٢٧٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم مماطلة الغني، وأصل المطل في اللغة: المد يقال: مطلت الحديدة إذا مددتها لتطول، وكل ممدود ممطول، والمراد بذلك في هذا الحديث تأخير أداء الحق بغير عذر.
والمراد بالغنى في هذا الحديث القدرة على الأداء، ولو كان الشخص فقيرًا.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٥):
«والغنى مختلف في تفريعه، ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيرًا» اهـ.
قُلْتُ: فيخرج بذلك الفقير الذي لا يقدر على الأداء، ومن كان ذا مال لكنه ليس متمكنًا من الأداء لغيبة المال أو لغير ذلك.
٢ - ويدل بمفهومه أنَّ تأخير أداء الحق من قبل العاجز ليس بظلم.
٣ - وفيه أنَّ المدين إذا أحال دائنه على غني باذل وجب عليه أن يحتال إليه.
[ ٩ / ٢٣ ]
وحمله الجمهور على الاستحباب، وقال بالوجوب أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر.
وهذه المسألة هي التي يسميها العلماء "الحوالة" وهي تحويل الدين من ذمة إلى ذمة.
والحوالة من قبيل الاستيفاء، لا من قبيل بيع الدين بالدين خلافًا لمن زعم ذلك، ثم ادعى بعد ذلك أنَّ الحوالة خلاف القياس.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥١٢):
«الوجه الثاني: أنَّ الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع. فإنَّ صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل» اهـ.
٤ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٦):
«واستدل به على أنَّ الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت أو فلس لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنَّه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنَّه انتقل انتقالًا لا رجوع له كما لو عوضه عن دينه بعوض ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له رجوع. وقال الحنفية: يرجع عند التعذر وشبهوه بالضمان» اهـ.
قُلْتُ: وبيان ذلك: أنَّ المحتال لو كان له الرجوع مطلقًا لما احتيج إلى اشتراط الغنى، بل لاستوى الغني وغيره في هذا، وإذا لم يمكنه أن يستوفي حقه من المعسر
[ ٩ / ٢٤ ]
أو الغني فإنَّه يرجع إلى المحال واستوفى حقه منه، فلما اشترط النبي ﷺ في وجوب قبول الإحالة أن يكون المحتال إليه غنيًا دلَّ ذلك على أنَّ الحوالة تقتضي الانتقال التام إلى المحال إليه من غير رجوع إلى المحيل. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٧٣) عند كلامه على الحوالة:
«فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه. فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال عليه، أو مات. وهذا قول الجمهور.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذ الدين من المحال عليه. والأول الصحيح؛ لأنَّ الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأنَّ ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلَّا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل. غير أنَّ مالكًا قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه» اهـ.
٥ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٦):
«واستدل به على اعتبار رضى المحيل والمحتال دون المحال عليه لكونه لم يذكر في الحديث، وبه قال الجمهور، وعن الحنفية يشترط أيضًا، وبه قال الإصطخري من الشافعية» اهـ.
[ ٩ / ٢٥ ]
قُلْتُ: وهل يجبر المدين على الحوالة إن كان معسرًا، وله دين عند غني باذل؟
الذي يظهر لي في ذلك أنَّه يلزم بأحد أمرين: إمَّا الإحالة، وإمَّا أن يقبض المال بنفسه من غريمه ثم يوفي دينه، لأننا إن لم نلزمه بذلك ضاعت الحقوق.
وأمَّا المحتال، فالصحيح أنَّه لا يعتبر رضاه إذا أحيل على مليء يمكن مطالبته، وقولي: "يمكن مطالبته" لإخراج المماطل، ومن لا يمكن إحضاره إلى مجلس الحكم كالوالد، والسلطان.
وإنَّما لم نعتبر رضا المحتال لأمر النبي ﷺ له أن يحتال. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥):
«فَإِذَا أُحِيلَ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَزِمَ الْمُحْتَالَ وَالْمُحَالَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَيُعْتَبَرُ الرِّضَا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِالدَّيْنِ عَرْضًا.
فَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَالُ عَدُوَّهُ. وَلِلشَّافِعِي فِي اعْتِبَارِ رِضَائِهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ. وَهُوَ يَحْكِي عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ تَتِمُّ بِهِ الْحَوَالَةُ، فَأَشْبَهَ الْمُحِيلَ. وَالثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَالتَّوْكِيلِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ
[ ٩ / ٢٦ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ". وَلِأَنَّ لِلْمُحِيلِ أَنْ يُوَفِّيَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ، وَقَدْ أَقَامَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّقْبِيضِ فَلَزِمَ الْمُحَالَ الْقَبُولُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي إبْقَائِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ عَرْضًا؛ لِأَنَّهُ يُعْطِيه غَيْرَ مَا وَجَبَ لَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الزَّرْكَشِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْخِرَقِيِّ] (٤/ ١١٤):
«وفهم من كلام الخرقي ﵀ أنه لا يعتبر رضا المحتال، ولا المحال عليه، وهو الصحيح، أما المحتال فللحديث، وأما المحال عليه فلأن للإنسان أن يستوفي حقه بنفسه وبوكيله، والمحتال قد أقامه المحيل مقام الوكيل، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُوْسَى الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِقْنَاعِ] (٢/ ١٨٩):
«ولا يعتبر رضا المحال عليه ولا رضا المحتال إن كان المحال عليه مليئًا فيجب أن يحتال فإن امتنع أجبر على قبولها ويبرأ المحيل بمجرد الحوالة قبل الأداء وقبل إجبار المحتال على قبولها» اهـ.
٦ - قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٢٣):
«وفي قوله: "مطل الغنى ظلم". قيل: هذا دليل أنَّ الحوالة لا تصح إلَّا عن دين حال، إذ لا يكون ظالمًا، ولا مطولًا من لم يحل عليه الدين» اهـ.
٧ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤١٣):
[ ٩ / ٢٧ ]
«قال بعضهم: وفيه دلالة لمذهب مالك والشافعي والجمهور أنَّ المعسر لا يحل حبسه، ولا ملازمته، ولا مطالبته حتى يوسر» اهـ.
قُلْتُ: وذلك لانتفاء الظلم عنه كما يدل عليه مفهوم الحديث، فإذا انتفى الظلم عنه، فلا يجوز حبسه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٦٥):
«قوله: "مطل الغني ظلم" دلالته أنَّه إذا لم يكن غنيًا يجد ما يقضيه لم يكن ظالمًا، وإذا لم يكن ظالمًا لم يجز حبسه؛ لأنَّ الحبس عقوبة، ولا عقوبة على غير الظالم» اهـ.
وأصرح من هذا ما رواه أحمد (١٧٩٧٥، ١٩٤٧٤، ١٩٤٨١)، وأبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩، ٤٦٩٠)، وابن ماجة (٢٤٢٧) مِنْ طَرِيْقِ وَبْرِ بْنِ أَبِي دُلَيْلَةَ، شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مُسَيْكَةَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ».
قُلْتُ: لكن فيه ابن مسيكة جهله ابن المديني، ولم يوثقه معتبر.
٨ - ومفهوم الحديث أنَّه إذا أحيل على غير مليء فلا يجب عليه أن يحتال، وهل تصح هذه الحوالة، أو لا تصح؟
الجواب: أنَّها تصح إذا رضا المحال بذلك، وإلَّا فلا.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٢٧): «استدل به ابن حزم على أنَّه لا تجوز الحوالة إلَّا على مليء فلو أحاله على
[ ٩ / ٢٨ ]
غير مليء فهو فاسد وحقه باق على المحيل كما كان سواء درى أنَّه غير مليء أم لا، وفيه نظر فإنَّه لم يمنع في الحديث من الحوالة على غير المليء، وإنَّما أمر بقبول الحوالة على المليء وسكت عن الحوالة على غيره فلم يأمر بقبولها ولم ينه عنه بل الأمر فيها إلى خيرة المحال والله أعلم» اهـ.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ الحوالة تصح من غير شرط.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٦) شروطًا أربعة:
أحدها: تماثل الحقين.
ويكون ذلك في ثلاثة أشياء وهي:
الأولى: الجنس. فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة.
ولو أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب، لم يصح.
الثاني: الصفة. فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة لم يصح.
الثالث: الحلول والتأجيل. ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كان أحدهما حالًا والآخر مؤجلًا، أو أجل أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين، لم تصح الحوالة.
هكذا ذكر ابن قدامة، ومنهم من أضاف إلى ذلك المقدار، فلا تصح الحوالة بعشرة على خمسة، ولا عكسه، وتصح بخمسة من العشرة، وبالخمسة على خمسة من العشرة.
[ ٩ / ٢٩ ]
وإنَّما اعتبرت هذه الصفات حتى لا تخرج الحوالة من موضوعها إلى معنى المعاوضة فتأخذ حينئذٍ أحكام البيع. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٧٣):
«ومنها: أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به؛ لأنَّه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهي عنه» اهـ.
وإذا اجتمعت هذه الأمور، وصحت الحوالة، وتراضيا بأن يدفع المحال عليه خيرًا من حقه، أو رضي المحتال بدون الصفة، أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله، أو رضي من له الحال بإنظاره، جاز؛ لأنَّ ذلك يجوز في القرض، ففي الحوالة أولى.
الشرط الثاني: أن تكون على دين مستقر. فلا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة؛ لأنَّه غير مستقر، فإنَّ له أن يمتنع من أدائه، ويسقط بعجزه.
وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول، لم يصح؛ لأنَّه غير مستقر. لكن إن كان المهر قد سمى فأحالت بنصف حقها فهل تصح بذلك الحوالة، ظاهر كلام أهل العلم أنَّها لا تصح لعدم استقرار نصف المهر، وذلك لاحتمال أن يحصل الفسخ من جهتها أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح إن اعتبرناه الولي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (٥/ ٥٧):
«وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح لأنَّه غير مستقر يحتمل أن يسقط بانفساخ النكاح بسبب من جهتها» اهـ.
[ ٩ / ٣٠ ]
قُلْتُ: فأمَّا دين المحيل فلا يشترط أن يكون مستقرًا. فيجوز إحالة الدين الغير مستقر على دين مستقر.
الشرط الثالث: أن تكون بمال معلوم. أي على مال معلوم. والمعلوم هو الذي يصح فيه السلم كالمثليات فلا تصح الحوالة بالجواهر على الجواهر.
الشرط الرابع: أن يُحيل برضاه؛ لأنَّ الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه، ولا خلاف في هذا.
وهذه الشروط معتبرة عند جمهور العلماء.
* * *
[ ٩ / ٣١ ]