﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. من أجاز التيمم بكل ما على الأرض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٦٤ - ٣٦٦): «فصل: وأمَّا الصعيد: ففيه أقوال فقيل: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض وإن لم يعلق بيده؛ كالزرنيخ والنور والجص وكالصخرة الملساء، فأمَّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به. وهو قول أبي حنيفة. ومحمد يوافقه؛ لكن بشرط أن يكون مغبرًا لقوله: "منه". وقيل يجوز بالأرض وبما
[ ١ / ٦٤٣ ]
اتصل بها حتى بالشجر كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر وهو قول مالك وله في الثلج روايتان: إحداهما: يجوز التيمم به وهو قول الأوزاعي والثوري. وقيل يجوز بالتراب والرمل وهو أحد قولي أبي يوسف وأحمد في إحدى الروايتين وروي عنه أنَّه يجوز بالرمل عند عدم التراب. وقيل: لا يجوز إلَّا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦] وهذا لا يكون إلَّا فيما يعلق بالوجه واليد والصخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد.
واحتجوا بأنَّ ابن عباس قال: الصعيد الطيب تراب الحرث. واحتجوا بقول النبي ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدًا وجعلت تربتها طهورًا" قالوا: فعم الأرض بحكم المسجد وخص تربتها - وهو ترابها - بحكم الطهارة. قالوا: ولأنَّ الطهارة بالماء اختصت من بين سائر المائعات بما هو ماء في الأصل فكذلك طهارة التراب تختص بما هو تراب في الأصل وهما الأصلان اللذان خلق منهما آدم: الماء، والتراب. وهما العنصران البسيطان بخلاف بقية المائعات والجامدات فإنَّها مركبة.
واحتج الأولون بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾. قالوا: والصعيد هو الصاعد على وجه الأرض وهذا يعم كل صاعد بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٨]، وقوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ [الكهف:
[ ١ / ٦٤٤ ]
٤٠]. واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" وفي رواية: "فعنده مسجده وطهوره" فهذا يبين أنَّ المسلم في أي موضع كان عنده مسجده وطهوره.
ومعلوم أنَّ كثيرًا من الأرض ليس فيها تراب حرث فإن لم يجز التيمم بالرمل كان مخالفًا لهذا الحديث، وهذه حجة من جوز التيمم بالرمل دون غيره أو قرن بذلك السبخة؛ فإنَّ من الأرض ما يكون سبخة. واختلاف التراب بذلك كاختلافه بالألوان بدليل قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "إنَّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر تلك القبضة: جاء منهم الأسود والأبيض وبين ذلك وجاء منهم السهل والحزن وبين ذلك ومنهم الخبيث والطيب وبين ذلك". وآدم إنَّما خلق من تراب والتراب الطيب والخبيث: الذي يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلَّا نكدًا يجوز التيمم به فعلم أنَّ المراد بالطيب الطاهر وهذا بخلاف الأحجار والأشجار فإنَّها ليست من جنس التراب ولا تعلق باليد؛ بخلاف الزرنيخ والنورة فإنَّها معادن في الأرض لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس» اهـ.
قلت: أثر ابن عباس رواه ابن أبي شيبة في [مصنف] (١٧٠٢)، وابن أبي حاتم في [تفسيره] (٥٣٧٤) من طريق قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ وَأَرْضُ الْحَرْثِ».
قلت: قَابُوسَ هو ابْنُ أَبِي ظَبْيَانَ، وَأَبُو ظَبْيَانَ اسْمُهُ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ.
[ ١ / ٦٤٥ ]
قال ابن حبان ﵀ في [المجروحين] (٢/ ٢١٦):
«كَانَ رَدِيء الْحِفْظ يتفرد عَنْ أَبِيه بِمَا لَا أصل لَهُ رُبمَا رفع الْمَرَاسِيل وَأسْندَ الْمَوْقُوف» اهـ.
قلت: والذي يظهر لي هو أنَّ التيمم يكون بالتراب والرمل.
أمَّا التراب فالأدلة فيه معروفة.
وأمَّا الرمل فيدل على التيمم به من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ النبي ﷺ وأصحابه كانوا يمرون بالأراضي الرملية ولم يكونوا يحملون التراب معهم في أسفارهم ولا شك أنَّهم كانوا يتيممون بالأرض التي يمرون بها.
الوجه الثاني: أنَّ الأرض تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ماء، وتراب، ورمل. فأوجب الشرع للمحدث عند حضور الصلاة إذا مرَّ بالماء أن يتطهر به، وإذا مرَّ بالأراضي الترابية ولا ماء معه أن يتيمم. فبقت الأراضي الرملية وهي تمثل ثلث الأرض فلا بد أن يجعل الشارع للمسلم فيها طهورًا وليس هنالك غير التيمم بالرمل.
الوجه الثالث: أنَّ الرمل يدخل في قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وفي قول النبي ﷺ:
«عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».
الوجه الرابع: ما رواه أحمد (٢٢١٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي التَّيْمِيَّ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
[ ١ / ٦٤٦ ]
«فَضَّلَنِي رَبِّي عَلَى الأَنْبِيَاءِ، أَوْ قَالَ عَلَى الأُمَمِ، بِأَرْبَعٍ قَالَ: أُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لِي وَلأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي وَأَحَلَّ لَنَا الْغَنَائِمَ».
وهذا الحديث يدل على أنَّ الإنسان في أي بقعة عنده مسجده وطهوره فيدخل في هذا الأرض الرملية.
قلت: وفي إسناد الحديث سيار لم يوثقه غير ابن حبان ويشهد له حديث جابر بن عبد الله أنَّ النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً».
رواه البخاري (٣٣٥، ٤٣٨)، ومسلم (٥٢١).
وروى ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (١٢٤)، والسَّراج في [مَسْنَدِهِ] (٣١٣، ٥١٣)، ومحمد بن عبد الباقي في [مَشْيَخَتِهِ] (٧١)، ومن طريقه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (١٦٥٣)
مِنْ طَرِيْقِ حَجَّاجٍ بِنِ الْمِنْهَالِ الْأَنْمَاطِيِّ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جُعِلَتْ لِي كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
[ ١ / ٦٤٧ ]
وجاء من حديث أبي ذر رواه اللالكائي في [أُصُوْلِ السُّنَّةِ] (١٤٤٩) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ.
الوجه الخامس: قول النبي ﷺ في حديث جابر السابق:
«وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». يدل على أنَّ جميع الأرض طهور فيدخل في ذلك الرمل، نعم تخرج الأحجار والأشجار، لقول الله تعالى:
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّ الباء في قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ للإلصاق، ومن في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ للتبعيض، ولا إلصاق، ولا تبعيض في الأشجار، والأحجار الملساء التي لا غبار فيها.
الوجه السادس: أنَّ الله تعالى علل مشروعية التيمم بنفي الحرج فقال:
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، والحرج في هذه الآية نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالحرج المنفي عام يشمل الأراضي الترابية والأراضي الرملية.
قلت: وقد عزى هذا المذهب المرداوي في [الإنصاف] (١/ ٤٥٠) لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال ﵀:
«وعنه بالرمل أيضًا، واختاره الشيخ تقي الدين» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٦٥ - ٣٦٤): «واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأنَّ النبي صلى الله تعالى
[ ١ / ٦٤٨ ]
عليه وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" وفي رواية: "فعنده مسجده وطهوره" فهذا يبين أنَّ المسلم في أي موضع كان عنده مسجده وطهوره.
ومعلوم أنَّ كثيرًا من الأرض ليس فيها تراب حرث فإن لم يجز التيمم بالرمل كان مخالفًا لهذا الحديث وهذه حجة من جوز التيمم بالرمل دون غيره أو قرن بذلك السبخة؛ فإنَّ من الأرض ما يكون سبخة» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٤٨٨): «ومنها: جواز التيمم بالرمل فإنَّ النبي ﷺ وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك وتلك مفاوز معطشة شكوا فيها العطش إلى رسول الله ﷺ وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون هذا كله مما لا شك فيه مع قوله صلى الله عليه وسلم: "فحيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره"» اهـ.
قلت: وقد احتج القائلون بتخصيص التيمم بالتراب بحديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ». رواه مسلم (٥٢٢).
فقالوا: الحديث فيه تخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان فيفهم منه أنَّ غيره من الصعيد ليس كذلك.
[ ١ / ٦٤٩ ]
وقد أجاب عن الاستدلال به العلامة الشنقيطي ﵀ فقال في كتابه [أضواء البيان] (٦/ ٤٠ - ٤٤)
فقال ﵀: «فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنَّ كون الأمر مذكورًا في معرض الامتنان، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، قال في "مراقي السعود" في موانع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو امتنان أو وفاق الواقع … والجهل والتأكيد عند السامع
ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أنَّ الله خص اللحم الطري منه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا (١٤)﴾ [النحل: ١٤]؛ لأنَّه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، فيجوز أكل القديد مما في البحر.
الثاني: أنَّ مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق كما هو معلوم في الأصول.
الثالث: أنَّ التربة فرد من أفراد الصعيد. وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصًا له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أو ذكرا في نصين كحديث: "أيَّما إهاب دبغ فقد طهر" عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي وغيرهم، مع حديث: "هلا انتفعتم بجلدها" يعني شاة ميتة عند الشيخين، كلاهما من حديث ابن عباس، فذكر الصلاة الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير لا
[ ١ / ٦٥٠ ]