* * *
[ ١ / ٦٥٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٨ - عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ، كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ.
هذا الحديث الذي أورده المؤلف هو لفظ مسلم (٣٦٨).
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ﵀ خلافًا للإمام أبي حنيفة، ومالك، الشافعي ﵏ فقد ذهبوا إلى أنَّ التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين.
وذهب الشافعي في القديم إلى أنَّ التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين.
وذهب ابن سيرين إلى أنَّه تيمم بثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين.
قلت: إذا لم تكف الضربة الواحدة للمسح فلا بد من ضربة ثانية، وذلك كأن يزول جميع الغبار من اليد عند مسح الوجه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤١٢):
[ ١ / ٦٥٣ ]
«فَإِذَا قِيلَ: غُبَارُ الضَّرْبَةِ الْأُولَى يَذْهَبُ بِمَسْحِ الْوَجْهِ، قُلْنَا: إِنَّمَا يُجْزِئُ إِذَا مَسَحَ الْوَجْهَ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ، فَيَبْقَى بَطْنُ الرَّاحَةِ لِلْيَدِ، أَوْ يَمْسَحُ الْوَجْهَ بِالطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التُّرَابِ، وَيَبْقَى عَلَى الْيَدِ غُبَارٌ يَمْسَحُهَا بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ غُبَارٌ لَزِمَهُ ضَرْبَةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مَاءٌ لِلِاسْتِنْشَاقِ وَلَا بَلَلٌ لِلْأُذُنِ» اهـ.
قلت: ولو وضع يده على التراب من غير ضرب جاز وخالف السنة، وهكذا إذا مرغ وجهه بالتراب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٢١):
«وَأَمَّا التَّمَرُّغُ فَإِنَّمَا يُجْزِئُ بِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِمْرَارِ مَحَلِّ التُّرَابِ عَلَى الْوَجْهِ أَوْ إِمْرَارِ الْوَجْهِ عَلَى مَحَلِّ التُّرَابِ، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى التُّرَابِ فَعَلِقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ جَازَ» اهـ.
٢ - وفي الحديث تقديم اليدين على الوجه في التيمم لكن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب لكن وردت رواية في البخاري (٣٤٧) وفيها العطف بثم التي تقتضي الترتيب وفيه: «فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا". فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ».
لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤٣ - ٤٤): «وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية:
أحدهما: ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين، فإنَّه قال: "ثم مسح وجهه"، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه.
[ ١ / ٦٥٤ ]
وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية، ولفظ حديثه: "إنَّما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله، على كفيه ووجهه".
وخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري، عن أبي معاوية، ولفظه: "إنَّما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه.
فاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه، وعطفه: هل هو بالواو، أو بلفظ: "ثم"؟
وقد قال الإمام أحمد في رواية بن عَبدةَ: رواية أبي معاوية، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط» اهـ.
وقال ﵀ (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠):
«وإنَّما يجب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر. فأمَّا الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنَّه واجب - أيضًا -؛ لأنَّ صفة التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغسل والوضوء، وأيضًا؛ فإنَّ البدن كله في غسل الجنابة كالعضو الواحد، وفي التيمم عضوان متغايران، فيلزم الترتيب بينهما كأعضاء الوضوء.
والثاني: لا يجب؛ لأنَّ التيمم عن الجنابة يلتحق بالغسل ولا ترتيب فيه، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في توجيه رواية أبي معاوية، عن الأعمش التي خرجها
[ ١ / ٦٥٥ ]
البخاري بتقديم الكفين على الوجه؛ لأنَّ النبي ﷺ إنَّما علم عمارًا ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة.
وقد حكى بعضهم عن الأعمش: أنَّه كان يذهب إلى تقديم مسح الكفين على الوجه في التيمم مطلقًا، فإن صح هذا عنه دل على أنَّ ما روى عنه أبو معاوية محفوظ عن الأعمش، وأنَّ أبا معاوية حَفِظَ عنه ولم يهم فيه، كما قاله الإمام أحمد. والله أعلم.
ويحتمل أنَّ الأعمش فسر هذا التفسير من عنده كما فسره شعبة - أيضًا - من عنده كذلك بتقديم دلك اليدين على الوجه، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبة والأعمش؛ فإنَّ كثيرًا منهم لم يكن يفرق بين مدلول العطف بـ "ثُمَّ" وبالواو. والله تعالى أعلم» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّه لا بد من الترتيب كما أمر الله تعالى، ويستوي في ذلك التيمم للحدثين، وذلك أنَّ الآية وردت في التيمم للحدثين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٢١ - ٤٢٢):
«وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَاجِبَانِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا، قَالَ أَحْمَدُ: يَبْدَأُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُجِبْ هُنَا وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ جَائِزٌ، وَإِذَا مَسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ وَجْهِهِ، بَلْ لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ بَاطِنِ يَدَيْهِ وَبَقِيَ بِهِ
[ ١ / ٦٥٦ ]
غُبَارٌ يَكْفِي لِظَاهِرِهِمَا لَمْ يُعِدْ مَسْحَ الْبَاطِنِ بَعْدَ الْوَجْهِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَقَدْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي الْيَدِ، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِهَا.
وَوَجْهُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّ التَّرْتِيبَ سَقَطَ فِي بَاطِنِ الْيَدِ ضَرُورَةً، فَإِنَّا إِنْ أَوْجَبْنَا مَسْحَهُ مَرَّتَيْنِ كَانَ خِلَافَ قَاعِدَةِ التَّيَمُّمِ فَيَجِبُ مِنَ التَّرْتِيبِ مَا يُمْكِنُ لِقَوْلِهِ: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، وَلِأَنَّ مَسْحَ بَاطِنِ الْيَدِ لَمَّا حَصَلَ تَبَعًا لِمَسْحِ الْوَجْهِ سَقَطَ التَّرْتِيبُ كَمَا سَقَطَ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا أُدْخِلَتْ فِي الْغُسْلِ تَبَعًا، عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا فِي الْجَمِيعِ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ» اهـ.
٣ - ويدل الحديث على الاكتفاء بمسح الكفين في التيمم كما هو مذهب الإمام أحمد ومالك في رواية، وذهب أبو حنيفة، ومالك في الرواية الأخرى، والشافعي إلى أنَّ التيمم يكون إلى المرافق.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣): «فإنَّ الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه، فأمَّا حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأمَّا حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن وفي رواية إلى نصف الذراع وفي رواية إلى الآباط، فأمَّا رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأمَّا رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره
[ ١ / ٦٥٧ ]
فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد» اهـ.
قلت: روى الطيالسي (١٨٥١)، وأبو داود (٣٣٠) من طريق محمد بن ثابت العبدي قال حدثنا نافع قال: «انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلاَّ أَنِّى لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ"».
قلت: محمد بن ثابت العبدي ضعيف الحديث، وقد أنكر عليه ابن معين هذا الحديث كما في "التهذيب".
ورواه أبو داود (٣٣١) من طريق ابْنِ الْهَادِ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
«أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَائِطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ عِنْدَ بِئْرِ جَمَلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْحَائِطِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ».
قلت: ابن الهاد هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، وحديثه أصح من حديث العبدي. والله أعلم.
وروى ابن ماجه (٥٧٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، أَنَّهُمَا سَأَلَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي
[ ١ / ٦٥٨ ]
أَوْفَى عَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّارًا أَنْ يَفْعَلَ هَكَذَا، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، وَمَسَحَ عَلَى وَجْهِهِ».
قَالَ الْحَكَمُ: وَيَدَيْهِ، وَقَالَ سَلَمَةُ: وَمِرْفَقَيْهِ اهـ.
قلت: وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف الحديث.
وروى الدارقطني (٦٨٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالُوا، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ».
قال الدارقطني ﵀ بعد روايته للحديث: «رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَالصَّوَابُ مَوْقُوفٌ» اهـ.
ثم قال ﵀ (٦٨١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالُوا، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَإِنِّي تَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ قَالَ اضْرِبْ فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ أُخْرَى فَمَسَحَ بِهِمَا يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ».
وروى الدارقطني (٦٦١) حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ
[ ١ / ٦٥٩ ]
الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».
قلت: في إسناده أبو صالح كاتب الليث وهو ضعيف الحديث.
وقد رواه البخاري (٣٣٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: «أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».
وروى الدارقطني (٦٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ مِهْرَانَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِصْمَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ قَالَ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بِئْرِ جَمَلٍ إِمَّا مِنْ غَائِطٍ وَإِمَّا مِنْ بَوْلٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَلَامَ وَضَرَبَ الْحَائِطَ بِيَدِهِ ضَرْبَةً فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ السَلَامَ».
قَالَ أَبُو مُعَاذٍ وَحَدَّثَنِي خَارِجَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ اهـ.
[ ١ / ٦٦٠ ]
قلت: أبو عصمة هو: نوح بن أبى مريم كان يضع الحديث.
وروى أبو داود (٣٢٤)، والنسائي (٣١٢) من طريق سَلَمَةَ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ. قَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ - وَسَلَمَةُ شَكَّ لَا يَدْرِي فِيهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ -. فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ». هذا لفظ النسائي.
ووقع عند أبي داود، والنسائي بعد ذكره للحديث: «قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ يَقُولُ الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهَ وَالذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ لهُ مَنْصُورٌ: مَا تَقُولُ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُكَ فَشَكَّ سَلَمَةُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ الذِّرَاعَيْنِ أَمْ لَا».
ورواه أبو داود (٣٢٣) من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل بذكر الذراعين من غير شك.
قلت: هذا إسناد صحيح، وقد شك فيه سلمة بن كهيل هل قال: إلى المرفقين أو إلى الكفين. والصحيح أنَّه قال إلى الكفين.
فقد رواه الحكم بن عتيبة عن ذر بذكر الكف من غير شك وحديثه في البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).
ورواه أبو داود (٣٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ
[ ١ / ٦٦١ ]
قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ التَّيَمُّمِ فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ».
وروى أبو داود (٣١٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ».
قلت: هذا إسناد مرسل عبيد الله لا يصح له سماع من عمار.
وقال أبو داود ﵀ (٣١٩) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: «قَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا». فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَنَاكِبَ وَالآبَاطَ.
قَالَ ابْنُ اللَّيْثِ: إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ اهـ.
وقال أبو داود ﵀ (٣٢٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ - فِي آخَرِينَ - قَالُوا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاءُ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ
[ ١ / ٦٦٢ ]
فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الآبَاطِ». زَادَ ابْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ ضَرْبَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ يُونُسُ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ضَرْبَتَيْنِ وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارٍ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَشَكَّ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ مَرَّةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَرَّةً قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَمَرَّةً قَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اضْطَرَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ وَفِى سَمَاعِهِ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ إِلاَّ مَنْ سَمَّيْتُ اهـ.
ورواه أحمد (١٨٣٤٨)، والنسائي (٣١٣) من طريق يعقوب بن إبراهيم به.
قلت: هذا إسناد صحيح من حيث الظاهر لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٢٥ - ٢٦): «وقد روي عن عمار، أنَّهم تيمموا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط: من رواية الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ابن عمار، قال: نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع النبي، فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
[ ١ / ٦٦٣ ]
وقد اختلف في إسناده على الزهري:
فقيل: عنه، كما ذكرنا.
وقيل: عنه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار، كذا رواه عنه: مالك وابن عيينة، وصحح قولهما أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.
وقيل: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار - مرسلًا.
وهذا حديث منكر جدًا، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس -: ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما.
وروي عن الزهري، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم اسمعه إلَّا من عبيد الله.
وروي عنه، أنه قال: لا ادري ما هو؟!.
وروي عن مكحول، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث. وعن ابن عيينة، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه.
وسأل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء. وقال - أيضًا -: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه. وقال: ما أرى العمل عليه.
وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما: أنَّ النبي ﷺ لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه عند نزول الآية؛ لظنهم أنَّ اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطًا كما تمعك عمَّار بالأرض للجنابة، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي ﷺ التيمم بفعله وقوله: "التيمم للوجه والكفين"، فرجع الصحابة
[ ١ / ٦٦٤ ]
كلهم إلى بيانه ﷺ، ومنهم عمَّار راوي الحديث؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين، عن أبي مالك، عنه، كما سبق.
وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة.
والثاني: ما قاله الشافعي، وأنَّه إن كان ذلك بأمر رسول الله ﷺ، فهو منسوخ؛ لأن عمارًا أخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم، فكل تيمم كان للنبي ﷺ بعده مخالف له، فهو له ناسخ.
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء.
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه.
وروي عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، أن الزهري قال: التيمم إلى الآباط. قال سعيد: ولا يعجبنا هذا.
قلت: قد سبق عن الزهري أنَّه أنكر هذا القول، واخبر أن الناس لا يعتبرون به، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته. والله أعلم.
وذهب كثير من العلماء إلى أنه ينتهي المسح لليدين بالتراب إلى المرفقين:
هذا مروي عن ابن عمر وجابر ﵃ وروي -أيضًا- سالم بن عبد الله والشعبي، والحسن، والنخعي، وقتادة، وسفيان، وابن المبارك، والليث، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه.
[ ١ / ٦٦٥ ]
واستدل بعضهم: بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك، ولا يثبت منها شيء، كما سبق الإشارة إلى ذلك.
واستدلوا - أيضًا-: بأنَّ الله تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين، ثم ذكر في التيمم مسح الوجه واليدين، فينصرف إطلاقهما في التيمم إلى تقييدهما في الوضوء، لا سيما وذلك في آية واحدة، فهو أولى من حمل المطلق على المقيد في آيتين.
وأجاب من خالفهم: بأنَّ المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان، فلا يصح حمل مطلق أحدهما على مقيد الأخر.
ويدل على ذلك: أنَّ أصحاب النبي ﷺ عند نزول أية التيمم لم يفهموا حمل المطلق على المقيد فيها، بل تيمموا إلى المناكب والآباط، وهم أعلم الناس بلغة العرب، ثم بين النبي ﷺ أنَّ التيمم للوجه والكفين، وهو - أيضًا - ينافي حمل المطلق على المقيد فيها.
وذهب آخرون: إلى أنَّ التيمم يمسح فيه الكفان خاصة» اهـ.
٤ - ظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ مسح جميع وجهه وكفيه، وهذا هو ظاهر ما أمر الله به في القرآن.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٢٢ - ٢٣): «وقد أجمع العلماء على أنَّ مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾
ولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك:
[ ١ / ٦٦٦ ]
فأمَّا الوجه: فمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء: أنَّه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة، أم لا، هذا هو الصحيح.
وفي مذهبنا ومذهب الشافعي وجه أخر: أنَّه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها، ولا يجب عند أصحابنا إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف، وإن وجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
وعن أبي حنيفة روايات، إحداها: كقول الشافعي وأحمد. والثانية: إن ترك قدر درهم لم يجزئه، وإن ترك دونه أجزأه. والثالثة: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلَّا فلا. والرابعة: إن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه، وإلَّا فلا. وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر.
وحكى ابن المنذر، عن سليمان بن داود الهاشمي: أنَّ مسح التيمم حكمه حكم مسح الرأس في الوضوء يجزئ فيه البعض.
وكلام الإمام أحمد يدل على حكاية الإجماع على خلاف ذلك.
قال: الجوزجاني: ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم؟ قال: يعيد الصلاة. فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحدًا ترك ذَلكَ من تيممه.
[ ١ / ٦٦٧ ]
قَالَ الشالنجي: وقال أبو أيوب -يعني: سليمان بن داود الهاشمي-: يجزئه في التيمم أن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه؛ لأنَّه بمنزلة المسح على الرأس؛ إذا ترك منه بعضًا أجزأه.
قال الجوزجاني: فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى - يعني: النيسابوري ـ، فقال: المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء منه لم يعد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء.
قال الجوزجاني: لم نسمع أحدًا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتبع في الوضوء بالتخليل، فأحسن الأقاويل منها ما ذكره يحيى بن يحيى: أن لا يتعمد ترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء لم يعد. انتهى.
وظاهر هذا: يدل على أنَّ مذهب سليمان بن داود ويحيى بن يحيى والجوزجاني: أنَّه إذا ترك شيء من وجهه ويديه في التيمم لم يعد الصلاة. ونقل حرب، عن إسحاق، أنَّه قال تضرب بكفيك على الأرض ثم تمسح بهما وجهك، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ثم تضرب مرة أخرى بكفيك.
ومراد إسحاق: أنَّه لا يشترط وصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه، كما يقوله من يقوله من الشافعية وغيرهم، حتى نص الشافعي: أنَّه لو بقي من محل الفرض شيء لا يدركه الطرف لم يصح التيمم.
واستشكل أبو المعالي الجويني تحقق وصول التراب إلى اليدين إلى المرفقين بضربة واحدة، وقال: الذي يجب اعتقاده أنَّ الواجب استيعاب المحل بالمسح
[ ١ / ٦٦٨ ]
باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار على جميع المحل. قال: وهذا شيء أظهر به، ولم أرَ منه بدًا.
وحكى ابن عطية في "تفسيره" عن محمد بن مسلمة من المالكية: أنَّه لا يجب أن يتبع الوجه بالتراب كما يتبع بالماء وجعله كالخف وما بين الأصابع في اليدين - يعني: في التيمم.
وحكى في وجوب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم قولين لأصحابهم: بالوجوب، والاستحباب.
وحكى ابن حزم في وجوب تخليل اللحية بالتراب اختلافًا.
وأمَّا اليدان: فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين: ظاهرهما وباطنهما بالتراب إلى الكوعين، وقد ذكرنا أنَّ بعض العلماء لم يوجب استيعاب ذلك بالمسح» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٢٠):
«فَأَمَّا مَا يَشُقُّ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَيْهِ كَبَاطِنِ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ وَالْكَثِيفَةِ، فَلَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ ضَرْبَةٌ أَوْ بَعْضُ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وَبِذَلِكَ لَا يَصِلُ التُّرَابُ إِلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ» اهـ.
وقال العلامة أبو الوليد الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ١١٥):
«قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ فِي التَّيَمُّمِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الْعُضْوَيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِ بَشَرَةِ الْيَدَيْنِ بِالْمَسْحِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَمْ أَرَ تَخْلِيلَ الْأَصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ لِغَيْرِهِ» اهـ.
[ ١ / ٦٦٩ ]
وقال العلامة القرافي ﵀ في [الذخيرة] (١/ ٣٥٥):
«قَالَ ابْنُ شَاسٍ: يُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ وَيَنْزِعُ الْخَاتَمَ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ وَقَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ أَوْلَى مِنَ الْوُضُوءِ لِبُلُوغِ الْمَاءِ مَا لَا يَبْلُغُهُ التُّرَابُ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَمَا رَأَيْتُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَنْزِعُ الْخَاتَمَ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَنْزِعُهُ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنَ الْوُضُوءِ» اهـ.
قلت: لا أعلم دليلًا على وجوب تخليل الأصابع في التيمم ولو كان واجبًا لعلمه النبي ﷺ عمارًا.
٥ - قوله: «إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» فيه استعمال القول في معنى الفعل وقد قال بعض العلماء: إنَّ العرب استعملت القول في كل فعل.
والأصل في القول عند الإطلاق هو قول اللسان، ويطلق على الفعل بقرائن تدل عليه.
٦ - وقوله: «ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ». فيه نفض اليدين قبل مسح الوجه والكفين.
قال إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (١/ ١٣٦):
«فَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: ثُمَّ تَمْسَحَهُمَا هُوَ النَّفْضُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ مَسْحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى لِيَنْفُضَ مَا عَلَيْهِمَا مِنَ التُّرَابِ» اهـ.
قلت: وكلام ابن خزيمة على رواية أبي موسى الأشعري لحديث عمار ولفظه:
«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَمْسَحَهُمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ».
[ ١ / ٦٧٠ ]
قلت: وقد فهم من ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ مسح باطن الكف فيكون مسح باطنهما وظاهرهما فقال في [فتح الباري] (٢/ ٢٩٦):
«وفي رواية مسلم: "مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه"، فهذه تدل على أنَّه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما» اهـ.
قلت: وقد جاء في بعض ألفاظ حديث عمار التصريح بذكر النفخ والنفض للكفين بعد ضربهما في التراب.
فروى البخاري (٣٣٨) من طريق سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا". فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ».
وفي رواية لمسلم (٣٦٨): «فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ"».
وفي رواية للبخاري (٣٤٧): «فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا" فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٣٨ - ٢٤٠):
[ ١ / ٦٧١ ]
«وقد اختلف العلماء في نفخ اليدين من الغبار في التيمم: فمنهم من استحبه، ومنهم من كرهه.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنَّه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب.
وكره النفض حماد وغيره، واستحبه الحسن ويحيى ابن أبي كثير.
واختلفت الرواية عن أحمد في ذَلكَ: فروي عنه أنَّه لم يذهب إلى النفخ. وروي عنه أنه قَالَ: أن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.
ونقل عنه الميموني قَالَ: لا ينفخهما. ثم قَالَ: ومن الناس من ينفضهما، ولست أنفضهما، وكأني للنفخ أكره.
ونقل عنه حنبل أنَّه ذكر حديث عمار هذا، وقال: اذهب إليه. قيل له: ينفخ فيهما؟ قَالَ: ينفخ فيهما ويمسحهما.
قال الخلال: العمل من مذهبه: على أنَّه يجوز فعل ذلك كله: النفخ والنفض، ويجوز تركه.
وقال غيره من أصحابنا: إن كان التراب خفيفًا كره النفخ؛ لأنَّه ينقص به كمال التعميم بالطهور، وإن كان كثيرًا ففي كراهته روايتان، والصحيح: لا يكره؛ لأنَّه تخفيف لا يكره ابتداء، فكذلك دوامًا.
وللشافعي في تخفيف التراب بالنفخ ونحوه قولان: أحدهما: يستحب. والثاني: لا. وقيل: إنَّ القديم استحبابه والجديد عدم استحبابه.
[ ١ / ٦٧٢ ]
واختلف أصحابه في ذلك على طريقين: فمنهم من قال: له قولان مطلقًا. ومنهم من قال: هما منزلان على حالين، فإن كان التراب كثيرًا نفخ، وإلَّا لم ينفخ.
ونقل حرب، عن إسحاق، قال: إن لزق بالكفين تراب كثير نفخهما، وإن لم يلزق بهما تراب كثير أجزأه أن لا ينفخ.
قال حرب: ووصف لنا إسحاق التيمم، فضرب بيديه، ثم نفخهما فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه الثانية ولم ينفخهما، ثم مسح ظهور الكفين: اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى.
وروى بإسناده، عن عمار، أنَّه غمس باطن كفيه بالتراب ثم نفخ يده، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل. وقال عمار: هذا التيمم.
وبإسناده: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه وصف التيمم فمسح ظهر يديه وذراعيه من لدن أصابعه إلى مرفقيه، ثم من بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه مرتين ينفضهما.
ورواية الزهري، عن سالم، عن ابن عمر المتقدمة أصح من هذه.
وذكر بعض المالكية: أنَّ جواز نفض اليدين من التراب في التيمم قول مالك والشافعي دون استقصاء لما فيهما، لكن لخشية ما يضر به من ذلك من تلويث وجهه، أو شيء يؤذيه.
وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما ضرب بيديه الأرض للتيمم نفخ فيهما. واختلفوا في ذلك، فكان الشعبي يقول: ينفضهما. وقال مالك: نفضًا خفيفًا. وقال الشافعي: لا باس أن ينفض إذا بقي في يده غبار. وقال
[ ١ / ٦٧٣ ]
إسحاق نحوًا من قول الشافعي. وقال أحمد: لا يضره فعل أو لم يفعل. وقال أصحاب الرأي: ينفضهما. وكان ابن عمر لا ينفض يديه.
قال ابن المنذر: قول أحمد حسن» اهـ.
قلت: السنة صريحة وصحيحة في النفخ والنفض وهي تدل على استحباب ذلك.
وصفة التيمم عند الحنابلة بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤١٤) فقال:
«قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الصَّعِيدَ مُفَرَّجَةً أَصَابِعُهُ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ كَفِّهِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ الْيُسْرَى بِأَنْ يُمِرَّ الرَّاحَةَ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُمْنَى حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْكُوعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ ظَاهِرَ إِبْهَامِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ إِبْهَامِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيُخَلِّلُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَوْ مَسَحَ الْوَجْهَ بِجَمِيعِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى جَازَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا غُبَارٌ وَاحْتَاجَ إِلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ، هَكَذَا ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " رَأَيْتُ أَحْمَدَ عَلَّمَ رَجُلًا التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مَسْحًا خَفِيفًا، كَأَنَّهُ نَفَضَ مِنْهُمَا التُّرَابَ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ مَرَّةً، ثُمَّ مَسَحَ كَفَّيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ".
وَقَالَ الْقَاضِي: " لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ كَفَّيْهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التُّرَابُ الَّذِي عَلَى رَاحَتَيْهِ مُسْتَعْمَلًا، فَإِذَا مَسَحَ بِهِ ظَهْرَ كَفَّيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ ". وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ
[ ١ / ٦٧٤ ]
الْمُسْتَعْمَلَ مَا وَصَلَ إِلَى الْوَجْهِ، أَمَّا مَا يَبْقَى فِي الْيَدِ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذَا فِي الْوُضُوءِ» اهـ.
٧ - ظاهر الحديث أنَّ ظاهر الكفين يمسحان من غير حاجة إلى إعادة مسح باطنهما، وذلك أنَّه إذا مسح ظهر كفه اليمنى ببطن كفه اليسرى، والعكس كذلك فإنَّه يكون قد مسح حينئذ باطن كفيه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٢٢ - ٤٢٧):
«وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ. فَقِيلَ: يُرَتِّبُ. فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبُطُونِ أَصَابِعِهِ وَظَاهِرِ يَدَيْهِ بِرَاحَتِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ. بَلْ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: لَا يُؤَخِّرُ مَسْحَ الرَّاحَتَيْنِ إلَى مَا بَعْدَ الْوَجْهِ. بَلْ يَمْسَحُهُمَا: إمَّا قَبْلَ الْوَجْهِ وَإِمَّا مَعَ الْوَجْهِ وَظُهُورِ الْكَفَّيْنِ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: رَأَيْت التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أَسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا فِي الْوُضُوءِ. وَهُوَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ مَسَحَ بَاطِنَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى ﵄ قَالَ: "إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا". ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. لَفْظُ الْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ نَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشَمَالِهِ - أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ - ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ الرَّاحَتَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ. وَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ أَحْمَد: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ.
[ ١ / ٦٧٥ ]
وَأَمَّا ظُهُورُ الْكَفَّيْنِ: فَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مَرَّ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ قَبْلَ الْوَجْهِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ ظَاهِرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِرَاحَةِ الْيَدِ الْأُخْرَى. وَقَالَ فِيهَا: ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ قَبْلَ الْوَجْهِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَرْضُ الرَّاحَتَيْنِ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ
الْكَفِّ. وَهَذَا إنَّمَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضِ بَاطِنِ الرَّاحَةِ. وَأَمَّا بَاطِنُ الْأَصَابِعِ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ سَقَطَ مَعَ الْوَجْهِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَبَاطِنُ الْيَدَيْنِ يُصِيبُهُمَا التُّرَابُ حِينَ يَضْرِبُ بِهِمَا الْأَرْضَ وَحِينَ يَمْسَحُ بِهِمَا الْوَجْهَ وَظَهْرَ الْكَفَّيْنِ. وَإِنْ مَسَحَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَهُوَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا لَوَجَبَ أَنْ يَمْسَحَ بَاطِنَهُمَا بَعْدَ الْوَجْهِ. وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَ الْقَوْلِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَلَزِمَ تَكْرَارُ مَسْحِهِمَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. فَسَقَطَ لِذَلِكَ. فَإِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُشْرَعُ فِيهِ التَّكْرَارُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. فَإِنَّهُ - وَإِنْ غَسَلَ يَدَيْهِ ابْتِدَاءً وَأَخَذَ بِهِمَا الْمَاءَ لِوَجْهِهِ فَهُوَ - بَعْدَ الْوَجْهِ يَغْسِلُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَهُوَ يَأْخُذُ الْمَاءَ - بِهِمَا. فَيَتَكَرَّرُ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّكْرَارُ فِي الْجُمْلَةِ. لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ؛ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَغْسِلْ كَفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ فَإِنَّهُ يَغْرِفُ بِهِمَا الْمَاءَ وَقَدْ قَالُوا: إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ: صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ؛ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ لَا تَحْصُلُ بِهِ طَهَارَتُهُمَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلٍ آخَرَ.
وَالْأَقْوَى: أَنَّ هَذَا لَا يَجِبُ بَلْ غَسْلُهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ يُجْزِئُ عَنْ تَكْرَارِ غَسْلِهِمَا كَمَا فِي التَّيَمُّمِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ بِيَدَيْهِ؛ فَيَكُونُ هَذَا غَسْلًا لِبَاطِنِ الْيَدِ. وَلَوْ
[ ١ / ٦٧٦ ]
قِيلَ: بَلْ بَقِيَ غَسْلُهُمَا ابْتِدَاءً وَمَعَ الْوَجْهِ يَسْقُطُ فَرْضُهُمَا كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ: لَكَانَ مُتَوَجِّهًا. فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (٦)﴾ [المائدة: ٦] كَمَا قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦] فَفِي الْوُضُوءِ أَخَّرَ ذِكْرَ الْيَدِ. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْبُخَارِيُّ: تُبَيِّنُ أَنَّهُ مَسَحَ ظَهْرَ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ. وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ مُجْمَلَةٌ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا مَسَحَ لَمْ يَمْسَحْ الرَّاحَتَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ فَكَذَلِكَ ظَهْرُ الْكَفَّيْنِ بَلْ مَسَحَ ظَهْرَهُمَا مَعَ بَطْنِهِمَا؛ لِأَنَّ مَسْحَهُمَا جُمْلَةً أَقْرَبُ إلَى التَّرْتِيبِ. فَإِنَّ مَسْحَ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ بَعْضَهُ مَعَ بَعْضٍ أَوْلَى مِنْ تَفْرِيقِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: فَتَكُونُ الرَّاحَتَانِ مَمْسُوحَتَيْنِ مَعَ ظَهْرِ الْكَفِّ. وَالِاعْتِدَادُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِدَادِ بِمَسْحِهِمَا مَعَ الْوَجْهِ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ - مِنْ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَصَابِعَ لِلْوَجْهِ وَبُطُونَ الرَّاحَتَيْنِ لِظُهُورِ الْكَفَّيْنِ - خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ. وَهُوَ بِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ. وَبُطُونُ الْأَصَابِعِ لَا تَكَادُ تَسْتَوْعِبُ الْوَجْهَ. وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إلَى هَذَا لِيَجْعَلُوا بَعْضَ التُّرَابِ لِظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَمَا أَنَّ الرَّاحَتَيْنِ لَا يُمْسَحَانِ بَعْدَ الْوَجْهِ بِلَا نِزَاعٍ فَكَذَلِكَ ظَهْرُ الْكَفَّيْنِ. فَإِنَّهُمْ - وَإِنْ مَسَحُوا ظَهْرَ الْكَفَّيْنِ بِالرَّاحَتَيْنِ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ - مَسَحُوا مَعَ الْوَجْهِ: مَسَحَ بِالْيَدَيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ؛ وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهِ بَلْ يَجُوزُ مَسْحُ ظَهْرِ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ
[ ١ / ٦٧٧ ]
يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَظَاهِرَ الْكَفَّيْنِ بِذَلِكَ التُّرَابِ وَأَنَّ مَسْحَ ظَهْرِ الْكَفَّيْنِ بِمَا بَقِيَ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ التُّرَابِ يَكْفِي لِظَهْرِ الْكَفَّيْنِ. فَإِنَّ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ كُلَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَنَّهُ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى: لَمْ يَجْعَلْ بَعْضَ بَاطِنِ الْيَدِ لِلْوَجْهِ وَبَعْضَهُ لِلْكَفَّيْنِ بَلْ بِبَاطِنِ الْيَدَيْنِ مَسَحَ وَجْهَهُ وَمَسَحَ كَفَّيْهِ وَمَسَحَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى. وَأَجَابَ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ - مُتَابَعَةً لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - بِأَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِجُرْحِ فِي عُضْوٍ: يَكُونُ التَّيَمُّمُ فِيهِ عِنْدَ وُجُوبِ غَسْلِهِ فَيَفْصِلُ بِالتَّيَمُّمِ بَيْنَ أَبْعَاضِ الْوُضُوءِ هَذَا فِعْلٌ مُبْتَدَعٌ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ وَمَشَقَّةٌ لَا تَأْتِي بِهَا الشَّرِيعَةُ. وَهَذَا وَنَحْوُهُ إسْرَافٌ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. والْنُّفَاةِ يُجَوِّزُونَ التَّنْكِيسَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا وَدِينُ اللَّهِ بَيْنَ الْغَالِي وَالْجَافِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٨٦):
«فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِبَاطِنِ رَاحَتَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَيُخَلِّلَ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ» اهـ.
٨ - وفي الحديث التيمم في السفر لمن لم يجد الماء، وفي التيمم في الحضر نزاع، والأكثر على مشروعيته، وخالف أبو حنيفة في رواية فذهب إلى أنَّه لا يصلي حتى يجد الماء.
[ ١ / ٦٧٨ ]
والصحيح مشروعية التيمم في الحضر لحديث أبي ذر وأبي هريرة فإنَّ النبي ﷺ أخبر فيهما أنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء، وهذا يشمل السفر والحضر، والآية ذكر فيها السفر باعتبار الغالب ولا مفهوم لها.
وفي إعادة الصلاة عند وجدان الماء نزاع بين العلماء فمنهم من أوجب الإعادة كالشافعي وأحمد في رواية.
ومنهم من لم يوجب الإعادة كمالك وأحمد في الرواية الأخرى.
وهذا هو الصحيح فإنَّ الأمر بالإعادة يفتقر إلى دليل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٤٠ - ٤٤١):
«التَّيَمُّمُ جَائِزٌ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَخَافَ الْمَرَضَ بِاسْتِعْمَالِهِ كَمَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمَرِيضِ وَذِكْرِ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ. فَمَنْ كَانَ الْمَاءُ يَضُرُّهُ بِزِيَادَةِ فِي مَرَضِهِ لِأَجْلِ جُرْحٍ بِهِ أَوْ مَرَضٍ أَوْ لِخَشْيَةِ الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ سَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا وَيُصَلِّي. وَإِذَا جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ جَازَ لَهُ الطَّوَافُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا صَلَّى سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ
تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الصِّيَامِ وَلَا الْحَجِّ. وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ مَرَّتَيْنِ وَلَا يَصُومَ شَهْرَيْنِ فِي عَامٍ وَلَا يَحُجَّ حجين. إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ. فَإِنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا وَكَذَلِكَ إذَا نَسِيَ بَعْضَ فَرَائِضِهَا: كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ
[ ١ / ٦٧٩ ]
وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْمَفْرُوضِ: كَمَنْ صَلَّى عريانًا لِعَدَمِ السُّتْرَةِ أَوْ صَلَّى بِلَا قِرَاءَةٍ لِانْعِقَادِ لِسَانِهِ أَوْ لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. لِمَرَضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعُذْرِ النَّادِرِ وَالْمُعْتَادِ وَمَا يَدُومُ وَمَا لَا يَدُومُ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنَّ الْعُرْيَانَ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً صَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَعَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يُصَلِّي بِحَسَبِ حَالِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ» اهـ.
* * *
[ ١ / ٦٨٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً».
قوله: «أُعْطِيتُ خَمْسًا» ليس المراد بذلك الحصر فإنَّ الخصال التي اختص بها النبي ﷺ عن سائر الأنبياء أكثر من ذلك، وقد أوصلها الحافظ ابن حجر ﵀ إلى سبعة عشر خصلة من غير استقصاء منه لها.
قوله: «مَسْجِدًا وَطَهُورًا» قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٧): «والتحقيق: أنَّ "طهورًا" ليس معدولًا عن طاهر، ولأنَّ "طاهرًا" لازم و"طهورًا" متعد، وإنَّما الطهور اسم لما يتطهر به، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك» اهـ.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - اختصاص النبي ﷺ بخصائص لم توجد لإخوانه من الأنبياء والمرسلين.
٢ - خوف الأعداء من النبي ﷺ قبل وصوله إليهم من مسيرة شهر. وهذا من خصائصه ﵊.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٢٨):
[ ١ / ٦٨١ ]
«وَظَهَرَ لِي أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الشَّهْرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَمَالِكِ الْكِبَارِ الَّتِي حَوْلَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ وَمِصْرَ لَيْسَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهَا إِلَّا شَهْرٌ فَمَا دُونَهُ» اهـ.
٣ - احتج به من رأى جواز التيمم بجميع الأرض وقد سبق الكلام على هذه المسألة فيما مضى.
٤ - فيه بيان أنَّ الغنائم كانت محرمة على الأمم السابقة. وقد كانت الغنائم في الأمم السابقة توضع في الأرض وتأتي النار وتأكلها.
فروى البخاري (١٣٢٤)، ومسلم (١٧٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا، أَوْ خَلِفَاتٍ وَهْوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا، فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ، يَعْنِي النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا».
قلت: ويشكل على هذا الحديث قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى
[ ١ / ٦٨٢ ]
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
وقول الله تعالى حاكيًا قول موسى ﵊ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٣٧٧): «وليس هذا الذي فعل عمر ﵁ بمخالف للقرآن فإنَّ الأرض ليست داخلة في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها ولهذا قال عمر: إنَّها غير المال، ويدل عليه أنَّ إباحة الغنائم لم تكن لغير هذه الأمة بل هو من خصائصها كما قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي"، وقد أحل الله سبحانه الأرض التي كانت بأيدي الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل إذا استولوا عليها عنوة كما أحلها لقوم موسى فلهذا قال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ فموسى وقومه قاتلوا الكفار واستولوا على ديارهم وأموالهم فجمعوا الغنائم ثم نزلت النار من السماء فأكلتها وسكنوا الأرض والديار ولم تحرم عليهم فعلم أنَّها ليست من الغنائم وأنَّها لله يورثها من يشاء» اهـ.
قلت: ويجاب عن الآية الأولى أيضًا بأنَّ الإرث لم يكن عن غنيمة قتال وإنَّما كان بعد إهلاك الله لهم.
[ ١ / ٦٨٣ ]
ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
فإنَّ الكنوز التي ورثها بنو إسرائيل هي الأموال لم يرثوها ميراث غنيمة وإنَّما ملكهم الله إياها بعد أن أهلك الله عدوهم.
٥ - اختصاص النبي ﷺ بالشفاعة.
والأظهر أنَّها الشفاعة لأمته فإنَّه لا يماثلها فيها أحد من الأنبياء.
ومما يدل على ذلك ما رواه أحمد (١٩٩٧٣)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٢٣٠٢)، والروياني في [مسنده] (٤٨٨) من طريق إسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«أُعْطِيتُ خَمْسًا: بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ، وَالأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِمَنْ كَانَ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ سَأَلَ شَفَاعَةً، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا».
قلت: هذ حديث ظاهره الصحة. لكن رواه أحمد (١٩٧٣٦) حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مرسلًا.
وقد وصله الحسين بن محمد المروذي عند أحمد، وعبيد الله بن موسى باذام عند ابن أبي شيبة والروياني. والذي يظهر لي ثبوت الوصل.
وروى أحمد (٢١٣١٤) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
[ ١ / ٦٨٤ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَيُرْعَبُ الْعَدُوُّ وَهُوَ مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَقِيلَ لِي: سَلْ تُعْطَهْ، وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، فَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا».
قلت: الأعمش لم يروه عن مجاهد والواسطة بينهما عمرو بن مرة وهو ثقة، وقد اختلف في وصله وإرساله عن مجاهد ورجح الدارقطني ﵀ الوصل فقال في [العلل] (٦/ ٢٥٨): «والمَحفُوظُ قَولُ مَنْ قال: عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ أَبِي ذَرٍّ» اهـ.
قلت: وبهذا يتبين صحة الحديث.
وروى أحمد (٧٠٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: «لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا، مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: أَمَّا أَنَا فَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةً، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ مِنْهُ رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ آكُلُهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا، كَانُوا يُحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسَاجِدَ وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ،
[ ١ / ٦٨٥ ]
وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
قلت: هذا حديث حسن الإسناد.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٩ - ١٠): «وأمَّا الشفاعة التي اختص بها النبي ﷺ من بين الأنبياء، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار؛ فإنَّ هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون - أيضًا -، كما تواترت بذلك النصوص، وإنَّما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع:
أحدها: شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم.
والثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة.
والثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: أنَّ هذه يختص هو بها.
والرابع: كثرة من يشفع له من أمته؛ فإنَّه وفرَّ شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة.
وقد ورد التصريح بأنَّ هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيّ، قَالَ: "أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن نبي كان قبلي"- فذكر الحديث، إلى أن قَالَ-: "والخامسة هي ما هي: قيل لي سل؛ فإنَّ كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله".
وخرج - أيضًا - من حديث أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد كان قبلي"- فذكره، وقال في آخره -:
[ ١ / ٦٨٦ ]
"وأعطيت الشفاعة، وإنَّه ليس من نبي إلَّا قد سأل شفاعته، وإني أخرت شفاعتي، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا".
وفيه - أيضًا - من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: "لم يكن نبي إلَّا له دعوة ينجزها في الدنيا، وإنِّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأنا سيد ولد ادم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي".
وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد، عن النبي ﷺ، قال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي ولا فخر".
وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ، عن النبي ﷺ قَالَ: "لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
وفي صحيح مسلم عن جابر، عن النَّبيّ ﷺ، قَالَ: "لكل نبي دعوة قد دعا بها أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
وفيه - أيضًا - نحوه من حديث أنس، عن النَّبيِّ ﷺ.
وفي حديث عبد الرحمن بن أبي عقيل: سمع النبي ﷺ يقول: "إنَّ الله لم يبعث نبيًا إلَّا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيًا فأعطاها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا، وإنَّ الله أعطاني دعوة، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
خرجه البزار وغيره.
[ ١ / ٦٨٧ ]
وفي المسند عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قَالَ: "إنَّ الله أيقظني فقال: إنِّي لم أبعث نبيًا ولا رسولًا إلاَّ وقد سألني مسالة أعطيتها إياه، فسل يا محمد تعط؟ فقلت: مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة"، فقال أبو بكر: يا رسول الله، وما الشفاعة التي اختبأت عندك؟ قال: "أقول: يارب، شفاعتي التي اختبأت عندك، فيقول الرب ﵎: نعم، فيخرج ربي ﵎ بقية أمتي من النار، فينبذهم في الجنة".
والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم -: أنَّ كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان ﵇، واختص النَّبيّ ﷺ بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة.
وقد ذكر بعضهم: شفاعة خامسة خاصة بالنبي ﷺ، وهي: شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها ﷺ.
وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي ﷺ، وهي: شفاعته في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. وسيأتي ما يدل عليه - إن شاء الله تعالى» اهـ.
٦ - قوله: «مَسْجِدًا وَطَهُورًا». يستثنى من قوله: قوله: «مَسْجِدًا». الحمام والمقبرة، والكنف، ومبارك الإبل، ومسجد الضرار، وأرض العذاب، والأرض المغصوبة.
[ ١ / ٦٨٨ ]
ويستثنى من قوله: قوله: «وَطَهُورًا». الأرض النجسة، وما لا غبار له من الحجارة والأشجار.
٧ - قوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» من أفراد البخاري ولا وجود لها في مسلم، ولفظ مسلم (٥٢١): «وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ».
وقد احتج باللفظ الأول لقول من أثبت الإرسال للنبي، فقال: كل نبي مرسل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه لله في [النبوات] ص (١٨٤ - ١٨٦):
«والمقصود هنا الكلام على النبوة فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأمَّا إذا كان إنَّما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فذكر إرسالًا يعم النوعين وقد خص أحدهما بأنَّه رسول فإنَّ هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح. وقد ثبت في الصحيح أنَّه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبيًا مكلمًا، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه
[ ١ / ٦٨٩ ]
العلماء عن الرسول، وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهم الله سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداود فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره وبنهيه وخبره وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به».
إلى أن قال ﵀: «فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ دليل على أنَّ النبي مرسل ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق لأنَّه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنَّه حق كالعالم، ولهذا قال النبي ﷺ "العلماء ورثة الأنبياء" وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فإنَّ يوسف كان رسولًا وكان على ملة إبراهيم. وداود وسليمان كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (*) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾» اهـ.
٧ - واحتج بقوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً». من قال: إنَّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعًا لنا إلَّا بنص من شرعنا على أنَّه مشروع لنا، ووجه الحجة من الحديث أنَّ النبي ﵇ لم يكن من أقوام الأنبياء المتقدمين فلا يكون متعبدًا بشرعهم. وهذا مذهب الإمام الشافعي
[ ١ / ٦٩٠ ]
﵀ في المشهور عنه، وذهب الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين، إلى أنَّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا، إلَّا إذا دلَّ دليل على النسخ فيؤخذ به. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن باز، وابن عثيمين، واللجنة الدائمة للإفتاء. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة والله أعلم. وقد عزا هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأكثر السلف فقال في [الجواب الصحيح] (٢/ ٤٣٦): «ولهذا كان مذهب جماهير السلف والأئمة أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه» اهـ.
واحتج الجمهور على قولهم هذا بأدلة منها:
ما رواه البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: "مَا هَذَا"؟. قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ: "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ". فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».
وروى البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٨٥): «وقد اختلف في ذكر هذه الآية هل هي من كلام قتادة أو هي من قول النبي ﷺ وفي رواية مسلم عن هداب قال: قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وفي روايته من
[ ١ / ٦٩١ ]
طريق المثنى عن قتادة قال رسول الله ﷺ: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " وهذا ظاهر أنَّ الجميع من كلام النبي ﷺ، واستدل به على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا لأنَّ المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊ وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ» اهـ.
قلت: وروى مسلم (٦٨٠) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾».
وروى البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥) عن أنس ﵁: «أَنَّ الرُّبَيِّعَ - وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ: "يَا أَنَسُ كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ". فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ"».
ولفظ مسلم: عَنْ أَنَس: «أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَتْ إِنْسَانًا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ". فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ". قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ"».
[ ١ / ٦٩٢ ]
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١١/ ١٦٥): «وقوله ﷺ "كتاب الله القصاص" أي حكم كتاب الله وجوب القصاص في السن وهو قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾».
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٢/ ٢٥٨): «بناء على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه» اهـ.
وروى البخاري (٤٨٠٧) عَنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ فَقَالَ: «أَوَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ».
ومن جملة ما احتج به الجمهور قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾. والنبي ﵇ من جملة النبيين فوجب عليه الحكم بها. وقد رجع النبي ﷺ إلى التوراة في رجم اليهودي، واليهودية، هكذا قيل وفيه نظر سيأتي في كتاب الحدود بمشيئة الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[ ١ / ٦٩٣ ]
قال العلامة ابن العربي ﵀ في [أحكام القرآن] (١/ ٤١ - ٤٢): «ونكتة ذلك أنَّ الله تعالى أخبرنا عن قصص النبيين، فما كان من آيات الازدجار وذكر الاعتبار ففائدته الوعظ، وما كان من آيات الأحكام فالمراد به الامتثال له والاقتداء به.
قال ابن عباس ﵁: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فنبينا ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم، وبهذا يقع الرد على ابن الجويني حيث قال: إنَّ نبينا لم يسمع قط أنَّه رجع إلى أحد منهم، ولا باحثهم عن حكم، ولا استفهمهم؛ فإنَّ ذلك لفساد ما عندهم.
أمَّا الذي نزل به عليه الملك فهو الحق المفيد للوجه الذي ذكرناه، ولا معنى له غيره» اهـ.
قلت: واحتج لمذهب الشافعي بالحديث السابق وبقول الله ﷿: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾
وأجيب عن الحديث بأنَّ بقاء بعض أحكام شريعة نبي من الأنبياء لمن جاء بعده، لا يمنع من كونه أرسل إلى قومه من حيث الأصل.
وأجيب عن الآية بأنَّه ليس المراد به المخالفة في المنهاج في الكل بل ذلك مراد في البعض وهو ما قام الدليل فيه على نسخه. فمشاركتهم في بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم شرع يخالف شرع الآخر كما أنَّ مشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد منهم بشريعة تخالف شريعة غيره.
واحتجوا بقوله: ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
[ ١ / ٦٩٤ ]
وأجيب بأنَّه لا يدل على أنَّه ليس بهدى لغيرهم، كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
والجواب عن حديث الباب أنَّ كون النبي يبعث إلى قومه خاصة لا يمنع من لم يكن مبعوثًا إليهم أن يأخذوا بعض الأحكام التي جاء بها التي لا تخالف شريعة نبيهم، كما دلت على ذلك الأدلة الماضية.
* * *
[ ١ / ٦٩٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: