٢٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ. فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا. لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا; لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ».
وَقَالَ جَابِرٌ: «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْتَ: فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا: حَيًّا، وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٤):
«العمرى في اللغة: هي أن يقول الرَّجلُ للرَّجلِ: هذه الدار لك عمرى أو عمرك. وأصلها من العمر؛ قاله أبو عبيد. وقال غيره: أعمرته الدَّار جعلتها له عمره» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١):
[ ٩ / ٢٦٩ ]
«قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: العمرى: قوله: أعمرتك هذه الدار مثلًا، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو ما يفيد هذا المعنى» اهـ.
قُلْتُ: والعقب هم أولاد الإنسان مهما تناسلوا.
وقوله في الرواية الثانية: «لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ». مدرج من كلام أبي سلمة كما بيَّن ذلك ابن أبي ذئب، فقد روى مسلم (١٦٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً، لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ، وَلَا ثُنْيَا»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: «لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٧):
«فهذه الزيادة من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن، كذلك رواه ابن أبي ذئب» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية العمرى، ومثلها الرقبى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٣):
«العمرى، والرقبى: نوعان من الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبره.
[ ٩ / ٢٧٠ ]
وصورة العمرى أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمرى، أو ما عاشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا. سميت عمرى لتقييدها بالعمر.
والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك، على أنَّك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنَّه يقول: هي لآخرنا موتًا. وبذلك سميت رقبى؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
وكلاهما جائز، في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن بعضهم أنَّها لا تصح؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا".
ولنا ما روى جابر، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها". رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن.
فأمَّا النَّهي، فإنَّما ورد على سبيل الإعلام لهم إنَّكم إن أعمرتم، أو أرقبتم يعد للمعمر والمرقب، ولم يعد إليكم منه شيء.
وسياق الحديث يدل عليه، فإنَّه قال: "فمن أعمر عمرى، فهي لمن أعمرها حيًا وميتًا وعقبه"» اهـ.
قُلْتُ: حديث النهي عن العمرى، والرقبى جاء عند وأبي داود (٣٥٥٦)، والنسائي (٣٧٣١) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ
[ ٩ / ٢٧١ ]
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء في إباحة العمرى ما رواه البخاري (٢٦٢٦)، ومسلم (١٦٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «العُمْرَى جَائِزَةٌ».
وما رواه مسلم (١٦٢٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ».
بهذا يتبين أنَّ قول النبي ﷺ في الحديث: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا». ليس للوجوب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٨):
«وأمَّا قوله: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها"؛ فإنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢):
«المراد به إعلامهم أنَّ العمرى هبة صحيحة ماضية، يملكها الموهوب له ملكًا تامًا لا يعود إلى الواهب أبدًا، فإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك؛ لأنَّهم كانوا يتوهمون أنَّها كالعارية، ويرجع فيها» اهـ.
قُلْتُ: المنع من العمرى يحكى عن داود الظاهري، وبعض أهل الحديث. وفي الرقبى نزاع، والصحيح جوازها.
[ ٩ / ٢٧٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨):
«والحكم فيها على ما تقدم ذكره، وأنَّها كالعمرى إذا شرط عودها إلى المعمر.
وقال علي ﵁: العمرى والرقبى سواء.
وقال طاووس: من أرقب شيئًا فهو على سبيل الميراث. وقال الزهري: الرقبى وصية. يعني أنَّ معناها إذا مت فهذا لك.
وقال الحسن، ومالك، وأبو حنيفة: الرقبى باطلة؛ لما روي أنَّ النَّبي ﷺ أجاز العمرى، وأبطل الرقبى.
ولأنَّ معناها أنَّها للآخر منَّا، وهذا تمليك معلق بخطر، ولا يجوز تعليق التمليك بالخطر.
ولنا ما رويناه من الأخبار، وحديثهم لا نعرفه، ولا نسلم أنَّ معناها ما ذكروه، بل معناها أنَّها لك حياتك، فإن مت رجعت إلي فتكون كالعمرى سواء، إلَّا أنَّه زاد شرطها لورثة المرقب، إن مات المرقب قبله، وهذا يبين تأكيدها على العمرى» اهـ.
٢ - الرواية الأولى، والثانية، والأخيرة تدل على أنَّ العمرى لمن وهبت له لا ترجع إلى الذي أعطاها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٤٢ - ١٤٣):
«اختلف العلماء في العمرى، فقال مالك: إذا قال: أعمرتك داري أو ضيعتي، فإنَّه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك وهو
[ ٩ / ٢٧٣ ]
المعمر، وإذا قال: قد أعمرتك وعقبك، فإنَّه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقى منهم إنسان، فإذا انقضوا رجعت الرقبة إلى المالك المعمر؛ لأنَّه وهب له المنفعة، ولم يهب له الرقبة. وروى مثله عن القاسم بن محمد، ويزيد بن قسيط، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال الكوفيون، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد بن حنبل: العمرى تصير ملكًا للمعمر ولورثته، ولا تعود ملكًا إلى المعطى أبدًا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١):
«قال أصحابنا: العمرى ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك، فتصح بلا خلاف ويملك بهذا اللفظ رقبة الدار وهي هبة، لكنها بعبارة طويلة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال، خلافًا لمالك.
الثاني: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لما سواه، ففي صحة هذا العقد قولان للشافعي: أصحهما - وهو الجديد - صحته، وله حكم الحال الأول. والثاني - وهو القديم -: أنَّه باطل، وقال بعض أصحابنا: إنَّما القول القديم أنَّ الدار تكون للمعمر حياته، فإذا مات عادت إلى الواهب أو ورثته؛ لأنَّه خصه بها حياته فقط، وقال بعضهم: القديم أنَّها عارية يستردها الواهب متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته.
[ ٩ / ٢٧٤ ]
الثالث: أن يقول: جعلتها لك عمرك، فإذا مت عادت إليَّ، أو إلى ورثتي إن كنت مت، ففي صحته خلاف عند أصحابنا منهم من أبطله، والأصح عندهم صحته، ويكون له حكم الحال الأول، واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة: "العمرى جائزة" وعدلوا به عن قياس الشروط الفاسدة، والأصح: الصحة في جميع الأحوال، وأنَّ الموهوب له يملكها ملكًا تامًا يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات. هذا مذهبنا، وقال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة. وقال مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلًا، ولا يملك فيها رقبة الدار بحال. وقال أبو حنيفة بالصحة كنحو مذهبنا. وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيدة، وحجة الشافعي وموافقيه هذه الأحاديث الصحيحة، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ العمرى والرقبى لمن وهبت له مطلقًا، وهذا هو الذي تدل عليه عموم الأحاديث.
٣ - وفي الرواية الثالثة التفريق بين قول الرجل: هي لك ولعقبك، فلا ترجع إلى الواهب، وبين ما إذا قال: هي لك ما عشت فإنَّها ترجع إلى صاحبها، وتكون حينئذٍ من باب العارية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٥):
[ ٩ / ٢٧٥ ]
«فإن شرط أنَّك إذا مت فهي لي. فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، صحة العقد والشرط، ومتى مات المعمر رجعت إلى المعمر. وبه قال القاسم بن محمد، وزيد بن قسيط، والزهري، ومالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، وأبو ثور، وداود، وهو أحد قولي الشافعي».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٢/ ٣٣٦): «والرواية الثانية، أنَّها تكون للمعمر ولورثته، ويسقط الشرط. وهذا قول الشافعي الجديد، وقول أبي حنيفة. وهو ظاهر المذهب. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب؛ للأحاديث المطلقة التي ذكرناها، وقول رسول الله ﷺ: "لا رقبى، فمن أرقب شيئًا، فهو له في حياته وموته"» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٣٩):
«ثانيها: أن يقول: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي فهذه عارية مؤقتة وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى، وقد بينت هذه والتي قبلها رواية الزهري، وبه قال أكثر العلماء، ورجحه جماعة من الشافعية، والأصح عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجوا بأنَّه شرط فاسد فلغي» اهـ.
قُلْتُ: وقد صحح هذا الشرط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٧/ ١٠٢): «قوله: "وإن شرط رجوعها إلى
[ ٩ / ٢٧٦ ]
المعمر - بكسر الميم - عند موته أو قال هي لآخرنا موتًا صح الشرط". هذا إحدى الروايتين، اختاره الشيخ تقي الدين ﵀» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٤٣٥):
«وَتَصِحُّ الْعُمْرَى وَيَكُونُ لِلْمُعَمِّرِ وَلِوَرَثَتِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُعَمِّرُ عَوْدَهَا إلَيْهِ فَيَصِحُّ الشَّرْطُ - وَهُوَ بِقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ» اهـ.
لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٧):
«غير أنَّ كلام النبي ﷺ انتهى عند قوله: "هي لك ولعقبك"، وما بعده من كلام الزهري، على ما قاله محمد بن يحيى الذهلي. وهو مما انفرد به عن الزهري. وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهري من الأئمة الحفاظ، كالليث، ومالك، وابن أخي الزهري، وابن أبي ذئب. ولم يذكروا ذلك» اهـ.
قُلْتُ: يريد أنَّ معمرًا انفرد به عن الزهري، وخالفه كل من روى الحديث عن الزهري، فلم يذكروا هذه الجملة في حديث جابر.
وقد ذكر الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ أنَّ الوهم من عبد الرزاق فقال ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٤/ ٧٠):
«وكان هذا الحديث عند مخالفيهم، إنَّما يدل على كلام الزهري، فغلظ فيه عبد الرزاق، فجعله عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بذلك الكلام،
[ ٩ / ٢٧٧ ]
والدليل عليه: أنَّ من هو أحفظ من عبد الرزاق - وهو ابن المبارك - قد رواه عن معمر بخلاف ذلك» اهـ.
ثم ذكر رواية ابن المبارك بإسناده.
وَأَجَابَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٦) فَقَالَ:
«وأمَّا حديثهم الذي احتجوا به، فمن قول جابر نفسه، وأمَّا نقل لفظ النبي ﷺ قال: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنَّه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا، ولعقبه".
ولأنَّا لو أجزنا هذا الشرط، كانت هبة مؤقتة، والهبة لا يجوز فيها التأقيت» اهـ.
٤ - وظاهر السنة أنَّ العمرى تقتضي تمليك الرقبة، وليس مجرد المنفعة، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١١٤ - ١١٥):
«وقال مالك: الأمر عندنا أنَّ العمرى ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل لك ولعقبك إذا مات المعمر، وكذلك إذا قال: هي لك ولعقبك ترجع إلى صاحبها أيضًا بعد انقراض عقب المعمر؛ لأنَّه على شرطه في عقب المعمر، كما هو على شرطه في المعمر ورقبتها عند مالك وأصحابه على ملك صاحبها أبدًا ترجع إليه إن كان حيًا، أو إلى ورثته بعده، وضمانها منهم، ولا يملك بلفظ العمرى والأعمار عند مالك رقبة شيء من العطايا، وإنَّما ذلك عنده كلفظ السكنى والإسكان سواء لا يملك بذلك إلَّا المنافع دون الرقاب، وهي ألفاظ عندهم لا يملك بها الرقاب
[ ٩ / ٢٧٨ ]
وإنَّما يملك بها المنافع منها العمري، والسكنى، والعارية، والإطراق، والمنحة، والأحبال، والأفقار، وما كان مثلها.
قال أبو إسحاق الحربي: سمعت ابن الأعرابي يقول: لم تختلف العرب في أنَّ هذه الأسماء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العمري، والرقبى، والأفقار، والأحبال، والعرية، والسكنى، والإطراق.
ومما احتج به أصحاب مالك فيما ذهبوا إليه من رد حديث جابر هذا بأن قالوا: هو حديث منسوخ ولم يصحبه العمل. وقال بعضهم: لعل حامله وهم. ومثل هذا من القول لا يعترض به الأحاديث الثابتة عند أحد من العلماء إلَّا بأن يتبين النسخ بما لا مدفع فيه» اهـ.
قُلْتُ: قول جابر: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى، أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». ظاهر في تمليك الرقبة؛ ولهذا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١١٧):
«فجعلها هبة، والفائدة في هذا الخطاب في تملكه الرقبة؛ لأنَّ المنافع أوضح من أن يحتاج إلى أن تعرف لمن هي في ذلك. والله أعلم» اهـ.
وهكذا سائر ألفاظ الحديث ظاهرة في ذلك، والله أعلم.
[ ٩ / ٢٧٩ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٧٥) - عند شرحه لقول النبي ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ». -:
«لا عذر لمالك بعد هذا والله أعلم» اهـ.
وَقَدْ أَجَابَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ عن كلام ابن الأعرابي فَقَالَ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٥): «وقول ابن الأعرابي: إنَّها عند العرب تمليك المنافع.
لا يضر إذا نقلها الشرع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة، ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة.
قولهم: إنَّ التمليك لا يتأقت.
قلنا: فلذلك أبطل الشرع تأقيتها، وجعلها تمليكًا مطلقًا» اهـ.
٥ - ولا يدخل في الحديث ما إذا وقَّت الهبة إلى زمن دون العمر؛ لأنَّ الهبة تمليك، والتمليك لا يجوز تأقيته بما دون العمر، فأمَّا تأقيته بالعمر فلا يضر؛ فإنَّ ملك الإنسان لا يتجاوز عمره. فإذا وقتها بدون العمر فهي هبة باطلة، ولا يصح أن يقال بصحتها مع فساد الشرط كالعمرى المقيدة بالعمر، وذلك أنَّ شرط الرجوع في العمرى راجع إلى غير المعمر له، وإنَّما ذلك راجع إلى الورثة من بعده، وهذا شرط على غير الموهوب له، فلهذا لم يصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٨):
[ ٩ / ٢٨٠ ]
«فصل: وإن وقت الهبة إلى غير العمرى والرقبى، فقال: وهبتك هذا لسنة، أو إلى أن يقدم الحاج، أو إلى أن يبلغ ولدي، أو مدة حياة فلان. ونحو هذا لم يصح لأنَّها تمليك للرقبة، فلم تصح مؤقتة، كالبيع، وتفارق العمرى والرقبى؛ لأنَّ الإنسان إنَّما يملك الشيء عمره، فإذا ملكه عمره فقد وقته بما هو مؤقت به في الحقيقة، فصار ذلك كالمطلق.
وإن شرط رجوعها إليه بعد ذلك، كان شرطًا على غير الموهوب له، بخلاف غيره» اهـ.
٦ - ولا يدخل في العمرى ما إذا قال: أسكنتك هذه الدار مدة حياتك، بل هي في هذه الصورة عارية مُؤَدَّاةٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٩):
«مسألة قال: "وإن قال: سكناها لك عمرك. كان له أخذها أي وقت أحب؛ لأنَّ السكنى ليست كالعمرى والرقبى". أمَّا إذا قال: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو اسكنها عمرك. أو نحو ذلك، فليس ذلك بعقد لازم؛ لأنَّه في التحقيق هبة المنافع، والمنافع إنَّما تستوفى بمضي الزمان شيئًا فشيئًا، فلا تلزم إلَّا في قدر ما قبضه منها واستوفاه بالسكنى.
[ ٩ / ٢٨١ ]
وللمسكن الرجوع متى شاء، وأيهما مات بطلت الإباحة، وبهذا قال أكثر العلماء، وجماعة أهل الفتوى، منهم؛ الشعبي، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وروي معنى ذلك عن حفصة.
وقال الحسن، وعطاء، وقتادة: هي كالعمرى، تكون له ولعقبه؛ لأنَّها في معنى العمرى، فيثبت فيها مثل حكمها.
وحكي عن الشعبي أنَّه إذا قال: هي لك، اسكن حتى تموت. فهي له حياته وموته.
وإن قال: داري هذه اسكنها حتى تموت. فإنَّها ترجع إلى صاحبها؛ لأنَّه إذا قال: هي لك. فقد جعل له رقبتها، فتكون عمرى. فإذا قال: اسكن داري هذه. فإنَّما جعل له نفعها دون رقبتها، فتكون عارية.
ولنا أنَّ هذا إباحة المنافع، فلم يقع لازمًا كالعارية. وفارق العمرى فإنَّها هبة للرقبة.
فأمَّا إذا قال: هذه لك، اسكنها حتى تموت. فإنَّه يحتمل لك سكناها حتى تموت. وتفسيرها بذلك دليل على أنَّه أراد السكنى، فأشبه ما لو قال: هذه لك سكناها.
وإذا احتمل أن يريد به الرقبة، واحتمل أن يريد السكنى، فلا نزيل ملكه بالاحتمال» اهـ.
* * *
[ ٩ / ٢٨٢ ]