشة، وعبد الله بن أبي أوفى ﵃ في رواياتهم الصحاح ذكروا أنَّه مسح رأسه مرة واحدة، ومنهم من صرح بذلك، ومنهم من ذكر العدد ثلاثًا ثلاثًا، ولم يذكر في الرأس عددًا.
ولأنَّه مسح فلم يستحب تكراره كالتيمم ومسح الخف.
[ ١ / ١٩٤ ]
ولأنَّ المسح إذا ما كرر صار غسلًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٢٥ - ١٢٦): «وتنازعوا في مسحه ثلاثًا هل يستحب؟ فمذهب الجمهور أنَّه لا يستحب، كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وقال الشافعي، وأحمد في رواية عنه يستحب لما في الصحيح أنَّه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وهذا عام، وفي سنن أبي داود: أنَّه مسح برأسه ثلاثًا، ولأنَّه عضو من أعضاء الوضوء فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء.
والأول أصح فإنَّ الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ تبين أنَّه كان يمسح رأسه مرة واحدة، ولهذا قال أبو داود السجستاني: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنَّه مسح مرة واحدة، وبهذا يبطل ما رواه من مسحه ثلاثًا، فإنَّه يبين أنَّ الصحيح أنَّه مسح رأسه مرة، وهذا المفصل يقضي على المجمل وهو قوله: توضأ ثلاثًا ثلاثًا، كما أنَّه لما قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول"، كان هذا مجملًا، وفسره حديث ابن عمر أنَّه يقول عند الحيعلة لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فإنَّ الخاص المفسر يقضي على العام المجمل.
وأيضًا فإنَّ هذا مسح، والمسح لا يسن فيه التكرار كمسح الخف، والمسح في التيمم، ومسح الجبيرة، وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل لأنَّ المسح إذا كرر كان كالغسل» اهـ.
قلت: وقد جاء تكرار مسح الرأس في حديث علي بن أبي طالب ﵁.
[ ١ / ١٩٥ ]
قال الحافظ الدارقطني ﵀ في [السنن] (٢٩٨): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ الْمَرْوَرُّوذِيُّ قَالَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي، حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَامِلًا فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» وَقَالَ شُعَيْبٌ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ كَذَا». رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ فِيهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ مِنْهُمْ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَشَرِيكٌ وَأَبُو الأَشْهَبِ جَعْفَرُ بْنُ الْحَارِثِ وَهَارُونُ بْنُ سَعْدٍ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حُيَىٍّ وَحَازِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَجَعْفَرٌ الأَحْمَرُ فَرَوَوْهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ فَقَالُوا فِيهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً إِلاَّ أَنَّ حَجَّاجًا جَعَلَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَكَانَ عَبْدِ خَيْرٍ عَمْرًا ذَا مُرٍّ وَوَهِمَ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ فِي حَدِيثِهِ إِنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَعَ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا رَوَى لِسَائِرِ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فَقَدْ خَالَفَ فِي حُكْمِ الْمَسْحِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ السُّنَّةَ فِي الْوُضُوءِ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً».
وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى وَأَبُو يُوسُفَ عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ. اهـ.
[ ١ / ١٩٦ ]
وقال ﵀ في [العلل] (٤/ ٥١): «واتفقوا في الحديث على مسح الرأس مرة واحدة إلاَّ أبا حنيفة فإنَّه قال في روايته عن خالد بن علقمة عن عبد خير: أنَّه مسح رأسه ثلاثًا، ومع خلاف أبي حنيفة للجماعة وروايته أنَّ النبي ﷺ مسح رأسه ثلاثًا، قد خالف في هذا فزعم أنَّ السنة في مسح الرأس مرة واحدة، وكذلك رواه عبد الملك بن سلع عن عبد خير عن علي، وذكر فيه أنَّه غسل رجليه ثلاثًا، ثلاثًا، وتابعه أبو كيران الحسن بن عقبة، ورواه إسماعيل الرسدي، عن عبد خير، واختلف عليه في لفظه، فرواه الثوري، عن السدي، عن عبد خير، عن علي أنه توضأ، وضوءًا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهرة ما لم يحدث» اهـ.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٦٣ - ٦٤): «وقد روي من أوجه غريبة عن علي بن أبى طالب ﵁ والرواية المحفوظة عنه غيرها.
أخبرنا الحسين بن محمد بن محمد بن على الطوسي، ثنا عبد الله بن عمر بن أحمد بن شوذب، أنا شعيب بن أيوب، ثنا عبد الحميد أبو يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير الهمداني: أن علي بن أبي طالب ﵁ دعا بماء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثًا ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل قدميه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل".
[ ١ / ١٩٧ ]
وهكذا رواه الحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو مطيع عن أبى حنيفة في مسح الرأس ثلاثًا، فرواه زائدة بن قدامة، وأبو عوانة، وغيرهما عن خالد بن علقمة دون ذكر التكرار في مسح الرأس، وكذلك رواه الجماعة عن علي إلاَّ ما شذ منها.
وأحسن ما روي عن علي فيه ما أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عباس بن الفضل، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن على بن حسين، عن أبيه، عن جده عن على: أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل رجليه ثلاثًا، وقال: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ".
هكذا قال ابن وهب: ومسح برأسه ثلاثًا، وقال فيه حجاج، عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، أنا حاجب بن أحمد، ثنا محمد بن حماد، ثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أنَّ النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين، ومسح برأسه مرتين، وغسل رجليه مرتين.
وأخرجه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب "السنن" من حديث سفيان بن عيينة هكذا في مسح الرأس مرتين وقد خالفه مالك، ووهيب، وسليمان بن بلال، وخالد الواسطي، وغيرهم فرووه عن عمرو بن يحيى في مسح الرأس مرة إلاَّ أنه قال: أقبل، وأدبر» اهـ.
وقال الدارقطني ﵀ (٣٠٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَلْعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ
[ ١ / ١٩٨ ]
اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيكُمُوهُ».
قلت: مسهر قال فيه البخاري: " فيه بعض النظر ".
الحديث رواه أحمد (١٠٠٨، ٩١٠)، والنسائي في [الكبرى] (١٦١) من طريق إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَلْعٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَلْعٍ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁:
«أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا، وَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ». هذا لفظ أحمد، ولفظ النسائي: «ثُمَّ أَدْخَلَ كَفَّهُ الْيُمْنَى فَبَسَطَ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ بَسْطًا، ثُمَّ رَفَعَهَا فَمَسَحَهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى كَمَسْحِكَ بِيَدَيْكَ بِالدُّهْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ».
قلت: وليس فيه أنَّه مسح برأسه ثلاثًا.
وهذه الرواية هي الموافقة لحديث خالد بن علقمة عن عبد خير، ولرواية أبي حية عن علي ﵁، وهذا هو الصواب في حديث علي والله أعلم.
وجاء أيضًا في حديث عثمان ﵁.
قال الإمام أبو داود ﵀ في [سننه] (١٠٧): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِى حُمْرَانُ قَالَ رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَضْمَضَةَ وَالاِسْتِنْشَاقَ وَقَالَ فِيهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ
[ ١ / ١٩٩ ]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ هَكَذَا وَقَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ». وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الصَّلَاةِ اهـ.
قال الإمام أبو داود ﵀: «أَحَادِيثُ عُثْمَانَ ﵁ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مَرَّةً، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ».
وقال ﵀ (١١٠): حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ قَالَ: «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا فَقَطْ» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [السنن] (٣٠١): حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ:
«أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَاسْتَنْثَر ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ هَكَذَا».
هذا إسناد لم يختلف فيه إلا أن إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى ليس بالقوي اهـ.
قلت: إسحاق بن يحيى هو ابن طلحة بن عبيد الله متروك الحديث.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وقال الإمام أحمد ﵀ (٤١٠) حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ:
«دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ دَارَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: فَسَمِعَنِي أُمَضْمِضُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ بِالْمَقَاعِدِ دَعَا بِوَضُوءٍ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
ورواه البزار كما في [البحر الزخار] (٣٩١)، والدارقطني (٣٠٠)، والبيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ٦٢ - ٦٣): من طريق صفوان بن عيسى، عن محمد بن عبد الله بن أبى مريم عن ابن دارة مولى عثمان به.
قلت: ابن دارة منهم من سماه عبد الله، ومنهم من سماه زيدًا.
قال الحافظ ابن حجر في [تعجيل المنفعة] (١/ ٥٣٣): «ابن دارة مولى عثمان ﵁ عن أبي هريرة ﵁، وعنه العلاء بن عبد الرحمن، قلت له رواية أيضًا، عن عثمان، وهو عند أحمد أيضًا، وعن كعب الأحبار، روى عنه أيضًا محمد بن عبد الله بن أبي مريم، ومحمد بن كعب القرظي، واختلف في اسمه، فذكره بن مندة في الصحابة، فسماه عبد الله، ولم يذكر دليلًا على صحبته، بل قال: كان في زمن النبي ﷺ، ولا يعرف له عنده رواية، وأخرج أبو نعيم بسند ضعيف من طريق محمد بن كعب عن عبد الله بن دارة حديثًا، وسماه
[ ١ / ٢٠١ ]
البخاري زيدًا، وقال: روى عنه محمد بن عبد الله بن أبي مريم، وكذا ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ولما أخرج الدارقطني حديثه الذي أخرجه أحمد عن عثمان في صفة الوضوء قال: إسناده صالح» اهـ.
قلت: ابن دارة مجهول الحال، فلا يقاوم حديثه حديث حمران.
ورواه الدارقطني (٣٠٥): حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ - وَالْمَقَاعِدُ بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ - فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ فَلَمَّا فَرَغَ كَلَّمَهُ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ"».
قلت: هذا حديث ضعيف جدًا ابن البيلماني هو: محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف جدًا، وأبوه أيضًا ضعيف الحديث.
وقال الحافظ البيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ٦٣): «وروي في ذلك عن عطاء بن أبي رباح عن عثمان، وهو مرسل».
وقال أيضًا في [السنن الكبرى] (١/ ٦٢): «وقد روى من أوجه غريبة عن عثمان ﵁ ذكر التكرار في مسح الرأس إلاَّ أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها».
[ ١ / ٢٠٢ ]
وجاء أيضًا في حديث الربيع بنت معوذ ﵂.
رواه أبو داود (١٢٦)، والترمذي (٣٣)، وابن ماجه (٤٣٨) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينَا فَحَدَّثَتْنَا أَنَّهُ قَالَ «اسْكُبِى لِى وَضُوءًا».
فَذَكَرَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ فِيهِ: «فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً وَوَضَّأَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا وَوَضَّأَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا».
قلت: هذا حديث ضعيف ابن عقيل الراجح أنَّه ضعيف الحديث.
وجاء أيضًا في حديث ابن عمر.
قال الحافظ الدارقطني ﵀ (٣٠٧): حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن سعيد الْحَضْرَمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْحَضْرَمِيُّ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صُبَيْحٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«مَنْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ».
قلت: هذا حديث ضعيف جدًا، وقد سبق القول في ابن البيلماني، وأبيه.
وخلاصة القول أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ تكرار مسح الرأس في الوضوء والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٣ ]
٨ - واحْتُج بقوله: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ» على من يرى ابتداء المسح من مؤخرة الرأس إلى مقدمه.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ١٢٤): «وكان مالك يقول في مسح الرأس يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد هذا، وبحديث عبد الله بن زيد هذا يقول أيضًا الشافعي، وأحمد، وكان الحسن بن حي يقول: يبدأ بمؤخر الرأس، وروي عن ابن عمر أنَّه كان يبدأ من وسط رأسه ولا يصح، وفي حديث عبد الله بن زيد بدأ بمقدم رأسه، وهذا هو النص الذي ينبغي أن يمتثل، ويحتمل عليه، وروى معاوية، والمقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ في مسح الرأس مثل رواية عبد الله بن زيد سواء.
وأمَّا قوله في حديث عبد الله بن زيد: "ثم سمح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر" فقد توهم بعض الناس أنه بدأ بمؤخر رأسه لقوله: "فأقبل بهما وأدبر"، وتوهم غيره أنَّه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر، وهذه كلها ظنون لا تصح.
وفي قوله: "بدأ بمقدم رأسه" ما يدفع الإشكال لمن فهم، وهو تفسير قوله: "فأقبل بهما وأدبر"، وتفسيره أنَّه كلام خرج على التقديم والتأخير، كأنَّه قال: فأدبر بهما، وأقبل لأنَّ الواو لا توجب الرتبة، وإذ احتمل الكلام التأويل كان قوله: "بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه" تفسير ما أشكل من ذلك» اهـ.
وقال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٨٩): «وقوله: "فأقبل بهما وأدبر" اختلف الفقهاء في كيفية الإقبال، والإدبار على ثلاثة مذاهب.
[ ١ / ٢٠٤ ]
أحدها: أن يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه، ويذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبدأ الشعر في حد الوجه، وعلى هذا يدل ظاهر قوله: "بدأ مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه" وهو مذهب مالك، والشافعي.
إلاَّ أنَّه ورد على هذا الإطلاق - أعني إطلاق قوله: فأقبل بهما وأدبر - إشكال من حيث إنَّ هذه الصيغة تقتضي أنَّه أدبر بهما وأقبل، لأنَّ ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال، فمن الناس من اعتقد أنَّ هذه الصيغة المتقدمة التي دل عليها ظاهر الحديث المفسر وهو قوله: "بدأ بمقدم رأسه" الخ،
وأجاب عن هذا السؤال: بأنَّ الواو لا تقتضي الترتيب فالتقدير: أدبر وأقبل.
وعندي فيه جواب آخر وهو: أنَّ الإقبال، والإدبار من الأمور الإضافية أعني: أنَّه ينسب إلى ما يقبل إليه، ويدبر عنه، فيمكنه حمله على هذا، ويحتمل أن يريد بالإقبال: الإقبال على الفعل لا غير، ويضعفه قوله:
"وأدبر مرة واحدة".
ومن الناس من قال: يبدأ بمؤخر رأسه، ويمر إلى جهة الوجه، ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ظاهر قوله: "أقبل وأدبر" وينسب الإقبال: إلى مقدم الوجه والإدبار: إلى ناحية المؤخر.
وهذا يعارضه الحديث المفسر لكيفية الإقبال، والإدبار، وإن كان يؤيده ما ورد في حديث الربيع: أنَّه ﷺ بدأ بمؤخر رأسه، فقد يحمل ذلك على حالة، أو وقت، ولا يعارض ذلك الرواية الأخرى لما ذكرناه من التفسير.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ومن الناس من قال: يبدأ بالناصية ويذهب إلى ناحية الوجه ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه وهو الناصية.
وكأن هذا قد قصد المحافظة على قوله: "بدأ بمقدم الرأس" مع المحافظة على ظاهر: "أقبل وأدبر"، فإنَّه إذا بدأ بالناصية صدق أنَّه بدأ بمقدم رأسه، وصدق أنَّه أقبل أيضًا، فإنه ذهب إلى ناحية الوجه وهو القبل، إلاَّ أن قوله في الرواية المفسرة: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه" قد يعارض هذا، فإنَّه جعله بادئًا بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه، وهذه الصفة التي قالها هذا القائل تقتضي أنَّه بدأ بمقدم رأسه غير ذاهب إلى قفاه، بل إلى ناحية وجهه: وهو مقدم الرأس.
ويمكن أن يقول هذا القائل - الذي اختار الصفة الأخيرة -: إنَّ البداءة بمقدم الرأس ممتد إلى غاية الذهاب إلى المؤخر، وابتداء الذهاب من حيث الرجوع من منابت الشعر من ناحية الوجه إلى القفا، والحديث إنَّما جعل البداءة بمقدم الرأس ممتدًا إلى غاية الذهاب إلى القفا، لا إلى غاية الوصول إلى القفا، وفرق بين الذهاب إلى القفا، وبين الوصول إليه، فإذا جعل هذا القائل الذهاب إلى القفا من حيث الرجوع من مبتدأ الشعر من ناحية الوجه إلى جهة القفا: صح أنَّه ابتدأ بمقدم الرأس ممتدًا إلى غاية الذهاب إلى جهة القفا» اهـ.
قلت: جاء في رواية في البخاري (١٩٩) من طريق سليمان بن بلال قال عن عمرو بن يحيى عن أبيه، وفيه: «فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَدْبَرَ بِهِ وَأَقْبَلَ».
قلت: وهذه الصفة مستحبة في مسح الرأس، وإذا كان الشخص كثير الشعر يتضرر بذلك فله أن يمسح بهيئة لا تضره.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٩٤):
[ ١ / ٢٠٦ ]
«فَإِنْ كَانَ ذَا شَعْرٍ يَخَافُ أَنْ يَنْتَفِشَ بِرَدِّ يَدَيْهِ لَمْ يَرُدَّهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَنْ لَهُ شَعْرٌ إلَى مَنْكِبَيْهِ، كَيْفَ يَمْسَحُ فِي الْوُضُوءِ؟ فَأَقْبَلَ أَحْمَدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ مَرَّةً، وَقَالَ: هَكَذَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ. يَعْنِي أَنَّهُ يَمْسَحُ إلَى قَفَاهُ وَلَا يَرُدُّ يَدَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُ عَلِيٍّ هَكَذَا. وَإِنْ شَاءَ مَسَحَ، كَمَا رُوِيَ عَنْ الرُّبَيِّعِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ مِنْ فَرْقِ الشَّعْرِ كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمَصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ مِنْهُ بَدَأَ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُؤَخَّرِهِ» اهـ.
قلت: حديث الربيع رواه أحمد (٢٧٠٦٩)، وأبو داود (١٢٨) من طريق اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ، مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ كُلِّ نَاحِيَةٍ، لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ، لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ».
قلت: فيه ابن عقيل الراجح فيه الضعف.
وهل يختص الإقبال والإدبار بمن له شعر في ذلك احتمال وتردد.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٩٣):
«وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ اسْتِيعَابُ جِهَتَيِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ لَهُ شَعْرٌ وَالْمَشْهُورُ عَمَّنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيمَ أَنَّ الْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ» اهـ.
تنبيه/ ذكر (التَّوْرِ» في حديث الباب انفرد به البخاري.
* * *
[ ١ / ٢٠٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٩ - عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ».
قولها ﵂: «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ» التيمن لفظ مشترك بين الابتداء باليمين، وتعاطي الشيء باليمين، وقصد اليمين.
قلت: وهو محمول على جميع هذه المعاني والله أعلم.
وقولها: «فِي تَنَعُّلِهِ» أي: في لبس نعله.
وقولها: «وَتَرَجُّلِهِ» أي: في ترجيل شعره وهو تسريحه ودهنه.
وقولها: «وَطُهُورِهِ» يشمل الوضوء، والغسل، فيبدأ باليد اليمنى، والرجل اليمنى في الوضوء، وبالشق الأيمن في الغسل.
وقولها: «وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٢٤): «كذا للأكثر من الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب "العمدة"».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٢ - ١٥٣): «هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أنَّ ما كان من باب التكريم، والتشريف كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء،
[ ١ / ٢٠٩ ]
والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه.
وأمَّا ما كان بضده، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها.
والله أعلم.
وأجمع العلماء على أنَّ تقديم اليمين على اليسار من اليدين، والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه، وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة.
واعلم أنَّ الابتداء باليسار وإن كان مجزيًا فهو مكروه، نص عليه الشافعي، وهو ظاهر.
وقد ثبت في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما بأسانيد حميدة عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا لبستم أو توضأتم فابدءوا بأيامنكم". فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين، ومخالفته مكروهة، أو محرمة، وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمة، فوجب أن تكون مكروهة.
ثم اعلم أنَّ من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخدان بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه؛ قدم اليمين. والله أعلم» اهـ.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٣٢/ ٢٠٩): «ولو بدأ في الطهارة بمياسره قبل ميامنه كان تاركًا للاختيار، وكان وضوؤه صحيحًا من غير نزاع أعلمه بين الأئمة» اهـ.
قلت: وقد جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِأَيَامِنِكُمْ».
رواه أحمد (٨٢٩٨)، وأبو داود (٤١٤١) واللفظ له، وابن ماجه (٤٠٢)، من طريق زهير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به
قلت: هذا حديث صحيح، لكنه محمول على الاستحباب عند أهل العلم.
واستدل بالحديث على استحباب الصلاة عن يمين الإمام وفي ميمنة المسجد.
ويدل عليه ما رواه مسلم (٧٠٩) عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ"».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٧):
«قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّيَامُن عِنْد التَّسْلِيم وَهُوَ الْأَظْهَر؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ ﷺ إِذَا اِنْصَرَفَ أَنْ يَسْتَقْبِل جَمِيعهمْ بِوَجْهِهِ. قَالَ: وَإِقْبَاله ﷺ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَعْد قِيَامه مِنْ الصَّلَاة أَوْ يَكُون حِين يَنْفَتِل» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٧٦):
«ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام.
[ ١ / ٢١١ ]
خرجه الإسماعيلي في "حديث مسعر من جمعه"، ولفظه: "كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله ﷺ، لأنَّه كان يبدأ بالسلام عن يمينه".
وفي رواية أخرى له: "أنَّه كان يبدأ بمن علي يمينه، فيسلم عليه"» اهـ.
واستدل بحديث الباب على استحباب الانصراف في الصلاة عن اليمين.
وقد جاء في ذلك ما رواه مسلم (٧٠٨) عَنْ السُّدِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ».
لكن يعارضه ما رواه البخاري (٨٥٢) عَنْ عَبْدُ اللهِ - وهو ابن مسعود- قَالَ: «لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ».
ورواه مسلم (٧٠٧) بلفظ: «لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٤):
«قَوْله: فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود (لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسه جُزْءًا: لَا يَرَى إِلَّا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَلَّا يَنْصَرِف إِلَّا عَنْ يَمِينه، أَكْثَر مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ يَنْصَرِف عَنْ شِمَاله) وَفِي حَدِيث أَنَس: (أَكْثَر مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ يَنْصَرِف عَنْ يَمِينه). وَفِي رِوَايَة (كَانَ يَنْصَرِف عَنْ يَمِينه) وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَفْعَل تَارَة هَذَا وَتَارَة هَذَا فَأَخْبَرَ كُلّ وَاحِد بِمَا اِعْتَقَدَ أَنَّهُ الْأَكْثَر فِيمَا يَعْلَمهُ؛ فَدَلَّ عَلَى جَوَازهمَا، وَلَا كَرَاهَة فِي وَاحِد
[ ١ / ٢١٢ ]
مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْكَرَاهَة الَّتِي اِقْتَضَاهَا كَلَام اِبْن مَسْعُود فَلَيْسَتْ بِسَبَبِ أَصْل الِانْصِرَافِ عَنْ الْيَمِين أَوْ الشِّمَال، وَإِنَّمَا هِيَ فِي حَقّ مَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدّ مِنْهُ؛ فَإِنَّ مَنْ اِعْتَقَدَ وُجُوب وَاحِد مِنْ الْأَمْرَيْنِ مُخْطِئ، وَلِهَذَا قَالَ: يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا ذَمَّ مَنْ رَآهُ حَقًّا عَلَيْهِ. وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي أَحَد مِنْ الْأَمْرَيْنِ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ أَنْ يَنْصَرِف فِي جِهَة حَاجَته، سَوَاء كَانَتْ عَنْ يَمِينه أَوْ شِمَاله، فَإِنْ اِسْتَوَى الْجِهَتَانِ فِي الْحَاجَة وَعَدَمهَا فَالْيَمِين أَفْضَل لِعُمُومِ الْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة بِفَضْلِ الْيَمِين فِي بَاب الْمَكَارِم وَنَحْوهَا. هَذَا صَوَاب الْكَلَام فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ يُقَال فِيهِمَا خِلَاف الصَّوَاب. وَاَللَّه أَعْلَم» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٣٨):
«وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يحمل حَدِيث بن مَسْعُودٍ عَلَى حَالَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ يَسَارِهِ وَيُحْمَلَ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى مَا سِوَى ذَلِكَ كَحَالِ السَّفَرِ ثُمَّ إِذَا تعَارض اعْتِقَاد بن مَسْعُود وَأنس رجح بن مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَسَنُّ وَأَجَلُّ وَأَكْثَرُ مُلَازَمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَقْرَبُ إِلَى مَوْقِفِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَنَسٍ وَبَأنَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَنَسٍ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَهُوَ السُّدِّيُّ، وَبِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَنَسٍ في الْأَمريْنِ وَبِأَنَّ رِوَايَة بن مَسْعُودٍ تُوَافِقُ ظَاهِرَ الْحَالِ لِأَنَّ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ عَلَى جِهَةِ يَسَارِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ نَظَرَ إِلَى هَيْئَتِهِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ وَمَنْ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِهِ عَنْ
[ ١ / ٢١٣ ]
يَمِينِهِ نَظَرَ إِلَى هَيْئَتِهِ فِي حَالَةِ اسْتِقْبَالِهِ الْقَوْمَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ الِانْصِرَافُ بِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ الِانْصِرَافُ إِلَى جِهَةِ حَاجَتِهِ لَكِنْ قَالُوا إِذَا اسْتَوَتِ الْجِهَتَانِ فِي حَقِّهِ فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَضْلِ التَّيَامُنِ كَحَدِيثِ عَائِشَة الْمُتَقَدّم فِي كتاب الطَّهَارَة» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ المصلي ينصرف إلى جهة مقصده، وإذا استوت الجهتان قدم اليمين. والله أعلم.
وهكذا انصراف الإمام من أجل الالتفات إلى المصلين يشرع بالجهتين اليمنى واليسرى.
فقد روى أحمد (٦٦٢٧)، واللفظ له وابن ماجه (٩٣١) منْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي ينفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا، وَرَأَيْتُهُ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا».
قلت: هذا حديث حسن.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٧٦):
«قال أبو داود: كان أبو عبد الله - يعني: أحمد - ينحرف عن يمينه.
قال ابن منصورٍ: كان أحمد يقعد ناحية اليسرى، ويتساند.
قال القاضي أبو يعلى: وهما متفقان؛ لأنَّه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره.
[ ١ / ٢١٤ ]
قال: وقال ابن أبي حاتمٍ: سمعت أبي يقول: تدبرت الأحاديث التي رويت في إستقبال النبي ﷺ الناس بوجهه، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت.
وقال ابن بطة من أصحابنا: يجلس عن يسرة القبلة.
ونقل حربٌ، عن إسحاق، أنَّه كان يخير في ذلك كالانصراف.
وللشافعية وجهان: أحدهما: التخيير كقول إسحاق. والثاني: أن الانفتال عن يمينه أفضل.
ثم لهم في كيفيته وجهان:
أحدهما - وحكوه عن أبي حنيفة -: أنَّه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى
الناس، ويجلس على يمين المحراب.
والثاني - وهو أصح عند البغوي وغيره -: بالعكس» اهـ.
قلت: ما ذكره البغوي هو الأظهر.
ويدخل في الحديث التيامن في حلق الرأس.
فقد روى مسلم (١٣٠٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ».
قلت: المسائل التي يدخل في الحديث كثيرة جدًا يعسر احصاؤها.
* * *
[ ١ / ٢١٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٠ - عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».
فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ"».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ».
قوله: «عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٨٥):
«قوله: " عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ " بضم الميم واسكان الجيم هو ابن عبد الله المدني، وصف هو وأبوه بذلك لكونهما كانا يبخران مسجد النبي ﷺ، وزعم بعض العلماء أنَّ وصف عبد الله بذلك حقيقة، ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز، وفيه نظر فقد جزم إبراهيم الحربي بأنَّ نعيمًا كان يباشر ذلك» اهـ.
قوله: «إنَّ أُمَّتِي». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١١/ ٤١١):
[ ١ / ٢١٦ ]
«فإنَّ أمته ﷺ على ثلاثة أقسام أحدها أخص من الآخر، أمَّة الإتباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمَّة الدعوة، فالأولى أهل العمل الصالح، والثانية مطلق المسلمين، والثالثة من عداهم ممن بعث إليهم» اهـ.
قلت: استنكر الإمام أحمد إدخال اليهود والنصارى في أمة النبي ﷺ.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٨٧٠):
«قال أبو طالب سألته عن اليهود والنصارى من أمة محمد: لا النبي يقول: "أمتى أمتى" يقع على اليهودي والنصاري» اهـ.
قلت: لعل مراد أحمد أنَّهم لا يدخلون في أمته عند الإضافة إليه، ويدخلون عند الإطلاق.
ومما يدل على دخولهم في أمته عند الإطلاق ما رواه مسلم (١٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
وقوله: «يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ» أي ينادون يوم القيامة إلى موقف الحساب، أو إلى الحوض، أو إلى الميزان، أو إلى الصراط أو إلى الجنة حال كونهم «غُرًَّا مُحَجَّلِينَ».
وسميت القيامة قيامة لقيام الناس من قبورهم، أو لقيامهم لرب العالمين.
[ ١ / ٢١٧ ]
وقوله: «غُرًَّا مُحَجَّلِينَ» الغرة: أصلها بياض في وجه الفرس، والتحجيل: بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الحِجل بكسر المهملة وهو الخلخال.
وفي هذا الحديث عدة مسائل:
١ - احتج به القائلون بكفر تارك الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٧/ ٦١٢):
«وكذلك ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ يعرف أمته يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فدل على أنَّ من لم يكن غرًا محجلًا لم يعرفه النبي ﷺ فلا يكون من أمته» اهـ.
٢ - واحتج به من قال من أهل العلم: إنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٠/ ٢٥٨): «وأمَّا قوله: "فإنَّهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من الوضوء"، ففيه دليل على أنَّ الأمم أتباع الأنبياء لا يتوضأون مثل وضوئنا على الوجه فاليدين فالرجلين لأنَّ الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين، والرجلين هذا ما لا مدفع فيه على هذا الحديث إلَّا أن يتأول متأول هذا الحديث أنَّ وضوء سائر الأمم لا يكسبها غرةً، ولا تحجيلًا، وأنَّ هذه الأمة بورك لها في وضوئها بما أعطيت من ذلك شرفًا دائمًا ولنبيها ﷺ كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فضل نبيها بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء والله أعلم» اهـ.
وقال ﵀ (٢٠/ ٢٥٩ - ٢٦٠): «وقد قيل: إنَّ سائر الأمم كانوا يتوضوؤن والله أعلم، وهذا لا أعرفه من وجه صحيح، وأمَّا قوله صلى الله عليه
[ ١ / ٢١٨ ]
وسلم إذ توضأ ثلاثًا، ثلاثًا فقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فحديث ضعيف لا يجيئ من وجه صحيح، ولا يحتج بمثله، فكيف أن يتعارض به مثل هذا الحديث الذي قد روي من وجوه صحاح ثابتة من أحاديث الأئمة، وحديث: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فإنَّما يدور على زيد بن الحواري العمي والد عبد الرحيم بن زيد، وهو انفرد به، وهو ضعيف ليس بثقة، ولا ممن يحتج به، وقد اختلف عليه فيه أيضًا، فرواه عبد الله بن عرابة عن زيد بن الحواري العمي عن معاوية بن قرة عن عبيد بن عمير عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ، ورواه عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر. وهو حديث لا أصل له، وعبد الرحيم، وأبوه زيد متروكان، والحديث حدثناه محمد بن خليفة قال: حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، ومحمد بن عبد الله بن عمرو الفربي قالا: حدثنا إسماعيل بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا عبد الله بن عرابة، عن زيد بن حواري، عن معاوية بن قرة، عن عبيد بن عمرو، عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ توضأ فتوضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلَّا به" ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي".
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن محمد بكير الحداد قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكشي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر قال: توضأ
[ ١ / ٢١٩ ]
رسول الله ﷺ مرة مرة، وقال: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلاَّ به"، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: "هذا الفضل من الوضوء ويضعف الله الأجر لصاحبه مرتين"، ثم توضأ ثلاثًا، ثلاثًا، ثم قال: "هذا وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم ووضوء الأنبياء من قبلي ومن قال بعد فراغه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فتح الله له من الجنة ثمانية أبواب"
هذا كله منكر في الإسناد، والمتن، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان يتوضأ مرة مرة، رواه ابن عباس، وغيره من حديث الثقات، وأجمعت الأمة أنَّ من توضأ مرة واحدة سابغة أجزأه، وكيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ مرة مرة، فيرغب بنفسه عن الفضل الذي قد ندب غيره إليه، أو كيف كان يتوضأ مرة، أو مرتين ويقصر عن ثلاث إذا كانت الثلاث وضوء إبراهيم ﷺ وقد أمر أن يتبع ملة إبراهيم حنيفًا، وليس يشتغل أهل العلم بالنقل بمثل حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، وأبيه، وقد أجمعوا على تركهما» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٦٧ - ١٦٨): «وأيضًا فقد أخبر الله عن الأنبياء بالسجود المجرد في مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]، ولم يكونوا مأمورين بالوضوء، فإنَّ الوضوء من خصائص أمة
[ ١ / ٢٢٠ ]
محمد، كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنَّهم يبعثون يوم القيام غرًا محجلين من آثار الوضوء، وأنَّ الرسول يعرفهم بهذه السيماء، فدل على أنَّه لا يشركهم فيها غيرهم، والحديث الذي رواه ابن ماجه، وغيره: أنَّه توضأ مرة، مرة، ومرتين، مرتين، وثلاثًا، ثلاثًا، وقال: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي". حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنَّه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة، فإنَّه كان مشروعًا، ولكن لم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء، وهذه الأمة مما فضلت به التيمم مع الجنابة والحدث الأصغر، والوضوء» اهـ.
قلت: وقد اعترض على هذا القول الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٨٥) فقال:
«واستدل الحليمي بهذا الحديث على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة، وفيه نظر لأنَّه ثبت عند المصنف في قصة سارة ﵂ مع الملك الذي أعطاها هاجر أنَّ سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضًا أنَّه قام فتوضأ وصلى، ثم كلم الغلام، فالظاهر أنَّ الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا قال: "سيما ليست لأحد غيركم"، وله من حديث حذيفة نحوه، وسيما بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة أي: علامة» اهـ.
قلت: وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ﵀ ظاهر في القوة والرجحان والله أعلم.
[ ١ / ٢٢١ ]
وحديث السيما رواه مسلم (٢٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «"إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ. قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ"».
ورواه مسلم (٢٤٨) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«"إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَعْرِفُنَا. قَالَ: "نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ"».
وحديث سارة رواه البخاري (٢٢١٧) من حديث أبي هريرة ولفظه في محل الشاهد منه: «فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ».
وحديث جريج رواه البخاري (٢٤٨٢)، ومسلم (٢٥٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ أُجِيبُهَا، أَوْ أُصَلِّي ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: لَاَ، إِلَّا مِنْ طِينٍ».
[ ١ / ٢٢٢ ]
٣ - واحتج بقوله: «فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ» من قال باستحباب تطويل الغرة والتحجيل. وقد جاء في رواية عند مسلم (٥٧٨):
«فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ».
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٢٧ - ١٢٨): «أمَّا تطويل الغرة، فقال أصحابنا: هو غسل شيء من مقدم الرأس، وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه.
وأمَّا تطويل التحجيل: فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في قدر المستحب على أوجه:
أحدها: أنَّه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت.
والثاني: يستحب إلى نصف العضد والساق.
والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله.
وأمَّا دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكي، والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنَّه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ، وأبي هريرة ﵁، وهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه، ولو خالف فيه مخالف كان محجوجًا بهذه السنن الصحيحة الصريحة» اهـ.
قلت: الصحيح عدم استحباب إطالة الغرة، والتحجيل، لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ، ولم يذكر ذلك أحد ممن وصف وضوء النبي ﷺ، وأمَّا قوله في الحديث: «فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ
[ ١ / ٢٢٣ ]
وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ» فمدرج من كلام أبي هريرة، وليس هو من كلام النبي ﷺ. وقد شك فيه نعيم نفسه.
فقد روى أحمد في [المسند] (٨٠٦١): حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّهُ رَقِيَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَرَفَعَ فِي عَضُدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ»
فقال نعيم: لا أدري قوله: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ» مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٢٨٦): «ثم أنَّ ظاهره أنَّه بقية الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم، وفي آخره قال نعيم: لا أدري قوله: "من استطاع" الخ من قول النبي ﷺ، أو من قول أبي هريرة، ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله أعلم».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠):
«وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء، ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وروي عنه أنَّه كان يمسح عنقه، ويقول: هو موضع الغل، فإنَّ هذا، وإن استحبه طائفة من العلماء إتباعًا لهما فقد خالفهم في ذلك آخرون، وقالوا سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا، والوضوء الثابت عنه الذي في
[ ١ / ٢٢٤ ]
الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي ﷺ: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، بل هذا من كلام أبي هريرة جاء مدرجًا في بعض الأحاديث، وإنَّما قال النبي ﷺ: "إنكم تأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء"، وكان يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وظن من ظن أنَّ غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له، فإنَّ الغرة في الوجه لا في اليد، والرجل، وإنَّما في اليد، والرجل الحجلة، والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس، ولا غرة في الرأس، والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ١٨١ - ١٨٢):
«وأمَّا فعل أبي هريرة ﵁ فهو شيء تأوله وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة تلقب بمسألة إطالة الغرة، وإن كانت الغرة في الوجه خاصة.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك وفيها روايتان عن الإمام أحمد
إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة، والشافعي، واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره.
والثانية: لا يستحب، وهي مذهب مالك، وهي اختيار شيخنا أبي العباس.
فالمستحبون يحتجون بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء،
[ ١ / ٢٢٥ ]
فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله" متفق عليه، ولأنَّ الحلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء.
قال النافون للاستحباب: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إنَّ الله حد حدودًا فلا تعتدوها" والله سبحانه قد حد المرفقين، والكعبين فلا ينبغي تعديهما، ولأنَّ رسول الله ﷺ لم ينقل من نقل عنه وضوءه أنَّه تعداها، ولأنَّ ذلك أصل الوسواس، ومادته، ولأنَّ فاعله إنَّما يفعله قربة وعبادة، والعبادات مبناها على الاتباع، ولأنَّ ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ، وإلى الكتف، وهذا مما يعلم أنَّ النبي ﷺ وأصحابه لم يفعلوه ولا مرة واحدة، ولأنَّ هذا من الغلو، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسل: "إياكم والغلو في الدين" ولأنَّه تعمق وهو منهي عنه، ولأنَّه عضو من أعضاء الطهارة فكره مجاوزته كالوجه.
وأمَّا الحديث فراويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نعيم المجمر، وقد قال: لا أدري قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" من قول رسول الله ﷺ، أو من قول أبي هريرة ﵁. روي ذلك عنه الإمام أحمد في المسند.
وأما حديث الحلية فالحلية المزينة ما كان في محله فإذا جاوز محله لم يكن زينة» اهـ.
قلت: وخلاصة القول في هذه اللفظة أنَّها ليست من كلام النبي ﷺ، ويدل على ذلك عدة أمور منها:
[ ١ / ٢٢٦ ]
١ - أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان يطيل في غسل أعضاء الوضوء، وقد وصف وضوءه جماعة من الصحابة، ولم يذكروا في أحاديثهم إطالة أعضاء الوضوء، فلو كان مستحبًا لبادر النبي ﷺ إلى فعله.
٢ - أنَّه لا يمكن إطالة الغرة، لأنَّها إذا أطيلت دخلت في الرأس، والرأس فرضه المسح لا الغسل، ولأنَّها إذا تجاوزت الجبهة إلى الرأس، فلا تسمى غرة، والتحجيل إن طال كان مثلة، وليس من الزينة. والنبي ﷺ لا يتكلم بما هو من قبيل الخطأ، فتبين أنَّ هذه اللفظة ليست من كلامه ﵊.
٣ - أنَّ نعيمًا المجمر شك في هذه اللفظة هل هي من كلام النبي ﷺ، أم من كلام أبي هريرة ﵁، كما سبق في رواية المسند، والأدلة تدل على أنَّها ليست من كلام النبي ﷺ.
٤ - إنَّ كل من روى الحديث عن أبي هريرة ﵁ لم يذكر في حديثه هذه اللفظة كأمثال
أبي حازم وحديثه في مسلم (٥٨٠)، وعبد الرحمن بن يعقوب، كما عند مسلم (٥٨٣)، وغيره.
٥ - أنَّ كل من روى هذا الحديث غير أبي هريرة لم يذكر في حديثه هذه اللفظة، وهم عشرة، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، كما تقدم، ومنهم حذيفة وحديثه في مسلم (٥٨٢)، وعبد الله بن بسر كما في [المختارة] (٩٦) للضياء، وابن عباس، كما في [مسند] أحمد (٢٥٤٦، ٢٦٩٢)، والطيالسي (٢٧١١)، أبي يعلى (٢٣٢٨)،
[ ١ / ٢٢٧ ]
وأبو أمامة كما في [مسند] أحمد (٢٢٣١١)، وأبو سعيد الخدري، كما في [مسند الحارث- مع زوائد الهيثمي-] (٧٧)، وعبد الله بن سلام، كما في [مسند الشاميين] (٢٢٢٩) للطبراني.
[ ١ / ٢٢٨ ]