٢٧٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إِنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».
روى مسلم (٢٥٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٠٦):
«وَالْمُفْلِسُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ، وَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ. وَسَمَّوْهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ مُفْلِسُ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ دُونَ مَا عَلَيْهِ، فَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ مَالِهِ
[ ٩ / ٣٢ ]
بَعْدَ وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ، كَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ من وجد ماله بعينه عند مفلس فهو أحق به من غيره.
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذت في ذلك الحنفية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٦٣ - ٦٤):
«وخالف الحنفية فتأولوه لكونه خبر واحد خالف الأصول لأنَّ السلعة صارت بالبيع ملكًا للمشتري ومن ضمانه واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه وحملوا الحديث على صورة وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة، وتعقب بأنَّه لو كان كذلك لم يقيد بالفلس ولا جعل أحق بها لما يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضًا فما ذكروه ينتقض بالشفعة، وأيضًا فقد ورد التنصيص في حديث الباب على أنَّه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثوري في "جامعه"، وأخرجه مِنْ طَرِيْقِه بن خزيمة وبن حبان وغيرهما عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء". ولابن حبان مِنْ طَرِيْقِ هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته". والباقي مثله، ولمسلم في رواية بن أبي حسين المشار إليها قبل: "إذا وجد عنده المتاع أنَّه لصاحبه الذي باعه". وفي
[ ٩ / ٣٣ ]
مرسل بن أبي مليكة عند عبد الرزاق: "من باع سلعة من رجل لم ينقده ثم أفلس الرجل فوجدها بعينها فليأخذها من بين الغرماء". وفي مرسل مالك المشار إليه: "أيما رجل باع متاعًا". وكذا هو عند من قدمنا أنَّه وصله فظهر أنَّ الحديث وارد في صورة البيع ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر من باب الأولى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٦٧):
«وقد تعسَّف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى على لغةٍ، ولا قياسٍ. فليُضرب عن ذكرها، لوضوح فسادها» اهـ.
٢ - وأخذ بعض العلماء من قوله: "بعينه" أنَّه إذا تغير بزيادة أو نقصان، أو تغيير صفة، فليس هو بأحق به من غيره، ويكون أسوة الغرماء.
ومن أجل هذا اشترط العلماء شروطًا في هذا المال، وبعضها متنازع فيها، وهي عند الحنابلة خمسة شروط، وبيانها فيما يلي:
الشرط الأول: أن تكون السلعة باقية بعينها.
وفي ذلك صور:
الأولى: أن يتلف بعضها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٠ - ٣٠١):
[ ٩ / ٣٤ ]
«فإن تلف جزء منها كبعض أطراف العبد، أو ذهبت عينه، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار، أو اشترى شجرًا مثمرًا لم تظهر ثمرته، فتلفت الثمرة، أو نحو هذا، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء وبهذا قال إسحاق.
وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؛ لأنَّها عين يملك الرجوع في جميعها، فملك الرجوع في بعضها، كالذي له الخيار، وكالأب فيما وهب لولده.
ولنا، قول النبي ﷺ: "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به".
فشرط أن يجده بعينه، ولم يجده بعينه.
ولأنَّه إذا أدركه بعينه، حصل له بالرجوع فصل الخصومة، وانقطاع ما بينهما من المعاملة، بخلاف ما إذا وجد بعضه.
ولا فرق بين أن يرضى بالموجود بجميع الثمن، أو يأخذه بقسطه من الثمن؛ لأنَّه فات شرط الرجوع. وإن كان المبيع عينين، كعبدين، أو ثوبين تلف أحدهما، أو بعض أحدهما، ففي جواز الرجوع في الباقي منهما روايتان:
إحداهما: لا يرجع.
نقلها أبو طالب، عن أحمد، قال: لا يرجع ببقية العين، ويكون أسوة الغرماء؛ لأنَّه لم يجد المبيع بعينه، فأشبه ما لو كان عينًا واحدة.
[ ٩ / ٣٥ ]
ولأنَّ بعض المبيع تالف، فلم يملك الرجوع، كما لو قطعت يد العبد.
ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد، إن كان ثوبًا واحدًا، فتلف بعضه، فهو أسوة الغرماء، وإن كان رزمًا، فتلف بعضها، فإنَّه يأخذ بقيمتها إذا كان بعينه؛ لأنَّ السالم من المبيع وجده البائع بعينه، فيدخل في عموم قوله ﷺ: "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به".
ولأنَّه مبيع، وجده بعينه، فكان للبائع الرجوع فيه، كما لو كان جميع المبيع» اهـ.
قُلْتُ: ما قاله الإمام مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: من أنَّ له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف، وهو الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ عين ماله ما زال باقيًا، وهذا النقص لم يذهب بعين ماله بالكلية، وبعض المال مال، فيلحق بجميعه.
وليس هنالك فرق معتبر بين نقصان ما اتصلت أجزاؤه كالعبد، والبهيمة، أو ما انفصلت أجزاؤه كالحب وغيره. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [السَّيْلِ الْجرَّارِ] (ص: ٨٠٤):
«وكما يكون أحق به فهو أحق ببعض بقي منه لأنَّه قد وجد عين ماله وإن نقص بعضها فإنَّ هذا لا يخرج الباقي عن كونه عين مال مالكها» اهـ.
الصورة الثانية: أن تختلط بغيرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٦):
[ ٩ / ٣٦ ]
«فصل: فإن اشترى زيتًا، فخلطه بزيت آخر، أو قمحًا، فخلطه بما لا يمكن تمييزه منه، سقط حق الرجوع.
وقال مالك: يأخذ زيته.
وقال الشافعي: إن خلطه بمثله أو دونه، لم يسقط الرجوع، وله أن يأخذ متاعه بالكيل أو الوزن، وإن خلطه بأجود منه، ففيه قولان؛ أحدهما، يسقط حقه من العين قال الشافعي: وبه أقول.
واحتجوا بأنَّ عين ماله موجودة مِنْ طَرِيْقِ الحكم، فكان له الرجوع كما لو كانت منفردة، ولأنَّه ليس فيه أكثر من اختلاط ماله بغيره، فلم يمنع الرجوع، كما لو اشترى ثوبًا فصبغه، أو سويقًا فلته.
ولنا، أنَّه لم يجد عين ماله، فلم يكن له الرجوع، كما لو تلفت، ولأنَّ ما يأخذه من غير عين ماله، إنَّما يأخذه عوضًا عن ماله، فلم يختص به دون الغرماء، كما لو تلف ماله.
وقول النبي ﷺ: "من أدرك متاعه بعينه".
أي من قدر عليه، وتمكن من أخذه من المفلس؛ بدليل ما لو وجده بعد زوال ملك المفلس، أو كانت مسامير قد سمر بها بابًا، أو حجرًا قد بني عليه، أو خشبًا في سقفه، أو أمة استولدها، وهذا إذا أخذ كيله أو قيمته إنَّما يأخذ عوض ماله، فهو كالثمن والقيمة.
[ ٩ / ٣٧ ]
وفارق المصبوغ، فإنَّ عينه يمكنه أخذها، والسويق كذلك، فاختلفا» اهـ.
قُلْتُ: وما قالته الحنابلة هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٩):
«فصل: وإن اشترى ثوبًا فصبغه، أو سويقًا فلته بزيت، فقال أصحابنا: لبائع الثوب والسويق الرجوع في أعيان أموالهما وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّ عين مالهما قائمة مشاهدة، ما تغير اسمها، ويكون المفلس شريكًا لصاحب الثوب والسويق بما زاد عن قيمتهما.
فإن حصل زيادة، فهي له، وإن حصل نقص، فعليه.
وإن نقصت قيمة الثوب أو السويق، فإن شاء البائع أخذهما ناقصين، ولا شيء له، وإن شاء تركهما، وله أسوة الغرماء؛ لأنَّ هذا نقص صفة، فهو كالهزال.
ويحتمل أن لا يكون له الرجوع إذا زادت القيمة؛ لأنَّه اتصل بالمبيع زيادة للمفلس، فمنعت الرجوع، كما لو سمن العبد، ولأنَّ الرجوع هاهنا لا يتخلص به البائع من المفلس، ولا يحصل به المقصود من قطع المنازعة، وإزالة المعاملة، بل يحصل به ضرر الشركة، فلم يكن في معنى المنصوص عليه، فلا يمكن إلحاقه به» اهـ.
الصورة الثالثة: أن تنقل إلى شيء آخر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٧):
[ ٩ / ٣٨ ]
«فصل: وإن اشترى حنطة فطحنها أو زرعها، أو دقيقًا فخبزه، أو زيتًا فعمله صابونًا، أو ثوبًا فقطعه قميصًا، أو غزلًا فنسجه ثوبًا، أو خشبًا فنجره أبوابًا، أو شريطًا فعمله إبرًا، أو شيئًا فعمل به ما أزال اسمه، سقط حق الرجوع.
وقال الشافعي: فيه قولان؛ أحدهما، به أقول، يأخذ عين ماله، ويعطي قيمة عمل المفلس فيها؛ لأنَّ عين ماله موجودة، وإنَّما تغير اسمها، فأشبه ما لو كان المبيع حملًا فصار كبشًا، أو وديًا فصار نخلًا.
ولنا، أنَّه لم يجد متاعه بعينه، فلم يكن له الرجوع، كما لو تلف، ولأنَّه غير اسمه وصفته، فلم يملك الرجوع، كما لو كان نوى فنبت شجرًا.
والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع، وإن سلم، فإنَّه لم يتغير اسمه، بخلاف مسألتنا» اهـ.
قُلْتُ: هذا كلام سديد.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٨):
«فصل: وإن كان حبًا فصار زرعًا، أو زرعًا فصار حبًا، أو نوى فنبت شجرًا، أو بيضًا فصار فراخًا، سقط حق الرجوع.
وقال القاضي: لا يسقط. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي المنصوص عليه منهما؛ لأنَّ الزرع نفس الحب، والفرخ نفس البيضة.
ولنا، أنَّه لم يجد عين ماله، فلم يرجع، كما لو أتلفه متلف فأخذ قيمته.
[ ٩ / ٣٩ ]
ولأنَّ الحب أعيان ابتدأها الله تعالى، لم تكن موجودة عند البيع، وكذلك أعيان الزرع والفرخ.
ولو استأجر أرضًا، واشترى بذرًا وماء، فزرع، وسقى، واستحصد، وأفلس، فالمؤجر وبائع البذر والماء غرماء، لا حق لهم في الرجوع؛ لأنَّهم لم يجدوا أعيان أموالهم.
وعلى قول من قال: له الرجوع في الزرع. يكون عليه غرامة الأجرة وثمن الماء، أو قيمة ذلك» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح عدم الرجوع؛ لأنَّه لم يجد عين ماله.
الشرط الثاني: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلة، كالسمن، والكبر، وتعلم الصناعة، أو الكتابة، أو القرآن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣١٣ - ٣١٤):
«واختلف المذهب في هذا، فذهب الخرقي إلى أنَّها تمنع الرجوع.
وروى الميموني، عن أحمد، أنَّها لا تمنع. وهو مذهب مالك، والشافعي، إلَّا أنَّ مالكًا يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به.
واحتجوا بالخبر، وبأنَّه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة، فلا تمنعه المتصلة، كالرد بالعيب، وفارق الطلاق، فإنَّه ليس بفسخ، ولأنَّ الزوج يمكنه الرجوع في قيمة العين، فيصل إلى حقه تامًا.
وهاهنا لا يمكنه الرجوع في الثمن.
[ ٩ / ٤٠ ]
ولنا، أنَّه فسخ بسبب حادث، فلم يملك به الرجوع في عين المال الزائدة زيادة متصلة، كفسخ النكاح بالإعسار أو الرضاع، ولأنَّها زيادة في ملك المفلس، فلم يستحق البائع أخذها، كالمنفصلة، وكالحاصلة بفعله، ولأنَّ النماء لم يصل إليه من البائع، فلم يستحق أخذه منه، كغيره من أمواله، وفارق الرد بالعيب لوجهين؛ أحدهما، أنَّ الفسخ فيه من المشتري، فهو راض بإسقاط حقه من الزيادة، وتركها للبائع، بخلاف مسألتنا.
والثاني، أنَّ الفسخ ثم لمعنى قارن العقد، وهو العيب القديم، والفسخ هاهنا لسبب حادث، فهو أشبه بفسخ النكاح الذي لا يستحق به استرجاع العين الزائدة.
وقولهم: إنَّ الزوج إنَّما لم يرجع في العين لكونه يندفع عنه الضرر بالقيمة - لا يصح؛ فإنَّ اندفاع الضرر عنه بطريق آخر لا يمنعه من أخذ حقه من العين، ولو كان مستحقًا للزيادة لم يسقط حقه منها بالقدرة على أخذ القيمة، كمشتري المعيب ثم كان ينبغي أن يأخذ قيمة العين زائدة؛ لكون الزيادة مستحقة، فلما لم يكن كذلك، علم أنَّ المانع من الرجوع كون الزيادة للمرأة، وأنَّه لا يمكن فصلها، فكذلك هاهنا، بل أولى؛ فإنَّ الزيادة يتعلق بها حق المفلس والغرماء، فمنع المشتري من أخذ زيادة ليست له، أولى من تفويتها على الغرماء الذين لم يصلوا إلى تمام ديونهم، والمفلس المحتاج إلى تبرئة ذمته عند اشتداد حاجته.
[ ٩ / ٤١ ]
فصل: وأمَّا الخبر فمحمول على من وجد متاعه على صفته، ليس بزائد، ولم يتعلق به حق آخر، وهاهنا قد تعلقت به حقوق الغرماء، لما فيه من الزيادة، لما ذكرنا من الدليل، يحققه أنَّه إذا كان تلف بعض المبيع مانعًا من الرجوع من غير ضرر يلحق بالمفلس، ولا بالغرماء، فلأنَّ يمنع الزيادة فيه مع تفويتها بالرجوع عليهم أولى، ولأنَّه إذا رجع في الناقص، فما رجع إلَّا فيما باعه وخرج منه، وإذا رجع في الزائد، أخذ ما لم يبعه، واسترجع ما لم يخرج عنه، فكان بالمنع أحق» اهـ.
قُلْتُ: ما قاله العلامة ابن قدامة هو الذي يظهر لي صحته فالزيادة في المبيع المؤثرة في زيادة القيمة تمنع من الرجوع فيه، ككبر البهيمة مثلًا، كأن تكون ذات مخاض فتصير جذعة، وكالعبد إذا كان رضيعًا فصار شابًا، والقول بالرجوع في مثل ذلك ظلم للمفلس لا تأتي به الشريعة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣١٥):
«فصل: فأمَّا الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة والكسب، فلا تمنع الرجوع.
بغير خلاف بين أصحابنا، وهو قول مالك، والشافعي.
وسواء نقص بها المبيع أو لم ينقص، إذا كان نقص صفة، والزيادة للمفلس.
هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنَّه منع الرجوع بالزيادة المتصلة، لكونها للمفلس، فالمنفصلة أولى.
وهذا قول ابن حامد والقاضي، ومذهب الشافعي، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
[ ٩ / ٤٢ ]
وقال أبو بكر: الزيادة للبائع. وهو مذهب مالك.
ونقل حنبل عن أحمد، في ولد الجارية، ونتاج الدابة: هو للبائع؛ لأنَّها زيادة، فكانت للبائع كالمتصلة.
ولنا، أنَّها زيادة انفصلت في ملك المشتري فكانت له، كما لو رده بعيب، ولأنَّه فسخ استحق به استرجاع العين، فلم يستحق أخذ الزيادة المنفصلة، كفسخ البيع بالعيب أو الخيار أو الإقالة، وفسخ النكاح بسبب من أسباب الفسخ، وقول النبي ﷺ: "الخراج بالضمان". يدل على أنَّ النماء والغلة للمشتري لكون الضمان عليه، وأمَّا الزيادة المتصلة، فقد دللنا على أنَّها للمفلس أيضًا، وفي ذلك تنبيه على كون المنفصلة له ثم لو سلمنا ثم، فالفرق ظاهر، فإن المتصلة تتبع في الفسوخ والرد بالعيب، بخلاف المنفصلة، ولا ينبغي أن يقع في هذا اختلاف لظهوره، وكلام أحمد، في رواية حنبل، يحمل على أنَّه باعهما في حال حملهما، فيكونان مبيعين، ولهذا خص هذين بالذكر دون بقية النماء» اهـ.
قُلْتُ: القول بأنَّ الزيادة المنفصلة للبائع لا يخفى بطلانه.
الشرط الثالث: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٣٣ - ٣٣٤):
«فإن كان قد قبض بعض ثمنها، سقط حق الرجوع.
[ ٩ / ٤٣ ]
وبهذا قال إسحاق، والشافعي في "القديم"، وقال في "الجديد": له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن؛ لأنَّه سبب ترجع به العين كلها إلى العاقد، فجاز أن يرجع به بعضها، كالفرقة قبل الدخول في النكاح.
وقال مالك: هو مخير، إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء حاص الغرماء ولم يرجع.
ولنا، ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قد قبض من ثمنها شيئًا، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء".
رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني.
ولأنَّ في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضًا للصفقة على المشتري، وإضرارًا به، وليس ذلك للبائع.
فإن قيل: لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنَّ ماله يباع، ولا يبقى له، فيزول عنه الضرر قلنا: لا يندفع الضرر بالبيع؛ فإن قيمته تنقص بالتشقيص، ولا يرغب فيه مشقصًا، فيتضرر المفلس والغرماء بنقص القيمة.
ولأنَّه سبب يفسخ به البيع، فلم يجز تشقيصه، كالرد بالعيب والخيار، وقياس البيع على البيع أولى من قياسه على النكاح.
[ ٩ / ٤٤ ]
ولا فرق بين كون المبيع عينًا واحدة، أو عينين، لما ذكرنا من الحديث والمعنى، فإن قيل: حديثكم يرويه أبو بكر بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلًا، ولا حجة في المراسيل.
قلنا: قد رواه مالك وموسى بن عقبة عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، كذلك ذكره ابن عبد البر، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني في "سننهم" متصلًا، فلا يضر إرسال من أرسله، فإن راوي المسند معه زيادة لا يعارضها ترك مرسل الحديث لها، وعلى أنَّ المرسل حجة، فلا يضر إرساله» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح في الحديث الإرسال، والمرسل من أقسام الضعيف، لكنه حسن بشواهده، غير جملة: الموت.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ في [سُنَنِهِ] (٣/ ٤٣١): «ولا يثبت هذا عن الزهري مسندًا، وإنَّما هو مرسل» اهـ.
وقد روى الحديث مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣٥٧)، ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (٣٥٢٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ، الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ».
[ ٩ / ٤٥ ]
ورواه أبو داود (٣٥٢١) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ، زَادَ: «وَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا».
قُلْتُ: ويونس هو ابن يزيد الأيلي.
ورواه أبو داود (٣٥٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ يَعْنِي الْخَبَايِرِيَّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو الْهُذَيْلِ الْحِمْصِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ قَالَ: «فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ وَأَيُّمَا امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ مَالِكٍ أَصَحُّ اهـ.
وروى ابن ماجة (٢٣٥٩) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: فذكره.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٣/ ٢١٥):
«وحديث ابن شهاب منقطع لو لم يخالفه غيره لم يكن مما يثبته أهل الحديث فلو لم يكن في تركه حجة إلَّا هذا انبغى لمن عرف الحديث تركه من الوجهين» اهـ.
[ ٩ / ٤٦ ]
قُلْتُ: الحديث وإن كان مرسلًا، لكنه جاء من وجه آخر رواه أحمد (١٠٨٠٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَوَجَدَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مَالَهُ، وَلَمْ يَكُنْ اقْتَضَى مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ».
قُلْتُ: وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بين الحسن وأبي هريرة.
ومؤيد بأثر لعثمان ﵁.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ - مع فتح الباري -] (٣/ ١٥٥):
«وقال سعيد بن المسيب قضى عثمان من اقتضى من حقه قبل أن يفلس فهو له، ومن عرف متاعه بعينه فهو أحق به» اهـ.
قُلْتُ: وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وصله إسماعيل بن جعفر في [جُزْءِ حَدِيْثِهِ] (٣٢١)، ومِنْ طَرِيْقِه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٩١٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٠٣٥) عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ مَوْلًى لِأُمِّ حَبِيبَةَ أَفْلَسَ، فَأُتِيَ بِهِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَضَى فِيهِ عُثْمَانُ: «أَنْ مَنْ كَانَ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٦٣): «وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب» اهـ.
[ ٩ / ٤٧ ]
الشرط الرابع: أن لا يكون تعلق بها حق الغير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٣٥):
«إن رهنها المشتري، ثم أفلس، أو وهبها، لم يملك البائع الرجوع، كما لو باعها، أو أعتقها، ولأنَّ في الرجوع إضرارًا بالمرتهن، ولا يزال الضرر بالضرر، ولأنَّ النبي ﷺ قال: "من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به".
وهذا لم يجده عند المفلس.
ولا نعلم في هذا خلافًا، فإن كان دين المرتهن دون قيمة الرهن، بيع كله، فقضي منه دين المرتهن، والباقي يرد على سائر مال المفلس، ويشترك الغرماء فيه، وإن بيع بعضه، فباقيه بينهم يباع لهم أيضًا، ولا يرجع به البائع.
قال القاضي: له الرجوع به. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه عين ماله، لم يتعلق به حق غيره.
ولنا، أنَّه لم يجد متاعه بعينه، فلم يكن له أخذه، كما لو كان الدين مستغرقًا له.
وما ذكره القاضي لا يخرج على المذهب؛ لأنَّ تلف بعض المبيع يمنع الرجوع، فكذلك ذهاب بعضها بالبيع، ولو رهن بعض العبد لم يكن للبائع الرجوع في باقيه؛ لما ذكرنا.
وإن كان المبيع عينين، فرهن إحداهما، فهل يملك البائع الرجوع في الأخرى؟ على وجهين، بناء على الروايتين فيما إذا تلفت إحدى العينين.
[ ٩ / ٤٨ ]
وإن فك الرهن قبل فلس المشتري. أو أبرئ من دينه، فللبائع الرجوع؛ لأنَّه أدرك متاعه بعينه عند المشتري.
وإن أفلس وهو رهن، فأبرأ المرتهن المشتري من دينه، أو قضى الدين من غيره، فللبائع الرجوع أيضًا كذلك» اهـ.
الشرط الخامس: أن يكون المفلس حيًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٨١ - ٣٨٢):
«مسألة؛ قال: "وإذا مات، فتبين أنَّه كان مفلسًا، لم يكن لأحد من الغرماء أن يأخذ عين ماله".
هذا الشرط الخامس لاستحقاق استرجاع عين المال من المفلس، وهو أن يكون حيًا، فإن مات، فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت، فحجر عليه ثم مات، أو مات فتبين فلسه.
وبهذا قال مالك وإسحاق.
وقال الشافعي: له الفسخ واسترجاع العين؛ لما روى ابن خلدة الزرقي، قاضي المدينة قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال أبو هريرة: هذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ: "أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه". رواه أبو داود، وابن ماجه.
[ ٩ / ٤٩ ]
واحتجوا بعموم قوله: ﵇ "من أدرك متاعه بعينه عند رجل، أو إنسان، قد أفلس، فهو أحق به".
ولأنَّ هذا العقد يلحقه الفسخ بالإقالة، فجاز فسخه لتعذر العوض، كما لو تعذر المسلم فيه، ولأنَّ الفلس سبب لاستحقاق الفسخ، فجاز الفسخ به بعد الموت كالعيب.
ولنا، ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في حديث المفلس: "فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء". رواه أبو داود.
وروى أبو اليمان، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيما امرئ مات، وعنده مال امرئ بعينه، اقتضى من ثمنه شيئًا، أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء". رواه ابن ماجه.
ولأنَّه تعلق به حق غير المفلس والغرماء، وهم الورثة فأشبه المرهون.
وحديثهم مجهول الإسناد، قال ابن المنذر: قال ابن عبد البر يرويه أبو المعتمر، عن الزرقي، وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم.
ثم هو غير معمول به إجماعًا؛ فإنَّه جعل المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري، من غير شرط فلسه، ولا تعذر وفائه، ولا عدم قبض ثمنه، والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء، إلَّا ما حكي عن الإصطخري من أصحاب الشافعي، أنَّه قال: لصاحب السلعة أن يرجع فيها إذا مات المشتري، وإن خلف وفاء.
[ ٩ / ٥٠ ]
وهذا شذوذ عن أقوال أهل العلم، وخلاف للسنة لا يعرج على مثله.
وأمَّا الحديث الآخر، فنقول به، وإن صاحب المتاع أحق به إذا وجده عند المفلس، وما وجده في مسألتنا عنده، إنَّما وجده عند ورثته، فلا يتناوله الخبر، وإنما يدل بمفهومه على أنَّه لا يستحق الرجوع فيه، ثم هو مطلق وحديثنا يقيده، وفيه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة.
وتفارق حالة الحياة حال الموت لأمرين؛ أحدهما، أنَّ الملك في الحياة للمفلس، وها هنا لغيره.
والثاني، أنَّ ذمة المفلس خربت هاهنا خرابًا لا يعود، فاختصاص هذا بالعين يستضر به الغرماء كثيرًا، بخلاف حالة الحياة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو صحة هذا الشرط لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إِنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». وإذا مات المفلس فإنَّما أدرك صاحب المال ماله عند غيره، وهم الورثة.
٣ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ من أفلس بعد خروج المبيع من ملكه ببيع ونحوه، ثم عاد إليه، أنَّ البائع الأول أحق به من غيره؛ لأنَّه أدرك ماله بعينه فيدخل في عموم الحديث.
قُلْتُ: وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٣٧):
[ ٩ / ٥١ ]
«فإن أفلس بعد رجوع ذلك إلى ملكه، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها، له الرجوع؛ للخبر، ولأنَّه وجد عين ماله خاليًا عن حق غيره، أشبه ما لو لم يبعه.
والثاني، لا يرجع؛ لأنَّ هذا الملك لم ينتقل إليه منه، فلم يملك فسخه.
ذكر أصحابنا هذين الوجهين.
ولأصحاب الشافعي مثل ذلك.
والثالث، أنَّه إن عاد إليه بسبب جديد، كبيع، أو هبة، أو إرث، أو وصية، أو نحو ذلك.
لم يكن للبائع الرجوع؛ لأنَّه لم يصر إليه من جهته.
وإن عاد إليه بفسخ، كالإقالة، والرد بعيب، أو خيار، ونحو ذلك، فللبائع الرجوع؛ لأنَّ هذا الملك استند إلى السبب الأول، فإن فسخ العقد الثاني لا يقتضي ثبوت الملك، وإنَّما أزال السبب المزيل لملك البائع، فثبت الملك بالسبب الأول، فملك استرجاع ما ثبت الملك فيه ببيعه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا التفصيل هو الذي يظهر لي رجحانه، ويدل على ذلك أنَّ البائع الأول، والثاني إذا تنازعا في أخذ المبيع من المفلس قضينا به للثاني دول الأول. والله أعلم.
٤ - واحتج بعموم الحديث من ذهب إلى أنَّ صاحب الدين المؤجل إذا وجد ماله بعينه أنَّه أولى به من الغرماء.
[ ٩ / ٥٢ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٤٠):
«فصل: وإذا أفلس، وفي يده عين مال، دين بائعها مؤجل، وقلنا: لا يحل الدين بالفلس.
فقال أحمد في رواية الحسن بن ثواب: يكون ماله موقوفًا إلى أن يحل دينه، فيختار البائع الفسخ أو الترك.
وهذا قول بعض أصحاب الشافعي.
والمنصوص عن الشافعي، أنَّه يباع في الديون الحالة.
ويتخرج لنا مثل ذلك؛ لأنَّها حقوق حالة، فقدمت على الدين المؤجل، كدين من لم يجد عين ماله.
وللأول الخبر، ولأنَّ حق هذا البائع تعلق بالعين، فقدم على غيره، وإن كان مؤجلًا. كالمرتهن، والمجني عليه» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في الديون المؤجلة هل تحل بالإفلاس، أو لا؟
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٤٤):
«مسألة؛ قال: وإذا كان على المفلس دين مؤجل، لم يحل بالتفليس، وكذلك في الدين الذي على الميت، إذا وثق الورثة. وجملته أنَّ الدين المؤجل لا يحل بفلس من هو عليه، رواية واحدة. قاله القاضي.
وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى، أنَّه يحل. وبه قال مالك.
[ ٩ / ٥٣ ]
وعن الشافعي كالمذهبين.
واحتجوا بأنَّ الإفلاس يتعلق به الدين بالمال، فأسقط الأجل كالموت.
ولنا، أنَّ الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه، كسائر حقوقه، ولأنَّه لا يوجب حلول ماله، فلا يوجب حلول ما عليه، كالجنون والإغماء، ولأنَّه دين مؤجل على حي، فلم يحل قبل أجله، كغير المفلس، ولا نسلم أنَّ الدين يحل بالموت، فهو كمسألتنا، وإن سلمنا، فالفرق بينهما أنَّ ذمته خربت وبطلت بخلاف المفلس.
إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا حجر على المفلس، فقال أصحابنا لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة، ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله، فإن لم يقتسم الغرماء حتى حلَّ الدين، شارك الغرماء، كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته، وإن أدرك بعض المال قبل قسمه، شاركهم فيه، ويضرب فيه بجميع دينه، ويضرب سائر الغرماء ببقية ديونهم.
وإن قلنا: إنَّ الدين يحل.
فإنَّه يضرب مع الغرماء بدينه، كغيره من أرباب الديون الحالة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٦٩):
«وما تقدَّم من الأحاديث في المفلس تدلُّ على أن جميع ما عليه من الدَّين يدخل في المحاصَّة، ما حل منها، وما لم يحل. وهو قول الجمهور، خلا أنَّ الشافعي قال في أحد قوليه: لا يحل ما عليه من دين مؤجل. وهذا ليس بصحيح للأحاديث
[ ٩ / ٥٤ ]
المتقدِّمة؛ ولأنَّه إذا خربت ذمَّة المفلس فقد لا تعمر. فلا يحصل لمن تأخر دينه في شيء مع أنَّه يمكن أن يكون عِوَض دينه موجودًا حال الفلس، أو بدله، فيؤخذ سيئه ولا يحصل له شيء» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه عملًا بعموم الحديث، فإنَّ النبي ﷺ لم يفرق بين الدين الحال والمؤجل. والله أعلم.
٥ - فإن كان الذي أدرك ماله بعينه ثبت حقه بإقرار المفلس بعد الحجر عليه من غير أن تكون له بينه، فهل يدخل في عموم قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إِنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»؟.
الذي يظهر لي عدم الدخول لأنَّه متهم في إقراره على نفسه، فإنَّه قد يفعل ذلك حيلة ليمسك بعض ماله، لكن يلزم بما أقربه بعد فتح الحجر عنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٥١):
«وإن أقر بدين، لزمه بعد فك الحجر عنه. نص عليه أحمد، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن، والثوري، والشافعي في قول، وقال في الآخر: يشاركهم، واختاره ابن المنذر؛ لأنَّه دين ثابت مضاف إلى ما قبل الحجر، فيشارك صاحبه الغرماء، كما لو ثبت ببينة.
ولنا، أنَّه محجور عليه، فلم يصح إقراره فيما حجر عليه فيه، كالسفيه، أو كالراهن يقر على الرهن، ولأنَّه إقرار يبطل ثبوته حق غير المقر، فلم يقبل، أو إقرار على
[ ٩ / ٥٥ ]
الغرماء، فلم يقبل، كإقرار الراهن، ولأنَّه متهم في إقراره، فهو كالإقرار على غيره، وفارق البينة، فإنَّه لا تهمة في حقها» اهـ.
٦ - فإن أدرك عين ماله عند رجل قد أفلس، وكان ذلك مما لا غنى للمفلس عنه كالثياب، والمسكن، فهل له أن يأخذه عملًا بعموم الحديث؟
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٦٥):
«فصل: وإن كان له داران يستغني بسكنى إحداهما، بيعت الأخرى؛ لأنَّ به غنى عن سكناها.
وإن كان مسكنه واسعًا، لا يسكن مثله في مثله، بيع، واشتري له مسكن مثله، ورد الفضل على الغرماء، كالثياب التي له إذا كانت رفيعة لا يلبس مثله مثلها.
ولو كان المسكن والخادم اللذين لا يستغني عنهما عين مال بعض الغرماء، أو كان جميع ماله أعيان أموال أفلس بأثمانها، ووجدها أصحابها، فلهم أخذها، بالشرائط التي ذكرناها؛ لقول النبي ﷺ: "من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به".
ولأنَّ حقه تعلق بالعين، فكان أقوى سببًا من المفلس، ولأنَّ الإعسار بالثمن سبب يستحق به الفسخ، فلم يمنعه منه تعلق حاجة المشتري، كما قبل القبض، وكالعيب والخيار.
ولأنَّ منعهم من أخذ أعيان أموالهم يفتح باب الحيل، بأن يجيء من لا مال له، فيشتري في ذمته ثيابًا يلبسها، ودارًا يسكنها، وخادمًا يخدمه، وفرسًا يركبها،
[ ٩ / ٥٦ ]
وطعامًا له ولعائلته ويمتنع على أربابها أخذها؛ لتعلق حاجته بها، فتضيع أموالهم ويستغني هو بها.
فعلى هذا يؤخذ ذلك.
ولا يترك له شيء منه؛ لأنَّه أعيان أموال الناس، فكانوا أحق بها منه، كما لو كانت في أيديهم، أو أخذها منهم غصبًا» اهـ.
٧ - واحتج به من قال من ذهب من أهل العلم إلى أنَّ الغرماء لو دفعوا ثمن السلعة إلى صاحبها الذي وجدها بعينها، فلا يلزم بقبول ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٤١٢):
«واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها وقد وجدها بعينها ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل، فقال مالك: ذلك لهم وليس لصاحب السلعة أخذها إذا دفع إليه الغرماء الثمن. وقال الشافعي: ليس للغرماء في هذا مقال. قال: وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ جعل صاحبها أحق بها منهم فالغرماء أبعد من ذلك، وإنَّما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها وضرب مع الغرماء بثمنها.
وبهذا قال أبو ثور وأحمد بن حنبل وجماعة» اهـ.
[ ٩ / ٥٧ ]
٨ - واحتج به من قال: أنَّ التغير في الصفات لا يمنع من الرجوع، وذلك أنَّ النبي ﷺ اشترط بقاء العين، ولم يشترط بقاء الصفات.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٣):
«فصل: وإن نقصت مالية المبيع، لذهاب صفة مع بقاء عينه، كعبد هزل، أو نسي صناعة أو كتابة، أو كبر، أو مرض، أو تغير عقله، أو كان ثوبًا فخلق، لم يمنع الرجوع؛ لأنَّ فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله، لكنه يتخير بين أخذه ناقصًا بجميع حقه، وبين أن يضرب مع الغرماء بكمال ثمنه؛ لأنَّ الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من سمن، أو هزال، أو علم، أو نحوه، فيصير كنقصه لتغير الأسعار.
ولو كان المبيع أمة ثيبًا، فوطئها المشتري، ولم تحمل، فله الرجوع فيها؛ لما ذكرنا، فإنَّها لم تنقص في ذات ولا في صفات.
وإن كانت بكرًا، فقال القاضي: له الرجوع؛ لأنَّه فقد صفة، فإنَّه لم يذهب منها جزء، وإنَّما هو كالجراح.
وقال أبو بكر: ليس له الرجوع؛ لأنَّه أذهب منها جزءًا، فأشبه ما لو فقأ عينها.
وإن وجد الوطء من غير المفلس، فهو كوطء المفلس، فيما ذكرنا» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في هذه المسألة هو صحة ما حرره العلامة ابن قدامة ﵀. والله أعلم.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٧٥)
[ ٩ / ٥٨ ]
«المسألة الثانية عشرة: إذا تغير المبيع في صفته بحدوث عيب فأثبت الشافعي الرجوع إن شاءه البائع بغير شيء يأخذه وإن شاء ضارب بالثمن. وهذا يمكن أن يدرج تحت اللفظ فإنَّه وجده بعينه والتغير حادث في الصفة لا في العين» اهـ.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ من وجد ماله بعينه عند المفلس فله أخذ وإن غلا ثمنه، فإذا أراد الغرماء أن يدفعوا له دينه على أن يترك لهم عين ماله لم يجب عليه ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٩٥):
«فصل: فإن بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، لم يلزمه قبوله.
نص عليه أحمد، وبه قال الشافعي، وقال مالك: ليس له الرجوع؛ لأنَّ الرجوع إنَّما يجوز لدفع ما يلحقه من النقص في الثمن، فإذا بذل بكماله، لم يكن له الرجوع، كما لو زال العيب من المعيب.
ولنا، الخبر الذي رويناه، ولأنَّه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر صاحب الحق على قبضه، كما لو أعسر الزوج بالنفقة، فبذلها غيره، أو عجز المكاتب، فبذل غيره ما عليه لسيده، وبهذا ينتقض ما ذكروه، وسواء بذلوه من أموالهم أو خصوه بثمنه من التركة، وفي هذا القسم ضرر آخر؛ لأنَّه لا يأمن تجدد ثبوت دين آخر، فيرجع عليه، وإن دفعوا إلى المفلس الثمن، فبذله للبائع، لم يكن له الفسخ؛ لأنَّه زال العجز عن تسليم الثمن، فزال ملك الفسخ، كما لو أسقط سائر الغرماء حقوقهم عنه، فملك أداء الثمن.
[ ٩ / ٥٩ ]
ولو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فتمكن من الأداء، أو وهب له مال.
فأمكنه الأداء منه، أو غلت أعيان ماله، فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء، بحيث يمكنه أداء الثمن كله، لم يكن للبائع الفسخ؛ لزوال سببه، ولأنَّه أمكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري، فلم يكن له الفسخ، كما لو لم يفلس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٢٢٣):
«الثالثة: إذا كملت الشروط فله أخذه من غير حكم حاكم على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب لتعينها كوديعة وسواء زادت قيمتها أو نقصت ولو بذل الغرماء ثمنها كله وهو يساوي المبيع أو دونه أو فوقه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُوْسَى الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِقْنَاعِ] (٢/ ٢١٢):
«فإن بذل الغرماء لصاحب السلعة الثمن من أموالهم أو خصوه به من مال المفلس ليتركها أو قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها لم يلزمه قبوله وإن دفعوا إلى المفلس الثمن فبذله له لم يكن له الفسخ» اهـ.
قُلْتُ: والحجة في ذلك حديث الباب، وبناءً على ذلك إذا كان عين المال عبارة عن أرض اشتريت من المفلس بعشرة آلاف وبعد الإفلاس ارتفعت إلى مائة مليون مثلًا وكانت ديون الغرماء مائة وعشرة ملايين فله أن يأخذ عين ماله، ولو قال له المفلس: أنا أبيعها وأعطيك دينك، أو طلب منه الغرماء تركها على أن يقضوه دينه فلا يلزمه تركها.
[ ٩ / ٦٠ ]
لكن الحيلة في ذلك أن يدفع له الغرماء للمفلس مقدار دينه ليدفعه لبائع الأرض ثم تخلص الأرض لسداد دين بقية الغرماء.
* * *
[ ٩ / ٦١ ]
أَحْكَامُ الشُّفْعَةِ.
٢٧٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «جَعَلَ - وَفِي لَفْظٍ: "قَضَى" النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ: فَلا شُفْعَةَ».
اللفظ الذي ذكره المصنف للبخاري، ولفظ مسلم (١٦٠٨): «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ».
وجاء عنده أيضًا بلفظ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
وجاء أيضًا بلفظ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٣٦):
[ ٩ / ٦٢ ]
«قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" أي: بينت مصارف الطرق وشوارعها، كأنَّه من التصرف أو من التصريف. وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت وهو مشتق من الصِرف بكسر المهملة الخالص من كل شيء» اهـ.
قُلْتُ: والشفعة مأخوذة من الشفع وهو ضد الوتر.
وهي شرعًا: استحقاق الشريك أو الجار انتزاع حصة شريكه أو جاره المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات الشفعة في المال الذي لم يقسَّم.
٢ - احتج بعمومه من أثبت الشفعة في ما لا يقبل القسمة إلَّا بضرر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٥٥):
«فصل: الشرط الثالث، أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأمَّا ما لا يمكن قسمته من العقار، كالحمام الصغير، والرحى الصغيرة، والعضادة، والطريق الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان:
إحداهما: لا شفعة فيه. وبه قال يحيى بن سعيد، وربيعة، والشافعي.
والثانية: فيها الشفعة. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وابن سريج.
وعن مالك كالروايتين.
ووجه هذا عموم قوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم".
[ ٩ / ٦٣ ]
وسائر الألفاظ العامة، ولأنَّ الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا النوع أكثر؛ لأنَّه يتأبد ضرره.
والأول ظاهر المذهب لما روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة".
والمنقبة: الطريق الضيق. رواه أبو الخطاب في "رءوس المسائل".
وروي عن عثمان ﵁ أنَّه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل.
ولأنَّ إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع؛ لأنَّه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع، فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع، فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها.
ويمكن أن يقال: إن الشفعة إنَّما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة، لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة، ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم …» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ثبوت الشفعة في ذلك لعموم الأدلة، وقد سبق حديث جابر في مسلم: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ». ولم يستثني النبي ﷺ ما لا يمكن قسمته.
قُلْتُ: حديث: «لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة». لم أقف عليه مسندًا.
وذكره ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٢١٧) واكتفى بقوله:
[ ٩ / ٦٤ ]
«وقد روى أصحابنا أنَّ النبي ﷺ قال: "لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة"» اهـ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٤٢٧) أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا شُفْعَةَ فِي مَاءٍ، وَلَا طَرِيقٍ، وَلَا فَحْلٍ» يَعْنِي النَّخْلَ.
قُلْتُ: ابن أبي سبرة هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة متروك الحديث، ثم الحديث مرسل.
وأمَّا أثر عثمان فرواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣٩٨)، ومِنْ طَرِيْقِه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٣٩٣، ١٤٤٢٦) البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٣٥٦) مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين أبي بكر وعثمان.
ورواه أيضًا ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٥٠٦، ٢٣١٩١)، وأحمد في [مَسَائِلِهِ] (١٦١٢) من رواية ابنه صالح عَنْ ابنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثَمْانَ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ: «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ، وَلَا فحلٍ».
فزاد عبد الله بن إدريس أبانًا بين أبي بكر وعثمان.
[ ٩ / ٦٥ ]
وقد تابع ابن إدريس صفوان بن عيسى كما في [الْعِلَلِ] للدارقطني (٣/ ١٥)، وبهذا يزول الانقطاع، ويبقى الأثر في منزلة الحسن.
وروى ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٢١٧) أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ أَنْبَأَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنْبَأَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ ثَنَا دعْلج ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قَالَ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد حدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا نَخْلٍ».
قُلْتُ: رواية أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر منقطعة. ثم هو شاذ عن عمر، والمحفوظ عن عثمان، كما روى ذلك الإمام مالك، وعبد الله بن إدريس عن محمد بن عمارة.
قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٤/ ١٧٨):
«الأثر الذي ذكره منقطع، وهو مشهور عن عثمان» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٨١ - ٣٨٤): «اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة - قسمة الإجبار- كالقرية والبستان ونحو ذلك. وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار؛ وإنَّما يقسم بضرر، أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي. هل تثبت فيه الشفعة؟ على قولين:
[ ٩ / ٦٦ ]
أحدهما: تثبت وهو مذهب أبي حنيفة واختاره بعض أصحاب الشافعي: كابن سريج. وطائفة من أصحاب أحمد: كأبي الوفاء بن عقيل. وهي رواية المهذب عن مالك. وهذا القول هو الصواب كما سنبينه إن شاء الله.
والثاني: لا تثبت فيه الشفعة وهو قول الشافعي نفسه واختيار كثير من أصحاب أحمد.
وهذا القول له حجتان:
أحدهما قولهم: إنَّ الشفعة إنَّما شرعت لرفع ضرر مؤنة القسمة وما لا تجب قسمته ليس فيه هذا الضرر.
والثاني: أنَّه لو وجبت فيه الشفعة لتضرر الشريك؛ فإنَّه إن باعه لم يرغب الناس في الشراء؛ لخوفهم من انتزاعه بالشفعة. وإن طلب القسمة لم تجب إجابته فلا يمكنه البيع ولا القسمة فلا يقدر أن يتخلص من ضرر شريكه. فلو أثبتنا فيه الشفعة لرفع ضرر الشريك الذي لم يبع لزم إضرار الشريك البائع. والضرر لا يزال بالضرر.
والقول الأول أصح؛ فإنَّه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط. فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به". ولم يشترط النبي ﷺ في الأرض والربعة والحائط أن يكون مما يقبل القسمة:
[ ٩ / ٦٧ ]
فلا يجوز تقييد كلام الرسول بغير دلالة من كلامه؛ لا سيما وقد ذكر هذا في باب تأسيس إثبات الشفعة. وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة أثبت من هذا. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ: "أنَّه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". فلم يمنع الشفعة إلَّا مع إقامة الحدود وصرف الطرق، وهذا الحديث في الصحيح عن جابر. وفي السنن عنه عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظره بها. وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا". فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق؛ فلأن يقضي بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى.
وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال. أعدلها هذا القول: إنَّه إن كان شريكًا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلَّا فلا.
وأيضًا فمن المعلوم أنَّه إذا أثبت النبي ﷺ الشفعة فيما يقبل القسمة فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه؛ فإنَّ الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة، وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد. وظن من ظن أنَّها تثبت لرفع المقاسمة؛ لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان؛ فإنَّه قد ثبت بالنص والإجماع. أنَّه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة، ولو كان ضرر المشاركة أقوى (^١) لم يرفع أدنى
_________________
(١) - هكذا هو في المطبوع ولا يستقيم المعنى بذلك فلعل الصواب (المقاسمة) بدل (المشاركة) والله أعلم.
[ ٩ / ٦٨ ]
الضررين بالتزام أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل؛ فإنَّ شريعة الله منزهة عن مثل هذا.
وأمَّا قولهم: هذا يستلزم ضرر الشريك البائع. فجوابه أنَّه إذا طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين؛ فإنَّ العين تباع ويجبر الممتنع على البيع ويقسم الثمن بينهما. وهذا مذهب جمهور العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وذكر بعض المالكية أنَّ هذا إجماع. وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من أعتق شركًا له في غلام، وكان له من المال ما يبلغ ثمن الغلام قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلَّا فقد عتق منه ما عتق". فدل هذا الحديث على أنَّ حق الشريك في نصف قيمة الجميع؛ لا في قيمة نصف الجميع؛ فإنَّه إذا بيع العبد كله ساوى ألف درهم مثلًا، وإذا بيع نصفه ساوى أقل من خمسمائة درهم، وحق الشريك نصف الألف. فهكذا في العقار الذي لا يقسم يستحق نصف قيمته جميعه فيباع جميع العقار ويعطى حصته من الثمن إذا طلب ذلك وبهذا يرتفع عنه الضرر، وبهذا يتبين كمال محاسن الشريعة وما فيها من مصالح العباد في المعاش والمعاد. والحمد لله وحده» اهـ.
٣ - واحتج بعمومة من أثبت للذمي شفعة على المسلم.
[ ٩ / ٦٩ ]
قُلْتُ: وقد حرر هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ تحريرًا بالغًا فقال في [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢١٧ - ٢٢١):
«ولهذا لم يثبت عن واحد من السلف لهم حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك الإمام أحمد وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة لأنَّ الشقص يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى كافر بطريق القهر للمسلم وهذا خلاف الأصول. والشفعة في الأصل إنَّما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر بمنزلة الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم كإجابة الدعوة وعيادة المريض وكمنعه أن يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعة قال: لا. قُلْتُ: المجوسي؟ قال: ذاك أشد.
وقال حرب سألت أحمد قُلْتُ: أهل الذمة لهم شفعة؟ قال: لا.
وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله يسأل للذمي شفعة قال: لا. وكذلك نقل أبو طالب وصالح وأبو الحارث والأثرم كلهم عنه ليس للذمي شفعة، زاد أبو الحارث مع المسلم، قال: الأثرم قيل له لم قال: لأنَّه ليس له مثل حق المسلم واحتج فيه.
قال الأثرم: ثنا ابن الطباع ثنا هشيم أخبرنا الشيباني عن الشعبي أنَّه كان يقول ليس لذمي شفعة.
[ ٩ / ٧٠ ]
وقال سفيان عن حميد عن أبيه إنَّما الشفعة لمسلم ولا شفعة لذمي.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن ليث عن مجاهد أنَّه قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن الحسن بن هارون قال سئل أبو عبد الله وأنا أسمع عن الشفعة للذمي قال: ليس للذمي شفعة ليس له حق المسلم.
أخبرني عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة إنَّما ذلك للمسلمين بينهم.
وقال في رواية إسحاق بن منصور: ليس لليهودي والنصراني شفعة قيل ولم قال: لأنَّ النبي ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب".
وهذا مذهب شريح والحسن والشعبي. واحتج الإمام أحمد بثلاث حجج:
إحداها: أنَّ الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض فلا حق للذمي فيها ونكتة هذا الاستدلال أنَّ الشفعة من حق المالك لا من حق الملك.
الحجة الثانية: قول النبي ﷺ: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه".
وتقرير الاستدلال من هذا أنَّه لم يجعل له حقًا في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع المسلمين فكيف يجعل لهم حقًا إلى انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، بل هذا تنبيه على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم وإخراجه منها لحق الكافر لنفي ضرر
[ ٩ / ٧١ ]
الشركة عنه وضرر الشركة على الكافر أهون عند الله من تسليطه على إزالة ملك المسلم عنه قهرًا.
الدليل الثالث: قوله ﷺ: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". ووجه الاستدلال من هذا أنَّ النَّبي ﷺ حكم بإخراجهم من أرضهم ونقلها إلى المسلمين لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله فكيف نسلطهم على انتزاع أراضي المسلمين منهم قهرًا وإخراجهم منها؟.
وأيضًا: فالشفعة حق يختص العقار فلا يساوي الذمي فيه المسلم كالاستعلاء في البنيان. يوضحه أنَّ الاستعلاء تصرف في هواء ملكه المختص به فإذا منع منه فكيف يسلط على انتزاع ملك المسلم به قهرًا وهو ممنوع من التصرف في هوائه تصرفًا يستعلي فيه على المسلم فأين هذا الاستعلاء من استعلائه عليه بإخراجه من ملكه قهرًا.
وأيضًا: فالشفعة وجبت لإزالة الضرر عن الشفيع وإن كان فيها ضرر بالمشتري فإذا كان المشتري مسلمًا فسلط الذمي على انتزاع ملكه منه قهرًا كان فيه تقديم حق للذمي على حق المسلم وهذا ممتنع.
وأيضًا: فإنَّه يتضمن مع إضراره بالمسلم إضرارًا بالدين وتملك دار المسلمين منهم قهرًا وشغلها بما يسخط الله بدل ما يرضيه وهذا خلاف قواعد الشرع. ولذلك حرم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاء عليهن ولذلك لم يجز القصاص بينهم وبين المسلمين، ولا حد القذف ولا يمكنون من تملك رقيق
[ ٩ / ٧٢ ]
مسلم وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين منهم وإخراجهم منها قهرًا، وقد قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، وهذا يقتضي مطلق المساواة بين المسلم والكافر لا نفي المساواة المطلقة فإنَّها منتفية عن كل شيئين وإن تماثلا وبهذه الآية احتج من نفي القصاص بينهم وبين المسلمين.
وأيضًا فالذمي تبع لنا في الدار وليس بأصل من أهل الدار، ولهذا عند الشافعي يؤدي الجزية أجرة لمكان السكنى والتبسط في دار الإسلام ولهذا متى نقض العهد ألحق بمأمنه وأخرج من دارنا وألحق بداره فهو في دار الإسلام أجري مجرى الساكن المنتفع لا مجرى الساكن الحقيقي وحق السكنى لا يقوى على انتزاع الشقص من يد مالكه وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. وقال النبي ﷺ لليهود: "اعلموا أنَّ الأرض لله ورسوله" فعباده الصالحون هم وارثوها وهم الملاك لها على الحقيقة، والكفار فيها تبع ينتفعون بها لضرورة إبقائهم بالجزية فلا يساوون المالكين حقيقة.
ولهذا منعهم كثير من الأئمة من شراء الأرض العشرية لما في ذلك من إسقاط حق المسلم من العشر الذي يجب فكيف يسلطون على انتزاع نفس أرض المسلم وعقاره منه قهرًا؟.
[ ٩ / ٧٣ ]
وأيضًا: فلو كانوا مالكين حقيقة لما أوصى النَّبي ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب وقال: "لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" هذا مع بقائهم على عهدهم وعدم نقضهم له فلو كانوا مالكين لدورهم حقيقة لما أخرجهم منها ولم ينقضوا عهدًا.
ولهذا احتج الإمام أحمد بذلك على أنَّه لا شفعة لهم على مسلم وهذا من ألطف ما يكون من الفهم وأدق ما يكون من الفقه.
وأيضًا: فالشفعة تقف على ملك ومالك فإذا اختصت الشفعة بملك دون مالك وهو العقار دون غيره فأولى أن تختص بمالك دون مالك وهو المسلم دون غيره وهذا على أصل من يقول الشفعة تثبت على خلاف القياس ظاهر جدًا فإنَّها تسليط على انتزاع ملك الغير منه قهرًا لمصلحة الشفيع فيجب أن يقتصر بها على ما قام عليه الدليل وثبت به الإجماع دون غيره.
وأمَّا نحن فليست الشفعة عندنا على خلاف القياس ولكن حكمة الشارع وقياس أصوله أوجبتها دفعًا لضرر الشركة بحسب الإمكان وإذا كان البائع قد رغب عن الشقص ورضي بالثمن فرغبته عنه لشريكه ليدفع عنه ضرر الشريك الدخيل أولى وهو يأخذ منه الثمن الذي يأخذه من الشريك ولا يفوت عليه شيء.
فهذا محض قياس الأصول ولكن هذا حق للمسلم على المسلم فلا حق للذمي فيه كسائر الحقوق التي لأهل الإسلام بعضهم على بعض وإذا كان كثير من الفقهاء يمنعون الذمي من التمليك بالإحياء كعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد في
[ ٩ / ٧٤ ]
رواية وكثير من المالكية مع أنَّ الإحياء لا يتضمن انتزاع ملك مسلم منه فلأن يمنع من انتزاع أرض المسلم وعقاره منه قهرًا أولى وأحرى.
وأيضًا: فإذا منع من مشاركة المسلم في انتزاع أرض المسلم في تجديد الملك فيما هو مشترك -وفيه عمارة لدار الإسلام -فأحرى أن يمنع من انتزاع عقار ثبت عليه ملك المسلم واختص به، فإنَّ إزالة الملك الخاص وانتزاعه من المسلم قهرًا أشد ضررًا من المشاركة فيما هو مشترك بين العموم.
وليس مع الموجبين للشفعة نص من كتاب الله ولا سنة من رسول الله ﷺ ولا إجماع من الأمة وغاية ما معهم إطلاقات وعمومات مقولة: قضى رسول الله ﷺ فيما لم يقسم وقوله: "من كان له شريك في ربعة أو حائط فلا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه" ونحو ذلك مما لا يعرض فيه للمستحق، وإنَّما سيقت لأحكام الأملاك لا لعموم الأملاك من أهل الملة وغيرها وليس معهم قياس استوى فيه الأصل والفرع في المقتضى للحكم فإنَّ قياس الكافر على المسلم من أفسد القياس وكذلك قياس بعضهم من تجب له الشفعة بمن تجب عليه من أفسد القياس.
أيضًا: فإنَّ الذمي يستحق عليه القصاص ولا يستحقه هو على المسلم، ويستحق عليه حد القذف ولا يستحقه، وكذلك المطلق في مرض الموت يستحق عليه الميراث ولا يستحقه، وكذلك المسلم يستحق تعلية البنيان على الذمي ولا
[ ٩ / ٧٥ ]
يستحقه الذمي عليه، والمسلم يستحق نكاح الكافرة وشراء الرقيق الكافر ولا يستحق الذمي نكاح المسلمة ولا شراء الرقيق المسلم، والمسلم يستأجر الكافر للخدمة دون العكس» اهـ.
٤ - وقوله: «فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». يدل بمفهومه على أنَّ الحدود إذا لم تقع، والطرق لم تصرف فالشفعة ما زالت قائمة، وفي هذا إثبات للشفعة في الجوار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٤٠):
«وذهب الجمهور: إلى أنَّ الشفعة لا تجب بالجوار؛ وهو مذهب عمر، وعلي، وعثمان، ومن بعدهم، كسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو حنيفة والكوفيون: إلى أنَّه تجب به الشفعة، وبه قال ابن مسعود» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول هو الصحيح الذي يدل عليه الدليل، وهو مذهب أهل البصرة، وإحدى الأقوال في مذهب الإمام أحمد، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵏.
وقد احتج من أثبت الشفعة في الجوار بعدة أدلة منها حديث جابر السابق، ومنها: ما رواه البخاري (٦٩٧٧) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ، قَالَ: جَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ، لِلْمِسْوَرِ: أَلَا تَأْمُرُ هَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَارِي؟ فَقَالَ: لَا
[ ٩ / ٧٦ ]
أَزِيدُهُ عَلَى أَرْبَعِ مِائَةٍ، إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ، قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسَ مِائَةٍ نَقْدًا فَمَنَعْتُهُ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» مَا بِعْتُكَهُ أَوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتُكَهُ.
وقوله: «إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ» شك من الراوي وهما بمعنى واحد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٧٥): «الصقب: القرب والملاصقة» اهـ.
قُلْتُ: وقد تأول المنازعون هذا الحديث وحملوا الجار على معنى الشريك، وهذا لا ترده اللغة، لكن الأصل إبقاء اللفظ على غالب استعماله.
ومنهم من تأوله على معنى أنَّ الجار أولى من غير الجار في الكرامة والبر وسائر الحقوق الذي إذا اجتمع فيها الجار ومن ليس بجار، وجب إيثار الجار على من ليس بجار مِنْ طَرِيْقِ مكارم الأخلاق وحسن الجوار، لا مِنْ طَرِيْقِ الفرض اللازم.
قُلْتُ: الأصل إبقاء الحديث على عمومه، ولا سيما وقد احتج به أبو رافع على هذه المسألة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٤٠):
«وقد تأوَّل بعض العلماء "الجار" في حديث البخاري بأنَّه الشريك، كما قد تأول بعضهم: أنَّ "الصقب" المذكور فيه حق الجوار، كما قال في الحديث الآخر: أنَّ
[ ٩ / ٧٧ ]
رجلًا قال: يا رسول الله! إنَّ لي جارين. فإلى أيُّهما أُهدى؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا". وهذان التأويلان فيهما بُعْدٌ» اهـ.
قُلْتُ: وقد روي حديث جابر بلفظ أصرح من هذا وهو ما رواه الترمذي (١٣٦٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ، يُنْتَظَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا».
قَالَ الْتِرْمِذِيُّ ﵀: «وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ غَيْرَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الحَدِيثِ، وَعَبْدُ المَلِكِ هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ شُعْبَةَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الحَدِيثِ وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ هَذَا الحَدِيثَ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْعِلَلِ الْكَبِيْرِ] (١/ ٤٧٦):
«سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَهُوَ حَدِيثُهُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ، وَيُرْوَى عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَ هَذَا. قَالَ أَبُو عِيسَى: إِنَّمَا تَرَكَ شُعْبَةُ عَبْدَ الْمَلِكِ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرُهُ. وَعَبْدُ الْمَلِكِ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مِيزَانٌ. يَعْنِي: فِي الْعِلْمِ» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٤٨):
[ ٩ / ٧٨ ]
«على أنِّي أقول: إنَّ حديث عبد الملك هذا في ذكر الطريق قد أنكره يحيى القطان وغيره وقالوا: لو جاء بآخر مثله ترك حديثه وليس عبد الملك هذا مما يعارض به أبو سلمة وأبو الزبير وفيما ذكرنا من روايتهما عن جابر ما يدفع رواية عبد الملك هذه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الدِّرَايَةِ] (٢/ ٢٠٢):
«وقال الشافعي: نخاف أن لا يكون محفوظًا. وقال أحمد: هو منكر. وقال يحيى بن سعيد: أنكره الناس عليه. ويقال أنَّه رأى عطاء أدرجه عبد الملك» اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة الأدلة الدالة على ثبوت الشفعة بالجوار ما رواه أحمد (٢٠١٠٠، ٢٠١٤٠، ٢٠١٥٩، ٢٠٢٠٨، ٢٠٢١٢)، وأبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٧١٧) مِنْ طَرِيْقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ».
قُلْتُ: الحسن لم يسمع من سمرة غير حديث العقيقة. لكنَّه حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١١٧١٣)، والترمذي في [الْعِلَلِ] (٢٣٥)، والبزار في [مُسْنَدِهِ] (٧١١٩)، ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥١٨٢)، والطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٨١٤٦)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٩٩٦، ٥٩٩٧)
مِنْ طَرِيْقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ».
[ ٩ / ٧٩ ]
قُلْتُ: وهذا الحديث وهم عند حفاظ الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٧٧):
«وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: "جار الدار أحق بالدار".
قالا: هذا خطأ، روى هذا الحديث همام، وحماد بن سلمة: فقال حماد: عن قتادة، عن الشريد، وقال همام: عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد.
وقالا: نظن أنَّ عيسى وهم فيه، لشبه الشريد بأنس.
قال أبي: أشبه أن يكون قتادة عن الشريد، لأنَّ ابن أبي عروبة، فيما قال: عن أنس، لو كان بينهم عمرو، كان يقول، فلما قال: أنس، دل على أنَّه عن الشريد، وأنس يشبه شريدًا.
وقال أبو زرعة: والصحيح عندنا: قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد ووهم فيه عيسى» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْتِرْمِذِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ الْكَبِيْرِ] (١/ ٤٧٤):
«سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: الصحيح حديث الحسن، عن سمرة، وحديث قتادة عن أنس، ليس بمحفوظ، ولم يعرف أنَّ أحدًا رواه عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال: أخبرنا عمرو بن
[ ٩ / ٨٠ ]
الشريد، عن أبيه، أصح. وقد روى عمرو بن الشريد، عن أبي رافع، قصة غير قصة أبيه وأرجو أن يكون حديث أبي رافع محفوظًا» اهـ.
ومن ذلك ما رواه أحمد (١٩٤٧٧) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ، أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ١٢٧):
«قال: وحديث الشريد؛ فقال ابن المنذر: منكر، لا أصل له.
قُلْتُ: بل إسناده صالح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٢٤ - ١٢٦):
«والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنَّه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك مِنْ طَرِيْقٍ أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حق مشترك البتة بل كان كل واحد منهما متميز ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة. وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فإنَّه سأله عن الشفعة لمن هي فقال: إذا كان طريقهما واحدًا فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة. وهو
[ ٩ / ٨١ ]
قول عمر بن عبد العزيز، وقول القاضيين سوار بن عبيد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري.
وقال أحمد في رواية ابن مشيش: أهل البصرة يقولون: إذا كان الطريق واحدًا كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه على معنى حديث جابر الذي يحدثه عبد الملك انتهى.
فأهل الكوفة يثبتون شفعة الجوار مع تميز الطرق والحقوق، وأهل المدينة يسقطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق، وأهل البصرة يوافقون أهل المدينة إذا صرفت الطرق ولم يكن هناك اشتراك في حق من حقوق الأملاك ويوافقون أهل الكوفة إذا اشترك الجاران في حق من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها وهذا هو الصواب وهو أعدل الأقوال وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإنَّ الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها الى العدل وعليه يحمل الاختلاف عن عمر ﵁ فحيث قال: لا شفعة ففيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرف الطرق فإنَّه قد روي عنه هذا وهذا وكذلك ما روي عن علي فإنَّه قال: إذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
[ ٩ / ٨٢ ]
ومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك وتبين له بطلان حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة وبالله التوفيق.
فإن قيل بقي عليكم أنَّ في حديث جابر وأبي هريرة: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة". فأسقط الشفعة بمجرد وقوع الحدود وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة وإن وقعت الحدود وهذا خلاف الحديث.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ من الرواة من اختصر أحد اللفظين ومنهم من جود الحديث فذكرهما ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين مبطلًا لحكم اللفظ الآخر.
الثاني: أنَّ تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإنَّ الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة بل بعضها حاصل وبعضها منتف فوقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: القول بإثبات الشفعة بالجوار مطلقًا، وإن لم يوجد اشتراك في حقوق الإملاك، كالطريق، ومجرى الماء، يرده ظاهر حديث الباب فإنَّ فيه: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ». ووجه الدلالة من مفهوم الحديث أنَّ النبي ﷺ أبطل الشفعة بعد حصول القسمة، مع أنَّ الشراكة إذا ارتفعت بقى الجوار، وهذا الجوار الذي لا شفعة فيه محمول على الجوار الذي لا اشتراك فيه في حقوق الملك، وإنَّما حملته على ذلك جمعًا بين أول
[ ٩ / ٨٣ ]
الحديث وآخره، فإنَّ في آخره ما يدل على بقاء الشفعة إذا لم تصرف الطرق. والله أعلم.
٥ - واحتج بقوله: «فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ». من قال: إنَّ الشفعة مختصة بالأرض، وما كان تبعًا للأرض كالبناء والغراس، وأمَّا غير الأرض من المنقولات فلا شفعة فيها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٥٢):
«فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ أَرْضًا؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَيُدَوِّهِ ضَرَرُهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
أَحَدَهُمَا: تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَهُوَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ يُبَاعُ مَعَ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ خِلَافًا. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَاؤُهُ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ.
وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبِنَاءُ وَالْأَشْجَارُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا وَلَا مُفْرَدًا، وَهُوَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ تُبَاعُ مَعَ الْأَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَ الْأَصْلِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ مَعَ أُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا، كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ.
[ ٩ / ٨٤ ]
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا. فَلَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ، كَقُمَاشِ الدَّارِ، وَعَكْسُهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، لَكِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لَهُ سُلْطَانَ الْأَخْذِ بِغَيْرِ رِضَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ بِيعَ الشَّجَرُ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، كَالطَّلْعِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرِ، دَخَلَ فِي الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ، فَأَشْبَهَتْ الْغِرَاسَ فِي الْأَرْضِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٥٢ - ١٥٣):
«وَأَمَّا مَا بِيعَ مُفْرَدًا مِنْ الْأَرْضِ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالسُّفُنِ وَالْحِجَارَةِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، أَوْ لَا يُنْقَلُ، كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ إذَا بِيعَ مُفْرَدًا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَإِسْحَاقَ: لَا شُفْعَةَ فِي الْمَنْقُولَاتِ.
وَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِكٍ وَعَطَاءٍ، فَقَالَا مَرَّةً كَذَلِكَ، وَمَرَّةً قَالَا: الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي الثَّوْبِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ كَالْحِجَارَةِ وَالسَّيْفِ وَالْحَيَوَانِ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَإِنْ بِيعَ مُفْرَدًا.
[ ٩ / ٨٥ ]
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ". وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَحُصُولُ الضَّرَرِ بِالشَّرِكَةِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِيمَا يَنْقَسِمُ، وَلِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ".
وَلَنَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ". لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْأَرْضِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ". وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَتَبَاقَى عَلَى الدَّوَامِ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، كَصُبْرَةِ الطَّعَامِ وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلٌ، لَمْ يَرِدْ فِي الْكُتُبِ الْمَوْثُوقِ بِهَا» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ الشفعة تشمل غير الأرض، وإن لم يكن تابعًا للأرض، وقد سبق حديث جابر عند مسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ».
وجاء عنده أيضًا بلفظ:
«قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
[ ٩ / ٨٦ ]
وجاء أيضًا بلفظ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ».
قُلْتُ: فقد ذكر النبي ﷺ الشفعة في الأرض، والربع وهي الدار، والجدار، والنخل، ولم يفرق بين ما كان تابعًا للأرض، وما لم يكن كذلك.
٦ - واحتج بعمومه من أثبت الشفعة في انتقال حصة الشريك بغير البيع كالصدقة، والهبة، والميراث.
وهذا محكي عن مالك في رواية، وابن أبي ليلى.
قُلْتُ: وذهب جمهور العلماء على اختصاص الشفعة بالبيع، وما انتقل بعوض كالهبة المشروط فيها ثواب معلوم. وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم (١٦٠٨) عن جابر قال: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
وفي لفظ عنده: «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ».
[ ٩ / ٨٧ ]
وجاء أيضًا بلفظ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ».
قُلْتُ: وإذا حابى البائع المشتري محاباة خارجة عن العادة فالأظهر أنَّ من شفع في المبيع يأخذه بقيمته لا بالثمن المبذول.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٤٢٢)
«وَإِذَا حَابَى الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مُحَابَاةً خَارِجَةً عَنْ الْعَادَةِ، يُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ إلَّا بِالْقِيمَةِ أَوْ أَنْ لَا شُفْعَةَ لَهُ، فَإِنَّ الْمُحَابَاةَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ» اهـ.
قُلْتُ: وتنازع العلماء فيما إذا نقل الشريك نصيبه بعوض غير المال كالمهر، ونحوه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٥٩ - ١٦٠):
«القسم الثاني، ما انتقل بعوض غير المال، نحو أن يجعل الشقص مهرًا، أو عوضًا في الخلع، أو في الصلح عن دم العمد، فظاهر كلام الخرقي أنَّه لا شفعة فيه؛ لأنَّه لم يتعرض في جميع مسائله لغير البيع.
وهذا قول أبي بكر. وبه قال الحسن، والشعبي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر، واختاره.
وقال ابن حامد: تجب فيه الشفعة. وبه قال ابن شبرمة، والحارث العكلي، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي.
[ ٩ / ٨٨ ]
ثم اختلفوا بم يأخذه؟ فقال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى: يأخذ الشقص بقيمته.
قال القاضي: هو قياس قول ابن حامد؛ لأننا لو أوجبنا مهر المثل، لقومنا البضع على الأجانب، وأضررنا بالشفيع؛ لأنَّ مهر المثل يتفاوت مع المسمى، لتسامح الناس فيه في العادة، بخلاف البيع.
وقال الشريف أبو جعفر، قال ابن حامد: إن كان الشقص صداقًا، أو عوضًا في خلع، أو متعة في طلاق، أخذه الشفيع بمهر المرأة، وهو قول العكلي، والشافعي؛ لأنَّه ملك الشقص ببدل ليس له مثل، فيجب الرجوع إلى قيمة البدل في الأخذ بالشفعة، كما لو باعه بعوض، واحتجوا على أخذه بالشفعة بأنَّه عقار مملوك بعقد معاوضة، فأشبه البيع.
ولنا، أنَّه مملوك بغير مال، أشبه الموهوب والموروث، ولأنَّه يمتنع أخذه بمهر المثل؛ لما ذكره مالك، وبالقيمة لأنَّها ليست عوض الشقص، فلا يجوز الأخذ بها، كالموروث، فيتعذر أخذه، ولأنَّه ليس له عوض يمكن الأخذ به، فأشبه الموهوب والموروث، وفارق البيع، فإنَّه أمكن الأخذ بعوضه» اهـ.
قُلْتُ: الذي دلت على السنة هو أنَّ الشفعة متعلقة بالبيع، وقد ذكرت الأحاديث في ذلك فيما مضى.
٧ - وعموم الحديث يقتضي أنَّ الشفعة لا تقيد بوقت معين.
[ ٩ / ٨٩ ]
قُلْتُ: الصحيح الذي تدل عليه الأدلة أنَّ الشفعة للشريك مالم يرض بانتقال حصة شريكه إلى غيره.
ويعرف الرضا إمَّا بالقول، أو بطول المدة في ترك المطالبة بالشفعة من غير عذر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٧٣):
«الصحيح في المذهب أنَّ حق الشفعة على الفور، إن طالب بها ساعة يعلم بالبيع، وإلَّا بطلت.
نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم.
وهذا قول ابن شبرمة، والبتي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والعنبري، والشافعي في أحد قوليه.
وحكي عن أحمد رواية ثانية، أنَّ الشفعة على التراخي لا تسقط، ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى، من عفو، أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك.
وهذا قول مالك، وقول الشافعي، إلَّا أنَّ مالكًا قال: تنقطع بمضي سنة.
وعنه: بمضي مدة يعلم أنَّه تارك لها؛ لأنَّ هذا الخيار لا ضرر في تراخيه، فلم يسقط بالتأخير، كحق القصاص.
وبيان عدم الضرر أنَّ النفع للمشتري باستغلال المبيع وإن أحدث فيه عمارة، من غراس أو بناء، فله قيمته.
وحكي عن ابن أبي ليلى، والثوري، أنَّ الخيار مقدر بثلاثة أيام.
[ ٩ / ٩٠ ]
وهو قول للشافعي؛ لأنَّ الثلاث حد بها خيار الشرط، فصلحت حدًا لهذا الخيار. والله أعلم.
ولنا، ما روى ابن البيلماني، عن أبيه، عن عمر، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الشفعة كحل العقال".
وفي لفظ أنَّه قال: "الشفعة كنشطة العقال، إن قيدت ثبتت، وإن تركت فاللوم على من تركها".
وروي عن النبي ﷺ، أنَّه قال: "الشفعة لمن واثبها". رواه الفقهاء في كتبهم» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عمر رواه ابن ماجة (٢٥٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ جِدًَا محمد بن الحارث متروك الحديث، ومحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني منكر الحديث، وقد اتهم، وأبوه ضعيف الحديث، وحديثه عن ابن عمر مرسل.
قُلْتُ: والعقال هو الحبل.
وأمَّا الحديث الثاني فَقَالَ فِيْهِ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٣/ ١٣٧): «هذا الحديث ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي
[ ٩ / ٩١ ]
هكذا بلا إسناد، وذكره ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: "الشفعة كحل العقال فإن قيدها مكانه ثبت حقه وإلَّا فاللوم عليه". ذكره عبد الحق في الأحكام عنه، وتعقبه ابن القطان بأنَّه لم يره في المحلى، وأخرج عبد الرزاق من قول شريح إنَّما الشفعة لمن واثبها، وذكره قاسم بن ثابت في دلائله» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الحديث الثالث فهو من قول شريح كما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٤٠٦) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: «إِنَّمَا الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا».
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَهُوَ قَوْلُ مَعْمَرٍ اهـ.
ومعنى واثبها أي بادرها.
قُلْتُ: إذا باع الشريك الثاني نصيبه من الشقص، أو بعضه عالمًا ببيع الشريك الأول هل يسقط بذلك حظه من الشفعة؟
الذي يظهر لي سقوط الشفعة؛ لأنَّ الشفعة شرعت لإزالة ضرر الشراكة، وقد زال الضرر عنه ببيعه، وللمشتري الأول من الشريك الأول الشفعة من مشتري الشقص من الشريك الآخر.
وأمَّا إذا باع البعض فالضرر مازال قائمًا، فتثبت له الشفعة من أجل ذلك. وللمشتري الأول من الشريك الأول الشفعة من المشتري الآخر بقدر ما اشتراه من الشقص.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٨٣):
[ ٩ / ٩٢ ]
«فصل: ومن وجبت له الشفعة، فباع نصيبه عالمًا بذلك، سقطت شفعته؛ لأنَّه لم يبق له ملك يستحق به، ولأنَّ الشفعة ثبتت له لإزالة الضرر الحاصل بالشركة عنه، وقد زال ذلك ببيعه.
وإن باع بعضه، ففيه وجهان:
أحدهما: تسقط أيضًا؛ لأنَّها استحقت بجميعه، فإذا باع بعضه سقط ما تعلق بذلك من استحقاق الشفعة، فيسقط باقيها، لأنَّها لا تتبعض، فيسقط جميعها بسقوط بعضها، كالنكاح والرق، وكما لو عفا عن بعضها.
والثاني: لا تسقط؛ لأنَّه قد بقي من نصيبه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد، فكذلك إذا بقي.
وللمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني في المسألة الأولى، وفي الثانية إذا قلنا بسقوط شفعة البائع الأول؛ لأنَّه شريك في المبيع، وإن قلنا: لا تسقط شفعة البائع. فله أخذ الشقص من المشتري الأول.
وهل للمشتري الأول شفعة على المشتري الثاني؟ فيه وجهان؛ أحدهما، له الشفعة؛ لأنَّه شريك، فإن الملك ثابت له يملك التصرف فيه بجميع التصرفات، ويستحق نماءه وفوائده، واستحقاق الشفعة به من فوائده.
والثاني، لا شفعة له؛ لأنَّ ملكه يوجد بها، فلا تؤخذ الشفعة به، ولأنَّ ملكه متزلزل ضعيف، فلا يستحق الشفعة به لضعفه.
[ ٩ / ٩٣ ]
والأول أقيس؛ فإنَّ استحقاق أخذه منه لا يمنع أن يستحق به الشفعة، كالصداق قبل الدخول، والشقص الموهوب للولد» اهـ.
٨ - وعموم الحديث يشمل ما إذا تصرف به المشتري بما لا تجب به الشفعة كالهبة والوقف، وهذا هو الصحيح لدخول هذه الصورة في عموم الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٩٢):
«فصل: وإن تصرف المشتري في الشقص بما لا تجب به الشفعة، كالوقف والهبة والرهن، وجعله مسجدًا، فقال أبو بكر: للشفيع فسخ ذلك التصرف، ويأخذه بالثمن الذي وقع البيع به.
وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الشفيع ملك فسخ البيع الثاني والثالث، مع إمكان الأخذ بهما، فلأن يملك فسخ عقد لا يمكنه الأخذ به أولى، ولأنَّ حق الشفيع أسبق، وجنبته أقوى، فلم يملك المشتري أن يتصرف تصرفًا يبطل حقه.
ولا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حق الغير، كما لو وقف المريض أملاكه وعليه دين، فإنَّه إذا مات، رد الوقف إلى الغرماء والورثة فيما زاد على ثلثه، بل لهم إبطال العتق، فالوقف أولى.
وقال القاضي: المنصوص عن أحمد، في رواية علي بن سعيد، وبكر بن محمد، إسقاط الشفعة فيما إذا تصرف بالوقف والهبة.
[ ٩ / ٩٤ ]
وحكي ذلك عن الماسرجسي في الوقف؛ لأنَّ الشفعة إنَّما تثبت في المملوك، وقد خرج هذا عن كونه مملوكًا.
وقال ابن أبي موسى: من اشترى دارًا، فجعلها مسجدًا، فقد استهلكها، ولا شفعة فيها.
ولأنَّ في الشفعة هاهنا إضرارًا بالموهوب له، والموقوف عليه؛ لأنَّ ملكه يزول عنه بغير عوض، ولا يزال الضرر بالضرر، بخلاف البيع، فإنَّه إذا فسخ البيع الثاني، رجع المشتري الثاني بالثمن الذي أخذ منه، فلا يلحقه ضرر، ولأنَّ ثبوت الشفعة هاهنا يوجب رد العوض إلى غير المالك، وسلبه عن المالك» اهـ.
٩ - وعموم الحديث يشمل الصبي، وتتوقف مطالبته إلى كبره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٢٠١ - ٢٠٢):
«مسألة؛ قال: "وللصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة". وجملة ذلك، أنَّه إذا بيع في شركة الصغير شقص، ثبتت له الشفعة، في قول عامة الفقهاء، منهم الحسن، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وسوار، والعنبري، وأصحاب الرأي.
وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له. وروي ذلك عن النخعي، والحارث العكلي؛ لأنَّ الصبي لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ. لما فيه من الإضرار بالمشتري، وليس للولي الأخذ؛ لأنَّ من لا يملك العفو لا يملك الأخذ.
[ ٩ / ٩٥ ]
ولنا، عموم الأحاديث، ولأنَّه خيار جعل لإزالة الضرر عن المال، فيثبت في حق الصبي كخيار الرد بالعيب.
وقولهم: لا يمكن الأخذ. غير صحيح؛ فإنَّ الولي يأخذ بها، كما يرد المعيب.
قولهم: لا يمكنه العفو. يبطل بالوكيل فيه، وبالرد بالعيب، فإنَّ ولي الصبي لا يمكنه العفو، ويمكنه الرد.
ولأنَّ في الأخذ تحصيلًا للملك للصبي، ونظرًا له، وفي العفو تضييع وتفريط في حقه، ولا يلزم من ملك ما فيه الحظ ملك ما فيه تضييع، ولأنَّ العفو إسقاط لحقه، والأخذ استيفاء له، ولا يلزم من ملك الولي استيفاء حق المولى عليه، ملك إسقاطه، بدليل سائر حقوقه وديونه.
وإن لم يأخذ الولي، انتظر بلوغ الصبي، كما ينتظر قدوم الغائب.
وما ذكروه من الضرر في الانتظار، يبطل بالغائب.
إذا ثبت هذا، فإنَّ ظاهر قول الخرقي، أنَّ للصغير إذا كبر الأخذ بها، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء كان الحظ في الأخذ بها، أو في تركها.
وهو ظاهر كلام أحمد، في رواية ابن منصور: له الشفعة إذا بلغ فاختار. ولم يفرق.
وهذا قول الأوزاعي، وزفر، ومحمد بن الحسن، وحكاه بعض أصحاب الشافعي عنه؛ لأنَّ المستحق للشفعة يملك الأخذ بها، سواء كان له الحظ فيها أو لم يكن، فلم يسقط بترك غيره، كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها.
[ ٩ / ٩٦ ]
وقال أبو عبد الله بن حامد: إن تركها الولي لحظ الصبي، أو لأنَّه ليس للصبي ما يأخذها به، سقطت وهذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنَّ الولي فعل ما له فعله، فلم يجز للصبي نقضه، كالرد بالعيب، ولأنَّه فعل ما فيه الحظ للصبي، فصح، كالأخذ مع الحظ. وإن تركها لغير ذلك، لم تسقط.
وقال أبو حنيفة: تسقط بعفو الولي عنها في الحالين؛ لأنَّ من ملك الأخذ بها ملك العفو عنها، كالمالك.
وخالفه صاحباه في هذا؛ لأنَّه أسقط حقًا للمولى عليه، لا حظ له في إسقاطه، فلم يصح كالإبراء، وإسقاط خيار الرد بالعيب.
ولا يصح قياس الولي على المالك؛ لأنَّ للمالك التبرع والإبراء وما لا حظ له فيه، بخلاف الولي» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ تصرف الولي بما فيه مصلحة للصبي نافذ، كالأخذ بالشفعة أو تركها، وهذا من القربان المأذون فيه بقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، [الإسراء: ٣٤].
وأمَّا لو تركها الولي مع أنَّها أحظ للصبي، فللصبي المطالبة بها بعد كبره. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٢٠٣):
[ ٩ / ٩٧ ]
«فإن تركها الولي مع الحظ فللصبي الأخذ بها إذا كبر، ولا يلزم الولي لذلك غرم؛ لأنَّه لم يفوت شيئًا من ماله، وإنَّما ترك تحصيل ماله الحظ فيه، فأشبه ما لو ترك شراء العقار له مع الحظ في شرائه» اهـ.
١٠ - ويدخل في عموم الحديث إثبات الشفعة للشركاء المتعددين كأن تكون أرض بين أربعة فباع أحد الشركاء نصيبه لأجنبي، فلمن بقي من الثلاثة الشفعة، فإذا أخذوا نصيب الرابع تقاسموه بينهم أثلاثًا، وإن أبى اثنان من الشركاء الشفعة وطلبها الثالث فله ذلك لكن بشرط أن يأخذ حصة الشريك كلها أو يدعها كلها، وليس له أن يأخذ ثلثها لما في ذلك من الضرر على المشتري، والشفعة شرعت لإزالة الضرر لا لإحداث الضرر بالغير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٢٥٢):
«مسألة؛ قال: "فإن ترك أحدهما شفعته، لم يكن للآخر أن يأخذ إلَّا الكل أو يترك". وجملته أنَّه إذا كان الشقص بين شفعاء، فترك بعضهم، فليس للباقين إلَّا أخذ الجميع أو ترك الجميع، وليس لهم أخذ البعض.
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا.
وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
ولأنَّ في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر، لأنَّ الشفعة إنَّما تثبت على خلاف الأصل دفعًا لضرر الشريك الداخل،
[ ٩ / ٩٨ ]
خوفًا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة، فإذا أخذ بعض الشقص، لم يندفع عنه الضرر، فلم يتحقق المعنى المجوز لمخالفة الأصل، فلا تثبت.
ولو كان الشفيع واحدًا، لم يجز له أخذ بعض المبيع؛ لذلك، فإن فعل، سقطت شفعته؛ لأنَّها لا تتبعض، فإذا سقط بعضها، سقط جميعها، كالقصاص.
وإن وهب بعض الشركاء نصيبه من الشفعة بعض شركائه أو غيره، لم يصح؛ لأنَّ ذلك عفو، وليس بهبة، فلم يصح لغير من هو عليه، كالعفو عن القصاص» اهـ.
١١ - واحتج بعمومه على إثبات الشفعة حتى ولو أذن الشريك لشريكة بالبيع.
قُلْتُ: وذلك أنَّ إذنه في غير موضعه لأنَّه قبل استحقاقه للشفعة فلا يسقط به حق الشفعة.
وهذا القول فيه ما فيه من الضعف، والصحيح سقوط الشفعة بذلك لما رواه مسلم (١٦٠٨) عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ».
وفي هذا الحديث أمر النبي ﷺ للشريك أن يعرض نصيبه لشريكه قبل البيع ولولا أنَّ لهذا العرض فائدة وهي نفي الشفعة إذا لم يرض لنفسه الشراء لكان عبثًا وحاشى النبي ﷺ من ذلك، وهكذا فيه أنَّ الشريك إذا أبى أن يعرض نصيبه على شريكه فإنَّ لشريكه الشفعة، ومفهوم ذلك
[ ٩ / ٩٩ ]
أنَّه إذا عرض على شريكه قبل البيع نصيبه ليشتريه فأبى ذلك وأذن له بالبيع فليس له حق الشفعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٨٢):
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ أَذِنَ الشَّرِيكُ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْبَيْعِ، فَلَهُ ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَقَالَ: قَدْ أَذِنْت فِي الْبَيْعِ، أَوْ قَدْ أَسْقَطْت شُفْعَتِي. أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ تَسْقُطْ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا مَتَى وُجِدَ الْبَيْعُ.
هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْبَتِّيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَسْقُطُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ رَبْعَةٌ، فَأَرَادَ بَيْعَهَا، فَلْيَعْرِضْهَا عَلَيْهِ". وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: "وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ".
إذَا كَانَتْ الشُّفْعَةُ ثَابِتَةً لَهُ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ الشُّفْعَةُ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ، فَقَالَ مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ. وَقَالَ مَرَّةً: لَا تَبْطُلُ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي أَرْضٍ؛ رَبْعَةٍ، أَوْ حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ
[ ٩ / ١٠٠ ]
تَرَكَ". وَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: "وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ". فَلَا يَكُونُ لِتَرْكِهِ مَعْنَى.
وَمَفْهُومِ قَوْلِهِ: "فَإِنْ بَاعَ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِإِذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ. وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي مَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ يَأْخُذُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ رِضَائِهِ، وَيُجْبِرُهُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ بِهِ، لِدُخُولِهِ مَعَ الْبَائِعِ فِي الْعَقْدِ، الَّذِي أَسَاءَ فِيهِ بِإِدْخَالِهِ الضَّرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَتَرْكِهِ الْإِحْسَانَ إلَيْهِ فِي عَرْضِهِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ، وَامْتِنَاعُهُ مِنْ أَخْذِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الضَّرَرِ فِي حَقِّهِ بِبَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَهُوَ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْمُطَالَبَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَبْرَأْهُ مِمَّا يَجِبُ لَهُ، أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَرْضَ عَلَيْهِ، لِيَبْتَاعَ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ، فَتَخِفُّ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ، وَيَكْتَفِيَ بِأَخْذِ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ، لَا إسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ شُفْعَتِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٦/ ٢٧١):
«قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ لَمْ تَسْقُطْ). هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي "الْمُغْنِي"، وَ"الشَّرْحُ"، وَ"الْفُرُوعِ"، وَ"شَرْحِ الْحَارِثِيِّ"، وَغَيْرِهِمْ.
[ ٩ / ١٠١ ]
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. (وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي "الْمُحَرَّرِ"، وَ"الرِّعَايَتَيْنِ"، وَ"الْحَاوِي الصَّغِيرِ"، وَ"الْفَائِقِ"، "وَالْقَوَاعِدِ"» اهـ.
١٢ - احتج به على أنَّ الشفعة تكون في الأعيان دون المنافع» اهـ.
وذلك أنَّ وقوع الحدود وتصريف الطرق يكون في الأعيان.
وبناء على هذا فلا تكون في الإجارة.
وذهب بعض العلماء إلى ثبوتها في الإجارة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٧/ ٢٦٨):