٣٠٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي. فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيْرِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ».
قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى أَبَا بَكْرٍ: أَلا تَسْمَعُ إلَى هَذِهِ: مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيْرِ هو بفتح الزاي وكسر الباء كما ضبطه أهل العلم كابن الجوزي والنووي وابن حجر وغيرهم.
«الْهُدْبَةُ»: هي طرف الثوب الذي لم ينسج، مأخوذة من هُدْبِ العين وهو شعر جفنها.
وجاء في مسلم (١٤٣٣) أنَّها قالت: «وَاللهِ، مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا».
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
قُلْتُ: شبهت ذكر زوجها بذلك لاسترخائه وعدم انتشاره.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٨٢):
«قال الداودي: يحتمل تشبيهها بالهدبة انكساره وأنَّه لا يتحرك وأنَّ شدته لا تشتد، ويحتمل أنَّها كَنَّت بذلك عن نحافته، أو وصفته بذلك بالنسبة للأول. قال: ولهذا يستحب نكاح البكر لأنَّها تظن الرجال سواء بخلاف الثيب» اهـ.
وقد أكذبها زوجها في ذلك فروى البخاري (٥٨٢٥) عنه أنَّه قال: «فَقَالَ: كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ، وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ، تُرِيدُ رِفَاعَةَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٥/ ٢٠٦): «أَيْ أُجْهِدُها وأعرُكُها، كَمَا يُفْعل بِالْأَدِيمِ عِنْدَ دِباغِه» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٩/ ١٠٣): «وهذه الكناية من الفصاحة العجيبة، وهي أبلغ في المعنى من الحقيقة» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُطَرَّزِيُّ ﵀ فِي [الْمُغْرِبِ] (ص: ٣١٦):
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
«"الْعُسَيْلَةُ" تَصْغِيرُ الْعَسَلَةِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْعَسَلِ كَاللَّحْمَةِ وَالشَّحْمَةِ لِلْقِطْعَةِ مِنْهُمَا وَقَدْ ضُرِبَ ذَوْقُهَا مَثَلًا لِإِصَابَةِ حَلَاوَةِ الْجِمَاعِ وَلَذَّتِهِ وَإِنَّمَا صُغِّرَتْ إشَارَةً إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُحِلُّ» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٦٦):
«قَوْلُهُ: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" كذا في الموضعين بالتصغير واختلف في توجيهه فقيل: هي تصغير العسل لأنَّ العسل مؤنث جزم به الفزاز، ثم قال: وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهري: يذكر ويؤنث. وقيل: لأنَّ العرب إذا حقرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم: دريهمات فجمعوا الدرهم جمع المؤنث عند إرادة التحقير. وقالوا أيضًا في تصغير هند هنيدة.
وقيل التأنيث باعتبار الوطأة إشارة إلى أنَّها تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول. وقيل: المراد قطعة من العسل والتصغير التقليل إشارة إلى أنَّ القدر القليل كاف في تحصيل الحل. قال الأزهري: الصواب أنَّ معنى العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج وأنث تشبيها بقطعة من عسل.
وقال الداودي: صغرت لشدة شبهها بالعسل. وقيل: معنى العسيلة النطفة. وهذا يوافق قول الحسن البصري. وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة وزاد الحسن البصري حصول الإنزال وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة …» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج بقولها: «فَبَتَّ طَلاقِي». على إيقاع الثلاث التطليقات دفعة واحدة.
قُلْتُ: وليس هذا هو المراد، بل المراد أنَّه طلقها آخر ثلاث تطليقات، ويدل على أنَّ هذا هو المراد ما رواه البخاري (٦٠٨٤)، ومسلم (١٤٣٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ في هذا الحديث وفيه أنَّها قالت: «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ».
قُلْتُ: ومسألة إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة أو دفعات من غير رجعة أو انقضاء عدة، أو عدم إيقاعه من المسائل الكبار التي تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٤٧):
«وأمَّا المسألة الثانية، وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب.
أحدها: أنَّها تقع، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين، وكثير من الصحابة ﵃.
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
الثاني: أنَّها لا تقع، بل ترد لأنَّها بدعة محرمة، والبدعة مردودة لقوله ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا المذهب حكاه أبو محمد ابن حزم، وحكي للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول الرافضة.
الثالث: أنَّه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود عنه. قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة، انتهى، وهو قول طاووس، وعكرمة، وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
الرابع: أنَّه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها، ويقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب "اختلاف العلماء"» اهـ.
قُلْتُ: والمذهب الثالث وهو أنَّه تحسب طلقة واحدة رجعية هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀.
وهذا القول هو الذي يظهر لي صحته لأدلة منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
[ ١٠ / ٤٥١ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ١١ - ١٢): «فبين أنَّ الطلاق الذي ذكره هو الطلاق الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها: هو مرتان مرة بعد مرة، كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين. أو سبح ثلاث مرات. أو مائة مرة. فلا بد أن يقول: سبحان الله. سبحان الله. حتى يستوفي العدد. فلو أراد أن يجمل ذلك فيقول: سبحان الله مرتين أو مائة مرة. لم يكن قد سبح إلَّا مرة واحدة والله تعالى لم يقل: الطلاق طلقتان. بل قال: مرتان فإذا قال لامرأته: أنت طالق اثنتين أو ثلاثًا أو عشرًا أو ألفًا. لم يكن قد طلقها إلَّا مرة واحدة. وقول النبي ﷺ لأم المؤمنين جويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه. سبحان الله زنة عرشه. سبحان الله رضا نفسه. سبحان الله مداد كلماته" أخرجه مسلم في "صحيحه" فمعناه أنَّه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك كقوله ﷺ: "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد". ليس المراد أنَّه سبح تسبيحًا بقدر ذلك. فالمقدار تارة يكون وصفًا لفعل العبد وفعله محصور. وتارة يكون لما يستحقه الرب فذاك الذي يعظم قدره؛ وإلَّا فلو قال المصلي في صلاته: سبحان الله عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلَّا
[ ١٠ / ٤٥٢ ]
مرة واحدة. ولما شرع النبي ﷺ أن يسبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين ويكبر ثلاثًا وثلاثين. فلو قال: سبحان الله والحمد لله والله أكبر عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلَّا مرة واحدة. ولا نعرف أنَّ أحدًا طلق على عهد النبي ﷺ امرأته ثلاثًا بكلمة واحدة فألزمه النبي ﷺ بالثلاث ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن ولا نقل أهل الكتب المعتد عليها في ذلك شيئًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٤٤):
«ومن تأمل القرآن حق التأمل، تبين له ذلك، وعرف أنَّ الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذى يملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة؛ قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلَّا متعاقبتين …» اهـ.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١].
[ ١٠ / ٤٥٣ ]
الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢].
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٨٠):
«فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان» اهـ.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٩):
«وَقَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يدل على أنَّه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنَّه إنَّما أباح الطلاق للعدة. أي لاستقبال العدة فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٣٣/ ٧٩ - ٨٠):
«وأمَّا من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنَّه يقول: إنَّ الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة وما كان صاحبه مخيرًا فيها بين الإمساك بمعروف
[ ١٠ / ٤٥٤ ]
والتسريح بإحسان وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزًا فلم يكن ذلك طلاقًا للعدة» اهـ.
الدليل الخامس: ما رواه النسائي (٣٤٠٦) أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄ تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: ابن جريج مدلس وقد عنعن، لكن للحديث طريق أخرى عند الدارقطني (٤٠٣٣)، والحاكم (٢٧٩٢) وفيه عبد الله بن المؤمل ضعيف الحديث، فيتقوى الحديث من هذين الوجهين.
ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ»؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ».
ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً،
[ ١٠ / ٤٥٥ ]
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ».
ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، «أَلَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً»؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٩٧ - ٩٨): «وهكذا الإلزام بالثلاث. من جعل قول عمر فيه شرعًا لازمًا. قيل له: فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح. وإمَّا أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة وهذا أشبه الأمرين بعمر، ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من "وجهين" من جهة أنَّ العقوبة بذلك: هل تشرع؟ أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره كتحريق عليٍّ الزنادقة بالنار؛ وقد أنكره عليه ابن عباس وجمهور الفقهاء مع ابن عباس. ومن جهة أنَّ العقوبة إنَّما تكون لمن يستحقها فمن كان من المتقين استحق أن يجعل الله له فرجًا
[ ١٠ / ٤٥٦ ]
ومخرجًا لم يستحق العقوبة. ومن لم يعلم أن جمع الثلاث محرم فلما علم أنَّ ذلك محرم تاب من ذلك اليوم أن لا يطلق إلَّا طلاقًا سنيًا. فإنَّه من المتقين في باب الطلاق. فمثل هذا لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة؛ بل يلزم بواحدة منها. وهذه المسائل عظيمة. وقد بسطنا الكلام عليها في موضع آخر من مجلدين؛ وإنَّما نبهنا عليها هاهنا تنبيهًا لطيفًا. والذي يحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين: إمَّا أنَّهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب الحاجة: كالزيادة على أربعين في الخمر.
وإمَّا لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازمًا وتارة غير لازم. وأمَّا القول بكون لزوم الثلاث شرعًا لازمًا كسائر الشرائع: فهذا لا يقوم عليه دليل شرعي. وعلى هذا القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة ويراجع امرأته؛ ولا يلزم شيء لكونها كانت حائضًا إذا كان ممن اتقى الله وتاب من البدعة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٣٥ - ٣٦):
«والمقصود أنَّ هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ﵁ أنَّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة
[ ١٠ / ٤٥٧ ]
عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أنَّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل فإنَّه كان من أشد الناس فيه فإذا علموا ذلك كفوا عن الطرق المحرم فرأى عمر أنَّ هذا مصلحة لهم في زمانه ورأى أنَّ ما كانوا عليه في عهد النبي ﷺ وعهد الصديق وصدرًا من خلافته كان الأليق بهم لأنَّهم لم يتتابعوا فيه وكانوا يتقون الله في الطلاق وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنَّ الله تعالى إنَّما شرع الطلاق مرة بعد مرة ولم يشرعه كله مرة واحدة فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله وظلم نفسه ولعب بكتاب الله فهو حقيق أن يعاقب ويلزم بما التزمه ولا يقر على رخصة الله وسعته وقد صعبها على نفسه ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانًا ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان وعلم الصحابة ﵃ حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به وصرحوا لمن استفتاهم بذلك» اهـ.
[ ١٠ / ٤٥٨ ]
الدليل السادس: ما رواه أحمد (٢٣٨٧) حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَخُو بَنِي الْمُطَّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟» قَالَ: طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: فَقَالَ: «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ» قَالَ: فَرَجَعَهَا فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَرَى أَنَّمَا الطَّلَاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ أنَّهُ حَسَنٌ لكن قال عليٌّ ابن المديني: ما روى عن عكرمة، فمنكر الحديث.
وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير.
وروى الحديث أبو داود (٢١٩٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أَبُو رُكَانَةَ، وَإِخْوَتِهِ أُمَّ رُكَانَةَ، وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: مَا يُغْنِي عَنِّي إِلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ، لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا، فَفَرِّقْ
[ ١٠ / ٤٥٩ ]
بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ، فَدَعَا بِرُكَانَةَ، وَإِخْوَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَجُلَسَائِهِ: «أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟، مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟». قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ يَزِيدَ: «طَلِّقْهَا». فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: «رَاجِعِ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ؟». قَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا». وَتَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
قُلْتُ: وفيه جهالة بعض بني أبي رافع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٢٨٧):
«الوجه الثاني: أنَّ هذا المجهول هو من التابعين من أبناء مولى النبي ﷺ ولم يكن الكذب مشهورًا فيهم، والقصة معروفة محفوظة وقد تابعه عليها داود بن الحصين وهذا يدل على أنَّه حفظها» اهـ.
وقد حسَّن الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ الحديث من هذين الطريقين، فقال في [صَحِيْحِ أَبِي دَاوُدَ] (١٩٠٦):
«أخرجه أحمد، وصححه هو، والحاكم والذهبي وابن القيم، وقال ابن تيمية: "إسناده جيد"، وقواه الحافظ، وهو عندي حسن لغيره» اهـ.
[ ١٠ / ٤٦٠ ]
وَقَالَ ﵀ فِي [الْإِرْوَاءِ] (٢٠٦٣): «فلا أقل من أن يكون الحديث حسنًا بمجموع الطريقين عن عكرمة» اهـ.
قال أبو داود بعد روايته للحديث: «وحديث نافع بن عجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده، أنَّ ركانة، طلق امرأته البتة، فردها إليه النبي ﷺ أصح، لأنَّ ولد الرجل، وأهله أعلم به، إنَّ ركانة إنَّما طلق امرأته البتة، فجعلها النبي ﷺ واحدة».
قُلْتُ: وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بعد ذكره للطريق الأولى كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٨٥): «ولم يذكر أبو داود هذا الطريق الجيد؛ فلذلك ظنَّ أنَّ تطليقة واحدة بائنًا أصح؛ وليس الأمر كما قاله بل الإمام أحمد رجح هذه الرواية على تلك؛ وهو كما قال أحمد» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الحديث لا يصح، وذلك أنَّ المراد ببعض بني أبي رافع هو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع كما جاء ذلك في [مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ] (٣٨١٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ بِمَكَّةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ الصَّنْعَانِيُّ، ثنا يَزِيدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
[ ١٠ / ٤٦١ ]
رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. فذكره، ومحمد هذا شديد الضعف فلا يقوي ما قبله. والله أعلم.
٢ - واحتج به على مشروعية إيقاع الطلاق ثلاثًا في مجلس واحد.
قُلْتُ: ولا حجة في ذلك فإنَّ رفاعة فرق طلاق امرأته كما سبق بيان ذلك. وسائر ما ذكرناه من الآيات في عدم إيقاع الثلاث الطلقات دفعة واحدة تدل على تحريم ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٦ - ٨١): «وأمَّا جمع "الطلقات الثلاث" ففيه قولان: "أحدهما" محرم أيضًا عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه واختاره أكثر أصحابه.
وقال أحمد: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - يعني طلاق المدخول بها - غير قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وعلى هذا القول: فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار فيطلقها في كل طهر طلقة؟ فيه "قولان" هما روايتان عن أحمد "إحداهما" له ذلك وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة.
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
"والثانية" ليس له ذلك وهو قول أكثر السلف وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه كأبي بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى وأصحابه.
"والقول الثاني" أنَّ جمع الثلاث ليس بمحرم؛ بل هو ترك الأفضل وهو مذهب الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد: اختارها الخرقي. واحتجوا بأنَّ فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثًا، وبأنَّ امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثًا، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثًا ولم ينكر النبي ﷺ ذلك.
وأجاب الأكثرون بأنَّ حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنَّما طلقها ثلاثًا متفرقات هكذا ثبت في الصحيح أنَّ الثالثة آخر ثلاث تطليقات؛ لم يطلق ثلاثًا لا هذا ولا هذا مجتمعات. وقول الصحابي: طلق ثلاثًا. يتناول ما إذا طلقها ثلاثًا متفرقات. بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها. وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة. وهو المشهور على عهد رسول الله ﷺ في معنى الطلاق ثلاثًا.
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
وأمَّا جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكرًا عندهم إنَّما يقع قليلًا؛ فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا؛ بل هذا قول بلا دليل؛ بل هو بخلاف الدليل.
وأمَّا الملاعن فإنَّ طلاقه وقع بعد البينونة؛ أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة فكان مؤكدًا لموجب اللعان. والنزاع إنَّما هو في طلاق من يمكنه إمساكها؛ لا سيما والنبي ﷺ قد فرق بينهما فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح. والمعروف أنَّه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثًا فدل ذلك على أنَّ الثلاث لم يقع بها إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره وامتنع حينئذ أن يفرق النبي ﷺ بينهما؛ لأنَّهما صارا أجنبيين ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريمًا مؤبدًا. فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما؛ فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح وأنَّ الثلاث لم تقع جميعًا؛ بخلاف ما إذا قيل إنه يقع بها واحدة رجعية فإنَّه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.
وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثًا. فأنفذه عليه رسول الله ﷺ دليل على أنَّه احتاج إلى إنفاذ النبي ﷺ واختصاص الملاعن
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
بذلك ولو كان من شرعه أنَّها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ. فدل على أنَّه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي ﷺ مقصوده؛ بل زاده؛ فإنَّ تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق؛ إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجًا غيره وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.
واستدل الأكثرون بأن القرآن العظيم يدل على أنَّ الله لم يبح إلَّا الطلاق الرجعي وإلَّا الطلاق للعدة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهذا إنَّما يكون في الرجعي.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يدل على أنَّه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنَّه إنَّما أباح الطلاق للعدة. أي لاستقبال العدة فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين. فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر؛ فإن هذا قول ضعيف؛ لأنَّهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن حاجة إلى أن يراجعها والله تعالى قصرهم على الطلاق الثلاث دفعًا لهذا الضرر كما جاءت بذلك الآثار ودل على أنه كان مستقرًا عند الله أنَّ العدة لا تستأنف بدون رجعة سواء كان ذلك لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة؟ أو يقع ولا يستأنف له العدة؟ وابن حزم إنَّما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة فلا يكون طلاق إلَّا يتعقبه عدة؛ إذا كان بعد الدخول كما دل عليه القرآن فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد. وأمَّا من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنَّه يقول: إنَّ الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة وما كان صاحبه مخيرًا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزًا فلم يكن ذلك طلاقًا للعدة؛ ولأنَّه قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان. وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فهذا يقتضي أنَّ هذا حال كل مطلقة فلم يشرع إلَّا هذا الطلاق، ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أي هذا الطلاق المذكور مرتان. وإذا قيل: سبح مرتين. أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول سبحان الله مرتين؛ بل لا بد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلَّا إذا طلق مرة بعد مرة فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا. أو مرتين: لم يجز أن يقال: طلق ثلاث مرات ولا مرتين؛ وإن جاز أن يقال طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين؛ ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله إلَّا بعد الطلاق الرجعي مرتين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية. وهذا إنَّما يكون فيما دون الثلاث وهو يعم كل طلاق فعلم أنَّ جمع الثلاث ليس بمشروع. ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية: من الكتاب والسنة؛ والآثار والاعتبار كما هو مبسوط في موضعه. وسبب ذلك أنَّ الأصل في الطلاق الحظر وإنَّما أبيح منه قدر الحاجة كما ثبت في الصحيح عن جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أنَّ إبليس ينصب عرشه على البحر ويبعث سراياه: فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا؛ حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
فرقت بينه وبين امرأته؛ فيدنيه منه؛ ويقول: أنت، أنت ويلتزمه" وقد قال تعالى في ذم السحر: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وفي السنن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إنَّ المختلعات والمنتزعات هن المنافقات"، وفي السنن أيضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"، ولهذا لم يبح إلَّا ثلاث مرات وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره وإذا كان إنَّما أبيح للحاجة فالحاجة تندفع بواحدة فما زاد فهو باق على الحظر» اهـ.
قُلْتُ: واختار العلامة ابن باز ﵀ أنَّ من جمع الثلاث بلفظ واحد فهي واحدة وإن فرَّق فهي ثلاث.
وهذا أحد أقوال المنسوبة لابن عباس، فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٠٧٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَجْمَعْ كُنَّ ثَلَاثًا» قَالَ: فَأَخْبَرْتُ ذَلِكَ طَاوُسًا قَالَ: فَأَشْهَدَ مَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةً.
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
قُلْتُ: لا يذكرون للزهري سماعًا من ابن عباس، وهو يروي عن ابن عباس بواسطة، وأمَّا أثر طاووس فَصَحِيْحٌ. وهو يدل على أنَّ من مذاهب ابن عباس أنَّ الطلاق الثلاث وإن فرق فهو واحدة.
٣ - واحتج به من قال: إنَّ العنين لا يضرب له أجل يختبر فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩):